الجمعة، سبتمبر 24، 2010

تحول جوهري في الخطاب الأمريكي حول تقييم اليوان الصيني

نشر في صحيفة الاقتصادية السعودية بتاريخ الجمعة 24/9/2010. http://www.aleqt.com/2010/09/24/article_445987.html
في شهادته الأخيرة عن الصين أمام لجنة مجلس الشيوخ حول سياسات تحديد معدل صرف الرينمينبي، حرص تيموثي جايثنر، وزير الخزانة الأمريكي، على استخدام عبارات منتقاة بعناية، وبصفة خاصة تجنب وصف الصين بأنها دولة تتلاعب بعملتها Currency manipulator، على النحو الذي يبرر قيام الولايات المتحدة باتخاذ إجراءات انتقامية ضدها، وذلك استنادا إلى القانون الأمريكي، وبدلا من ذلك أخذ الوزير الأمريكي يعدد مناقب التعاون الصيني الأمريكي، والفرص التي يتيحها النمو الصيني المرتفع للشركات الأمريكية والعمال الأمريكيين، وكيف أن هذا النمو يساعد الولايات المتحدة على استعادة نشاطها الاقتصادي، ويسرع من فرص خروجها من الأزمة الحالية.

وبعد ان بلغت نبرة التهديدات الأمريكية للصين حدها الأقصى في العام الماضي، حيث تقدم عدد من أعضاء الكونجرس بمشروع قانون لمعاقبة الصين تجاريا، بسبب السياسات التي تتبناها الصين لضمان استمرار انخفاض قيمة اليوان، بصفة خاصة بالنسبة للدولار، تغيرت لغة الخطاب اليوم لتتحول إلى حث الولايات المتحدة الصين على ضرورة ان يرتكز النمو الصيني بشكل أساسي على نمو الطلب الكلي المحلي، وليس على النمو في الصادرات.

ولكن كيف يتحول النمو الصيني من نمو يرتكز على قطاع الصادرات، إلى نمو يرتكز على الطلب المحلي؟ إن المفتاح الأساسي إلى ذلك هو سياسة تحديد معدل الصرف، أي من خلال تحويل نظام تحديد معدل صرف الرينمينبي من نظام يقوم على الربط بالدولار، إلى نظام يرتكز بصورة أساسية على قوى العرض والطلب في تحديد معدلات صرف العملة الصينية بالنسبة للعملات الأخرى، وبصفة خاصة بالنسبة للدولار الأمريكي. فعندما يرتفع الرينمينبي في القيمة تزاد القوة الشرائية لدخول الأفراد في الصين (باليوان الصيني) وترتفع بالتالي مستويات إنفاقهم، بصفة خاصة إنفاقهم الاستهلاكي، ويتمتعوا بمستويات أعلى من المعيشة، وهو ما يساعد على رفع معدلات النمو في الطلب الكلي المحلي، بحيث يصبح مصدر النمو الأساسي في الصين.

الصين اتخذت أيضا مجموعة من الخطوات للتعامل مع الأزمة، والتي ربما تساهم في تقليل اعتمادها الكبير على الصادرات كمصدر للنمو، والتي تمثلت في زيادة الإنفاق العام على الخدمات الصحية ونظم التقاعد لتقليل الحوافز على الادخار، وفي الوقت الذي ترحب فيه الولايات المتحدة بهذه الخطوات، إلا أنها ترى أن الصين في حاجة إلى تحرير معدلات الفائدة، وتقليل الدعم الممنوح لأسعار الطاقة، وتقليل القيود على الاستثمار في قطاع الخدمات لتقليل اعتماد الاقتصاد الصيني على الصناعات الثقيلة والصادرات، ومما لا شك فيه ان هذه التطورات سوف تفتح الباب بصورة أكبر أمام السلع والخدمات الأمريكية لكي تنافس بصورة أكبر في الصين.

الأوضاع الاقتصادية في الولايات المتحدة اليوم تبرز حقيقة هامة وهي أنها في حاجة اليوم إلى الصين أكثر من أي وقت مضى في تاريخ العلاقات التجارية بين الدولتين، ولذلك، وبدلا من استخدام لغة التهديد، حرص جايثنر على استخدام عبارات الحث والتشجيع لضمان استمرار استفادة الولايات المتحدة من الفرص الضخمة التي يتيحها النمو الصيني على نحو أمثل، وبما يخدم عملية استعادة النشاط الاقتصادي في الولايات المتحدة.

لم أعهد مثل هذه اللغة من قبل من جانب الولايات المتحدة في مخاطبة الصين، خاصة عندما يتعلق الأمر بسياسات معدل الصرف التي تتبناها الصين لعملتها الرينمينبي، والتي طالما وصفتها الولايات المتحدة بأنها سياسات غير عادلة، وتتطلب ضرورة الوقوف بقوة وحسم في وجه الصين للحيلولة دون استمرار الفوائض التجارية الصينية الضخمة، على النحو الذي يهدد النمو المتوازن في الولايات المتحدة بصفة خاصة والعالم بصفة عامة.

ولكن ما هي أسباب هذا التحول الجوهري في الخطاب الأمريكي نحو الصين؟ في رأيي هناك عدة أسباب تقف وراء ذلك التحول، السبب الأول يتمثل في طبيعة التطورات على صعيد العلاقات الاقتصادية بين الدولتين، نتيجة للوضع الاقتصادي الذي أصبحت تحتله الصين عالميا اليوم، فقد أصبح الاقتصاد الصيني يمثل اقتصادا ذو أهمية قصوى للولايات المتحدة، ففي الصين يعيش 1.3 مليار مستهلك، وذلك في اقتصاد ينمو بمعدلات استثنائية تصل في المتوسط، إذا ما استثنينا فترة الأزمة، إلى رقمين سنويا، ويساعد هذا النمو الاقتصادي الكبير على زيادة الطلب على السلع والخدمات الأمريكية، ومن ثم تحفيز مستويات الطلب الكلي في الولايات المتحدة، وتوسيع مستويات التجارة البينية مع الصين، الأمر الذي يصب في إستراتيجية الولايات المتحدة الحالية لمعالجة الأزمة وأهم وأخطر تداعياتها، وهو ارتفاع معدلات البطالة.

لقد أصبحت الصين في هذا العام ثاني أكبر اقتصاد في العالم، ومثل هذا الاقتصاد الضخم يحمل فرصا تجارية استثنائية للولايات المتحدة، ومن الناحية الفعلية أصبحت الصين حاليا ثالث أكبر الأسواق الأجنبية بالنسبة للصادرات الأمريكية، بل وأكثرها نموا على الإطلاق، مقارنة بالصادرات إلى باقي دول العالم، وفي الوقت الذي نمت فيه الصادرات الأمريكية للصين هذا العام بمعدلات مرتفعة جدا، تراجعت نسبة صادرات الولايات المتحدة إلى باقي دول العالم، وأصبح السوق الصيني بالتالي، سوقا حيويا لعدد كبير جدا من السلع الأمريكية، بدءا من السلع الزراعية إلى السلع الصناعية ثم إلى الخدمات، وبالشكل الذي يرشح الصين لأن تصبح الشريك التجاري الأول للولايات المتحدة في المستقبل القريب، ونظرا لهذه التطورات، انخفضت حدة التهديد الأمريكي للصين، وتراجعت نبرة الحديث عن ضرورة تعديل سياسات معدل صرف اليوان الصيني.

باختصار النمو الصيني أصبح مهما جدا اليوم للاقتصاد الأمريكي، خصوصا وأن الأزمة المالية العالمية كان لها تأثير ضعيف على الوضع المالي في الصين، مقارنة بدول العالم الأخرى، ولقد كانت استجابة الصين للأزمة من العوامل التي ساعدت على استمرار نمو الطلب العالمي، فقد قامت الصين بوضع خطة تحفيز ضخمة لتجنيب اقتصادها المحلي الآثار السلبية للأزمة، وهو ما أدى إلى استمرار معدلات النمو الصيني عند مستويات مرتفعة، بلغت 8% تقريبا في عام 2009، وكذلك ساعد على استمرار الواردات الصينية عند مستويات مرتفعة مما أسهم في تشجيع الطلب الكلي على المستوى العالمي، على الرغم من أن الفائض التجاري الصيني قد تراجع بصورة كبيرة خلال الأزمة.

السبب الثاني هو أن الصين قد بدأت بالفعل في تغيير سياسات معدل صرف عملتها، وسمحت بالفعل للرينمينبي بأن يرتفع في القيمة مقابل الدولار، وذلك بعد ان قامت بربط اليوان بالدولار في يوليو 2008، مما جعل اليوان ثابتا تقريبا بالنسبة للدولار لمدة تتجاوز السنتين. الخطوة الصينية المهمة التي اتخذتها في 19 يونيو الماضي، عندما أعلنت أنها سوف تعيد النظر في سياسات معدل صرف اليوان، وسوف تسمح لمعدل الصرف بأن يرتفع وفقا لقوى السوق، تعد فاتحة التحول في سياسة تحديد معدل صرف اليوان الصيني. غير أنه عبر الثلاثة اشهر الماضية لم يرتفع اليوان الصيني في مقابل الدولار الأمريكي بأكثر من 1%، وبالنسبة للولايات المتحدة فإن مثل هذا الارتفاع في قيمة العملة الصينية، لا يتوافق مع معدل النمو في مستويات الإنتاجية ومستويات الدخول في الصين، مقارنة بشركائها التجاريين خصوصا الولايات المتحدة، أو الفائض الضخم الذي تحققه الصين في ميزانها التجاري، الأمر الذي يعني أن اليوان الصيني ما زال مقوما بأقل من قيمته الحقيقية بصورة جوهرية.

من الواضح أن تخفيض قيمة اليوان قد تزامن مع تدخل الصين بقوة في سوق النقد الأجنبي، وذلك لمنع قوى السوق من الضغط على معدل صرف اليوان بالارتفاع أكثر مما يجب، ومن وجهة النظر الأمريكية يؤدي استمرار الصين في التدخل في سوق الصرف الأجنبي على هذا النحو إلى تقييد نمو الاستهلاك الصيني (بسبب استمرار انخفاض القوة الشرائية لدخول الصينيين نظرا لانخفاض قيمة عملتهم)، وهو ما يجعل الطلب العالمي اقل مما يجب ان يكون الوضع عليه فيما لو سمح لليوان بأن يعكس قيمته الحقيقية وفقا لقوى العرض والطلب، والولايات المتحدة قلقة حاليا، إلى حد ما، من بطء معدل النمو في قيمة اليوان، بعد تحريره جزئيا، ومحدوديته، مثلها مثل شركاء الصين الآخرين في التجارة.

تعمد الصين الحرص على خفض قيمة اليوان الصيني له آثار عديدة على اقتصادها، حيث يساعد على استمرار نمو القطاع التصديري بمعدلات مرتفعة، أهم مصادر النمو في الصين، ويجعل الواردات الصينية أكثر تكلفة (نظرا لارتفاع أسعارها عند تقييمها باليوان)، مما يقلل من الطلب على الواردات من الخارج، بما في ذلك من الولايات المتحدة، كما أنه يقلل من القوة الشرائية للدخول القطاع العائلي في الصين، فضلا عن أنه يشجع الشركات الأمريكية على تكثيف عملياتها الإنتاجية في الصين (نظرا لانخفاض تكاليف عمليات الإنتاج للسلع عندما تقيم باليوان)، وهو ما يساعد الصين على سرقة وظائف الأمريكيين (من وجهة النظر الأمريكية)، حيث يصبح من الصعب على السلع والخدمات التي يتم إنتاجها في الولايات المتحدة ان تتنافس مع تلك التي تنتج في الصين (نظرا لارتفاع تكاليف إنتاج الأولى بصورة جوهرية عن الثانية). لكل هذه الأسباب ترى الولايات المتحدة أن الصين تحتاج إلى أن تسمح برفع جوهري ومستمر في قيمة اليوان، لتصحيح هذا الخفض المتعمد في قيمة اليوان، وأن تسمح لمعدل صرف اليوان بأن يعكس قوى السوق بصورة أكبر.

الإدارة الأمريكية تدرك أيضا أن عملية رفع قيمة اليوان لن تؤدي إلى القضاء على العجز لتجاري الأمريكي الكلي، أو ذلك العجز مع الصين، فالعجز التجاري بين الدولتين مرشح حاليا للاستمرار في المستقبل، غير أن تعديل الرينمينبي كفيل بالتخفيف من حدة الاختلال التجاري الدولي، وضمان نمو عالمي متوازن وعلى نحو مستدام.

لقد تحركت وزارة التجارة الأمريكية بصورة أكثر فعالية مؤخرا، بما في ذلك اللجوء إلى استخدام قواعد منظمة التجارة العالمية، لحماية الشركات والعمال الأمريكيين من التجارة غير العادلة مع الصين، ومن خلال اللجوء إلى القنوات متعددة الأطراف Multilateral، بما في ذلك رفع قضايا ضد الصين للتمييز التجاري ضد الولايات المتحدة، وقد استطاعت الولايات المتحدة أن تكسب في العام الماضي قضيتين تجاريتين ضد الصين، فيما يخص حقوق الملكية الفكرية واستيراد وتوزيع المنتجات المرئية والمسموعة، وكذلك الاتفاق على قضية أخرى تخص دعم الصادرات، كذلك قامت الصين بإلغاء إجراءات كانت قد اتخذتها سابقا، والتي تميز ضد قطع غيار السيارات الأمريكية، وذلك ضمن التزامها بقواعد منظمة التجارة العالمية، ولا شك أن مثل هذه الإجراءات تخفف من استمرار الآثار السلبية لتخفيض قيمة اليوان، وتضع الصين تحت مزيد من الضغط لإصلاح سياسات معدل الصرف.

السبب الرابع هو أن الولايات المتحدة ترغب في أن ترى الشركات الأمريكية تنافس الشركات الصينية في أسواق الصين، مثلما تنافس الشركات الصينية الشركات الأمريكية في عقر دارها. فقد استفادت الصين سابقا من حرية الوصول إلى الأسواق الأمريكية، ومن القواعد ونظم الحماية التي تلتزم بها الولايات المتحدة، والتي تمثل أساس النظام التجاري متعدد الأطراف، واليوم جاء الدور على الصين، فالولايات المتحدة مهتمة بشكل أساسي بالحصول حصة أكبر من السوق الصيني وحماية الشركات والعمال الأمريكيين من الممارسات غير العادلة التي تتبعها الصين، وقد دعا جايثنر إلى ضرورة أن تتلقى الشركات الأمريكية نفس المعاملة التي تتلقاها الشركات الصينية في الولايات المتحدة، وأشار بأن الولايات المتحدة سوف تسعى لدى الصين لضمان رفع فرص توسع الشركات الأمريكية في الأسواق الصينية، وأن الإدارة الأمريكية تستخدم كل الأدوات المتاحة لتأمين الشركات الأمريكية وحماية وظائف العمال الأمريكيين، والتأكد من أن الشركات الأمريكية قادرة على القيام بالتجارة والمنافسة بعدالة مع الصين، وبما يسمح بخلق المزيد من الوظائف في الولايات المتحدة، وأنها لن تترك تحقيق مثل هذه النتائج لمحض الصدفة.

الدلائل تشير أيضا إلى حدوث بعض التطورات الايجابية في مجال معاملة الصين للشركات الأمريكية، وترغب الحكومة الأمريكية في أن ترى تلك المعاملة الايجابية تمتد إلى الصادرات الأمريكية، باعتبار أن ذلك يمثل أساس النظام التجاري متعدد الأطراف الذي وقع عليه الطرفان، والذي يستفيد منه الطرفان بصورة واضحة.

ملامح الإستراتيجية المستقبلية للولايات المتحدة للتعامل مع الشريك التجاري الكبير تتمثل إذن في استمرار الإدارة الأمريكية في تشجيع الصين على الاعتماد بشكل أكبر على النمو في الطلب المحلي وليس الصادرات، وتشجيع الصين على رفع قيمة عملتها لكي تعكس بدقة تطورات قوى السوق وتصحيح الخفض المتعمد في قيمة العملة الصينية، فضلا عن أن الولايات المتحدة ستحث الصين على إنهاء الممارسات التمييزية في التجارة والاستثمار واحترام قوانين الملكية الفكرية، وضرورة الالتزام بأفضل الممارسات العالمية في عمليات تشجيع الابتكار، وترى الولايات المتحدة ان النمو الحالي للصين والوضع الجيد الذي يتمتع به الاقتصاد الصيني يمكن الصين من أن تستوفي هذه المطالب بسهولة، دون ان ينعكس ذلك سلبا على معدلات نموها الاقتصادي بصورة ملموسة.

من الوسائل الأخرى التي تلجأ إليها الولايات المتحدة هي الإقناع السياسي، وذلك من خلال استمرار قيام الرئيس أوباما بالتأكيد للحكومة الصينية على أولويات الحكومة الأمريكية الاقتصادية المطلوبة من الصين، وعلى رأسها ذلك تحقيق الصين لتقدم حقيقي في مجال تحديد قيمة العملة.

في الوقت ذاته يرى جايثنر بأن قدرة الولايات المتحدة على الاستفادة من العلاقات الصينية الأمريكية سوف تعتمد بصورة أكبر من أي شيء آخر على الإجراءات التي تتخذها الولايات المتحدة لتقوية القدرة التنافسية للاقتصاد الأمريكي، وذلك للاستفادة من الفرص التي يتيحها النمو الصيني الكبير، من خلال استمرار الجهود لرفع مستويات التعليم، وبصفة خاصة في مجال العلوم الأساسية، ورفع مستويات الاستثمار في البحوث والتطوير، واستمرار العمل على دعم الابتكار في مجالات تكنولوجيا الطاقة الجديدة، واستمرار جهود الولايات المتحدة في إعداد الصناعات والعمال الأمريكيين للاستمرار كرواد على المستوى العالمي، وهي المتغيرات التي تعد مفاتيح التنافسية الدولية لأي اقتصاد في العالم.

السبت، سبتمبر 18، 2010

سبعة بنوك أمريكية تفلس الأسبوعين الماضيين

بعد أن تراجعت وتيرة عمليات إفلاس البنوك الأمريكية بصورة واضحة خلال الثلاثة أسابيع الماضية، حيث لم يفلس سوى بنك أمريكي واحد، جاءت بيانات هذا الأسبوع لتكشف استمرار ارتفاع معدلات الإفلاس على نحو مرتفع. كنت خلال الأسابيع الثلاث الماضية استعد لإعادة تعديل توقعاتي حول أعداد البنوك الأمريكية التي يمكن ان تفلس هذا العام، والتي تتراوح بين 150-200 بنكا، وهي المراجعة الثانية، حيث كنت أتوقع في بداية العام ان تصل أعداد البنوك المفلسة إلى 250 بنكا هذا العام، غير أن أداء البنوك الأمريكية هذا العام جعلني أراجع هذه التوقعات بالانخفاض. وفقا لبيانات هذا الأسبوع ما زلت عند توقعاتي المراجعة حول أعداد البنوك التي يمكن ان تفلس هذا العام، والتي يمكن ان تصل إلى 200 بنكا كحد أقصى.

الأسبوع الماضي أفلس بنك أمريكي واحد، بعد 14 يوما متتالية لم تحدث فيها عمليات إفلاس، وهو بنك Horizon Bank, Bradenton, Florida في فلوريدا، وهو بنك صغير، بلغت أصوله في 30 يونيو الماضي 187.8 مليون دولارا، والمودعات لديه 164.6 مليون دولارا. سوف يكلف إفلاس هذا البنك الصندوق الفدرالي للتأمين على الودائع 58.9 مليون دولارا. هذا البنك يعد البنك رقم 23 الذي يفلس في ولاية فلوريدا منذ بداية العام، وهو البنك رقم 119 الذي يفلس على مستوى الولايات المتحدة منذ بداية العام.

هذا الأسبوع أفلست 6 بنوك أمريكية هي:

البنك الأول: ISN Bank, Cherry Hill, New Jersey في نيوجرسي، وهو بنك صغير جدا، بلغت أصوله في يونيو الماضي 81.6 مليون دولارا، والمودعات لديه 79.7 مليون دولارا، وهو أول بنك يفلس في الولاية هذا العام، والبنك رقم 120 على مستوى الولايات المتحدة. سوف يكلف إفلاس هذه البنك الصندوق الفدرالي للتأمين على الودائع 23.9 مليون دولارا.

البنك الثاني الذي أفلس هذا الأسبوع هو بنك Bank of Ellijay في ولاية جورجيا وهو بنك صغير بلغت أصوله 168.8 مليون دولارا في يونيو الماضي وبلغت المودعات لديه 160.7 مليون دولارا، وهو البنك رقم 12 الذي يفلس في الولاية منذ بداية العام، والبنك رقم 121 على مستوى الولايات المتحدة، وسوف يكلف إفلاس هذا البنك الصندوق الفدرالي للتأمين على الودائع 55.2 مليون دولارا.

البنك الثالث هو بنك First Commerce Community Bank في جورجيا وهو بنك صغير بلغت أصوله 248.2 مليون دولارا في يونيو الماضي، وبلغت المودعات لديه 242.8 مليون دولارا، وهو البنك رقم 13 الذي يفلس في الولاية هذا العام والبنك رقم 122 على مستوى الولايات المتحدة، وسوف تبلغ التكاليف التي يتحملها الصندوق الفدرالي للتأمين على الودائع نتيجة إفلاس هذا البنك 71.4 مليون دولارا.

البنك الرابع هو The Peoples Bank في جورجيا وهو بنك متوسط الحجم بلغت أصوله في يونيو الماضي 447.2 مليون دولارا، والمودعات لديه 398.2 مليون دولارا، وهو البنك رقم 14 الذي يفلس في الولاية منذ بداية العام والبنك رقم 123 على مستوى الولايات المتحدة. عملية إفلاس هذا البنك سوف تكلف الصندوق الفدرالي للتأمين على الودائع 98.9 مليون دولارا.

البنك الخامس هو بنك Bramble Savings Bank, Milford, Ohio في ولاية أوهايو وهو بنك صغير جدا، بلغت أصوله 47.5 مليون دولارا في يونيو الماضي والمودعات ليده 41.6 مليون دولارا، وهو البنك الثاني الذي يفلس في الولاية هذا العام والبنك رقم 142 على مستوى الولايات المتحدة. سوف يتحمل الصندوق الفدرالي للتأمين على الودائع 14.6 مليون دولارا نتيجة إفلاس هذا البنك.

البنك السادس الذي أفلس هذا الأسبوع هو بنك Maritime Savings Bank, West Allis, Wisconsin في ولاية ويسكون سن وهو بنك صغير نسبيا بلغت أصوله 350.5 مليون دولارا والمودعات لديه 248.1 مليون دولارا في يونيو الماضي، وسوف يتحمل الصندوق الفدرالي للتأمين على الودائع 83.6 مليون دولارا نتيجة إفلاس هذا البنك. هذا البنك يعد البنك الأول في ويسكون سن الذي يفلس هذا العام. بهذا الشكل تصل أعداد البنوك الأمريكية التي أفلست منذ بداية العام حتى يوم الجمعة الماضي 125 بنكا.

الجدير بالذكر ان القائمة غير الرسمية للبنوك الأمريكية المضطربة تصل إلى 849 بنكا، تبلغ أصول هذه البنوك 415 مليار دولارا تقريبا، وهي البنوك الأكثر تعرضا لخطر الإفلاس في الولايات المتحدة هذا العام. بقي ان أشير إلى أن ذلك لا يعني أن هذه البنوك سوف تفلس فعلا، ولكنها أكثر البنوك المعرضة لهذا الخطر.

المصدر: http://www.fdic.gov/

الجمعة، سبتمبر 17، 2010

محددات انتشار البنوك الإسلامية في العالم

نشر في صحيفة الاقتصادية السعودية بتاريخ الجمعة 17/9/2010.
أصدر صندوق النقد الدولي الأسبوع الماضي ورقة عمل أعدها الباحثان Patrick Imam and Kangni Kpodar عن محددات انتشار البنوك الإسلامية في دول العالم المختلفة، وذلك باستخدام بيانات عن البنوك الإسلامية في 117 دولة في العالم، على مستوى كل دولة، وذلك خلال الفترة من 1992-2006، وقد أحببت أن أشرك القارئ في نتائج هذه الدراسة المهمة عن المحددات الأساسية لانتشار البنوك الإسلامية في العالم.

يبدأ الباحثان الورقة بالإشارة إلى أن انتشار البنوك الإسلامية يمثل استجابة ذكية من قبل القطاع المالي لرغبات شريحة محددة من المستهلكين في دول العالم، وهم المستهلكين الذين يفضلون هذا النوع من التمويل الذي يتقيد أساسا بقيود أخلاقية ودينية ترتكز أساسا إلى الشريعة الإسلامية. وتعمل البنوك الإسلامية وفقا لمبدأ المشاركة في الربح بين البنك وأصحاب رأس المال، وهي مثل غيرها من البنوك التقليدية تقوم بدور الوساطة المالية بين أصحاب المال والمستثمرين لهذا المال، غير أن ما يفرقها عن المؤسسات المالية التقليدية، هي أن القيام بهذه الوساطة مقيد العديد من القيود التي ينبغي على البنك الإسلامي الالتزام بها، ولذلك تختلف طبيعة القيود التي يواجهها البنك الإسلامي مقارنة بالبنك التقليدي، حيث ينبغي عليه الالتزام بمجموعة من القواعد والقيم عند القيام بالمعاملات التجارية.

وتتمثل أهم الجوانب التي تميز البنوك الإسلامية في البعد عن المعاملات الربوية، وهو أهم الفروق بين البنوك الإسلامية والتقليدية، حيث يحرم الإسلام كافة أشكال الربا، إذ ينظر إلى معدل الفائدة على أنه يعد جانبا من عملية الاستغلال التي يقوم بها المقرض للمقترض، كما تحرم الشريعة الإسلامية على البنوك الإسلامية الدخول في عمليات المضاربة والتي تزيد من ثرواتها استنادا إلى احتمالات أو فرص تحقيق تلك الثروات، وليس استنادا إلى عمليات إنتاج حقيقية. كذلك فإن العقود القائمة على الغرر أو التي تتضمن درجة عالية جدا من المخاطرة وعدم التأكد هي من العقود المحرمة في البنوك الإسلامية، على الرغم من ان المخاطر التي لا يمكن تجنبها مسموح بها، وبشكل عام لا يسمح للبنوك الإسلامية سوى بتمويل المعاملات الحلال، ومن ثم لا يفترض ان تقوم بتمويل أنشطة لها تأثير سلبي على المجتمع أو أنشطة غير مسموح بها من وجهة نظر الشريعة.

ويرى الباحثان أن البنوك الإسلامية يمكن ان تلعب دور المكمل للبنوك التقليدية، ومن ثم تساعد على تنويع المخاطر النظامية، فوفقا للتمويل التقليدي يتحمل المقترض كل المخاطر المرتبطة بعملية التمويل، بينما في التمويل الإسلامي يشترك كل من البنك والمقترض في تحمل المخاطرة، ومن ثم تساعد عملية المشاركة في المخاطرة هذه المبادرين على الاشتراك في تحمل كل من احتمال النجاح أو الفشل، وهو ما قد يساعد المبادرين من ذوي القدرات التمويلية المحدودة، والذين لا يمكنهم القيام بمبادرات الأعمال إذا كانت كل أعباء المخاطرة تقع على عاتقهم. ووفقا لنظام التمويل التقليدي تعد الملاءة المالية للمقترض المحدد الأساسي لقرار الإقراض، حيث تهتم البنوك أساسا بالفائدة المحققة على القرض، بينما في النظام الإسلامي حيث سيتم المشاركة في الأرباح والخسائر، فان البنوك سوف تحقق أرباحا فقط إذا كان المشروع ناجحا، ومن ثم تميل البنوك الإسلامية إلى تمويل المشروعات التي ترتفع احتمالات أن تحقق نجاحا أو التي تبدو قوية في فرص اختراقها للأسواق، حتى ولو لم يكن المقترض ذو ملاءة مالية مرتفعة.

تتركز البنوك الإسلامية حاليا في دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وجنوب شرق آسيا، غير أن هناك دلائل على انتشار البنوك الإسلامية حاليا إلى وسط إفريقيا ووسط آسيا، وكذلك في أوروبا. ومن حيث الأهمية النسبية لدرجة انتشار البنوك الإسلامية، هناك حوالي 70% من البنوك الإسلامية في الشرق الأوسط وحوالي 15% في جنوب شرك آسيا، وتتوزع النسبة الباقية على باقي دول العالم، مع ارتفاع درجة التركز في أوروبا، ويتركز أكبر عدد للبنوك الإسلامية في المراكز المالية الإسلامية مثل البحرين وماليزيا، وفي الدول الإسلامية مثل إيران والسودان، غير أن البنوك الإسلامية لها وجود قوي في باقي الدول الإسلامية.

على الرغم من الانتشار الواسع للبنوك الإسلامية في الدول الإسلامية إلا أن مساهمتها في اقتصاديات الدول الإسلامية ما زالت محدودة، وفيما عدا إيران، فإن متوسط نسبة استثمارات البنوك الإسلامية تقل عن 20% من الناتج المحلي الإجمالي، وذلك مقارنة بالائتمان الممنوح بواسطة البنوك التقليدية، ولا يتجاوز عمر البنوك الإسلامية في أغلب دول العالم العقدين تقريبا، ومع ذلك فان البنوك الإسلامية تنمو بصورة واضحة بالشكل الذي يجعل من هذه البنوك منافسا كامنا للبنوك التقليدية في العديد من الدول، بل ان دورها يتزايد كبديل لتلك البنوك في الدول التي يتواجد فيها جاليات مسلمة كبيرة مثل المملكة المتحدة، إلى الحد الذي جعل عدد كبير من البنوك التقليدية تفتتح منافذ تقدم الخدمات المالية التي تعمل وفقا لأحكام الشريعة.

وتحاول دراسة صندوق النقد الدولي أن تحدد مصادر توسع البنوك الإسلامية في العالم، على أساس ان التعرف على العوامل التي تشجع انتشار البنوك الإسلامية غير معلومة إلى حد كبير حتى الآن، وأن معرفة هذه العوامل يمكن ان يساعد الدول التي لا يوجد بها أغلبية إسلامية على الاستفادة من هذا المصدر البديل للتمويل.

قام الباحثان ببناء نموذج قياسي تم تضمينه معظم العوامل الرئيسية التي يتوقع أن تلعب دورا في درجة انتشار البنوك الإسلامية وهي نسبة السكان المسلمين إلى إجمالي السكان في الدولة، فكلما ازدادت هذه النسبة كلما ارتفعت فرصة انتشار البنوك الإسلامية، ومعدل الفائدة الحقيقي، فعلى الرغم من ان البنوك الإسلامية غير مسموح لها بأن تحمل المقترض بفائدة، فإن هذه البنوك تتنافس مع البنوك التقليدية، ومن ثم فإن عليها ان تعرض منتجات منافسة، ويتوقع أن ينظر المستهلك، الأقل تمسكا بالدين أو غير المسلم إلى معدل الفائدة على أنه يمثل تكلفة الفرصة البديلة لإيداع أمواله في البنك الإسلامي، وكلما كان معدل الفائدة الحقيقي منخفضا، كلما انخفضت تكلفة الفرصة الضائعة بالنسبة للمستهلك، ومن ثم سمح ذلك للبنوك الإسلامية بالانتشار بصورة اكبر والعكس. كما يتضمن النموذج متوسط نصيب الفرد من الدخل في الدولة كأحد المحددات، وذلك استنادا إلى أنه كلما ارتفع متوسط نصيب الفرد من الدخل، ترتفع مستويات المدخرات، ومن ثم تزداد الحاجة إلى الأنشطة المالية التي يؤديها القطاع المصرفي مثل الإقراض وغيره من الأنشطة المالية التي تسهم في رفع درجة انتشار البنوك، وتنظر الورقة إلى أحداث الحادي عشر من سبتمبر، على أنها من العوامل الأساسية لانتشار وتوسع البنوك الإسلامية، حيث ترتب على هذه الأحداث ان أصبحت رؤوس الأموال التي تأتي من الدول الإسلامية محل شك، وعرضة لمخاطر المصادرة من قبل الدول الغربية، الأمر الذي جعل من البنوك الإسلامية بديلا أكثر جاذبية للمستثمرين المسلمين الذين اعتادوا تصدير رؤوس أموالهم إلى الغرب.

تعتمد الدول الإسلامية، بصفة خاصة في الشرق الأوسط، على تصدير النفط الخام، ومنذ عام 2000 وأسعار النفط ترتفع بصورة كبيرة، الأمر الذي أدى إلى تحسين القوة الشرائية، ومن ثم زيادة الدخول لتلك الدول، وهو ما يساعد على تشجيع انتشار البنوك الإسلامية، سواء بصورة مباشرة في الدول النفطية، أو بصورة غير مباشرة في الدول المصدرة للعمالة إلى هذه الدول مثل مصر وباكستان. كذلك تنظر الورقة إلى درجة التكامل مع دول الشرق الأوسط على انه من المحددات الأساسية لانتشار البنوك الإسلامية خارج محيط الشرق الأوسط، فكلما ازدادت درجة تكامل اقتصاد الدولة مع الشرق الأوسط، كلما ازدادت درجة انتشار البنوك الإسلامية، ذلك أن الدول التي لها علاقات تجارية قوية مع دول الشرق الأوسط، تكون أكثر تعرضا للتعامل مع نظم البنوك الإسلامية، ومن ثم يحتمل ان تقوم بتطوير نظم للبنوك الإسلامية في بلادها. كما تنظر الورقة إلى التقارب الجغرافي مع المراكز المالية الإسلامية مثل البحرين وماليزيا واللذان يعدان أكبر المراكز المالية الإسلامية في العالم على أنه من محددات انتشار البنوك الإسلامية، وتتوقع الدراسة أنه كلما ازدادت درجة قرب الدولة منهما، كلما ازداد إلمام هذه الدولة بالتمويل الإسلامي، ومن ثم تزداد فرصة انتشار البنوك الإسلامية.

تتوقع الدراسة أنه كلما ازدادت درجة تطور النظام المالي محليا، كلما أصبح من الصعب انتشار البنوك الإسلامية، غير أنه من المتوقع كلما تطورت البنية التحتية للنظام المالي، كلما أصبح انتشار البنوك الإسلامية أكثر يسرا، حيث يمكن للنظام المالي استيعاب وجود مثل هذه البنوك بسهولة، ومن ثم تعمل البنوك الإسلامية كمكمل للبنوك التقليدية في هذه الحالة. كذلك تنظر الدراسة إلى درجة الاستقرار الاقتصادي في الدولة على أنه محدد هام لانتشار البنوك بكافة أشكالها بما فيها البنوك الإسلامية، فكلما ازدادت درجة الاستقرار الاقتصادي قلت العوائد على الاستثمار ومن ثم تأثرت عمليات انتشار البنوك بصورة سلبية، وأخيرا تنظر الدراسة إلى طبيعة المؤسسات السائدة في الدولة والتي تشكل إطارا للمناخ التنظيمي والقانوني الذي تعمل فيه البنوك على أنه محددا أساسيا لانتشار البنوك ، فكلما ازدادت درجة رسوخ المؤسسات السائدة في الدولة، وازدادت قوة التشريعات القانونية فيها، كلما ازدادت درجة انتشار البنوك الإسلامية في الدولة، والعكس.

والآن ماذا عن نتائج الدراسة حول المحددات الأساسية لانتشار البنوك الإسلامية في دول العالم؟ أثبتت النتائج التطبيقية للدراسة أن متوسط نصيب الفرد من الدخل في الدولة يلعب دورا معنويا في درجة انتشار البنوك الإسلامية، فكلما ازداد متوسط نصيب الفرد من الدخل كلما ازدادت الحاجة إلى عمليات الوساطة المالية وازداد بالتالي انتشار البنوك الإسلامية، مثلما هو الحال مع البنوك التقليدية. كذلك توصلت الدراسة إلى انه كلما ازدادت حصة السكان المسلمين إلى إجمالي السكان في الدولة كلما ازداد انتشار البنوك الإسلامية كما هو متوقع، كما توصلت الدراسة إلى أن البنوك الإسلامية تميل إلى الانتشار بشكل عام في الدول المصدرة للنفط، ومن ثم تساعد المستويات المرتفعة لأسعار النفط في رفع درجة انتشار تلك البنوك في هذه الدول.

أثبتت النتائج التطبيقية للدراسة أيضا أن القرب من المراكز المالية الإسلامية يلعب دورا في انتشار البنوك الإسلامية في العالم، فكلما اقتربت الدولة من المركز المالي الإسلامي كلما ازدادت فرصة سرعة انتشار البنوك الإسلامية بها. كذلك وجدت الدراسة ان درجة تطور النظام المصرفي التقليدي تلعب دورا ايجابيا ومعنويات في التأثير على درجة انتشار البنوك الإسلامية في العالم، وبمعنى آخر فإنه في ظل سيادة النظم المصرفية التقليدية على مجريات الأمور في سوق المالي، وكلما ارتفعت درجة التطور والمنافسة، كلما أصبح من السهل استيعاب المزيد من البنوك الإسلامية، ومرة أخرى فإن ذلك يعني ان البنوك الإسلامية تلعب دورا مكملا للدور الذي تلعبه البنوك التقليدية في العالم.

وبالنسبة لتأثير معدل الفائدة الحقيقي، فقد توصلت الدراسة إلى أنه على مدى زمني طويل نسبيا، مالت معدلات الفائدة إلى التراجع في معظم الدول، بما في ذلك الدول التي شملتها الدراسة، ومع تراجع معدلات الفائدة، تراجعت تكلفة الفرصة البديلة لاستخدام الخدمات المالية الإسلامية وذلك نتيجة تراجع معدلات العوائد المعدلة بالمخاطرة في البنوك التقليدية، ووفقا للدراسة فان تراجع معدلات الفائدة الحقيقية يساعد البنوك الإسلامية، ومع اجتياز معدلات الفائدة الحقيقية لحد معين (3.5% وفقا للدراسة)، فإن درجة انتشار البنوك الإسلامية تتباطأ، مما يعني أن المسلمين الأقل التزاما أو غير المتدينين ينظرون إلى البنوك الإسلامية على أنها تقوم بدور مكمل للدور الذي تلعبه البنوك التقليدية، حيث يميل هؤلاء المستهلكون إلى إيداع المزيد من النقود في البنوك الإسلامية كلما انخفضت تكلفة الفرصة، والعكس في البنوك التقليدية كلما ارتفعت تكلفة الفرصة البديلة لاستخدام البنوك الإسلامية.

تستخدم الدراسة معدل التضخم كمقرب لدرجة الاستقرار الاقتصادي على المستوى الكلي، ووفقا للدراسة فان ارتفاع معدل التضخم (ارتفاع درجة عدم الاستقرار الاقتصادي) يؤدي إلى تخفيض الإقبال على المؤسسات المالية الإسلامية نظرا لتفضيل الأفراد في هذه الحالة الاحتفاظ بأموالهم في صورة أصول حقيقية، ومثلما هو الحال بالنسبة للبنوك التقليدية، تتراجع درجة انتشار البنوك الإسلامية. المتغير الثاني الذي استخدمته الدراسة كمقرب لدرجة الاستقرار الاقتصادي الكلي هو عجز الميزانية، وقد توصلت الدراسة إلى انه كلما تحسنت الأوضاع المالية للدولة كلما ازداد انتشار البنوك الإسلامية والعكس. كذلك أثبتت الدراسة أيضا انه كلما ازدادت درجة تكامل أي دولة مع دول الشرق الأوسط، كلما ارتفع احتمال انتشار البنوك الإسلامية، حيث يزداد طلب المصدرين والمستوردين في تلك الدول على خدمات البنوك الإسلامية، وعلى العكس من المتعارف عليه بالنسبة لدور جودة المناخ المؤسسي في التأثير على انتشار البنوك التقليدية، لم تتوصل الدراسة إلى ذلك الدور المعنوي الذي يمكن ان تلعبه جودة المؤسسات والهياكل التنظيمية في رفع درجة انتشار البنوك الإسلامية في العالم، ومن المؤكد أن السبب الأساسي في ذلك يرجع إلى كون البنوك الإسلامية مرتبطة أساسا بأحكام الشريعة الإسلامية، مما يجعل المناخ المؤسسي المحيط بها اقل أهمية في التأثير على الدور الذي تمارسه، وأخيرا لم تتوصل الدراسة لأي دور معنوي لأحداث الحادي عشر من سبتمبر في رفع درجة انتشار البنوك الإسلامية، وعلى العكس فقد تزامنت الأحداث مع ارتفاع أسعار النفط وهو ما شجع على انتشار تلك البنوك.

هذه هي باختصار أهم النتائج التي توصلت إليها الدراسة حول المحددات الأساسية لانتشار البنوك الإسلامية في العالم. المشكلة الأساسية في الدراسة هي أنها على الرغم من نشر نتائجها في هذا العام، إلا أنها لم تتناول اثر الأزمة المالية الحالية على درجة انتشار البنوك الإسلامية، باعتبار أن المدى الزمني للدراسة لا يغطي فترة الأزمة. ولا شك أن هذه المعلومة في غاية الأهمية، من وجهة نظري، نظرا لأن هناك كتابات كثيرة حول أن البنوك الإسلامية تقدم حماية ضد الأزمات المالية، وأن النظام المالي الإسلامي كفيل بمنع حدوث مثل هذه الأزمات. التطبيقات العملية المحدودة المتاحة لدينا حول هذه القضية لم تثبت بشكل قاطع ان البنوك الإسلامية هي الأقل تضررا من الأزمة، ففي دراسة أخرى لصندوق النقد الدولي تم التوصل إلى أن الأزمة حملت نفس التأثير تقريبا على كلا النوعين من البنوك. وأنه على الرغم من أن التأثير المبدئي للازمة على البنوك التقليدية كان الأعنف مقارنة بالبنوك الإسلامية، إلا أن النتائج التي حققتها البنوك الإسلامية في المرحلة اللاحقة أثبتت أن الانخفاض في مستويات الربحية في البنوك الإسلامية كان أكبر من البنوك التقليدية، والذي يرجع إلى ما يسمى بأثر الدورة الثانية للأزمة على تراجع مستويات النشاط في الاقتصاد الحقيقي، ومن ثم في القطاعات مرتفعة المخاطر مثل قطاع الإنشاء والعقار، وهي القطاعات التي تتركز فيها أنشطة الاستثمار للبنوك الإسلامية، ومن ثم فان البنوك الإسلامية ليست محصنة، ضد الأزمات، كما يدعي البعض، وأن إدارات تلك البنوك من الممكن ان تعرض المستثمرين في تلك البنوك لمستويات عالية من المخاطر بتركيز استثماراتها في قطاعات مرتفعة المخاطرة.

الخميس، سبتمبر 16، 2010

كارتون

إعادة فتح ملف خصخصة عمر أفندي

أنا من مؤيدي الخصخصة قلبا وقالبا، وأرى في الملكية العامة للمشروعات مشكلة كفاءة أساسية وهدر للموارد، في مقابل سلع أو خدمات سيئة الجودة، وأدعو دائما إلى الخصخصة لرفع مستوى رفاهية المستهلك ورفع جودة السلع والخدمات المقدمة له، غير أن ما حدث في حالة خصخصة عمر أفندي، هو شيء مختلف تماما، إنه بكل المقاييس كارثة اقتصادية انتهت بفقدان مصر لأحد معالمها الشهيرة التي كانت منتشرة عبر كافة أنحاءها تقريبا. عمر أفندي اسم تجاري عريق، يعمل في مصر منذ حوالي 150 سنة، ويتكون من 82 فرعا تقع في أفضل المواقع في مصر من شمالها إلى جنوبها، وهو بهذا الشكل، للعالمين ببواطن الأمور، يحمل قيمة اقتصادية هائلة جدا تتمثل في ثمن الأراضي والمباني وحقوق التأجير التي تملكها السلسلة في تلك المواقع المميزة، والتي تزداد قيمتها كل ساعة تقريبا، وليس كل يوم. ومن ثم يكفي لأي مالك للسلسلة أن يجلس في بيته، ليتابع تطورات أسعار القيمة الرأسمالية للسلسلة، حتى وان لم تفتح أبوابها، أو فتحت أبوابها بصورة صورية مثلما يحدث اليوم.

عندما استولت حركة يوليو على مقاليد الأمور في مصر، أدرجت سلسلة محلات عمر افتدى ضمن المشروعات الاقتصادية سيئة الحظ والمرشحة للتأميم، وقبل تأميمها كانت عمر أفندي تعد أحد سلسلة المحلات الفاخرة في مصر والشرق الأوسط، حيث كانت تبيع أرقى أنواع البضاعة وأحدث الموضات العالمية، وعندما تم تأميم سلسلة محلات عمر أفندي، مثلها مثل غيرها من المشروعات الخاصة، ضمن خطة الدولة الرامية إلى القضاء على القطاع الخاص، وفقا لمبدأ "القضاء على الإقطاع وسيطرة رأس المال على الحكم"، وهو أحد المبادئ الستة لحركة يوليو، حتى بدأت أوضاع السلسلة في التدهور الشديد، وبعد ان كانت السلسلة تبيع أحدث صيحات الموضة من أوروبا مباشرة، تحولت إلى محلات لبيع قماش الكستور الرديء الصنع والجودة.

من الطبيعي أن تتحول عمر أفندي بمرور الوقت إلى سلسلة غير ذات جدوى اقتصادية وتكلف الدولة ملايين الجنيهات سنويا في صورة خسائر تحققها الشركة المتخمة بالعمال، والذين لا يملكون أي حس في فن التسويق أو البيع، ومن ثم بدأ التفكير في التخلص من السلسلة بأي ثمن، وبالفعل تم بيع السلسلة بثمن زهيد جدا، لتبدأ المحنة الثانية للسلسلة، والتي يبدو أنها ستكون الأخيرة قبل أن تكتب شهادة وفاة سلسة محلات عمر أفندي، فحاليا عندما أمر على فروع السلسلة في القاهرة الكبرى أطيل النظر إليها على أساس أنني ربما في العام القادم لا أرى هذا الاسم، فمن المؤكد أن السلسلة، على يد المستثمر الجديد، سوف تتحول قريبا إلى جزء من الماضي ويافطات عمر أفندي تستعد حاليا لاستضافة أسماء أخرى كثيرة ومتعددة لتحل محل السلسلة الشهيرة. الضحية الأولى لعملية الخصخصة القذرة التي تمت لعمر أفندي هم المال العام في مصر أولا، وآلاف العمال الذين تم تسريحهم ثانيا، والمستهلك المصري والعربي ثالثا. عمليات الخصخصة لها أصول ومبادئ أولها التقييم الصحيح للقيمة الفعلية التي يمثلها الأصل الذي سيتم بيعه، وأن تجرى عمليات تأهيل للأصل قبل خصخصته لكي يكون مستعدا للتعامل مع معطيات الملكية الخاصة له، وهو ما لم يتم في حالة صفقة خصخصة عمر أفندي.

لقد تعودت كل سنة في نهاية إجازتي الصيفية أن أذهب إلى فرع سلسلة عمر أفندي المكون من ثمانية أدوار والكائن بشارع مراد في الجيزة، حيث أسكن، والذي يعد أحد لآلئ عمر أفندي، لكي اشتري بعض حاجياتي الأساسية. هذه السنة عندما ذهبت إلى المحل صعقت عندما رأيت الحال المزرية التي صار إليها الفرع، حيث وجدت الفرع تسكنه الخفافيش والأشباح، وتحول الفرع الذي كان سابقا ليس فيه موطأ لقدم من جميع الجنسيات لا توجد فيه بضاعة على الإطلاق، ليس في المحل سوى بضعة حراس في صورة عمال على وشك إنهاء عقودهم يقفون ليردوا على الزبائن المغفلين أمثالي، بأن المحل لا توجد به بضاعة، ذهبت فورا إلى الفرع الآخر لعمر أفندي والكائن في ميدان الجيزة، على بعد عشرات الأمتار، فوجدت الحال أسوأ والفرع أقذر، وسألت العامل (اقصد الحارس)، ما الذي حدث، فكانت الإجابة هي "خصخصة".

أشتم في صفقة خصخصة عمر أفندي لعبة قذرة وأشياء كثيرة مثيرة للشبهة، ومخطط تم رسمه بصورة ذكية جدا من أحد شياطين البزنس الجدد في مصر، بحيث يبدو للعيان ان السلسلة بعد خصخصتها قد تحولت إلى مشروع أعمال غير مجد اقتصاديا، أو شبه مفلس، لتبدأ عملية البيع بالتجزئة، أو إعادة التأجير، للممتلكات العقارية التي تمتلكها السلسلة، والتي يبدو أنها كانت محط الاهتمام الأول للمستثمر الذي اشترى السلسلة في عملية الخصخصة.

عندما أخذت أبحث بصورة أكثر عن تفاصيل العملية صعقت من البيانات المنشورة، فممتلكات عمر أفندي تفوق الثمن الزهيد الذي دفع في السلسلة بعشر مرات تقريبا! فقد بيعت السلسلة بحوالي 655 مليون جنية (أكثر قليلا من مائة مليون دولارا)، بينما تقدر العقارات التي تمتلكها السلسلة بأكثر من خمس مليارات جنيه. خصخصة عمر أفندي كما تبدو لي عملية بيع قذرة، تم صياغتها على نحو قانوني في مناخ تفوح منه رائحة الفساد ليتم تخطيط عملية تحويل السلسلة إلى سلسلة مفلسة، حتى يتوفر الغطاء القانوني لجني الأرباح الخيالية من إعادة بيع عقارات السلسلة من أراضي ومباني وحقوق إيجار. من أقوى الترشيحات أن يتم إعادة بيع السلسلة لقطر لتلحق سلسلة محلات هارودز الشهيرة في بريطانيا، فقبل تأميمها كانت عمر أفندي هارودز مصر، والمبنى الأساسي لها في شارع عبد العزيز مشابه لمبنى هارودز، مع الفارق في أن مبنى هارودز يتم صيانته، بينما مبنى عمر افندي بشارع عبد العزيز يتم اهماله. من الافكار التي تدور برأس المستثمر هو أن تتم إعادة تأجير ممتلكات السلسلة لمشروعات مثل كارفور، وهي صفقة رابحة بكل المقاييس.

للأسف فإن إعادة فتح ملف صفقة خصخصة عمر أفندي لن يفيد مصر، لأن العقد على ما يبدو قد تم صياغته بصورة ذكية جدا، بحيث تتكبد الحكومة المصرية خسائر فادحة من أي عملية تحكيم تتم على عقد البيع، ومن ثم تفقد الحكومة أي اهتمام بمتابعة الموضوع لاحقا، هذا إذا كانت مهتمة أصلا. رائحة الفساد في صفقة عمر أفندي تزكم الأنوف، ولكن من فتح ملف صفقة عمر أفندي نريد فقط أن نعرف من قبض ثمن بيع سلسلة عمر أفندي قبل أن نلفها في كفنها لتختفي من حياتنا إلى الأبد. فالسلسلة التي خدمت ملايين المستهلكين في مصر والعالم تستحق على الأقل شهادة وفاة محترمة لتضع الذين كانوا وراء هذه الصفقة أمام محكمة التاريخ.

الثلاثاء، سبتمبر 14، 2010

إلغاء الإعفاءات الضريبية الأمريكية

نشر في صحيفة الوطن البحرينية بتاريخ الثلاثاء 14/9/2010.
الرئيس أوباما يواجه موقفا لا يحسد عليه مع تعقد الأوضاع الاقتصادية للولايات المتحدة، وتراجع معدلات النمو فضلا عن تصاعد التكهنات باحتمال أن يواجه الاقتصاد الأمريكي تراجعا مزدوجا، الأمر الذي يتطلب منه ان يفعل شيئا لمحاولة تنشيط الاقتصاد والتأكد من أن النمو يسير على نحو يساعد على حل المشكلات المستعصية التي يواجهها سوق العمل الأمريكي منذ بداية الأزمة تقريبا، على الأقل قبل أن يأتي موعد الانتخابات القادمة، وإلا فإن احتمالات أن يفقد الرئيس فرصته في إعادة انتخابه، ومن ثم مقعده في البيت الأبيض، مرة أخرى ستكون مرتفعة جدا.

ليس من المستغرب أن نرى الرئيس أوباما يفكر اليوم في إلغاء الإعفاءات الضريبية التي اقرها الرئيس السابق بوش في أعقاب أحداث 11 سبتمبر، حيث يعتبر الرئيس أوباما العجز الحالي في الميزانية الأمريكية مرتفعا للغاية، وان هذا العجز سوف يستمر طالما ان هناك إعفاءات ضريبية كبيرة وفقا لنظام الضرائب الحالي في البلاد، وأن الولايات المتحدة لا تستطيع ان تتحمل مثل هذا العجز في الميزانية لفترة طويلة من الزمن، أخذا في الاعتبار الآثار الكامنة التي يمكن ان تترتب على استدامة مثل هذا العجز، بصفة خاصة آثاره على الدين العام المتفاقم على نحو خطير جدا.

حاليا تنوي الإدارة الأمريكية تبني برنامجا ثانيا للتحفيز الاقتصادي بهدف مساعدة الاقتصاد الأمريكي على خلق المزيد من الوظائف ومحاولة تخفيض معدلات البطالة، و يقترح الرئيس أوباما خطة تحفيز بحوالي 180 مليار دولارا من الإعفاءات الضريبية للإنفاق الاستثماري لقطاع الأعمال، والتي سيتم تمويلها من خلال إلغاء الإعفاءات الضريبية على الشركات متعددة الجنسيات وشركات النفط والغاز. الرئيس أوباما يقترح أيضا تخصيص 50 مليار دولارا لمشروعات البنى التحتية التي تساعد على خلق الوظائف، بصفة خاصة في قطاع الإنشاء، حيث سيتم تخصيص المبلغ المقترح لشق طرق وبناء نظم تحكم في النقل الجوي وشق قنوات مائية... الخ، بهدف رفع رصيد البنية التحتية الحالي، وتشجيع الطلب على العمال.

في عامي 2001 و 2003 اقترح الرئيس السابق جورج بوش إعفاءات ضريبية مؤقتة، تنتهي بنهاية 2010، بهدف التخفيف من الآثار التي ترتبت على أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وتنشيط الاقتصاد من الآثار التي لحقت بقطاع الأعمال في أعقاب تلك الأحداث، بصفة خاصة على أصحاب الدخول المرتفعة. غير أن الرئيس الأمريكي لا ينوي تمديد تلك الإعفاءات، ويعارض أي تسوية أو حل وسط يمكن ان يسمح باستمرار هذه الإعفاءات المؤقتة على أصحاب الدخول المرتفعة.

إلغاء الإعفاءات الضريبة الحالية يعد احد القضايا الخلافية بين الديمقراطيين والجمهوريين، وان كان هناك اتفاقا بينهم على ضرورة مد هذه الإعفاءات على حوالي 98% من الأسر الأمريكية والذين تقل دخولهم عن 250 ألف دولارا سنويا، أو الأفراد الذين تقل دخولهم عن 200 ألف دولارا سنويا والذين تنطبق عليهم تلك الإعفاءات حاليا. الخلاف الأساسي بين الحزبين هو على مد الإعفاءات على أعلى 2% من أصحاب الدخول المرتفعة، وفيما إذا كان سيتم مد هذه الإعفاءات على الأرباح الرأسمالية وتوزيعات الأسهم والتي كانت موضوع الإعفاءات التي أدخلت في 2003.

بالإصرار على إلغاء الإعفاءات الضريبية على ذوي الدخول المرتفعة، فإن الرئيس أوباما، يمد تلك الإعفاءات إلى 98% من الأمريكيين، وفي ذات الوقت يعمل على أن تعود الإيرادات الضريبية إلى مستوياتها قبل 2001، إلى حد كبير، وعندما يتعلق الأمر بتقديم الدعم إلى القطاعات متوسطة الدخل أو تقديم الإعفاءات للأغنياء فإن الحكمة تقتضي اختيار الإجراء الأول.

على الرغم من الدعوات بمد العمل بالإعفاءات على الأقل لمدة سنة أو سنتين للآثار السلبية التي يمكن ان تترتب على الإلغاء، بصفة خاصة على أوضاع سوق العمل، إلا ان الإدارة الأمريكية عازمة على إيقاف العمل بتلك الإعفاءات. الخطوة الأمريكية سلاح ذو حدين، فمن ناحية ستؤدي إلى زيادة الإيرادات الضريبية وتقلل من الضغوط على العجز الكلي في الميزانية العامة، إلا أنها من ناحية أخرى تحمل بعض الضغوط على قطاع الأعمال الخاص وعلى أصحاب الدخول المرتفعة، وتتعدد مبررات إلغاء الإعفاءات الضريبية التي أدخلها الرئيس بوش، وتتمثل أهم تلك المبررات في الآتي:

- أن عملية الإلغاء لن تؤدي إلى خفض في الطلب بأي شكل جوهري باعتبار أنها ستطبق أساسا على ذوي الدخول المرتفعة والذين يدخرون الجانب الأكبر من دخولهم، مما يعني أن المستفيد من الإعفاءات الحالية هم نسبة ضئيلة جدا من الشعب الأمريكي والتي لا تزيد في أفضل التقديرات عن 2%. أما بالنسبة لعموم المستهلكين فإنها لن تطالهم بأي صورة من الصور، حيث ستستمر الإعفاءات الحالية على دخول الأسر التي تقل عن ربع مليون دولار سنويا كما هي بدون تغيير، مما يعني أن إنفاق الجانب الأعظم من الأسر الأمريكية سوف يظل كما هو عند مستوياته الحالية بدون تغيير.

- أن إلغاء الإعفاءات الضريبية وفي ذات الوقت تقديم حوافز للإنفاق الرأسمالي يعد خطوة ذكية لأنها ستدفع قطاع الأعمال الخاص نحو المزيد من الإنفاق الاستثماري، وهو ما يؤدي إلى زيادة مستويات الإنفاق الكلي الخاص في الاقتصاد الأمريكي والتقليل من معدلات البطالة.

- أن عملية إلغاء الإعفاءات الضريبية سوف تولد إيرادات ضخمة، حيث يتوقع أن يترتب على وقف العمل بتلك الإعفاءات تحقيق الحكومة لدخول إضافية تقدر بحوالي من 680 مليار دولارا بحلول عام 2020، وفقا لتوقعات الإدارة الضريبية، ومن ثم فإن استمرار تلك الإعفاءات سوف يعني فقدان الحكومة الأمريكية لأكثر من 2 تريليون دولارا من الإيرادات حتى 2020، دون ان يستفيد منها سوى قطاع صغير جدا من السكان، حيث تذهب هذه الإعفاءات الضريبية لحوالي 0.1% من السكان، وفقا للتقديرات.

- أن تخفيض الضريبة على إنفاق قطاع الأعمال الاستثماري سوف يساعد الاقتصاد بصورة اكبر من مجرد مد الإعفاءات الضريبة للأغنياء. حيث سيكون قطاع الأعمال الذي يرغب في تجديد أو استبدال التسهيلات الإنتاجية لديه، أول المستفيدين من هذه الإعفاءات، وبالتالي ستشجع مثل هذه الإعفاءات القطاع على الإسراع في القيام بذلك للاستفادة من مثل هذه التسهيلات التي تقدمها الحكومة، ومن ثم يزيد الطلب الكلي من هذا الجانب، على الرغم من استمرار المخاوف بسبب الكساد وتراجع مستويات الطلب.

- أن اتخاذ مثل هذا الإجراء في ظل الأزمة، يقدم رسالة واضحة للأسواق مضمونها ان الحكومة الأمريكية عازمة على التعامل بالجدية المناسبة مع تطورات الأوضاع الاقتصادية في ظل الأزمة، وأنها سوف تتخذ أي إجراء مناسب للتعامل مع تلك التطورات، بصفة خاصة الأوضاع المالية الأمريكية، وان الولايات المتحدة تنظر إلى تطورات العجز والدين العام الأمريكي بصورة سلبية، وأنها بالفعل تتخذ الإجراءات المناسبة للحيلولة دون تفاقم الأوضاع على نحو أسوأ، وأنها تسعى إلى مواجهة العجز في الميزانية والسيطرة على الدين العام الذي بلغ مستويات حرجة.

- إن إيقاف العمل بهذه الإجراءات من شأنه أن يزيد الثقة بالاقتصاد الأمريكي وهو ما يخلق مناخا مناسبا للاستثمار وزيادة مستويات الإنفاق، وهو ما يرسل إشارة إلى باقي العالم بأن الولايات المتحدة، خصوصا تلك الدول التي تساهم بصورة أساسية في شراء السندات الأمريكية بان الولايات المتحدة تضمن استدامة الأوضاع المالية الحالية المرتبطة بالإنفاق، وأنها جادة في خططها التي يمكن ان ترتبط بالتحفيز أو التقشف إذا ما تطلب الأمر ذلك.

- ان إقناع الكونجرس بالخطة القادمة بإنفاق 180 مليار دولار على برنامج ثان للتحفيز لا بد وان يكون مصحوبا بتوضيحات حاسمة حول كيفية التمويل في ظل المالية المتردية للاقتصاد الأمريكي، ولن يجد أوباما تبريرات أفضل من إلغاء تلك الإعفاءات لمواجهة التكاليف المحتملة للبرنامج.

من ناحية أخرى فإن أوجه الاعتراض على إلغاء الإعفاءات الضريبية متعددة أيضا وتشمل العوامل الآتية على الأقل:

- أن إلغاء الإعفاءات الضريبية التي ادخلها الرئيس بوش سوف يؤدي إلى المزيد من فقدان الوظائف الأمر الذي يعقد الأوضاع السيئة التي يواجهها سوق العمل حاليا.

- على الرغم من أن هدف الإعفاءات الضريبة على إنفاق قطاع الأعمال الاستثماري هو خلق الوظائف، إلا أن هناك تشكك في مدى جدوى مثل هذه الإعفاءات على زيادة الإنفاق طالما ان الاقتصاد يعاني من حالة الكساد، ومن ثم تسود توقعات تشاؤمية حول مستقبل معدلات النمو في الطلب في ظل ظروف الأزمة، فالزيادة في الإنفاق لا بد وان يقابلها زيادة في الطلب ومن ثم مبيعات قطاع الأعمال لتبرير مثل هذا الإنفاق الاستثماري.

- ان مثل هذه الجهود من قبل الحكومة لرفع مستويات الطلب ومن ثم مستويات الدخول، سوف تحدث انتعاشا مصطنعا في الاقتصاد، ولكي يخرج الاقتصاد من حالة الكساد لا بد من استمرار عزم الطلب الكلي، ورفع قدرة قطاع الأعمال الخاص على خلق الوظائف للتأثير على معدلات البطالة على نحو حقيقي وليس مصطنعا.

- أن أوضاع الأزمة ليست مناسبة على الإطلاق لإلغاء أي إعفاءات ضريبية أو لإجراء أي رفع في معدلات الضرائب، ذلك أن الضرائب تؤثر سلبا على مستويات الدخول، ومن ثم الطلب الكلي على السلع والخدمات التي يقوم بإنتاجها قطاع الأعمال الخاص، وهو ما يعقد مشكلة البطالة.

عندما نعقد مقارنة بين الجوانب الايجابية لإلغاء الإعفاءات الضريبية الحالية والجوانب السلبية لها، نجد أن الجوانب الايجابية تفوق الجوانب السلبية من حيث الوزن، وفي رأيي أن إلغاء الإعفاءات الضريبية بشكلها المقترح سوف يساعد المالية العامة الأمريكية على نحو جيد، دون ان يتسبب في أضرار جوهرية لمستويات الطلب الكلي ومعدلات النمو، ذلك أن إلغاء الإعفاءات الضريبية في ظل الأوضاع المالية المتردية للولايات المتحدة سوف يساعد الاقتصاد الأمريكي بصورة اكبر من الفوائد المتوقعة من عملية مد العمل بتلك الإعفاءات.
مدونة اقتصاديات الكويت ودول مجلس التعاون



















الجمعة، سبتمبر 10، 2010

الأوضاع الاقتصادية تسير من سيء إلى أسوأ

نشر في صحيفة الاقتصادية السعودية بتاريخ الجمعة 10/8/2010.
الوضع الاقتصادي، سواء في الولايات المتحدة أو على مستوى العالم، يثير القلق الشديد حاليا، خصوصا بعد تراجع معدلات النمو الاقتصادي المشجعة التي شهدها الاقتصاد الأمريكي في النصف الثاني من العام الماضي، والتي أحيت الآمال بقرب حدوث خروج سريع للعالم من الأزمة، وعودة الأوضاع الاقتصادية في العالم إلى سابق عهدها قبل الأزمة، وهي بالطبع كانت تمثل أخبارا سارة جدا بالنسبة لنا هنا في الخليج، حيث تصاعدت التوقعات بعودة أسعار النفط إلى مستوياتها المرتفعة، ومن ثم انتعاش مستويات النشاط الاقتصادي على نحو كبير في دول مجلس التعاون.

تتزايد اليوم احتمالات تراجع معدلات النمو في الولايات المتحدة والعالم مع استمرار معدلات البطالة مرتفعة نسبيا، بينما يترنح قطاع المساكن الأمريكي مع تراجع مبيعات المساكن الجديدة، حيث يواجه القطاع مشكلات عميقة خصوصا بعد انتهاء فترة الإعفاءات الضريبة على مشتريات المساكن، وتراجع النمو في مبيعات السيارات نتيجة لانتهاء برنامج دعم مشتريات السيارات الجديدة Cash for clunkers، وقرب نفاد اعتمادات ميزانيات التحفيز المالي، واحتمالات ارتفاع معدلات الضرائب في الولايات المتحدة مع انتهاء الإعفاءات الضريبية التي اقرها الرئيس بوش بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وتراجع مؤشرات ثقة المستهلك بصورة كبيرة، وتراجع مؤشرات الأسهم، وتراجع معدلات التضخم بما يعكس ضعف مستويات الطلب الكلي، وتراجع النمو في الإنفاق الكلي بصفة خاصة الاستهلاكي، نتيجة لعدة عوامل أهمها تراجع معدلات النمو في الأجور، وارتفاع احتمالات اندلاع أزمة الديون السيادية في أوروبا، واتباع العديد من الدول الأوروبية لسياسات مالية تقشفية لتخفيض مستويات الإنفاق، مما يعني أن النمو في الطلب الكلي سوف يكون مقيدا في هذه الدول بصورة اكبر من الولايات المتحدة، وكذلك تباطؤ معدلات النمو في الصين، وهو ما يعني المزيد من التراجع في الطلب على الصادرات الأمريكية، وكافة هذه الدلائل تشير إلى فقدان التعافي الاقتصادي العالمي للعزم الذي اكتسبه في النصف الثاني من العام الماضي، وهو مؤشرات توحي بأن العالم ربما يكون مقدما على حالة كساد على شكل تراجع مزدوج Double dip recession في النشاط الاقتصادي.

ولكن ما هو التراجع المزدوج، أو الكساد على شكل تراجع مزدوج؟ التراجع المزدوج هو الحالة التي يحدث فيها تعاف أولي للاقتصاد من حالة الكساد التي يواجهها، ويتجه النمو الحقيقي في الناتج إلى أن يكون على شكل حرف V، ولكن هذا النمو المبدئي لا يكون كافيا في هذه الحالة للخروج من الكساد ومن ثم اكتمال الدورة الاقتصادية، حيث يعقب استعادة النشاط الاقتصادي تراجع آخر في معدلات النمو، وعندما يخرج الاقتصاد من حالة الكساد بانتهاء الدورة، فان النمو في الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي يكون على شكل حرف W، ولذلك يطلق عليه التراجع المزدوج، أي الحالة التي تشمل تراجع ثان في النشاط الاقتصادي بعد التعافي الأول للنشاط الاقتصادي، وبمعنى آخر، التراجع المزدوج هو كساد يعقبه فترة نمو مؤقت ثم استمرار حالة الكساد بعد ذلك حتى خروج الاقتصاد نهائيا من حالة الكساد.

في يوليو من العام الماضي كان العالم يتحدث عن بدء عملية الخروج من حالة الكساد الذي أعقب الأزمة المالية العالمية، وذلك بعد أن أخذ الاقتصاد الأمريكي في النمو مرة أخرى، بعد عام كامل من النمو الاقتصادي السالب. غير أن المؤشرات الأخيرة للنمو في الاقتصاد الأمريكي توحي بأن الاقتصاد لا يبدو على ما يرام، إذ تشير المراجعة الأولى لبيانات معدل النمو في الناتج المحلي الإجمالي للربع الثاني من هذا العام إلى تراجع معدل النمو عن المعدل المعلن في التقديرات الأولية، حيث قام مكتب التحليل الاقتصادي الأمريكي بتخفيض تقديراته لمعدل النمو إلى 1.6%، وقد كانت التقديرات الأولية لمعدل النمو التي تم إعلانها الشهر الماضي هي 2.4%، وهو معدل نمو ضئيل، مقارنة بمعدلات النمو خلال العام الماضي، وبشكل عام فان معدلات النمو في الناتج المحلي الحقيقي تتجه نحو التراجع بشكل مستمر.

يرجع الاقتصاديون تراجع مستويات النمو في الناتج إلى نفاد أثر برامج التحفيز الاقتصادي، سواء النقدي أو المالي التي تبنتها الولايات المتحدة، حيث لم يعد هناك اعتمادات كافية يمكن أن تحفز مستويات الإنفاق، ومن ثم معدلات النمو في المستقبل لتوليد العزم اللازم للخروج من الأزمة. وقد أصبح البحث عن اعتمادات إضافية لبرامج إضافية للتحفيز ضرورة حيوية بالنسبة لصانع السياسة الاقتصادية، ولا شك أن لبرامج التحفيز المالي مخاطر تتمثل في استمرار ارتفاع عجز الميزانية والدين العام، بينما تتمثل مخاطر التحفيز النقدي في نمو عرض النقود على النحو الذي قد يرفع من مخاطر التضخم. غير أن هذه المخاطر لا تقارن حاليا بمخاطر تراجع مستويات النشاط الاقتصادي ودخول الاقتصاد في مرحلة تراجع مزدوج تستمر معها معدلات البطالة في التصاعد على النحو الذي ينذر بمخاطر اقتصادية واجتماعية وسياسية عديدة.

لعل أهم المشكلات الاقتصادية التي واجهها العالم في الكساد الحالي هي ارتفاع معدلات البطالة بسبب عدم قدرة اقتصاديات العالم على توفير عدد كاف من الوظائف الذي يؤمن استدامة النمو، فوفقا لصندوق النقد الدولي أدت الأزمة المالية العالمية إلى زيادة أعداد العاطلين في العالم إلى أكثر من 210 مليون عامل، أي بزيادة حوالي 30 مليون عامل منذ 2007، وقد ضربت البطالة بشكل أكبر الدول المتقدمة، حيث ظلت معدلات البطالة عند مستويات مرتفعة جدا في العديد منها، مع عدم وجود أي إشارات نحو ميل هذه المعدلات نحو الانخفاض. من ناحية أخرى أدت الأزمة إلى التأثير على مستويات التوظف في قطاع التصدير في الدول الناشئة والنامية، وان كان هناك بعض الإشارات إلى ان التوظف آخذ في التعافي في هذا القطاع في الدول الناشئة، خصوصا مع ميل المصدرين إلى تنويع أسواق التصدير للاعتماد بشكل اقل على الدول المتقدمة.

وتؤدي البطالة إلى آثار اجتماعية طويلة الأجل، حيث تؤثر على دخول وحياة وأمن وكرامة هذه الملايين من البشر عبر كافة دول العالم. للأسف تؤدي الأزمة إلى تعقيد أوضاع سوق العمل على مستوى العالم حيث يدخل حوالي 45 مليون عامل جديد سنويا إلى سوق العمل في العالم، ومما لا شك فيه ان مهمة استيعاب هذه الأعداد، فضلا عن توفير وظائف لمن فقدوا وظائفهم، أصبحت تشكل تحديا رئيسيا للعالم في ظل ظروف الأزمة. ذلك أن إن مواجهة تحديات البطالة سوف تقتضي ضرورة تسريع عمليات استعادة خلق الوظائف التي فقدت نتيجة للأزمة، سواء من خلال زيادة الدعم أو الإعانات، أو تحفيز مستويات الطلب الكلي اللازم لخلق المعدلات المناسبة من نمو الوظائف، وهي مهمة متعددة الجوانب، ولكنها بالتأكيد مكلفة جدا من الناحية المالية.

بعد سلسلة من التدهور في أوضاع سوق العمل الأمريكي، جاء التقرير الأخير عن التوظف ليشير إلى خلق 67 ألف وظيفة فقط، خلال شهر أغسطس، وهو اقل بكثير مما هو مطلوب للتأثير على معدل البطالة بالانخفاض من الناحية الحقيقية، في الوقت الذي تم فيه فقدان 54 ألف وظيفة خلال الشهر، وقد كان من المتوقع فقدان حوالي 120 ألف وظيفة. بهذا الشكل يرتفع المعدل الرسمي للبطالة (U3 ويشمل إجمالي العاطلين عن العمل إلى قوة العمل) في شهر أغسطس من 9.5% إلى 9.6%، وكذلك يرتفع المعدل الواسع للبطالة (U6) من 16.5% إلى 16.7% في نفس الشهر. وحاليا يبلغ إجمالي عدد العاطلين عن العمل في الولايات المتحدة حوالي 15 مليون عامل، منهم 6.2 مليون عامل في حالة بطالة طويلة الأمد (أكثر من 26 أسبوعا)، أي أن أكثر من 40% من العاطلين يقضون أكثر من 6 أشهر في البحث عن العمل، بينما يقضي حوالي 21% منهم أكثر من سنة في حالة بطالة.

أعداد العاطلين وفقا لمعدل البطالة طويل الأمد يتزايد أيضا في معظم الدول الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية منذ 2007. ومن بين حالات الكساد التي مرت على الاقتصاد الأمريكي في أعقاب الحرب العالمية الثانية، فإن تأثير الكساد الحالي على معدلات البطالة هو الأقوى على الإطلاق. للأسف يعد معدل البطالة من المؤشرات الاقتصادية المتأخرة Lagging indicator، أي أنه إذا افترضنا بدء عملية استعادة النشاط اليوم، فإن هناك المزيد من الوقت الذي ستستمر خلاله معدلات البطالة مرتفعة قبل ان تتراجع مع استمرار معدلات النمو واكتمال الدورة، ومن ثم فإن الحكومة في الوقت الحالي ليس لديها خيار سوى ان تفعل شيئا لخلق المزيد من الوظائف، فمع معدل بطالة 9.6%، وبطء معدلات النمو في الأجور، يكون القطاع الخاص غير قادر على خلق القدر الكاف من الوظائف، ولهذا يتطلب الأمر المزيد من التدخل الحكومي.

لقد ركزت جهود الحكومة الأمريكية لمكافحة الكساد في البداية على إصلاح النظام المالي، انطلاقا من الاعتقاد بأن ذلك كفيل بإصلاح أوضاع الاقتصاد ككل، كذلك ساعدت حزمة التحفيز في دفع النمو الاقتصادي من جوانب عدة، كما جلبت المزيد من الثقة في الاقتصاد. فقد ساعد قانون استعادة النشاط Recovery act، على رفع مستويات الطلب الكلي وتعويض بعض النقص في الإنفاق الخاص. غير ان برامج التحفيز التي تم تطبيقها لم تركز على إنفاق القطاع الخاص، وإنما ركزت الحكومة على دعم القطاع الخطأ في الاقتصاد، كما يرى البعض، مثل مبيعات السيارات من خلال برنامج دعم مشتريات السيارات، ودعم مبيعات المساكن من خلال الضريبة على الائتمان لشراء المساكن، والبنوك من خلال برنامج إنقاذ البنوك، بينما لم يكن هناك تركيز على دعم قطاع الأعمال الخاص لتعزيز قدرة هذا القطاع على خلق الوظائف. مازال القطاع الخاص في الاقتصاد الأمريكي غير قادر على تحقيق استدامة في معدلات النمو الموجب في الناتج المحلي الإجمالي، ولهذا تستمر الحاجة إلى برامج التحفيز. نمو قطاع الأعمال الخاص إذن هو مفتاح عملية الخروج من الأزمة، طالما ان النمو في القطاع العام مدفوعا أساسا ببرامج التحفيز، وعندما يبدأ النمو الذاتي للقطاع الخاص سوف تبدأ بالفعل عملية الخروج الحر من الأزمة.

التنبؤات الحالية للمؤشرات الاقتصادية السباقة Leading economic indicators، توحي أيضا باحتمال تدهور مستوي النشاط الاقتصادي الكلي، ربما في الصيف القادم، وأنه ربما يعاود الكساد الكرة مرة أخرى خلال عدة اشهر، ويعتقد معظم الاقتصاديين ان النمو في النصف الثاني من هذا العام سوف يكون ضعيفا جدا، أو ربما سيكون سالبا، ومما لا شك فيه أن السياسة الاقتصادية الكلية يمكن أن تؤثر بشكل كبير على مسارات النشاط الاقتصادي في المستقبل، ومن ثم احتمالات حدوث هذه التوقعات الركودية، وتساعد برامج التدخل الحكومي في تحفيز الطلب الكلي، وتحسين أوضاع المصارف، كما تحسن التوقعات وترفع من أسعار الأصول، ويبدو حتى الآن أنها فشلت في ان تساعد على استدامة استعادة النشاط الاقتصادي، ويرى البعض ان كل ما فعلته برامج التحفيز هي أنها استطاعت منع معدل البطالة من الارتفاع. غير أنه تنبغي الإشارة إلى أن فشل سياسات التحفيز في الخروج من الكساد حتى الآن لا يعني أن هذه البرامج غير فعالة، وربما يكون السؤال الأهم هو ماذا كان يمكن ان يكون حال الاقتصاد إذا لم يتم تنفيذ برامج التحفيز هذه؟.

يتزايد الحديث عن برنامج التحفيز المالي الثاني للاقتصاد الأمريكي بصورة واضحة اليوم، حيث تشير الشواهد الأولية إلى أن هذا البرنامج سوف يتضمن مزيجا من التخفيضات الضريبية على دخول العاملين، بهدف رفع مستويات الدخل المتاح للعمال لتحفيز الطلب، وكذلك رصد المزيد من الاعتمادات لمشروعات البنى التحتية، ومد العمل ببعض التخفيضات الضريبية، على أمل أن تؤدي حزمة التحفيز هذه إلى جعل الاقتصاد يواصل النمو. كذلك فإن هناك تأكيدا على ضرورة قيام الاحتياطي الفدرالي الأمريكي بالمزيد من التيسير النقدي Quantitative easing، أي من خلال طبع المزيد من الدولارات بهدف تحفيز مستويات الطلب الكلي، ويبدو أن هناك اقتناع بأن التيسير الكمي قادم، ليضيف المزيد من السيولة إلى العرض المتزايد من الدولار الأمريكي، ولكن ماذا عن التضخم؟ من المؤكد ان التضخم يتراجع في أوقات ارتفاع معدلات البطالة، والتضخم يتراجع بالفعل في الولايات المتحدة والعالم، وان المخاوف الحالية ليست من التضخم، وإنما من أن يواجه ان يواجه الاقتصاد الأمريكي انكماشا على النمط الياباني. فهل يقدم الاحتياطي الفدرالي على مزيد من التيسير الكمي لتخفيض معدلات الفائدة؟ أم هل يتم الاكتفاء بمنح تخفيضات ضريبية على الائتمان الممنوح لأغراض الاستثمار؟ من المؤكد أن سياسات الاحتياطي الفدرالي هي إجراء مساعد، ولكن التحفيز الأساسي لمستويات النشاط الاقتصادي ينبغي أن يأتي من خلال استخدام أدوات السياسة المالية.

تجدر الإشارة إلى أن تدفقات البيانات حول ارتفاع أو تراجع النمو في الإنفاق هي تدفقات للبيانات في الأجل القصير، وربما تعكس أو لا تعكس اتجاه عملية النمو في الأجل الطويل. أي أنه على الرغم من ميل الإنفاق نحو التراجع بصورة أكبر مما كان متوقعا، إلا ان ذلك ربما يكون جانبا من عملية استعادة النشاط البطيء المتوقعة في الأجل الطويل لهذه الأزمة. فهل فعلا كان هناك مبالغة في التفاؤل باستعادة النشاط الاقتصادي في الأشهر الأولى له في العامل الماضي، عندما كانت البيانات المشجعة عن الخروج من الأزمة تتدفق عبر الاقتصادات المختلفة في العالم، أم أن هناك إفراطا في التشاؤم مع تدفقات البيانات التي بين يدينا حاليا، والتي تشير إلى احتمال دخول الاقتصاد الأمريكي والعالمي في تراجع مزدوج؟ ما بين أيدينا من بيانات لا يمكننا من ان نحكم حكما قاطعا على ذلك، وتاريخ الأزمات الاقتصادية يؤكد أن مثل هذه التقلبات في النشاط الاقتصادي أثناء الأزمة ليس أمرا غريبا، أو غير اعتيادي، ففي معظم الأزمات السابقة كان سلوك الاقتصاد على هذا النحو.

ولكن السؤال المهم الآن هو هل نحن مقبلون بالفعل على تراجع مزدوج؟ على الرغم من قوة الدلائل المتاحة التي تشير إلى أننا بالفعل نسير نحو تراجع مزدوج، إلا أنني ما زلت أعتقد أنه من السابق لأوانه الآن الحديث عن حدوث تراجع مزدوج بالفعل، ولذلك أفضل انتظار المزيد تدفقات البيانات عن المؤشرات الاقتصادية المختلفة، حتى يمكن الحكم بشكل نهائي عن دخول العالم في حالة تراجع مزدوج من عدمه، لكن الأمر المؤكد أن الأوضاع الاقتصادية في العالم تسير من سيء إلى أسوأ.

الأربعاء، سبتمبر 08، 2010

الأمريكيون يعترفون بخطئهم في غزو العراق

استطاعت المؤامرة المشتركة بين الصهيونية في إسرائيل واليمين المتطرف في الولايات المتحدة وعلى رأسه العبقري بوش الابن الإيقاع بالولايات المتحدة في خطأ فادح لا يقل عن خطأ الدخول في حرب فيتنام. وكعادتها عملت الآلة المعلوماتية الهائلة والمضللة في معظم الأحيان على مد الرئيس بوش والمؤسسة الأمريكية بالمعلومات الكاذبة عن أسلحة الدمار الشامل التي يكدسها صدام حسين وعن معامل تصنيع الجمرة الخبيثة "الانثراكس" والأسلحة الكيماوية المختلفة واستعانت في ذلك بالكثير من العراقيين الذين باعوا نفسهم للشيطان ولم يقصروا في اختراع القصص الوهمية والإدلاء بالأحاديث الصوتية.. الخ، ومن ثم استخدمت "السي آي إيه" كل ذلك في عمل الأفلام والتقارير المفبركة بهدف إقناع العالم بضلوع صدام حسين في تصنيع أسلحة الدمار الشامل ودفع الإدارة الأمريكية نحو ضرب العراق ومن ثم تحرير الشعب العراقي من الديكتاتور.

الغريب في الموضوع ان الآلة الإعلامية العملاقة قد استطاعت الربط بإحكام بين صدام حسين والقاعدة وأحداث الحادي عشر من سبتمبر لكي تثبت ان صدام حسين ضالع في تلك الأحداث، وذلك في ربط لا يمكن ان يستقيم نظريا أو عمليا بين تيارين يستحيل ان يلتقيا، ولكن "السي آي إيه" رتبت هذا اللقاء من خلال الصور واللقاءات والمحادثات التليفونية المفبركة وأشهرها تلك التي تمت عن جماعة متطرفة تقيم في النرويج.

لا يمكن ان انسى هذا الفيلم الكارتوني المفبرك الذي عرضه وزير الخارجية السابق كولن باول في الأمم المتحدة عن المعامل الكيماوية المتنقلة التي تسير على عربات 24 ساعة في شوارع العراق لتنتج أسلحة للدمار الشامل حتى يستطيع صدام حسين أن يتخلص من المراقبة الدولية لأسلحة الدمار الشامل، ثم عاد ليعترف بعد ذلك ان الفيلم كان مفبركا. في ظل هذه الأحداث المتتابعة لم يستطع أحد ان يقنع الإدارة الأمريكية أو يثنيها عن عزمها عن ضرب العراق.

اليوم بعد ان وضعت الحرب أوزارها وبدأت الحكومة الأمريكية تحسب حساباتها واكتشفت التكلفة المالية الضخمة التي نتجت عن الحرب وأن العراق كان مستنقعا ضخما للجيش الأمريكي، ضاعت السكرة وجاءت الفكرة، وبعد ان أعلن عن انتهاء العمليات العسكرية في العراق اكتشف الأمريكيون أخيرا أنهم كانوا على خطأ عندما قرروا إعلان الحرب على العراق. الشكل التالي يوضح وجهة النظر العامة للأمريكيين عن الحرب على العراق ومن الشكل يتضح انه عندما أعلن الرئيس بوش الحرب على العراق كان معظم الأمريكيين وراء الرئيس مؤيدين للحرب، بينما أعلن 25% فقط من عينة تم استطلاع آراءهم ان الحرب كانت خطئا. اليوم تغيرت آراء الأمريكيين كثيرا بحيث أصبح غالبية من يستطلع آرائهم بأن الحرب كانت خطئا.


الثلاثاء، سبتمبر 07، 2010

السوق العالمي للنقد الأجنبي ينمو رغم الأزمة

نشر في صحيفة الوطن البحرينية بتاريخ الثلاثاء 7/8/2010.
أصدر بنك التسويات الدولية Bank of International Settlements هذا الأسبوع تقريره عن إجمالي حجم المعاملات اليومية في السوق العالمي للنقد الأجنبي، والذي يصدره كل 3 سنوات، ويرتكز التقرير على مسح تشترك فيه البنوك المركزية والمؤسسات النقدية الرئيسية في العالم، ويشمل حجم التعاملات اليومية في سوق النقد الأجنبي العالمي كافة الاستخدامات وبكافة العملات في هذا السوق، وقد اشترك في المسح الذي يجريه بنك التسويات الدولية لغرض إعداد تقرير هذا العام 53 بنكا مركزيا ومؤسسة نقدية، وتمثل أهم البنوك والمؤسسات النقدية في العالم، ويعرض تقرير هذا العام أكثف التقديرات لحجم التعاملات اليومية بالنقد الأجنبي، وهيكلها عالميا، بما في ذلك المشتقات في معدل الفائدة.

أنشئ بنك التسويات الدولية في عام 1930 بموجب اتفاقية "هيج Hague" في بازل بسويسرا، ويوجد له مكاتب تمثيل في هونج كونج ومدينة المكسيك، ويعد بنك التسويات الدولية أحد المؤسسات الدولية التي تهدف إلى دعم التعاون النقدي والمالي بين البنوك المركزية والمؤسسات النقدية في دول العالم، كما يقدم بعض الخدمات المالية الرسمية للبنوك المركزية للدول الأعضاء، ولذلك يطلق عليه أحيانا بنك البنوك المركزية.

لقد كنت انتظر صدور هذا التقرير بفارغ الصبر، لكي أتعرف على أثر الأزمة المالية العالمية على المعاملات اليومية بالنقد الأجنبي، والأهمية النسبية للعملات الدولية المختلفة المستخدمة في المعاملات اليومية للسوق العالمي للنقد الأجنبي، بصفة خاصة الدولار الأمريكي الذي يتعرض لضغوط حادة منذ انطلاق الأزمة، وعندما كنت أقوم بتدريس مقرر اقتصاديات التمويل الدولي، غالبا ما كنت أذكر لطلبتي أنني أتوقع ان يكون الحجم الفعلي للمعاملات اليومية بالنقد الأجنبي حاليا اقل عن ذلك الحجم الذي يستند إلى التقرير الذي أعده بنك التسويات الدولية في 2007، وأنه ربما يكون التعامل بالدولار الأمريكي قد تراجع بصورة حادة نظرا للضغوط التي يتعرض لها نتيجة للازمة المالية العالمية. غير أن التقرير الذي أصدره البنك منذ عدة أيام جاء ليثبت عكس ذلك، وأنه وعلى الرغم من الأزمة الاقتصادية التي يواجهها العالم، فإن حجم المعاملات اليومي بالنقد الأجنبي يتزايد وبمعدل نمو كبير، على غير المتوقع، وأن الدولار الأمريكي ما زال هو عملة التبادل الأساسية للعالم.

يعد السوق العالمي للنقد الأجنبي أكبر أسواق العالم وأضخمها على الإطلاق، سواء من حيث حجم التعامل اليومي أو إجمالي التعامل السنوي، ولا يضاهيه في ذلك أي سوق آخر لسلعة أو خدمة في العالم، بما في ذلك السوق العالمي للنفط الخام، ويبلغ إجمالي حجم التعامل اليومي في السوق العالمي للنقد الأجنبي، وفقا لآخر تقرير لبنك التسويات الدولية، 4 تريليون دولارا يوميا، أي حوالي 167 مليار دولار كل ساعة، أو 2.8 مليار دولار كل دقيقة، وعلى ذلك يبلغ إجمالي حجم التعامل السنوي في النقد الأجنبي عالميا حوالي 1460 تريليون دولارا، وهو ما يعني أن كل أسبوعين تقريبا تجرى معاملات في السوق العالمي للنقد الأجنبي تعادل إجمالي حجم الناتج المحلي في العالم أجمع. نحن إذن نتحدث عن سوق هائل جدا، حيث لا يوجد في العالم سوقا بهذا الحجم الضخم.

فيما سبق كان تعريف معاملات النقد الأجنبي التقليدية يضم معاملات السوق الحاضر Spot، ومعاملات السوق الآجل Forward، و الترتيبات المتبادلة في النقد الأجنبي Swaps، غير أنه لم يكن يشمل أدوات الترتيبات المتبادلة والخيارات Options لدى سماسرة النقد الأجنبي OTC، وتشمل المعاملات في تقرير هذا العام كل هذه الأدوات الخمس، ووفقا للتقرير الذي أصدر هذا العام تزايدت المعاملات اليومية في النقد الأجنبي من 3.3 تريليون دولارا يوميا تقريبا في 2007 إلى 4 تريليون دولارا يوميا تقريبا في ابريل 2010، وهو ما يعني أنه على مدى السنوات الثلاث السابقة تزايد حجم المعاملات اليومية في النقد الأجنبي بنسبة 20% تقريبا، ويعكس هذا النمو الكبير في المعاملات اليومية المركز القوي للاقتصاديات الناشئة بصفة أساسية، الصين وروسيا والبرازيل وتركيا والهند.

يرجع هذا النمو في معاملات سوق النقد الأجنبي أساسا إلى النمو في حجم معاملات السوق الفوري Spot، والتي تزايدت بنسبة 48% تقريبا مقارنة بعام 2007، وتمثل معاملات السوق الفوري حاليا حوالي 37% من إجمالي المعاملات في السوق الدولي للنقد الأجنبي، ومن حيث القيمة تزايدت هذه المعاملات من 1 تريليون دولارا يوميا تقريبا في ابريل 2007 إلى 1.5 تريليون دولارا يوميا تقريبا في ابريل 2010، وقد كانت الزيادة في حجم المعاملات اليومية للأدوات الأخرى أكثر تواضعا عند 7%، حيث بلغت 2.5 تريليون دولارا يوميا في ابريل 2010، ومن بين هذه الأدوات نمت معاملات السوق الآجل بصورة واضحة، بينما لم تنم تقريبا معاملات الترتيبات المتبادلة في العملات Currency swaps، مقارنة بالوضع في 2007، في الوقت الذي تناقصت فيه المعاملات في خيارات النقد الأجنبي Options. من ناحية أخرى يتضح من التقرير أن معاملات سوق النقد الأجنبي أصبحت دولية بصورة أكبر مما سبق، حيث مثلت المعاملات بالنقد الأجنبي عبر الحدود حوالي 65% من إجمالي المعاملات اليومية في سوق النقد الأجنبي، بينما اقتصرت المعاملات داخل الحدود على 35% من إجمالي المعاملات اليومية في ابريل 2010.

أما عن الأهمية النسبية للعملات الدولية المستخدمة في تسوية هذه المعاملات، فإن التقرير يشير إلى أن الدولار ما زال عملة العالم الأساسية، على الرغم من كل ما حدث، فوفقا للتقرير فإن حوالي 85% من المعاملات المالية الدولية اليومية في سوق النقد الأجنبي تتم حاليا بالدولار الأمريكي، صحيح انه منذ إطلاق اليورو تراجعت الأهمية النسبية للدولار الأمريكي كعملة تسوية للمعاملات بالنقد الأجنبي ببطء من 90% عام 2001 إلى 85% في ابريل 2010، إلا أن الدولار الأمريكي مازال هو العملة المفضلة للبنوك المركزية في العالم، وأنه لا توجد مخاطر حقيقية على مركز الدولار كعملة التسوية الأولى للمعاملات الدولية في العالم، وأن اليورو لا يهدد المركز العالمي للدولار كعملة للعالم. أما عن العملات الدولية الأخرى المستخدمة، فقد تزايدت المعاملات اليومية بالدولار الاسترالي والدولار الكندي، بينما انخفضت المعاملات اليومية بالجنيه الإسترليني. أما أهم العملات التي تزايدت المعاملات اليومية فيها فهي الليرة التركية والون الكوري، وأخيرا فإن أهم زوج من العملات يتم تبادله في هذا السوق فهو تبادل الدولار باليورو والعكس، وتمثل هذه المعاملات حوالي 28% من المعاملات اليومية في سوق النقد الأجنبي.

بالنسبة للأهمية النسبية لمراكز النقد الأجنبي في العالم، فقد تغير ترتيب تلك المراكز بعض الشيء مقارنة بالتقرير السابق، بالرغم من أن لندن ما زالت تمثل أكبر مركز لمعاملات النقد الأجنبي، حيث يتم أكثر من ثلث المعاملات اليومية بالنقد الأجنبي في العالم، وخلال السنوات الثلاث الماضية ارتفعت نسبة المعاملات التي تتم من خلال مركز لندن من 34.6% في ابريل 2007 الى36.7% في ابريل 2010. بهذا الشكل يؤكد مركز لندن قوته على المستوى العالمي كأكبر سوق نقدي في العالم، وبالتالي تزول المخاوف حول احتمال فقدان سوق لندن لأهميته على المستوى الدولي.

الأسباب الأساسية التي تجعل من سوق لندن أهم الأسواق العالمية هي أنه من الناحية التاريخية يعد أهم أسواق النقد في العالم، كما أن الموقع الجغرافي الذي يحتله سوق لندن، حيث يتوسط التوقيت الزمني نهارا بين الولايات المتحدة وآسيا، يضفي عليه أهمية إستراتيجية للمتعاملين في النقد الأجنبي، هذا بالإضافة إلى أن سوق لندن يتميز بكثافة الاستثمارات في البنى التحتية فيه، بصفة خاصة في تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات والتي تعد أهم الأسس اللازمة لأي سوق مال عالمي نشط وفعال.

ثاني الأسواق النقدية من حيث الأهمية هو الولايات المتحدة حيث يتم تداول حوالي نصف حجم المعاملات في النقد الأجنبي التي تتم في لندن، فقد مثلت المعاملات التي تتم من خلال الولايات المتحدة حوالي 18% من إجمالي حجم التعامل اليومي في العالم. أهم الأسواق العالمية الأخرى هي اليابان، حيث يتم تبادل 6% من حجم المعاملات اليومية بالنقد الأجنبي، وسنغافورة وسويسرا وهونج كونج، حيث يتم تبادل 5% من حجم المعاملات الدولية بالنقد الأجنبي في كل سوق من هذه الأسواق، واستراليا، حيث يتم تبادل 4% من حجم التعامل اليومي بالنقد الأجنبي في العالم.

تشمل عمليات مشتقات معدل الفائدة الاقتراض بالعملات ذات معدلات الفائدة المنخفضة، على سبيل المثال الين الياباني، وذلك لاستخدامها في الاستثمارات التي تؤدي إلى تحقيق معدلات أعلى من العائد، على سبيل المثال الدولار الاسترالي، وبالنسبة لهذه المعاملات في مشتقات معدل الفائدة فقد تزايدت بنسبة 24%، حيث بلغ متوسط المعاملات اليومية 2.1 تريليون دولارا في ابريل 2010، وقد كانت معظم الزيادة الحادثة في هذا البند راجعة إلى النمو في الاتفاقيات الآجلة والتي تزايدت بنسبة 132% في 2010، حيث بلغت 601 مليار دولارا.

أما عن أهم المؤسسات التي تصاعد دورها في المعاملات الدولية في سوق النقد الأجنبي فهي صناديق التحوط، وشركات التأمين، والبنوك المركزية، والمؤسسات غير المصرفية الأخرى.

تجدر الإشارة إلى أن هذا الحجم الضخم جدا من المعاملات يغري الحكومات دائما بالتفكير في فرض ما يسمى بضريبة توبن Tobin Tax، على هذه المعاملات، وكان جيمس توبن قد اقترح في السبعينيات أن يتم فرض ضريبة على المعاملات المالية للحد من عمليات المضاربة على العملات، وذلك في أعقاب انهيار نظام بريتون وودز لمعدلات الصرف الثابتة. لو تم بالفعل فرض ضريبة توبن على المعاملات في العملات، فإن الحجم الضخم جدا لأساس فرض الضريبة في هذه الحالة سوف يمكن الحكومات من تحصيل إيرادات ضريبية ضخمة تساعد الميزانيات العامة لتلك الدول، غير أنه من المؤكد أن الضريبة سوف تؤثر بصورة سلبية على تحركات رؤوس الأموال قصيرة الآجل بين الدول، أي أن الآثار المتوقعة للضريبة على التجارة العالمية تعد محدودة، كذلك يعد تأثير فرض مثل هذه الضريبة على حركات رؤوس الأموال طويلة الأجل محدودا أيضا، وبما إن أهم الآثار السلبية المتوقعة للضريبة هي على تدفقات رؤوس الأموال قصيرة الآجل، فإن فرض مثل هذه الضريبة سوف يضمن تحقيق استقرار اكبر على المستوى العالمي في الأسواق.

إذا كان نمو القطاع المالي على النحو الذي رأيناه في العقود السابقة، يقوم أساسا على المضاربة في المشتقات، فإن الإضافة الحقيقية لمثل هذه المعاملات في الاقتصاد تعد محدودة جدا، وهو ما يعني أن بعض جوانب النمو في القطاع المالي ليس لها قيمة مضافة حقيقية في الاقتصاد، بل ان المشكلة الكبرى تتمثل في أن مثل هذه الجوانب من النمو تؤدي إلى حدوث عدم استقرار في الاقتصاد، وتقدم الأزمات المالية التي مر بها العالم أمثلة عديدة على ذلك، وهو ما يعزز حجة أن مثل هذه المعاملات تحتاج إلى فرض ضريبة عليها للحد من نموها وتجنب الآثار الضارة التي يمكن ان تنشأ عنها، وهو أحد الخيارات محل الجدل الشديد بين الاقتصاديين حاليا.
مدونة اقتصاديات الكويت ودول مجلس التعاون

الجمعة، سبتمبر 03، 2010

قراءة في الدين العام الأمريكي

نشر في صحيفة الاقتصادية السعودية بتاريخ الجمعة 3/8/2010.
منذ عام 2000، حيث استطاع الاقتصاد الأمريكي أن يحقق فائضا في الميزانية الأمريكية بلغ 86.4 مليار دولارا، والدين العام الأمريكي في تصاعد حاد لدرجة أنه أصبح مثار قلق في كافة أنحاء العالم، وأصبح البعض يتحدث عن أن الولايات المتحدة لا محالة في طريقها إلى الإفلاس عندما تواجه اكبر مشكلة دين عام في العالم، وأن ذلك سوف يتسبب في حدوث اضطراب عظيم في أسواق المال ربما يؤدي إلى انهيار العملة الخضراء. فما هي حقيقة الدين العام الأمريكي؟ وما هي المخاطر الفعلية المحيطة بهذا الدين؟ في هذا المقال نقدم قراءة متأنية ومحايدة للدين العام الأمريكي ومستقبل هذا الدين وطبيعة المخاطر التي تحيط بالمستثمرين في الدين العام الأمريكي، وهل بالفعل سوف ينتهي الأمر بالولايات المتحدة إلى التوقف عن السداد وإعلان إفلاسها، أم أن الاقتصاد الأمريكي قادر على التعامل مع هذا الحجم الضخم من الدين العام، وما هي احتمالات تعرض الدول الخليجية لمخاطر ناجمة عن انفجار أزمة للدين العام الأمريكي.

مع نهاية رئاسة بيل كلينتون للولايات المتحدة كان من الواضح ان إجمالي الدين العام الأمريكي ينمو بمعدلات متناقصة، ففي عام 1995 تزايد إجمالي الدين العام الأمريكي بنسبة 6% تقريبا إلى 4.9 تريليون (ألف مليار) دولارا، وبدءا من هذا العام أخذ النمو في إجمالي الدين العام في التراجع على نحو سريع حتى اقتصر على 0.4% فقط في عام 2000، أي اقل من نصف في المائة، وقد بدا من الواضح ان الولايات المتحدة في سبيلها للسيطرة على النمو في دينها العام الذي مثل حوالي 57% من ناتجها المحلي الإجمالي في هذا العام.

عندما تولى جورج بوش الابن زمام الأمور، ووقعت أحداث سبتمبر 2001 وما تلاها من تطورات، عاد النمو في إجمالي الدين العام الأمريكي إلى التسارع بحيث أخذ معدل النمو في الدين العام يخرج عن النطاق المعقول، ففي عام 2001 كان إجمالي الدين العام القائم على الولايات المتحدة حوالي 5.8 تريليون دولارا، أي حوالي 56% من الناتج المحلي الإجمالي، ومع إعلان الحرب على أفغانستان تزايد الدين العام بنسبة 7.4%، ومع إعلان الحرب على العراق في 2003 تصاعد الدين العام مرة أخرى بنسبة 9.1%، وعلى مدى الفترة من 2001 حتى 2007 أخذ إجمالي الدين العام الأمريكي في التزايد على نحو واضح حتى بلغ 8.9 تريليون دولارا في 2007، أو حوالي 64% من الناتج المحلي الإجمالي، أي بمعدل نمو سنوي 7.6% في المتوسط، ومع انطلاق أزمة الرهن العقاري وما تلاها من أزمة اقتصادية حادة أخذ معدل النمو في إجمالي الدين العام الأمريكي بعدا آخر لم يبلغه من قبل، فخلال السنوات من 2008-2010 بلغ متوسط معدل النمو السنوي في الدين العام الأمريكي 15.5%، وهو بكل المقاييس معدل نمو خطير جدا.

يتوقع مع نهاية 2010 أن يبلغ إجمالي الدين العام الأمريكي حوالي 13.7 تريليون دولارا، أو حوالي 95% من الناتج المحلي الإجمالي. للأسف فإن تقديرات إجمالي الدين العام الأمريكي في الأجل المتوسط حتى عام 2015 تصل بهذا الرقم إلى حوالي 19.7 تريليون دولارا، وهو ما سيمثل حوالي 102.6% من الناتج المحلي الإجمالي في هذا العام. غير أنه على مدى الفترة من 2011 حتى 2015 يتوقع أن يتراجع معدل النمو في إجمالي الدين العام الأمريكي من 10% تقريبا في 2011 إلى 6.2% فقط في 2015. هذه المعدلات المرتفعة لنمو إجمالي الدين العام الأمريكي الضخم تنذر بمخاطر خروج الدين العام عن نطاق السيطرة، وحتى هذه اللحظة، وأخذا في الاعتبار السيناريوهات المستقبلية، فإن الدين العام الأمريكي يعد محل قلق عالمي كبير، حيث أخذت الشكوك تتصاعد حول درجة استدامة هذا الدين وقدرة الولايات المتحدة أن تحتفظ بدين عام ضخم دون أن تتأثر أوضاع النمو والتضخم وقيمة الدولار نتيجة لذلك.

غير أنه تجدر الإشارة إلى أن هذه ليست المرة الأولى التي ترتفع فيها نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي لتتجاوز حاجز الـ 90%، ففي أعقاب الحرب العالمية الثانية ارتفعت نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي من 52.4% في عام 1940 إلى 121.7% في عام 1946، لتأخذ النسبة في التراجع بشكل مستمر تقريبا، حتى بلغت 32.5% عام 1981، أي أن الاقتصاد الأمريكي استطاع التعامل مع هذا المستوى الضخم من الدين إلى الناتج، وعادت الأمور إلى نصابها مرة أخرى.

ارتفاع الدين العام على النحو الذي نشهده حاليا وبهذه المعدلات المرتفعة هو، كما نرى، ظاهرة ليست جديدة على الاقتصاد الأمريكي، وأنها ارتبطت أساسا بأحداث سبتمبر 2001 وما تلاها من تطورات، سواء على النطاق العسكري أو الاقتصادي، وكذلك بالأزمة المالية العالمية، أو بمعنى آخر فإن هذا النمو الاستثنائي في الدين العام لا يعكس تطورات هيكلية في الاقتصاد الأمريكي تحول دون انعكاس اتجاهات النمو فيه، بحيث يصعب السيطرة على نمو الدين العام في المستقبل، وهذا هو الأهم، فالدين العام في معظم دول العالم يميل إلى التزايد من الناحية المطلقة وبصورة مستمرة، ولذلك نحن لا نهتم بالقيمة المطلقة للدين العام، بقدر ما نهتم أساسا بنسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي.

المسبب الرئيس لهذا الدين المتصاعد هو عجز الميزانية العامة للولايات المتحدة والذي بلغ مستويات تاريخية في العام الماضي، حوالي 1.413 تريليون دولار، وتشير السيناريوهات التي أعدها مكتب الميزانية بالكونجرس إلى تراجع عجز الميزانية العامة بصورة كبيرة خلال السنوات الخمس القادمة، خصوصا مع نمو الإيرادات العامة، بصفة خاصة الضريبية، بعد إيقاف العمل بالتخفيضات الضريبية التي اقرها الرئيس بوش في أعقاب أحداث الحادي عشر من سبتمبر، حيث يتوقع أن يتزايد الإنفاق العام من 3.545 تريليون دولارا في عام 2010 إلى 4.101 تريليون دولارا في 2015، في الوقت الذي ستتزايد فيه الإيرادات العامة من 2.176 تريليون دولارا في 2010 إلى 3.629 تريليون دولارا، ونتيجة لذلك يتوقع ان يتراجع العجز في الميزانية إلى 472 مليار دولارا فقط في 2015، ومما لا شك فيه أن تراجع العجز في الميزانية الأمريكية سوف يساعد على الحد من النمو في نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي.

غير أنه تنبغي الإشارة إلى ان هذه النسب المرتفعة للدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي تخفي حقيقة هامة لا بد وأن نأخذها في الاعتبار عند الحديث عن نسبة الدين العام إلى الناتج، وهي أن بيانات الدين العام الأمريكي تنشر بطريقتين:

- الأولى: هي الدين العام المملوك بواسطة الجمهور (القطاع العائلي وقطاع الأعمال بما فيه البنوك والأجانب، والاحتياطي الفدرالي (السندات الحكومية التي يحتفظ بها الاحتياطي الفدرالي كغطاء لإصدار الدولار)).

- الثانية: وهي إجمالي الدين العام، وهو الدين العام المملوك بواسطة الجمهور وبواسطة الجهات الحكومية الأمريكية، أو الدين المملوك بواسطة حسابات حكومية، وأهم هذه الحسابات الحكومية هي صندوق الضمان الاجتماعي الفدرالي، والذي يحتفظ بحوالي نصف قيمة الدين الذي تحتفظ به الحكومة، وإدارة الإسكان الفدرالي، وصندوق الادخار والقروض الفدرالي، وصندوق التأمين الصحي الفدرالي، أو ما يطلق عليه التزامات ما بين الحكومة، ويبلغ الدين العام المملوك بواسطة الحسابات الحكومية في عام 2010 حوالي 4.5 تريليون دولارا، أي حوالي 33% من إجمالي الدين العام.

ومن بين هذين التعريفين للدين العام نهتم أساسا بالتعريف الأول لأنه التعريف أو المقياس الأدق للدين العام. ووفقا لهذا التعريف فإن الدين العام المملوك بواسطة الجمهور يصل في 2010 إلى حوالي 9.3 تريليون دولارا، وهو ما يمثل 63.6% فقط من الناتج المحلي الإجمالي، ويتوقع ان يصل هذا الدين في عام 2015 إلى حوالي 14 تريليون دولارا، أو ما يمثل حوالي 73% فقط من الناتج المحلي الإجمالي.

وهناك عاملان أساسيان يقفان وراء تصاعد الدين العام الأمريكي في السنوات الأخيرة، الأول هو جهود الإنقاذ التي قامت بها الحكومة الأمريكية لمحاولة الخروج من الأزمة والتي أخذت أشكالا عدة منها حزم للتحفيز المالي والتحفيز النقدي وبرامج للدعم... الخ، وتقدر بعض التقارير تكلفة الإنقاذ بأكثر من 23 تريليون دولارا، وهي تقديرات ربما يكون مبالغ فيها. أما العامل الثاني فهو الإنفاق على الدفاع، حيث يلعب الإنفاق على الدفاع دورا هاما في نمو الدين العام الأمريكي. ففي عام 1985 بلغ الإنفاق على الدفاع في الولايات المتحدة حوالي 6% من الناتج المحلي الإجمالي، ومع نهاية الحرب الباردة تراجع الإنفاق على الدفاع بصورة واضحة حتى بلغ 3% فقط من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2000. بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر عاد الإنفاق على الدفاع ليمثل عبئا متزايدا على الميزانية الأمريكية، حيث أدى الإنفاق العسكري لتمويل الحرب في العراق وأفغانستان إلى انعكاس هذا الاتجاه التنازلي، وأخذ الإنفاق على الدفاع في التزايد إلى 4.6% من الناتج في 2009. وعلى الرغم من أن الإنفاق على الدفاع يعد اليوم أقل من معدلاته التاريخية كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي، إلا أنه أصبح يشكل أحد أهم جوانب الضغط على عجز الميزانية ومن ثم معدل نمو الدين العام.

عندما كانت الولايات المتحدة تفكر في احتلال العراق كانت تقديرات الإنفاق على الحرب تدور بين 50-60 مليار دولارا فقط، وهو ما أغرى صانع السياسة الأمريكي باتخاذ قرار الحرب، غير أن تطورات الأوضاع على الأرض لاحقا أثبتت فداحة التكاليف المالية للحرب. منذ عدة أيام صدر تقرير لوحدة البحوث بالكونجرس عن تكلفة الحرب في العراق وأفغانستان، وقد أشار التقرير إلى أن حجم الإنفاق العسكري في العراق يقدر بحوالي 748 مليار دولارا، بينما يقدر حجم الإنفاق العسكري في أفغانستان بحوالي 304 مليار دولار، أي أن الولايات المتحدة قد أنفقت أكثر من تريليون دولارا على حروبها في هاتين الدولتين.

من ناحية أخرى تقدر مخصصات الإنفاق على الدفاع المقترحة في ميزانية 2011 بحوالي 900 مليار دولارا، وهي بلا شك ميزانية ضخمة جدا. الولايات المتحدة تجد نفسها الآن بين خيارين أحلاهما مر، الأول هو أن تقلل من إنفاقها العسكري لأغراض السيطرة على الإنفاق العالم والحد من نمو العجز في الميزانية، ومن ثم تقبل بقدر اقل من الهيمنة العسكرية على العالم، أو ان تستمر على المستويات الحالية للإنفاق العسكري لتحافظ على هيمنتها كقوة عظمى، وفي المقابل تتحمل تصاعد مستويات العجز والدين العام. ومن الواضح أن الحكومة الأمريكية لن تقبل بالخيار الأول، وأن الخيار الثاني ربما يكون أمرا حتميا لها إذا أرادت ان تستمر كقوة عظمى في هذا العالم.

والآن هل بلوغ الدين العام الأمريكي لهذه المستويات التاريخية ينذر بحدوث كارثة مالية يمكن أن تدفع بالحكومة الأمريكية إلى التوقف عن خدمة دينها العام؟ للإجابة على هذا السؤال لابد من التأكيد على حقيقة هامة جدا وهي أن الدين العام الأمريكي سواء الإجمالي أو المملوك بواسطة الجمهور مقوم كله بالدولار، أي بالعملة المحلية لتلك الدولة، وهذه هي الخاصية الأساسية التي تتمتع بها الولايات المتحدة، من بين دول العالم، بالنسبة لدينها العام. ماذا يعني ذلك؟ إن ذلك يعني ببساطة أن احتمال توقف الولايات المتحدة عن خدمة دينها العام هو صفر%. لأنه، وعلى أسوأ الفروض، إذا ضاقت السبل بالحكومة الأمريكية حيال خدمة دينها العام، فإنها يمكنها ببساطة أن تتحمل قدرا من معدلات التضخم المرتفع في سبيل استيفاء مدفوعات خدمة الدين العام من خلال طباعة الدولار، وتخفيض القيمة الحقيقية للدين العام من ناحية أخرى، ولكن الولايات المتحدة لا تنوي أن تفعل ذلك، لا الآن ولا في المستقبل، كما أنها ليست راغبة فيه، لأن الولايات المتحدة لها سمعة مالية دولية تريد ان تحافظ عليها، وتريد دائما أن يكون هناك ثقة فيما تصدره من سندات لتجد بسهولة مشتريا لهذه السندات عندما تصدرها. من ناحية أخرى فإن الولايات المتحدة لا ترغب في أن يفقد الدولار الأمريكي وضعه الدولي كعملة الاحتياط الأولى للعالم، وهي تدير سياساتها النقدية على هذا الأساس، صحيح أن الولايات المتحدة قد أفرطت في طباعة الدولار الأمريكي ضمن إطار سياسات التحفيز النقدي للاقتصاد للخروج من الأزمة، ولكن الاحتياطي الفدرالي لديه خطط جاهزة لسحب هذه السيولة حالما يعود الاقتصاد إلى النمو مرة أخرى، حتى يتجنب الضغوط التضخمية التي يمكن أن تنجم عن ذلك.

ليس إذن من المستغرب، على الرغم من كل ما سبق، وبالرغم من كل ما يكتب عن الدين العام الأمريكي، أن وكالات التصنيف المتخصصة في الديون السيادية في العالم تصنف الدين العام الأمريكي على أنه من أفضل الديون السيادية في العالم. على سبيل المثال أشار التقرير الربع سنوي الأخير لمؤسسة CMA للتصنيف الائتماني أن الدين العام الأمريكي هو ثالث أفضل دين سيادي في العالم بعد الدين العام النرويجي والفنلندي.

شخصيا لا أعتقد أن ارتفاع الدين العام الأمريكي على هذا النحو ينذر بحدوث كارثة، وأعتقد أن الاقتصاد الأمريكي قادر على تجاوز هذا القدر من الدين الضخم، وأنه ما ان تبدأ عجلة النشاط الاقتصادي في الدوران وتعود معدلات النمو الاقتصادي إلى مستوياتها السابقة، ومن ثم ترتفع الإيرادات الضريبية الأمريكية، والتي تدور حاليا حول 2.2 تريليون دولارا سنويا، أي بنسبة 15% فقط من الناتج المحلي الإجمالي، وينخفض أيضا معدل النمو في النفقات العامة من ناحية أخرى، فإن معدلات النمو في الدين العام الأمريكي سوف تتراجع بصورة ملموسة، ومن المؤكد أن الأمور سوف تعود إلى طبيعتها يوما ما في الولايات المتحدة، ولكن على المدى الطويل.

والآن ماذا عن المخاطر التي يمكن ان تتعرض لها دول مجلس التعاون إذا ما تطورت أوضاع الدين العام الأمريكي نحو السيناريو الأسوأ؟ قبل الإجابة لا بد من الإشارة إلى ان هناك تطورا واضحا في الملكية الأجنبية للدين الأمريكي، ففي عام 1970 لم تكن ملكية الأجانب للسندات الأمريكية تتجاوز نسبة 5% من إجمالي الدين العام الأمريكي، وفي عام 2000 ارتفعت هذه النسبة إلى حوالي 25% تقريبا. اليوم تبلغ الملكية الأجنبية للدين العام الأمريكي حوالي النصف تقريبا، وتتركز هذه الملكية في محتفظات الصين واليابان والمملكة المتحدة والدول النفطية وغيرها من الدول من السندات الأمريكية، هناك إذن تفضيل متزايد لشراء السندات الحكومية الأمريكية من قبل البنوك المركزية الأجنبية، ووفقا لأحدث البيانات المتاحة، فإنه في يونيو الماضي تمتلك الصين 843.7 مليار دولارا من السندات يليها اليابان 803.6 مليارا، ثم الدول المصدرة للنفط والتي تمتلك 223 مليار دولارا من إجمالي الدين العام الأمريكي، وتشمل قائمة الدول المصدرة للنفط 14 دولة منها دول مجلس التعاون الستة، للأسف لا يوجد لدينا تفصيل أكثر حتى يمكن ان نتعرف من خلاله على درجة تعرض كل دولة من دول مجلس التعاون لسندات الدين الأمريكي، ولكن البيانات تشير إلى أنه حتى لو تصورنا حدوث أزمة توقف عن سداد الدين العام الأمريكي فان صناديق الثروة السيادية للدول الخليجية لن تتأثر بصورة جوهرية، على عكس الاعتقاد الشائع.

بعض المحللين من المتشائمين يشيع فكرة ان تصاعد الدين العام الأمريكي على هذا النحو سوف ينتهي بانهيار الدولار، غير أنه على الرغم من أن أحلك فترات الأزمة ربما تكون قد مرت، فإن الدولار ما زال متماسكا، بل وتتزايد قيمته بشكل تدريجي بالنسبة لباقي عملات العالم، وأنه على الرغم من النمو في الدين العام الأمريكي، ما زال ينظر إلى سندات الخزانة الأمريكية على أنها من أأمن الاستثمارات في العالم، خصوصا بعد تصاعد مخاطر الديون السيادية للدول الأوربية، وأن احتمال توقف الحكومة الأمريكية عن خدمة دينها العام هو احتمال شبه منعدم، ولذلك يقبل المستثمرون الدوليون معدلات متواضعة للعائد على السندات الأمريكية، في مقابل إقراض الحكومة الأمريكية.

مرة أخرى، هل فعلا يمكن ان تقرر الحكومة الأمريكية التوقف عن خدمة دينها العام؟ إجابتي على هذا السؤال هي أن احتمال حدوث ذلك شبه منعدم تقريبا، أولا لأن الدين العام مقوم بالدولار وليس بأي عملة أجنبية أخرى، فالولايات المتحدة ليست اليونان مثلا، والتي لا تستطيع طبع اليورو لخدمة دينها العام، الحكومة الأمريكية لديها احتكار لحق إصدار الدولار الأمريكي، العملة المقوم بها الدين العام الأمريكي، ومن ثم فالولايات المتحدة تستطيع بسهولة إذن طباعة عملتها بغرض خدمة دينها وعدم التوقف عن السداد، وهو ما يعني أن احتمال إفلاس الولايات المتحدة إذن هو احتمال ضعيف جدا. هذا بالطبع لا يعني ان لجوء الولايات المتحدة لهذا الخيار أمر جيد بالنسبة لها، على العكس، إن خيار طبع الدولار سوف يجعل الأمور تسير على نحو أسوأ على المدى الطويل، عندما تأخذ معدلات التضخم في التصاعد وتقل مستويات الاستثمار، ومن ثم معدلات النمو. إن التجربة القاسية التي تعرضت لها زيمبابوي أخيرا نتيجة التضخم الجامح الذي نشأ عن الإفراط في طبع النقود كان لها آثارا مدمرة على آفاق الاستثمار والنمو في هذا البلد، ومن المؤكد أن الولايات المتحدة ليست زيمبابوي حتى تلجأ إلى مثل هذا الخيار المدمر.