الثلاثاء، أغسطس 31، 2010

تفاوت سرعات النمو في الاقتصاد الأوروبي

نشر في صحيفة الوطن البحرينية بتاريخ الثلاثاء 31/8/2010.
منذ أن انطلقت أزمة الديون السيادية في اليونان والضغوط تتزايد على منطقة اليورو، حيث لجأ معظم أعضاء المنطقة تقريبا إلى تبني خطط إنفاق تقشفية لمحاولة السيطرة على الإنفاق العام وعجز الميزانية العامة، ومن ثم النمو في الدين العام، غير أن برامج التقشف لها تكلفة اقتصادية فادحة تتمثل أساسا في انخفاض معدلات النمو، ومنذ بداية الربع الثاني من العام، تركزت كافة التوقعات حول تراجع معدلات النمو في المنطقة لتشمل كافة اقتصادياتها، وأخذ الحديث يتزايد عن احتمالات حدوث تراجع مزدوج في أوروبا، بما في ذلك الاقتصاد الألماني والفرنسي مركز منطقة اليورو اقتصاديا.

غير أن البيانات الأخيرة، التي تم الكشف عنها، عن تطورات معدل النمو في المنطقة قد أوضحت أن الاقتصاد الألماني يحقق معدلات نمو غير مسبوقة، فاقت أكثر التوقعات تفاؤلا، وذلك بعد أن تراجع معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي الألماني بحوالي 5% في العام الماضي، فقد كشفت تقارير مكتب الإحصاءات الأوروبي عن أن معدل النمو في الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي لألمانيا في الربع الثاني من هذا العام قد بلغ 2.2% (أي حوالي 9% على أساس سنوي)، وهي معدلات لم يشهدها الاقتصاد الألماني منذ توحيد شطري ألمانيا، أي منذ حوالي عقدين من الزمان. جاءت هذه النتائج بصورة أعلى بكثير من أفضل التوقعات حول مسار النمو في الاقتصاد الألماني هذا العام، أخذا في الاعتبار الأوضاع الاقتصادية السيئة السائدة في أوروبا، وهي تشبه معدلات النمو التي تحققها مجموعة الدول الناشئة في العالم مثل الصين والهند، وتشير التقارير إلى أن السبب الرئيس في هذا النمو يرجع إلى تزايد الصادرات الصناعية الألمانية إلى الاقتصاديات الناشئة، والتي تستعيد عافيتها بصورة واضحة، مستفيدة من تراجع معدل صرف اليورو أمام الدولار والعملات الرئيسية في العالم في أعقاب الأزمة، والذي يعد أحد الجوانب الايجابية لأزمة الديون السيادية، كما أشرت في مقال سابق. غير أنه من الواضح أن استفادة دول منطقة اليورو من انخفاض قيمته لم تكن على نسق واحد، الأمر الذي يعكس اختلاف مستويات التنافسية الدولية للدول الأعضاء بصورة واضحة.

الإنفاق على الصادرات وكذلك الإنفاق الاستثماري للعديد من الشركات التي تحاول ان تزيد من رأسمالها لمواجهة هذا النمو في الطلب الخارجي، كان إذن هو المسئول بشكل أساسي عن هذه المعدلات المرتفعة للنمو في الإنفاق، إذ تنمو واردات الاقتصاديات الناشئة من ألمانيا بمعدلات كبيرة بصفة خاصة الصين. على سبيل المثال تشير البيانات المتاحة إلى نمو صادرات سيارات المرسيدس بمعدل يتكون من رقمين حتى يوليو الماضي، حيث بلغت نسبة الزيادة في الصادرات من هذه السيارة في هذا الشهر 17%، ويتوقع ان يستمر الحال كذلك حتى نهاية العام، ونفس الوضع ينطبق على باقي السيارات والسلع ذات مستويات الرفاهية المرتفعة التي تنتجها ألمانيا، ومن الواضح أن هناك شبه تحول في استراتيجيات الشركات الصناعية الألمانية التي أصبحت تركز الآن بصورة أكبر على الاقتصاديات الناشئة في آسيا وأمريكا اللاتينية، أكثر منها على عملاءها التقليديين في أوروبا والولايات المتحدة، ومن الطبيعي أن ينعكس هذا النمو المرتفع بالتبعية على سوق العمل، حيث مالت معدلات البطالة في ألمانيا نحو الانخفاض إلى مستويات تقل عن معدلاتها قبل نشوب الأزمة المالية العالمية، وذلك مقارنة بالاتجاه العام للبطالة في باقي دول أوروبا، والتي تبلغ حوالي 10% في المتوسط، أكثر من ذلك فإن الشواهد المتاحة تشير إلى أن النمو الألماني بدأ ينعكس بصورة أكبر على مستويات الإنفاق في الداخل، بصفة خاصة الإنفاق الاستهلاكي.

كذلك جاءت بيانات النمو في فرنسا ثاني اكبر اقتصاد في منطقة اليورو مشجعة وأفضل مما كان متوقعا أيضا، حيث حققت معدل نمو 0.6%، أو 2.4% سنويا، ومن الواضح أن الاقتصاد الفرنسي يستعيد نشاطه، وإن كان ذلك بصورة بطيئة. على الجانب الآخر يلاحظ ان النمو في باقي دول منطقة اليورو، بصفة خاصة في البرتغال وايرلندا واليونان وأسبانيا، أو ما يطلق عليه مجموعة دول الـ PIGS مستمر في التباطؤ، حيث تتعدد المشكلات الاقتصادية التي تواجه دول هذه المجموعة بصورة تجعل التعامل مع تلك المشكلات مسألة في غاية الصعوبة، فضلا عن أنها سوف تستغرق المزيد من الوقت، حيث لا تواجه هذه الدول مشكلة نمو فقط، وإنما تعاني أيضا من مشكلة ديون سيادية حادة، فقد حققت ايرلندا معدل نمو سالب، كذلك جاءت بيانات النمو في اليونان مخيبة للآمال، حيث حققت معدل نمو سالب 1.5%، وهو معدل نمو أقل مما كان متوقعا في إطار حزمة الإنقاذ الأوروبية التي يديرها صندوق النقد الدولي، بينما لم تحقق كل من اسبانيا والبرتغال أي نمو تقريبا (0.2%)، أكثر من ذلك فإن هناك تأكيدات بأن الاقتصاد الاسباني والبرتغالي ربما يكونان في طريقهما إلى مواجهة تراجع مزدوج حاليا، في الوقت الذي تعاني فيه كافة دول أوروبا من فجوة في الناتج المحلي الإجمالي، وتشير التقارير إلى أن ألمانيا تعد مسئولة عن ثلثي النمو في منطقة اليورو في الربع الثاني من هذا العام، وذلك وفقا لمكتب الإحصاءات الأوروبي.

نحن إذن أمام تكتل اقتصادي ينمو بسرعتين مختلفتين، ويفترض نظريا أن يحدث تقارب في معدلات النمو بين المجموعتين من الدول في منطقة اليورو في النهاية، وذلك من خلال استفادة اقتصاديات أوروبا ذات النمو الضعيف، من النمو السريع في ألمانيا، حيث يتوقع حدوث اثر انتشاري نتيجة للنمو الألماني في باقي دول أوروبا، على سبيل المثال، تشير بيانات مكتب الإحصاءات الأوروبي إلى أن الاقتصاديات المرتبطة بشكل كبير بقطاع التصدير الألماني مثل النمسا وهولندا تشهد نموا موجبا نسبيا أيضا نتيجة للنمو الألماني.

من ناحية أخرى فإنه من المعلوم أن ألمانيا تواجه عجزا حاليا في ميزانيتها، وأن هذا النمو السريع في الناتج المحلي الإجمالي سوف يساعد على تخفيض عجز الميزانية العامة في ألمانيا، الأمر الذي قد يشجع ألمانيا على تقديم يد العون والمساعدة لباقي الدول الأعضاء في اليورو، والذين يواجهون مشكلات خاصة بديونهم السيادية. غير أن الأزمة اليونانية أثبتت انه لا يمكن الاعتماد على ألمانيا في تأمين التحفيز المالي اللازم لمساعدة باقي دول الاتحاد، طالما ان تنافسية وإنتاجية تلك الدول لا تسير في الاتجاه الصحيح، وهو الأمر الذي أدى إلى تأخير معالجة المشكلة اليونانية، ومن ثم اضطراب الأسواق المالية لفترة من الزمن، ويترتب على تفاوت سرعات النمو من الناحية النظرية أضرارا على المستوى الكلي في منطقة اليورو، نظرا لآثار قصور بعض الدول ذات النمو السالب أو المنخفض، عن اللحاق بالدول الرائدة في النمو.

من ناحية أخرى، من الواضح أن دول اليورو التي تعاني من عجز كبير في ميزانياتها تواجه حاليا احتمالات دخولها في حلقة خبيثة تحول دول انطلاق معدلات النمو بها، على الأقل في الأجل القصير، وتقلل من درجة استفادتها من الفرص التي يتيحها النمو الألماني، حيث يترتب على العجز الكبير في ميزانيات هذه الدول اضطرار هذه الدول إلى تبني برامج تقشفية، كما هو الحال الآن، وذلك في صورة ارتفاع في مستويات الضرائب وانخفاض في مستويات الإنفاق العام، ويترتب على برامج التقشف تراجع مستويات الإنفاق الكلي ومن ثم معدلات النمو، الأمر الذي يؤدي إلى مزيد من العجز في الميزانية، ومن ثم الحاجة إلى المزيد من التقشف وهكذا، ومن المعلوم أن برامج التقشف التي تتبعها هذه الدول تضعف من ثقة المستثمرين في اقتصادياتها، وهو ما يزيد من مصاعب اختراق هذه الحلقة الخبيثة بسرعة، خصوصا وأن هذه الدول لا تملك سياسات معدل صرف مستقلة، باعتبارها أعضاء في اليورو، الأمر الذي يؤثر على قدرة الدول الأوروبية في منطقة اليورو على التعامل مع أزمتها بالمرونة الكافية، مثلما هو الحال بالنسبة لحالة اليونان وأسبانيا.

معنى ذلك أن النمو الألماني، على الرغم من أنه من المتوقع، من الناحية النظرية، أن يؤدي إلى مساعدة النمو في الدول المتبقية في الاتحاد، إلا انه في ظل هذه الأوضاع يعد غير كاف لكسر هذه الحلقة المفرغة، والتغلب على ضعف النمو في باقي دول اليورو. النمو الألماني، وبدرجة أقل الفرنسي، يضع منطقة اليورو في وضع غير متوازن، حيث توجد اقتصاديات تحقق معدلات نمو قوية نسبيا، وأخرى تحقق معدلات نمو ضعيفة، أو لا تحقق نموا على الإطلاق، وما زالت تعاني من آثار برامج التقشف التي تبنتها للتعامل مع العجز المتصاعد في ميزانياتها، ويدور حاليا الكثير من الشك حول قدرة اقتصاديات مثل اليونان واسبانيا والبرتغال وايرلندا على الحد من عجز ميزانياتها، ففي ظل برامج التقشف التي تتبناها دول أوروبا، من المتوقع ان تتزايد الهوة بين الدول ذات النمو المرتفع والدول ذات النمو المنخفض في التكتل، حيث سيساعد النمو المرتفع دولا مثل ألمانيا وفرنسا على التوسع في الإنفاق، بينما سيظل الإنفاق مقيدا في باقي دول المجموعة، الأمر الذي يؤثر على النمو العام في المنطقة.

فهل تعود ألمانيا لتلعب دورها التقليدي كقائد لعملية النمو في أوروبا؟ الإجابة على هذا السؤال تعتمد بصفة أساسية على مصادر النمو في الإنفاق الألماني الذي أدى إلى تحقيق هذه المعدلات الاستثنائية من النمو. إذا كان النمو الألماني راجعا أساسا إلى قطاع التصدير في الوقت الذي تراجع فيه الطلب من قبل عملاء ألمانيا التقليديين، فإن النمو الألماني ربما يكون غير قابل للاستدامة على هذا النحو السريع الذي شهدناه في الربع الثاني من هذا العام، حيث سيعتمد الأمر على معدلات النمو في الإنفاق في الدول الناشئة، ويرى البعض انه ربما يكون من غير المتوقع أن نرى مثل هذه المعدلات المرتفعة من النمو التي شهدتها ألمانيا مرة أخرى، أخذا في الاعتبار أن النمو في الاقتصاد الأمريكي يتراجع وكذلك في الصين – مصدر النمو الأساسي في الصادرات الألمانية هذا العام. أي أنه إذا لم تستمر معدلات الإنفاق على الصادرات الألمانية مرتفعة في الخارج، فان برامج التقشف في أوروبا قد تهدد استمرار النمو المرتفع في ألمانيا، ولذلك تتهم الولايات المتحدة ألمانيا بأنها تعيش حاليا على الإنفاق الذي تقوم به الدول الأخرى، وبأن الإنفاق، ومن ثم النمو، الألماني لا يضيف كثيرا للطلب الكلي على المستوى العالمي، أي أن استدامة هذا النمو في الوقت الحالي سوف يرتبط باستمرار خطط الإنفاق الاستهلاكي والاستثماري في الدول شركاء ألمانيا في التجارة.









الجمعة، أغسطس 27، 2010

عالم لا يتعلم من أزماته-الحلقة الآخيرة-: ما زلت انتظر انفجار فقاعة أسعار الذهب

نشر في صحيفة الاقتصادية السعودية بتاريخ الجمعة 27/8/2010.
لا يوجد أي تبرير منطقي للفقاعة الحالية لأسعار الذهب سوى أن الذهب هو معدن العالم النفيس، وأنه الملجأ الأخير للاحتفاظ بالثروة في أوقات الأزمات على اختلاف أنواعها على مر العصور. وهو تبرير شبه منطقي، لكن الغير المنطقي أن تصعد أسعار الذهب إلى هذه المستويات التاريخية التي نراها حاليا، والتي لا تحمل فقط آثار عنصري المخاطرة وعدم التأكد اللذان يسودان العالم حاليا، وإنما، وللأسف الشديد، فإن أسعار الذهب منفوخة حاليا بشكل أساسي بفعل عوامل المضاربة أكثر من أية عوامل أخرى.

من المعلوم أن الذهب هو معدن الأزمات، حيث يلجأ إليه العالم باعتباره المخزن الأفضل للقيمة، وذلك للخصائص العديدة التي يتمتع بها، ولا يتمتع بها غيره من المعادن، بصفة خاصة خاصية الندرة، حيث يقدر كل ما يملكه العالم من ذهب ما بين 140 إلى 160 ألف طنا فقط، وهي كمية كما نرى صغيرة جدا. غير أن السنوات الأخيرة قد شهدت تحولا جوهريا في استخدامات الذهب، بصفة خاصة تزايد تحول الذهب إلى أحد الأصول في المحافظ الاستثمارية للمستثمرين على مستوى العالم.

الذهب، كمعدن نفيس، له عدة استخدامات أساسية هي:

الاستخدام الأول والأساسي هو لأغراض الزينة كحلي، وهو أهم استخدامات الذهب، حيث يتم حاليا توجيه حوالي 53% من الذهب المستخرج في العالم في المتوسط لهذا الغرض، وهناك بعض الدلائل حول تراجع الطلب العالمي على الذهب لأغراض استخداماته التقليدية كحلي، نتيجة للزيادات الكبيرة التي حدثت في سعر الذهب، والتي جعلت منه سلعة مكلفة بالنسبة للكثير من المستهلكين في العالم، حيث أصبح المعدن النفيس شيئا بعيد المنال بالنسبة للكثير من ذوي الدخول المحدودة، خصوصا في الهند، أكبر أسواق استهلاك الذهب في العالم.

الاستخدام الثاني للذهب هو استخدامه كأحد عناصر السيولة الدولية لدى البنوك المركزية لدول العالم، والتي كانت، حتى وقت قريب، تتكون من الذهب النقدي (السبائك الذهبية) الذي تحتفظ به البنوك المركزية للدول، واحتياطيان الدولة من العملات الأجنبية، بصفة خاصة الدولار، وحصة الدولة في صندوق النقد الدولي. ويعد هذا الاستخدام للذهب أهم الاستخدامات من الناحية التقليدية، ومع انهيار نظام بريتون وودز في أوائل السبعينيات، وهجر العالم لقاعدة الذهب نتيجة وقف صرف الدولار بالذهب، أخذ الاهتمام العالمي بالذهب كأصل احتياطي في التراجع، وبما أن الذهب، كأصل، لا يدر عوائد، مثلما هو الحال بالنسبة للأصول المالية الاحتياطية الأخرى، أقدم عدد من البنوك المركزية في العالم على تخفيض محتفظاتها منه باعتباره أصل مكلف لا يدر عوائد مؤكدة، وبالفعل، قامت بعض البنوك المركزية بالتخلص من الذهب عبر بيعه مثل بنك انجلترا والاحتياطي الاسترالي والبنك الوطني السويسري. ويقدر أن حوالي 16% من ذهب العالم يتم استخدامه لهذا الغرض. غير أنه مع انتشار هوس الذهب وارتفاع أسعاره إلى مستويات تاريخية دفع بالبنوك المركزي إلى التراجع عن التخلص من مخزونها الذهبي، باعتبار أن الفترة الحالية ليست هي الوقت الأمثل لإجراء مثل هذا النوع من العمليات،

أكبر حائز للذهب في العالم بعد الولايات المتحدة وألمانيا هو صندوق النقد الدولي، وقد تكون مخزون الصندوق من الذهب نتيجة لنظام حصص الدول الأعضاء فيه، أي مساهماتهم في رأس مال الصندوق. فعند انضمام عضو ما إلى الصندوق كان يطلب منه ان يدفع حصته في رأس مال الصندوق 25% بالذهب، والجزء المتبقي بالعملة الوطنية للعضو، وبهذا الشكل تكون لدى صندوق النقد الدولي مخزون ضخم جدا من الذهب يزيد عن 3200 طنا من الذهب.

في أعقاب الأزمة الحالية أقدم صندوق النقد الدولي على تبني برنامج "مبيعات الذهب" للتخلص من 2000 طنا من المخزون الذهبي للصندوق وذلك بهدف زيادة موارده المالية، على أن تتم عمليات البيع على مراحل بواقع 400 طنا سنويا كحد أقصى للحفاظ على قوى العرض والطلب في السوق العالمي للذهب، وفي المرحلة الأولى، تم الإعلان عن بيع 403 طنا، بيع منها 212 طنا للبنوك المركزية لكل من الهند (200 طنا) و بنك سري لانكا (10 طن)، وبنك موريشيوس (طنين). أما باقي الكمية فتباع تباعا في سوق الذهب العالمي. هذه المبيعات الضخمة نسبيا لم تؤد إلى تخفيض الضغوط على سعر الذهب، لأن الذهب ينتقل ببساطة من مخزن إلى مخزن، ومن ثم لا يجد سبيله إلى الأسواق.

غير أن الأوضاع قد تغيرت تماما بعد الأزمة، حيث حدث تحول في تفضيلات البنوك المركزية في العالم، خصوصا في الدول الناشئة، نحو احتياطيات الذهب. حيث تزايد إقبال البنوك المركزية في العالم على شراء المزيد من الذهب لإضافته إلى رصيد احتياطياتها من السيولة الدولية، على سبيل المثال تشير التقارير إلى أن هناك خططا للحكومة الصينية بزيادة احتياطياتها الذهبية إلى حوالي 6000 طن متري من الذهب خلال الخمس سنوات القادمة، وربما إلى 10000 طن متري خلال العشر سنوات القادمة. يذكر ان الاحتياطيات الحالية من الذهب في الصين تبلع 1054 طن متري. معنى ذلك ان الصين تخطط لإضافة 5000 طنا متريا من الذهب لاحتياطياتها، وهو ما يعادل كل إنتاج العالم من الذهب في سنتين.

الاستخدام الثالث، وهو أهم التطورات التي حدثت في استخدامات الذهب على المستوى العالمي خلال الأزمة، هو استخدام الذهب كأصل استثماري من قبل المضاربين على الذهب، وهو أحد الأسباب الأساسية وراء ارتفاع سعر الذهب حاليا، ويقدر أن حوالي 18% من ذهب العالم يتم الاحتفاظ به كأصول استثمارية، أي أنه ومن حيث الأهمية النسبية يمثل هذا الطلب ثاني أكبر مصادر الطلب على الذهب في العالم، وذلك نتيجة تزايد الطلب على الذهب كأصل استثماري من قبل صناديق تداول المعدن، الأمر الذي يجعل أسعار الذهب أكثر تقلبا. وتشير التقديرات إلى أنه في مايو 2010 بلغت محتفظات الصناديق الاستثمارية من الذهب حوالي 55 مليون أوقية. هذا الرصيد الضخم يجعلني أميل إلى الاعتقاد بأن الذهب مقدم على كارثة في المستقبل، وذلك عندما يخرج العالم من أزمته، ويتوقف سعر الذهب عن الارتفاع ومن ثم ترتفع تكلفة الفرصة البديلة للذهب، ويصبح الذهب بالنسبة للصناديق أصلا مكلفا لا يحقق عوائد تتناسب مع تكلفة الاحتفاظ به، عندها ستنفجر فقاعة أسعار الذهب.

الاستخدام الرابع للذهب هو استخداماته في مجال الصناعة، فالذهب يستخدم كأفضل الموصلات في الأجهزة الالكترونية عالية الثمن، ويقدر أن حوالي 12% من ذهب العالم يتم استخدامه في هذا المجال، غير أن استخدام الذهب في مجال الصناعة يميل نحو التراجع، كما أن الارتفاع الحالي في سعر الذهب يحول الانتباه نحو استخدام معادن أخرى لهذا الغرض.

العالم يعيش اليوم فترة انخفاض معدلات الفائدة، نتيجة تبني سياسات نقدية توسعية للتعامل مع مفرزات الأزمة، ومن الناحية التقليدية هناك علاقة عكسية بين معدل الفائدة وسعر الذهب، ففي الأوقات التي تميل فيها معدلات الفائدة نحو التراجع فإن سعر الذهب يأخذ في التزايد بشكل عام والعكس، ومع تبني دول العالم لمعدلات فائدة قريبة من الصفر تقريبا، كان من الطبيعي أن نرى مستويات مرتفعة لأسعار الذهب، ولكن ليس بهذا المستوى الجنوني، ومما لا شك فيه أنه مع خروج العالم من الأزمة، سوف تعاود معدلات الفائدة الارتفاع مرة أخرى وهو ما يمهد لانفجار فقاعة أسعار الذهب.

حمى الذهب تجتاح العالم حاليا، حيث يتزايد الاقبال على المعدن النفيس كأصل استثماري وليس كمعدن، نتيجة ارتفاع مستويات المخاطر المصاحبة للاستثمار في الأصول المالية التقليدية بسبب الأزمة المالية العالمية. فعندما يكون متوسط تكلفة إنتاج الذهب في حدود 500 دولارا للأوقية، فإن العالم يدفع سعرا مبالغا فيه للغاية عندما يتجاوز السعر السوقي للأوقية ضعفي تكلفة الانتاج، هذا السعر غير العادل الذي يعكس اتجاهات المضاربة على الذهب المنبثقة من الظروف الاستثنائية التي يمر بها العالم اليوم، ومثل كل الفقاعات التي مرت على العالم، يعتقد المضاربون حاليا ان أسعار الذهب ارتفعت إلى مستويات لن تتراجع عنها، وأن الأسعار سوف تواصل الارتفاع إلى ما لا نهاية، لدرجة أننا نقرأ حاليا عن سيناريوهات خيالية بان يصل سعر أوقية الذهب إلى 5000 دولارا، هذه الثقة المفرطة في المعدن هي التي تهيئ المضاربين نفسيا إلى قبول أي سعر للذهب مهما كان مرتفقا، إنها نفس الدوافع وراء كل الفقاعات المالية التي تحققت في العالم على مر تاريخه.

لقد تكونت فقاعات أسعار الذهب وانفجرت عبر العصور، ولكن العصر الحديث شهد أضخم فقاعة أسعار للذهب على الإطلاق، وهي فقاعة أسعار الذهب في عام 1980، حيث بلغ سعر الأوقية من الذهب 800 دولارا، وذلك في أعقاب ارتفاع أسعار النفط الخام إلى مستويات غير مسبوقة نتيجة للثورة الإيرانية والحرب بين العراق وإيران، وأخذت تشيع في العالم نفس الاسطوانة التي نستمع إليها اليوم مرارا وتكرارا. في هذا الوقت تكونت أيضا مصادر جديدة للثروة في الدول النفطية، واقبل العديد من المستثمرين في دول العالم، بصفة خاصة من الخليج على شراء الذهب، سعيا وراء حلم الثروة القادم مع صعود أسعار الذهب، الذي أشيع في ذلك الوقت أنه لن يعود إلى الوراء مرة أخرى، وان استمرار ارتفاع أسعار الذهب هو أمر ليس محل شك، ثم حدثت الكارثة وانهار سعر الذهب محدثا خسائر فادحة لكل من ضارب على الذهب، حيث انخفض سعر الأوقية إلى أقل من النصف بعد ذلك.

اليوم يعيش العالم حالة شبيهة بتلك التي حدثت في 1980، إذ تسود نفس الظروف تقريبا، والتي تكون العزم اللازم لنفخ فقاعة ضخمة لأسعار الذهب، حيث يتجاوز اليوم سعر أوقية الذهب في المتوسط 1200 دولارا، وهي أسعار تعد، بكل المقاييس، تاريخية. يقف وراء هذا الارتفاع في سعر الذهب عدة عوامل هي باختصار:

- ارتفاع درجة عدم التأكد بفعل ظروف الأزمة، واستمرار فشل العالم حتى الآن في الخروج منها، على الرغم من مرور أكثر من عامين على انطلاق الأزمة الحالية والجهود المكثفة التي بذلها العالم للتغلب عليها.

- انخفاض معدلات الفائدة إلى مستويات قريبة من الصفر نتيجة لتبني السلطات النقدية في العالم لسياسات نقدية توسعية تهدف إلى تحفيز الطلب الكلي لمحاولة الخروج من الأزمة، الأمر الذي يخفض من معدلات العائد على الاستثمار في الأصول المالية.

- ارتفاع درجة المخاطر المصاحبة للاستثمار في أدوات الدين العام، نظرا لارتفاع حجم الدين العام للكثير من دول العالم إلى مستويات حرجة أو قريبة من الحرجة، مع تصاعد مخاطر تعرض الكثير من الدول لأزمة ديون سيادية، فضلا عن ضعف الثقة في الأصول المالية الدولارية.

- استمرار تصاعد أسعار الذهب مما يضمن تحقيق حد أدنى من العوائد على الذهب كأصل استثماري، وبشكل يفوق معدلات العائد المحققة من خلال الاستخدامات التقليدية للمدخرات كالاحتفاظ بالمدخرات كمودعات في البنوك. فعلى مدى الفترة من 2007-2009، بلغ معدل الارتفاع المتوسط في سعر الذهب 14.5%، وهي معدلات مرتفعة جدا للعائد مقارنة بالأصول الأخرى، خصوصا في ظل الأزمة.

شخصيا، لا أتوقع أن تنفجر فقاعة أسعار الذهب في الأجل القريب، أخذا في الاعتبار الظروف الحالية، وطالما أن العالم لم يخرج من أزمته بعد، وحتى يحدث ذلك سوف يستمر الذهب عند مستويات مرتفعة مدفوعا بما يردده القطيع عن الذهب كأصل استثماري آمن. أنصار الاستثمار في الذهب يتناسون حقيقة هامة وهي أن الذهب يظل في النهاية سلعة تجارية، مثله مثل أي سلعة أخرى، ومثلما ترتفع أسعار السلع فإنها أيضا تنخفض بفعل عوامل السوق. اليوم نستمع لنفس الدعاوى التي رددها المضاربون في كافة الفقاعات السابقة، وهي أن الوضع العالمي مختلف هذه المرة، عن أي مرة سابقة، فالعالم يعيش حالة أزمة، والدولار معرض للانهيار، والديون الحكومية تحيط بها المخاطر من كل حدب وصوب ... الخ، وفي ظل هذه الأوضاع يصبح الملجأ الوحيد الآمن هو الذهب. هذا التحليل قد يبدو منطقيا، ولكن الغير منطقي أن نتوقع استمرار هذه الأوضاع العالمية إلى ما لا نهاية دون حدوث انعكاس في مسارها.

الشيء المؤكد الذي ينبغي أن نعلمه هو أن العالم لن يعيش في أزمة إلى الأبد، وحالما تنتهي الأزمة وتعود الأوضاع الاقتصادية في العالم إلى طبيعتها مرة أخرى، وتعود معدلات الفائدة إلى الارتفاع مجددا، ونظرا لأن الذهب (كمعدن) لا يدر أي عوائد فإن عمليات بيع المعدن سوف تتكثف لتسييله وتحويله إلى مودعات مرة أخرى، عندها ستبدأ عملية انفجار فقاعة أسعار الذهب، واستنادا إلى قراءاتي للأزمات التي مرت على العالم، عندما تتطور الأوضاع على النحو الأسوأ فإن السوق يباغت الجميع ويحدث الانفجار في غضون فترة قصيرة جدا، وأن التطور السريع في الأسواق لا يعطي أي فرصة لأحد بأن يتجنب آثار ما يحدث، فتكون النتيجة هي أن الجميع يدفع الثمن غاليا.

تاريخ فقاعات أسعار الأصول في العالم يؤكد حقيقة أساسية، وهي أنه لا يوجد اصل استثماري يمكن ان تستمر أسعاره في الارتفاع إلى مالا نهاية، والتاريخ لا يكذب. لاحظ أيضا ان هناك اتجاها عاما بين المستثمرين في الذهب للحديث عن حجم استثماراتهم فيه، أو حجم محتفظاتهم منه، ومن يوم لآخر يخرج علينا أنصار الذهب في كافة أنحاء العالم للحديث عن مزاياه، أليس هذا الأمر مثيرا للشك؟ التاريخ يمدنا بالإجابة على هذا السؤال!، إنها نفس اللعبة القذرة، ونفس النغمة التي رددها مضللي العامة ومدمري ثروات المساكين في العالم عبر التاريخ، لكي يحفزوا الناس على شراء الأصل طمعا في ارتفاع أسعاره ومن ثم تحقيق المزيد من الأرباح بالنسبة لهم، ثم محاولة الخروج بعد ذلك في الوقت المناسب.

شيئان مؤكدان في عالم اليوم مثل سطوع الشمس في وضح النهار وهما أن:

1- أن الذهب كأصل استثماري يشكل الآن فقاعة سعرية، ليس هناك أي شك في أن هذه حقيقة في كافة أنحاء العالم، والجميع في العالم كله يتفق على ذلك.

2- أن فقاعة أسعار الذهب تستعد حاليا للانفجار المدوي محدثة خسائر هائلة لكل من يستثمرون بكثافة في المعدن النفيس.

ولكن سؤال المليون دولار هو متى ستنفجر فقاعة أسعار الذهب؟ من المؤكد أن ذلك ليس اليوم، فالأوضاع الاقتصادية في العالم ما زالت سيئة، وأن نفس العوامل التي ساعدت على تكون الفقاعة، ونفس الأجواء التي تسببت في تكونها، ما زالت هي هي، ماذا يعني ذلك؟ إن ذلك يعني أنه لم يتكون بعد العزم الكافي لدفع الضغط داخل الفقاعة نحو الانفجار.

للمفارقة لقد كانت آخر حلقة من حلقات تاريخ الأزمات الاقتصادية والمالية في العالم التي كتبتها بعنوان عالم لا يتعلم من أزماته هي الحلقة رقم 12، وليس لدي شك في أن فقاعة أسعار الذهب سوف تكون الحلقة رقم 13 في سلسلة "عالم لا يتعلم من أزماته"، وينظر المصريون إلى الرقم 13 على أنه نذير شؤم، ورغم أنني مصري، إلا أنني لا أعرف ما هو السر في ذلك!! لا يخالجني أي شعور بأنني يوما ما سوف أكتب عن انفجار فقاعة أسعار الذهب، ولدي كافة العناصر اللازمة للموضوع، قد يستغرق الأمر بعض الوقت خصوصا مع تصاعد التوقعات بعدم خروج العالم من الأزمة الحالية بسرعة، ولكنني متأكد بمشيئة الله وإذا أحياني الله سبحانه وتعالى، أنني سأكتب هذه الحلقة ولكن متى؟، ما زلت انتظر انفجار فقاعة أسعار الذهب.
مدونة اقتصاديات الكويت ودول مجلس التعاون

الثلاثاء، أغسطس 24، 2010

أين ينتج ألماس العالم

الألماس واحد من أندر الموارد الطبيعية في العالم، وأقواها على الإطلاق، وعندما يضاف الألماس إلى الحلي فإنه يضفي عليها بريقا سحريا يجعلها تتلألأ في أي ضوء بشكل يسحر العيون. الألماس هو حلم النساء في كافة أنحاء الدنيا وهو تجارة تثار حولها الشكوك حاليا، فيما يتعلق باستخدام عوائدها بصورة ما في تمويل أعمال العنف، خصوصا في إفريقيا تلك القارة المسكينة التي تملؤها النزاعات من كل جانب لأسباب حقيقية أو مفتعلة، ونتيجة ذلك تدفعه القارة في صورة مزيد من الفقر والتخلف وتراجع مستويات النمو. للأسف يحدث ذلك في أفريقيا موطن الألماس في العالم. العالم يتحدث حاليا عن استدعاء عارضة الأزياء السمراء ناعومي كامبل للشهادة أمام المحكمة الجنائية الدولية بتهمة تلقيها ألماسة من تشارلز تايلور ديكتاتور ليبريا السابق والذي يحاكم الآن بجرائم حرب ضد الإنسانية والتي ارتكبها في سيراليون. المورد الرائع للأسف يستخدم من قبل بعض الديكتاتوريين في أفريقيا لتمويل حروبهم القذرة، لهذا السبب وقع أكثر من 75 دولة في العالم على ما يسمى بـ "عملية كمبرلي"، وهو ميثاق يهدف إلى التأكد من أن الألماس الذي يتم إنتاجه للتصدير إلى دول آخري لا يستخدم في تمويل العنف.

الشكل التالي يوضح المصادر الرئيسة لإنتاج الألماس في العالم. ومن الشكل يتضح أن هناك ثلاث دول خارج حدود إفريقيا تقوم بإنتاج الماس وهي بشكل أساسي روسيا، حيث يتم إنتاج حوالي 35% من الماس العالم، واستراليا حيث يتم إنتاج حوالي 16% من إنتاج الماس الخام في العالم، وكندا حيث يتم إنتاج حوالي 11% من إنتاج الماس الخام في العالم، باقي إنتاج الماس الخام في العالم يتم في إفريقيا، بصفة أساسية في الكونغو وبوتسوانا وانغولا وجنوب إفريقيا وناميبيا وزيمبابوي.



ما هو الاقتصاد الخفي

يعتبر الاقتصاد الخفي من الظواهر القديمة في كافة المجتمعات الإنسانية ، فجرائم السرقة والنصب والاحتيال والابتزاز وغيرها من الجرائم ذات الدوافع الاقتصادية، قديمة قدم الإنسان نفسه على هذه الأرض. كذلك يمكن افتراض أن جرائم التهرب الضريبي والتحايل على القوانين والإجراءات الحكومية قد بدأت فعليا مع إدخال نظم الضرائب والإجراءات المنظمة لممارسة الأنشطة الاقتصادية المختلفة في المجتمعات المختلفة. إلا أنه مع ذلك فان الاهتمام بهذه الظاهرة لم يبدأ إلا منذ أعوام قليلة مضت.
ويوجد شبه اتفاق بين دارسي الاقتصاد الخفي على أن الظاهرة تشترك فيها كافة دول العالم المتقدم منها والنامي. بل ويمكن التأكيد بأن كل منا قد شارك بالفعل بشكل أو بآخر في أنشطة هذا الاقتصاد ، سواء كان يعلم أو لا يعلم أنه يتعامل في الاقتصاد الخفي. على سبيل المثال عندما ندفع نقودا في مقابل درس خصوصي لأبنائنا ، أو عندما نستدعى سباكا أو نجارا أو غير ذلك ، أو عندما نشترى سلعة من بائع جائل ، أو عندما ندفع بقشيشا أو رشوة ... الخ، فإننا نتعامل في الاقتصاد الخفي. ذلك إن أمثال هؤلاء لا يكشفون عن مثل هذه الدخول إلى السلطات الضريبية. ونحن نسمع من وقت لآخر من وسائل الإعلام عن قصص حول الاقتصاد الخفي ، كذلك قد نسمع عن بعض المعاملات التي تتم بالمقايضة أو نسمع عن بعض الأنشطة والمبادلات غير القانونية التي تتم ولا تسجل أو لا تقاس.
ويتفق الكثير من الباحثين في مجال الاقتصاد الخفي على أن مصطلح الاقتصاد الخفي يضم مجموعة مختلفة من الأنشطة التي تشترك في محاولة التهرب الضريبي أو الحاجة إلى تجنب القيود الروتينية الموضوعة على عملية ممارسة النشاط الاقتصادي. غير أن هناك جانبا لا يمكن إهماله من الأنشطة التي تتم في هذا الاقتصاد بسبب الطبيعة الخاصة لهذه الأنشطة والتي تعد مخالفة للقانون. على سبيل المثال فان أنشطة الرشوة والعمولات والسرقة وبيع السلع المسروقة وتجارة المخدرات وأنشطة التهريب السلعي Smuggling وتهريب الأموال وأنشطة القمار والدعارة وأنشطة المافيا أو فرض الإتاوات... إلى آخر هذه القائمة الطويلة من الأنشطة التي تعد مخالفة للقانون قد تمثل جانبا لا يمكن إهماله.
ويشير Mirus, Roger, & Smith [ 1994a ] إلى أن ما نطلق عليه بأنشطة الاقتصاد الخفي سيعتمد على المنظور الذي ننظر منه إلى هذا الاقتصاد. فقد ننظر إلى الاقتصاد الخفي على أنه يضم كافة الأنشطة المصاحبة لعمليات التهرب الضريبي الناشئ عن وجود هذا الاقتصاد. أو قد ننظر إليه من منظور أثر وجود هذا الاقتصاد على مدى دقة حسابات الناتج القومي في الاقتصاد ككل. ومن المنظور الأول فان نقطة الانطلاق هي النظام القانوني الذي يحدد طبيعة الدخول التي تخضع للضريبة. ووفقا لذلك فان الاقتصاد الخفي يشمل كافة الأنشطة التي تولد دخلا يخضع للضريبة والتي يتم إخفاءها عن السلطات الضريبية في البلاد بهدف التهرب من دفع الضريبة. أما من المنظور الثاني فان الاقتصاد الخفي سيتسع ليشمل كافة الأنشطة التي يترتب عليها توليدا للدخل ، سواء أكانت هذه الأنشطة قانونية أو غير قانونية ، أو سواء إذا كانت خاضعة أو غير خاضعة للضريبة.
ولكن هل يمكن أن نطلق على هذا الاقتصاد عبارة الاقتصاد غير القانوني. إن مدى دقة هذا اللفظ سوف تعتمد على مفهومنا حول ما يمكن أن نطلق عليه غير قانوني. فهل الأنشطة المولدة للدخل في الاقتصاد الرسمي والتي لا يعلن عنها للسلطات الضريبية تعد غير قانونية ، أم أن عملية التهرب الضريبي ذاتها هي التي تعد غير قانونية. أن المشكلة الأساسية التي نواجهها هنا لها جانبان ، جانب حسابي وجانب قانوني. فالجانب الحسابي يتمثل في أن هناك جزءا من النشاط الاقتصادي يتم في إطار قانوني كامل ويتمتع بالصفة القانونية ولكنه لم يسجل ضمن حسابات الدخل القومي لتعمد إخفاؤه بهدف التهرب من الضريبة. أما الجانب الآخر، وهو التهرب الضريبي ، فهو الجانب غير القانوني في القضية. ولذلك يصعب أن نطلق على كافة المعاملات التي تتم في الاقتصاد الخفي بأنها معاملات غير قانونية.
من ناحية أخرى نجد أن بعض الاقتصاديين مثل Molefsky [ 1982 ] يشير إلى أن عبارة الاقتصاد الخفي لا تعنى أن كافة المعاملات التي تتم في الاقتصاد الخفي لا تسجل في الإحصاءات الرسمية للدخل القومي. فهناك احتمال أن يشمل الاقتصاد الخفي جانبا من المعاملات التي تتم أصلا في الاقتصاد الرسمي. فقد تنتج بعض السلع في الاقتصاد الرسمي ، ومن ثم تسجل بالتبعية ضمن حساباته ، ومع ذلك يتم استخدامها في الاقتصاد الخفي ، ولا تسجل بالتالي القيمة المضافة التي تتم عليها في الاقتصاد الخفي ضمن حسابات الناتج القومي.
ومما سبق يمكن تعريف الاقتصاد الخفي بأنه " كافة الأنشطة المولدة للدخل الذي لا يسجل ضمن حسابات الناتج القومي إما لتعمد إخفاءه تهربا من الالتزامات القانونية المرتبطة بالكشف عن هذه الأنشطة ، وإما بسبب أن هذه الأنشطة المولدة للدخل بحكم طبيعتها تعد من الأنشطة المخالفة للنظام القانوني السائد في البلاد ". ووفقا لهذا التعريف فان أنشطة الاقتصاد الخفي تشمل الدخول المولدة بطرق شرعية ولكن لا يعلن عنها للإدارات الضريبية ، وكذلك الأنشطة الإجرامية التقليدية مثل الاتجار بالمخدرات والقمار والتهريب وغيرها. وأخيرا عمليات المقايضة التي تتم بدون استخدام النقود.
وتختلف أسباب نمو الاقتصاد الخفي من دولة لأخرى ، إلا أن هناك اتفاق على عدة أسباب على أنها المسئولة عن نمو الاقتصاد الخفي، وأهمها ارتفاع مستويات الضرائب أو الرغبة في التهرب منها، حيث يتزايد الحافز نحو التحول إلى العمل في الاقتصاد الخفي إذا كانت الأنشطة في الاقتصاد الرسمي تتعرض للمزيد من الضرائب من وقت لآخر. ويعتمد قرار المشاركة في الاقتصاد الخفي للتهرب من الضرائب على أساس الموازنة بين العقوبات التي قد يتعرض لها الفرد في حالة اكتشاف التهرب ، وكافة المخاطر الأخرى ، وبين الدخول الإضافية التي ستعود عليه من التهرب من دفع الضرائب ، أخذا في الاعتبار مدى استعداده لتحمل المخاطرة. وبناءا على هذه الموازنة يتخذ الفرد قراره بالتهرب أو عدم التهرب.
ويؤدى نمو العبء الضريبي سواء أكان ذلك بالنسبة للضرائب المباشرة أو الضرائب غير المباشرة إلى رفع نسبة الضرائب إلى الناتج القومي. وهو ما يدفع إما إلى محاولة تجنب الضرائب أو التهرب من دفع الضرائب. ويؤدى ارتفاع العبء الضريبي إلى تحويل بعض الأنشطة إلى الاقتصاد الخفي ، حيث تصبح هذه الأنشطة غير مسجلة وبالتالي لا تدفع ضرائب. ويتوقع أن تؤدى كل أشكال الضرائب إلى تحول المشروعات نحو الاقتصاد الخفي ، إلا أن أهمية ودرجة تأثير نوع معين من الضرائب تختلف من دولة إلى أخرى. على سبيل المثال فان نمو الاقتصاد الخفي في الولايات المتحدة يعزى إلى الضرائب على الدخل. بينما يعزى نمو الاقتصاد الخفي في أوروبا إلى ارتفاع اشتراكات التأمينات الاجتماعية والضرائب على القيمة المضافة. أما إذا ما أخذنا الدول النامية في الاعتبار فان الضرائب المرتفعة على التجارة الخارجية لهذه الدول يمكن إدخالها أيضا في قائمة العوامل المسئولة عن تحول المشروعات نحو الاقتصاد الخفي.
على سبيل المثال يشير Hansson ( 1982 ) إلى أن ارتفاع معدل الضريبة على الدخل الإضافي يمثل العامل الرئيسي في ظهور الاقتصاد الخفي في السويد. فوفقا لمعدلات الضريبة السائدة في السويد يؤدى قيام الممول بعدم الكشف عن دخوله الإضافية إلى تهرب ضريبي نسبته 65% من الدخول غير المكشوف عنها. الأمر الذي يمثل حافزا كبيرا للممولين نحو التهرب الضريبي والتحول نحو الاقتصاد الخفي. ويعطى Hansson ( 1982 ) مثالا على ذلك في حالة السويد ، حيث يشير إلى أن العامل الذي يعمل في الاقتصاد الخفي ساعة إضافية بنصف الأجر الذي يعمل به في الاقتصاد الرسمي سيحصل على إيراد صافى يساوى ضعف إيراده من تلك الساعة إذا ما عمل في الاقتصاد الرسمي ودفع الضريبة المفروضة في الاقتصاد الرسمي عن هذه الساعة الإضافية. وبالرغم من كون النظام الضريبي في السويد من الأنظمة ذات الكفاءة العالية ، بالإضافة إلى انخفاض نسبة الفساد الإداري بين العاملين في مجال الضرائب ، والتي تكفل حصر الاقتصاد الخفي في أضيق نطاق ممكن بالمقارنة بباقي الدول ، إلا أن Hanson ( 1982 ) يشير إلى أن آثار ارتفاع معدلات الضريبة ، وبصفة خاصة على الدخول الحدية على المدى الطويل ، تنعكس في صورة ازدهار للاقتصاد الخفي ، وتوفر بالفعل دوافع نحو المخاطرة والتحول نحو الاقتصاد الخفي.
وتمثل العلاقة التبادلية بين التضخم وارتفاع مستويات الضريبة على الدخل عاملا إضافيا يؤدى إلى ازدهار أنشطة الاقتصاد الخفي. فعندما تزداد الدخول الاسمية مع ارتفاع معدلات التضخم ينتقل دافعي الضرائب إلى شرائح أعلى من الدخل ، وهو ما يؤدى إلى ارتفاع معدلات الضرائب بالرغم من أن الدخل القابل للتصرف بعد فرض الضريبة قد ينخفض من الناحية الحقيقية بفعل وجود التضخم. لذلك يعمد بعض الأفراد إلى التهرب الضريبي من خلال إخفاء جانب من دخولهم عند كتابة إقراراتهم الضريبية ، أو قد يميلون إلى تفضيل إجراء المعاملات من خلال نظام المقايضة حتى يتجنبون انخفاض مستويات المعيشة الناجمة عن التضخم وارتفاع معدلات الضريبة في ذات الوقت.
على أن السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو هل يؤدى تخفيض معدلات الضريبة إلى القضاء على الاقتصاد الخفي؟. إن تخفيض معدلات الضريبة قد لا يعنى بالضرورة القضاء على الاقتصاد الخفي. ذلك أن المتعاملين في الاقتصاد الخفي يتمتعون بمعدل ضريبة فعلى يساوى صفرا. وبالتالي فان تخفيض معدل الضريبة بعدة نقاط ليس من المحتمل أن يؤثر على رغبة هؤلاء الأفراد في إظهار دخولهم الحقيقية ودفع الضريبة المطلوبة. على انه على أحسن الفروض يمكن تخيل أن تخفيض معدل الضريبة سوف يقلل من الحافز نحو دخول مزيد من الأفراد إلى الاقتصاد الخفي. أما هؤلاء الذين يتعاملون فعلا في الاقتصاد الخفي فيصعب تصور أن تتأثر أعدادهم بتخفيض معدلات الضريبة.
كذلك فان إدخال أشكال أخرى من الضريبة غير المباشرة مثل ضريبة القيمة المضافة Value Added Tax ( VAT ) ، أو ضريبة المبيعات Sales Tax بدلا من الضرائب على الدخل لن يقضى على الاقتصاد الخفي. على سبيل المثال فان الدول الأوروبية تعانى من وجود اقتصاد خفي بالرغم من استخدام ضريبة القيمة المضافة على نطاق واسع. ذلك أن من الممكن التهرب من ضريبة القيمة المضافة من خلال الاتفاقات التي يمكن أن تتم بين المنتجين والمشترين ، وكذلك من خلال تزييف الفواتير. وإذا ما نجح المتعاملون في التهرب من الضريبة على القيمة المضافة فان ذلك سوف يمكنهم من تحصيل الضريبة والاحتفاظ بها لأنفسهم.
وبالرغم من أن التحليل الاقتصادي الجزئي Microeconomic Analysis للضريبة يشير إلى أن أرباح المنتج تميل إلى الانخفاض مع زيادة مستوى الضريبة لان المنتج قد يضطر إلى تحمل جانبا من الضريبة ، يعتمد ذلك على درجة مرونة الطلب السعرية. إلا أن التحول نحو الاقتصاد الخفي يجعل من الضريبة مصدرا جيدا للدخل للكثير من تجار التجزئة. بل وقد يمكنهم من زيادة مستوى أعمالهم وذلك عن طريق منح خصم لعملائهم يعادل قيمة - أو جزء من - الضريبة.
ويرتبط بهذا العنصر مدى شعور الأفراد بالرضاء عن السياسات الحكومية ، وقناعتهم بالأهداف التي تسعى السلطات إلى تحقيقها. إذ يعد ذلك من العوامل الفعالة في رفع درجة الالتزام الأدبي من جانب الأفراد نحو دفع الضريبة. فإذا أحس الأفراد بعدم جدوى البرامج الحكومية ، أو أن هناك إسرافا مبالغا فيه في إنفاق حصيلة الضرائب ، أو أحس الأفراد بان ليس هناك عائد ملموس يعود عليهم ، فإنهم قد يميلون إلى محاولة التهرب من أو تجنب دفع الضريبة.
ويرى البعض أنه إذا لم يكن هناك ضرائب فان الاقتصاد الخفي سوف يستمر أيضا في الظهور بسبب القيود الحكومية الأخرى المفروضة على النشاط الاقتصادي للأفراد. وتفرض هذه النظم أو القيود إما بهدف تنظيم ممارسة أعمال معينة أو رفع مستوى الرفاهية الاقتصادية للأفراد وضمان مستويات مناسبة من المعيشة أو الرفاهية أو الأمان. أو قد تفرض بسبب أن الأنشطة ذاتها أنشطة إجرامية أو غير قانونية من المنظور الاقتصادي أو الاجتماعي. وإذا كانت هذه القيود مصحوبة بغرامات مرتفعة ونظام فعال للرقابة فقد تحول دون وجود مثل هذه الأنشطة ، إلا أنها للأسف في أغلب الأحوال ستحول هذه الأنشطة إلى الاقتصاد الخفي.
أن الكثير من الدول وبصفة خاصة الدول الصناعية تمنح بعض المزايا لأغراض رفع مستويات الرفاهية العامة للأفراد المقيمين داخل حدود دولهم. وتتناسب هذه المدفوعات بصورة عكسية مع الدخل. وعادة ما يبدأ صرفها عندما ينخفض الدخل إلى مستوى معين. وقد تؤدى نظم الضمان الاجتماعي ومدفوعات الرفاهية التي تدفعها الحكومة للأفراد إلى دفعهم نحو دخول الاقتصاد الخفي. فعندما يتعدى الدخل مستوى معين ، يصبح الفرد غير مؤهل للحصول على الإعانة الاجتماعية ، أو يحصل على جزء منها فقط. وقد يدفع هذا الأمر هؤلاء الأفراد إلى دخول الاقتصاد الخفي حتى لا تتأثر مدفوعات الضمان الاجتماعي لهم. ولهذا السبب تنتشر عمالة الأفراد الذين أحيلوا إلى التقاعد في الاقتصاد الخفي ، خوفا من تأثر مدفوعات المعاش لهم من جراء انكشاف مصادر الدخل التي يحصلون عليها من عملهم إذا ما قرروا العمل في الاقتصاد الرسمي.
وفى كثير من الأحيان تتطلب ممارسة بعض أنواع الوظائف أو الحرف الحصول على إذن رسمي أو ترخيص. كما قد تهدف هذه النظم إلى الحد من الكمية المعروضة من سلع أو خدمات معينة ، وهو ما ينشأ عنه في بعض الأحوال فجوة بين الكمية المعروضة والكمية المطلوبة من هذه السلع والخدمات ، مما يوفر دافع لدى الأفراد الذين ليس لديهم ترخيصا بمزاولة المهنة أو بإنتاج هذه السلع والخدمات إلى دخول الاقتصاد الخفي والعمل بأجر اقل أو الإنتاج بسعر أقل في الاقتصاد الخفي بدون تحمل الاستثمارات المتمثلة في تكاليف استخراج مثل هذه التراخيص.
كذلك فان بعض القيود الحكومية على إنتاج سلعة معينة قد تهدف إلى تحقيق بعض الأهداف الاقتصادية والاجتماعية. مثل حماية مستوى المعيشة للعمال أو حماية المستهلكين. إلا أن ذلك يدفع بعض المنشآت إلى الظهور بهدف الحصول على ميزة تنافسية من خلال تجنب هذه القوانين. كذلك فان هناك مجموعة من القيود القانونية الأخرى التي تساهم في تحول المشروعات نحو الاقتصاد الخفي ، مثال ذلك القيود القانونية أو المفروضة من قبل نقابات العمال حول مستويات الأمان والسلامة الواجب توفيرها أثناء أداء الوظيفة. أو القيود القانونية الخاصة بالمواصفات الواجب الالتزام بها في تصميم المشروعات بهدف حماية البيئة. أو القيود على الحد الأدنى للأجور.
ويعتبر الاقتصاد الخفي مهم جدا بالنسبة للمشروعات الصغيرة ، كما أن المشروعات الصغيرة مهمة جدا لوجود الاقتصاد الخفي. فالمشروعات الصغيرة تميل إلى إجراء معاملاتها باستخدام النقود السائلة ، ومن المعلوم أن مجالات الأعمال التي تقوم على استخدام النقود السائلة في إجراء المعاملات تسهل من الأنشطة الخفية. ولهذا السبب نجد أن أي محاولة لتطبيق النظم الضريبية بالقوة يترتب عليها إفلاس عدد كبير من المشروعات الصغيرة ، لان هذه المشروعات تعمل أصلا في ظل افتراض عدم وجود ضرائب.
ويؤدى تزايد أعداد المشروعات الصغيرة التي تقوم أساسا على استخدام النقود السائلة في إبراء المعاملات إلى زيادة الأهمية النسبية للاقتصاد الخفي في العديد من الدول. حيث يصبح من السهل التهرب من الضريبة عندما يكون حجم المشروعات صغير نسبيا.
وتختلف طبيعة العوامل المسئولة عن نمو الاقتصاد الخفي من الدول النامية إلى الدول المتقدمة. فمما لا شك فيه أن جانبا كبيرا من التحليل عن أسباب نمو الاقتصاد الخفي تم على أساس حالة الدول المتقدمة ، والتي تلعب فيها الضرائب دورا أساسيا. أما فيما يتعلق بالدول النامية فان الأمر يختلف بعض الشيء. إذا أننا نواجه في هذه الحالة اقتصادا على جانب كبير من السيطرة والتحكم فيه من جانب الحكومة ويعانى من عجز في عرض بعض السلع. كما أن جانبا كبيرا من هيكل الضريبة ينصب على الضرائب الغير مباشرة وليس الضرائب على الدخل ، والتي يفترض أنها العامل الأساسي في نمو الاقتصاد الخفي في الدول المتقدمة. ولذلك نجد أن السبب الرئيسي في نمو الاقتصاد الخفي في هذه الدول هو نقص عرض السلع الاستهلاكية والرأسمالية ، وسهولة التلاعب في السلع التي توفرها الحكومة ، والتي يفترض أن يتم توزيعها من خلال المنافذ المختلفة التي تتولى الحكومة الإشراف عليها.
إن النظام الخاص بالأسعار في هذه الدول عادة ما يكون غير مناسبا ولا يعكس مستوى الندرة. فالسلع الأساسية تباع بأسعار مدعمة. وتؤدى هذه الأسعار المنخفضة إلى انتشار ظاهرة الطوابير وأحيانا زيادة فائض الطلب على السلع الاستهلاكية. ويؤدى ذلك الأمر إلى ازدهار أنشطة الاقتصاد الخفي أما من خلال إعادة بيع هذه السلع بصورة غير قانونية ، أو من خلال محاولة إنتاج هذه السلع في الاقتصاد الخفي للوفاء باحتياجات الطلب عليها.
وتلعب المعلومات دورا حيويا في أداء الاقتصاد الخفي. فكل من المشترين والبائعين في سوق السلع والعمل يحتاجون إلى معلومات عن الأطراف موضع المعاملات التي تتم على أرض الواقع. كذلك قد تكون هناك حاجة إلى المعلومات عن الأسعار والجودة والبدائل المتاحة. وبدون توافر هذه المعلومات فان السوق لا يمكنه العمل. وعلى ذلك لكي ينمو الاقتصاد الخفي فلابد من توافر المعلومات بسهولة وبتكلفة قليلة.
على أنه تنبغي الإشارة إلى انه إذا كانت البيانات متاحة بهذه السهولة للأطراف المتعاملة في الاقتصاد الخفي ، فانه من المتوقع بالتالي أن تكون متاحة أيضا للحكومة. ومما لاشك فيه أن المعلومات سوف يكون لها تكلفة لمن يريد التعامل في الاقتصاد الخفي. ومن ثم فان ازدهار الاقتصاد الخفي في هذه الحالة سوف يعنى أن الحكومة أما لا تستطيع جمع هذه المعلومات أو لا ترغب في جمعها أصلا.
الشكل التالي يوضح مدى انتشار الاقتصاد الخفي في 12 دولة من دول العالم، مرتبة حسب كثافة انتشار الاقتصاد الخفي من الأكثر إلى الأقل وهي لاتفيا واستونيا وبلغاريا وتركيا واليونان وايطاليا وأسبانيا والسويد وألمانيا وبريطانيا واليابان والولايات المتحدة لاحظ من الشكل أن الاقتصاد الخفي ينتشر بشكل مكثف في دول مثل لاتفيا واستونيا وبلغاريا حيث يتم حوالي 40% تقريبا من المبادلات في الاقتصاد الخفي، بينما يصل حجم الاقتصاد الخفي إلى أدنى مستوياته في بريطانيا واليابان والولايات المتحدة حيث يتم حوالي 10% من الناتج المحلي الإجمالي في الاقتصاد الخفي.



 

التنين الصيني والفيل الهندي سادة الماضي، سادة المستقبل؟

الصين والهند هما عمالقة هذا العالم على مر عصوره، وهما بلاد الجمال والأساطير الغنية بعبق سحر الشرق وروعته. عبر معظم فترات التاريخ الإنساني كانت كل من الصين والهند أعظم دول العالم سواء من الناحية الاقتصادية أو السياسية. خلال القرنين الماضيين فقط تراجعت الأهمية النسبية لهذين العملاقين لصالح اقتصاديات أوروبا واليابان.

الأسبوع الماضي نشرت الاكونوميست مقارنة مثيرة عبر الشكل البياني التالي الذي يلخص تاريخ الناتج المحلي الإجمالي في العالم خلال الألفي عاما الماضية. الشكل يقوم على حسابات الناتج المحلي الإجمالي باستخدام تعادل القوة الشرائية Purchasing Power Parity، والتي قام بها الاقتصادي البريطاني الشهير Angus Maddison المتخصص في اقتصاديات الشرق. ماديسون توفي هذا العام بعد أن خلف أعمالا اقتصادية هامة عن التاريخ الاقتصادي في دول آسيا، وخصوصا في الصين ( للمهتمين يمكن تنزيل نسخة من كتب أنغس ماديسون وأعماله وكذلك السلاسل الزمنية للبيانات التي قدرها مجانا من خلال صفحته على الانترنتhttp://www.ggdc.net/maddison ).

الشكل يعقد مقارنة بين أكبر ثماني اقتصاديات في العالم وهي اقتصاديات الصين والهند واليابان والولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا وايطاليا وبريطانيا عبر مدى زمني يمتد لأكثر من ألفي عاما مضت.

وفقا لتقديرات ماديسون فانه قبل حوالي 2000 عاما (أي عند العامود الأول في السنة رقم 1) كان الاقتصاد الهندي (اللون الوردي الغامق) أكبر اقتصاد في العالم يليه الاقتصاد الصيني (اللون البني)، بينما لم يكن هناك اقتصاد آخر ذو أهمية تذكر في ذلك الوقت في العالم سوى ايطاليا.

على مدى ألف عام استمر الاقتصاد الهندي يحتل مركز أكبر اقتصاديات العالم من حيث الحجم يليه الاقتصاد الصيني، وكان الناتج المحلي الإجمالي في العالم مركز في هاتين الدولتين منذ حوالي ألف عام من الآن تقريبا (أي عند العامود الثاني في السنة 1000).


مند حوالي 500 عام من الآن تقريبا بدأت تظهر على السطح بعض القوى الاقتصادية في العالم وهي اليابان وفرنسا وألمانيا وايطاليا، بينما لم يكن لبريطانيا أي دور تقريبا. ومع ذلك استمر الاقتصاد الصيني والهندي يسيطران على حجم الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وان كانت الصين قد أخذت في التطور بعض الشيء بالنسبة لحجم الناتج (العامود رقم 3 عند السنة 1500).




منذ حوالي 400 عاما من الآن كان الاقتصاد الصيني هو أعظم اقتصاديات العالم من حيث الحجم يليه الاقتصاد الهندي، وظل الوضع كذلك حتى مائتي عاما من الآن تقريبا. ومنذ ذلك الوقت وعندما بدأت الحركات الاستعمارية من قبل دول أوروبا في التكثف عبر دول العالم أخذت الخريطة الاقتصادية للعالم في التشكل على نحو مغاير لما كان عليه الوضع في العالم، حيث كانت الصين والهند تهيمنان على الاقتصاد العالمي، وبدأت تظهر على السطح قوى اقتصادية لم تكن تشكل وزنا هاما في العالم فيما سبق، مثل الولايات المتحدة واليابان وبريطانيا وألمانيا وفرنسا. ونتيجة لهذا التحول أخذ وضع الصين والهند يتراجع عالميا، حتى عادت الهند والصين مرة أخرى كدولتين ناشئتين.

عبر العقود القليلة الماضية حدث نمو هائل في الناتج المحلي الإجمالي للصين ومن خلال معدل نمو حقيقي مكون من رقمين سنويا، استطاعت الصين هذا العام أن تزيح اليابان من مركزها كثاني أكبر اقتصاد في العالم، لتصبح الصين ومن حيث حجم الناتج المحلي الإجمالي الاقتصاد الثاني في العالم بعد الولايات المتحدة. الهند تحقق اليوم أيضا معدلات نمو استثنائية، أعتقد بأنها سوف تمكنها من أن تضع نفسها على رأس قائمة اكبر اقتصاديات العالم من حيث الناتج.

أعتقد أنه اليوم تهيأت كل السبل للصين والهند لكي تستعيدا مكانتهما التي فقداها لصالح اقتصاديات الغرب واليابان خلال المائتي عاما الماضية، لتصبحان بالفعل أكبر اقتصاديات العالم من حيث الحجم، فهل فعلا سيتحول التنين الصيني والفيل الهندي إلى سادة العالم اقتصاديا مثلما كانوا كذلك عبر آلاف السنين، الإجابة على هذا السؤال سوف يحملها لنا المستقبل، والمستقبل في علم الله سبحانه وتعالى.

على الرغم من المجهود الضخم الذي بذل في إعداد هذه التقديرات، فإنني أشك في مدى دقة وصحة مثل هذه التقديرات، لأنها على أفضل الفروض قائمة على سيناريوهات ظنية لا تستند إلى أي بيانات أو إحصاءات واقعية. من ناحية أخرى فان الشكل يهمل قوى في العالم كانت مؤثرة وتولد ثروة هائلة مثل الدولة الإسلامية التي امتدت عبر ثلاثة قارات وكانت أعظم قوة في العالم في وقت ما. كعادتهم يلغي الاقتصاديون الغربيون الحضارة الإسلامية ودولة الإسلام من التاريخ الاقتصادي للعالم، وعندما تقرأ في التاريخ الاقتصادي تجدهم يتحدثون عن كافة مناطق العالم إلا الدولة الإسلامية، وكأنها لم تك موجودة أو مرت على هذا العالم، ولذلك لا ترى أي أشارة لا من قريب ولا من بعيد لها أو لوجودها أو كيانها.

أنا متأكد انه لو كان ماديسون حيا وسألته نفس السؤال لماذا لم تشر إلى الدولة الإسلامية، من المؤكد أنه كان سيرد ردا دبلوماسيا بأنه لم يتمكن من ذلك لأنه لا توجد لديه أية بيانات يستطيع ان يبني عليها توقعاته حول مستويات الناتج المحلي الإجمالي وتوزيعها عبر دول العالم في هذه الفترة. الأمر المثير للغرابة أن ماديسون يتمكن من تقدير الناتج المحلي للصين والهند ودول لم يكن لها شبه وجود تقريبا مثل الولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا، بينما لا يتمكن من القيام بذلك لدول كانت قوى عظمى في العالم مثل تركيا، والتي ليس هناك حتى مجرد ذكر لاسمها. على الرغم من عظم الأعمال التي قام ويقوم بها اقتصاديو الغرب، إلا أنهم لا يستطيعون أن يتوافقوا مع نزاهتهم العلمية عندما يتعلق الأمر بالحضارة الإسلامية أو بدولة الإسلام.

صناديق الثروة السيادية

نشر في جريدة الوطن البحرينية يوم الثلاثاء 24/8/2010.
الصندوق السيادي للثروة هو صندوق استثمار عام تملكه الدولة وتتولى من خلاله استثمار فوائضها المالية في الخارج مثل فوائض الصادرات النفطية أو الفوائض التي تحققها الميزانيات العامة للدول، ومن ثم فإن الصندوق السيادي للثروة يعد بمثابة محفظة استثمار عامة، ولكن أصوله تكون موظفة خارج الدولة، وهو ما يعنى ان الأصول التي يتكون منها الصندوق تكون أساسا بالعملات الأجنبية، أي أصولا خارجية. غير ان التعريف العلمي لصناديق الثروة السيادية لا يدخل ضمن أصول هذا الصندوق ما قد يمتلكه البنك المركزي من احتياطيات بالعملات الأجنبية والتي تستخدم أساسا لأغراض التدخل في سوق الصرف الأجنبي للدفاع عن العملة الوطنية ضد أي تقلبات في أسعارها بالنسبة للعملات الأجنبية.

ويتنامى الدور الذي تلعبه صناديق الثروة السيادية بصورة واضحة في السوق العالمي لرأس المال نظرا للفوائض الكبيرة التي تحققها بعض الدول في ميزان مدفوعاتها بصفة خاصة الصين والدول النفطية. لذلك نجد ان الجانب الأكبر من صناديق الثروة السيادية في العالم غالبا ما يكون مرتبطا بصادرات النفط والغاز. ولضخامة الأصول التي تضمها هذه الصناديق فإن العديد من الدول الغربية قد أعربت في أكثر من مرة عن قلقها من الدور المتنامي لهذه الصناديق، ويتهم البعض هذه الصناديق بأنها تفتقد إلى الشفافية وأنها قد تحمل مخاطر جمة بالنسبة للاقتصاد العالمي، وفي رأيي أنه لا يوجد أي تبرير لمثل هذا القلق أو هذه الاتهامات سوى ان نسبة كبيرة من أصول هذه الصناديق تمتلكها دولا إسلامية، وأنه ليس هناك أي داع لكل هذا القلق، فالدول التي تمتلك هذه الصناديق عادة ما توظف إدارات خبيرة على مستوى عال جدا من الخبرة في مجال الاستثمار الدولي، والتي تهدف أساسا إلى تعظيم العوائد/المعدلة بالمخاطرة على أصول هذه الصناديق وليس أي هدف آخر يبرر مثل هذا القلق. ومع ذلك ولطمأنة الدول المستقبلة لاستثمارات هذه الصناديق، فقد تم وضع ما يسمى بمبادئ "سنتياجو" لصناديق الثروة السيادية، والتي أكدت على التزام صناديق الثروة السيادية بالشفافية بالشكل الذي يضمن سلامة إدارة المخاطر في هذه الصناديق والالتزام بقواعد صارمة في الإفصاح، وضمان حرية تدفقات رؤوس الأموال بين دول العالم. كذلك اتفقت الدول المالكة لصناديق الثروة السيادية في العام الماضي على ما يسمى بـ "إعلان الكويت"، والذي تم بمقتضاه إنشاء منتدى دائم للدول المالكة لهذه الصناديق لتبادل وجهات النظر حول أنشطتها الاستثمارية، وسبل إدارة المخاطر ونظم الاستثمار والأوضاع المؤثرة على عمليات استثمار الصناديق عالميا.

عندما أكتب عن الصناديق السيادية فإنني أتعمد دائما ألا أغفل حقيقة أن الكويت هي الدولة الرائدة عالميا في هذا المجال، فهي أم صناديق الثروة السيادية في العالم، فقد كانت الكويت هي أول دولة في العالم تقوم بإنشاء مثل هذه الصناديق في 1953، عندما قامت بإنشاء صندوق ثروة سيادي يهدف إلى حماية الاستقرار الاقتصادي المحلي من تقلبات أسعار النفط.

أنا شخصيا لست من أنصار صناديق الثروة السيادية، وفي أكثر من موضع طالبت الدول صاحبة هذه الصناديق بإعادة توجيه هذه الاستثمارات محليا، لأنها أصول وطنية يتم توظيفها في الخارج استنادا إلى مبررات لا أراها حقيقية، مثل ضعف الطاقة الاستيعابية للاقتصاد الوطني، في رأيي لا يوجد شيء اسمه ضعف الطاقة الاستيعابية للاقتصاد الوطني، فالطاقة الاستيعابية تتسع على حسب ما تستثمر فيها، على سبيل المثال كلما ازدادت الاستثمارات في البنى التحتية محليا كلما اتسعت الطاقة الاستيعابية وازدادت قدرة الاقتصاد الوطني على امتصاص مزيد من المليارات من الاستثمارات في الأصول الوطنية المختلفة.

في أكثر من مقال سابق لي عن صناديق الثروة السيادية عقدت مقارنة بين فوائد وتكاليف صناديق الثروة السيادية وتوصلت إلى أن تكاليف تلك الصناديق ومخاطرها تتفوق على العوائد التي يمكن تحقيقها منها، ولذلك لا أنصح بمثل هذه الصناديق. فمن الناحية النظرية على الأقل تتمثل أهم الفوائد من هذه الصناديق في تنويع مصادر الدخول من خلال تكوين محافظ استثمارية خارجية، ومن ثم تحقيق عوائد على تلك الاستثمارات يمكن استخدامها في تمويل الإنفاق العام أو في إعادة الاستثمار في تلك الصناديق مرة أخرى لتضاف إلى رصيد تلك الأصول، فضلا عن تكوين احتياطي استراتيجي يمكن استخدامه في أي وقت لمواجهة ظروف طارئة حادة (مثلما حدث أوقات العدوان العراقي على الكويت).

غير أن تكاليف ومخاطر تلك الصناديق متعددة وتتمثل أهمها في الآتي:

* الناتج المحلي الإجمالي الضائع (أو الفرصة الضائعة في صورة الناتج المحلي الضائع) بصفة خاصة الناتج غير النفطي، الذي يمكن توليده لو تم استثمار أصول هذه الصناديق محليا في أصول إنتاجية حقيقية في الداخل.

* فرص التوظف الضائعة والتي يمكن خلقها للشباب من المواطنين، لو تم استثمار هذه الأموال في أصول إنتاجية حقيقية في الداخل، بدلا من ان يتم استثمار هذه الأموال في الخارج فتوفر فرص عمل للعمال الكوريين والصينيين والأوروبيين بينما لا يستفيد شبابنا من الوظائف التي تخلقها مثل هذه الاستثمارات، ومن ثم فإننا بهذه الصناديق نسهم في حل مشكلة البطالة في الخارج، بينما تتعمق تلك المشكلة لدينا هنا بمرور الوقت.

* انخفاض معدلات النمو الاقتصادي المحققة مقارنة بمعدل النمو الكامن أي الذي يمكن تحقيقه لو تم استثمار هذه الأصول هنا محليا.

* تدني العوائد المحققة على هذه الاستثمارات والتي تقتصر على نسبة محددة من الفائدة، إذا كنا نستثمر في أصول مالية، أو نسبة توزيعات محددة للأرباح، إذا كنا نستثمر في أصول حقيقية (شركات ومصانع... الخ) وهذه العوائد لا تتناسب مع تكلفة الفرصة البديلة لتلك الاستثمارات بالنظر إلى العوائد الضخمة التي يمكن أن تعود علينا إذا ما تم استثمار هذه الأصول بكفاءة هنا محليا، أو بالنظر الى الارباح الضخمة التي تحققها الدول المستضيفة نتيجة استثمار هذه الاصول لديها في الخارج.

* المخاطر التي تصاحب استثمار تلك الأصول في الخارج والناجمة عن احتمال تعرض أصول تلك الصناديق للانهيار مع انهيار أصول المؤسسات التي يتم الاستثمار فيها، خصوصا في أوقات الأزمات الاقتصادية، مثل الأزمة الحالية.

* المخاطر المصاحبة للتضخم في الدول المضيفة، حيث تميل القوة الشرائية لتلك الاستثمارات نحو التناقص بمرور الزمن، بصفة خاصة الاستثمارات المالية، خصوصا في الدول التي ترتفع فيها تكاليف المعيشة ومن ثم المستوى العام للأسعار.

* الخسائر الناجمة عن تقلبات أسعار العملات، أو ما يطلق عليه مخاطر الصرف الأجنبي، والمتمثل في ميل عملات الدول المستقبلة لهذه الاستثمارات نحو الانخفاض ومن ثم تدهور القوة الشرائية لتلك الأصول، على سبيل المثال الأصول الاستثمارية المقومة بالدولار الامريكي.

* المخاطر الأخلاقية، حيث ليس هناك ضمان لحسن إدارة تلك الأصول في الدول المضيفة، خصوصا وأننا في اغلب الأحوال لا نملك قوة تصويتية، ولا نمثل في مجالس إدارات الشركات التي نستثمر فيها تلك الأصول، وهو ما يرفع احتمال تعرض تلك الاستثمارات إلى الخطر.

* المخاطر السياسية، والمتمثلة في احتمال تغير السياسات الخارجية للدول المضيفة لتلك الاستثمارات، خصوصا وأننا نعيش في منطقة ساخنة مليئة بالأحداث التي ربما تدفع الدول المضيفة في أسوأ الأحوال إلى تجميد تلك الاستثمارات وهو السيناريو الأسوأ على الإطلاق.

كما نلاحظ ليس هناك توازن بين العوائد التي يتم تحقيقها من تملك مثل هذه الصناديق والتكاليف المصاحبة لإنشائها، ومن ثم فإنه من الأفضل، في وجهة نظري، أن يتم استثمار هذه الأصول محليا لرفع مستويات البنى التحتية وبناء أصول إنتاجية محلية لتنويع مصادر الدخل ورفع مستويات التنافسية الدولية.

الجدول التالي يوضح آخر البيانات المتاحة عن صناديق الثروة السيادية التي يصدرها المعهد الدولي للصناديق السيادية. ومن الجدول يلاحظ أن إجمالي أصول صناديق الثروة السيادية قد اقترب من حاجز 4 تريليون (ألف مليار) دولارا، وهو ما يقل بشكل كبير عما كان متوقعا لأصول هذه الصناديق لو لم تحدث الأزمة المالية العالمية، والتي ترتب عليها تحقيق خسائر ضخمة في أصول هذه الصناديق، واستمرار أسعار النفط الخام عند المستويات التي نراها حاليا، والتي ترتب عليها انخفاض الفوائض النفطية التي كانت تحققها الدول المصدرة للنفط الخام والتي توجه نحو هذه الصناديق أساسا.
تمتلك دول مجلس التعاون أصولا في صناديقها السيادية تقدر ب 1380 مليار دولارا، أي حوالي 35% من إجمالي أصول صناديق الثروة السيادية في العالم، نصفها تقريبا تمتلكه الإمارات العربية المتحدة، بصفة خاصة إمارة أبو ظبي صاحبة اكبر صندوق ثروة سيادي في الخليج، وثاني أكبر صندوق سيادي في العالم بعد صندوق الثروة السيادي الصيني، ويعتبر الفرد في أبو ظبي صاحب أكبر متوسط نصيب للفرد من أصول صناديق الثروة السيادية في العالم. إجمالي أصول صندوق الثروة السيادي لأبو ظبي يصل إلى 654 مليار دولارا، وكانت تقديرات المعهد الدولي للصناديق السيادية للثروة تضع أصول هذا الصندوق حول 738 مليار دولارا في 2008. غير أن المعهد الدولي للصناديق السيادية قام بعد ذلك بتخفيض تقديراته حول قيمة اصول صناديق أبو ظبي السيادية نتيجة للخسائر التي لحقت بهذه الصناديق نتيجة للأزمة المالية العالمية. أمام أبو ظبي فرصة ذهبية لاستخدام هذه الموارد المالية الضخمة لتنويع هيكل اقتصادها وذلك في ضوء استراتيجيتها 2030 لادخال خطوط جديدة للناتج والدخل المحلي، في مجالات النقل والتجارة والسياحة، ورغم الامكانيات المالية الضخمة التي تمتلكها الامارة، اشعر ببعض البطء في خطط النهوض بالاقتصاد المحلي في أبو ظبي، ربما لأن أوضاع الامارة المالية متميزة، ولا توجد تلك الضغوط التي تعاني منها بقية دول الخليج.

يلي الإمارات العربية المتحدة من حيث الأهمية المملكة العربية السعودية، صاحبة ثاني اكبر صندوق ثروة سيادي في الخليج، وثالث أكبر صندوق ثروة سيادي في العالم، والتي بلغت تقديرات أصول صندوقها السيادي حوالي 420 مليار دولارا. ووفقا للبيانات المتاحة، تراجعت أصول هذا الصندوق بحوالي 15 مليار دولار العام الماضي، ومقارنة بباقي صناديق الثروة السيادية الخليجية، يعد صندوق الثروة السيادي السعودي أكثر هذه الصناديق من حيث درجة التقلب، حيث تزداد أصول هذا الصندوق بصورة أكبر من أي صندوق آخر في المنطقة، وذلك عندما ترتفع أسعار النفط، نظرا للطاقة التصديرية الجبارة التي تمتلكها المملكة في مجال النفط الخام، ومن ثم تتحقق للمملكة فوائض ضخمة عندما ترتفع أسعار النفط الخام تحول للصندوق، بينما في حال تراجع أسعار النفط تزداد عمليات السحب من الصندوق نظرا لميزانية الإنفاق العام الضخم للمملكة، وذلك مقارنة بباقي دول مجلس التعاون. صندوق الثروة السيادي السعودي يعمل بشكل ممتاز كصندوق لاستقرار هيكل الانفاق العالم في المملكة وحماية الاقتصاد المحلي من آثار تقلبات أسعار النفط الخام.

الدولة الثالثة خليجيا من حيث أهمية أصول صندوقها السيادي هي الكويت، والتي تبلغ تقديرات أصول صندوقها السيادي 202 مليار دولارا، والحقيقة لدي شك كبير حول مدى اعتمادية وصحة تقديرات المعهد الدولي لصناديق الثروة السيادية بالنسبة لصندوق الثروة السيادي الكويتي، والتي لم تتغير منذ فترة طويلة جدا، وفي ظل عدم توافر بيانات رسمية دقيقة حول استثمارات الكويت الخارجية فإنه لا يمكن الحكم على مدى صحة هذه التقديرات، وتعول الكويت كثيرا على صندوق الثروة السيادي الخاص بها كأحد خياراتها المستقبلية بعد نفاد النفط، وهو خيار لا أراه صحيحا للأسباب التي ذكرتها أعلاه، وقد ناديت أكثر من مرة بأن تحول الكويت اصولها الخارجية الى استثمارات محلية لتنويع هياكل دخلها وخلق المزيد من الوظائف للداخلين الجدد من المواطنين الى سوق العمل.

الدولة الرابعة من حيث الترتيب والأهمية هي قطر والتي تبلغ قيمة أصول صندوق الثروة السيادي لها 65 مليار دولارا، ومرة أخرى لدي شك كبير في تقديرات أصول صندوق الثروة السيادي القطري، إذ أميل إلى الاعتقاد بأن القيمة الحقيقية لأصول هذا الصندوق تتجاوز ما هو معلن بكثير، حيث أن المؤشرات التي تحت يدي تجعلني أميل إلى الاعتقاد بأن حجم الأصول الحقيقي الذي تملكه قطر ربما يكون أعلى من تلك التقديرات، ولذلك أتوقع في المراجعة القادمة لتقديرات صناديق الثروة السيادية في العالم أن يشهد صندوق الثروة السيادي القطري قفزة في حجم الأصول به، كما أتوقع ان يكون معدل نمو اصول صندوق الثروة السيادي القطري الأعلى بين صناديق الثروة السيادية الخليجية.

باقي الدول الخليجية (البحرين وعمان) تحتفظ بقدر متواضع من الأصول الخارجية في صناديق الثروة السيادية الخاصة بها، كما هو موضح في الجدول، والسبب طبعا معروف وهو انخفاض حجم الفوائض التي تحققها هاتين الدولتين، قياسا الى مستويات الانفاق العام بهما.
سوف اتابع تطورات صناديق الثروة الخليجية كلما يصدر المعهد الدولي لصناديق الثروة السيادية تحديثا لتقديراته حول اصول تلك الصناديق إن شاء الله.

الأحد، أغسطس 22، 2010

ثمانية بنوك أمريكية تفلس هذا الأسبوع

بعد هدوء نسبي خلال الأسبوعين الماضيين حيث لم يفلس في الولايات المتحدة سوى بنكين فقط، ارتفعت وتيرة عمليات الإفلاس بين البنوك الأمريكية بصورة حادة، حيث أعلنت المؤسسة الفدرالية للتأمين على الودائع  http://www.fdic.gov/ عن إفلاس 8 بنوك هذا الأسبوع. هذه البنوك هي:
بنك Community National Bank At Bartow في ولاية فلوريدا، وهو بنك صغير جدا، حيث بلغت أصوله في يونيو الماضي 67.9 مليون دولارا، والودائع لديه 63.7 مليون دولارا. وهو البنك رقم 21 الذي يفلس في الولاية ورقم 111 في الولايات المتحدة. سوف يكلف إفلاس هذا البنك الصندوق الفدرالي للتأمين على الودائع 10.3 مليون دولارا.
البنك الثاني وهو بنك Independent National Bank had total assets في ولاية فلوريدا، وهو بنك صغير بلغت أصوله 156.2 مليون دولارا والمودعات لديه 141.9 مليون دولارا، وهو البنك رقم 22 الذي يفلس في الولاية ورقم 112 في الولايات المتحدة، وسوف يتحمل الصندوق الفدرالي للتأمين على الودائع 23.2 مليون دولارا نتيجة إفلاس هذا البنك.
البنك الثالث هو بنك Imperial Savings and Loan Association, Martinsville, Virginia في فرجينيا، وهو من المؤسسات صغيرة الحجم، حيث بلغت أصوله 9.4 مليون دولارا، والمودعات لديه 10.1 مليون دولارا، وسوف يكلف إفلاس هذا البنك الصندوق الفدرالي للتأمين على الودائع 3.5 مليون دولارا فقط. ويعد هذا البنك هو البنك الأول الذي يفلس في الولاية هذا العام ورقم 113 في الولايات المتحدة.
البنك الرابع هو بنك ShoreBank, Chicago, Illinois في ولاية الينوي، وهو من البنوك متوسطة الحجم، حيث بلغت أصوله في يونيو الماضي 2.16 مليار دولارا، والمودعات لديه 1.54 مليار دولارا، وهو البنك رقم 15 الذي يفلس في ولاية الينوي والبنك رقم 114 على مستوى الولايات المتحدة. سوف يترتب على إفلاس هذا البنك تحمل الصندوق الفدرالي للتامين على الودائع 367.7 مليون دولارا.
البنك الخامس هو بنك Butte Community Bank في كاليفورنيا، وهو بنك صغير الحجم حيث بلغت أصوله في يونيو الماضي 498.8 مليون دولارا، بينما بلغت المودعات لديه في نفس التاريخ 278.8 مليون دولارا، وسوف يكلف إفلاس هذا البنك الصندوق الاحتياطي للتأمين على الودائع 17.4 مليون دولارا، وهو البنك السابع الذي يفلس في الولاية ورقم 115 في الولايات المتحدة منذ بداية العام.
البنك السادس هو بنك Pacific State Bank في ولاية كاليفورنيا، والذي بلغت أصوله 312.1 مليون دولارا في يونيو الماضي، والمودعات لديه 278.8 مليون دولارا، وسوف يكلف إفلاس هذا البنك الصندوق الفدرالي للتأمين على الودائع 32.6 مليون دولارا، ويعد هذا البنك هو البنك رقم 8 الذي يفلس في الولاية، ورقم 116 في الولايات المتحدة.
البنك السابع هو بنك Los Padres Bank, Solvang, California في ولاية كاليفورنيا، وهو بنك متوسط الحجم نسبيا، حيث بلغت أصوله في يونيو الماضي 870.4 مليار دولارا، بينما بلغت المودعات لدي 770.7 مليون دولارا، وسوف تقتصر تكاليف إفلاس هذا البنك على 8.7 مليون دولارا، وهو البنك التاسع الذي يفلس في الولاية ورقم 117 على مستوى الولايات المتحدة.
البنك الثامن وهو بنك Sonoma Valley Bank, Sonoma, California في ولاية كاليفورنيا، وهو بنك صغير، بلغت أصوله في يونيو الماضي 337.1 مليون دولارا، والمودعات لديه 255.5 مليون دولارا، وهو البنك العاشر الذي يفلس في الولاية ورقم 118 في الولايات المتحدة. تكلفة إفلاس هذا البنك بالنسبة لصندوق التأمين على الودائع سوف تقتصر على 10.1 مليون دولارا.
بهذا الشكل يكون قد أفلس 118 بنكا في الولايات المتحدة منذ بداية العام. الآن نحن في شهر أغسطس، أي الشهر الثامن في السنة، وهو ما يعني أنه حتى هذه اللحظة يفلس 15 بنكا في المتوسط شهريا في الولايات المتحدة. وكنت قد توقعت في بداية العام ان يبلغ إجمالي عدد البنوك التي ستعلن إفلاسها ما بين 200 – 250 بنكا هذا العام، غير ان معدلات الإفلاس حتى هذه اللحظة أقل بكثير من تلك التوقعات، وإذا ما أخذنا متوسط عدد حالات الإفلاس الشهري في الاعتبار، فربما ينتهي هذا العام بإفلاس حوالي 180 بنكا، وهو ما قد يزيد عن عدد حالات الإفلاس في العام الماضي بحوالي 40 بنكا تقريبا، والله أعلم.
مدونة اقتصاديات الكويت ودول مجلس التعاون.

الجمعة، أغسطس 20، 2010

عالم لا يتعلم من أزماته 12/12: فقاعة الدوت كوم

نشر في صحيفة الاقتصادية السعودية بتاريخ الجمعة 20/8/2010.
أزمة اليوم فيها كثير من الشبه مع أزمة فقاعة بحر الجنوب التي سبق أن تناولناها في الحلقة الثالثة من هذه السلسلة، حيث تم إنشاء شركة باسم بحر الجنوب استغلت حصولها على احتكار لحقوق التجارة بين بريطانيا وأمريكا الجنوبية وأخذت في الترويج لوهم آفاق الربح والفرص التي ستتيحها التجارة مع هذا العالم الجديد، فحدث تهافت شديد على أسهم الشركة أدى إلى واحدة من أعنف الأزمات المالية التي مرت بها بريطانيا.



عادة ما يشار إلى فقاعة الدوت كوم على أنها تمثل الفترة من 1995 إلى مارس 2000 حيث بلغ مؤشر ناسداك NASDAQ قمته متجاوزا حد 5100 نقطة، لينهار المؤشر بعد ذلك محدثا أزمة عنيفة في الولايات المتحدة امتدت آثارها لبعض الدول الأخرى في العالم. ولكن لماذا مؤشر الناسداك بالذات؟ سوق الناسداك هو سوق مواز لبورصة نيويورك للأوراق المالية، وقد حل محل سوق الوسطاء في الأوراق المالية Over the Counter، ويضم مؤشر السوق شركات التكنولوجيا، ومنها بالطبع شركات الانترنت، والتي كان يطلق عليها شركات الدوت كوم dot.com، أي الشركات التي تبيع السلع عبر الانترنت، أو التي تعرض مواد عبر الانترنت، أو التي تقدم خدمات الاتصال بالانترنت ... الخ، ولذلك فإن آثار هذه الأزمة تظهر على هذا المؤشر بصفة أساسية.



سبق أن لاحظنا أنه قبل بدء أي فقاعة لا بد من وجود فكرة استثمارية يتم الاستناد إليها في ترويج الخطة الاستثمارية التي تدور حولها، ومع التوسع الكبير في شبكة الانترنت وتكنولوجيا المعلومات والاتصالات وتطوير آليات فعالة للتجارة الالكترونية، بدأت تنتشر في وسائل الإعلام في مجال الأعمال عبارة جديدة هي "الاقتصاد الجديد New Economy"، حيث يلعب الانترنت الدور الأساسي في تسيير الأعمال وتسهيل التجارة وعمليات التسويق وحركات المخزون .. الخ، وما إن توافر الحد الأدنى من العزم اللازم لبدء نشاط المضاربة حتى عادت "ريمة لعادتها القديمة" كما يقول المثل الشعبي، وألغى المستثمرون عقولهم تماما ووضعوها في عالم آخر، وسلموا أنفسهم للوهم الكبير، وهم الثروة القادمة مع هذا الاقتصاد الجديد، والذي سيفتح آفاقا هائلة للمعاملات والقيمة المضافة في الاقتصاد، وبالطبع تحقيق أرباحا خيالية في القطاعات المختلفة في الاقتصاد الجديد سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، وعلى رأس قائمة الشركات الموجودة في الاقتصاد بالطبع، شركات الانترنت، التي ستقود اوركسترا الاقتصاد الجديد، ومن ثم فان كل ما هو مطلوب من الجميع هو شراء الأسهم والانتظار حتى يرى المستثمر نفسه يتحول إلى مليونير أو ملياردير.



بدأ وهم تحقيق الثروة يلعب بعقول عدد كبير من المستثمرين، لدرجة أن الشركات الجديدة في القطاع لم تجد مصاعب تذكر في بيع إصداراتها من الأسهم، على الرغم من ضعف خطط الأعمال التي تم تقديمها لعدد كبير جدا من الشركات، بل لقد كان يكفي إضافة حرف e إلى اسم الشركة، أو كلمة com إلى الاسم التجاري لها، لتنفد إصدارات الأسهم بسرعة قياسية. باختصار مثلت عبارة الاقتصاد الجديد الفكرة الاستثمارية التي قامت عليها هذه الفقاعة، حيث أخذ الجميع يتحدث عن هذا الاقتصاد الجديد والآفاق الواسعة من الإيرادات والعوائد التي سيفتحها، ودخل محللي الأسهم على الخط للترويج لفكرة الوهم، الذي راح ضحيته الملايين ممن تهافتوا على شراء الأسهم الخاصة بشركات الدوت كوم، والتي تزايدت أعدادها بسرعة قياسية. عندما انفجرت الفقاعة انهار عدد كبير من الشركات التي تنتمي إلى قطاع الدوت كوم، وأخذت معدلات تكوين الشركات الجديدة في التراجع الكبير، نظرا لصعوبة تسويق إصداراتها من الأسهم مقارنة بالأوضاع قبل الانهيار.



يبالغ عادة محللو الأسهم في الفكرة الاستثمارية التي يطرحونها إلى درجة لي الحقائق، بهدف واحد هو تضخيم الفكرة ووضع هالة ضخمة حولها، لجذب المستثمرين إليها بأي ثمن. على سبيل المثال، على مدى الأشهر الثلاثة الماضية كانت تأتيني رسائل من أحد محللي الأسهم تتناول فكرة الاستثمار في أسهم شركات استخراج الليثيوم في العالم. فكرة الاستثمار الأساسية التي يركز عليها المحلل أن الليثيوم كعنصر، هو مستقبل الطاقة الواعد على سطح الكرة الأرضية، بل وأنه سوف يقضي على النفط كمصدر للطاقة في المستقبل، وأنه بما ان سيارات المستقبل سوف تكون سيارات كهربائية أساسا، فإن صناعة بطاريات السيارات سوف تكون من الصناعات الواعدة، وأن الاستثمار في الليثيوم سوف يكون مربحا جدا، ثم يسوق الأمثلة على قائمة أهم المستثمرين في مجال الليثيوم في العالم، وخطط الحكومة الأمريكية للتوسع في التنقيب عنه وضمان توافر حد أدنى من المخزون الاستراتيجي لها منه، وخطط الشركات الاسترالية للتنقيب عن الليثيوم في الصين، وحجم الطاقة التي سيتم توليدها منه ... الخ، تحليل مهني بامتياز، ولكنه مليء بالمبالغات حول عنصر نادر أصلا، غير أنه كاف لضمان وقوع الملايين في المصيدة.



فقاعة الدوت كوم هي إذن نتاج النمو في تكنولوجيا المعلومات والاعتقاد السائد بأن الشركات المقدمة للانترنت ولسلسلة السلع والخدمات المرتبطة به هي التي ستمثل نموذج الأعمال الأمثل في الاقتصاد الجديد. كان هناك العديد من العوامل التي ساهمت في نفخ فقاعة الدوت كوم قبل انفجارها في مارس 2000، وأهم هذه العوامل التالي:



1. الاعتقاد الجازم الذي كان سائدا بين المستثمرين بان شركات الدوت كوم هي صناعة المستقبل، وأن هذه الشركات سوف تمثل الأركان الأساسية للاقتصاد الجديد، وأن هذا الاقتصاد الجديد يعد بتحقيق معدلات نمو خيالية ومن ثم عوائد لا حصر لها، وأن الاستثمار في شركات الدوت كوم هو السبيل الوحيد لاقتطاف ثمار العوائد الناجمة عن النمو في هذه الصناعة.



2. سوء عملية تقييم الأسهم، حيث كان أداء أسهم شركات الدوت كوم في مؤشر الناسداك استثنائيا، فقد كانت أسعار أسهم هذه الشركات تنمو نموا سريعا في البورصة حتى بدون ان تحقق أرباحا تساند هذا النمو في القيمة الرأسمالية السوقية لها. وينظر المحللون إلى هذا العامل بالذات على أنه يمثل نقطة المستثمرين العمياء في هذه الأزمة، أي معامل مضاعف السعر إلى توزيعات الأرباح P/E ratios، حيث كان يتم تداول أسهم هذه الشركات بأسعار مرتفعة للغاية دون النظر إلى المؤشرات الأساسية، والتي يتم استخدامها من الناحية التقليدية في التحليل، وبما أن هذه الشركات كانت لا تحقق أرباحا تقريبا، فان مضاعف السعر إلى توزيعات الأرباح كان ذو قيمة لا نهائية، ومثل هذه الحالة تعني من الناحية الفنية أنه لا يجب ان يتم الاستثمار في مثل هذا النوع من الأسهم، لأن ذلك ببساطة يعني أن المستثمر، وبجميع المعايير، مقدم على كارثة، ورغم ذلك ازداد إقبال المستثمرين على هذه الأسهم بدعوى الاستثمار في الاقتصاد الجديد والذي سيؤتي ثماره لاحقا في الأجل الطويل. لم يحاول أحد إجراء أي تقدير لهذا البعد الزمني، ربما لأن الأسعار ما زالت ترتفع في سوق الأسهم، وتشير التجربة إلى أنه في مثل هذه الأوضاع فان الجميع يكون راضيا لأن الحد الأدنى من العزم اللازم لاستمرار المضاربة على الأسهم ما زال متوافرا. عندما أخذ مؤشر الناسداك في الصعود نحو قمته في عام 2000، بدأ المحللون الماليون يروجون لفكرة أن عمليات التقييم في سوق المال لم تعد تستند إلى العناصر الاقتصادية التقليدية مثل نمو العوائد، ومعدل التضخم ومعدل الفائدة.. الخ، وبدلا من ذلك أخذوا ينظرون إلى عوامل جديدة مثل قيمة الأصول غير المادية (المعنوية) للشركات Intangible assets والعلامة التجارية .. الخ، على أنها هي التي تحدد الأسعار المرتفعة للأسهم. نسي المحللون أن الانترنت ربما يغير الطريقة التي تؤدي بها الأعمال، ولكنه لن يؤدي إلى تغيير المعايير الفنية التي يقوم عليها التحليل المالي، وهي أن هناك مؤشرات لا بد من أن تراعى وأن تحترم عند اتخاذ القرار بالاستثمار. عندما ننظر إلى المؤشرات التي كشف عنها الأزمة سوف نجد أن الجميع بما فيهم المستثمرين المؤسسيين لم يأخذوا بعين الاعتبار أي أسس للتحليل الفني أو الجوهري عند اتخاذ قرارات الشراء والمضاربة على أسهم شركات الدوت كوم. ففي أوج الأزمة كانت أسهم عدة مئات من الشركات مسعرة بصورة تتجاوز مؤشرات أفضل الشركات التي حققت نموا في الماضي في المتوسط، ومع ذلك فقد كان معدل النمو المطلوب في هذه الشركات هو ببساطة شديدة، وبصورة مثيرة للدهشة، صفر%، ولعدة عقود قادمة. مما لا شك فيه أن هذه المستويات من التقييم لم تمر على العالم منذ أزمة هوس زهرة التيوليب في هولندا أو أزمة بحر الجنوب في بريطانيا.



3. لعبت وسائل الإعلام دورا هاما في تكون الفقاعة، وذلك من خلال التقارير التي كانت تبث يوميا من كل حدب وصوب، والتي تهدف إلى خلق مناخ تفاؤلي حول عمليات الاستثمار في قطاع الدوت كوم، وتشير تجارب العالم مع أزماته أنه ما إن تتم تهيئة المضارب نفسيا، فإنه يكون مستعدا لفعل أي شيء بما في ذلك إغراق نفسه بالديون بحثا وراء وهم الثراء السريع. لقد كانت الموضوعات المرتبطة بشركات الدوت كوم هي الطبق الرئيسي لوسائل الإعلام في مجتمع الأعمال في هذا الوقت.



4. دخول مستثمرين ليس لديهم خبرة مجال شراء الأسهم، يحركهم دافع واحد، هو حلم الثروة القادم، ومن الطبيعي ألا يهتم مثل هؤلاء بالأسس السليمة التي يفترض ان يقوم عليها القرار الاستثماري، أو بأهمية تكوين محافظ استثمارية لها القدرة على الاستدامة. انصبت التحليلات في هذه الأزمة بالذات على قضية درجة الرشد التي يتمتع بها المستثمرون، حيث يرى البعض ان الارتفاع في أسعار الأسهم كان يتم بسبب سلوك مستثمرين لا يتصفون بأي درجة من الرشد الاقتصادي، مدفوعين بواسطة أبواق وسائل الإعلام المختلفة التي لعبت دورا هاما في الأزمة، من خلال التقارير الزائفة التي كانت تبثها، والتي كانت تغذي الطلب على هذا النوع من الأسهم. بل ان الكتابات عن الأزمة تميل إلى الاعتقاد بأن السوق افتقد للمستثمرين الذين يتسمون بالرشد، والذين يفترض من الناحية النظرية بأنهم يلعبون الدور الأساسي في ضبط إيقاع السوق، وتعديل مستويات العائد المعدل بالمخاطرة فيه، ومن ثم التخفيف من عمليات سوء تحديد الأسعار. أكثر من ذلك فان الدراسات التي تمت على الأزمة أثبتت أنه حتى مثل هؤلاء المستثمرين الذين يفترض أنهم يتسمون بالرشد، قد ساهموا بالفعل في رفع درجة عدم الاستقرار في السوق، على سبيل المثال أشار بعض الدراسات إلى أن صناديق التحوط كانت تقود فقاعة الدوت كوم، خلال الفترة من 1998-2000، وهو ما يعني ان المستثمرين الذين يفترض أنهم يتسمون بالرشد قد يشاركون في نفخ الفقاعة لفترة من الزمن قبل خروجهم من السوق، ومن ثم يسهمون في رفع درجة عدم استقرار السوق. كما أشارت الكتابات إلى ان هؤلاء المستثمرين الرشيدين قد تمكنوا بالفعل، وبمهارة شديدة، من تحديد توقيت أقصى المستويات التي يمكن ان يبلغها كل سهم على حدة، ثم خرجوا من السوق في التوقيت المناسب قبل انهياره، أي أنهم تمكنوا من الاستفادة من عوائد الفقاعة وفي ذات الوقت تجنبوا خسائرها، معنى ذلك أن من دفع الثمن هو بصفة أساسية هؤلاء المستثمرين قليلي الخبرة والذين تحركهم أطماع تكوين ثروة بصورة سهلة وبدون عناء.



من جانبها كانت الحكومة الأمريكية تنظر إلى ما يحدث في سوق أسهم شركات الانترنت على أنه يمثل تشكيل لهيكل جديد للثروة في الاقتصاد الأمريكي، وأنه يحمل أخبارا سعيدة بالنسبة للميزانية الأمريكية ولإدارة جمع الضرائب، حيث ستشكل هذه المصادر الجديدة للثروة ذات القيمة الرأسمالية الضخمة وعاءا جديدا للضريبة، ومن ثم المزيد من الإيرادات للخزانة، سال إذن لعاب الخزانة الأمريكية وهي ترى أكثر من تريليون دولارا تضاف إلى ثروة الأفراد في صورة أسهم لشركات الانترنت.



على مدى أكثر من ست سنوات من النفخ المتواصل تكونت فقاعة ضخمة جدا لأسعار أسهم شركات الدوت كوم، حتى بلغ الضغط داخل الفقاعة مستواه الحرج في 10 مارس 2000، عندما بلغت قيمة مؤشر الناسداك 5132.52، وهي أقصى قيمة بلغها المؤشر خلال الأزمة وفي تاريخه حتى هذه اللحظة، وحيث أنه من غير الممكن استمرار هذا الوضع إلى ما لا نهاية، فقد بدأت عملية الانفجار المدوي للفقاعة. في خضم الحلم الكبير الذي عاشه الجميع على أمل تحقيق الثروة انهار كل شيء. هنا فقط أدرك المستثمرون أن هذه الشركات لا يمكنها ان تحقق مستويات الأرباح التي توقعوها ولا حتى في المستقبل القريب، واكتشفوا أخيرا أيضا ان القيمة السوقية لشركات الانترنت لا تقابلها أصولا مادية تغطي هذه القيم الخيالية التي تحتلها في السوق، وأن رأسمالها الحقيقي يتكون أساسا من حقوق اختراع وقدر صغير جدا من الأصول المادية الذي لا يجب ان يبرر مثل هذا الارتفاع الخيالي للقيمة الرأسمالية لأسهمها في البورصة. ومثلما هو الحال في كل أزمة، عندما يحدث الانهيار لا يكون هناك وقت كاف لأي من المتعاملين بأن يتخذ التدابير اللازمة لحماية نفسه، على العكس يؤدي اندفاع المستثمرين لحماية أنفسهم من خطر الخسائر إلى دفع السوق نحو الانهيار، وبالفعل انتشر الذعر بين المستثمرين والذين أخذوا في بيع اسمهم وكانت الكارثة. ما بين يناير 2000 حتى مارس 2001، خسر المتعاملون في السوق تريليون (ألف مليار) دولارا، محيت من ثروة المستثمرين ومن القيمة الرأسمالية للأسهم المتداولة في سوق الناسداك، وهي خسارة ضخمة جدا، فقبل حدوث الانهيار كانت القيمة السوقية لأسهم شركات التكنولوجيا تتجاوز 1.4 تريليون دولارا، وعند انتهاء الانهيار كانت مؤشرات القيمة السوقية تشير إلى انخفاض هذه القيمة الرأسمالية إلى حوالي 400 مليار دولارا فقط. بالطبع لم يقتصر أثر الانخفاض في أسعار الأسهم على شركات الدوت كوم، وإنما انتقل إلى قطاعات أخرى في البورصة، كان أكثر المؤشرات غير التكنولوجية تأثرا في العالم هي مؤشرات DAX، و NIKKEI و FTSE، وانهار عدد كبيرة من الشركات وبالطبع كان أكثر الشركات تأثرا هي الشركات المرتبطة بالانترنت.



انتهت الأزمة ولم يتحول العالم إلى هذا الاقتصاد الجديد على النحو وبالصورة التي روج لها المحللون، حيث ما زالت قواعد أداء الأعمال واحدة سواء في ظل الانترنت أو بدونه، فكل منتج، سواء أكان سلعة أو خدمة، لا بد له من منتج ينتجه ومن سوق يوزع فيه ومستهلكين يشترونه ومن ثم أرباح أو خسارة تتحقق من وراءه، بغض النظر عن الطريقة التي سيتم بها تأدية العمل، هذا الطبع لا يعني أن الانترنت غير مهم في مجال الأعمال، فمما لاشك فيه أن الانترنت قد غير الطريقة التي تمارس بها الأعمال بصورة جذرية، وأثر على كيفية أداء عمليات الإنتاج والتوريد، وخفض التكاليف والمخزون وحسن بشكل كبير من الإنتاجية في كافة القطاعات الإنتاجية للسلع والخدمات في العالم.



عندما انتهت أزمة الدوت كوم قام المستثمرون بتحويل مدخراتهم بغرض استثمارها في أصول أأمن من وجهة نظرهم هذه المرة، وهي المساكن، لتبدأ على التو عملية غرس بذور أزمة جديدة تبدو في الأفق، ولأن العالم لا يتعلم من أزماته، أخذ الشغف بالمساكن يتزايد بمرور الوقت، وبدأت عملية النفخ في فقاعة جديدة توفر الأدوات اللازمة للمهووسين بالمضاربة، ومرة أخرى، لم يكن المستثمرون يعلمون أنهم ينفخون في أكبر فقاعة للأصول بعد الكساد الكبير، أخذت أسعار المساكن في الارتفاع بمعدلات غير مسبوقة سنويا، لتنفجر الفقاعة في 2007 ولتنهار أسعار المساكن بشكل مدو، لتعلن بدء أزمة جديدة نعيشها حاليا ومن المؤكد أننا نعلم كافة تفاصيلها جيدا، ولذلك لن أتناول أزمة الرهن العقاري في الولايات المتحدة، فتلك أزمة أخرى يعلمها الجميع لأننا نعيش آثارها.



وأخيرا عزيزي القارئ انتهت هذه السلسلة من المقالات حول الأزمات التي مرت على العالم، أنا بالطبع لم أتناول كافة الأزمات التي جرت في هذا العالم، فمما لا شك فيه أن هناك عشرات الأزمات الأخرى التي أثرت تأثيرا عميقا في أنحاء عدة منه، ولكني حرصت على عرض الملامح الأساسية للأزمات الرئيسية التي مرت على العالم تاركا الأزمات الأخرى ذات الأهمية الأقل. ومن المؤكد أن هناك عشرات الدروس التي يجب ان نتعلمها من هذه الأزمات، ولكننا للأسف لا نتعلمها.



في الحلقة القادمة والأخيرة أتناول، بإذن الله تعالى، فقاعة يعيشها العالم حاليا وهي تحمل كافة خصائص الفقاعات السابقة التي مرت عليه، والتي عندما انفجرت أصابت قطاعا عريضا من المستثمرين عبر العالم، إنها فقاعة أسعار الذهب.

مدونة اقتصاديات الكويت ودول مجلس التعاوان

الثلاثاء، أغسطس 17، 2010

صقور النقل الجوي في العالم تستعد للانطلاق من الخليج

نشر في جريدة الوطن البحرينية يوم الثلاثاء 17/8/2010.
تناولت في مقال سابق بعنوان "الاماراتية في طريقها لأن تصبح أكبر شركة طيران في العالم" صناعة النقل الجوي كصناعة ناشئة في الخليج، وأشرت الى أن الاماراتية تخطو خطوات واسعة في هذا المجال، ربما تضعها على رأس قائمة شركات الطيران في العالم، بصفة خاصة بالنسبة للرحلات طويلة المدى عبر القارات. وقعت أخيرا على تقرير حديث أعدته الاكونوميست بعنوان ”سادة طريق الحرير الجديد Rulers of the new silk road"، والذي أكد تلك التوقعات مرة أخرى، غير أن التقرير قد كشف عن حقائق هامة جدا فيما يتعلق بالوجود المتنامي والقوي لشركات الطيران الخليجية على خريطة النقل الجوي العالمي.

صناعة النقل الجوي هي من الصناعات الناشئة في الخليج وتشهد نموا بمعدلات مذهلة ومثيرة للاهتمام، لدرجة تجعلني أميل إلى الاعتقاد بأن شركات النقل الجوي الخليجية سوف تتحول إلى الصقور التي تتسيد صناعة النقل الجوي في العالم في المستقبل القريب. وأعني بشركات النقل الجوي الخليجية ثلاث شركات أساسية هي الإماراتية للطيران، والقطرية للطيران، والاتحاد للطيران. عندما ندقق في طبيعة هذه الشركات نجد أن هناك مجموعة من الخصائص المشتركة بينها، وهي أنها تنتمي إلى إمارات صغيرة نسبيا، وأن هذه الإمارات قد جعلت من صناعة النقل الجوي احد خياراتها الاستراتيجية –من ضمن خيارات أخرى- في عالم المستقبل، وأن هذه الشركات تدرك، بصورة واضحة، مدى حدة المنافسة التي تواجهها من جانب شركات النقل الجوي العملاقة في العالم، مثل الشركات الأوروبية والأمريكية، وأنها تستعد بصورة جيدة لهذه المنافسة، بشريا بأكفأ الخبرات التي تنتقيها من أكبر الشركات العاملة في الصناعة في العالم، وفنيا بأطقم طيران على درجة عالية من المهنية، وماديا بأكبر وأحدث أساطيل النقل الجوي التي توصلت إليها الصناعة، ولوجستيا بأحدث وأكبر وأوسع وأكفأ المطارات في العالم، والتي أصبحت تتفوق على المطارات التقليدية في الغرب، وإداريا بنظم إدارية ديناميكية مفرغة من الروتين والتعقيدات التي نشهدها عادة في الشركات الحكومية. أعتقد جازما أنه لو حدث نوع من التحالف الاستراتيجي بين هذه الشركات الثلاث، مثلما تفعل كبار شركات الطيران في العالم حاليا، فإن ذلك سيكون كفيل بوضعها، وبسرعة، على رأس صناعة النقل والشحن الجوي في العالم. مؤخرا أعدت الأكونوميست تقريرا مليء بالمعلومات الحديثة حول صناعة النقل الجوي في الشرق الأوسط، وفي هذا المقال أقارن بين صقور الخليج الثلاثة استنادا إلى هذا التقرير.



الصقر الأول، والذي هو في رأيي المرشح رقم واحد لأن يتحول إلى أكبر شركة طيران على وجه الأرض، هو الإماراتية، والتي يلاحظ أنها تنتشر وتدعم وجودها عبر كافة قارات العالم انطلاقا من واحد من أفضل النظم اللوجستية في العالم، وهو مطار دبي، والذي أصبح، وفقا للإكونوميست، أكبر ثالث مطار في العالم من حيث مستويات التشغيل بعد مطار هيثرو في لندن، وهونج كونج انترناشيونال، متجاوزا بذلك قائمة من أهم وأكبر المطارات التقليدية مثل مطار شارل دي جول في فرنسا ومطار تشانجي في سنغافورة، ومطار فرانكفورت في ألمانيا. غير أن دبي تخطط حاليا لأن تتحول إلى مركز الترانزيت رقم واحد في العالم، من خلال بناء مطار آل مكتوم في جبل علي بتكلفة 50 مليار دولارا، والذي سيصبح في 2020 اكبر مطار في العالم للنقل الجوي، حيث سيحتوي على خمس مسارات وطاقة نقل تستوعب أكثر من 160 مليون مسافر سنويا، مما سيجعل منه، وبأي مقياس، عملاق الترانزيت الجوي في العالم.



يساعد الاماراتية الكثافة السكانية للموقع الجغرافي الذي تحتله دبي، فوفقا للإكونوميست، يقيم في محيط دبي وعلى مسافة 4 ساعات من الطيران حوالي 2 مليار شخص، وعلى مسافة 7 ساعات من الطيران حوالي 4 مليار شخص، أي أكثر من نصف سكان العالم، وتمثل هذه الكثافة السكانية الهائلة نقطة قوة في السوق، يمكن أن تستغلها الإماراتية بشكل فعال، من خلال الإمكانيات الهائلة التي تتيحها أساطيل الطيران طويل المدى، والتي تعد الإماراتية اكبر مالك لها في العالم، ومثل هذا الموقع المتميز يمكن الإماراتية من الربط بين اكبر مدن العالم بدون توقف من خلال مطار دبي. دبي أيضا تنظر إلى النقل الجوي على أنه احد استراتيجيات الهامة لتنويع هيكل الاقتصاد في الإمارة، حيث يسهل التجارة بينها وبين العالم الخارجي، ويساعد على تشجيع تقديم الخدمات المالية والسياحية والتي تمثل أنشطة رئيسية للإمارة، وقد تبنت دبي، مقارنة بباقي دول الخليج، سياسة أجواء شبه حرة، خصوصا فيما يتعلق بسياسات الهجرة وتأشيرات الإقامة والتي تجعل من السهل جدا لأي شخص في العالم بالمرور والإقامة.



كشركة طيران، تعد الإماراتية واحدة من أكبر شركات النقل الجوي في العالم، حيث تمتلك حاليا أسطولا يتكون من حوالي 140 طائرة، منها 50 طائرة A380 تحت الطلب الآن، ومن دبي تنطلق الإماراتية إلى أكثر من 100 نقطة حول العالم، في أكثر من 60 دولة، لتعمل الإماراتية في كافة القارات. تتوقع الأكونوميست أن تمتلك الإماراتية بحلول عام 2020 أسطولا يضم أكثر من 400 طائرة، وفي حال تحقق هذه التوقعات، فإن الإماراتية سوف تصبح اكبر شركات العالم في هذا الوقت. من حيث معدلات النمو تحقق الإماراتية نموا استثنائيا، على سبيل المثال في 2009، وعلى الرغم من أنه كان عاما سيئا للغاية بالنسبة لصناعة الطيران في العالم، حيث يعاني العالم من الكساد، إلا إن عدد ركاب الإماراتية قد تزايد بنسبة 21%، وحديثا تضاعف الإماراتية حجمها كل 3 إلى أربع سنوات تقريبا. وقد بلغ عدد الركاب 27.5 مليون راكب العام الماضي، وتتوقع الأكونوميست أن يتزايد العدد إلى 78 مليون راكب سنويا في 2020.



تمكنت الإماراتية أيضا من تثبيت وجودها في مطارات أخرى خارج دبي، مثل مانشستر ونيوكاسل في بريطانيا، وهامبورج ودولسدورف في ألمانيا، وكوشي وكالكتا في الهند، وذلك مقارنة بالشركات العالمية مثل الخطوط الجوية البريطانية ولوفتهانزا وطيران الهند، والتي تركز وجودها في مطارات دولها أساسا. سياسات التسويق الإماراتية تجذب المستهلكين في العالم إليها، على سبيل المثال فان المسافر من مانشستر إلى طوكيو سوف يجد الإماراتية خيارا أفضل نظرا لأنها توفر له وقتا أفضل أثناء الترانزيت، وتذكرة ارخص، وتجربة سفر أفضل من غيرها من المنافسين، كذلك حرصت الإماراتية على تأكيد وجودها في باقي دول الشرق الأوسط وإفريقيا وجنوب شرق آسيا والهند وأمريكا اللاتينية، وهي الأماكن التي تعاني من ضعف شبكة الترانزيت بسبب تعقد نظم الطيران فيها، وغياب الشركات المحلية القوية في هذه الدول، وفي عالم أصبح المسافر يبحث فيه عن من يوصله إلى النقطة المبتغاة بتكلفة أرخص وتجربة طيران أفضل، فإن الإماراتية تحقق أداء استثنائيا في هذا المجال. أكثر من ذلك فان الإماراتية تستغل هذا الأسطول الضخم في الشحن البحري على متن طائراتها العملاقة، حيث يمثل الشحن الجوي حاليا حوالي 20% من إيراداتها، وهي واحدة من أعلى معدلات الاستخدام في صناعة النقل الجوي في العالم. أكثر من ذلك فإن الإماراتية تعد حاليا واحدة من أكثر الشركات في العالم استغلالا لطاقة طائراتها، ففي المتوسط يبلغ معدل استخدام الطائرة حوالي 18 ساعة يوميا، وهو معدل مرتفع للغاية، يعكس ارتفاع كفاءة التشغيل في الإماراتية.



الصقر الثاني المتوقع ان يحلق بقوة في سماء حركة النقل الجوي في العالم هو الشركة القطرية للطيران، والتي تحقق حاليا نموا غير مسبوق، حيث بلغ عدد ركابها في 2009 حوالي 16 مليون راكب، وتتوقع الأكونوميست ان تنقل القطرية حوالي 50 مليون راكب سنويا بحلول 2015، و70 مليون راكب سنويا بحلول عام 2020. لحسن الحظ أن خطط دبي بالنسبة لإنشاء مطارات عملاقة للنقل والشحن الجوي ليست هي الوحيدة في المنطقة، ففي قطر تجري أيضا على قدم وساق خطط مماثلة، فمطار الدوحة الدولي الذي سيفتتح في غضون عام ونصف، سوف يعمل مبدئيا بطاقة 24 مليون مسافر سنويا، مع خطط لمضاعفة الطاقة في 2015 إلى حوالي 40 مليون مسافرا.



من حيث طاقة النقل تمتلك القطرية للطيران حاليا وفقا للإكونوميست 82 طائرة، وهي تخدم حاليا 90 مسارا للطيران في العالم، ولكن المثير للاهتمام أن لديها طلبات لـ 180 طائرة منها خمس طائرات A380 و 80 طائرة من طراز إيرباص A350 الجديدة، وهو ما سيحول الشركة إلى ذراع ضاربة في مجال الصناعة. القطرية لا تتوسع فقط من حيث الحجم، ولكنها تهتم أيضا بالجودة، حيث تعد حاليا واحدة من بين 6 شركات في العالم الحاصلة على تصنيف خمس نجوم من قبل Skytrax نظرا لنوعية الخدمات التي تقدمها، ومع افتتاح مطار الدوحة الجديد يتوقع أن تأخذ القطرية في النمو السريع. وتتوقع القطرية أنها سوف تستغل حوالي 75% من مساحة المطار الجديد بحيث يصبح مطار قطر نقطة العبور الرئيسية لركابها قبل التوجه إلى وجهتهم الأصلية في كافة أنحاء العالم.



الصقر الثالث هو شركة الاتحاد للطيران في أبو ظبي، والتي، على الرغم من انخفاض حصتها بصورة واضحة بالنسبة للشركتين الأخريين إلا أن الاتحاد للطيران، تحقق معدلات نمو استثنائية أيضا. فقد تم إنشاء شركة الاتحاد للطيران في 2003، ومنذ ذلك الوقت تحقق معدل نمو في مجال النقل الجوي يعد الأسرع في تاريخ النقل الجوي التجاري، وتتوقع الإكونوميست أن ترتفع طاقة الاتحاد للطيران من حوالي 5 مليون راكب في 2009، إلى حوالي 20 مليون راكب في 2015، وحوالي 36 مليون راكب سنويا في 2020، وكزميلاتها في الخليج، ترغب شركة الاتحاد في أن تكون معروفة بجودة الخدمات التي تقدمها، فعلى الرغم من النمو السريع للاتحاد فإنها حصلت على الكثير من الجوائز نظرا لنوعية الخدمات المقدمة للعملاء، كما أنها تفعل كل ما هو مطلوب للتحول إلى علامة رائدة في عالم الطيران، وهي تستفيد من إستراتيجية أبو ظبي التي تنظر إلى النقل الجوي على أنه جزء من خطتها لعام 2030، وهي خطة تهدف إلى استخدام الثورة النفطية الحالية في تحويل أبو ظبي إلى مركز دولي لخدمات النقل والخدمات المالية والسياحية.



غير أنه وفقا للإكونوميست فإن الصقر الثالث لديه بعض المشاكل، بصفة خاصة بالنسبة للقيود على إمكانيات النمو المستقبلي لمطار أبو ظبي، فضلا عن أنها قد حققت خسائر العام الماضي بحوالي 1.2 مليار دولارا. إلا أنني أميل إلى الاعتقاد بأن الإمكانيات المالية لأبو ظبي سوف تضمن استمرار هذا النمو المرتفع للشركة، بما في ذلك تطوير خطط لإنشاء مطار يتناسب مع خطط الشركة لكي تضع نفسها على مصاف كبار شركات النقل الجوي في العالم.



المثير للاهتمام هو أن طاقة النقل المجمعة والمتوقع ان تحققها الشركات الثلاث في 2020 سوف تصل إلى حوالي 175 مليون راكب سنويا، وهي بكافة المعايير طاقة نقل جبارة، ولا توجد شركة في العالم قادرة على تحديها في هذا المجال. كما أنه في غضون عدة سنوات، عندما تكتمل خطط إنشاء المطارات الجديدة في الإقليم، سوف تكون طاقة مطارات دبي وقطر وأبو ظبي اكبر من طاقة مطارات هيثرو في بريطانيا وشارل دي جول في فرنسا و مطار فرانكفورت في ألمانيا مجتمعة. استنادا إلى هذه الخلفية أميل إلى الاعتقاد بأنه في المستقبل القريب لن تكون شركات الخطوط الأمريكية والأوروبية هي سادة الجو مثلما هو الوضع اليوم، وان صقور النقل الجوي في العالم تستعد للانطلاق من هنا، من الخليج.
مدونة اقتصاديات الكويت ودول مجلس التعاون.