الأربعاء، يناير 28، 2009

الأزمة الاقتصادية العالمية تزداد عمقا

نشر هذا الموضوع في جريدة القبس بتاريخ الاربعاء 28/1/2009
الأزمة الاقتصادية العالمية التي يعيشها العالم تخالف حاليا كافة التخمينات حول تحسن أداء الاقتصاد العالمي في عام 2009، وتسير عكس التوقعات، حيث تتعمق آثار الأزمة التي سيواجهها العالم في العام القادم، وقد حذر رئيس صندوق النقد الدولي بأن الأفق الاقتصادي لمسار الأزمة أسوأ من أية توقعات سابقة تم نشرها حول سيناريوهات مسار نمو الاقتصاد العالمي. وكان صندوق النقد الدولي قد قام في 6 نوفمبر الماضي بتعديل لتوقعاته حول مسار النمو في الاقتصاد العالمي في عام 2009، حيث أشارت سيناريوهات النمو إلى أن أنه من المتوقع أن تنخفض معدلات النمو الاقتصادي العالمي نتيجة للأوضاع المالية العالمية في العالم أجمع من 5% عام 2007 إلى 2.2% فقط عام 2009. وأن هذا الانخفاض في معدلات النمو لن يسير على نفس الوتيرة بالنسبة للمجموعات المختلفة من دول العالم، حيث كان من المتوقع أن ينخفض معدل النمو في الدول المتقدمة من 2.6% عام 2007 إلى نمو سالب بمعدل -0.3% في عام 2009. وفي الولايات المتحدة كان من المتوقع انخفاضه من 2% عام 2007 إلى -0.7% عام 2009. أما في منطقة اليورو فقد كان سيناريو النمو هو أن يتناقص معدل النمو من 2.6% عام 2007 إلى -0.5%. أما أقل معدل للنمو في الدول الصناعية فقد كان متوقع حدوثه في المملكة المتحدة، -1.3% عام 2009، مقارنة بـ 3% عام 2007. من ناحية أخرى كانت توقعات صندوق النقد الدولي لمعدلات النمو في الاقتصاديات الناشئة والدول النامية أفضل حالا، حيث توقع أن ينخفض النمو في هاتين المجموعتين من الدول من 8% عام 2007 إلى 5.1% عام 2009، وبالنسبة للصين كان المسار المتوقع هو أن ينخفض معدل النمو من 11.9% إلى 8.5% على التوالي، وكذلك في الهند من 9.3% إلى 6.3% على التوالي، وفي الشرق الأوسط من 6% إلى 5.3%.

في يوم الأربعاء 21/1/2009 أعلن رئيس صندوق النقد الدولي أن الصندوق بصدد تعديل توقعاته حول مسارات النمو في الاقتصاد العالمي للمرة الثالثة خلال ما يقل عن أربعة أشهر، وهو ما يعني أن الأزمة تتطور بشكل يفوق قدرتنا على التنبؤ بمساراتها، وأن التوقعات الاقتصادية حول مسارات نمو الاقتصاد العالمي قد ازدادت سوءا خلال الأشهر القليلة الماضية وأنه سوف يتم الكشف عن السيناريوهات الجديدة لمسارات النمو العالمي في 29 يناير القادم، وهي التوقعات التي وصفها رئيس صندوق النقد الدولي بالمتشائمة بشكل كبير. ومضمون تلك التوقعات أن العالم يواجه أزمة اقتصادية كبيرة، تتعمق آثارها مع تباطؤ معدلات النمو في الاقتصاديات المتقدمة وتمتد الآن إلى الأسواق الناشئة مثل الصين والهند ، والبرازيل، والى الدول النامية بشكل عام والتي يتوقع أن تشهد معدلات نمو منخفضة جدا بالمقارنة بالاتجاهات العامة للنمو في تلك الدول أخيرا. عام 2009 كما تشير التوقعات سوف يكون عاما سيئا للغاية بالنسبة للاقتصاد العالمي، وأنه ربما يشهد العالم تخفيف لضغوط الكساد في وقت ما في عام 2010.

ومع اشتداد تداعيات الأزمة الاقتصادية العالمية يتوقع أن يزداد خطر الاضطرابات الاجتماعية في البلدان الأشد تضررا منها، ومن ثم قد ينعكس ذلك على درجات الاستقرار السياسي لبعض البلدان مع ارتفاع معدلات البطالة وانتشار ضغوط الكساد.

لقد نجح العالم بفضل التدخل الكثيف والمنسق للبنوك المركزية في تفادي مخاطر الانهيار التام للاقتصاد العالمي في سبتمبر الماضي. وكان صندوق النقد الدولي قد أفصح عن روشته لتوليفة الإجراءات اللازمة لاستعادة مسار النمو الاقتصادي في العالم مرة أخرى نحو الاتجاه الصحيح متضمنة:

- اتخاذ إجراءات لتحقيق الاستقرار في الأسواق المالية والعمل على توفير تدفقات الائتمان في جسد القطاع المالي مرة أخرى وبمستويات كافية.
- التحفيز المالي للاقتصاد من خلال السياسة المالية عن طريق الجمع بين زيادة الإنفاق الحكومي وخفض الضرائب لإنعاش مستويات الطلب الكلي ورفع مستويات الناتج ومن ثم تخفيض معدلات البطالة.
- توفير السيولة اللازمة، بصفة خاصة في الأسواق الناشئة للحد من الآثار الناجمة عن تدفقات رأس المال إلى الخارج على نطاق واسع نتيجة للأزمة المالية.

سياسات الاستقرار الاقتصادي في فترات الكساد يمكن تلخيصها في عبارة واحدة هي "مزيد من الإنفاق" كافة دول العالم المتقدمة والناشئة قد أعلنت خططا لزيادة معدلات إنفاقها العام، غير انه من الواضح أن مستويات الإنفاق العام الحالية في تلك الدول تقل بشكل واضح عن المستويات المطلوبة لمعالجة الأزمة، خاصة وأنه من المعلوم أن استجابة الاقتصاد للمزيد من الإنفاق العام تفوق استجابته للخفض المماثل في مستويات الضرائب، سواء من حيث الحجم أو السرعة.

ما هي مضامين ما سبق بالنسبة لنا في دول الخليج؟ لحسن الحظ فان دول الخليج، على العكس من الكثير من الاقتصاديات النامية والناشئة، ما زالت تمتلك القدرة على المناورة للتعامل مع تداعيات الأزمة، خصوصا من حيث توافر القدرات المالية التي تمكنها من ذلك. فقد تعرض الكثير من الدول الناشئة والنامية لموجات هروب لرؤوس الأموال منها بحيث جفت منابع العملات الأجنبية فيها وأصبحت عملاتها الوطنية تحت ضغوط كثيفة بسبب انخفاض مستويات سيولة هذه الاقتصاديات. وكان صندوق النقد الدولي قد ساهم بما يقارب الخمسين مليار دولار لمساعدة الدول الأشد تضررا من الأزمة مثل بيلاروس، وسلوفاكيا، وسلوفينيا، ولاتفيا، وباكستان، وصربيا، وأوكرانيا ويستعد الآن لمساعدة السلفادور وتركيا. كما أعلن انه في طور تلقي المزيد من طلبات الدعم والمساندة من قائمة جديدة من الدول المتضررة من الأزمة، ويقدر الصندوق انه ربما يحتاج إلى مائتي مليار دولار أخرى لتلبية مطالب المساندة من جانب الدول المتضررة.

أوضاعنا الاقتصادية لم تصل، والحمد لله، إلى هذه المستويات الكارثية. غير انه من الواضح أنه ينبغي علينا أن نستعد من الآن لسنوات عجاف قادمة، لن تفلح معها أية إجراءات لمنظمة الأوبك بخفض مستويات الإنتاج للحفاظ على معدلات مرتفعة لأسعار النفط. حيث لن تنجح محاولات رفع أسعار النفط، في ظل الدائرة الخبيثة التي تتسبب فيها ضغوط الكساد في التأثير سلبا على أسعار النفط. ذلك أن محاولات رفع أسعار النفط في ظل تعمق آثار الأزمة سوف يؤدي إلى تراجع الطلب على النفط ومن ثم التأثير بصورة سلبية على معدلات النمو في الدول المستهلكة، وهو ما يؤدي إلى المزيد من التدهور في الطلب، ومن ثم المزيد من تدهور الأسعار. الأوضاع الاقتصادية التي سيعيشها العالم في لفترة القادمة تتطلب إذن أن تتقبل الدول المنتجة للنفط أسعارا للنفط تقل عن الاتجاه العام لها، وهو ما يعني تدهور الإيرادات النفطية للدول المنتجة بشكل كبير بفعل تراجع الكميات التي تصدرها والأسعار التي تصدر بها. الخطر المحتمل هو أن تلجأ الدول المصدرة للنفط إلى ضخ كميات أكبر لتعويض الفقد في الإيرادات الناجم عن انخفاض الأسعار لمواجهة الضغوط المالية في ميزانياتها العامة، مثلما حدث سابقا، وهو ما سوف يعمق من آثار الأزمة على أسعار النفط، ويعرض السوق العالمي للنفط الخام لفوضى عارمة.

في ضوء هذه التوقعات ما هو المطلوب في الوقت الحالي إذن؟ المطلوب أن يستمر التحفيز المالي للاقتصاديات الخليجية من خلال استخدام ما تراكم من احتياطيات مالية في سنوات ارتفاع أسعار النفط لتعزيز مستويات الإنفاق العام، حتى لو تسبب ذلك في حدوث عجز في الميزانية، وليس خفض الإنفاق العام كما أعلنت بعض الدول ومنها الكويت، لان خفض الإنفاق العام سوف يكون له آثر انكماشي مضاعف على القطاع الحقيقي من جهة وعلى القطاع المالي بصورة أكبر من جهة أخرى، وهو ما سوف يعمق من آثار الأزمة على الاقتصاد المحلي في الدول الخليجية. إن استمرار نمو الإنفاق العام في دول الخليج في المرحلة الحالية يعد إذن ضرورة حتمية للتخفيف من أعباء الأزمة.

أما بالنسبة للكويت بصفة خاصة فيجب أن تتوقف كافة دعوات هدر الإنفاق العام والتي عادت مرة أخرى إلى الظهور على السطح مع إعلان الحكومة التدخل بمحفظتها المليارية في دعم القطاع المالي. حيث أعلنت بعض الصحف إلى أن هناك نية من جانب البعض إلى المطالبة بإحياء مشروع إلغاء القروض مرة أخرى، في خطوة أقل ما توصف به أنها محاولة للصيد في الماء العكر، فليس هناك أي مجال للمقارنة بين ما ترصده الحكومة لتنشيط القطاع المالي لينهض من عثرته ويعود لممارسة دوره كقطاع رائد في الاقتصاد غير النفطي للدولة، ومن ثم ليسهم في إضافة المزيد من القيمة المضافة للناتج المحلي الإجمالي، وبين رصد أموال تهدر في سداد ديون المواطنين القادرين أصلا على سدادها، وهم من يمثلون الغالبية العظمى من المقترضين، فضلا عن إمكانية التعامل مع من لا يمكنه السداد، بحيث يتم تخفيف أعباء خدمة الدين عليه لفترات أطول، حتى يتمكن من استعادة قدرته على السداد، من خلال برامج متعددة مثل صندوق مساعدة المتعثرين. ربما يتحجج البعض بأنه إذا كانت الكويت قادرة على تخصيص نصف مليار دولار لتشجيع مباردة إنشاء تسهيلات ائتمانية للصناعات الصغيرة والمتوسطة في مؤتمر القمة الاقتصادية الأخير، فلماذا لا توجه هذه الأموال للمواطنين. على الجميع أن يفهم أن هذا المبلغ ليس هبة أو منحة، وإنما هو أموال تستثمرها الكويت، ولكن بمعدلات عائد أقل، انطلاقا من التزامها القومي نحو أشقاءها في الوطن العربي، من ناحية أخرى فان الكويت، مثلها مثل كافة دول العالم الغني لديها التزام بمقتضى اتفاقية برنامج الأمم المتحدة للتنمية أن تخصص 0.7% من ناتجها المحلي الإجمالي سنويا للمساعدة في جهود التنمية في العالم الفقير. الوقت الحالي ليس إذن هو الوقت المناسب لمثل هذه الدعوات المدمرة اقتصاديا.

الاثنين، يناير 26، 2009

التحفيز المالي للاقتصاد الخليجي خلال الأزمة

نشر هذا المقال في صحيفة الاقتصادية السعودية بتاريخ الأحد 1/2/2009 (http://www.aleqt.com/2009/02/01/article_191026.html)وعلى موقع اسواق العربية (http://www.alaswaq.net/views/2009/02/01/21029.html)
ونشر الجزء الخاص بمتطلبات التحفيز المالي في دول الخليج في جريدة الوطن بتاريخ الأثنين 26/1/2009 (http://www.alwatan.com.kw/Default.aspx?tabid=206&article_id=479838)
هناك اتفاق بين جانب كبير من الاقتصاديين على الدور الذي لعبته السياسة المالية في الخروج من أزمة الكساد العالمي في الثلاثينيات من القرن الماضي، وأن السياسة المالية كانت فعالة، وربما كانت الأداة الوحيدة الفعالة في عملية استعادة مستويات النشاط الاقتصادي في دول العالم الغربي بعد الأزمة. فقد نشطت السياسة المالية للولايات المتحدة في عهد الرئيس روزفلت بصفة خاصة من خلال إنشاء إدارة الأشغال العامة بميزانية بلغت حوالي 6% من الناتج المحلي الإجمالي في ذلك الوقت، وذلك لتقديم التمويل اللازم للولايات لتمويل المشروعات العامة، وقد استخدمت الأموال في إنشاء المستشفيات والمدارس وساحات الملاعب والمطارات، إلى الحد الذي دعا البعض إلى انتقاد برنامج الإنفاق بأنها تحول الأموال العامة لدفع أجور للعاطلين لكي يقوموا بأداء أعمال غير منتجة. غير أن مثل هذا الإنفاق لم يكن الهدف الأساسي منه هو هذه الأعمال غير المنتجة، وإنما كان هناك هدفا أسمى وهو تحفيز الاقتصاد والخروج من حالة الكساد. كذلك فانه في أعقاب الأزمة الآسيوية قامت اليابان في 1998 بتبني برنامج ضخم للتحفيز المالي Fiscal stimulus بحوالي 5% من الناتج المحلي الإجمالي للخروج من الأزمة، وكان من الواضح الآثار الايجابية للتحفيز المالي على أداء الاقتصاد الياباني في تلك الفترة، والذي ظهرت آثاره واضحة في العام التالي، حيث ارتفع معدل النمو بشكل واضح.

قصور إجراءات السياسة النقدية بمفردها خلال الأزمة الحالية أدى إلى إعادة الحديث عن دور السياسة المالية وأهمية التحفيز المالي في الخروج من الأزمة، ومن الواضح أن ظروف الأزمة الحالية هي ظروف مثالية لعمل السياسة المالية، المثيرة للجدل حول مدى فعاليتها، كمحفز للنشاط الاقتصادي. وفي واقع الأمر تتسم دول الخليج بأنها لا تعاني من نقاط الضعف الأساسية للتحفيز المالي الذي يوجه إليه دائما الانتقاد في الاقتصاديات الصناعية. ويتمثل وجه الانتقاد الأساسي في أن التحفيز المالي لا يمكنه أن يساعد في توسيع مستويات النشاط الاقتصادي لان العجز في الميزانية الناجم عن توسع الإنفاق لا بد وان يتم اقتراضه من جهة ما، وهو ما يؤدي إلى ما يسمى بالمزاحمة Crowding out، بمعنى آخر فانه على المستوى الكلي أي زيادة في الإنفاق الحكومي لابد وان يصاحبها انخفاض في إنفاق أحد المجموعات الاقتصادية في المجتمع، وهو ما يجهض أي أثر متوقع للتحفيز المالي. الدول الخليجية لا تقترض بشكل عام لتمويل عجز ميزانياتها، وإنما تلجا إلى احتياطياتها المالية في تمويل العجز، الأمر الذي يسمح للتحفيز المالي بأن يعمل بأقصى مستوياته على الاقتصاد من خلال مضاعف الإنفاق الحكومي.

بادئ ذي بدء لا بد من الإشارة إلى أن هناك سمة أساسية للأزمة الحالية ذات أهمية خاصة في تحديد متطلبات التحفيز المالي المناسب للاقتصاد الخليجي، وهي أن الأزمة الحالية سوف تستمر لفترة زمنية لن تكون قصيرة، وهي على أفضل تقدير سوف تستمر عبر مدى زمني متوسط. ومن ثم هناك ضرورة للجوء دول الخليج للتحفيز المالي للمساعدة على الخروج من الأزمة، أو على أسوأ تقدير، للتخفيف من آثارها على المستوى الكلي. من ناحية أخرى تنبغي الإشارة إلى أن التحفيز المالي للاقتصاد الخليجي سوف يرتكز على مجالات الإنفاق العام، نظرا لعدم وجود نظام ضريبي فعال في دول الخليج يمكن أن يعول عليه لأغراض الاستقرار الاقتصادي، أي أنه لن تكون هناك سياسات لتحفيز الاقتصاد من خلال التأثير على الإنفاق الاستهلاكي عن طريق خفض الضرائب. ولحسن الحظ فانه يفضل ألا يتم التعويل على الخفض الضريبي أثناء الكساد نظرا لطول فترات التأخير في الأثر المصاحب لمثل هذه الإجراءات. مطلوب إذن من الحكومات الخليجية في الفترة الحالية تبني برامج ضخمة للإنفاق الحكومي لتحفيز اقتصاديات دول الخليج في الأجل المتوسط للخروج من الأزمة الحالية، حتى وان صاحب ذلك عجز في ميزانياتها العامة بفعل ضعف الإيرادات النفطية.

ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هو أي نوع من الإنفاق العام ينبغي زيادته من أجل تحفيز إقتصاديات دول الخليج؟ للأسف فانه في السياق الحالي ليس لدينا تقديرات دقيقة لحجم مضاعف الإنفاق الحكومي حسب أنواع الإنفاق المختلفة، حتى يمكن من خلالها الحكم على أفضل أشكال الإنفاق، ومن ثم تقديم النصيحة الصحيحة لصانع السياسة حول الإجراءات الفعالة في دعم مستويات الطلب الكلي. ونتيجة لذلك يفضل تنويع سياسات الإنفاق بدلا من الاعتماد على أداة واحدة لدعم مستويات الطلب الكلي. وبصفة عامة هناك عدد من النقاط الأساسية التي يجب مراعاتها من قبل حكومات دول الخليج عند رسم سياسات التحفيز المالي وهي:

1. على حكومات دول الخليج ألا تخفض برامج الإنفاق الحالية بسبب الانخفاض المتوقع في الإيرادات النفطية، بل على العكس من ذلك لا بد من إتباع سياسات معاكسة للدورة الاقتصادية من خلال زيادة الإنفاق في وقت ميل النشاط الاقتصادي نحو الانحسار، أي أن الإبقاء على مستوى الإنفاق مرتفعا يعد أمرا أساسيا في هذه المرحلة. ومن المعلوم أن مضاعف الإنفاق يعمل بأقصى قوته في أوقات الكساد، وهو ما يثير ملاحظة أساسية تتمثل في انه ينبغي التأكد من القضاء على كافة جوانب الهدر في الإنفاق العام حتى تتحقق النتائج المنتظرة لبرامج الإنفاق الحكومي عبر دورات الإنفاق المختلفة بشكل كامل.

2. على حكومات دول الخليج العمل على استمرار كافة مشاريع الاستثمار والصيانة، وعدم تأخير تلك المشروعات بسبب انخفاض الإيرادات، ويمكن في أسوأ الحالات التركيز على المشروعات الاستثمارية الحيوية ذات الروابط الخارجية القوية في الاقتصاد الوطني، التي يمكن أن تساعد بشكل مباشر في تنشيط مستويات الطلب الكلي، وبشكل غير مباشر من خلال تعديل التوقعات التشاؤمية. بعض الاقتصاديين يرى أن الإنفاق على البنية التحتية مثل توسيع الإنفاق على الصحة وإنشاء المزيد من المدارس والطرق ومشروعات البنية الأساسية يمكن أن يكون محفزا جيدا للاقتصاد، حيث يؤدي هذا الإنفاق إلى رفع مستويات السيولة وزيادة مستويات الدخول ومن ثم رفع مستويات الطلب الكلي ومستويات التوظف.

3. على حكومات دول الخليج أن تقدم الدعم لمشروعات القطاع الخاص التي تعمل في القطاعات الحيوية في الاقتصاد، لتفادي حالات الإفلاس، كما يجب عليها أن لا تهمل خطط مراقبة برامج الانفاق لقطاع الاعمال الخاص اذا ما تعثرت تلك البرامج، فمن الممكن أن تقوم الحكومات بالتوقيع على عقود مشاركة للمشروعات الجوهرية التي ينفذها القطاع الخاص والتي تعثرت نتيجة نقص رؤوس الأموال الخاصة بسبب الأزمة لتتحول تلك المشروعات من مشروعات خاصة إلى مشروعات مشتركة، وغني عن البيان أن ذلك الأمر يجب أن يتم على أساس انتقائي بحيث تعطى الأولوية للمشروعات ذات الأهمية الإستراتيجية في القطاع غير النفطي. ذلك أن أساليب التعامل الحكومي مع الشركات الخاصة أثناء الأزمة يجب أن يختلف بعض الشئ، حيث ينبغي في هذه المرحلة التأكد من عدم قيام الشركات بخفض ميزانيات الاستثمار لديها بسبب نقص التمويل، وذلك من خلال إتاحة فرص التمويل بتكاليف منخفضة. وعلى الرغم من أن ذلك يدخل في إطار إجراءات السياسة النقدية، فان الحكومة يمكنها أيضا أن تدعم الشركات التي تواجه مشكلات صعبة بسبب نقص فرص الحصول على التمويل اللازم بسبب طبيعة الأوضاع السائدة في القطاع المالي، بشرط التأكد من احتمال استمرار تلك الشركات على المدى الطويل من خلال جهود إعادة هيكلتها لضمان استمرارها، ومن خلال تقديم الضمانات الحكومية للائتمان الممنوح لتلك الشركات، مما يساعد في جهود إعادة الهيكلة. ومن المعلوم أن للإنفاق الاستثماري العديد من المزايا أهمها الأثر الكبير على الطلب الكلي في الأجل القصير، والأثر على جانب العرض في الأجل الطويل. ولكي يسهم هذا النوع من الإنفاق في التحفيز المالي ينبغي أن يتم القضاء على فترات التأخير بين اعتماد الإنفاق وبدء عملية التنفيذ للمشروعات، والتي قد تأخذ فترات طويلة من الزمن.

4. على حكومات دول الخليج تجنب أي زيادة في أجور القطاعين العام والحكومي كجزء من سياسات التحفيز المالي، لعدة أسباب أهمها، أولا أنه لا يمكن السيطرة على اتجاهات إنفاق هذه الزيادات في الأجور لمصلحة الانتعاش الاقتصادي، وثانيا لأنه من المستحيل تخفيضها في المستقبل، وكذلك الوضع بالنسبة لأية زيادات أخرى في تعويضات العاملين مثل الكوادر والمزايا .. الخ. ومن الناحية الاقتصادية فان أشكال التحفيز المالي التي تؤدي إلى زيادة دخول الأفراد أو الشركات مثل زيادة الإعانات والزيادات في الأجور والتخفيضات في الضريبة .. الخ غير مفضلة بسبب اعتبارات عدم التأكد المصاحب لاستجابة الأفراد نتيجة الزيادة في دخولهم في فترات الكساد.

5. على حكومات دول الخليج تجنب وقف عمليات التعيين الحكومي بسبب ظروف الأزمة، بل على العكس من ذلك فإن استمرار عمليات التعيين الحكومي يصبح أمرا مرغوبا جدا في المرحلة الحالية للتخفيف من ضغوط سوق العمل، وميل جانب كبير من الشركات في القطاع الخاص إلى الاستغناء عن جزء من العمالة لديها في ظل تراجع مستويات نشاطها المصاحب للازمة.

6. أن التزام حكومات دول الخليج بالتحفيز المالي لمعالجة الأزمة يجب أن يكون واضحا ومعلنا ومستمرا، حتى يسهم بشكل فعال في تعديل التوقعات التشاؤمية للقطاع الخاص، وكذلك المتعاملين في البورصات الخليجية، وهو ما قد يساعد على نشر جو تفاؤلي داخل تلك البورصات يساعد على وقف نزيف مؤشرات الأسعار في تلك الأسواق.

السبت، يناير 24، 2009

أداء جورج بوش في مجال توفير الوظائف هو الأسوأ بين رؤساء أمريكا

عندما تقلد الرئيس الأمريكي جورج بوش منصبه في عام 2001 كانت الولايات المتحدة تستعد لدخول مرحلة الكساد، وعشية مغادرته منصب الرئاسة فانه يغادره والولايات المتحدة في منتصف كساد طويل. أي أنه دخل المكتب البيضاوي والاقتصاد الأمريكي على حافة الكساد، وخرج منه وهو في أعماق الكساد. أداء جورج بوش في مجال توفير الوظائف هو الأسوأ على الإطلاق بين القادة الأمريكيين منذ عهد ترومان. في مجال خلق الوظائف فان جورج بوش هو الأسوأ، حيث انه من أقل الرؤساء الذين ساعدوا الاقتصاد الأمريكي على توفير المزيد من الوظائف. فترتي رئاسته فلم يتمكن سوى من خلق 3 مليون وظيفة إضافية فقط، في مقابل نمو سكاني بلغ 22 مليون نسمة في عهده. مقارنة بسابقه الرئيس بيل كلينتون والذي تمكن خلال فترة رئاسته من توفير 23.1 مليون وظيفة، في مقابل نمو سكاني بلغ 25.2 مليون نسمة. أي أن إجمالي ما تم توفيره من وظائف خلال 8 سنوات من حكم الرئيس جورج بوش وفرها كلينتون تقريبا في سنة واحدة.

عندما تتم مقارنة عدد الوظائف التي تم توفيرها خلال كل سنة من سنوات حكم الرؤساء الأمريكيين فان الرئيس جورج بوش الابن يكون الأسوأ على الإطلاق في تاريخ الولايات المتحدة الأمريكية الحديث، بمعدل 375 ألف وظيفة سنويا. ومن الواضح من الجدول التالي الذي نشرته Wall Street Journal ( http://blogs.wsj.com/economics/2009/01/09/bush-on-jobs-the-worst-track-record-on-record/)أن توفير الوظائف للأمريكيين لم يكن ضمن أولويات الرئيس جورج بوش.

الجمعة، يناير 23، 2009

زيمبابوي تصدر وحدة نقدية فئة 100 تريليون دولار

زيمبابوي تمثل حالة مثالية للتضخم الجامح في العالم الان، حيث تقاس معدلات التضخم السائدة في زيمبابوي حاليا بوحدة المائة مليون في المائة، آخر الارقام المنشورة عن معدل التضخم في زيمبابوي أنه بلغ 231 مليون في المائة في عام 2008، وهو ما يعكس التدهور الرهيب في القوة الشرائية لنقودها والتي اضحت لا تساوي شيئا مع الزيادة المستمرة في أعداد الأصفار التي تضاف بشكل مستمر على فئات الاوراق التي يتم اصدارها، فمع التصاعد الرهيب في المستويات العامة للاسعار، لم تعد الفئات الورقية التي اصدرتها زيمبابوي من فئة الـ 100 مليار دولار (انظر الشكل رقم 1) تساوي شيئا، واصبح من العسير على الافراد حمل احمال ثقيلة من النقود بغرض دفع قيمة معاملة تافهة مثل شراء بيضة.

في ظل هذه الاوضاع لا بد من تعديل الفئات النقدية التي يتم اصدارها حتى تساير الصعود الفلكي للاسعار. ولذلك قررت حكومة روبرت موجابي، أفشل زعماء افريقيا إقتصاديا، أن تصدر ورقة نقدية جديدة من فئة المائة تريليون دولار، أي واحد أمامها 14 صفرا (وقت كتابة هذا المقال كانت المائة تريليون دولار زيمبابوي تساوي حوالي 30 دولارا أمريكيا، لاحظ أنه عندما تنتهي من قراءة هذا المقال سوف تكون قيمة هذه الورقة قد انخفضت عن ذلك). طالما بقي موجابي في السلطة لن يكون امام زيمبابوي من حل للسيطرة على التضخم الجامح سوى دولرة اقتصادها، أي استعمال عملة أجنبية محل العملة الوطنية، سواء أكانت تلك العملة الدولار الامريكي أو أي عملة أخرى بدلا من الدولار الزيمبابوي للسيطرة على التدهور الرهيب للقوة الشرائية لدخول وثروات الزيمبابويين. وتشير التقارير الواردة من زيمبابوي الى ان الراند الجنوب الافريقي قد بدأ يستخدم على نطاق واسع، وربما تتم دولرة للاقتصاد الزيمبابوي من خلال اعلان استخدام الراند الجنوب افريقي كعملة رسمية. حتى يحدث ذلك فان الأوضاع الاقتصادية في زيمبابوي مرشحة للتزايد في السوء.

ديكتاتور زيمبابوي دمر بلاده اقتصاديا بسياساته الخرقاء، فقبل تسلم موجابي للسلطة كانت زيمبابوي مصدرة للغذاء، اليوم يعيش الملايين من الزيمبابويين اعتمادا على المعونة الغذائية الدولية. وعلى الرغم من العزلة الدولية التي يعاني منها النظام، الا ان المجتمع الدولي لم يقف مع شعب زيمبابوي بما فيه الكفاية، هذا الشعب في حاجة الى وقفة دولية بما في ذلك استخدام القوة للاطاحة بالرئيس موغابي للتخلص من هذا النظام الذي جلب الخراب للديار، فقد هاجر حوالي نصف السكان الآن تاركين ورائهم جحيم الاسعار الذي يحرق البلاد.

شكل رقم (1) عملات زيمبابوي

شكل رقم (2) آخر اصدار لعملة زيمبابوي فئة 100 تريليون دولار

تقترب زيمبابوي الآن من أعنف تجارب التضخم الجامح التي شهدها العالم في العصر الحديث، وهي تجربة المجر في أعقاب الحرب العالمية الثانية، حيث بلغ معدل متوسط معدل التضخم الشهري 4.2 كوينتيليون في المئة، (الكوينتيليون هو واحد أمامه 18 صفرا). هل يمكن أن تتخيل ان متوسط اسعار السلع يزيد في الشهر الواحد بهذا الرقم الفلكي، لقد كانت تجربة أليمة جدا لشعب المجر. وقد شهدت المجر في هذه الفترة اصدار العملة صاحبة أكبر فئة نقدية في التاريخ بقيمة مائة كوينتيليون (واحد أمامه 20 صفرا) بينجوي (عملة المجر في ذلك الوقت)، أنظر الشكل رقم 3، كما كانت الحكومة بصدد اصدار ورقة نقدية بقيمة سيكستيليون (واحد أمامه 21 صفرا)، 1000000000000000000000 بنجوي، والموضحة بالشكل رقم 4، إلا أن هذه العملة لم تر النور حيث قررت حكومة المجر الغاء البنجوي واستبداله بعملة جديدة. لقد كانت النقود تصدر بسرعة رهيبة، لدرجة ان السلطات النقدية كانت قد اوقفت عملية طبع ارقام مسلسلة على النقود ربما لضيق الوقت بين كل اصدار وآخر، أو ربما لأنه لم تعد لهذا الاجراء اهمية لنقود لا تساوي قيمة الورق الذي تطبع عليه.

شكل رقم (3) مائة كوينتيليون بينجوي

شكل رقم (4) أكبر عملة (رقميا) في التاريخ واحد سيكستيليون بينجوي (عملة لم تر النور)

الخميس، يناير 22، 2009

تحذير للبنوك الإسلامية من اقتطاع مخصصات الاحتياطي من أرباح المودعين

نشرت القبس خبرا يوم الخميس 22/1/2009، تحت عنوان تفاهم بين بنك الكويت المركزي والبنوك حول ضرورة التحوط بشكل أكبر هذا العام باعتبار هذه السنة هي "سنة المخصصات". ومما لا شك فيه أن هذا الاتجاه يمثل اتجاها حميدا يصب في زيادة درجة متانة البنوك المحلية ويعزز من قدراتها على مواجهة أية خسائر طارئة، فضلا عن إمكانية إعادة توزيع مخصصات الاحتياطيات لاحقا على المساهمين إما في صورة نقدية أو في صورة زيادة في رأس المال حسب ما يرى البنك عند انتفاء الحاجة إلى تلك المخصصات. معنى ذلك أن مخصصات الاحتياطي تصب في مصلحة أصحاب الأسهم على المدى الطويل.

ومن المعلوم أن طبيعة البنوك الإسلامية تختلف تماما عن البنوك التقليدية، حيث لا يجوز للبنوك الإسلامية شرعا أن تحتجز جانب من احتياطياتها من إجمالي الأرباح قبل أن تقوم بتحييد نصيب المودعين. الأمر المثير للإهتمام هو أن بيت التمويل الكويتي حسب الخبر "عزز بند المخصصات بأقصى درجة ممكنة، إذ أكدت المصادر أنها ستصل إلى نحو 170مليون دينار تقريبا، مشيرين إلى أنها نالت استحسان البنك المركزي، نتيجة التحوط والحذر الذي اتبعته الإدارة. وأضافت المصادر أن أكثر من 40% منها تعزيزات احترازية للمستقبل، فضلا عن أن المخصصات ذاتها غير الاحترازية قوية جداً"، إن تعزيز بند الاحتياطي بهذا المبلغ الكبير لا يجب أن يكون على حساب التوزيعات التي سيقوم البنك بها بالنسبة للمودعين بأي صورة من الصور، لأن ذلك سيترتب عليه غبن بين لحقوق المودعين لدى البنك. ذلك أن طبيعة أعمال البنك الإسلامي تقوم على أساس مبدأ المشاركة في الربح، بعكس الحال بالنسبة للبنك التقليدي الذي يقوم بمنح فائدة ثابتة للمودع بغض النظر عن نتيجة أعمال البنك.

يفترض أن البنك الإسلامي يقوم بحصر الأرباح ثم تحييد نسبة أرباح المودعين بحسب ما هو متفق عليه في عقود الاستثمار التي ابرمها البنك مع المودعين. ومن ثم تصبح النسبة المتبقية هي حقوق المساهمين في البنك والتي توزع عليهم حسب ما ترى إدارة البنك. عندما يقرر البنك الإسلامي تخصيص مخصص للاحتياطي فينبغي أن يكون هذا المخصص من نصيب المساهمين فقط، ولا يجب بأي حال من الأحوال المساس بنصيب المودعين، لأن ذلك حرام شرعا. حيث أن تجنيب مخصص احتياطي من إجمالي أرباح البنك يعني أن المودعين يتحملون جانبا من هذه المخصصات على حساب أرباحهم، ولما كانت تلك المخصصات هي من حقوق أصحاب الأسهم فقط، فان ذلك يعني عدم العدالة في توزيع الأرباح بين المودعين والمساهمين ونقض لبنود الاتفاق في عقود الاستثمار التي يبرمها البنك، خصوصا وأن إدارة البنوك الإسلامية لا تستطيع لاحقا رد النسبة التي اقتطعت من أرباح المودعين إليهم عند انتفاء الحاجة اليها، ربما بسبب وفاة البعض، أو ترك البعض للبنك والتوجه إلى بنك آخر، أو إغلاق حساباتهم لدى البنك وغيره من الأسباب.

الأربعاء، يناير 21، 2009

قراءة في إعلان الكويت

انتهت بالأمس قمة الكويت الاقتصادية بنجاح فاق كافة التوقعات، واتفق على أن يتم عقد مثل هذه اللقاءات كل عامين ليناقش العرب أوضاعهم الاقتصادية ويراجعوا ما حققوه من نتائج في هذا الصدد، ويرسموا خطط تحسين أداءهم في هذا المجال، وليوفروا فرصا أفضل للتعاون الاقتصادي الإقليمي فيما بينهم بما يعود بالفائدة على جميع الدول العربية، ومن ثم على المواطن العربي الذي حرص إعلان دولة الكويت على أن يؤكد أن العمل على رفع مستوى معيشته هو محور هذه القمة وغايتها الأساسية. وقد قام السيد عمر موسى في نهاية القمة بتلاوة إعلان الكويت الذي احتوى على تصور القمة لأوضاعنا الاقتصادية وسبل رفع مستويات التعاون الاقتصادي بين الدول العربية، وفيما يلي نحاول قراءة أهم ما جاء في هذا الإعلان الهام.

في البداية نلاحظ أنه من الواضح أن محور إعلان الكويت هو ضرورة الارتقاء بمستوى معيشة المواطن العربي وهو جوهر أية جهود تحاول أن تعمل هذه القمة على تحقيقها. وقد أحسنت القمة أن جعلت هذا الهدف يتصدر إعلان الكويت. فلا يخفى على أحد أن الجانب الأكبر من المواطنين العرب يعيشون في ظروف اقتصادية سيئة للغاية وأن هناك الملايين الذين يعيشون تحت خط الفقر، كما يعاني العرب من أعلى معدلات البطالة في العالم تقريبا، كذلك يعاني معظم العرب من انخفاض مستويات الرعاية الصحية، حيث تتوطن الكثير من الأمراض في العالم العربي وينتشر سوء التغذية والأمراض المصاحبة لها، وتقل فرص الحصول على مياه نظيفة في الكثير من الدول، خصوصا في المناطق النائية، وتنخفض توقعات العمر عند الولادة في الكثير من الدول العربية مقارنة بالمستويات الدولية. فضلا عن ذلك يحصل المواطن العربي في كافة الدول العربية على مستويات متدنية من التعليم والتدريب، لا تؤهله لأن يكون نواة اقتصاد يعمل في عالم قائم أساسا على المعرفة، وهو أهم تحديات العالم العربي في عالم اليوم. ويوضح الجدول التالي ترتيب الدول العربية بحسب دليل التنمية البشرية الدولية الذي يصدره برنامج الأمم المتحدة للتنمية. ومن الجدول يتضح انخفاض ترتيب الدول العربية بشكل عام في الدليل الدولي للتنمية البشرية، وأن هذه الدول مطالبة بتحسين أداءها وترتيبها في دليل التنمية البشرية، وهو ما يتطلب جهودا حثيثة تتجاوز في الكثير من الأحوال الإمكانيات الوطنية لتلك الدول، وهو ما حاول إعلان الكويت التأكيد عليه.

دليل التنمية البشرية في الدول العربية

المصدر: تقرير التنمية الإنسانية العربية للعام 2005

ومن المؤكد أن الارتقاء بمستوى المواطن العربي لا يتحقق، كما أشار إعلان الكويت، إلا من خلال التنمية الاجتماعية بكافة عناصرها، وقد وضع الإعلان التعليم والتنمية البشرية على رأس تلك العناصر وهما الحلقة الأضعف في عناصر الأداء التنموي في مجال التنمية الاجتماعية في الدول العربية. ولذا عمل إعلان الكويت إلى الدعوة إلى العمل على ضرورة رفع القدرات التنموية الاجتماعية في الدول العربية من خلال العمل على تدعيم مشروعات البنية الأساسية باعتبارها الركيزة الأساسية لجهود التنمية للفرد العربي.

كذلك أكد الإعلان على ضرورة تنمية قطاعات الإنتاج والتجارة والخدمات واتخذ الإعلان من تنمية قطاعات الصناعة الصغيرة والمتوسطة أداة له في هذا المجال، وقد أعلنت الكويت عن مبادرة صندوق لتوفير الموارد المالية لدعم تلك الصناعات برأس مال مبدئي قيمته 2 مليار دولار تساهم الكويت فيه وحدها بمبلغ 500 مليون دولار. وقد كانت تلك المبادرة في غاية الأهمية باعتبار أن للصناعات الصغيرة والمتوسطة الدور الرائد في اقتصاديات العالم اجمع من حيث حجم الناتج والقيمة المضافة وخلق فرص التوظيف بشكل عام. ويعني ذلك أن توجيه الاهتمام نحو دفع هذه الصناعات في الدول العربية من الممكن أن يساعد على رفع مستويات التنمية وخلق المزيد من فرص التوظيف ومحاربة البطالة ورفع متوسط نصيب الفرد من الناتج المحلي في تلك الدول. وتنبغي الإشارة إلى أن مبادرة الملياري دولار تقل بشكل كبير عن الاحتياجات المالية الفعلية لتمويل المشروعات الرائدة في مجال الصناعات الصغيرة والمتوسطة في الدول العربية، وان الدول العربية ما زالت في انتظار المزيد من الدعم لتلك المبادرة من صناديق التنمية العربية لتوفير التمويل المناسب للصناعات الصغيرة والمتوسطة، إلا أنها مع ذلك تمثل دفعة حيوية لمثل هذه المشروعات إذا أخذنا في الاعتبار أنها سوف تقدم تمويلا منخفض التكاليف للمبادرين في تلك الصناعات. كذلك تجب الإشارة إلى أن مبادرة الكويت ينبغي أن تكون مصحوبة بجهاز كفء لإعداد دراسات الجدوى الاقتصادية والاجتماعية للمشروعات التي سيتم تمويلها للتأكد من المردود الاقتصادي والاجتماعي لتلك المشروعات، وأنها قادرة على إعادة سداد الأموال المستثمرة فيها لكي تستخدم مرة أخرى في تمويل مشروعات أخرى جديدة، وتسهم بشكل فعال في رفع مستويات الدخل وتوفير أكبر قدر من الوظائف للعاطلين في العالم العربي، وأن يتركز الاهتمام بصفة أساسية في المشروعات التي تخلق اكبر قدر من فرص التوظف

وعلى الرغم من ضعف فرص التكامل الاقتصادي الفعال بين الدول العربية أجمع اليوم نتيجة لأسباب عديدة، ليس هنا مجال الحديث عنها، إلا أن إعلان الكويت قد أثار نقطة في غاية الأهمية، وهي ضرورة التوجيه لتشجيع الاستثمارات العربية البينية وتوفير المناخ الملائم والحماية اللازمة لها وتسهيل حركة رؤوس الأموال العربية بين أقطار الوطن العربي وتوسيع نطاق واليات تنفيذ الاتفاقية الموحدة لاستثمار رؤوس الأموال العربية في الدول العربية، وفي ذلك يحث إعلان الكويت على ضرورة الاهتمام بالمشروعات العربية المشتركة. المشروعات العربية المشتركة يمكن أن تلعب دورا أساسيا في توجيه الدول العربية تلقائيا نحو مزيد من التعاون الاقتصادي فيما بينها بما تخلقه من شبكة مصالح بين مواطني الدول العربية ومؤسساتها المالية وأسواقها الإقليمية. ومن الجدير بالذكر أن حرية انتقال رؤوس الأموال بين الدول العربية ينبغي أن يصاحبها حرية، وعلى نفس القدر، للمبادرين في الانتقال والإقامة في تلك الدول، وان تتوافر كافة الضمانات للمعاملة العادلة والمتكافئة للاستثمارات العربية والمبادرين العرب بنفس القدر من الحصانة والحماية التي تتمتع بها الاستثمارات الوطنية والمبادرين الوطنيين في أي من تلك الدول، وأن تتاح لها كافة التسهيلات التي تقدم لمثيلاتها الوطنية، بما في ذلك الإعفاءات الضريبية وكافة أشكال الدعم الإنتاجي المباشر وغير المباشر.

كما أكد الإعلان كذلك ضرورة التوجيه بتعزيز دور الصناديق والمؤسسات المالية العربية المشتركة والوطنية وتطوير مواردها وتسهيل شروط منح قروضها وتطوير آلياتها ونوافذها لتمويل مشروعات البنية الأساسية لتتمكن من المساهمة في تمويل مشاريع التكامل الاقتصادي العربي بالاشتراك مع القطاع الخاص وتوفير التسهيلات الائتمانية للمشاريع. لقد أثبتت الأزمة المالية العالمية أن استثمار الأموال العربية في الأسواق الدولية لا يوفر لتلك الاستثمارات الحماية المناسبة وأن مخاطر استثمار تلك الأموال خارج المنطقة العربية مرتفعة للغاية، وأنه قد جاء الوقت لكي نفكر بشكل أكثر رشدا في كيفية توجيه أموال صناديق الاستثمار العربية لتنمية المنطقة العربية خصوصا وان هناك الكثير من فرص الاستثمار التي تمثل مناطق بكر للاستثمار وتحقق معدلات مرتفعة جدا للعائد، ناهيك عن مردودها القومي في هذه الدول. آن الأوان لكي تستخدم الأموال العربية لخلق فرص عمل داخل الوطن العربي ورفع مستويات استغلال الموارد العربية لزيادة معدلات النمو في تلك الدول، وتعزيز قدراتها التنافسية على المستوى الدولي، وأن تصبح الدول العربية هي المستفيد الأول من الفرص الهائلة التي توفرها تلك الصناديق لمصلحة الطرفين الممول والدول المستقبلة لهذه الأموال. مثل هذه التدفقات من الاستثمارات يمكن أن توفر روابط اقتصادية في غاية الأهمية بين الدول العربية وترفع من تشابك مصالحها بحيث تهيئ المناخ بشكل أفضل نحو بذل جهود حثيثة لتذليل العوائق أمام المزيد من التعاون الاقتصادي العربي، على مستوى الفلسفة التي تدار بها الاقتصاديات العربية المختلفة والتشريعات التي يتم تطبيقها والعوائق الإدارية والبيروقراطية التي يتم العمل بها، وطبيعة بيئة الأعمال بشكل عام. باختصار لن يتحقق التكامل الاقتصادي بين الدول العربية قبل خلق شبكة متكاملة من المصالح الاقتصادية بين هذه الدول، لتضغط نحو المطالبة ببذل المزيد من الجهود لتعميق تلك المصالح ورفع مستويات الاستفادة منها على المستوى القطري وعلى المستوى الإقليمي، وهو ما حرص إعلان الكويت على تأكيده.

الثلاثاء، يناير 20، 2009

لقاء مع جريد الوطن حول العملة الخليجية الموحدة

نشر في جريدة الوطن بتاريخ الثلاثاء 20/1/2009
(http://www.alwatan.com.kw/Default.aspx?tabid=231&article_id=478123)


* هل الشارع الكويتي مهيأ للعملة الخليجية الموحدة؟

الشارع الكويتي يسمع عن العملة الخليجية الموحدة، وأن هناك خطط لإطلاقها، ولكن ما هي تبعات إطلاق العملة الخليجية الموحدة على المواطن، كيف يمكن أن تؤثر على مستوى معيشته، كيف تؤثر على مستويات دخله، هل هي أفضل من الدينار الكويتي كعملة... إلى آخر هذه الأسئلة فان القليل منا من يعلم الإجابة عنها. يفترض أن يصاحب عملية إطلاق العملة الموحدة حملات إعلامية مكثفة لرجل الشارع تشرح له الأبعاد المختلفة لمفهوم العملة الموحدة. بل إن بعض الدول في أوروبا قد أجرت استفتاءا بين الأفراد حول إلغاء عملتها المحلية والالتحاق باليورو، وقد رفض الشارع في بعض هذه الدول إلغاء العملة الوطنية والالتحاق باليورو ومن ثم أبقت تلك الدول على عملتها الوطنية ورفضت أن تنضم إلى العملة الموحدة. في المجمل يمكن القول بأن الشارع الكويتي غير مهيأ للعملة الخليجية الموحدة.

* هل المناخ الاقتصادي في الكويت حاليا مستعد لاستقبال العملة الموحدة؟

لا أعتقد ذلك، خصوصا في الوضع الحالي حيث يلف الاقتصاد واحدة من أعنف الأزمات التي مرت بها الكويت عبر تاريخها، بسبب الأزمة المالية العالمية وانعكاساتها على قطاعها المالي والاقتصاد المحلي بشكل عام. ولا أتصور انه يمكن إطلاق العملة الموحدة إذا استمرت الظروف الحالية على ما هي عليه، حيث يفترض أن يتم إطلاق العملة في مناخ اقتصادي مستقر حني يستقبلها الاقتصاد بأقل تكاليف ممكنة. أما في ظل هذه الأوضاع فان إطلاق العملة الموحدة سوف يعمق من آثار الأزمة نظرا للمخاطر التي يمكن أن تكون مصاحبة لحالة عدم التأكد التي ستنشأ عن إطلاق عملة جديدة وإلغاء العملات الوطنية

* هل المسئولين في الدولة مهيئين وقادرين على تهيئة الناس؟

من المؤكد أن المتخصصين في الدولة المسئولين عن ملف العملة الخليجية الموحدة لديهم وعي كامل بالتزامات الكويت الناجمة عن الالتحاق بالعملة الموحدة، غير أن القدرة على تهيئة الناس سوف تحتاج بالتأكيد إلى حملات إعلامية مكثفة في كافة وسائل الإعلام المقروء والمسموع والمرئي لتهيئة البيئة في الدولة لعملية إطلاق العملة الموحدة وشرح الأبعاد المختلفة لتلك العملة، وآثارها بالنسبة للتعاون بين دول المجلس. والواقع أن المسئولين عن ملف العملة الخليجية في الكويت قد يحتاجون إلى الاستعانة بالخبرة الأوروبية في عملية تهيئة الشارع لاستقبل عملة موحدة.

* ألا يحتاج الأمر إلى تكامل اقتصادي حقيقي وواقعي بين دول المجلس؟

أنا شخصيا لدي الكثير من التحفظ على إطلاق عملة موحدة في دول المجلس، حيث أرى انه في ظل الظروف الحالية وواقع التكامل الاقتصادي بين دول المجلس فان إطلاق عملة موحدة سوف يكون له من المساوئ أكثر من المنافع، خصوصا وان العملات الوطنية لدول المجلس جميعا بدون استثناء تتسم باستقرار كبير فضلا عن تمتعها بالقوة. أما بالنسبة للتكامل الاقتصادي وإطلاق العملة الموحدة، فان تبني الدول التي بينها اتفاقية للتكامل لعملة موحدة يحتاج إلى أن تكون تلك الدول قد بلغت مستويات متقدمة جدا في التكامل الاقتصادي فيما بينها على الأرض، بحيث يمكن التخلي عن سياساتها النقدية الوطنية واستبدال تلك السياسات بسياسة نقدية موحدة بين تلك الدول وكذلك إلغاء عملاتها الوطنية تبعا لذلك. من الناحية الواقعية ما زالت دول المجلس تراوح في مشروع الاتحاد الجمركي، والذي لم يكتمل بعد. بل إن المثير للدهشة أن تقبل دول المجلس على إطلاق ما يسمى بالسوق الخليجية المشتركة قبل اكتمال كيان الاتحاد الجمركي. من الواضح أن إطلاق مشروع السوق الخليجية المشتركة ليس له آثار حتى الآن على ارض الواقع، حتى يمكن أن نقول إن كيان التكامل في هذه المرحلة قد اكتمل وأصبحت دول المجلس من الناحية الاقتصادية مهيأة لإصدار العملة الموحدة. إذن ليس هناك تكامل اقتصادي حقيقي بين دول المجلس إلى الحد الذي يؤهلها لإطلاق عملة موحدة.

* ألا نستحق في البداية توسيع نطاق التجارة البينية بين دول المجلس؟

إطلاق عملة موحدة لتسهيل التجارة البينية بين دول التكتل هو احد الحجج الأساسية لإصدار مثل هذه العملة، حيث أن إطلاق تلك العملة سوف يؤدي إلى القضاء على ما يسمى بتكلفة المعاملات عند قيام تاجر ما في الكويت بتحويل الدينار الكويتي إلى الريال السعودي لاستيراد سلع من السعودية والعكس، أكثر من ذلك فانه بالنسبة لعقود الدفع الأجل يحتاج التاجر أو المستثمر إلى أن يدخل فيما يسمى بعقود تحوط للتغطية ضد مخاطر تقلبات معدلات الصرف الأجنبي بين العملات وقت إبرام العقود ووقت السداد الفعلي لها. كل هذه التكاليف سوف تزول في حال إطلاق عملة موحدة. وعلى ذلك عندما تقرر أوروبا إلغاء عملاتها الوطنية واستبدالها بعملة موحدة لأنها تتبادل فيما بينها ما يزيد عن 60% من تجارتها، فان الفائدة تكون واضحة جدا من إطلاق اليورو. بالنسبة لدول المجلس فان تجارتها البينية لا تتجاوز 6% على أفضل الأحوال (بما في ذلك النفط)، أي أن حوالي 95% من تجارة دول مجلس التعاون تتم مع دول أخرى وبعملات مختلفة، وهنا يثور التساؤل هل حسابات التكاليف والعائد المرتبطة بإلغاء العملات الوطنية تبرر إلغاء عملات قوية ومستقرة لاستبدالها بعملة موحدة يحيط بها الكثير من عوامل المخاطرة وعدم الاستقرار الكامن والناجم عن تقلبات مستويات النشاط الاقتصادي في هذه الدول كل على، من اجل تسهيل عملية تمويل هذا الجز البسيط جدا من التجارة الخارجية. معنى ذلك أن دول المجلس في حاجة إلى توسيع نطاق التجارة البينة فيما بينها أولا، وهذا يتطلب أساسا درجة اكبر من التنويع الاقتصادي لهياكل إنتاج تلك الدول حتى تجد ما تتبادله فيما بينها، ومما لا شك فيه أن هذا الأمر يحتاج إلى وقت طويل وخطط تنسيق على أعلى مستوى لمجموعة من المشروعات الإنتاجية المشتركة التي توفر احتياجات دول المجلس بأكبر قدر ممكن، ليس فقط في مجال السلع، وإنما أيضا في مجال الخدمات.

* ألا تحتاج دول المجلس إلى تنويع الهيكل الاقتصادي لها؟

من المؤكد أن، إطلاق عملة موحدة يقتضي درجة كبيرة من التنويع الاقتصادي بحيث يمكن التعامل مع الصدمات الاقتصادية اللا متماثلة بسهولة. والواقع أن فحص هيكل الصادرات لدول المجلس يشير إلى انخفاض درجة التنويع الاقتصادي بشكل واضح، حيث ترتفع نسبية الصادرات النفطية إلى إجمالي الصادرات، بينما تنخفض نسبة الصادرات غير النفطية إلى إجمالي الصادرات بشكل ملفت للنظر. ويعنى التركز الشديد لصادرات دول المجلس أن هذه الدول أكثر عرضة للصدمات الخارجية، في ظل هذا الوضع لن تفيد العملة الموحدة التكتل لان السياسة النقدية الموحدة لن تفيد تلك الدول على نحو فاعل، واستنادا إلى انخفاض درجة تنوع اقتصاديات دول المجلس فان دول المجلس لا تمثل حالة جيدة لإنشاء اتحاد نقدي.

* هل يعقل أن يتم إطلاق عملة موحدة بعد 3 سنوات من إنشاء سوق خليجي مشترك قبل أن يتم اكتمال الاتحاد الجمركي؟

لا طبعا، لا يعقل ذلك، ويفترض أن يكون هناك قدر اكبر من الصبر في عملية إطلاق مشروعات التكامل فيما بين دول المجلس. ذلك أن إعلان الاستمرار في خطط إطلاق العملة الموحدة في موعدها المحدد يعد بمثابة تبسيط شديد لمسألة في غاية التعقيد، وربما عدم إدراك لطبيعة المشكلات التي يمكن أن تترتب على إطلاق عملة موحدة بدون توافر أرضية ممهدة لإطلاقها، حيث أن أرضية التكامل الاقتصادي لدول مجلس التعاون والتي يستند إليها في إطلاق عملة موحدة ليست متينة بالشكل الذي يبدو للعيان،وأن هناك الكثير من الخطوات التي لم تتخذ بعد في بناء التكامل الاقتصادي بين دول المجلس والتي ينبغي أن يوجه إليها اهتمام اكبر من مسألة إطلاق العملة الموحدة. فهل يعقل أن يتم إطلاق عملة موحدة بعد 3 سنوات فقط من إنشاء سوق خليجية مشتركة؟ وهل يعقل إنشاء سوق مشتركة قبل أن يتم اكتمال الاتحاد الجمركي وإرساء أوضاعه بشكل كامل؟، وهل يعقل أن يتم إطلاق 3 مشروعات كبرى للتكامل وهي الاتحاد الجمركي، والسوق الخليجية المشتركة، والعملة الموحدة على مدى زمني اقل من 10 سنوات. من الواضح أن دول المجلس تطلق مشاريع التعاون الواحد تلو الآخر دون أن تتأكد من اكتمال نجاحها أو توافر الشروط الأساسية اللازمة لإطلاقها، خصوصا من الناحية التشريعية. فهناك جهد تشريعي ضخم يجب أن يبذل من قبل دول المجلس في توحيد قوانين الشركات وقوانين العمل وقوانين التجارة وقوانين الضرائب وقوانين الاستثمار وقوانين التأمينات الاجتماعية وقوانين التأمين الصحي ... الخ، حتى يقال انه تم تهيئة الأرضية اللازمة للسوق المشتركة، ومن ثم إطلاق العملة الموحدة. إن خطورة مثل هذا الوضع تتمثل في انه مع إطلاق المزيد من المشروعات الناقصة في مجال التعاون، تتعقد طبيعة المشكلات التي تواجه كل مرحلة وتتضاعف، ربما بالشكل الذي قد يجعل عملية التغلب على العقبات المصاحبة لها مسألة معقدة وقد تؤثر بشكل سلبي على مسيرة التعاون برمته.

* هل ستكون العملة حلا وسطيا لتحقيق طموحات المجلس؟

لا أرى أن إطلاق عملة موحدة يحقق طموحات المجلس، ما يحقق طموحات المجلس هو المزيد من التكامل الإنتاجي والتجاري والمالي والاستثماري على ارض الواقع بحيث تحقق دول المجلس درجة عالية من الاكتفاء الذاتي يقلل من اعتمادها على الخارج إلى أدنى مستوى، ويعظم منافع عملية التبادل والاتحاد بين تلك الدول على مستوى الفرد والقطاعات المختلفة.

* ما الآلية التي سوف يتم العمل بها عند طرح العملة الموحدة؟

حتى الآن لم يتح لنا معلومات حول آليات العمل التي سيتم اتباعها عند إلغاء العملات الوطنية واستبدالها بعملة موحدة. ولكن المتعارف عليه انه سوف يتم إنشاء بنك مركزي خليجي، وقد تم إقرار ذلك، ولكن ربما هناك مزيد من النقاش حول مكان إنشاءه. سوف يتولى هذا البنك إصدار العملة الموحدة وتوزيعها على الدول الأعضاء وفقا لمعايير محدد، ربما تكون نصيب الدولة من الناتج المحلي لدول المجلس، أو نسبة التجارة الداخلية إلى إجمالي التجارة الداخلية في دول المجلس، أو عدد السكان، أو نصيب الفرد من الناتج... الخ. ثم يتولى البنك المركزي الخليجي إدارة أدوات السياسة النقدية الموحدة لمراقبة والتحكم في عرض الكمية المصدرة منها بحيث تتوافق مع مستويات النشاط الاقتصادي في دول المجلس.

* ما المنفعة من توحيد العملة الخليجية؟

الواقع أن إصدار عملة موحدة ناجحة له الكثير من الفوائد للأفراد والقطاعات واقتصاديات المجلس ككل. ومن هذه المنافع:

- زيادة تدفقات التجارة والاستثمار
إن الفائدة الأساسية من إنشاء عملة مشتركة، والتي تم التأكيد عليها في الكتابات الاقتصادية في مجال الاتحاد النقدي، هي أنها تسهل التجارة في كل من السلع والخدمات بين الدول الأعضاء، ومن ثم زيادة مستويات النمو في التكتل. حيث يترتب على اختلاف العملات المستخدمة ارتفاع تكلفة إجراء المعاملات، بصفة خاصة تكلفة الحصول على المعلومات الخاصة بالأسعار وغيرها من المعلومات، وتكاليف الفروق بين معدلات الصرف لشراء وبيع ذات العملة والتي تطلبها مؤسسات الوساطة في العملات، الأمر الذي يعمل على تثبيط مستويات التجارة البينية في السلع والخدمات وانتقال رؤوس الأموال، وقد توصلت الدراسات التطبيقية إلى أن الاتحاد النقدي يؤدي إلى زيادة مستويات التجارة البينية بين أعضاء الاتحاد. ويمكن تفسير التأثير المحتمل للعملة الموحدة على تدفقات التجارة المشتركة بين الدول الأعضاء بعدة طرق، الأولى تتمثل في تجنب تغطية مخاطر الصرف الأجنبي في حالة تعدد العملات داخل التكتل، ومن ثم فان تبني عملة موحدة سوف يساعد على تطوير مستويات التكامل النقدي الأمر الذي يدعم مستويات التجارة البينية في السلع والخدمات. من ناحية أخرى من المعلوم أن من الوظائف الأساسية للنقود أنها تسهل التجارة من خلال وظيفتيها الأساسيتين كوسيط للتبادل وكوحدة قياس، ويساعد إنشاء العملة الموحدة على تقليص تكاليف المعاملات للتجارة البينية الأمر الذي يقلل من آثار تقلبات معدل الصرف بين الدول الأعضاء وهو ما يساعد على تنمية مستويات التجارة البينية، وتمثل هذه الحجة نقطة الانطلاق في اختبار إمكانية نجاح العملة الخليجية الموحدة. فبدلا من استخدم 6 عملات بين دول مجلس التعاون لتسوية معاملاتها التجارية والمالية، سوف يتم استخدام عملة واحدة، ليس فقط في مجال الصفقات التجارية، وإنما أيضا في مجال تدفقات رأس المال، أي المرتبطة بتبادل الأدوات المالية.

كذلك تنخفض تكاليف المعاملات المرتبطة بمخاطر عدم التأكد (متابعة معدلات الصرف والتنبؤ بتقلباتها، تكاليف تحويل العملات، وتكاليف إدارة الاحتياطيات لأغراض التجارة البينية) في ظل الاتحاد النقدي، وهو ما يؤدي إلى خلق مناخ أعمال أكثر استقرارا. وينظر حاليا إلى تقلبات معدلات الصرف وارتفاع مخاطرها على أنها احد عوائق تدفقات التجارة ورؤوس الأموال. إذ تشير الدراسات التطبيقية إلى أن الدول التي تدخل كأعضاء في عملة موحدة يمكن أن تزيد حجم تجارتها البينية إلى 3 أضعاف أو أكثر. حيث ستكون فواتير التجارة بنفس العملة الموحدة. كما ترفع درجة شفافية الأسعار للسلع والخدمات. وكلما ارتفعت مستويات التجارة البينية كلما ازداد احتمال أن تكون أن ترتفع درجة الارتباط بين تقلبات مستويات الناتج في الدول الأعضاء في الاتحاد النقدي.

ومن التفسيرات الأخرى لتأثير العملة الموحدة على تدفقات التجارة والاستثمار ومستويات الإنتاجية ما يسمى بالشفافية السعرية. ففي ظل غياب العملة الموحدة سوف تحاول الشركات تحميل المستهلكين بأكبر سعر ممكن في كل سوق محلي من أسواق الإقليم، بينما في ظل وجود العملة الموحدة، سوف تجبر الشركات على التحول نحو سعر موحدة للسلعة في كل الأسواق المحلية لمنطقة التكتل، ومن المعلوم أنه إذا لم تقم الشركات بذلك فان وجود فوارق في أسعار نفس السلعة داخل أسواق الإقليم سوف يدفع المستهلكين والشركات إلى عمل تحكيم Arbitrage في السلع نظرا لسهولة نقل السلع من سوق إلى آخر في ظل وجود السوق المشتركة والعملة الموحدة، وعلى ذلك ستميل الأسعار إلى أن تتوحد في كافة أسواق التكتل، وهكذا يؤدي عدم وجود تكاليف للمعاملات في الاتحاد النقدي إلى الحد من عمليات التمييز ألسعري بين الأسواق الوطنية، وبالنسبة للمستهلكين الذين يستعملون عملات متعددة يصبح من الصعب مقارنة الأسعار بين الأسواق الوطنية عندما تتعدد العملات المستخدمة من قبل الدول الأعضاء في التكتل، مما يتيح الفرصة للمنتجين المحليين لاحتكار الأسواق الوطنية. كما أنه بدون عملة موحدة ستظل الأسواق الوطنية للدول الأعضاء مجزأة Segmented، ومن ثم تصبح عملية شراء سلعة من دولة أخرى عملية مكلفة، وهو ما يمكن المنتجين المحليين من تبني سياسات تسعير قائمة على التمييز ألسعري الأمر الذي يحد من فوائد التكامل الاقتصادي بين الدول الأعضاء، ومن المعلوم أن تقليص عمليات التمييز ألسعري يساعد على زيادة مستويات الرفاهية للمستهلكين، أكثر من ذلك ستميل الأسعار لان تكون تنافسية داخل الإقليم في ظل وجود عملة موحدة، حيث تصبح الشركات تحت ضغوط تنافسية اكبر، مما يشجع النمو السريع للإنتاجية والكفاءة في ظل المناخ التنافسي، وهكذا يتضح انه من الأرخص أن تتم عملية التجارة بين دول تتبنى عملة موحدة عن حالة وجود أكثر من عملة.

- زيادة مستويات النمو
تساعد العملة الموحدة على رفع مستويات النمو الاقتصادي في دول التكتل، حيث يؤدي غياب تقلبات العملات إلى إزالة العوائق نحو إعادة هيكلة الإنتاج والنمو، وكذلك تحسين الكفاءة في صناعات دول التكتل. فقبل إنشاء العملة الموحدة، سوف تحرص كل صناعة لها مستهلكين في دول التكتل على أن تمتلك تسهيلات في كافة الدول الأعضاء، كوسيلة للتحوط ضد تغيرات إيرادات المبيعات في تلك الدول نتيجة تغيرات أسعار عملاتها. كما لا تستطيع الشركات أن تصمم هياكلها، على أساس تحقيق أدنى تكاليف ممكنة عبر دول التكتل دون أن تواجه مخاطر تغيرات معدل الصرف. أما بعد إنشاء العملة الموحدة فان الشركات يمكنها أن تنشئ هياكلها الإنتاجية على أساس أقصى كفاءة ممكنة بتحقيق تحسين كبير في الإنتاجية، والذي يحول عدم وجود العملة الموحدة، أو مخاطر تقلبات معدل الصرف، دون تحقيقه.

- رفع كفاءة أسواق المال
يعد إنشاء العملة الموحدة أمرا مهما لأسواق المال في دول التكتل، حيث يؤدي ذلك إلى إلغاء الحواجز بين أسواق المال الوطنية عبر دول التكتل، وفي ظل غياب الاتحاد النقدي يميل المستثمرون المحليون إلى الاستثمار في المؤسسات المحلية عبر سوق المال المحلي. بينما في ظل الاتحاد النقدي سوف يسعى رأس المال إلى البحث عن أعلى الفرص لمستويات العائد على الاستثمارات في منطقة التكتل ككل. كما ستتمكن الشركات من تعبئة رؤوس الأموال من خلال كافة أسواق المال عبر دول التكتل للمشروعات ذات العوائد الأعلى، وليس من خلال سوق مال واحد. أكثر من ذلك فان الضغوط على إدارات الشركات لكي ترفع من مستويات أداءها سوف تتزايد، نظرا لتداول أدواتها المالية في كافة أسواق التكتل وليس في سوق واحد، مما يساعد على الحرص على رفع مستويات نمو الإنتاجية. ومثل هذا التأثير لا يمكن تحقيقه بدون عملة موحدة، بسبب صعوبة تغطية مخاطر تقلبات الصرف الأجنبي في الأجل الطويل، بصفة خاصة على عوائد الأسهم. كذلك يسمح الاتحاد النقدي بزيادة قدرة الشركات الخليجية على الاندماج أو الاستحواذ على شركات أخرى في مختلف دول المجلـس، الأمر الذي سيكون له آثار إيجابية على صعيد الاقتصاد الكلي والكفاءة الاقتصادية نتيجة الاستفادة من الوفورات الناجمة عن اقتصاديات الحجم.

كذلك يؤدي الاتحاد النقدي إلى تطوير أسواق المال في الاتحاد خاصة سوق السندات ويساعد على تطوير أسواق الأسهم ويؤثر فيها تأثيرا ملحوظا من حيث الحجم والعمق والسيولة نتيجة زيادة تدفقات رؤوس الأموال. ويؤدي إلى زيادة درجة اتساع وعمق الأسواق المالية حيث يتمكن المستثمرون من الحصول على الائتمان اللازم من كافة أسواق دول المجلس، وهكذا ترتفع كفاءة الخدمات المالية. إذ يصبح سوق رأس المال اكبر وأكثر سيولة عما هو الحال بالنسبة للأسواق الفردية. ويؤدي تعميق أسواق رؤوس الأموال إلى جعل تلك الدول أكثر جاذبية للأموال ليس فقط من دول الإقليم، ولكن أيضا من الدول خارج الإقليم. كذلك ستميل البنوك إلى أن تكون لديها محافظ عبر دول الإقليم، دون أن تأخذ في الاعتبار تقلبات معدلات الصرف بين عملات الدول الأعضاء. ومما لا شك فيه أن ارتفاع حجم أسواق المال سوف يتطلب مؤسسات مالية ذات كفاءة أعلى.

كذلك يؤدي الاتحاد النقدي إلى رفع كفاءة أسواق المال من خلال رفع مستويات المنافسة بين المؤسسات العاملة في مجال الخدمات المالية، مما ينعكس إيجابيا على الأسواق المالية لدول المجلس ويخفض من تكاليفها ويؤدي إلى تنويع خدماتها، وقد يؤدي كذلك إلى تشجيع الاندماج بين هذه المؤسسات على الصعيد الإقليمي للاستفادة من اقتصاديات الحجم

- دعم الاستقرار النقدي والمالي
حيث أن الالتزام بمعايير التقارب النقدي والمالي سيعزز من الشفافية والانضباط المالي على الصعيد الإقليمي، وينعكس إيجابا على الاستقرار النقدي والمالي في المنطقة، وهذه كلها عوامل مساعدة لجذب مزيد من الاستثمارات الوطنية والإقليمية والدولية إلى دول مجلس التعاون. كذلك يساعد الاتحاد النقدي على رفع درجة التنسيق بين الدول الأعضاء فيما يتعلق بعملية صناعة السياسة الاقتصادية بين دول المجلس. كذلك تزيد العملة الموحدة من فعالية إدارة السياسة النقدية التي يمكن أن تكون ضعيفة في ظل البنوك المركزية الفردية للدول الأعضاء، حيث سيعهد بشئون إدارة هذه العملة إلى مؤسسة فوق قومية تتولى عملية الإصدار وتحديد معدلات الخصم (ومن ثم معدلات الفائدة) تحديد نسب الاحتياطي... الخ،.

- تخفيض تكاليف الإصدار النقدي
وذلك من خلال تركيز عملية إصدار العملة الموحدة في يد بنك مركزي واحد وإدارة نقدية واحدة، بدلا من إصدار ست عملات من خلال ست بنوك مركزية وست إدارات نقدية. ومما لا شك فيه أن ذلك الأمر سوف يمكن من الاستفادة من اقتصاديات الحجم وما يترتب عليها من وفورات في عملية إصدار النقود في دول مجلس التعاون.

- زيادة إمكانيات التعاون السياسي بين الدول الأعضاء.
إن إنشاء اتحاد نقدي يجعل مصالح الدول الأعضاء فيه مشتركة، وهو ما يؤدي إلى تشجيع مستويات التنسيق والتعاون السياسي بين الدول الأعضاء في الاتحاد حرصا على سلامة الأوضاع الاقتصادية والنقدية في تلك الدول. ويؤدي ارتفاع مستويات التعاون السياسي إلى الإسراع في خطى التكامل بين الدول الأعضاء مما يعظم العوائد الناجمة عن التكامل الاقتصادي.

* ما هي مضار العملة الموحدة على دول المنطقة؟

على الرغم من المزايا العديدة للعملة الموحدة على دول التكتل الذي يقرر إطلاقها، فان المخاطر المصاحبة لإطلاق عملة موحدة غير ناجحة كبيرة جدا، خصوصا على مستوى الاستقرار النقدي والاقتصادي في الدول، إذا ما تعرضت تلك العملة للاهتزازات أو لم تتم إدارة معدل صرفها بجدارة من قبل البنك المركزي الخليجي، مثل هذه الاهتزازات سوف تؤثر على مستويات استقرار الأسعار وقرارات المنتجين الخاصة بالاستثمار، وانتقال رؤوس الأموال بين دول المجلس، والتأثير على الاستثمارات البينية، فضلا عن التأثير على المستويات العامة للأسعار في دول المجلس في حالة الإخفاق في إدارة الإصدار من هذه العملة. ومن الناحية النظرية تشير الكتابات الاقتصادية في مجال الاتحاد النقدي إلى تعدد متطلبات الاتحاد النقدي بين متطلبات اقتصادية ومالية وأخرى سياسية في طبيعتها. وتتمثل أهم شروط منطقة العملة المثلى في تماثل الصدمات الاقتصادية الكلية، وحرية انتقال العناصر، والانفتاح الخارجي، والتنويع الاقتصادي، ومرونة الأجور الحقيقية، ووجود مؤسسات فوق قومية، وهو ما يعرف بنظرية منطقة العملة المثلى. إن تطبيق نظرية منطقة العملة المثلى على حالة دول مجلس التعاون، يشير إلى أن معظم الشروط لا تستوفيها دول المجلس، حيث أن حرية الحركة للعناصر، والتنوع السلعي، ومرونة الأجور والأسعار، ومستويات التجارة البينية ليست في صالح إنشاء اتحاد نقدي. وبما أن دول المجلس لا تستوفي شروط إنشاء منطقة العملة المثلى، فانه يفضل عدم المضي في الوقت الحالي في إطلاق العملة الموحدة.
إضافة إلى ذلك فان هناك اثرين هامشيين للعملة الموحدة هما فقدان جزء من السيادة الوطنية بسبب التخلي عن السيطرة على السلطة النقدية المحلية وسياسات أسعار الصرف. حيث يترتب على الاتحاد النقدي وإصدار العملة الموحدة تخلي الدول الأعضاء عن عملية تصميم وتنفيذ سياسات نقدية تتماشى مع متطلبات الاقتصاد الوطني، استجابة للتقلبات الاقتصادية التي يواجهها الاقتصاد، في مقابل إتباع سياسات نقدية مركزية يتم تصميمها وتنفيذها لتتوافق مع مصلحة مجموع دول الاتحاد النقدي. ومن هنا تبدو أهمية التماثل في الصدمات الاقتصادية التي تواجهها الدول الأعضاء في الاتحاد النقدي، حتى تكون السياسات المتبعة متسقة مع مصلحة الاقتصاديات الوطنية مع دول الاتحاد النقدي ككل. أما الأثر الثاني فيتمثل في خسارة في إيرادات للدولة الناجمة عن عملية إصدار عملاتها الوطنية حاليا، ويحدث ذلك نتيجة قصر عملية إصدار النقود على السلطة النقدية الإقليمية، غير انه من الممكن تعويض ذلك بشكل جزئي من خلال توزيع عوائد عملية الإصدار على الدول الأعضاء وفقا لمعايير محددة، وكذلك فقدان القدرة على إتباع سياسات نقدية توسعية خلال فترات هبوط أسعار النفط مع تحمل قدر ما من التضخم في سبيل زيادة الإيرادات العامة للدولة.

الاثنين، يناير 19، 2009

ما هو المطلوب من قمة الكويت الإقسياسية

نشر الجانب الاقتصادي من هذا المقال في جريدة القبس بتاريخ الثلاثاء 20/1/2009
في مبادرة هامة جدا لحضرة صاحب السمو تعكس عمق وجهة نظره حفظه الله ورعاه، دعا سموه إلى عقد لقاء قمة اقتصادية للدول العربية في دولة الكويت، والتي حدد لها يومي 19 ون 20 من يناير 2009، وهي كما نعلم الأولى من نوعها لتحريك المياه الراكدة في محيط التعاون الاقتصادي العربي وتعظيم الاستفادة العربية من الموارد التي يملكها العالم العربي أجمع من خلال رسم اطر أفضل للتعاون في استغلال تلك الموارد. وقد جاء توقيت عقد القمة في زمن دقيق للغاية، حيث تدق الأزمة الاقتصادية العالمية دول المنطقة أجمع بالشكل الذي يحتاج إلى تعميق كافة أشكال التعاون بيت الدول العربية لمواجهة آثار تلك الأزمة، ورسم اطر أفضل لتحقيق مستويات أعلى من الاستقرار الاقتصادي من خلال المزيد من التعاون للحد من آثار الأزمات الاقتصادية الخارجية التي تنزل بالدول العربية من وقت لآخر بسبب ضعف التعاون الاقتصادي فيما بين هذه الدول والتي يمكن أن تشكل كتلة اقتصادية هامة يتحقق من خلالها قدر كبير من الاكتفاء الذاتي لدول المنطقة.

للأسف صاحب توقيت عقد القمة حدوث العدوان الإسرائيلي على غزة وعدم انصياع إسرائيل للمطالبات الدولية بوقف عدوانها على القطاع، وقد فشلت المحاولات لعقد قمة عربية في الأيام الأولى للأزمة نظرا لضعف النتائج المتوقع الحصول عليها منها في ظل الأوضاع الدولية والعربية السائدة حاليا، واحتمال أن تنتهي القمة العربية ببيان شجب ودعوة إسرائيل للانسحاب، وهو ما يمكن القيام به بدون قمة. قبل أيام معدودة من عقد القمة الاقتصادية في الكويت دعت قطر الدول العربية إلى عقد قمة استثنائية في قطر، وعلى الرغم من تأكيد الدول العربية الكبرى أنه ليس هناك حاجة لتلك القمة لأنه من الممكن مناقشة الموضوع على هامش قمة الكويت الاقتصادية، خصوصا وانه من المتوقع حضور معظم القادة العرب في قمة الكويت، إلا أن قطر أصرت على موقفها في عقد القمة، ولما لم تجد النصاب الكافي لعقدها دعت قطر من وافق من الدول العربية لحضور قمة الدوحة، ثم في خطوة غير مسبوقة دعت قطر الرئيس الإيراني للحضور، وهو ما عني ضمنا عدم تمكن الإمارات من حضور تلك القمة. وقد كان من الأفضل إلا تعقد القمة، لان غياب مصر والسعودية عن حضور القمة وتفضيلهما تأجيل المناقشة لقمة الكويت سوف لن يؤدي إلى حدوث أي نتائج ايجابية لهذه القمة، خصوصا على نطاق الدعم السياسي والاقتصادي الفاعل لغزة. ماذا حدث في القمة القطرية؟ كالعادة تم إلقاء الكلمات والخروج ببيان ختامي يدعو إسرائيل لوقف العدوان. من الناحية الواقعية لم يكن للقمة أي تأثير على الأرض لضعف الوزن الذي مثلته القمة، خصوصا في ظل عدم حضور مصر همزة الوصل مع إسرائيل، والمملكة العربية السعودية صاحبة النفوذ الأقوى في الخليج، والرئيس عباس ممثل السلطة الفلسطينية، ومن ثم خرجت القمة بخفي حنين.

إصرار قطر على عقد القمة على أراضيها، وعدم الانتظار لقمة الكويت التي أكد الجميع أنهم سوف يجنبون جزءا من جدول القمة الاقتصادية لمناقشة موضوع العدوان على غزة فيها، أثار الكثير من التساؤلات، ولكن من المؤكد أن عقد القمة، في ظل اعتذار العديد من الدول العربية عن الحضور وتفضيلهم الانتظار لقمة الكويت قد أدى إلى اهتزاز الإجماع العربي والذي كان من الممكن أن يصل إلى أقصى مستوياته إذا لم تعقد قمة الدوحة، وتم الاكتفاء بقمة الكويت. صفحة القمة القطرية قد انطوت للأسف دون التوصل إلى أي شيء يساعد غزة، أو في دعمها اقتصاديا وتقديم ضمانات بإعادة إعمار ما دمرته الحملة الإسرائيلية عليها. أهم ما تم هو إعلان قطر وموريتانيا عن وقف علاقاتهما مع الكيان الصهيوني، ولكن هل تمثل تلك القرارات شيئا بالنسبة لإسرائيل؟ واقع الحال يقول لا .

الفشل العربي في قمة قطر بدلا من أن يضعف قمة الكويت، أدى إلى إضفاء المزيد من الزخم لهذه القمة حيث ألقي عليها المزيد من الأعباء نحو ضرورة مواجهة الأوضاع العربية الحالية، ولذلك أفضل أن أسميها قمة الكويت الاقسياسية، فلا يمكن للقمة المعقودة لمناقشة الأوضاع الاقتصادية لعالمنا العربي أن تتجاهل الأوضاع في غزة، ولا يجب أن يحدث ذلك. ما هو المطلوب إذن في القمة الاقسياسية. على الصعيد السياسي مطلوب من القمة رأب الصدع العربي وترك الخلافات جانبا وخلق مناخ للوحدة السياسية الفعالة للدول العربية في مواجهة الهمجية الإسرائيلية، واستخدام كافة الأوراق للضغط الدولي على إسرائيل للانصياع للقرارات الدولية فيما يتعلق بوقف عدوانها على غزة، وتقديم كافة أشكال الدعم لإعادة إعمار القطاع، وبحث سبل عدم تكرار ما حدث للقطاع في ظل مبادرة عربية جادة.

على الصعيد الاقتصادي هناك أجندة مليئة بالموضوعات، أهمها التعليم وهجرة العقول ومعالجة مشكلة البطالة ودعم دور القطاع الخاص وربط الطرق والربط الكهربائي ومشكلة المياه. إلا أن ما أثار انزعاجي هو إدراج موضوع الاتحاد الجمركي بين الدول العربية على جدول أعمال القمة، في إشارة إلى إمكانية إقرار القمة للاتحاد الجمركي العربي. مما لا شك فيه أنني أؤيد أية خطوة تجمع الدول العربية اقتصاديا وتزيد من مستويات التعاون الاقتصادي بينها شريطة أن تكون تك الخطوة قابلة للتطبيق أو أن تكون الأرضية مهيأة لإطلاقها. كلنا يعلم أن الدول العربية قد وقعت على اتفاقية منطقة التجارة العربية الحرة الكبرى في عام 1996. وحتى الآن ما زالت تلك الاتفاقية تواجه العديد من الصعوبات ولم تتحول بعد إلى مشروع نراه على أرض الواقع. فما زال هناك الكثير من الخطوات التي يجب أن تتخذ فيما يتعلق بتوحيد التعريفة الجمركية البينية بين الدول العربية والاتفاق على تعريف محدد لمنشأ السلع .. الخ. في ظل هذا الوضع فان إقرار الاتحاد الجمركي العربي قبل الانتهاء من تنفيذ اتفاقية منطقة التجارة الحرة العربية الكبرى سوف يكون خطأ كبيرا، لان الاتحاد الجمركي بين الدول العربية يصعب، أو ربما يستحيل تنفيذه في الظروف الحالية للدول العربية المختلفة حيث تختلف الأنظمة الاقتصادية فيما بينها بالشكل الذي يستحيل معه قيام اتحاد جمركي فيما بينها.

ما هو الفرق بين منطقة التجارة الحرة والاتحاد الجمركي. منطقة التجارة الحرة هي اتفاقية بين مجموعة من الدول توافق على إلغاء الرسوم الجمركية على السلع والخدمات التي تتدفق فيما بينها، بالإضافة إلى ذلك فإنها توافق على إلغاء كافة القيود الأخرى التي تعيق التبادل التجاري فيما بينها مثل الحصص الكمية وأشكال التفضيل المختلفة، على كافة السلع والخدمات. ويفترض في هذه الدول أن تكون هياكل اقتصادياتها متكاملة وليست متنافسة. والدول العربية من هذا المنطلق يمكن أن تمثل حالة ممكنة لقيام منطقة تجارة حرة. الأمر الواجب الإشارة إليه هو انه في ظل اتفاقية التجارة الحرة يسمح لكل دول بالإبقاء على نظام الرسوم الجمركية الخاص بها بالنسبة للسلع التي يتم استيرادها من خارج دول المنطقة.

الاتحاد الجمركي هو منطقة للتجارة الحرة ولكن بمقتضى اتفاقية الاتحاد يتم توحيد التعريفة الجمركية الخارجية للدول الأعضاء بحيث تصبح التعريفة الجمركية على السلع التي يتم استيرادها من الخارج موحدة في جميع دول الاتحاد. فضلا عن ذلك تتبنى الدول الأعضاء في الاتحاد الجمركي سياسة تجارية مشتركة، مع السماح في بعض الأحيان للدول الأعضاء باستخدام نظام حصص الاستيراد الخاص بها. وبشكل عام ينظر إلى الدول التي تشكل اتحادا جمركيا على أنها تشكل تحالفا تجاريا فيما بينها. باختصار فانه في ظل الاتحاد الجمركي يتم إلغاء الرسوم الجمركية على السلع التي يتم استيرادها من دول الاتحاد، ثم توحيد الرسوم الجمركية على السلع التي تستوردها دول الاتحاد من خارج دول الاتحاد.

الاتحاد الجمركي مرشح للنجاح بين دول تتشابه في نظمها وفلسفتها الاقتصادية، حتى يسهل تبني تعريفة جمركية موحدة. والدول العربية تختلف نظمها وفلسفتها الاقتصادية بشكل بين، من دول تتبع فلسفة الاقتصاد الحر وتنخفض التعريفة الجمركية فيها إلى مستويات دنيا، مثل دول الخليج، ودول تتبع سياسة حماية تجارية قوية لدرجة أن الرسوم الجمركية تمثل احد المصادر الرئيسية للإيرادات العامة للدولة بسبب ارتفاع مستوياتها. كيف يمكن التوفيق بين الحالتين. من المستحيل أن توافق مصر مثلا على أن تخفض رسومها الجمركية إلى مستوى 5% مثلا لتتوافق بذلك مع مستويات التعريفة الجمركية الموحدة لدول مجلس التعاون، حيث أن ذلك سوف يحمل أثارا سلبية على إيراداتها العامة ومستويات الحماية التي توفرها لصناعتها المحلية. من ناحية اخرى فان دول الخليج لا يمكن ان تقبل بمستويات مرتفعة للتعريفة الجمركية لكي تصل الى حل وسط مع مستويات التعريفة الجمركية في باقي الدول العربية، لأن ذلك سوف يعني ارتفاع معدلات التضخم بها والتأثير سلبا على رفاهية المستهلكين بسبب ارتفاع المكون الاستيرادي في الاستهلاك المحلي. لذا أكاد أجزم بان الاتحاد الجمركي العربي إذا ما تم إقراره، فان ذلك سوف يعد بمثابة إقرار لمشروع ميت.

ما هو المطلوب من القمة إذن؟ المطلوب من القمة أن تكون واقعية في القرارات التي تتخذها، وان يتم اتخاذ تلك القرارات بعد دراسات متأنية تبتعد عن الشعارات الجوفاء ولا تسير وراء العاطفة وتدرس حالة كل دولة على حده وإمكانية انضمامها بنجاح لأي مشروع سوف يتم الاتفاق عليه، وبحث العوائق التي تمنعها من ذلك، وكيف يمكن التغلب على تلك العوائق، واقتراح الصيغ البديلة للتعامل مع الواقع. نجاح التعاون الاقتصادي العربي يقتضي إذن توافر خطط متأنية قائمة على الواقع، حتى لا تتحول تلك الاتفاقيات إلى مجلدات توضع على ارفف جامعة الدول العربية مثل ما سبقها من خطوات غير مدروسة مثل مشروع السوق العربية المشتركة. مطلوب إذن من القمة التأني وألا تسير وراء الشعارات التي لا تجد لها صدى على ارض الواقع وان تتعامل مع التعاون الاقتصادي العربية بصورة أكثر واقعية آخذة بعين الاعتبار طبيعة القيود الحالية، وسبل التخفيف من آثارها.

بدلا من إقرار الاتحاد الجمركي مطلوب من القمة تحديد مجموعة من المشاريع الإنتاجية والخدمية العربية التي يمكن أن تساعد على دعم أجهزة الإنتاج العربية وتعميق مستويات التجارة فيما بينها. وتوطين تلك المشروعات حسب المزايا النسبية التي تمتلكها الدول العربية في كل مشروع على حده. مستفيدين في ذلك من الوفرة المالية الحالية للدول النفطية العربية لتمويل الجانب الأكبر من تلك المشروعات.

مطلوب أيضا تكرار مثل هذه اللقاءات على نحو دوري، يفضل بشكل سنوي، حتى تتاح للعرب مناقشة مشكلاتهم الاقتصادية على مستوى قمة، وبحث السبل لمواجهة تلك المشكلات والتخفيف من آثارها. المقترح الحالي هو أن تكون لقاءات القمة الاقتصادية العربية كل 3 سنوات، وهي فترة أراها بعيدة جدا، واقترح أن تعقد تلك اللقاءات بشكل سنوي لتمكين القادة العرب من التحاور على أساس دوري لحل مشكلاتنا الاقتصادية العربية.

الأحد، يناير 18، 2009

هل يمكن للإصلاحات النقدية في الخليج أن تدعم انتعاش الاقتصاد الأميركي؟

كنت قد قرأت في بداية هذا الشهر مقالة Armen V Papazian حول إمكانية أن يساعد الإصلاح النقدي في دول مجلس التعاون لدول الخليج العربي الاقتصاد الأمريكي نحو الانتعاش والخروج من الأزمة الحالية، (أنظر http://www.business24-7.ae/Articles/2009/1/Pages/01012009_b842340db2a84cdf8da4dc6e5a69b53d.aspx) وقد لفت نظري الأخطاء الكبيرة في التحليل الذي قدمه الكاتب، وفي الصورة السطحية جدا التي رسمها عن واقع عمل النظم النقدية في دول مجلس التعاون، وشطط المقترحات التي ساقها الكاتب، فضلا عن بعدها عن الواقع. غير أنني فوجئت بنشر الموضوع في القبس بتاريخ 17/1/2009 بعنوان " كيف يمكن للإصلاحات النقدية في الخليج أن تدعم انتعاش الاقتصاد الأميركي؟" لذا رأيت أنه من الضروري تصحيح الصورة بالرد على المقال وتصحيح بعض المفاهيم التي وردت به، فضلا عن بيان خطورة إتباع المقترح الذي ساقه الكاتب. وتنبغي الإشارة إلى أن هذه الملاحظات قائمة أساسا على المقال الأصلي للكاتب (انظر العنوان الالكتروني أعلاه).

خلاصة مقال الكاتب هو أن دول مجلس التعاون تحتفظ حاليا باحتياطيات ضخمة من النقد الأجنبي (دولار أمريكي) تستخدمها (بالإضافة إلى قدر قليل من الذهب) في تغطية الإصدار النقدي بها، وذلك نتيجة لنظام معدل الصرف الأجنبي الذي تتبعه دول المجلس بربط عملاتها بالدولار الأمريكي، والذي يطلق عليه الكاتب قاعدة الدولار. وانه من الممكن من خلال الإصلاح النقدي بإلغاء النظام الحالي القائم على استخدام الاحتياطيات الدولارية، واستبدال تلك الاحتياطيات بسندات حكومية تصدرها الحكومات الخليجية بعملاتها المحلية لتستخدم بدلا من الاحتياطيات الدولارية كغطاء للعملات المحلية التي يتم إصدارها، ثم تقوم الحكومات باستثمار الاحتياطي الدولاري لدى الولايات المتحدة الأمريكية، وهو ما يساعد على إنعاش الاقتصاد الأمريكي ومن ثم خروجه من أزمته الحالية. ومما لا شك فيه أن هذا المقترح يقتضي ضرورة تعديل نظام معدل الصرف الأجنبي في هذه الدول من النظام القائم على التثبيت بالدولار الأمريكي، حيث يقترح الكاتب اللجوء إلى نظام التعويم المدار. هذه ببساطة خلاصة المقال. وكما أسلفت فان المقال يحتوي على قدر هائل من الأخطاء العلمية فضلا عن عدم الحاجة إلى المقترح الذي ساقه الكاتب أساسا لأنه مطبق إلى حد كبير بالفعل، بالإضافة إلى خطورة استبدال النظام الحالي في تغطية عملية الإصدار النقدي في دول مجلس التعاون. وفيما يلي الملاحظات على المقال:

الملاحظة الأولى، من قال أن دول مجلس التعاون في حاجة إلى القيام بإصلاحات نقدية فيما يتعلق بنظم الإصدار النقدي وعرض النقود فيها، وما هو الخطأ في النظم الحالية لإصدار النقود في دول المجلس. من الناحية الواقعية ليس هناك أي مشكلة على الإطلاق في النظم الحالية، وهي تتم وفقا للنظم العلمية المتعارف عليها في هذا المجال، فضلا عن ذلك فان نظم عرض النقود في دول المجلس تتسم بالاستقرار الشديد والذي ينعكس في صورة عملات مستقرة وقوية، ومن الناحية العملية فان عملات دول مجلس التعاون تعد أكثر عملات هذا العالم استقرارا، ومما لا شك فيه ان تلك الحقيقة تعكس جودة نظم إصدار وعرض النقود في تلك الدول، ومن ثم فإنها ليست في حاجة إلى الإصلاح كما يوحي المقال.

الملاحظة الثانية: من قال أن احتياطي البنوك المركزية من النقد الأجنبي يتم الاحتفاظ بها في صورة سائلة ولا يتم استثمارها، بحيث يقترح الكاتب أن يتم استبدالها بسندات حكومية لاستثمار تلك الاحتياطيات في الولايات المتحدة الأمريكية. أن مقترح الكاتب يعد تصور سطحي جدا لعملية الإصدار النقدي. فالاحتياطيات الخارجية للبنوك المركزية بالدلاور الأمريكي ليست كلها سائلة، أن القدر الأكبر من تلك الاحتياطيات عبارة عن أذون خزانة قصيرة الأجل، معنى ذلك أن احتياطي البنك المركزي من العملات الأجنبية عبارة عن جزأين جزء سائل وهو الأقل، والباقي عبارة عن أذون خزانة بالعملات التي يتم الاحتفاظ بها. ذلك أن احتفاظ البنوك المركزية في دول المجلس باحتياطياتها الخارجية في صورة سائلة يؤدي إلى خسارتين؛ الأولى هي خسارة الفوائد التي يمكن تحقيقها من استثمار هذه الاحتياطيات في أدوات قصيرة الأجل، مثل اذونات الخزانة الأمريكية قصيرة الأجل، أما الخسارة الثانية فهي التكلفة الضخمة لعملية نقل وتخزين هذه المليارات من الدولارات في صورة سائلة، ولا يوجد في العالم بنك مركزي يفعل ذلك. إن قيام البنوك المركزية باستثمار احتياطياتها الخارجية من خلال شراء أذون خزانة قصيرة الأجل للبنوك المركزية صاحبة العملات التي تحتفظ بها يحقق فائدتين للبنك المركزي، الأولى هي العائد على هذه الأذون، والثانية هي السيولة، حيث يسهل تحويل تلك الأذون إلى صورة سائلة بسرعة وبتكلفة منخفضة في حال الحاجة الطارئة إلى تلك الاحتياطيات. معنى ذلك أن ما يسعى الكاتب إلى اقتراحه من خلال تحرير تلك الاحتياطيات واستثمارها في الاقتصاد الأمريكي هو مطبق بالفعل، ولكن في صورة استثمارات قصيرة الأجل، أي أنها تذهب إلى الولايات المتحدة بشكل ما، وليس كما يتصور الكاتب.

الملاحظة الثالثة، يقترح الكاتب أن تتم تغطية العملات الخليجية فقط بالسندات الحكومية. تنبغي الإشارة إلى أن البنوك المركزية في الخليج تستخدم السندات الحكومية في تغطية جانب من عمليات الإصدار النقدي، حتى في تلك الدول التي لا تقوم فيها الحكومات عادة بالاقتراض، وذلك لتسهيل عمل النظام النقدي وتمكين البنوك فيها من الاقتراض من البنك المركزي، أو استخدام تلك السندات كرهون للقروض المتبادلة فيما بينها. إلا أن اقتراح أن يتم تغطية الإصدار بالكامل بالسندات الحكومية فانه يعد اقتراحا خطيرا، حيث يضع هذه العملات في مهب الريح. ذلك أن مصدر القوة الأساسي الذي تتمتع به العملات الخليجية حاليا هو هذه الاحتياطيات الضخمة من النقد الأجنبي التي تقف على أهبة الاستعداد للتدخل في أي وقت لحماية تلك العملات إذا ما طرأ من الإحداث ما يهدد تلك العملات في أسواق الصرف الأجنبي. ومن ثم تمثل تلك الاحتياطيات صمام الأمان للبنوك المركزية للدفاع عن عملاتها. أما عندما يتم تغطية تلك العملات بالكامل بالسندات الحكومية، فإن أي تراجع للإيرادات النفطية أو أي عجز في الميزانية العامة لتلك الدول سوف يصحبه انخفاض في قيمة تلك العملات، نتيجة انخفاض القيمة الحقيقية للغطاء التي ستنتج عن زيادة عمليات إصدار السندات الحكومية لتغطية العجز في الميزانية.

الملاحظة الرابعة: أن استخدام السندات الحكومية فقط لتغطية العملات الوطنية قد يغري حكومات تلك الدول بالإفراط في إصدار تلك السندات، بصفة خاصة في أوقات تراجع الإيرادات من النفط، خصوصا وان تلك الدول لا يوجد لديها نظام ضريبي يمكنها من تغطية القدر الأكبر من إنفاقها من خلال الضرائب على المبادلات التي تتم في الاقتصاد الوطني، وهو ما يؤدي إلى تشجيع الضغوط التضخمية ومن ثم عدم الاستقرار النقدي.

الملاحظة الخامسة، يقترح الكاتب استبدال نظام معدل الصرف الأجنبي الحالي من نظام التثبيت بالدولار الأمريكي إلى نظام التعويم المدار. ونظام التعويم المدار يقوم على أساس أن تترك الدوله معدل صرف عملتها حرا وفقا لقوى العرض والطلب حتى حد معين (ارتفاعا أو انخفاضا) بعدها يتدخل البنك المركزي أساسا باستخدام احتياطياته من النقد الأجنبي لإعادة معدل الصرف إلى حدود التقلب المتفق عليها وفقا للنظام، فضلا عن تعديل معدل الفائدة. ويعني ذلك انه حتى وإذا تم استخدام نظام التعويم المدار، فان البنوك المركزية في تلك الدول لا بد وان تستمر في الاحتفاظ باحتياطيات من النقد الأجنبي، بغرض إدارة معدل الصرف والحد من الارتفاع المستمر فيه، أو الانخفاض المستمر فيه. فإذا ما تم تجريد البنوك المركزية في هذه الدول من تلك الاحتياطيات فان الأمر مرشح لانهيار تلك العملات في حال أخذت تلك العملات في التراجع دون تدخل لوقف هذا التراجع. من ناحية أخرى وهذا هو الأهم فان التعويم المدار يتطلب شروطا أساسية لنجاحه ليست متوفرة في دول المجلس.

الملاحظة السادسة: يشعر القارئ للمقال أن الكاتب يقترح أن تقوم دول المجلس بتدوير إيراداتها النفطية مباشرة إلى الاقتصاد الأمريكي، حيث يقول بالنص "إذا تم إجراء إصلاحات هيكلية فان إيرادات الحكومات من البترودولارز يمكن تحويلها بشكل مباشر نحو الاستثمارات المباشرة في الأصول المقومة بالعملات الأجنبية، بصفة خاصة الأصول الأمريكية" إذا اتبعت دول الخليج هذا الاقتراح الساذج، فمن أين لها أن تمول إنفاقها العام، خاصة وانه ليس لديها نظام ضريبي يمكنها من تمويل جانب من إنفاقها العام بعيدا عن إيرادات البترودولارز. ببساطة يقترح الكاتب أن تمول الحكومات إنفاقها المحلي من خلال الاقتراض، فإذا كان الإنفاق الحكومي هو المكون الأكبر من مكونات الإنفاق الكلي، فلمن تبيع الحكومة هذه السندات. إذا طبقت حكومات دول المجلس هذا المقترح، فضلا عن عدم إمكانية تطبيقه من الناحية العملية، فلن يبقي في نظمها المالية أي مدخرات قابلة للإقراض لأي قطاع من قطاعات الاقتصاد الوطني.

الملاحظة السابعة: أنه بفرض قيام البنوك المركزية في دول الخليج باستخدام احتياطياتها السائلة من الدلاور للاستثمار في الاقتصاد الأمريكي، فان حجم تلك الاحتياطيات السائلة مجتمعة لا يمثل هذا القدر الجوهري الذي يتصوره الكاتب، وسوف يكون بمثابة نقطة مياه في محيط هائل هو الاقتصاد الأمريكي.

ملاحظة أخيرة، ورد في المقال الذي نشرته القبس عبارة "وفي الوقت الذي يتم دعم إصدار العملات المحلية بالسندات المحلية، وعندما يطفو معدل الصرف يمكن عندئذ للاحتياطيات الأجنبية في البنوك المركزية الموجودة أن تنتشر بشكل تكون فيه أكثر إنتاجية" وهي ترجمة خاطئة للعبارة الأصلية في المقال، وصحة الجملة هي "عندما يتم إصدار العملات المحلية بغطاء من السندات المحلية، وعندما يتم إتباع نظام التعويم المدار لمعدل الصرف، فان احتياطي البنوك المركزية يمكن استخدامها بصورة أكثر إنتاجية".

الثلاثاء، يناير 13، 2009

نعم للمزيد من خفض معدلات الفائدة في الكويت

نشر في جريدة القبس بتاريخ الثلاثاء 13/1/2009

نشرت القبس يوم الأحد 11/1/2009 مقالا بعنوان "لا للمزيد من خفض معدلات الفائدة" (انظر المقال في جريدة القبس http://www.alqabas.com.kw/Article.aspx?id=463687&date=11012009) وقد حمل المقال هجوما، على المقال الذي نشرته لي جريدة القبس يوم الخميس 8/1/2009 "بعنوان لماذا لا تتجه الكويت إلى الفائدة الصفرية" سأحاول في هذا المقال أن أرد على جوانب النقد الموضوعية في المقال المذكور، لأؤكد مرة أخرى أن هناك حاجة إلى المزيد من الخفض لمعدلات الفائدة في دولة الكويت، حيث ما زلت أؤمن أن الاقتصاد الكويتي يحتاج إلى المزيد من جرعات خفض معدل الفائدة ومن المؤكد أن المستقبل سوف يشهد المزيد منها.

بادئ ذي بدء فان بنك الكويت المركزي قد أعلن يوم السبت الماضي، أي قبل نشر مقال "لا للمزيد من خفض معدلات الفائدة" بيوم واحد عن خفض معدلات الفائدة بنصف في المئة، هذه الخطوة أراها خطوة هامة في الاتجاه الصحيح وتتماشى تماما مع جوهر مقالي الذي نشر قبل هذا الخفض بيومين، مما يعني أن البنك المركزي يرى أن المعدلات السائدة للفائدة حاليا تعد مرتفعة، وان هناك حاجة إلى تعديل معدلات الفائدة لكي تتوافق مع مستهدفات البنك المركزي بالنسبة لهذه الأداة، وهو ما يتنافى مع ما ذهب إليه المقال المنشور بعنوان "لا للمزيد من خفض معدلات الفائدة" أما بالنسبة للملاحظات التي سيقت حول قلة فاعلية معدل الفائدة في ظل الظروف الحالية في دولة الكويت، مهما تم تخفيضه، فان المقال يسرد عدة أسباب هي كالآتي:

السبب الأول أن "سعر الفائدة في الاقتصادين الأمريكي والياباني له أثر في القرارات التي تتخذها مكونات الاقتصاد الصناعية والاستثمارية والأخرى (يقصد الأنشطة الاقتصادية) وأن تخفيض معدل الفائدة يعني تنشيط الاقتصاد وكبح معدلات البطالة المرتفعة" بينما الفائدة الصفرية ليست ذات جدوى في حالة الكويت، أتفق مع الشق الأول، وأختلف مع الشق الثاني، حيث أن هذا لا يعني أنه ليس لمعدل الفائدة أي دور في اقتصاد دولة الكويت، وإذا كان الأمر كذلك فلماذا هذا التعديل المستمر لمعدل الفائدة من قبل البنك المركزي. ببساطة شديدة ينقسم الاقتصاد الكويتي إلى قسمين الاقتصاد النفطي والاقتصاد غير النفطي، وعلى رأسه القطاع المالي، نعم الاقتصاد النفطي لا يتأثر بمعدل الفائدة لان أداء الصناعة النفطية يعتمد على عوامل خارجية، إلا أن الاقتصاد غير النفطي، والذي أصبح وزنه حاليا لا بأس به ضمن مكونات الاقتصاد الكلي، لا شك انه يتأثر بمعدل الفائدة وتطوراته.

بالنسبة للسبب الثاني يشير المقال إلى أن "معظم الدراسات الكمية أثبتت أن معدل الفائدة في الكويت يتناسب طردا مع نشاط سوق العقار والأسهم وذلك مخالف للنظرية" والواقع أن ما توصلت إليه تلك الدراسات بالصورة التي عرضها المقال ليس مخالفا للنظرية، وإنما مؤيدا لها، إن مفاد تلك الملاحظة هو أن معدل الفائدة سوف يكون مرتفعا عندما يكون قطاعي العقار والأسهم في أوجهما، والعكس عندما يهبط النشاط في هذين النشاطين، ويعني ذلك أن هذا السلوك لمعدل الفائدة في الكويت يتماشى مع نظرية الدورة الاقتصادية تماما وليس العكس كما ادعى المقال. لماذا؟ لأن بلوغ قطاع العقار والأسهم لأوجهما يعني أن هناك حالة رواج في الاقتصاد المحلي، ومن المعلوم انه في حالة الرواج ترتفع معدلات الفائدة بفعل ارتفاع الأسعار، وفي حالات هبوط النشاط الاقتصادي تميل معدلات الفائدة نحو الانخفاض بفعل تراجع مستويات الأسعار. ووفقا لنظرية الدورات الاقتصادية يجب أن يتخذ صانع السياسة إجراءا معاكسا للدورة حتى يحدث التناغم المطلوب في مستويات الطلب الكلي، أي أن يجعل معدل الفائدة مرتفعا في أوقات الرواج، حتى يحد من سخونة الاقتصاد، والعكس. مرة أخرى فان ذلك يعني أن صناعة السياسة النقدية الخاصة بمعدل الفائدة في الكويت سليمة تماما من الناحية العملية، وأن معدل الفائدة يمثل احد الأدوات الفعالة للسياسة النقدية في دولة الكويت، على عكس ما ادعى المقال.

بالنسبة للسبب الثالث حول الأثر المحدود لمعدلات الفائدة على بعض شركات الاستثمار، بسبب "أن هناك سوء إدارة وتقدير سيئ في اتخاذ القرارات" فهل هناك اختلاف بين ما قامت به شركات الاستثمار في الكويت، وما قامت به أعتى المؤسسات المالية في الولايات المتحدة الأمريكية، ولكن الحكومة الأمريكية لم تبادر إلى إصدار الحكم بالإعدام على تلك المؤسسات لأنها لم تتبع الأسس السليمة في أعمالها، على العكس من ذلك فان هناك هجوما حادا على الحكومة الأمريكية بأنها تركت بنكا مهما مثل ليمان براذرز يواجه الإفلاس، وأن الجميع يقر بان ذلك يعد خطأ فادحا لا يجب أن يتكرر. نعم ربما تكون بعض الشركات في الكويت قد أخطأت ولكن ذلك السلوك كان قاعدة العمل السائدة في تلك الفترة ليس فقط في الكويت، وإنما في كافة أنحاء العالم، ومن المؤكد انه إذا لم تحدث الأزمة، لكانت تلك الشركات بخير اليوم، ومما لا شك فيه أن هناك العديد من الأفكار للتعامل مع واقعها، ومن المؤكد أن الكثير منها يحتاج إلى تكلفة اقتراض اقل، ضمن حلول أخرى لمعالجة تلك الأزمة.

بالنسبة للسبب رقم 4، لماذا تم إقحام سيادة المحافظ بهذه الصورة في هذا الموضع من المقال، لا خلاف على درجة المهنية العالية التي يتمتع بها محافظ بنك الكويت المركزي من بين محافظي البنوك المركزية العرب، وهذه ليست شهادتي، إنما أنا أنقل عن جهات عالمية معتبرة في هذا المجال، ومما لا شك فيه أن قيام البنك المركزي يوم السبت الماضي بتخفيض معدل الفائدة بخمسين نقطة، يؤكد ذلك، وهو ما يصب مرة أخرى في المهنية العالية للمحافظ وفريقه. أما بالنسبة للجانب الثاني من الملاحظة والذي يتحدث عن المساوئ الكثيرة جدا للفائدة الصفرية، فقد ذكر مقالي تلك المساوئ، إلا أن ذلك لا يعني أنها سياسة عديمة الفاعلية، وإذا كانت مساوئ معدل الفائدة الصفري بهذا الشكل الذي يشير إليه الكاتب، لماذا إذن تعتمدها الدول المتقدمة حاليا كسياسة معلنة بشكل رسمي، وكخط دفاع أول. أما بالنسبة للقول بأن "خفض معدل الفائدة إلى الصفر سوف يرفع حجم القروض الشخصية، ومن ثم يزيد معدلات الاستهلاك على حساب الادخار الخ"، فإن هذا إن تحقق، في ظل معدلات الفائدة المنخفضة، فان ذلك يعني أن تلك الأداة قد حققت أهدافها المرغوبة بصورة مثلى، بمعنى آخر فان ما يخشاه المقال هو بالفعل النتيجة المطلوب تحقيقها في ظل الأزمة الحالية. فمن المعلوم أن قطاعات عريضة في الاقتصاد الكويتي تعاني اليوم من انحسار معدلات مبيعاتها، ومن ثم مستويات أرباحها، الأمر الذي أدى بالعديد من الشركات في القطاع الخاص إلى التخلص من جانب من العمالة الوطنية العاملة بها، حسب ما تنشر التقارير الصحفية. إذا كان الوضع كذلك فما هي الروشتة المناسبة لهذا الوضع في أي اقتصاد؟ المطلوب إذن في ظل هذه الأزمة أن يكون هناك إنفاق استهلاكي واستثماري عند أعلى مستوى، وأن يكون الادخار عند أدنى مستوى، ثم ما هو الخطأ في ارتفاع معدلات الاقتراض طالما انه يراعي عند منح تلك القروض الملاءة المالية للمقترضين وقدرتهم على خدمة تلك القروض على المدى الطويل، فضلا عن مراعاة المرحلة من الدورة الاقتصادية التي يمر بها الاقتصاد. إن المشكلة التي تواجهها الاقتصاديات في أوقات الأزمات وانتشار التوقعات الانكماشية، هي أن إقبال الأفراد على الاقتراض يقل، حتى مع انخفاض معدلات الفائدة بسبب انتشار التوقعات التشاؤمية. من ناحية أخرى فان مقالي لم يطالب بإلغاء الهامش بين معدل الفائدة على الدينار مقارنة بالدولار، بل على العكس من ذلك، المقال يؤكد ضرورة استمرار وجود هذا الهامش، ولكن تعديله وفقا لتطورات معدلات الفائدة الأساسية في الولايات المتحدة الأمريكية، في ضوء مستهدفات البنك المركزي في هذا الصدد.

وأخيرا بالنسبة للشق من الملاحظة الذي ينتقد الأكاديميين في دولة الكويت "بأنهم يعتقدون أن النظريات الاقتصادية تنطبق على كل الحالات وأنها مثالية ولا يعيشون الواقع ويقيسونه" فلا أستطيع أن أمنع نفسي من الذود عن زملائي الأكاديميين في جامعة الكويت. فأكاديميي الجامعة ليسو بعيدين عن هذا الواقع، وإنما يعيشونه أكثر من غيرهم، وهم الرافد الأساسي للخبرات التي تحتاجها الجهات المختلفة في الدولة، وهم لا يعيشون في برج عاجي منفصلين عن هذا المجتمع كما يوحي المقال، بل على العكس من ذلك تماما، أنهم يعيشون واقع هذا المجتمع، ويستخدمون هذا الواقع بشكل مكثف في أبحاثهم العلمية، وحالاتهم العملية داخل الفصول الدراسية، وندواتهم العلمية، ومؤتمراتهم السنوية .. الخ. بل إن كل ما استند إليه المقال من ملاحظات حول دور الإنفاق الحكومي ودور السياسة المالية ودور السياسة النقدية في دولة الكويت إنما هو منقول عن ما توصل إليه الأكاديميون في بحوثهم ودراساتهم وندواتهم، فكيف يقال عنهم أنهم منفصلين عن هذا الواقع.

بالنسبة للملاحظة رقم 5، حول خطر استدراج الاقتصاد إلى مصيدة الانكماش، فإنني في هذه النقطة بالذات لم أكن أتحدث عن الاقتصاد الكويتي، وإنما كنت أتحدث عن الاقتصاد العالمي. أما بالنسبة للدور المقبل للسياسة المالية، فاعتقد أن مقالي قد أكد بشكل واضح على ذلك، ليس في الكويت فقط، وإنما في دول العالم أجمع، وقد بدأت الأدبيات الاقتصادية الآن تعود مرة أخرى إلى نغمة فعالية السياسة المالية، بعد أن كانت قد انتهت تقريبا على نطاق البحث الاقتصادي. أما بالنسبة للادعاء بان الميزانية القادمة سوف تحافظ على فائض جيد تتمكن من خلاله الدولة من الإنفاق، فهذا إن حدث فإنه يمثل خطأ علميا، لان الفائض الجيد في هذه الحالة سوف يعني أن الميزانية انكماشية، ومن ثم تسهم الحكومة بهذا الشكل في تدهور أوضاع الاقتصاد الكلي، استنادا إلى أن الإنفاق الحكومي هو المحرك الأساسي للنشاط الاقتصادي في دولة الكويت كما يشير الكاتب، من ناحية أخرى كيف تحافظ الدولة على فائض جيد في ظل انهيار إيرادات النفط وجمود الإنفاق الحكومي الجاري، والذي يصعب جدا تخفيضه بصورة جوهرية، كما توحي الملاحظة.

إن واقع الحال يشير إلى أننا ما زلنا في انتظار المزيد من خفض لمعدلات الفائدة، وان معدلات الفائدة الحالية في دولة الكويت تنحرف بعض الشيء عن اتجاهها طويل الأمد، ولإثبات ذلك يمكن مقارنة معدلات الخصم في الكويت بتلك الخاصة بالولايات المتحدة الأمريكية، وهو أحد المستهدفات المعلنة لبنك الكويت المركزي. وتنبغي الإشارة إلى عدم إمكانية عقد تلك المقارنة وفقا لأحدث البيانات (اقصد الأربع اشهر السابقة)، حول تلك المعدلات من الفائدة بسبب عدم توافرها، ما تمكنت من الحصول عليه هو معدلات الخصم لدى بنك الكويت المركزي والاحتياطي الفدرالي عن الفترة من يناير 1995 إلى سبتمبر 2008، (بيانات شهرية، أي على مدى 165 شهرا). ويوضح الشكل التالي معدلات الخصم في الكويت والولايات المتحدة الأمريكية خلال تلك الفترة. ومن الواضح أنه على العكس من معدلات الخصم في دولة الكويت والتي كانت تميل دائما إلى التعديل السريع مع تطورات معدلات الخصم في الولايات المتحدة، فانه خلال الفترة الأخيرة، يتسع الهامش بين المعدلين على نحو واضح، حيث لم تكن الفروق في معدلات الخصم بهذا الاتساع في أي وقت مضى خلال الفترة الطويلة، وهذا هو ما قصدته في مقالي، وأعتقد أن هذه الفجوة قد مالت نحو الانخفاض قليلا الآن في ظل التعديلات المستمرة التي يجريها بنك الكويت المركزي على معدل الخصم في دولة الكويت، لكن عدم توافر البيانات لم يسمح لنا بإبراز ذلك. إن الشكل يوضح حقيقة مهمة جدا، وهي أن هناك عملية تعديل مستمر لمعدل الخصم في الكويت مقارنة بمعدل الخصم بالولايات المتحدة الأمريكية، غير أن سرعة عملية التعديل تختلف كما هو واضح من الشكل من فترة لأخرى، لكنها تعود سريعا إلى تلك المستهدفات في أن يكون هناك هامش لصالح الدينار الكويتي.


من المؤكد أن العالم، ودولة الكويت من بينه، يواجه أزمة بالغة التعقيد، وأن آليات التعامل مع الأزمة تستدعي اتخاذ كافة الإجراءات التي يمكن أن تخفف من وقع الأزمة، وأن التعامل مع الأزمة كما تشير الكتابات الاقتصادية في هذا المجال سوف تتطلب قدرا هائلا من الحلول غير التقليدية لمواجهتها، والتي من بينها معدل الفائدة الصفري، كأول أداة من أدوات السياسة التي لجأت إليها دول العالم.

ومما لا شك فيه أنني سعيد بالملاحظات التي أثيرت في المقال لأن الجدل العلمي الموضوعي هو من الأمور البناءة التي تثري النقاش، وهذا ما حرصت أن أورده في هذا المقال، أما ما تطرق إليه المقال سالف الذكر من مساس بشخصي، فإني أتسامح فيه.

الخميس، يناير 08، 2009

الاقتصاد العالمي بمعدل فائدة صفري

نشر في القبس بتاريخ الخميس 8/1/2009
أعلن البنك المركزي الياباني أنه سوف يعود مرة أخرى لسياسات معدل الفائدة الصفري التي اتبعها في التسعينيات وأوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، وذلك بتخفيض معدل الفائدة إلى 0.01%، أي حوالي صفر%، وكان الاحتياطي الفدرالي قد أعلن في 16 ديسمبر الماضي أن معدل الفائدة المستهدف هو ما بين 0.0% إلى 0.25%، وأنه لا حدود لتخفيض معدل الفائدة في الولايات المتحدة، أي أن معدل الفائدة من الممكن إن يصل إلى أرضيته الصفرية. وقد جاء هذا الإعلان كرد فعل للتطورات الاقتصادية والمؤشرات السيئة التي كشف عنها سوق العمل في صورة ارتفاع لمعدلات البطالة، وانخفاض استثمار قطاع الأعمال و كذلك انخفاض الإنتاج الصناعي، ومن ثم فإن كافة المؤشرات التي تشير إلى تراجع الأداء الاقتصادي الأمريكي، وهو ما يعني أن القطار قد وصل بالفعل إلى محطة الكساد.

انخفاض معدلات الفائدة إلى مستويات قريبة من الصفر أصبح اليوم ظاهرة عالمية في ظل الأزمة الاقتصادية العالمية. إن انخفاض معدلات الفائدة الاسمية إلى الصفر، يؤدي إلى تحول معدلات الفائدة الحقيقية إلى معدلات فائدة سالبة في حال وجود أي معدل موجب للتضخم، ويعني ذلك أن الذين يستثمرون في شراء السندات الحكومية إنما يقومون بتحويل جانب من ثرواتهم إلى البنوك المركزية لهذه الدول. كذلك فإن هذا الوضع يؤدي إلى إثارة قلق المودعين حول مودعاتهم المصرفية، ولذلك نجد أنه في ظل معدلات الفائدة الصفرية، سوف يقاوم المستثمرون الرغبة في شراء السندات الحكومية أو إيداع أموالهم في البنوك، وهو ما يؤدي إلى ازدياد تفضيل السيولة لدى الجمهور ومن ثم تنشأ في الاقتصاد ما يسمى بمصيدة السيولة، وتعد ظاهرة مصيدة السيولة نادرة الحدوث من الناحية العملية. وكان جون ماينارد كينز عالم الاقتصاد المعروف قد أدخل فكرة مصيدة السيولة خلال الكساد العالمي الكبير في القرن الماضي، وهي الحالة التي يصل فيها معدل الفائدة إلى الصفر أو يقترب من الصفر، على سبيل المثال في بداية عام 1933 بلغ معدل الفائدة على أدون الخزانة الأمريكية لمدة 3 أشهر ما يساوي 0.05%. وقد عادت ظاهرة مصيدة السيولة إلى السطح مرة أخرى في نهاية التسعينيات في اليابان، حيث انخفض معدل الفائدة تماما إلى الصفر في النصف الثاني من عقد التسعينيات في القرن الماضي، كذلك تضاعفت القاعدة النقدية في اليابان من خلال إجراءات تقليدية وغير تقليدية لزيادة مستويات الأسعار ولتشجيع الطلب الكلي. ولمعدل الفائدة الصفري العديد من الآثار أهمها:

- ضعف فعالية السياسة النقدية وبصفة خاصة في ظل مناخ التضخم المنخفض، حيث تفقد السلطات النقدية احد أهم أدواتها للتحكم في النشاط الاقتصادي وهو تعديل مستويات معدل الفائدة بما يتناسب مع مستويات النشاط الاقتصادي المستهدف، حيث لا تستطيع السلطات النقدية تخفيض معدل الفائدة عندما يبلغ مستويات أرضيته الصفرية، ومن ثم يفقد معدل الفائدة فعاليته كأداة من الأدوات التي يمكن أن يستخدمها البنك المركزي في هذه الأوضاع. ووفقا لقاعدة "تايلور" فان البنك المركزي يستطيع أن يعدل معدل الفائدة عند المستويات المناسبة لتحقيق مستهدفاته المرتبطة بالنشاط الاقتصادي وبصفة خاصة التوظف. وعندما يصل معدل الفائدة إلى الصفر، يفقد البنك المركزي هذه الأداة، حيث أن معدل الفائدة الاسمي لا يمكن أن ينخفض عن مستواه الصفري.
- في حال فقدان السلطات النقدية لقدرتها على خفض معدلات الفائدة لدفع مستويات النشاط الاقتصادي، فان خياراتها تصبح محدودة إلى الحد الذي قد يدفع السلطات النقدية إلى اتخاذ تدابير غير تقليدية في إدارة السياسة النقدية، على سبيل المثال زيادة القاعدة النقدية لزيادة عرض النقود والتغلب على التوقعات الانكماشية في مناخ الأزمة. أي أنه في ظل معدلات الفائدة الصفرية فإن أي إجراء للسياسة النقدية يجب أن يأتي من خلال أدوات أخرى غير الأدوات التقليدية للسياسة النقدية، مثل زيادة عرض النقود من خلال توسيع القاعدة النقدية أو شراء البنك المركزي للأصول المالية، أو استخدام الاحتياطيات من النقد الأجنبي.
- عندما تنخفض معدلات الفائدة إلى المستويات الصفرية، فان ذلك يؤدي إلى انخفاض واضح في المودعات لدى البنوك، ومن ثم فانه بالرغم من أن معدلات الفائدة بين البنوك قد تكون صفرا، فان البنوك ربما تحاول الحفاظ على معدلات الفائدة على المودعات موجبة لكي تشجع الجمهور على الاستمرار في الإيداع.
- قد تشجع معدلات الفائدة الصفرية الأجانب على الاقتراض من السوق المحلي للاستفادة من فروق معدلات الفائدة، خصوصا إذا ما كانت معدلات الصرف مستقرة، وذلك في إطار عمليات تحكيم لمعدلات الفائدة. غير أن هذا التحكيم يتوقف عندما تصل معدلات الفائدة إلى مستوياتها الصفرية في كافة الدول.

معدل الفائدة الصفري ومعدل الفائدة الحقيقي

يعتمد اثر معدلات الفائدة الصفرية على معدل التضخم المتوقع، ومن ثم الأثر على معدل الفائدة الحقيقي. إن معدل الفائدة الحقيقي يساوي معدل الفائدة الاسمي مطروحا منه معدل التضخم المتوقع، فإذا كان معدل التضخم موجبا، فان ذلك سوف يعني أن معدل الفائدة الصفري يحول معدلات الفائدة الحقيقية إلى معدلات سالبة، وهو أمر سيئ بالنسبة للمودعين، إلا أنه يسهم بشكل أفضل في تحقيق المستويات المستهدفة من الطلب الكلي اللازم لتحفيز مستويات النشاط الاقتصادي في المجتمع. ويعني ذلك إن السلطات النقدية في مثل هذه الحالة يمكنها تحقيق المستوى المستهدف من الطلب الكلي من خلال استهداف معدل التضخم اللازم لتخفيض معدل الفائدة الحقيقي إلى مستويات سالبة تكفي لحفز الطلب الكلي عند مستويات الناتج التوازني المرغوبة. ويعني ذلك أن معدل التضخم المعتدل كأحد المستهدفات للسياسة النقدية يعد أمرا ضروريا لضمان فعالية السياسة النقدية عند معدل الفائدة الصفري.

غير أن الخطورة الأساسية لمعدل الفائدة الصفري تتمثل في انه يمكن أن يستدرج الاقتصاد العالمي إلى مصيدة الانكماش، وذلك إذا ما تحول اتجاه التوقعات التضخمية نحو النزول خصوصا في ضوء الانخفاض في أسعار الطاقة وغيرها من العوامل إلي يتوقع معها أن تستمر الضغوط التضخمية في التراجع. حيث أنه إذا تحول معدل التضخم ليصبح سالبا، فان ذلك يحول معدلات الفائدة الحقيقية من مستويات سالبة إلى مستويات موجبة، على الرغم من أن معدل الفائدة الاسمي يساوي صفرا. ويترتب على ذلك تراجع مستويات الطلب الكلي، الأمر الذي يؤدي إلى تسارع معدل انخفاض التضخم، ومن ثم ميل معدلات الفائدة الحقيقية إلى الارتفاع بمعدلات أكبر، فتراجع مستويات الطلب الكلي نتيجة لذلك، ويدور الاقتصاد تبعا لذلك في دائرة خبيثة من ارتفاع معدلات الفائدة الحقيقية وتراجع معدلات التضخم، وهوا ما يدخل الاقتصاد فيما يسمى بمصيدة الانكماش. في مثل هذه الحالة لا تصلح السياسات النقدية لمعالجة مصيدة الانكماش. ومن ثم يبقى أمام صانع السياسة الاقتصادية سبيلين للخروج من هذه الأزمة، الأول هو إتباع سياسات مالية فعالة من خلال تبني إجراءات تهدف إلى إحداث عجز في الميزانية العامة لإحداث زيادة مستقلة في مستويات الاستهلاك والاستثمار الكلي، ومن ثم تحفيز مستويات الطلب الكلي للخروج من مصيدة الانكماش. أما السبيل الثاني فهو تهيئة الظروف المناسبة للتوقعات بارتفاع معدل التضخم، بمعنى آخر أن تتبنى السلطات النقدية مستهدفات حول حد أدنى من معدلات التضخم، وغني عن البيان انه لا يمكن تهيئة تلك الظروف بدون توفير المناخ اللازم لرفع مستويات الطلب الكلي بما يغذي التوقعات التضخمية.

العالم الآن إذن يواجه معضلة خطيرة في ظل معدلات الفائدة الصفرية، حيث أن أي تدهور في الأداء الاقتصادي الكلي سوف يؤدي إلى ميل معدل التضخم نحو الانخفاض، وهو ما سوف يتبعه تدهور في الأداء عبر دورة الكساد، ومن ثم تزداد فرص احتمال انتشار الكساد العالمي الحاد، أي أنه في ظل هذه الأوضاع ليس من المتوقع إذن أن ينحسر الكساد العالمي بسرعة، ومن الممكن أن يستمر لفترة طويلة خصوصا مع تراجع معدلات التضخم.

معدلات الفائدة في الكويت

إذا كان العالم يتجه الآن نحو معدلات تقترب من الصفر، فان المعدلات الحالية للفائدة في دولة الكويت تعد مرتفعة جدا، مقارنة بالمستهدفات المعلنة للبنك المركزي فيما يتعلق بمستويات معدل الفائدة الاسمي على الدينار الكويتي. فقد درج بنك الكويت المركزي على الحفاظ على هامش بين معدل الفائدة الاسمي على الدينار ومعدل الفائدة الاسمي على الدولار الأمريكي، وذلك لصالح الدينار الكويتي في حدود ما بين 0.25% الى0.5%، بهدف الحد من تدفقات رؤوس الأموال إلى الخارج، والمحافظة على استقرار معدلات الصرف، وإذا كان الوضع كذلك فان معدل الفائدة الأساسي في الكويت يجب أن ينخفض بصورة حادة، بحيث لا يتجاوز معدل الفائدة الأساسي الآن حدود ما بين 0.5% إلى 0.75%. بقاء معدلات الفائدة عند مستوياتها الحالية في الكويت يعني أنها تنحرف بشكل واضح عن اتجاهها العام بالنسبة لمعدل الفائدة على الدولار الأمريكي. وعلى ذلك فان هناك حاجة لخفض معدلات الفائدة في الكويت عند مستويات قريبة من هذه المستويات الدنيا، الأمر الذي سوف يشجع جهود البنك المركزي المبذولة لمعالجة أوضاع سوق المال ويخفض من تكاليف الاقتراض للشركات المتعثرة، خصوصا في ظل المعدلات المرتفعة نسبيا للتضخم في دولة الكويت.

درزن العوامل القذرة المسئولة عن الأزمة المالية العالمية

نشر في جريدة القبس بتاريخ الأربعاء 7/1/2009
في عددها الأول الصادر في يناير 2009 عددت مجلة التايم الأمريكية "درزن العوامل القذرة المسئولة عن الأزمة المالية" الحالية، والتي حملتها المجلة مسئولية ما يعانيه العالم حاليا من أثار مدمرة لتلك الأزمة. وبحسب التايمز فان تلك العوامل الإثني عشر مرتبة تنازليا هي الآتي:

1. عدم تعرض الولايات المتحدة لازمة حادة منذ فترة طويلة

على الرغم من تعرض الولايات المتحدة للعديد من الأزمات المالية المصغرة، منذ أزمة 1930، مثل أزمة سوق المال في السبعينيات وبداية الألفية الثالثة، وأزمة سوق العقار في الثمانينيات وبداية التسعينيات، والأزمة الآسيوية، فان الولايات المتحدة لم تمر منذ الكساد العالمي الكبير في 1929 بأزمة بهذا الحجم، ولم يكن أي شخص في الولايات المتحدة الأمريكية يتوقع أن الأمور سوف تسير على هذا النحو الذي كشفت عنه الأزمة، وبحيث أن الجميع كان يتصرف كما لو أن مثل هذه الأزمة لا يمكن أن تطال الاقتصاد الأمريكي.

2. آلان جرينسبان

خلال فترة ولاية آلان جرينسبان كرئيس للاحتياطي الفيدرالي استطاع كبح أزمة سوق المال في 1987، وأزمة 1998، وانهيار الأسهم التكنولوجية في 2000-2001، ومنعها من أن تتحول على نحو أسوأ. غير أن هذا النجاح في مواجهة تلك الأزمات أدى إلى شيوع ثقافة تجاهل المخاطر في الولايات المتحدة والتي أدت إلى نشوء الأزمة، إلى الحد الذي دعا المرشح الرئاسي رون بول إلى القول بأن الوضع في الولايات المتحدة ربما قد يكون أفضل حالا إذا لم يكن لديها احتياطي فيدرالي. معنى ذلك أن الاحتياطي الفيدرالي كان يجب عليه أن يتدخل بشكل أوسع للحد من تضخم فقاعة سوق المال التي سبقت الأزمة. وفي الواقع فان سياسة الاحتياطي الفيدرالي خلال الربع قرن الماضي لم تكن على نسق واحد. فعلى الرغم من أنه أنقذ العديد من المؤسسات المالية من التعثر المالي، إلا انه لم يتخذ الإجراءات اللازمة للحد من قدرات المؤسسات المالية على منح الائتمان خلال أوقات الرواج المالي.

3. لا تماثل اللوائح التنظيمية

ظلت الرقابة على البنوك التجارية في الولايات المتحدة كما هي دون تخفيف، غير أن المؤسسات المالية الجديدة، مثل بنوك الاستثمار، وصناديق التحوط، وصناديق رأس المال الخاص وغيرها والتي قامت بالإقراض العقاري، وعقد القروض الأخرى، وصفقات صناديق الاستثمار، وهي الأعمال التي كانت تحتكرها البنوك التجارية، كان قد سمح لها بأن تنمو بدون رقابة تقريبا من الاحتياطي الفيدرالي. وقد كان من المفترض أن يتم سن القوانين واللوائح التي تضع هذه المؤسسات تحت الرقابة الدقيقة للاحتياطي الفيدرالي. ما حدث هو أن الاحتياطي الفيدرالي قد منح الشركات القابضة للبنوك مزيد من الحرية لدخول هذه الخطوط غير المنظمة من النشاط المالي. مما أدى لحصول تلك المؤسسات المالية الجديدة مزايا غير عادلة في مقابل المؤسسات المصرفية التقليدية.

4. وول ستريت

شهدت الأزمة أيضا تحول الأنشطة المالية من أنشطة تدرج في الميزانية إلى أنشطة تدرج خارج الميزانية، مثل التوريق والاشتقاق المالي. وقد كان من الممكن ألا تحدث هذه الأزمة لو أن بورصة الأوراق المالية في وول ستريت تصرفت كما هو متوقع منها – أي تنويع المخاطر، تشجيع الابتكارات المالية، وجلب أفضل المهارات لمعالجة اكبر المشاكل المالية – على العكس من ذلك تمت مكافأة المتهورين من مديري المؤسسات المالية، وتوجيه رؤوس الأموال إلى الاستخدامات الأقل إنتاجية، وفي ذات الوقت سمح لهؤلاء المتهورين بالهروب من المسؤولية عن هذه الأخطاء، أكثر من ذلك دفع لهم عشرات الملايين من الدولارات لهم في مقابل تلك الأعمال.

5. هاجس ملكية المساكن

خلال عقود تسبب سياسات الحكومة في تشجيع ملكية المساكن، من خلال قانون إعادة الاستثمار وعملاقي الإقراض العقاري المملوكتين للحكومة فاني ماي وفريدي ماك، في حدوث أزمة سوق المساكن. وعلى الرغم من أن تملك المساكن يعد أمرا جيدا، إلا أن غض النظر عن سلوكيات الإقراض المجنون التي اتبعت، باعتبار أنها تشجع عملية تملك المساكن، كان أمرا خاطئا.

6. الكثير من المال

كان هناك قلق كبير لسنوات طويلة حول العجز التجاري الكبير للولايات المتحدة أولا مع اليابان، ولاحقا مع الصين، والذي اضر بشكل واضح بالمصنعين المحليين في الولايات المتحدة. غير أن الوجه الآخر لهذا العجز الهائل كان في صورة تدفقات ضخمة لرؤوس الأموال إلى الداخل بصفة خاصة من الصين، ومن وجهة نظر التايمز، فان تدفقات رؤوس الأموال من الصين كان المسبب الرئيسي لتضخم فقاعة المساكن في العقد الأول من القرن العشرين.

7. أسطورة السوق الرشيد

لعقود طويلة من الزمن كانت الإجابة الأكاديمية للقلق من أن الاقتصاد قد يسير على نحو غير سليم، هي أن السوق يعرف أفضل. فالأسواق تعالج بكفاءة مذهلة المعلومات والآراء. غير أن تلك الأسواق أيضا، كما اتضح خلال الأزمة قد ينحرف في الاتجاهين الصعودي والنزولي بدون حدود.

8. المواطن الأمريكي

مما لا شك فيه أن الأزمة التي حدثت لم تكن لتحدث لو أن الملايين من المواطنين لم يؤمنوا بقدرتهم على الحصول على عوائد مالية بدون مقابل من خلال الحصول على قروض لا يمكنهم إعادة سدادها. وقد عملت الشركات المقرضة للأموال والساسة على تشجيع مثل هذا المفهوم الخاطئ. ومما لا شك فيه أن أزمة 2008 قد أعطت درسا للمواطن حتى لا يقدم على مثل هذا الخطأ مرة أخرى، على الأقل لفترة زمنية طويلة في المستقبل.

9. جورج بوش

إن الكثير من القرارات الحكومية التي أدت إلى الأزمة الحالية كانت بموافقة الحزبين الجمهوري والديمقراطي. ولكن لا يمكن للرئيس بوش أن يكون في موقع المسئولية لفترتين انتخابيتين دون أن يلقى عليه اللوم في أنه الطرف المسئول عن الكارثة، والتي انفجرت عندما كان يستعد لمغادرة مكتبه. بصفة خاصة فان سياسات بوش التي أهملت الالتزام بالسياسة المالية السليمة، من خلال التخفيضات الضريبية والإنفاق على الحرب قد أدت إلى تحويل فوائض الميزانية إلى عجز مزمن.

10. قانون تحديث أسواق المستقبليات

يعد قانون تحديث أسواق المستقبليات أكثر القوانين الحكومية التي أدت أكثر من غيرها في حدوث الأزمة، والذي تم إقراره في عهد بيل كلينتون في ديسمبر 2000. حيث حظر القانون بشكل فعال المنظمين من التدخل في تنظيم المشتقات المالية مثل مقايضات مخاطر الائتمان. وقد ترتب على ذلك إرسال رسالة واضحة لأسواق المشتقات بإبرام أي أنواع من العقود بغض النظر عن مدى سلامتها.

11. وكالات التصنيف الائتماني

ساهمت أخطاء وكالات التصنيف الائتماني في عجز سوق وول ستريت عن القيام بعمليات التوريق على النحو السليم. فقد ساهم استعداد وكالات التصنيف الائتماني مثل موديز وستاندارد اند بور وفيتش في منح تصنيفات ائتمانية مرتفعة للأوراق المالية الجديدة التي لم يتم اختبارها مثل "التزامات الدين المرهونة" في عقد الكثير من الصفقات في أوراق مالية والتي كان من الممكن إلا ترى النور لولا هذه التصنيفات.

12. السماح بإفلاس بنك ليمان براذرز

على العكس من سلوك الاحتياطي الفيدرالي في إنقاذ المؤسسات المالية، على سبيل المثال بير ستيرنز، وفاني ماي، وفريدي ماك، فان السماح بإفلاس بنك ليمان براذرز بشكل غير منظم أدى إلى حدوث صدمة هزت الأسواق المالية وهو ما ساهم في حدوث الانهيار المالي الذي أعقب ذلك.

ويمكن القول بأن درزن العوامل القذرة أعلاه الذي أوردته مجلة التايم يعد حصرا مكثفا لمجموعة العوامل المسئولة عن الأزمة المالية سواء تلك المسئولة بشكل مباشر أو غير مباشر، سواء أكانت تلك العوامل ذات تأثير قصير الأجل أو طويل الأجل. ومما لا شك فيه أن الدراسات التي ستكتب لاحقا عن الأزمة المالية العالمية في 2008 لا يمكنها تجاهل تأثير هذه العوامل.

الخميس، يناير 01، 2009

عمان تغرد خارج سرب العملة الموحدة

نشرت القبس بتاريخ 29/12/2008 حديثا للوزير العماني المسئول عن الشئون الخارجية يوسف بن علوي والذي شكك بقوة في منفعة العملة الخليجية الموحدة، وأكد فيه أن سلطنة عمان التي سبق أن انسحبت من المشروع لن تنضم إلى العملة الموحدة أبدا، وأنها ليست طرفا في هذا المشروع المثير للجدل، استنادا إلى أن هذه العملة ليس لها مزايا أو مكاسب لكي تكون بديلا لعملات قائمة حاليا تتمتع بالقوة والاستقرار. وعلى الرغم من أن الصوت العماني هو الصوت الذي يغرد، على الأقل في العلن، خارج السرب في موضوع العملة الخليجية الموحدة، إلا أنه من الناحية العلمية الصوت العقلاني الوحيد الذي يقيم الأمور بموضوعية شديدة بعيدا عن العاطفة والشعارات الخاوية من المحتوى التي لا تجد له صدى على أرض واقع التعاون الاقتصادي بين دول المجلس.

الدراسات المتاحة، خصوصا الحديث منها، تشير إلى أن دول مجلس التعاون لا تستوفي كثير من الشروط الأساسية لإطلاق عملة الموحدة وفقا لنظرية منطقة العملة المثلى. إذ تحتاج دول المجلس إلى تنويع هياكلها الاقتصادية، وتوسيع نطاق التجارة البينية، حيث أن دول مجلس التعاون تتاجر مع الدول الأخرى أكثر من تجارتها مع بعضها البعض، وتنسيق السياسات الاقتصادية بحيث يؤخذ في الاعتبار المصالح فوق القومية لتحتل أولوية على المصالح القطرية للدول الأعضاء، فضلا عن ضرورة تبني سياسات مالية متناسقة وضبط المالية العامة للدول الأعضاء.

ويعني ذلك أن إعلان الاستمرار في خطط إطلاق العملة الموحدة في موعدها المحدد يعد بمثابة تبسيط شديد لمسألة في غاية التعقيد، وربما عدم إدراك لطبيعة المشكلات التي يمكن أن تترتب على إطلاق عملة موحدة بدون توافر أرضية ممهدة لإطلاقها، حيث أن أرضية التكامل الاقتصادي لدول مجلس التعاون والتي يستند إليها في إطلاق عملة موحدة ليست متينة بالشكل الذي يبدو للعيان، ذلك أن هناك الكثير من الخطوات التي لم تتخذ بعد في بناء التكامل الاقتصادي بين دول المجلس والتي ينبغي أن يوجه إليها اهتمام اكبر من مسألة إطلاق العملة الموحدة. فهل يعقل أن يتم إطلاق عملة موحدة بعد 3 سنوات فقط من إنشاء سوق خليجية مشتركة؟ وهل يعقل إنشاء سوق مشتركة قبل أن يتم اكتمال الاتحاد الجمركي وإرساء أوضاعه بشكل كامل؟ من الواضح أن دول المجلس تطلق مشاريع التعاون الواحد تلو الآخر دون أن تتأكد من اكتمال نجاحها أو توافر الشروط الأساسية اللازمة لإطلاقها، خصوصا من الناحية التشريعية. فهناك جهد تشريعي ضخم يجب أن يبذل من قبل دول المجلس في توحيد قوانين الشركات وقوانين العمل وقوانين التجارة وقوانين الضرائب وقوانين الاستثمار وقوانين التأمينات الاجتماعية وقوانين التأمين الصحي ... الخ، حتى يقال انه تم تهيئة الأرضية اللازمة للسوق المشتركة. إن خطورة مثل هذا الوضع تتمثل في انه مع إطلاق المزيد من المشروعات الناقصة في مجال التعاون، تتعقد طبيعة المشكلات التي تواجه كل مرحلة وتتضاعف، ربما بالشكل الذي قد يجعل عملية التغلب على العقبات المصاحبة لها مسألة معقدة وقد تؤثر بشكل سلبي على مسيرة التعاون برمته.

من ناحية أخرى تنخفض استفادة دول المجلس من إطلاق هذه العملة الموحدة، على سبيل المثال في دعم التجارة البينية فيما بينها بسبب عدم التنوع السلعي، والاعتماد المكثف على النفط الخام.حيث تشير بيانات كثافة التجارة بين دول المجلس أن هذه الدول أكثر ارتباط من الناحية التجارية مع العالم الخارجي، والذي يرجع إلى التشابه الكبير في طبيعة مستويات النشاط الاقتصادي بتلك الدول، واعتماده بشكل أساسي على تصدير النفط الخام، وانخفاض الجهد المبذول في مجال إنشاء المشروعات المشتركة التي تساعد على إحداث تكامل اكبر لأسواق تلك الدول فيما بينها. كذلك فان الأسعار العامة والأجور في القطاعين الحكومي والعام تتسم بالجمود النسبي، ومن ثم فان دول المجلس لا تستطيع استيعاب الصدمات اللا متماثلة في حالة تثبيت معدلات الصرف، ومن ثم سوف يظل الاعتماد المكثف على النفط ودرجة كثافة الواردات من خارج الإقليم أهم العوائق أمام إنشاء عملة خليجية موحدة. حيث ترتفع معها درجة اعتماد الاقتصاديات الخليجية على الخارج، ومن ثم تنخفض معها الحاجة إلى إنشاء عملة إقليمية موحدة.

وغني عن البيان أن جميع عملات دول مجلس التعاون تتمتع بالاستقرار الشديد، مقارنة بعملات الدول النامية الأخرى، يساعدها في ذلك توافر حجم لا بأس به من الاحتياطيات، والتزام تلك الدول، عدا الكويت، بالمثبت المشترك، وهو الدولار الأمريكي، وهو ما يجعل الفوائد المتوقعة من إصدار العملة الخليجية الموحدة على الاستقرار النقدي محدودة في ضوء هذه الظروف، خصوصا إذا كانت الاعتبارات الاقتصادية تفرض أن تكون العملة الجديدة مربوطة بالدولار، المثبت الحالي لعملات دول المجلس. أتفق مع وزير الشئون الخارجية العمان في أنه بما أن دول المجلس لا تستوفي شروط إنشاء الاتحاد النقدي يفضل عدم المضي في الوقت الحالي في إطلاق العملة الموحدة.