السبت، يوليو 31، 2010

استمرار تراجع النمو في الناتج المحلي الأمريكي

أصدر مكتب التحليل الاقتصادي اليوم التقديرات الأولية للنمو في الناتج المحلي الإجمالي عن الربع الثاني من هذا العام. البيانات تكشف عن أن النمو في الناتج المحلي الإجمالي يتراجع للربع الثالث على التوالي، وهو ما يمكن تفسيره ببدء ذوبان اثر برامج التحفيز المالي التي طبقها الرئيس باراك أوباما بكثافة، وكذلك بدء زوال فعالية برامج التحفيز النقدي التي يطبقها الاحتياطي الفدرالي، بدءا من تبني مستهدفات منخفضة من المستويات التاريخية لمعدلات الفائدة على الأموال الفدرالية (معدل الفائدة على قروض ما بين البنوك لمدة ليلة واحدة)، وانتهاء بشراء حوالي تريليون دولارا من السندات الأمريكية لطباعة وضخ المزيد من الدولارات في السوق النقدي المحلي. الجرعات المكثفة التي تم تعريض الاقتصاد الأمريكي لها من برامج التحفيز أحدثت آثارا واضحة على معدل النمو في الربع الرابع من هذا العام، حيث بلغ معدل النمو في الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي في الربع الثالث 2.2% (على أساس سنوي)، وقد قفز هذا المعدل في الربع الرابع إلى 5.6%، وهو أداء مبهر بكل المقاييس جعل الجميع يتحدث عن قرب الخروج من الأزمة في الولايات المتحدة بصورة نهائية. غير أن هذا العزم في النمو الحقيقي قد أخذ يفقد عزمه بدخول الربع الأول من هذا العام حيث قدر النمو في الناتج بحوالي 3.7% (على أساس سنوي)، في الربع الثاني من هذا العام، ووفقا لهذه التقديرات الأولية فإن معدل النمو يقدر بنسبة 2.4%.



هذا النمو في الربع الثاني يعكس بصفة أساسية النمو الحادث في الاستثمار الثابت ونمو الصادرات والاستهلاك الشخصي، والنمو في الإنفاق الحكومي والاستثمار الثابت في المساكن. بشكل أكثر دقة تزايد الإنفاق الاستهلاكي الخاص بمعدل 1.6%، وذلك مقارنة بـ 1.9% في الربع الأول، بينما تزايد الاستثمار الخاص غير السكني بمعدل 17% مقارنة بمعدل نمو 7.8% في الربع الأول. أما بالنسبة لصادرات السلع والخدمات قد تزايدت بمعدل نمو 10.3% في الربع الثاني بمقارنة بنمو يبلع 11.4% في الربع الأول، بينما تزايدت الواردات من السلع والخدمات بنسبة 28.8% مقارنة بمعدل نمو 11.2% في الربع الأول. وأخيرا تزايد الإنفاق الاستهلاكي الحكومي بنسبة 9.2%، مقارنة بنسبة 1.8% فقط في الربع الأول. هذه التقديرات تعد تقديرات أولية، حيث ستتم مراجعة ثانية لها بتاريخ 27 أغسطس 2010، وهي ما يمكن أن تسفر عن انخفاض او ارتفاع معدل النمو، وما زلنا في انتظار التفاصيل.

إلى أين يسير العالم حاليا؟

كافة المؤشرات المتاحة أمامنا حتى هذه اللحظة تشير إلى سيادة حالة كبيرة من عدم التأكد حول مسارات النمو الاقتصادي في العالم، فضلا عن أن احتمالات استعادة الانتعاش الاقتصادي يدور حولها كثير من الشك حاليا، وذلك في ضوء الأوضاع الاقتصادية والمالية غير المؤكدة حاليا في أوروبا، والتوقعات المتزايدة باحتمالات تراجع معدلات النمو الحقيقي في الولايات المتحدة، مركز الأزمة بعد قرب انتهاء مفعول حزم التحفيز المالي والنقدي. القلق الأساسي لدي الآن هو احتمالات ان تجهض الجهود التي بذلت لاستعادة النشاط وتحفيز الاقتصاد الأمريكي والأوروبي مع قرب انتهاء تأثير هذه الحزم المالية الضخمة، لتسود أوضاعا اقتصادية سيئة للغاية في العالم، وبالطبع نحن على رأس قائمة الدول التي ستواجه هذه النتائج السيئة.

تثور كثير من الشكوك حاليا حول قدرة العالم على الخروج من الأزمة في العام الحالي، ومن ثم من المتوقع حدوث استمرار لحالة الكساد لباقي العام العام الحالي على الأقل. للأسف في أوقات عدم التأكد تخرج علينا السيناريوهات من كل حدب وصوب، كل يخرج بنظرية ورؤية قد تستند إلى الواقع أو إلى الخيال، لدرجة تجعل الحليم حيرانا. شخصيا لا أؤمن إلا بما توحي به البيانات على الأرض، وبالنسبة لي لا أستطيع ان أجزم بصحة هذه التنبؤات أو نفيها، فليس متاحا لي حاليا من الدلائل الكافية التي من خلالها أستطيع ترجيح سيناريو محدد حول مسار النمو الاقتصادي العالمي في المستقبل القريب.

يستطيع المتتبع للكتابات الاقتصادية في العالم أن يصل إلى أن السيناريوهات المرجحة في المستقبل القريب تدور حاليا تقريبا حول ثلاث سيناريوهات هي:

1. السيناريو الأول: هو استعادة النشاط الاقتصادي واستمرار عزم النمو الحالي، إلى الحد الذي يخرجنا من الأزمة نهائيا، على الرغم من برامج التقشف التي يمارسها العديد من الدول في العالم، بما يؤدي إلى تحسين معدلات التوظف وانخفاض معدلات البطالة وعودتها إلى مستوياتها الطبيعية، واستمرار معدلات النمو في الناتج عند مستويات مرتفعة بما يقلل من العجوزات الدورية في الميزانيات العامة لدول العالم، وهذا هو السيناريو الأمثل، الذي ندعو الله ان يسود العالم.

2. السيناريو الثاني: هو ان يتعمق الانكماش، بسبب خفض الإنفاق العام في الاقتصاديات الصناعية والناشئة، وهو ما يمكن ان يترتب عليه حدوث تراجع مزدوج وعودة عوارض الأزمة مرة أخرى، مع استمرار معدلات البطالة في الارتفاع وتحول معدل التضخم إلى معدلات سالبة وهو ما بدأ يحدث بالفعل في بعض الدول العالم، الأمر الذي سيؤدي إلى ارتفاع معدلات البطالة ربما إلى حد الأزمة، وسوف تستمر مستويات الدين العام في كافة دول العام في الارتفاع، ومع الانكماش سوف تواجه دول العالم صعوبات كبيرة لاستعادة النشاط، وربما، لا قدر الله، يدخل العالم في حالة ركود الذي بدأ البعض يتحدث عنه كأنه أمر واقع.

3. السيناريو الثالث هو اشتعال أزمة ديون سيادية في العالم، بصفة خاصة في أوروبا مع استمرار سوء الأوضاع المالية وارتفاع مستويات الديون العامة لهذه الدول نتيجة استمرار ضعف معدلات النمو الاقتصادي، وبدء حالات التوقف عن السداد وإعلان إفلاس بعض الدول، مما يجعل من عملية تمويل عجز ميزانيات هذه الدول مسألة شبه مستحيلة، وهو ما قد يدعم سيناريو الركود مرة أخرى.

ليس لدي حاليا ما يمكنني من ترجيح أي من هذه السيناريوهات الثلاثة سوف يسود العالم، ولا يستطيع أحد في العالم أن يتنبأ بما سوف يكون عليه مسار النمو في الاقتصاد العالمي حتى في المستقبل القريب. فما زلت في انتظار ما سوف تكشف عنه التقارير العالمية التي تصدرها الدول الصناعية عن اتجاهات النمو الاقتصادي فيها، حتى يمكن ان نرجح أي من هذه السيناريوهات الأقرب إلى أن يسود في العالم.

لست ممن يفضلون رسم صورة تشاؤمية حول مسارات النمو في المستقبل، فالمستقبل بيد الله سبحانه وتعالى، وهو لطيف بعباده، وندعوه أن يخفف عنا شرور ما هو قادم. وعلى العكس من الذين يدعون على أمريكا ليل نهار بالخراب، أدعو الله سبحانه وتعالى أن يقرب من أجل هذه الأزمة، حتى يخرج العالم مما هو فيه من بلاء حاليا، وألا تتطور الأمور على نحو أسوأ من ذلك، خصوصا وأن البيانات الأولية عن تطورات الأوضاع الاقتصادية لا تبشر بالخير.

إذا ساءت الأوضاع في الولايات المتحدة والعالم الغربي، وتحول الانتعاش الضعيف الحالي إلى كساد أو تراجع مزدوج في مستويات النمو، فسيستمر الكساد يعم العالم أجمع، وقد يتحول على أسوأ الفروض إلى ركود. للأسف أول من سيدفع ثمن هذا الركود ليس الأمريكان أو الأوروبيين كما يعتقد البعض، ولكننا نحن في الخليج سوف نكون أول من سيدفع ثمنا فادحا إذا تطورت الأوضاع على نحو أسوأ، فما زالت هياكلنا الاقتصادية في الخليج هشة للغاية، على عكس ما يتصور البعض.

حينما يأتي اليوم الذي ننتج فيه ما نحتاج بأنفسنا، بدءا من المسباح وسجادة الصلاة التي نتقرب الى الله عز وجل بهما، ويقل اعتمادنا على تصدير النفط الخام كمصدر رئيس لدخلنا، وتجد حكوماتنا ما تحتاج اليه من تمويل بعيدا عن ايرادات النفط، وتملأ أسواقنا منتجات مكتوب عليها منتجات خليجية تم تصميمها وتطويرها وتسجيل براءات اختراعها في الخليج، بحيث تتحول عبارة صنع في الخارج الى عبارة صنع في الخليج على المنتجات التي نشتريها، وقتها سيقل اعتمادنا على غيرنا، ويمكن ان نستقل اقتصاديا بذاتنا، وإن كان ذلك صعبا جدا في عالم اليوم، قبل هذا اليوم سوف نستمر نلف في مدار اقتصاديات امريكا وأوروبا وغيرها من الدول، كدول تابعة لا حول لها ولا قوة.

الذين يعتقدون أننا في الخليج نملك ثروات في صناديقنا الاستثمارية واحتياطيات ضخمة تكفينا أو تغنينا عن أمريكا والغرب، عليهم أن يعلموا أن هذه الصناديق جميعا بمستويات إنفاقنا الحالي، وعلى أفضل الأحوال، سوف تكفينا لمدة خمس سنوات فقط أو ربما أقل، بعدها سنواجه أزمة سيولة رهيبة، إذا اتجهت أسعار النفط على نحو أسوأ لا قدر الله، أذكر القارئ بأنه في عز الأزمة كنا نبيع النفط بثلاثين دولارا تقريبا في بداية 2009، وهو سعر اقل من السعر اللازم لتوازن ميزانيات كل دول مجلس التعاون، أي أنه وفقا لهذا السيناريو الأسوأ سوف تنضم دول مجلس التعاون إلى قائمة الدول التي تواجه عجزا في ميزانياتها، بما يحمله ذلك من آثار سلبية على الإنفاق العام في تلك الدول، ومن ثم أوضاع الاقتصاد غير النفطي وبورصات دول المجلس. ارفعوا جميعا أكف الضراعة إلى الله سبحانه وتعالى سائلين المولى عز وجل العفو والعافية، وأن يرفع عن العالم ما هو فيه.
مدونة اقتصاديات الكويت ودول مجلس التعاون

عدد البنوك الامريكية التي افلست يصل الى 108 بنكا

أعلنت اللجنة الفدرالية للتأمين على الودائع إفلاس خمسة بنوك أمريكية هذا الأسبوع هي:

البنك الأول هو بنك North West Bank and Trust, Acworth, Georgia، في ولاية جورجيا، وهو بنك صغير بلغت أصوله في مارس الماضي 167.7 مليون دولارا، بينما بلغت المودعات لديه 159.4 مليون دولارا. وسوف يترتب على إفلاس هذا البنك تحمل الصندوق الفدرالي للتأمين على الودائع 39.8 مليون دولارا. هذا هو البنك الحادي عشر الذي يفلس في جورجيا، والبنك رقم 104 على مستوى الولايات المتحدة.

البنكين الثاني والثالث بنكان يقعان في ولاية فلوريدا وهما بنك Bayside Savings Bank في فلوريدا، والذي بلغت أصوله في مارس الماضي 55.1 مليون دولارا، بينما بلغ إجمالي المودعات لديه 52.4 مليون دولارا، والذي يتوقع ان يترتب على إفلاسه تحمل الصندوق الفدرالي للتأمين على الودائع 16.2 مليون دولارا، والبنك الأخر هو بنك Coastal Community Bank وهو بنك صغير أيضا بلغت أصوله 372.9 مليون دولارا والمودعات لدي 363.2 مليون دولارا. وسوف يتحمل الصندوق الفدرالي للتأمين على الودائع 94.5 مليون دولارا نتيجة إفلاس هذا البنك. بهذا الشكل يبلغ عدد البنوك التي أفلست في الولاية منذ بداية العام 20 بنكا، وإجمالي عدد البنوك التي أفلست في أمريكا منذ بداية العام 106 بنكا.

البنك الرابع هو بنك The Cowlitz Bank, Longview, Washington في واشنطن وهو من البنوك الصغيرة والذي بلغت أصوله في مارس الماضي 529.3 مليون دولارا، بينما بلغت المودعات لديه 513.9 مليون دولارا، وسوف يكلف إفلاس هذا البنك 68.9 مليون دولارا. هذا البنك هو البنك الثامن في واشنطن الذي يفلس هذا العام والبنك 107 في الولايات المتحدة.

البنك الخامس هو بنك LibertyBank, Eugene, Oregon في اوريجون، والذي بلغت أصوله في مارس الماضي 768.2 مليون دولارا، بينما بلغت المودعات لديه 718.5، وسوف يتحمل الصندوق الفدرالي للتأمين على الودائع 115.3 مليون دولارا نتيجة إفلاس هذا البنك. هذا البنك هو البنك الثالث في اوريجون الذي يفلس منذ بداية العام، والبنك رقم 108 على مستوى الولايات المتحدة.

إجمالي التكاليف التي سيتحملها الصندوق الفدرالي للتأمين على الودائع نتيجة عمليات الإفلاس هذا الأسبوع هي 334.7 مليون دولارا.
المصدر: http://www.fdic.gov/
مدونة اقتصاديات الكويت ودول مجلس التعاون.

الجمعة، يوليو 30، 2010

عالم لا يتعلم من أزماته 9/12: انهيار 1987

نشر في جريدة الاقتصادية السعودية بتاريخ الجمعة 30/7/2010.
كانت أزمة 1929 أهم تجربة تخوضها الولايات المتحدة في الانهيار المفاجئ لمؤشرات سوق الأسهم، والذي ترتب عليه محو جانب كبير من ثروة الجيل الذي عايش الأزمة، غير ان الأحداث أثبتت بعد ذلك أن أسعار الأسهم في الأسواق تميل نحو الارتفاع مع نمو الشركات التي تصدر هذه الأسهم، وأنه عندما يحدث تراجع في الأسعار، فان السوق يعدل من نفسه لاحقا، بحيث يصبح الأمر مسألة وقت قبل أن تسترد المحافظ قيمتها بعد ذلك، ومن ثم تصبح أفضل استراتيجيات الاستثمار في أسواق الأسهم هي انتقاء الأسهم بعناية والاحتفاظ بها على المدى الطويل، وعدم الاستجابة لم يحدث للمؤشر. بيد أن كافة الأزمات التي مرت بها أسواق المال في العالم تشير إلى انه يصعب على المستثمرين مقاومة نداء عدم البيع في ظل تزايد الضغوط على المؤشر، فتكون النتيجة ان تكالب المستثمرين على البيع لتدنية خسائرهم، نتيجة تراجع الأسعار، هو الذي يؤدي إلى انهيارها ومن ثم تعرضهم لخسارة استثماراتهم.



عندما حل توقيت انهيار 1987 كان قد مر على انهيار 1929 حوالي ستة عقود من الزمن، وكانت أساليب الاتجار في السوق قد تغيرت بصورة جوهرية، لتعكس تطورين هامين، الأول هو التطور التكنولوجي، والثاني وهو الابتكارات المالية، ويتفق المحللون على ان انهيار السوق يرجع أساسا إلى برامج الاتجار التي انتشرت في هذا الوقت كسبيل للتعامل في الأسواق. كان هناك نوعان من برامج الاتجار؛ الأول هو التأمين على المحافظ المالية من خلال استخدام المشتقات، والثاني هو التحكيم في المؤشرات Index arbitrage بين السوق الحاضر وسوق المستقبليات Futrues، ويقصد ببرنامج الاتجار تبادل حزم من الأسهم تضم 15 سهما أو أكثر قيمتها أكثر من مليون دولارا، بما يساعد على تخفيض تكاليف المعاملات، وكذلك تمكين صغار المدخرين من الوصول إلى مثل هذه الاستثمارات، كما تمكن المتعاملين من مقارنة مقتنياتهم من الأسهم مع مؤشر محدد للسوق.



وينشأ التحكيم في المؤشرات عندما يقوم المستثمر بشراء مجموعة من الأسهم (في السوق الحاضر)، ثم يقوم ببيعها في ذات الوقت بعقد مستقبلي، أي عقد يلزم المشتري بأن يقوم بشراء سهم محدد في تاريخ محدد في المستقبل عند سعر محدد مسبقا، وبينما كان كبار المستثمرين مثل بنوك الاستثمار وبيوت السمسرة يقومون بالاتجار لحسابهم، فإنهم اعتمدوا على برامج "التأمين على المحافظ"، وهو أسلوب يمزج بين استخدام المستقبليات والخيارات Options، للحماية أو للتحوط ضد الانخفاض الكبير في الأسعار.



مع تطور استخدامات الحاسوب بدأت صناديق المعاشات وصناديق الاستثمار وصناديق التحوط والمتعاملين الرئيسيين يعتمدون عليه في شراء وبيع كميات هائلة من الاستثمارات، حيث تم برمجة الحواسيب لإجراء صفقات ضخمة عندما تسود أوضاعا معينة في السوق، وقد ثبت لاحقا ان مثل هذه الأسلوب يؤدي إلى التسريع بانهيار الأسواق، فالانخفاض السريع في أسعار الأسهم يترتب عليه عمليات بيع اتوماتيكية ضخمة من خلال برامج الحاسوب، وهو ما يؤدي إلى تعميق اثر الانخفاض في الأسعار، ومن ثم فان تقنيات التحوط التي تم ابتكارها أدت إلى تضخيم أثر الانهيار، وليس إلى حماية المستثمرين من تقلبات السوق. بيد أن الدراسات المتاحة تشير إلى أن الأسواق الأخرى في العالم والتي لم تكن تستخدم برامج الحاسوب وقت انهيار 1987، قد شهدت هي الأخرى أيضا انخفاضا في مؤشراتها، وبأكثر من السوق الأمريكي في بعض الأحيان.



كان الديمقراطيون يهاجمون إدارة الرئيس ريجان بأنها السبب في الأزمة من خلال سماحها لعجز الميزانية وعجز ميزان المدفوعات بالتزايد. من ناحية أخرى انتشرت في هذا الوقت عمليات شراء الأسهم بدون النظر إلى نوعيتها أو أداء الشركات المصدرة لها، وبدلا من ذلك تم استخدام صيغ رياضية قائمة على برامج للحاسوب تقوم بمقارنة أسعار الأسهم المختلفة ثم إجراء عمليات البيع والشراء لأسهم محددة أو لقطاعات محددة إذا أظهرت المقارنات أنها قيمتها اقل مما يجب أو أن قيمتها اكبر مما يجب، مقارنة بالاتجاه العام التاريخي لها وبشكل اوتوماتيكي، ويرى العديد من المحللين أن أسعار الأسهم كانت مغالى فيها، فقد كان معدل سعر السهم إلى توزيعات الأرباح من الناحية التاريخية حوالي 15 في المتوسط، وبحلول أكتوبر 1987 بلغ هذا المعدل حوالي 20، وبما أن برامج الحاسوب تكون أكثر نشاطا عندما تكون الأسواق نشطة، فإن استخدام مثل هذه البرامج يمكن أن يسرع أو يضخم الارتفاع أو الانخفاض الذي يمكن أن يحدث في الأسعار السوقية.



كما هو الحال في كل الأزمات، سبق الانهيار انتعاش كبير في سوق الأوراق المالية، فخلال العام الذي سبق الانهيار كانت أسعار الأسهم تحقق عوائد قوية، فقد كان داو جونز قد تزايد من 776 نقطة في 1982 إلى 2722.42 نقطة في أغسطس 1987، كما كانت الزيادات في أسعار الأسهم تتجاوز نمو العوائد الموزعة، لدرجة دعت البعض إلى الاعتقاد بأن السوق فيه مغالاة في أسعار الأسهم، كذلك كان هناك تدفقا كبيرا في المستثمرين نحو السوق، مثل صناديق المعاشات إلى السوق، كما ارتفعت أسعار الأسهم بسبب المعاملة الضريبية التفضيلية لعمليات الاستحواذ على الشركات، مثل السماح للشركات بخصم تكاليف الفوائد المصاحبة للقروض التي يتم إصدارها لأغراض الاستحواذ، وهو ما كثف من هذه العمليات ورفع أسعار الأسهم. غير ان المناخ الاقتصادي في الأسابيع السابقة على الأزمة كان يتسم بدرجة كبيرة من عدم التأكد، حيث كانت معدلات الفائدة ترتفع في كافة أنحاء العالم، كما ساعد انخفاض عجز الميزان التجاري وانخفاض قيمة الدولار إلى تصاعد القلق حول معدلات التضخم، والحاجة إلى مزيد من معدلات الفائدة في الولايات المتحدة.



على صعيد البيئة الاقتصادية الكلية من الأسباب التي يذكر أنها أدت إلى الأزمة، هو الإعلان عن العجز الكبير في الميزان التجاري الأمريكي في يوم الأربعاء 14 أكتوبر1987، حيث كان العجز أكثر من المتوقع، في الوقت الذي كانت فيه الميزانية الأمريكية تواجه عجزا أيضا، الأمر الذي أدى بوزير المالية الأمريكي إلى الإعلان عن ان هناك حاجة لخفض قيمة الدولار في أسواق الصرف الأجنبي، في ظل هذه الأخبار مال الدولار نحو الانخفاض وهو ما أدى إلى تدعيم التوقعات بأن الاحتياطي الفدرالي سوف يقوم بتقييد سياسته النقدية، ومن ثم أخذت معدلات الفائدة في الارتفاع وهو ما أدى إلى زيادة الضغوط على أسعار الأسهم. وخوفا من انخفاض قيمة الدولار قام المستثمرون الأجانب بتسييل أصولهم المقومة بالدولار.



في يوم الخميس 15 أكتوبر استمرت أسعار الأسهم في التراجع، وقد تم إرجاع هذا الانخفاض إلى القلق حول أوضاع المؤسسات المالية، بصفة خاصة صناديق المعاشات، الأمر الذي أدى إلى تحول جزئي للأموال من الاستثمار في الأسهم إلى الاستثمار في السندات، وكانت معدلات العائد على السندات الأمريكية قد ارتفعت من 7% في أوائل 1987 إلى 10% قبل الانهيار، وهو ما قدم بديلا مربحا للأسهم بالنسبة للمستثمرين. كما كان هناك أيضا عمليات بيع مكثفة للأسهم خلال النصف ساعة الأول من اليوم.



في يوم الجمعة 16 أكتوبر واصلت الأسواق التراجع حيث تضاعف القلق نتيجة عدد من العوامل، أهمها إقبال المستثمرين على تكثيف بيع عقود المستقبليات في شيكاغو كوسيلة للتحوط ضد انخفاض أسعار الأسهم في وول ستريت، وهو ما أدى إلى وجود فجوة بين قيم مؤشر الأسهم في سوق المستقبليات وقيمة المؤشر في السوق في وول ستريت. الأم الذي دفع بالمحكمين في المؤشرات إلى محاولة الاستفادة من الفروق السعرية هذه من خلال شراء عقود مستقبليات وبيع الأسهم في السوق الحاضر في وول ستريت. أدى هذا السلوك إلى نقل الضغوط السعرية إلى المؤشر في وول ستريت، وبنهاية يوم الجمعة 15 أكتوبر انخفضت الأسواق بصورة كبيرة، حيث انخفض مؤشر ستاندارد اند بور 500 بأكثر من 9% خلال الأسبوع. وكان هذا الانخفاض هو اكبر انخفاض خلال أسبوع واحد منذ عقدين من الزمان، الأمر الذي هيأ المسرح للانهيار في الأسبوع التالي.



واجهت صناديق الاستثمار تزايدا في عمليات الاسترداد للحصص، ومن ثم احتاجت إلى ان تبيع بعض الأسهم لتدبير السيولة اللازمة، في الوقت الذي كانت تتوقع فيه بعض المؤسسات المالية ذات الطبيعة الهجومية عمليات البيع المكثفة وتحركات صناديق الاستثمار، ومن ثم أرادت ان تأخذ خطوات استباقية للسوق من خلال البيع أولا، من ناحية أخرى كانت هناك بعض الإشارات بأن أسواق المستقبليات بدأت تشعر بأثر عمليات البيع غير العادي في سوق نيويورك.



بحلول يوم الاثنين الأسود في 19 أكتوبر كان هناك ضغوط بيع كبيرة جدا في سوق نيويورك عند الافتتاح فقد كانت استجابة مئات المتعاملين في وول ستريب للتضخم وارتفاع معدلات الفائدة من خلال استخدام برامج الحاسوب المركبة حديثا في السوق، والتي قامت اتوماتيكيا بإصدار عددا كبيرا من أوامر البيع، وهو ما أدى إلى وجود فجوة كبيرة بين طلبات البيع وطلبات الشراء، ونتيجة لهذا الوضع تأخرت عمليات بدء التعامل في السوق، ومن ثم لم تنخفض قيم المؤشرات في سوق نيويورك، وعلى العكس من ذلك، بدأت أسواق المستقبليات في الوقت المحدد بعمليات بيع مكثفة، وهو ما أدى إلى فجوة بين مؤشرات سوق نيويورك ومؤشرات سوق المستقبليات، ونتيجة لذلك بدأت عمليات المحكمين في المؤشرات للاستفادة من هذه الفجوة من خلال تكثيف طلبات البيع في سوق نيويورك. عندما افتتح التعامل في سوق نيويورك اكتشف المحكمون ان الفجوة بين السوقين انخفضت وأنهم قاموا ببيع الأسهم أقل بكثير مما توقعوا، ومن ثم حاولوا تغطية أنفسهم من خلال تكثيف الشراء في أسواق المستقبليات.



أدى هذا الأمر إلى انتعاش مؤقت في الأسعار في سوق المستقبليات، ولكنه أضاف المزيد من الارتباك الحادث في الأسواق، وعندما أعلن بدأ التعامل على الأسهم في سوق نيويورك، كانت نماذج الحاسوب الخاصة بالتأمين على المحافظ تشير إلى ضرورة بدء عمليات البيع، ومن ثم بدأت عمليات البيع في السوقين الحاضر وسوق المستقبليات في وقت واحد، بدلا من سوق المستقبليات فقط، كما هو الحال في مثل هذه المواقف، واستمرت عمليات البيع في الزيادة لباقي اليوم. مع تراجع أسعار الأسهم قبل انتهاء التعامل بساعة ونصف كان مؤشر ستاندارد اند بور قد تراجع بنسبة 18%، بينما تراجع مؤشر ستاندارد أند بور للمستقبليات بنسبة 29%. سرت الأخبار في السوق، بين المتعاملين في سوق المستقبليات ان سوق نيويورك سوف يغلق نتيجة الانهيار، وهو ما قد يتركهم عالقين مع أوضاعهم الحالية، وحاول الكثير من المتخصصين تقديم الدعم لأسهمهم، من خلال القيام بعمليات شراء مكثف للأسهم في يوم الاثنين، غير أنه مع استمرار تراجع الأسعار وتدهور مواقفهم المالية فقدوا القدرة على الاستمرار في الدفاع عن أسهمهم.



في يوم الاثنين الأسود فقدت معظم الأسهم في السوق جانبا كبيرا من قيمتها، حيث فقد مؤشر داو جونز الصناعي والذي يضم 32 سهما من الأسهم الممتازة Blue-chip، المدرجة في سوق نيويورك، 508 نقطة، ليغلق على انخفاض بنسبة 22.6% من قيمته، وهو ما أدى إلى إحداث اكبر خفض في داو جونز في عدد نقاط المؤشر في التاريخ، وثاني اكبر نسبة خفض في يوم واحد للمؤشر، بينما انخفض مؤشر ستاندارد ان بور 500 بنسبة 20.4%، والذي انخفض من 282.7 نقطة إلى 225.06 نقطة، لدرجة ان لجنة رئيس لجنة الأوراق المالية والأسواق هدد بإغلاق الأسواق لوقف نزيف الأسعار، بينما صرح الرئيس ريجان أن ما يحدث في السوق يدعو إلى الغرابة حيث انه لا يوجد في الاقتصاد ما يبرر مثل هذا الانهيار، ودعا الأمريكيين إلى الهدوء وعدم الاستسلام للذعر، غير ان التشابه بين انهيار 1987 و الأحداث التي سادت في 1929 والتي أدت إلى الكساد الكبير، جعلت من الصعب على الكثير من الأمريكيين أن يلتزموا الهدوء.



أدى انهيار 1987 إلى صدمة في النظام المالي ليس فقط بسبب حجم الانخفاض في الأسعار، ولكن بسبب تأثيره على إضعاف طريقة عمل السوق. فقد كان حجم الطلبيات في بعض الأوقات كبيرا لدرجة ان المتخصصين في سوق نيويورك اضطروا إلى إيقاف التعامل على بعض الأسهم بصورة مؤقتة، وهو ما انتقل أثره إلى سوق المستقبليات كما سبقت الإشارة، وقدرت الخسائر في قيمة الأسهم في هذا اليوم بنصف تريليون دولارا محيت من ثروة المتعاملين في السوق. وهكذا أصبح من الواضح ان استمرار الأوضاع على ما هي عليه سوف يكرر لا محالة سيناريو انهيار 1929، ولذلك في صبيحة يوم الثلاثاء 20 أكتوبر وقبل بدء عمليات التداول في أسواق المال أصدر الاحتياطي الفدرالي بيانا قصيرا جاء فيه "ان الاحتياطي الفدرالي انطلاقا من التزاماته كبنك مركزي للدولة يؤكد اليوم انه مستعد لتوفير السيولة اللازمة لدعم النظامين الاقتصادي والمالي"، كان لهذا البيان مفعول السحر في الأسواق، حيث كان البيان أفضل العوامل التي ساعدت على تهدئة قلق المستثمرين في السوق، إذ أدى إلى المساعدة على تهدئة ودعم الأسواق، ومن ثم اخذ السوق في الانتعاش عند الافتتاح، وبعد منتصف الظهر، كان هناك استمرارا في الارتفاع في مؤشرات الأسواق وذلك عندما قامت الشركات أيضا بالإعلان عن أنها لديها برامج لشراء أسهمها لدعم الطلب على هذه الأسهم.



في محاولة لتطويق الانخفاض في أسواق المال ووقف أي انتشار للأثر من سوق المال إلى الاقتصاد الحقيقي مثلما حدث في 1929، قام الاحتياطي الفدرالي بتوفير السيولة بالصورة التي تساعد على جلب الثقة في السوق، وكان أهم الإجراءات التي اتخذها تكثيف عمليات السوق المفتوح والتي استهدفت خفض معدلات الفائدة على الأموال الفدرالية (معدل الفائدة بين البنوك) من 7.5% إلى 7%، لدعم سيولة النظام المصرفي، كما استهدفت العملية تحرير القواعد المتعلقة بقروض الأوراق المالية لتوفير أكبر قدر من السيولة وتخفيض الضغوط التي أدت إلى فوران السوق. من ناحية أخرى أخذت باقي معدلات الفائدة قصيرة الأجل الأخرى في التراجع مما خفض من تكلفة الاقتراض من قبل المقترضين. وعلى مدى الأسابيع التي تلت هذا الأسبوع استمر الاحتياطي الفدرالي في ضخ الاحتياطيات النقدية في أسواق المال. كذلك قام الاحتياطي الفدرالي بالتعاون مع البنوك وشركات الأوراق المالية بالعمل على توفير الائتمان لدعم السيولة وتوفير احتياجات التمويل للسماسرة والمتعاملين في الأسواق، والتعاون بصورة أكثر مرونة مع عملائهم، وهو ما ساعد المتعاملين على تسوية التزاماتهم واستمرار العمل في الأسواق بشكل طبيعي بعد ذلك، وهو ما أسهم بصورة هامة في تحسن أداء الأسواق في الأسابيع التالية.



أدى يوم الاثنين الأسود إلى التأثير سلبيا على عدد كبير من الشركات التي كانت ترغب في التحول إلى شركات مساهمة، وكذلك على كمية السيولة المتاحة للشركات الأخرى التي كانت تنوي طرح أسهما في السوق، ففي يوم الاثنين الأسود كان هناك 229 شركة كانت قد تقدمت بطلبات إلى لجنة الأوراق والأسواق المالية لإصدار أسهم للاكتتاب للمرة الأولى، وترتب على الانهيار قيام 45% من هذه الشركات بتأجيل هذه الخطط، وبلغت عمليات إلغاء إصدارات الأسهم مستويات تاريخية. كان نتيجة الانهيار ان قام السوق بتبني قواعد جديدة لكي تحكم برامج الاتجار، حيث تم إعادة تصميم برامج الحاسوب بحيث توقف عمليات التعامل لتجنب الخسائر الضخمة.



من ناحية أخرى كان هناك تخوفا من ان يؤدي الانهيار إلى كساد يعم العالم، غير ان ذلك لم يتحقق بسبب الإجراءات الحاسمة التي اتخذها الاحتياطي الفدرالي، ولذلك لم يتحول انهيار 1987 إلى كساد اقتصادي مثلما حدث في 1929، ومن ثم لم تفلس الشركات التجارية كما لم ترتفع معدلات البطالة، وعلى الرغم من توقع العاملين في سوق المال ان يتجنب الأفراد السوق لسنوات، غير ان ذلك مرة أخرى لم يحدث، وعلى العكس مما حدث في انهيار 1929 حيث احتاج السوق إلى عدة عقود لكي يستعيد المؤشر مستوياته قبل الأزمة، فإن الأمر استغرق سنتان فقط قبل ان تعود المؤشرات إلى قيمتها قبل الاثنين الأسود.



في الحلقة القادمة نخرج مرة أخرى من دائرة الأزمات المالية للولايات المتحدة، حيث سنذهب هذه المرة إلى الشرق لنتناول الأزمة الآسيوية إن أحيانا الله سبحانه وتعالى.
مدونة اقتصاديات الكويت ودول مجلس التعاون.

الخميس، يوليو 29، 2010

كرتون عن قرب الغاء الاعفاءات الضريبية التي اقرها الرئيس السابق بوش الابن

يتصاعد الحديث حاليا عن قرب وقف مد العمل بقانون الاعفاءات الضريبية الذي اقره الرئيس بوش الابن في عامي 2001 و 2003، والذي يهدف الى اعادة العمل بمعدلات الضرائب السابقة على الدخول والارباح الرأسمالية. الهدف من الغاء القانون هو محاولة السيطرة على العجز في الميزانية العامة للولايات المتحدة ووقف النمو في الدين العام الامريكي. البعض ينظر الى قرار وقف العمل بالاعفاءات الضريبية على انه سيكون بمثابة عاصفة تهب على الاقتصاد الامريكي الذي يحاول ان يخرج من الازمة الحالية. الكرتون التالي هو تعبير كرتوني لهذه القضية.



لاب توب لكل طفل

لاب توب لكل طفل هو مشروع عظيم يحتاج إلى دعم ومساندة أصحاب الخير. المشروع يوفر لاب توب يتكلف 100 دولارا فقط (30 دينارا تقريبا) لأطفال العالم الفقير. المشروع فكرة نيكولاس نيجروبونت، وهو عالم وأستاذ في معهد MIT وهو صاحب فكرة مشروع لاب توب لكل طفل، وهو مشروع لا ربحي، يقوم على التبرعات الإنسانية من كافة أنحاء العالم. المشروع العظيم يهدف أساسا الى أن يحمل كل طفل في العالم الفقير لاب توب لكي يكون لديه وصول إلى التعليم الالكتروني، والاستفادة من مخرجات التكنولوجيا الحديثة التي ربما لا يسمع عنها في مجاهل افريقيا، أو اندونيسيا، وهي لا شك فكرة عظيمة. البروفيسور نيجروبونت ليس مسلما، ولكنه شخص عظيم وصاحب رسالة سامية لأطفال العالم، هدفها الاساسي خدمة البشرية من المعدمين الذين لم يسعدهم الحظ بالحصول على مخرجات التكنولوجيات الحديثة. كإنسان فاضل، نيكولاس لا يتشدق بأفضاله على العالم، لأن أصحاب مثل هذه الرسالة العظيمة لا ينتظرون شكرا من الناس.

هذا الأسبوع أيضا أعلن السيد قابيل سيبال وزير الموارد البشرية الهندي في نيودلهي عن نية الهند إنتاج وتوفير أجهزة لاب توب بشاشة تعمل باللمس (مثل الـ ipad) بسعر لا يتجاوز 35 دولارا فقط (10 دنانير)، والذي سيبدأ العمل به في 2011. أجهزة اللاب توب الجديدة هي أجهزة تعليمية بالدرجة الأولى، سوف يتم توفيرها للتلاميذ في كافة أنحاء الهند، ومنها بالطبع الى كافة الأطفال الفقراء في العالم. اللاب توب يعمل بنظام اللينوكس، وسوف يكون ارخص كمبيوتر في العالم. المشروع تجسيد للرغبة الهندية في التفوق التقني وتحويل الهند إلى ارض المبرمجات من خلال البدء باعداد الفرد الهندي تكنولوجيا من مرحلة الحضانة. الابتكار الهندي يعد قفزة نوعية في توفير أجهزة الحاسوب رخيصة الثمن المصممة أساسا نحو الفقراء في الهند وفي العالم.



كم بلد مسلم به مئات الملايين من الأطفال الفقراء الذين لا يستطيعون الحصول على لاب توب لا يتجاوز ثمنه 100 دولارا، وكم مليونير مسلم يستطيع ان يقدم اقل القليل لإسعاد آلاف الأطفال من بني جلدته، بمدهم بهذه الالة الرائعة والرخيصة الثمن في ذات الوقت، بدلا من ان ينفق نقوده يمنة ويسرة في أمور يعلمها الجميع، ولا مجال لذكرها هنا. حقا إن المال مسئولية عظيمة، وهي من المسئوليات التي سيسأل الإنسان عنها يوم القيامة، أي عن ماله من أين اكتسبه وفي أي سبيل أنفقه، للأسف أن بعض الأغنياء سوف يتمنون أنهم عاشوا في الدنيا كفقراء معدمين بلا مال أوردهم موارد الهلاك، ولكن ذلك، لسوء الحظ، سوف يكون بعد فوات الأوان، وحيث لا ينفع الندم.

هذه دعوة لأثرياء المسلمين أن يحاولوا توفير هذه الالة الرخيصة لأطفال العالم المسلم من الفقراء قليلي الحظ وما أكثرهم، حيث أنهم للأسف أكثر الاطفال الفقراء في العالم، كما تشير الاحصاءات عن بلاد المسلمين.
مدونة اقتصاديات الكويت ودول مجلس التعاون.

الثلاثاء، يوليو 27، 2010

لماذا تجب محاربة انكماش الأسعار؟

اكتظ بريدي الالكتروني هذا الأسبوع بالكثير من التعليقات والأسئلة حول مقالي الأخير" التخوف اليوم ليس من تضخم الأسعار وإنما من انكماش الأسعار" والذي أشرت فيه أنه للشهر الثالث على التوالي تميل الأسعار في الولايات المتحدة نحو التراجع مما يرفع من مخاطر انكماش الأسعار، وان المشكلة التي أراها الآن هي ليست الخوف من تصاعد التوقعات التضخمية، وإنما في تعمق انكماش الأسعار والذي من الممكن ان يمثل تهديدا لجهود استعادة النشاط الاقتصادي في مركز الأزمة (الولايات المتحدة)، ومنها إلى باقي دول العالم، وعلى رأسهم نحن في الخليج، على الرغم من أنه لا ناقة لنا ولا جمل فيما يحدث. معظم تعليقات القراء تبدي دهشتها من نظرتي إلى انكماش الأسعار على أنه أمر سيئ، أليس تراجع الأسعار أمر جيد سواء للمستهلك أو الاقتصاد؟ سأحاول في هذا المقال ان أوضح ان انكماش الأسعار أمر أشد خطورة من التضخم، لما له من آثار انكماشية مدمرة.

في عالمنا اليوم تتبنى البنوك المركزي في العالم سياسات نقدية تستهدف تحقيق معدل محدد للتضخم، على سبيل المثال المعدل المستهدف للتضخم في الولايات المتحدة هو 2%، وبعض البنوك المركزية تتبنى معدلا مستهدفا للتضخم صفر%، ولكن هذا المستوى المستهدف عند صفر% أمر ضار بالاقتصاد. معنى ذلك ان البنوك المركزي تحرص على ان تضمن حدا أدنى (معقول) من التضخم كل عام. ولكن لماذا تحرص البنوك المركزية على ذلك؟ المشكلة الأساسية التي يواجهها البنك المركزي تتمثل في أنه يرغب في تحفيز النشاط الاقتصادي بشكل مستمر لكي تغذية الطلب الكلي عند مستويات تضمن نموا مرتفعا في مستويات الناتج، غير ان هذه المستهدفات من الممكن ان يترتب عليها مخاطر ارتفاع معدلات التضخم، خصوصا إذا كانت خطط التحفيز تؤدي إلى زيادة معدلات النمو في الطلب الكلي بسرعة. من ناحية أخرى إذا أخذت الأسعار الاتجاه العكسي وأخذت في التراجع بحيث بدأ يظهر في الأفق انكماشا في الأسعار فان هناك مخاطر من نوع آخر تظهر على السطح، وهي مخاطر انكماش الأسعار، وهي بالمناسبة خطيرة جدا أيضا. مهمة البنك المركزي هي محاربة التضخم المرتفع لذلك دائما ما يحدد البنك المركزي لنفسه مستهدفات سنوية لمعدل التضخم (2% مثلا)، وكذلك محاربة انكماش الأسعار، والتأكد من ان انكماش الأسعار سوف يتجه نحو المعدلات المستهدفة للتضخم. ولكن لماذا ينظر إلى انكماش الأسعار بهذا القدر من السوء؟

البعض يعتقد ان ميل الأسعار نحو التراجع أمرا جيدا، حيث يستفيد الأفراد في المجتمع (المستهلكون) بصورة أساسية وترتفع مستويات دخولهم الحقيقية ومن ثم القوة الشرائية لدخولهم بفعل تراجع الأسعار، الأمر الذي يرفع من مستويات رفاهيتهم، وهي آثار ايجابية كما يبدو، فلماذا ينظر لانكماش الأسعار على انه أمر سيئ؟. الإجابة هي ان هذا التحليل تحليل نظري، أي أنه لا يمت لما سوف يحدث في الواقع مع انكماش الأسعار بأي صلة، بل على العكس سوف تتراجع مستويات دخول الأفراد واستهلاكهم ورفاهيتهم مع انكماش الأسعار!!. والآن دعونا نحلل الآثار التي يمكن ان تترتب على انكماش الأسعار.

أولا يؤدي انكماش الأسعار إلى ارتفاع معدلات الفائدة الحقيقية في الاقتصاد (معدل الفائدة الاسمي أو معدل الفائدة في السوق النقدي مطروحا منه بمعدل التضخم)، فإذا كان الأسعار تنكمش فان معدل التضخم سيكون رقما سالبا، ومن ثم يضاف إلى معدل الفائدة الحالي، وهو ما يرفع من معدل الفائدة الحقيقي، وحتى لو كان معدل الفائدة الاسمي صفرا أو قريبا من الصفر فان معدل الفائدة الحقيقي يزداد ويصبح رقما موجبا في هذه الحالة. يؤدي ارتفاع معدل الفائدة الحقيقي إلى تراجع مستويات الإنفاق الاستهلاكي (وليس زيادتها كما يعتقد البعض)، وتراجع مستويات الإنفاق الاستثماري نتيجة ارتفاع تكاليف الاستثمار. المعضلة التي نواجهها دائما هي أن انكماش الأسعار يحدث دائما في أوقات الكساد حيث يكون الاستثمار منخفضا للغاية، ومن ثم عندما يتعمق انكماش الأسعار فإن ذلك يقضي على احتمالات تحسن مستويات الإنفاق الاستثماري من قبل قطاع الأعمال، الأمر الذي يعقد مهمة الخروج من الكساد، والذي يمكن بفعل ذلك ان يتحول إلى ركود اقتصادي طويل المدى.

ثانيا: ان انكماش الأسعار لا يؤدي إلى تحسن الإنفاق الاستهلاكي للأفراد كما يتوقع البعض، بل على العكس، مع تعمق مستويات تراجع الأسعار وتصاعد احتمالات الكساد فان التوقعات التشاؤمية للمستهلكين حول مستويات دخولهم المستقبلة تزداد وتتعمق هي الأخرى، وهو ما يجعلهم يميلون إلى الادخار (أو الإمساك عن الإنفاق) بشكل اكبر، ولا يميلون إلى الإنفاق للاستفادة من انخفاض الأسعار في ظل هذا المناخ الاقتصادي المظلم، الأم الذي يؤدي إلى تفاقم مشاكل قطاع الأعمال بصورة اكبر نظرا لاستمرار تراجع الطلب على منتجات هذا القطاع من سلع وخدمات، على الرغم من ميل الأسعار نحو التراجع.

ثالثا: ان انكماش الأسعار سوف يؤدي بالتبعية إلى تراجع أسعار الأصول المختلفة التي يملكها الأفراد أو مؤسسات الأعمال مثل العقارات وغيرها من الأصول، وغالبا ما تستخدم هذه الأصول كرهونات لدى المؤسسات المالية في مقابل القروض الممنوحة للأفراد والمؤسسات، ومع تراجع أسعار هذه الأصول تتحول الكثير من اصول المؤسسات المالية إلى أصول مسمومة (وذلك نتيجة تحول قيم الرهونات إلى مستويات اقل من مستويات القروض الممنوحة في مقابل هذه الرهونات)، وهو ما قد يؤدي إلى انهيار تلك المؤسسات، مثلما حدث في أزمة الرهونات العقارية الأخيرة.

رابعا: أن انكماش الأسعار يؤدي إلى تراجع أجور العمال وزيادة معدلات البطالة بينهم، على عكس ما قد يتوقع البعض، فانكماش الأسعار يؤدي إلى تراجع التدفقات النقدية لمؤسسات الأعمال ومن ثم تراجع مستويات الأرباح وهو ما يدفع بمؤسسات الأعمال نحو تخفيض مستويات إنتاجها، ومن ثم الاستغناء على المزيد من العمال، فترتفع معدلات البطالة، ومع تزايد أعداد العمال العاطلين تميل أجورهم نحو التراجع.

خامسا: أن انكماش الأسعار يدفع بالمؤسسات المالية نحو تخفيض قروضها لقطاع الأعمال، حتى لأفضل تلك المؤسسات نظرا لأوضاع مناخ الأعمال السيئ، والتي ترفع من مخاطر الإقراض لدى المؤسسات المالية نتيجة لتزيد من احتمالات التوقف عن السداد عن المقترضين من قطاع الأعمال.

سادسا: أن انكماش الأسعار سوف يرفع من القيمة الحقيقية لأعباء الديون على الأفراد، ومن ثم يبدأ شعور الأفراد الذين تنخفض دخولهم وأجورهم بارتفاع تكاليف خدمة الديون من الناحية الحقيقية على عاتقهم، الأمر الذي يؤثر على مستويات استهلاكهم، ومن ثم رفاهيتهم.

سابعا، أنه ما ان تبدأ الأسعار في الانكماش حتى تتعمق في الاقتصاد التوقعات تشاؤمية حول اتجاهات مستويات النشاط الاقتصادي في المستقبل، ويأخذ الجميع في انتظار الأسوأ مع تراجع مستويات النشاط الاقتصادي ومستويات الطلب الكلي ومن ثم مستويات الدخول والتوظف، والأخطر احتمالات ارتفاع معدلات البطالة.

هذا غيض من فيض حول ضرورة وأهمية مكافحة انكماش الأسعار وليس تشجيعه، ومثلما ننظر إلى التضخم على انه أمر سيئ، فان انكماش الأسعار وتراجعها بشكل مستمر أمر أسوأ من استمرار تصاعد الأسعار.
مدونة اقتصاديات الكويت ودول مجلس التعاون.

ما هي اختبارات الضغط للبنوك الأوروبية

نشر في جريدة الوطن البحرينية بتاريخ الثلاثاء 27/7/2010
انتشرت في العالم في الأسبوع الماضي موجة من القلق تخوفا مما يمكن أن ينتج عن اختبارات الضغط المصرفي التي تقوم بها اللجنة الأوروبية للمراقبين المصرفيين والبنك المركزي الأوروبي من نتائج. يوم الجمع الماضي، تم الإعلان عن نتائج اختبارات الضغط المصرفي التي أجريت للبنوك الأوروبية، والتي أسفرت نتائجها عن أن سبعة بنوك أوروبية فشلت في اجتياز هذه الاختبارات. المهم في الأمر انه عقب إعلان النتائج مالت الأسواق إلى الهدوء، وازدادت مستويات الثقة في القطاع المصرفي الأوروبي، حيث زالت حالة القلق التي كانت سائدة قبل الإعلان عن النتائج. بعض الكتاب الذي لا يفهمون طبيعة هذه الاختبارات غالوا في تفسير النتائج، والبعض الآخر ينظر إلى البنوك التي فشلت في الاختبار على أنها بنوك مفلسة.. الخ، وهو ما يعكس سوء فهم لطبيعة مثل هذه الاختبارات، فما هي اختبارات الضغط المصرفي؟ وما هو الهدف منها، ولماذا يتم إجراؤها. سوف أحاول في هذا المقال الإجابة عن هذه الأسئلة من خلال تحليل اختبارات الضغط المصرفي للبنوك الأوروبية.



اختبارات الضغط المصرفي هي اختبارات تجرى على البنوك بهدف التعرف على قدرتها على تحمل الخسائر المستقبلية التي يمكن أن تتعرض لها في ظل سيناريوهات محددة حول الأوضاع الاقتصادية في المستقبل، وهذه السيناريوهات تبدأ بما يسمى بالسيناريو الأساسي، أو سيناريو استمرار الأوضاع الحالية على ما هي عليه، وعدة سيناريوهات بديلة تختلف في درجة حدة الفروض القائمة عليها. بصفة خاصة تحاول هذه الاختبارات التأكد من أن البنوك سوف يكون لديها موارد رأسمالية كافية لمواجهة الخسائر التي يمكن أن تتعرض لها في حال تحقق السيناريو الأسوأ من بين هذه السيناريوهات. ولذلك يفترض أن يترتب على اختبارات الضغط بناء تصور عن مدى قدرة المؤسسات المالية والنظام المصرفي بشكل عام على مواجهة الصدمات المحتمل حدوثها في الاقتصاد، إذا ما تطورات الأوضاع الاقتصادية على النحو الأسوأ، وتقييم قدرتها على استيعاب الصدمات المختلفة الناجمة عن مخاطر الائتمان والأسواق، وتجرى هذه الاختبارات على كل بنك على حدة، استنادا إلى البيانات المتاحة عن البنك، والمعلومات الناجمة من عمليات الرقابة على البنك.



تأتي أهمية نتائج اختبارات الضغط المصرفي في أنها تساعد على اتخاذ الإجراءات المناسبة حيال المؤسسات المالية التي تظهر النتائج سوء أوضاعها، أي فيما إذا كانت الحكومة ستضع خطة لتقديم الدعم المالي لها في حال تحقق السيناريو الأسوأ لكي تستمر في أعمالها، أو ستسمح لها بالإفلاس، وعلى ذلك فان نتائج تلك الاختبارات سوف تحدد البنوك ذات الأوضاع المتينة، وهي البنوك التي تكفي أصولها لتمويل التزاماتها وتغطية خسائرها المستقبلية، ومن ثم يمكنها أن تستمر في دورها كوسيط مالي، وبدون مساعدة حكومية، وكذلك تحديد تلك البنوك التي سوف تحتاج إلى مساعدة من الحكومة لكي تستمر في العمل، وهي تلك البنوك المحتمل أن تكون مليئة ماليا عند تحسن أوضاع الاقتصاد، غير أنها تحتاج في أوقات تحول السيناريو الأسوأ إلى واقع إلى المساعدة الحكومية من خلال تقديم أموال لمساندة وإنقاذ تلك البنوك، أو أن يطلب من البنوك أن تبحث عن مصادر للتمويل في سوق التمويل الخاص، بما في ذلك دفع أو إجبار البنك نحو الاندماج.



كان الرئيس باراك أوباما عند بدء رئاسته قد أعلن بأنه سوف يخضع البنوك الرئيسية في الولايات المتحدة لاختبارات للضغط المصرفي للتعرف على الأوضاع الحقيقية لتلك البنوك، وبالفعل تم إجراء تلك الاختبارات بواسطة الاحتياطي الفدرالي على 19 بنكا، وتم إعلان نتائجها للجمهور بكل شفافية، فكانت النتيجة هي بث الاطمئنان في الأسواق عن أوضاع البنوك الأمريكية في الأسواق العالمية، واخذ مؤشر أسعار الأسهم في الارتفاع بعد ذلك.



وكان البنك المركزي الأوروبي قد سبق أن قام بإجراء اختبارات الضغط المصرفي في 2009، ولكن على عينة من 26 بنكا فقط. اختبارات الضغط اتسعت هذه المرة لتشمل 91 بنكا أوروبيا والتي تمثل 65% من إجمالي السوق الأوروبي بالنسبة لإجمالي حجم الأصول في النظام المصرفي الأوروبي، وبالتعاون مع 20 مؤسسة رقابية. معنى ذلك ان اختبارات الضغط المصرفي لا تشمل كافة البنوك الأوروبية، حيث تم التركيز على البنوك الرئيسية خصوصا تلك التي يتسع نطاق أعمالها عبر دول أوروبا، ومجموعة أخرى من البنوك الضخمة من حيث حجم الائتمان الذي تمنحه في أوروبا. وعندما تم اختيار العينة تم ترتيب البنوك في كل دولة تنازليا بحيث يتم ضمان ان تغطي العينة 50% على الأقل من النظام المصرفي المحلي في كل دولة. شملت الاختبارات التي أجريت للبنوك الأوروبية مدى زمني طوله سنتين قادمتين، أي حتى نهاية 2011، وذلك وفقا لفروض قاسية حول مسار السيناريو الأسوأ، وتركز اختبارات الضغط على المخاطر الائتمانية والسوقية بما في ذلك التعرض للديون السيادية الأوروبية.



ولكن ما هي ملامح هذا السيناريو الأسوأ الذي أجريت على أساسه اختبارات الضغط المصرفي؟ باختصار، فروض السيناريو الأسوأ هي حدوث صدمة في معدلات النمو يترتب عليها تراجع معدلات نمو الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 3% خلال عامي 2010-2011، عما هو متوقعا في السيناريو الأساسي، وفي حال حدوث ذلك فان الكساد سوف يعم أوروبا. بينما يقوم السيناريو الأساسي على افتراض أن دول الاتحاد الأوروبي (27 دولة) سوف تبدأ استعادة النشاط الاقتصادي في 2010، بمعدل نمو 1%، ويتحسن هذا المعدل في 2011 إلى 1.7%. معنى ذلك أنه يتوقع في حال تحقق السيناريو الأسوأ، أن ينخفض معدل النمو في عام 2011 في الاتحاد الأوروبي إلى سالب 0.4% تقريبا، ونتيجة لذلك سوف ترتفع معدلات البطالة من 9.8% في 2010 إلى 11% في 2011، وفي منطقة اليورو (16 دولة) إلى 11.5%. ومن الواضح أن صدمة النمو في السيناريو الأسوأ سوف يترتب عليها تراجع في مستويات الثقة في الاقتصاد الأوروبي، ومن ثم تراجع في مستويات التوظف وتوقعات الأرباح للشركات في العالم، وهو ما يؤثر سلبا على الاستثمار والاستهلاك الخاص. ويوضح الشكل التالي معدلات النمو الحقيقي في الاتحاد الاوروبي وفقا للسيناريوهات المختلفة لاختبارات الضغط المصرفي.


أكثر من ذلك يفترض السيناريو الأسوأ تعرض البنوك الأوروبية لصدمة في الديون السيادية، من خلال تدهور أوضاع السوق إلى مستويات مشابهة لتلك التي سادت في عز أزمة الديون اليونانية في مايو 2010، ولكن كيف يتم أخذ مخاطر الديون السيادية في الاعتبار؟ إن ذلك يشمل الانخفاض المتوقع في قيمة هذه السندات عند حدوث الصدمة، وأي انخفاض يحدث في الأصول الأخرى غير الديون السيادية، ومن ثم تحدث الخسائر التي يمكن ان تمنى بها البنوك نتيجة التعرض للديون السيادية، كما تشمل هذه المخاطر ارتفاع معدل العائد على هذه السندات، بحيث يصل إلى حوالي 14% في 2011، وهو ما يؤدي إلى رفع معدلات الفائدة على قروض القطاع الخاص، مما قد يرفع من معدلات التوقف عن السداد بين الشركات الخاصة، والجمهور والذين سيجدون صعوبة في خدمة هذه القروض، ومن ثم مواجهة البنوك لخسائر إضافية من التعرض لقروض القطاع الخاص. كذلك يتوقع أن يترتب على ذلك ارتفاع معدلات الفائدة ليس فقط الفائدة قصيرة الأجل، ولكن أيضا معدلات الفائدة طويلة الأجل، وهو ما يؤدي إلى انعكاسات سلبية على الماليات العامة لحكومات الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي.



لبدء إجراء اختبارات الضغط يجب على البنوك المعنية ان تقوم بحساب نسبة رأسمالها إلى إجمالي الأصول في 2010 و 2011، وفقا للسيناريو الأساسي، ثم يتم بعد ذلك حساب نسبة رؤوس الأموال بالنسبة للأصول وفقا للسيناريو الأسوأ والذي يتضمن صدمتي النمو والديون السيادية. ثم تتم مقارنة نسبة رأس المال الجوهري إلى الأصول، فإذا كانت النسبة هي 6% أو أكثر فان البنك يكون قد اجتاز الاختبار بنجاح، وإذا ما كانت النسبة اقل من 6% فإن البنك يكون قد فشل في الاختبار ويجب على البنك تدبير موارد مالية لرفع نسبة رأس ماله إلى الأصول التي يملكها. وقد تم استخدام حد الـ 6% كمعيار وحيد لأغراض هذه الاختبارات، حيث تخضع البنوك الأوروبية إلى قيود حول الحد الأدنى لنسبة رأس المال الجوهري إلى إجمالي الأصول عند 4%.



أهم النتائج التي تم التوصل إليها هي أن القطاع المصرفي الأوروبي قطاع متين بشكل عام، عدا بعض البنوك التي فشلت في اجتياز الاختبار، وأن البنوك الأوروبية سوف يكون لديها قدرة عالية على تحمل نتائج السيناريو الأسوأ، غير ان التقرير يشير إلى جانبا من هذه النتائج تعكس الدعم الحكومي لحوالي 38 بنكا من هذه البنوك، وانه في حال تعقد أوضاع الأزمة واتساع حالة عدم التأكد المصاحبة لاستعادة النشاط الاقتصادي العالمي، فإن هذه النتائج لا بد وأن تؤخذ بقدر أكبر من الحيطة والحذر، خصوصا لو قامت الحكومات بالخروج من استراتيجيات الدعم لتلك البنوك.



أظهرت نتائج الاختبارات بأن إجمالي نسبة راس المال الجوهري (رأس المال من الأسهم والاحتياطيات المعلنة) إلى إجمالي الأصول للبنوك الأوروبية سوف ينخفض في ظل السيناريو الأسوأ من 10.3% في عام 2009 إلى 9.2% في عام 2011، وهو ما يرتفع بشكل كبير عن الحد الأدنى المطلوب من الأجهزة الرقابية في ظل هذا الاختبار، والذي يقع بين 4%-6%. عدد البنوك الأوروبية التي فشلت في اجتياز اختبارات الضغط هو 7 بنوك بلغت نسبة رؤوس أموالها إلى أصولها عند نسب اقل من 6% في حال سيادة السيناريو الأسوأ. أما بالنسبة لحجم الخسائر المتوقع حدوثها للبنوك الأوروبية في حال تحقق السيناريو الأسوأ، فقد توصلت نتائج الاختبارات ان إجمالي الخسائر التي يمكن ان تلحق بالقطاع المصرفي الأوروبي (العينة المدرجة في الاختبارات) ربما تصل إلى حوالي 566 مليار يورو، ويوضح الشكل التالي اتجاهات نسبة رأس المال الى اصول البنوك الاوروبية وفقا للسيناريو الاسوأ لاختبارات الضغط المصرفي للبنوك الاوروبية.


ولكن ماذا تعني هذه النتائج بالنسبة للبنوك التي فشلت في اختبار الضغط؟ البنوك التي فشلت في أن تستوفي هذا الحد لنسبة رأس المال الجوهري إلى أصولها سوف تكون على اتصال وثيق بالسلطات الرقابية في أوروبا لتقييم نتائج الاختبار ومضامين هذه النتائج بالنسبة لتلك البنوك، وبحث الحاجة إلى إعادة رسملة هذه البنوك لكي تصل إلى الحد الأدنى من الرسملة الذي تفرضه الجهات الرقابية. الأمر الذي يجب التركيز عليه هو ان البنوك التي لم تجتاز الاختبار ليست بنوكا معرضة للإفلاس، كما أن النتائج التي تم التوصل إليها ليس معناها أنها سوف تحدث على وجه الدقة في حال تحقق السيناريو، معنى ذلك ان هذه البنوك التي أعلن عن أنها فشلت في الاختبار سوف تظل نسبة رؤوس أموالها إلى أصولها في أمان طالما لم تتحول الفروض التي قام عليها السيناريو الأسوأ إلى واقع عملي.



بقي أن أشير إلى أن الاختبارات التي أجرتها اللجنة الأوروبية للمراقبين المصرفيين كانت أكثف من تلك التي أجراها الاحتياطي الفدرالي في العام الماضي، سواء من حيث عدد المصارف أو نطاق انتشارها. الجديد في هذه المرة ان البنك المركزي الأوروبي حرص على نشر نتائج الاختبار بشفافية أعلى، وهو من المسائل الحيوية، خصوصا بالنسبة للأسواق، حيث يساعد في تهدئة مخاوف الأسواق حول مدى سلامة النظام المصرفي الأوروبي في ظل المخاوف من أزمة الديون السيادية الأوروبية، لأن هذه النتائج أتت أفضل مما كان يخشاه المستثمرون حول الأوضاع الحقيقية لتلك البنوك.
المصدر: Aggregate outcome of the 2010 EU wide stress test exercise coordinated by CEBS in cooperation with the ECB,
مدونة اقتصاديات الكويت ودول مجلس التعاون

السبت، يوليو 24، 2010

سبعة بنوك امريكية تفلس هذا الاسبوع

ارتفعت وتيرة إفلاس البنوك الأمريكية هذا الأسبوع على نحو خطير، حيث أعلنت سبعة بنوك أمريكية إفلاسها وفقا للمؤسسة الفدرالية للتأمين على الودائع في الولايات المتحدة، يوم الجمعة الماضي. هذه البنوك السبعة هي:

البنك الأول هو بنك Sterling Bank, Lantana, Florida في فلوريدا، وهو البنك رقم 97 الذي يفلس في الولايات المتحدة الأمريكية منذ بداية العام، والبنك رقم 18 الذي يفلس في الولاية هذا العام. بلغت أصول هذا البنك في مارس الماضي 407.9 مليون دولارا، بينما بلغت المودعات لديه 372 مليون دولارا، وسوف يترتب على إفلاس هذا البنك تحمل الصندوق الفدرالي للتأمين على الودائع خسائر تصل إلى 45.5 مليون دولارا. وكان آخر بنك أفلس في الولاية هو بنك Metro Bank of Dade County, Miami في يوليو الماضي.


البنك الثاني هو بنك Crescent Bank and Trust Company, Jasper, Georgia في ولاية جورجيا، وهو البنك رقم 98 الذي يفلس في الولايات المتحدة هذا العام، وهو من البنوك المتوسطة الحجم، حيث بلغت اصوله في مارس الماضي 965.7 مليون دولارا، والمودعات لديه 1.01 مليار دولارا. إجمالي الخسائر التي سيتحملها الصندوق الفدرالي للتأمين على الودائع نتيجة إفلاس هذا البنك هي 242.4 مليون دولارا. آخر بنك أفلس في الولاية هو بنك First National Bank, Savannah في يونيو الماضي.


البنك الثالث هو بنك Williamsburg First National Bank, Kingstree, South Carolina في شمال كارولاينا، وهو من البنوك الصغيرة، حيث بلغت أصول البنك في مارس الماضي 139.3 مليون دولارا والمودعات لديه 134.3 مليون دولارا، يتوقع ان تبلغ التكاليف التي سيتحملها الصندوق الفدرالي للتأمين على الودائع نتيجة إفلاس هذا البنك 8.8 مليون دولارا. هذا البنك هو البنك رقم 99 الذي يفلس في الولايات المتحدة منذ بداية العام، وهو البنك الرابع الذي يفلس في الولاية هذا العام. آخر بنك أفلس في الولاية هو بنك Woodlands Bank, Bluffton في يوليو الماضي.


البنك الرابع هو بنك Thunder Bank, Sylvan Grove, Kansas في ولاية كانساس، وهو من البنوك الصغيرة جدا، حيث بلغت أصوله في مارس الماضي 32.6 مليون دولارا، بينما بلغت المودعات لديه 28.5 مليون دولارا، وسوف يكلف إفلاس هذا البنك للصندوق الفدرالي للتأمين على الودائع 4.5 مليون دولارا فقط. هذا البنك يحمل رقمين قياسيين، الأول هو أنه البنك رقم 100 الذي يفلس في الولايات المتحدة هذا العام، والثاني هو انه البنك الأول الذي يفلس في الولاية هذا العام بعد فترة هدوء طويلة في الولاية. وكان آخر بنك أفلس في الولاية هو بنك SolutionsBank, Overland Park الذي أفلس في ديسمبر 2009.


البنك الخامس هو بنك Community Security Bank, New Prague, Minnesota في ولاية مينيسوتا وهو البنك رقم 101 الذي يفلس في الولايات المتحدة والبنك السابع الذي يفلس في الولاية هذا العام. هذا البنك من البنوك الصغيرة جدا، حيث بلغت أصوله في مارس الماضي 108 مليون دولارا، والمودعات لديه 99.7 مليون دولارا، وسوف يكلف إفلاس هذا البنك الصندوق الفدرالي للتأمين على الودائع 18.6 مليون دولارا. آخر بنك أفلس في الولاية هو بنك Pinehurst Bank, St. Paul في مايو الماضي.


البنك السادس هو بنك SouthwestUSA Bank, Las Vegas, Nevada في نيفادا، وهو البنك رقم 102 الذي يفلس في الولايات المتحدة، والبنك الرابع الذي يفلس في الولاية هذا العام. البنك هو من البنوك الصغيرة والذي بلغت أصوله في مارس الماضي 214 مليون دولارا، والمودعات لديه 186.7 مليون دولارا، وسوف يكلف الصندوق الفدرالي للتأمين على الودائع 74.1 مليون دولارا نتيجة افلاسه. آخر بنك أفلس في الولاية هو بنك Nevada Security Bank, Reno, الذي أفلس في يونيو الماضي.


البنك السابع هو بنك Home Valley Bank, Cave Junction, Oregon في اوريجون، وهو من البنوك الصغيرة حيث بلغت أصوله 251 مليون دولارا، والمودعات لديه 229.6 مليون دولارا في مارس الماضي. يتوقع ان يتحمل الصندوق الفدرالي للتأمين على الودائع 37.1 مليون دولارا نتيجة إفلاس هذا البنك. بذا البنك هو آخر بنك يعلن إفلاسه هذا الأسبوع، وهو البنك هو البنك الثاني الذي يفلس في الولاية هذا العام، حيث كان أول بنك أفلس في الولاية هو بنك Columbia River Bank, The Dalles في يناير الماضي.


بهذا الشكل يصل إجمالي البنوك الأمريكية التي أفلست منذ بداية العام وحتى يوم الجمعة الماضي 103 بنكا، وفقا للتقرير السنوي للمؤسسة الفدرالية للتأمين على الودائع في الولايات المتحدة، بلغ عدد البنوك الأعضاء في المؤسسة 8,012 حتى ديسمبر من العام الماضي.
المصدر: http://www.fdic.gov/

مدونة اقتصاديات الكويت ودول مجلس التعاون.





الجمعة، يوليو 23، 2010

عالم لا يتعلم من أزماته 8/12: أزمة سوق المناخ

نشر في جريدة الاقتصادية السعودية يوم الجمعة 23/7/2010
دائما ما كنت أتناول هذه الأزمة في فصول مادة النقود والبنوك، في جامعة الكويت، للتدليل على حالة الجنون التي يمكن ان تصيب السوق والمتعاملين فيه من الساعين نحو الثروة بأي ثمن، واضعين عقولهم في كوكب آخر، ولقد قرأت في كل الأزمات التي مرت على العالم، ولكني لم أر مثل هذا الجنون الذي شهده سوق المناخ، فقد كان صناعة من نوع خاص، وغالبا ما أطلق على هذه الأزمة فقاعة الورق، حيث أن ما كان يحدث هو إلى حد كبير مضاربة على أسهم لا تساوي قيمة الورق الذي طبعت عليه، في مقابل شيكات ليس لها رصيد، والاثنان يشتركان في خاصية واحدة، هي أنهما بلا قيمة.



تبدأ هذه القصة العجيبة بالحرب بين العرب وإسرائيل في عام 1973 حيث قررت الدول العربية النفطية بزعامة الملك فيصل رحمه الله، وللمرة الثانية، مقاطعة الدول الغربية المساندة لإسرائيل، وعلى رأسها الولايات المتحدة، بوقف شحنات النفط إلى تلك الدول، مما أدى إلى تضاعف أسعار النفط عدة مرات، وأخذت دخول الدول النفطية بالصعود على نحو غير مسبوق، وبالطبع منهم، إن لم يكن على رأسهم الكويت، تلك الدولة الصغيرة التي أصبحت مضرب المثل بعد ذلك في الثروة والغنى، نظرا لضخامة إيراداتها النفطية مقارنة بحجم سكانها الصغير، الأمر الذي أدى إلى تراكم ثروات الأفراد بصورة كبيرة. نتيجة لذلك أخذت عمليات المضاربة من جانب المستثمرين في التصاعد لدرجة أدت إلى تعرض سوق الأوراق المالية لهزات في 1976 و 1977، واضطرت الحكومة إلى التدخل بعمليات شراء للأسهم إنقاذا للموقف، كما قامت في ذلك الوقت بإيقاف تأسيس الشركات المساهمة للحد من عمليات المضاربة على الأسهم.



أدى هذا التصرف من قبل الحكومة إلى رفع ميل المواطنين نحو المضاربة في سوق الأوراق المالية، طالما ان الحكومة مستعدة أو يمكن إجبارها على إبداء الاستعداد اللازم للتدخل باستخدام المال العام لإنقاذ الجميع في حال سقط السوق. كان قرار وقف إنشاء الشركات المساهمة في غاية الغرابة، إذ يفترض ان الشركات المساهمة تنشأ أساسا لكي تمارس نشاطا اقتصاديا، لا لكي تتداول أوراقها لأغراض المضاربة في السوق، ومن ثم فانه يفترض أن يتم إنشاء الشركات في أي وقت طالما سنحت الفرصة لممارسة نشاط إنتاجي معين، أو لتوسيع نطاق شركات قائمة على شكل شركات مساهمة. المهم أنه في الوقت الذي أخذت فيه الثروات تتدفق إلى جيوب المواطنين صدر قرار إيقاف إنشاء الشركات المساهمة، وهو ما أدى إلى ندرة في الأصول المعروضة للاستثمار، أو بالأحرى المضاربة.



كان هوس الذهب الذي بلغ قمته عام 1980 قد انتهي، وفي ظل هذه الظروف أصبح من الضروري البحث عن أدوات لاستثمار هذه المدخرات المتراكمة لدى الأفراد، وتفتقت أذهان فرسان المناخ عن حل شيطاني لهذه المشكلة، وهو أنه إذا كانت كميات أسهم الشركات الكويتية المطروحة للاستثمار غير كافية، فلماذا لا يتم استيراد هذه الأسهم من الخارج؟ وإذا كانت الحكومة قد أوقفت إنشاء الشركات المساهمة في الكويت، فلماذا لا يتم إنشاء هذه الشركات في الخارج ثم جلب أسهمها إلى الكويت للمضاربة عليها في الداخل؟ وإذا كانت الحكومة قد أوقفت إنشاء الشركات المساهمة، فلماذا لا يتم إنشاء شركات مقفلة وتداول أسهمها أيضا في السوق، ونتيجة لذلك انتشرت عمليات إنشاء الشركات المقفلة بقائمة أسماء تتكرر في كل مرة تقريبا بهدف توفير المزيد من الورق الذي يتحول إلى ملايين في أرصدة فرسان المناخ، أدت أمثال هذه الحلول إلى توفير الأوراق اللازمة للمضاربة، بغض النظر عن مدى قانونية عملية تداولها، من جانب، وتمكين فرسان المناخ من تحقيق ثروات خيالية من جانب آخر. باختصار تكثفت عمليات جلب الأسهم من البحرين والإمارات العربية المتحدة فضلا عن إنشاء شركات في الإمارات الفقيرة في دولة الإمارات العربية المتحدة وجلب أسهمها للمضاربين في الكويت وتكثفت عملية إنشاء الشركات المقفلة والتي كانت في معظم الأحيان لا تزال حبرا على ورق عند تداول أسهمها في السوق، وللمفارقة كانت القرارات الحكومية بوقف تكوين الشركات المساهمة خوفا من استخدامها في المضاربة، فكان العلاج الذي قدمه المضاربون أسوأ من المرض ذاته.



كانت عمليات تداول هذه الأسهم في البورصة الرسمية للأوراق المالية تقتضى تسجيل هذه الشركات فيها، وقد كان ذلك الأمر غير ممكن من الناحية القانونية في ذلك الوقت، فجاء الحل أكثر غرابة، وهو قيام الوسطاء بتداول هذه الأسهم في سوق موازي للسوق الرسمي في مبنى سوق المناخ، وهو سوق صغير يقع في وسط العاصمة، الأمر الذي عني أن السوق منذ البداية لم يكن سوقا قانونيا، فقد كان يتكون من مجموعة من الوسطاء الذين يعملون في تبادل العقار أساسا، ثم تحولت مكاتب سماسرة العقار إلى مكاتب تداول للأسهم للشركات الخليجية والشركات المقفلة بنظام Over the counter، وهي أسهم لا يجوز تداولها أصلا إلا بشروط لم تكن تستوفيها هذه المكاتب، وذلك في فوضى لا مثيل لها، وبدلا من أن تقوم الحكومة بإغلاق السوق لأنه مخالف للقانون، تم غض الطرف عنه، ولأن السوق هو سوق موازي فقد تمكن من جلب أكثر المستثمرين ميلا نحو المضاربة.



كسوق غير منظم لم يكن هناك اشتراطات حول طبيعة الأسهم التي يتم تداولها فيه، أو حول خصائص من لهم أهلية العمل كوسطاء في السوق، بل ان الكثير من صفقات البيع والشراء لم تكن تتم في السوق أصلا، بل في الديوانيات أو عبر التليفون أو حتى في الخارج. بناءا على ما سبق يمكننا تعريف سوق المناخ إذن على أنه سوق غير منظم لتداول أسهم الشركات الخليجية التي كان يتم جلبها أو إنشاؤها في الخارج والشركات المقفلة، ويقال ان تسمية سوق المناخ هي نسبة إلى المكان الذي كانت تنوخ فيه الإبل في الكويت، ويقال أيضا ان مبنى سوق المناخ (سوق الذهب المركزي حاليا)، كان قد تكلف بناؤه 5 ملايين دينار، غير انه عندما تحول السوق إلى ماكينة هائلة لصنع النقود ارتفعت أسعار المتر المربع في السوق إلى مليون دينارا، أي حوالي 3.5 مليون دولارا للمتر المربع، وهو ما جعله أغلى مكان على سطح الكوكب في ذلك الوقت، وإذا كان الوضع كذلك لم يكن من المستغرب ان يكسر سوق المناخ الكثير من الأرقام القياسية.



لتوفير الوقود اللازم للمضاربة استخدم السوق نوع غريب من التمويل الشخصي يقوم على استخدام ما يسمى بالشيكات الآجلة، والتي شاع قبولها في العرف الكويتي، وذلك لسداد قيمة الأسهم التي يتم شراؤها. لم تكن هذه الشيكات تتطلب إثباتا من كاتب الشيك بأن لديه رصيدا كافيا في البنك يكفي لسداد قيمة الشيك، وهو ما يمكن أن يعد من الناحية القانونية جريمة تزوير شيكات، إذا لم يكن هناك رصيد كاف في حساب محرر الشيك عند تقديمه للصرف، فكيف كان إذن يسمح بالتمويل في ظل هذا الوضع؟ كان الموضوع كله يقوم على التوقعات بأنه مع استحقاق موعد سداد الشيك سوف تكون قيمة الأسهم قد ارتفعت عدة مرات، وهو ما يمكن المضارب من بيعها نقدا أو بشيكات مرة أخرى، والتي يمكن خصمها في البنوك أو خارجها للحصول على قيمتها، ومن ثم لن يكون هناك مشكلة في توفير رصيد كاف في حساب محرر الشيك طالما ان الأمور تسير بشكل طبيعي، ونظرا لأن هذا النوع من التمويل غير مكلف للمضارب فلم يكن هناك ما يمنع أي شخص من دفع أي ثمن للأسهم طالما ان السداد سوف يتم لاحقا.



لم يكن المتعاملون بهذه الشيكات يعلمون، أو ربما يعلمون ولكنهم يتجاهلون، حقيقة أن القانون الكويتي يسمح بصرف هذه الشيكات المؤجلة في أي وقت، وهي ثغرة في القانون التجاري الكويتي سوف تؤدي لاحقا إلى الانهيار المفاجئ للسوق. نحن إذن أمام نظام للدفع يسمح للمشتري بأن يؤجل تاريخ التزاماته، بينما يعطي للبائع ميزة تسييل هذه الالتزامات في أي لحظة يشاء، وهو ما يعني أن نظام التمويل في السوق يعتمد على عنصر واحد، هو مدى ثقة حامل الشيك في محرره، ومن ثم كانت الخيارات أمام حامل الشيك الآجل هي أما الانتظار حتى تاريخ استحقاقه، أو صرفه في ذات اللحظة التي تمت كتابة الشيك فيها، حتى وان كان مؤجلا لعشر سنوات تالية.



جذب هذا النوع من التمويل الطامعين في تكوين الثروة، حيث كان كل المطلوب من المشتري هو مجرد توقيع على شيك بثمن الأسهم، ثم متابعة الأسعار ترتفع في البورصة حتى يحين الوقت المناسب للبيع، ومع سهولة توفير وقود المضاربة أخذت أسعار الأسهم في الارتفاع إلى مستويات خيالية، مما جذب المزيد من المضاربين إلى السوق الذين لديهم خبرة قليلة في التعامل بالأسهم ولا يفهمون في التحليل الأساسي للأسواق، والراغبين فقط في وضع أيديهم على أي أسهم يجدونها في السوق.



في ظل هذا الهوس لم يكن احد يدقق في أوضاع الشركات المتداولة، أي فيما إذا كانت هذه الشركات لديها أصول أم لا، أو ما إذا كانت توزيعات اربحاها تبرر مثل هذه الأسعار التي يتم على أساسها تداول الأسهم في السوق، أم لا، إلى آخر هذه القائمة من المؤشرات التي يفترض ان تستند إليها قرارات الشراء، وتشير الكتابات المتاحة عن الأزمة أنه إذا ما تم التدقيق في طبيعة الشركات التي كان يتم تداول أسهمها من حيث حجم عملياتها، أو توزيعات اربحاها، أو القيمة المضافة لها .. الخ، سوف نكتشف أنه لا شيء يمكن ان يبرر هذا الارتفاع الهائل في القيمة السوقية لهذه الأسهم، ولكنه جنون المضاربة. دخل النظام المصرفي على الخط حيث أخذت البنوك في تقديم التسهيلات الائتمانية في صورة سحب على المكشوف، أو تقديم قروض بضمانات شخصية، أو بلا ضمانات، أو بضمان الشيكات الآجلة، وكذلك قبول عمليات خصم الشيكات لشراء الأسهم، وهو ما أدى إلى توفير السيولة اللازمة للمضاربين في السوق، أكثر من ذلك فقد قامت شركات الصرافة بتمويل عمليات الشراء والمساهمة في خصم الشيكات، وفي بعض الأحيان كانت السيولة تأتي من الخارج.



مقارنة مع السوق الرسمي اكتسب سوق المناخ شعبية طاغية حيث يمكن ان يضاعف المرء أمواله في غضون اشهر قليلة، مع تحول السوق إلى ما يشبه كازينو للقمار منه إلى سوق لتداول الأوراق المالية، وكان الجميع يردد أنه لا خاسر في هذه السوق"، لدرجة أنه لم يكن هناك أسرة كويتية إلا وتعاملت في السوق أو ارتبطت به. كانت القصص التي ترد من السوق أشبه بقصص ألف ليلة وليلة، حيث تحول السوق إلى السبيل الوحيد نحو الثراء السريع والتحول إلى شخص يحمل لقب مليونير بدون أي جهد يذكر، سوى متابعة الذهاب إلى السوق والتوقيع على الشيكات الآجلة، في ظل هذه المضاربة الجنونية تحول الكثير ممن لم يكونوا يملكون شيئا إلى مليونيرات وأحيانا مليارديرات، وتحول الفارس الرئيسي من مجرد موظف في الجوازات إلى ملياردير يملك أصولا تفوق ميزانيات الكثير من دول العالم.



ترتب على الكميات الضخمة جدا من النقود التي تم ضخها في السوق خلق توسع جنوني في عمليات التمويل غير المنظم وبالتالي في نفخ بالون ضخم جدا لأسعار الأسهم، ففي عام 1982 ارتفعت القيمة الرأسمالية للأسهم في السوق الكويتي من 5 مليار إلى 100 مليار دولارا في غضون عدة أشهر، وهو ما أدى إلى تحول سوق الأوراق المالية في الكويت في أوائل الثمانينيات، إلى ثالث اكبر سوق أسهم في العالم من حيث القيمة الرأسمالية أو عدد الأسهم التي يتم تداولها فيه. حيث تجاوزت القيمة الرأسمالية للأسهم المتداولة في سوق المناخ وسوق الكويت للأوراق المالية القيمة الرأسمالية لمعظم الأسواق المالية في أقوى اقتصادات العالم، عدا سوقي وول ستريت في الولايات المتحدة وطوكيو في اليابان، أي كان اكبر من أسواق المملكة المتحدة وكافة الأسواق المسجلة في هذا الوقت على إنها أسواق دولية. كيف يتحول سوق الأسهم في اقتصاد صغير مثل الاقتصاد الكويتي إلى سوق أكبر من سوق اقتصاد ضخم مثل الاقتصاد البريطاني؟ إن الإجابة على هذا السؤال هي في نمط الهستريا الائتمانية الذي استخدمه السوق.



مع الارتفاع الخرافي في الأسعار ازداد استعداد عدد اكبر من المضاربين لتحرير شيكات آجلة، وكلهم ثقة بأنه مع حلول أجل السداد سوف تكون أسعار الأسهم قد ارتفعت عدة مرات، ومع تراكم الشيكات الآجلة في يد المضاربين بدأت تظهر الابتكارات المالية، وذلك باستخدام هذه الأسهم كرهن في مقابل الاقتراض الإضافي للمضاربة على الأسهم، كما قام البعض الآخر بخصم هذه الشيكات للحصول على الكاش لاستخدامه في المضاربة، وارتفعت معدلات الفائدة على المارجن في السوق إلى نسبة 100% سنويا وأكثر من ذلك في بعض الحالات، ولم لا! فالسوق يحقق أرباحا أكثر ويوما عن يوم تنتفخ الفقاعة بشكل اكبر، الأمر الذي يجعل دفع مثل هذه التكلفة الفادحة أمرا يسيرا. لم يكن أحدا ينظر إلى سعر أي سهم، مهما بلغ، على أنه سعر مبالغ فيه، كما لم يكن احد ينظر إلى السوق على أنه قابل للسقوط، "فالوضع مختلف هنا في الكويت" حسب ما كان شائعا، في ذلك الوقت والحكومة لن تسمح بمثل هذا الانهيار، بمثل هذه الخرافات كان الجميع يعمل في السوق، ومثلما هو الحال في كل أزمة كانت نفس العبارة تتكرر "الوضع هنا مختلف". شهد سوق المناخ أعظم هوس للمضاربة في تاريخ الإنسانية حتى اليوم، وأخذ الجميع يتساءل عن مستقبل هذا السوق واستدامته، فقبل انفجار الفقاعة كان الأسعار تتضاعف بسرعة قياسية حيث كانت أسعار الأسهم ترتفع ما بين 20% إلى 50% شهريا في المتوسط، وفي بعض الأحيان بنسبة 100% يوميا في بعض الحالات.



جاء انهيار السوق بدون أي إنذار ولأسباب أخرى غير ارتفاع الأسعار، ففي أغسطس 1982 تم تقديم شيك مؤجل مسحوب على الفارس الرئيس في السوق، فلم تجد صاحبة الشيك رصيدا في حسابه، وتم اكتشاف أنه غير قادر على دفع قيمة ديونه الضخمة جدا، وسرت الأخبار في السوق بسرعة البرق، وفي لحظات بدأت تنهار قواعد السوق القائم على نظام التمويل الهش. الغريب في هذه الأزمة ان انطفاء السوق كان دراميا، حيث كان هبوط الأسعار كاسحا لثروات المضاربين فيه، وتحول مئات المضاربين من مليونيرات إلى مفلسين بانفجار فقاعة الورق، وعاد الجميع إلى حجمه الطبيعي، وأغلق السوق في هدوء، لتبدأ معاناة الكويت مع إفرازات السوق، وهي إفرازات تطلب التعامل معها تكلفة ما زالت تتحملها الكويت حتى اليوم. فقاعة المناخ هي بكل المقاييس اكبر فقاعة تنفجر في التاريخ قياسا بحجم الاقتصاد وعدد سكانه.



عندما طلبت وزارة المالية تحويل الشيكات الآجلة لكي تتم تسويتها، كان هناك 29000 شيكا آجلا، بقيمة تصل إلى 94 مليار دولارا، على أكثر من 6000 مضارب، وهو رقم يفوق العجز المالي للولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي وبريطانيا وفرنسا في هذه السنة. كان حجم الائتمان الممنوح للفارس الرئيسي في السوق 14 مليار دولارا، وهو رقم يتجاوز ميزانية مصر في هذا العام. بل ان الشيكات المحررة بواسطة 8 من اكبر فرسان المناخ بلغت قيمتها 55 مليار دولارا، وهو رقم يساوي ضعفي احتياطيات المملكة العربية السعودية في عام 1980. اهتز القطاع المالي وكذلك الاقتصاد الكويتي لوقع الأزمة، وكانت كل البنوك تقريبا على حافة الانهيار بسبب عمليات الإقراض الكبيرة التي تمت للمتعاملين الذين أصبحوا جميعا غير قادرين على سداد قروضهم، وكان لا بد من إنقاذ القطاع المصرفي وهي خطة كلفت الدولة مليارات الدولارات.



لم يحدث ان انغمست حكومة في إنقاذ سوقها على النحو الذي انغمست فيه حكومة دولة الكويت، حيث تعاملت الحكومة مع الأزمة بصورة مغايرة تماما لما يجب أن يحدث، فبدلا من تحميل المتسببين في الأزمة نتائج مضارباتهم، تمت مكافأة المضاربين على هذا العبث، ورضخت الحكومة لهذا الحل تجنبا للأضرار التي كان يمكن ان تلحق بالمجتمع إذا ما تم تطبيق القانون على الجميع، بصفة خاصة صغار المتعاملين، بل إن عملية تطبيق القانون كانت ستصبح مسألة مستحيلة من الناحية العملية فكيف يمكن للنظام القضائي في هذه الدولة الصغيرة محاكمة هذا العدد الهائل من المتهمين مرة واحدة. قامت الحكومة بإنشاء صندوق لصغار المستثمرين بحد أقصى 2 مليون دينار للمستثمر الواحد والذي تكلف 1.2 مليار دينار (4.2 مليار دولارا)، يقوم بسداد قيمة الشيكات للدائنين في مقابل سندات تستحق في آجال مستقبلية حسب قيمة الشيك، كما تم منح قروض لإنقاذ المتعاملين الرئيسيين في السوق والتي تكلفت 900 مليون دينارا (3.15 مليار دولارا)، ثم أخذت الحكومة منحى آخر لرفع أسعار الأصول المالية في السوق الرسمي من خلال شراء أسهم الشركات الكويتية بأسعار مدعمة. بلغ إجمالي التكاليف المباشرة للازمة 4 مليار دينارا (14 مليار دولارا)، ولم تتوقف الأزمة عند هذا الحد، فبعد 3 سنوات تم إطلاق برنامج الديون الصعبة، وهو ما تبلور في أعقاب حرب تحرير الكويت حيث دفعت الحكومة 5 مليار دينارا (17.5 مليار دولارا).



أثرت الأزمة على مسار الاقتصاد الكويتي بعد ذلك لفترة طويلة من الزمن، خصوصا في عملية صناعة السياسة الاقتصادية، حيث أصبحت القوانين الاقتصادية في البلاد اشد تقييدا مقارنة بجيرانها. انتهت قصة أزمة المناخ، ولكن أحدا لم يتعلم من القصة في الكويت، فقد تكررت أزمات سوق الكويت للأوراق المالية لاحقا لأننا نملك ذاكرة قصيرة جدا، ولأن العالم الذي نعيش فيه لا يتعلم من أزماته فقد تكرر انهيار 1929 في عام 1987، وهو موضوع المقال القادم إن شاء الله تعالى.
مدونة اقتصاديات الكويت ودول مجلس التعاون.

الخميس، يوليو 22، 2010

معدلات الفائدة في العالم

تصدر الفاينانشيال تايمز على صفحتها معلومات عن معدلات الفائدة في مجموعة من دول العالم، منها المملكة العربية السعودية، وذلك عن الفترة من 2000 حتى العام الحالي. المشكلة الاساسية هي ان تغطية الفاينانشيال تايمز للمناطق الجغرافية تعد محدودة بعض الشيء وهو ما قيد يصيب المتصفح بالاحباط اذا لم يجد معدلات الفائدة عن الدولة التي يرغب في معرفة معدلات الفائدة فيها. هذا هو العيب الرئيس في الموقع، العيب الاخر هو ان معدلات الفائدة يتم التعبير عنها في صورة بيانية، ومن ثم فإن التعرف على المعدل الدقيق للفائدة سوف يمثل مشكلة نظرا لعدم توافر جداول معدلات الفائدة على الموقع. ولكن الموقع يعطي معلومة عامة عن اتجاهات معدل الفائدة في الدولة ومقارنتها بالمجموعات الرئيسية من دول العالم. للمهتمين بتتبع معدلات الفائدة في العالم يمكنهم زيادة الموقع على الرابط:

هل ستربح الولايات المتحدة الحرب في أفغانستان

قرأت هذا التقرير الهام للكاتب "شلدون فيلجر" وأحببت أن أشرك القراء فيما جاء فيه، يقول الكاتب في المقال أن الولايات المتحدة الأمريكية قبل أحداث الحادي عشر من سبتمبر كانت تنظر إلى أفغانستان، تلك الدولة ذات الطبيعة الجغرافية الجبلية على أنها مكان قد عفا عليه الزمن، وكان هذا البلد قد توقف عن أن يكون مهما للولايات المتحدة من الناحية الإستراتيجية بعد انسحاب الاتحاد السوفيتي منه، وإنهاء احتلاله له، خصوصا أنه قد أعقب هذا الانسحاب انهيار العدو الرئيس للولايات المتحدة بتفكك الاتحاد السوفيتي. إلا أن هذا البلد قد عاد إلى الواجهة مرة أخرى عندما تمكنت القاعدة من شن هجمات الحادي عشر من سبتمبر 2001، والتي ترتب عليها تدمير مبنى مركز التجارة العالمي في نيويورك، ووفاة عدة آلاف من الأشخاص داخل المبني، وهي العملية التي تطلق عليها القاعدة "غزوة مانهاتن ونيويورك"، والتي، لسوء الحظ، ترتب عليها سقوط دولتين إسلاميتين، فكانت العملية بكل المقاييس كارثة على العالم الإسلامي، المهم، ترتب على هذه العملية تغير حسابات الولايات المتحدة تماما حول هذا الجزء من العالم، وبالفعل وجد الرئيس بوش المبرر الكاف لاحتلال أفغانستان بالجيش الأمريكي مع عدة دول من الأعضاء في منظمة حلف الناتو.



كان الرئيس أوباما يعارض دائما الحرب على العراق باعتبارها مغامرة عسكرية أدت إلى تشتيت جهود الولايات المتحدة في القضاء على القاعدة وحلفاءها في أفغانستان. يقول الكاتب أن التاريخ يثبت صحة وجهة نظر أوباما حول الأولويات التي كان يجب أن تهتم بها القوات العسكرية الأمريكية. غير أن السؤال الأساسي الذي يواجه إدارة الرئيس اوباما اليوم هو ما هي الإستراتيجية التي يجب أن تتبعها في أفغانستان؟. حتى الآن تميل الولايات المتحدة إلى تعزيز وجودها في أفغانستان وملاحقة طالبان والقاعدة في باكستان.



ولكن هل سينجح المدخل الذي تبناه الرئيس أوباما في أفغانستان بصورة أفضل من ذلك النهج الذي انتهجه الرئيس السابق بوش الابن؟ يقول الكاتب إن الأحداث التاريخية تلقي ظلالا من الشكوك حول قدرة الولايات المتحدة على النجاح في أفغانستان، والتاريخ يقدم الكثير من الدروس التي تستحق التعليق عليها. فالولايات المتحدة ليس لديها سجل ناصع من النجاح في الحروب مع أعداء يتخذون من حرب العصابات أسلوبا لمواجهة الجيش الأمريكي، وأهم الدلائل على ذلك حرب فيتنام حيث تم استخدام مئات الآلاف من الجنود الأمريكيين المدعمين بعتاد مادي وفني ضخم وكذلك قوة جوية جبارة، ومع ذلك فان كل هذه الحشود لم تضمن النصر للولايات المتحدة في فيتنام، واضطرت في النهاية إلى الانسحاب.



يقول الكاتب أن هناك صوتا خافتا من التاريخ يتردد من المنظر العسكري السويسري "انطوان هنري جوميني" والذي خدم كضابط في جيش نابليون خلال حرب شبه الجزيرة الأيبيرية، والتي بدأت باحتلال جيش نابليون لأسبانيا، والتي ترتب عليها انتفاضة السكان ضد الفرنسيين وهو ما أدى إلى بروز مصطلح حرب العصابات لأول مرة. وقد أرسل البريطانيون جيشا صغيرا منظما لمساعدة الثوار الأسبان تحت قيادك دوق وولينجتون، وفي خلال خمس سنوات تمكن المتمردون الأسبان والقوات النظامية البريطانية من هزيمة الفرنسيين والتي أدت بالإضافة إلى انسحاب الفرنسيين من روسيا إلى القضاء على نابليون بونابرت.



ضمن جوميني في كتابه "فن الحرب" الدروس التي تعلمها من حرب شبه الجزيرة الأيبيرية واستخلص مجموعة من القواعد العامة بالنسبة لحرب العصابات، ويحاول الكاتب تطبيق هذه المبادئ على الحرب الأمريكية في أفغانستان. فقد كتب جوميني انه عندما يتم تأييد الثوار بجيش منظم فان الصعوبات التي يواجهها الجيش المحتل تكون ضخمة جدا، حيث أن الغازي يملك جيشا واحدا، بينما يملك أعداءه الجيش والمقاومين الذين يحرص كل منهم على الإطاحة بالعدو المشترك، وفي أفغانستان التي عاشت حروبا لفترة طويلة من الزمن، نجد أن معظم الرجال في هذه الدولة هم من المحاربين المدربين تدريبا جيدا على تكتيكات استخدام الأسلحة الخفيفة ولديهم قدرة هائلة على الاستخدام الأمثل لطبيعة هذا البلد قاحلة التضاريس، وحيث يوجد رصيد كبير من المحاربين القدامى بما فيهم القادة القادرين على مضاعفة فعالية المقاومين من الشباب الصغار المنضمين إلى صفوف طالبان بإعداد كافية لجعل المواجهة مع الجيش الأمريكي لا نهائية.



يقول جوميني في كتابه استنادا إلى حرب شبه الجزيرة الأيبيرية، وهي الدروس التي تنطبق على الدول ذات الطبيعة الجبلية مثل أفغانستان، أنه من الصعب التغلب على مثل هذه العوائق عندما تكون الطبيعة الجغرافية للدولة صعبة، وحيث يعرف كل محارب محلي اقصر الطرق وسبل الوصول إليها ويجد في كل مكان قريبا له أو صديق لمساعدته. من ناحية أخرى فان قادة المجاهدين يعرفون البلد بشكل جيد، ويتعلمون مباشرة من أي تحركات يقوم بها الجيش المحتل، ويمكنهم بناء على ذلك تبني أفضل السبل لهزيمة تحركاته، وعندما لا توجد معلومات للجيش الأمريكي عن تحركات العدو سوى من خلال الاستطلاعات واتخاذ بعض التدابير الأمنية، فانه يصبح مثل الرجل الأعمى، كل تحركاته تفشل، فبعد أن يقوم بتخطيط معظم تحركاته بدقة والقيام بالتحركات السريعة والمرهقة لهذا الجيش الذي يعتقد انه أصبح قريبا من تحقيق أهدافه يكتشف أن العملية هي مجرد وهم كبير، حيث لا يجد أي اثر لعدوه من المقاومين سوى أثار نيرانه التي أطلقها حيث يعتقد أنهم موجودين هناك. ومن ثم فإن الجيش الأمريكي، مثل دون كيشوت، يقوم بمهاجمة طاحونة هواء، في الوقت الذي يعلم فيه عدوه بكافة اتصالاته، ويدمر التعزيزات التي تركها لحراسته، مفاجئا قوافله ومستودعاته، ويستمر هؤلاء المقاومون في حرب مدمرة للجيش الغازي.



وعلى ذلك إذا لم يستعيد الرئيس اوباما المشروع العسكري الأمريكي ويزيد جيشه بعدة مئات من الآلاف من الجنود لاحتلال وحراسة كل موقع حيوي في أفغانستان، ويقنع الشعب الأمريكي أن عليهم تحمل هذا الاحتلال الأفغاني على نطاق واسع لعقود قادمة من الزمن، وأن يقبلوا التكلفة الفادحة من الناحية البشرية والإنفاق العسكري الرهيب الناتج عن ذلك، فانه سوف يعدم الوسائل لمجابهة المجاهدين بصورة ناجحة. وعلى ذلك فإن اوباما الآن أمام خيارين لا ثالث لهما، الأول هو أن يحاول الحفاظ على الوضع الحالي مع بعض التعزيزات العسكرية بمزيد من الجنود، أو أن يعيد تركيز الولايات المتحدة على هدف أضيق وهو ضمان أن أفغانستان لن تسمح باستخدام حدودها كقاعدة لانطلاق الهجمات على الولايات المتحدة.



وبالنسبة للخيار الأول، فانه سوف يؤدي فقط إلى مزيد من قائمة القتلى والمعوقين الأمريكيين، وإنفاق عسكري مخيف في وقت تواجه فيه الولايات المتحدة أزمة اقتصادي حادة، بينما الخيار الآخر يتيح إمكانية فتح المفاوضات حول حل للصراع يضمن تحقيق أهداف الأمن الأمريكي بدون احتلال ارض كانت من الناحية التاريخية كارثة على كل الجيوش الأجنبية التي حاولت احتلالها.



فإذا مااختار اوباما الخيار الأول فهل فعلا سيفشل أقوى جيش نظامي في العالم والمسلح بأحدث ما وصلت إليه التكنولوجيا العسكرية أمام مجاهدي أفغانستان الذين لا يملكون سوى أسلحة خفيفة عفا الزمن على التكنولوجيا التي صنعت بها؟. من وجهة نظري، يبدو أن الإجابة هي نعم، وسوف تضطر الولايات المتحدة يوما ما إلى تدبير عملية الخروج من أفغانستان مجبرة على ذلك مثلما فعلت في فيتنام سابقا. الشواهد تشير إلى أن الولايات المتحدة ترغب في إنهاء وجودها في أفغانستان، نظرا للتكلفة الفادحة لوجودها العسكري هناك، سواء من الناحية البشرية أو المادية، خصوصا في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي تواجهها حاليا، ولكن على ما يبدو أنها تريد خروجا يحفظ ماء وجهها هذه المرة، ولا يمس سمعة الجيش الأمريكي الذي تتفاخر به، من ناحية، ويضمن عدم استخدام أراضي أفغانستان كمكان لتحركات القاعدة ضد الولايات المتحدة الأمريكية من ناحية أخرى. المتابع لسير الأحداث على الأرض يصل إلى خلاصة هامة وهي أنه يبدو أن أقوى جيش في العالم سوف ينكسر أمام إرادة وعزم وتصميم مجاهدي طالبان، وأن المسألة مسألة وقت حتى ترفع الولايات المتحدة العلم الأبيض.



مدونة اقتصاديات الكويت ودول مجلس التعاون.

الأربعاء، يوليو 21، 2010

حمل هذا الكتاب مجانا

للمهتمين، يمكنك تحميل هذا الكتاب مجانا، اضغط على الرابط. الكتاب عبارة عن تقرير اصدرته London School of Economics، ومحتويات الكتاب هي:

The Future of Finance: The LSE Report

Preface Richard Layard
Chapter 1: What do banks do? Why do credit booms and busts occur and what can public policy do about it?

Adair Turner

Chapter 2: What is the contribution of the financial sector: Miracle or mirage?

Andrew Haldane, Simon Brennan and Vasileios Madouros

Chapter 3: Why are financial markets so inefficient and exploitative – and a suggested remedy

Paul Woolley
Chapter 4: What mix of monetary policy and regulation is best for stabilising the economy?

Sushil Wadhwani

Chapter 5: How should we regulate the financial sector?

Charles Goodhart

Chapter 6: Can we identify bubbles and stabilise the system?

Andrew Smithers

Chapter 7: What framework is best for systemic (macroprudential) policy?
Andrew Large

Chapter 8: Should we have “narrow banking”?

John Kay

Chapter 9: Why and how should we regulate pay in the financial sector?

Martin Wolf
Chapter 10: Will the politics of global moral hazard sink us again?

Peter Boone and Simon Johnson

ترتيب دول العالم حسب جودة الموت

المؤشر الأكثر شيوعا للتعبير عن مستويات الرفاه في العالم وجودة العنصر البشري هو مؤشر جودة الحياة Quality of life index، حيث تستهدف كافة برامج النمو الاقتصادي في دول العالم رفع مستوى هذا المؤشر وذلك لتحسين نوعية الحياة لسكانها. وينظر إلى التطور في مجال القطاع الصحي على انه أحد أهم عناصر تحسين مؤشر جودة الحياة للسكان. فمما لا شك فيه أن توافر الخدمات الصحية بالجودة المناسبة يساعد في تحسين طبيعة الحياة التي يحياها الناس، ويزيد من إنتاجية العمال ويقلل من عدد أيام التغيب عن العمل.. الخ، وهو من العناصر الهامة التي يحكم من خلالها على مدى تنافسية الاقتصاد الوطني مقارنة بباقي اقتصاديات العالم. بالطبع كلما تحسن مؤشر جودة الحياة كلما ازداد توقع العمر للشخص عند الولادة، وهو ما يفسر جزئيا فروق مستويات العمر بين المقيمين في مختلف دول العالم، ففي الوقت الذي يعيش فيه الشخص الياباني في المتوسط 82 عاما، يعيش بعض الأشخاص في موزمبيق في إفريقيا 42 عاما فقط في المتوسط، ويعيش الشخص في سوازيلان في افريقيا 39 عاما في المتوسط. السبب في هذا الاختلاف بين توقع العمر في المكانين هو طبيعة جودة الحياة التي يحياها الناس في اليابان وفي إفريقيا.

الموت إذن ليس فقط ظاهرة بيولوجية، ولكنه أيضا ظاهرة اجتماعية، أي يعتمد احتمال الوفاة المبكرة على خصائص المجتمع الذي يعيش فيه الشخص من كافة النواحي الاقتصادية والاجتماعية... الخ. والموت حقيقة مؤكدة في حياة البشر، يقول الله سبحانه وتعالى "كل نفس ذائقة الموت ثم الينا ترجعون"، ويقول أيضا "أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة"، ولكن إذا كان الموت أمر مؤكد في حياتنا فعلى أي صورة سوف يكون الموت، هذا هو محور البحث الذي أجرته الاكونوميست. يركز المسح الذي أجرته الاكونوميست على درجة المعاناة التي يعانيها الأشخاص في كافة دول العالم عند الموت، أو عند اقتراب الموت، وذلك من خلال مقارنة مستويات الرعاية التي يتلقاها الشخص في تلك الدول قبل نهاية حياته، والتي تساعد في التخفيف من معاناته أو آلامه في هذه الفترة.

البحث الذي نشرته الاكونوميست والذي استند إلى مسح أجرته على أربعين دولة في العالم لا يتناول مؤشر جودة الحياة، ولكنه يتناول مؤشر جودة الموت، أو الاستعداد للموت، بين الأشخاص المقيمين في هذه الدول، لتنزيل نسخة من البحث اضغط على الرابط.


توصلت الاكونوميست إلى أن الأنظمة الصحية في دول العالم تختلف من حيث استعدادها لشمول أدوية قتل الألم ضمن منظومة الرعاية الصحية بها، ففي الدول الغنية نجد أن استراتيجيات الرعاية الصحية تضمن توفير أدوية قتل الألم ضمن المنظومة، على الرغم من أن هذه الدول تواجه طلبا متزايدا على الرعاية الصحية ومن ثم ترتفع ميزانياتها بصورة كبيرة مع الوقت نظرا لتزايد أعمار الناس وارتفاع نسبة السكان في سن الشيخوخة إلى إجمالي السكان بها، وهو ما يطلق عليه ظاهرة شيخوخة السكان.

أدوية قتل الألم تساعد إلى احد كبير على تخفيف معاناة كبار السن من آلام أمراض الموت، باعتبار أن التحكم في الألم مسألة في غاية الأهمية في هذه المرحلة. الاكونوميست تلفت النظر إلى أن تخفيف الشعور بالألم لا يقتصر أثره فقط على المريض، وإنما يمتد أيضا لأحبائه وأصدقائه، ومن ثم فإن إدراج مثل هذه الأدوية في المنظومة الصحية يحسن من عملية الاستعداد للموت، أو يحسن من الصورة التي سيموت عليها الإنسان، وهو ما يحسن أيضا من مؤشر جودة الحياة بالنسبة للسكان. من الطبيعي أن مثل هذه الرعاية يقصد بها الموت الطبيعي، وليس الموت المفاجئ أو الموت الناجم عن الحوادث.

البحث الذي قامت به الاكونوميست ممول من مؤسسة خيرية في سنغافورة، اسمها Lien Foundation، كانت تهدف إلى بناء مؤشر لجودة الموت Quality of Death Index، لترتيب دول العالم حسب درجة تقديمها للعناية المناسبة لسكانها في نهاية حياتهم. الشكل التالي يوضح ترتيب مجموعة من الأربعين دولة التي شملها البحث حسب مؤشر جودة الاستعداد للموت. لقد توصل البحث إلى أن المملكة المتحدة هي أفضل دول العالم من حيث تقديمها للرعاية الصحية التي تحسن من جودة عملية الاستعداد للموت، حيث تحتل المركز الأول بين الدول الأربعين التي تم مسحها. هذا لا يعني طبعا أن نظام الرعاية الصحية البريطاني هو أفضل نظم الرعاية الصحية في العالم، ولكنه يعني فقط، أن نظم الرعاية الصحية بالسكان في نهاية العمر هي الأفضل في هذه الدولة. الغريب في النتائج أن بعض الدول المعروفة بأنها تمتلك نظم متقدمة للغاية في الرعاية الصحية جاءت في ترتيب متأخر مثل الدانمرك في المركز 22 وايطاليا في الترتيب 24 و فنلندا في الترتيب 28، وكوريا الجنوبية في الترتيب 32، تقع الهند في ذيل القائمة الدول الأربعين التي شملها البحث. عينة البحث لم تشمل أي دولة عربية أو إسلامية عدا ماليزيا، والتي جاءت في الترتيب الـ 33 من بين الأربعين دولة.


الخلاصة التي ينتهي إليها الشخص بها من قراءة البحث ربما تكون مادية بحتة، ذلك أن الموت ليس نهاية المطاف في حياة الانسان، بل هو بداية مرحلة أخرى من حياة الإنسان في عالم آخر، وربما يكون الموت هو بداية الألم والمعاناة الحقيقية للشخص، بدون أدوية قتل للألم هذه المرة، سوى رحمة الله سبحانه وتعالى ولطفه بعباده، ومما لا شك فيه أن أفضل استعداد للموت ليس بقتل الألم، ولكن بالأعمال الصالحات التي سيواجه بها الإنسان الله عز وجل بعد موته، نسأل الله العفو والعافية في الدنيا والآخرة.

الشكل التالي يوضح الترتيب الكامل للدول الاربعين التي شملها المسح. اضغط على الشكل لتكبير الصورة.