الأحد، أكتوبر 31، 2010

عدد البنوك الأمريكية المفلسة يرتفع إلى 139 بنكا

هذا الشهر يكون قد بلغ إجمالي عدد البنوك التي أفلست في الولايات المتحدة منذ بداية هذا العام وحتى هذا الأسبوع 139 بنكا، وهو ما يقل عن عدد البنوك التي أفلست في العام الماضي ببنك واحد فقط. فقد بلغ إجمالي عدد البنوك التي أفلست في العام الماضي  140 بنكا، كما يتضح من الجدول التالي، الذي يوضح تطورات عملية إفلاس البنوك الأمريكية منذ بداية الأزمة المالية في عام 2007 حتى الآن. الجدول يوضح أنه حتى هذا الأسبوع أتت الأزمة المالية على 307 بنكا أمريكيا، أتوقع ان يكون العدد بنهاية هذا العام في حدود 350 بنكا أمريكيا.

الجدير بالذكر أن وتيرة معدلات الإفلاس كانت مرتفعة للغاية في بداية هذا العام لدرجة دعت الكثير من المحللين إلى توقع ان ينتهي هذا العام على إفلاس عدد كبير جدا من البنوك الأمريكية، بلغ وفقا لبعض التوقعات 500 بنكا. في بداية هذا العام كنت قد توقعت ان يتجاوز عدد البنوك الأمريكية التي ستفلس هذا العام أعداد البنوك التي أفلست في العام الماضي، كما وضعت تقديرات أولية لهذه الأعداد بما يتراوح بين 200 إلى 250 بنكا.

هذا الأسبوع تحقق الجزء الأول من توقعاتي، حيث لا يعدو الأمر أن يكون عدة أيام تفصلنا عن تجاوز أعداد البنوك التي أفلست هذا العام لتلك التي أفلست في العام الماضي، غير أن وتيرة عملية الإفلاس حتى هذه اللحظة تشير إلى ضعف احتمال تحقق الجزء الثاني من هذا التوقع، وقد قمت بمراجعة تلك التوقعات إلى احتمال أن يتراوح العدد الذي سيفلس من البنوك الأمريكية بين الـ 150 – 200 بنكا، ولكني أميل إلى الاعتقاد بأن العدد الفعلي للبنوك التي ستفلس سوف يكون اقل من 200 بصورة جوهرية.

الشكل التالي يوضح حالات الإفلاس في البنوك الأمريكية منذ عام 1934 حتى الأسبوع الماضي، لاحظ من الشكل أن أعلى معدلات الإفلاس خلال هذه الفترة حدثت خلال عام 1989، حيث أفلس 534 بنكا في عام واحد. لاحظ أيضا أنه وعلى الرغم من عمق أثر الأزمة الحالية إلا أننا لم نشهد هذه المعدلات المرتفعة لعمليات الإفلاس بين البنوك الأمريكية، ومن المؤكد أن برامج الإنقاذ المكثف التي تبنتها الحكومة الأمريكية في أعقاب الأزمة قد حالت دون انهيار القطاع المصرفي الأمريكي، وبما إن الأسوأ من الأزمة الحالية قد انتهى تقريبا، على الأقل حتى الآن، حيث أنه من الواضح أن الولايات المتحدة تريد أن تخرج من أزمتها بأي ثمن، وأن صانع السياسة النقدية الأمريكي يطرق كافة السبل التقليدية وغير التقليدية لدفع معدلات النمو ومعالجة مشكلة البطالة المرتفعة، فليس من المتوقع أن تشهد الأزمة الحالية هذه المعدلات المرتفعة من الإفلاس بين البنوك الأمريكية.


حتى هذه اللحظة تضم القائمة غير الرسمية للبنوك المضطربة في الولايات المتحدة 871 بنكا، وهي البنوك الأكثر عرضة لأن تواجه مخاطر الإفلاس، وهو بلا شك عدد كبير جدا، وتشير التقديرات إلى أن إجمالي أصول هذه البنوك يبلغ حوالي 402 مليار دولارا، وهو أمر مطمئن إلى حد ما، حيث يؤكد أن قائمة البنوك المضطربة لا تضم أيا من البنوك الأمريكية ألكبري، والتي غالبا ما ينظر إليها على أنها مؤسسات مالية أكبر من أن تسقط Too big to fall، حيث ستضطر الحكومة، تحت أي ظرف من الظروف، من التدخل لمعالجة أوضاعها باستخدام أموال دافعي الضرائب، تجنبا للآثار الكارثية التي يمكن أن تترتب على إفلاس إحداها، مثلما حدث عندما أفلس بنك ليمان براذرز، الذي أشعل فتيل الأزمة الحالية عالميا. الشواهد المتاحة تشير إلى أن المؤسسات المالية الضخمة تنفق أموالا طائلة لتظل دائما مصنفة ضمن هذه الطائفة من المؤسسات التي لا يسمح لها بأن تسقط، ولضمان المساعدة الأوتوماتيكية التي ستتلقاها من الحكومة في حالة تعرضها لضغوط نحو الإفلاس.





الجمعة، أكتوبر 29، 2010

تصنيف الديون السيادية لدول العالم

نشر في صحيفة الاقتصادية السعودية بتاريخ الجمعة 29/10/2010.
تتميز الديون السيادية بأنها تلقى إقبالا كبيرا من قبل المستثمرين في العالم، نظرا لانخفاض مستويات المخاطر المصاحبة لإقراض حكومات العالم بشكل عام، مقارنة بديون مؤسسات الأعمال الخاصة. غير أن الأزمة المالية العالمية قد غيرت إلى حد كبير هذا المفهوم، بحيث أصبح خطر توقف الحكومات في دول العالم المدينة عن السداد أحد الهواجس الأساسية التي تنتشر الآن بين المستثمرين في أسواق المال في العالم، وتحديدا فقد تعرضت الأسواق العالمية هذا العام لصدمتين شديدتين نتيجة تطورات الأوضاع المالية على نحو سيء في اليونان، والتي وضعتها على حافة الإفلاس، حتى تم تقديم برنامج المساندة لها من قبل الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي، بينما تمثلت الصدمة الثانية في إعلان شركة دبي العالمية عن طلبها إعادة جدولة ديونها نظرا لعدم قدرتها على سداد التزاماتها في مواعيدها المحددة، بسبب أزمة السيولة التي تعرضت لها، والتي نتجت عن الضغوط التي تعرض لها سوق العقار في الإمارة، نتيجة للأزمة المالية العالمية، حتى قامت ولاية أبو ظبي بتقديم مساعدة مؤقتة لدبي، حتى تتمكن إعادة جدولة ديونها.

الديون السيادية إذن هي ديون آمنة بشكل عام، غير أن ضخامة حجمها يجعل المخاطر الكامنة المصاحبة لها على الأسواق كبيرة جدا، وذلك في حالة تعرض إحدى الدول المدينة إلى أزمة سيولة تهدد قدرتها على السداد في المواعيد المجدولة لهذه الديون، إلى الدرجة التي تدعوني إلى الاعتقاد بأن الديون السيادية تظل، في وقتنا الحالي، تمثل القنبلة المالية الموقوتة القادمة، وهي بهذا الشكل أصبحت تمثل مشكلة كامنة، ربما تهدد جهود استعادة النشاط الاقتصادي في العالم، في حال تطورت الأمور نحو الأسوأ، ولم تتمكن الدول المدينة من استعادة توازنها المالي.

الدول المدينة حاليا تجد نفسها بين نارين، فهي من ناحية ترغب في وقف النمو في ديونها العامة، وهو أمر لا يمكن أن يتم إلا من خلال السيطرة على العجز المالي لديها. من ناحية أخرى، فإن محاولات تلك الدول للسيطرة على النمو في الدين العام تحد من قدرتها على مواجهة ضغوط الأزمة، ذلك أن محاولات تلك الدول تجنب الركود المحتمل، لابد وأن يصاحبها المزيد من جهود التحفيز المالي لدفع مستويات الطلب الكلي، ومن ثم رفع معدلات النمو والتوظف وتخفيض مستويات البطالة، وهو أمر لا يمكن أن يتم غالبا إلا بمزيد من العجز في الميزانيات العامة لدول العالم، وبالتالي ارتفاع مستويات الدين العام.

صدر مؤخرا تقرير مؤسسة CMA عن مخاطر الديون السيادية لدول العالم في الربع الثالث من هذا العام، وتعد مؤسسة CMA أحد أهم المؤسسات المتخصصة في المعلومات عن الائتمان في العالم، ويقدم تقريرها عن مخاطر الديون السيادية معلومات مهمة عن تصنيف الديون السيادية للدول العالم، والتي تعد دليلا مهما للأسواق حول مدى جودة الدين السيادي لدولة ما للاستثمار فيه.

تقرير مؤسسة CMA يقيس الاحتمال التراكمي للتوقف عن السداد Cumulative probability of default، أي احتمال أن تكون الدولة غير قادرة على الوفاء بالتزاماتها نحو دينها العام على مدى الخمس سنوات القادمة، ويتم حساب الاحتمال التراكمي للتوقف عن السداد من خلال نموذج معياري، يتم تطبيقه من جانب المؤسسة على الدول المدينة، وبناء على النتائج يتم وضع تصنيف ائتماني ضمني لكل دولة، ووفقا لهذا التصنيف الائتماني الضمني، يتم ترتيب دول العالم وفقا لأكثر الديون السيادية لدول العالم أمانا، أو أكثر الديون السيادية لدول العالم خطورة.

الجدول رقم (1) يعرض الترتيب الذي أعدته المؤسسة عن أخطر الديون السيادية في العالم في الربع الثالث من هذا العام، واتجاهات تطور ترتيب هذه الديون مقارنة بالربع الثاني، والاحتمال التراكمي للتوقف عن السداد خلال الخمس سنوات القادمة، ووفقا للجدول فإن أهم نتائج التقرير الأخير هي بقاء أسوأ خمس دول في الترتيب العالمي من حيث ارتفاع درجة المخاطر المحيطة بديونها السيادية على حالها، وهي على التوالي، من الأسوأ، فنزويلا واليونان والأرجنتين وباكستان وأوكرانيا، بدون حدوث أي تحسن في احتمالات التوقف عن السداد بالنسبة لهذه الدول الخمس.

كنت قد تناولت في مقال سابق بعنوان "الدين الأمريكي من أفضل الديون السيادية في العالم"، نتائج عملية التقييم للمؤسسة عن الربع الثاني من هذا العام، وقد توقعت في هذا المقال أن يتحسن ترتيب الدين السيادي اليوناني في التقرير القادم للمؤسسة عن الربع الثالث من هذا العام، مستفيدا من التقرير الأخير لصندوق النقد الدولي عن أوضاع اليونان، والذي أشار إلى العديد من التطورات الايجابية في البيئة الاقتصادية الكلية. غير أن هذا التوقع لم يتحقق بسبب استمرار المخاطر مرتفعة حول مسار الأوضاع المالية في اليونان وقدرتها على تجنب التوقف عن السداد، خصوصا مع تراجع تصنيف الديون السيادية لعدد من الدول الأوروبية والتي أصبحت ديونها مصنفة الآن أيضا بين اخطر الديون السيادية في العالم.

أهم نتائج هذا التقرير هو دخول دولتين من الدول الأعضاء في اليورو، لأول مرة، في قائمة الدول صاحبة أخطر الديون السيادية في العالم، وهما أيرلندا صاحبة سادس اخطر دين سيادي في العالم الآن، نتيجة الأوضاع السيئة المحيطة بالاقتصاد الايرلندي وقطاع المال فيه. كذلك دخلت البرتغال، كصاحبة تاسع أخطر دين سيادي في العالم، نتيجة للأوضاع السيئة على المستوى الاقتصادي الكلي، والحقيقة أنني عندما كنت أحلل نتائج التقارير السابقة، كنت أستغرب عدم إدراج هاتين الدولتين في قائمة أخطر الديون السيادية، على الرغم من كل التحليلات التي أقرأها عن الأوضاع المالية لهاتين الدولتين، وكنت دائما ما أرجع ذلك إلى المتانة النسبية للأوضاع الاقتصادية لهاتين الدولتين على المستوى الكلي.


وفقا لنتائج هذا التقرير، وحتى هذه اللحظة، فإن الدين السيادي لثلاث دول أعضاء في اليورو، وهي اليونان وايرلندا والبرتغال مصنف على أنه من أخطر الديون السيادية في العالم، كما أنه، وحتى هذه اللحظة، لم تدخل اسبانيا قائمة الدول صاحبة أخطر الديون السيادية، بالرغم من أوضاع الدين العام بها، ونظرا لأوضاعها المتردية اقتصاديا، أتوقع ان تنضم ديون اسبانيا إلى قائمة أخطر الديون السيادية في العالم قريبا. كان من المفترض في ظل هذه الأوضاع أن تتزايد الضغوط على اليورو، لكن لحسن الحظ أن تلك التطورات كانت مصحوبة بضغوط هائلة على الدولار، الأمر الذي ساعد على دفع اليورو نحو المزيد من التحسن، وبالطبع المزيد من التراجع للدولار الأمريكي. وجود هذه الدول الثلاث في قائمة أسوأ الديون السيادية في العالم يؤكد المخاطر الكامنة المحيطة باليورو حاليا، إذا ما تطورت الأوضاع المالية لهذه الدول على نحو أسوأ، وبالطبع استجابت أسواق المال لذلك.

الدول التي تحسنت أوضاع ديونها السيادية في قائمة اخطر الديون السيادية في العالم وفقا للتقرير الحالي هي رومانيا، والتي أصبحت في المركز العاشر بتحسن درجتين، ودبي والتي كانت في المركز السادس في التقرير السابق، بتحسن درجة، والعراق والتي كانت في المركز الثامن في التقرير السابق بتحسن درجة، بينما خرج من قائمة اخطر الديون السيادية كل من لاتفيا، وهي في طور انضمامها لليورو، والتي تحتل المركز الحادي عشر الآن عالميا، وبلغاريا والتي تحسن تصنيفها بصورة جوهرية حيث تحتل المركز الخامس عشر بين قائمة الدول صاحبة اخطر الديون السيادية في العالم.

الجدول رقم (2) يوضح ترتيب المؤسسة لقائمة أفضل عشرة ديون سيادية في العالم. نتائج التقرير تشير إلى أن قائمة أفضل عشرة ديون سيادية في العالم ظلت كما هي بدون تغيير، مع حدوث تبادل في المراكز داخل القائمة، فبينما ظلت النرويج على رأس القائمة، وفنلندا في المركز الثاني، وكذلك الدانمرك في المركز الرابع بدون تغيير، تحسن ترتيب استراليا بدرجتين، فأصبحت تحتل المركز الثامن عالميا، وكذلك تحسنت تصنيفات الدين العام لكل من ألمانيا وسويسرا وهولندا بدرجة واحدة، كما يلاحظ من الجدول، الدولتان اللتان تراجع ترتيبهما في القائمة هما هونج كونج، والتي تراجع ترتيبها بدرجة واحدة، حيث كانت تحتل المركز التاسع في التقرير الماضي، والولايات المتحدة والتي أصبحت تحتل المركز التاسع كصاحبة أفضل دين عام عالميا.

كنت قد توقعت في مقالي السابق أن يتراجع تصنيف الدين العام الأمريكي في الربع الثالث من هذا العام، استنادا إلى نتائج التقرير الأخير الصادر عن لجنة الميزانية في الكونجرس، والذي توقع حدوث تزايد المستمر في الدين العام الأمريكي واستمرار ارتفاع نسبته إلى الناتج المحلي الإجمالي بصورة شبه مستمرة حتى عام 2020، على نحو يثير قلق المستثمرين في كافة أنحاء العالم، وقد جاء التقرير ليؤكد توقعاتي، حيث تراجع تصنيف الدين العام الأمريكي من المركز الثالث، كأفضل دين سيادي في العالم، إلى المركز التاسع، أي بتراجع 6 درجات عن التصنيف السابق. الحقيقة لم أكن أتوقع هذا التدهور الكبير في تصنيف الدين العام الأمريكي خلال 3 أشهر فقط، ولكن تطور الأوضاع الاقتصادية مؤخرا مع احتمال لجوء الاحتياطي الفدرالي للتيسير الكمي، نظرا لاستمرار تأثير الأزمة على نحو واضح على معدلات النمو والبطالة، فضلا عن الضغوط الكبيرة التي يتعرض لها الدولار الأمريكي، قد ساعد على تراجع التصنيف على هذا النحو الكبير.

 

الأمر الذي ينبغي التأكيد عليه هو أنه، وعلى الرغم من كل ما يحدث، ما زال الدين العام الأمريكي مصنفا بين أفضل الديون السيادية في العالم، حيث ما زال يحتل ترتيبا بين أفضل عشرة ديون سيادية عالميا. استمرار بقاء الولايات المتحدة في قائمة الدول صاحبة أكثر الديون أمانا في العالم يعكس الثقة في قدرة الولايات المتحدة على خدمة ديونها، لأن الدين العام الأمريكي هو ببساطة شديدة الدين العام لأقوى اقتصاد في العالم، وبعملة العالم، والذين يتوقعون انهيار الدولار بسبب مشكلة الديون الأمريكية يتجاهلون حقيقة مهمة، وهي أن هذا الدين الأمريكي مقوم أساسا بالعملة الأمريكية، ومن ثم فإنه ليس هناك أدنى احتمال لتوقف الولايات المتحدة عن السداد نتيجة عدم قدرتها على خدمة هذا الدين، حيث يمكن للولايات المتحدة ببساطة أن تخدم الدين الأمريكي، في حالة تدهور الأوضاع على نحو شديد، بطبع المزيد من الدولارات، ومن ثم تتحمل بعض التضخم في سبيل استيفاء احتياجات خدمة دينها العام، وهي ميزة أساسية تتمتع بها الدولة صاحبة عملة الاحتياط الأولى في العالم.

الحقيقة أنه يصعب في ظل الأوضاع الحالية عمل أي توقعات حول تصنيف الدين العام الأمريكي في الربع الرابع من هذا العام، ففي ظل ارتفاع درجة عدم التأكد، يصعب على المرء ان يأتي بتوقعات صحيحة حول مسار الأوضاع في المستقبل، وهناك احتمالات ثلاثة جميعها محتمل في المستقبل القريب، وهي استمرار تراجع تصنيف الدين العام الأمريكي، بعض الشيء في التقرير القادم، نظرا لاستمرار تدهور الأوضاع الاقتصادية الكلية في الاقتصاد الأمريكي، وتزايد المخاطر المحيطة بالدولار، بفعل سياسات التيسير الكمي الجديدة التي ينوي الاحتياطي الفدرالي تنفيذها، ربما على نطاق واسع هذه المرة، ومن ثم خروج الدين العام الأمريكي من قائمة أفضل الديون السيادية في العالم في التقرير القادم. الاحتمال الثاني هو أن يرتفع تصنيف الدين السيادي الأمريكي في ضوء تراجع تصنيفات الديون السيادية لدول العالم الأخرى، بصفة خاصة في أوروبا، إذا ما تطورت الأوضاع المالية للدول على نحو أسوأ، أما الاحتمال الثالث فهو أن يبقى التصنيف الحالي على ما هو عليه، أو يتراجع بدرجة واحدة، والحقيقة أنني أميل إلى استبعاد تحقق الاحتمال الأول، والاعتقاد باحتمال تحقق الاحتمالين الثاني والثالث، وأن يظل الدين العام الأمريكي ضمن قائمة أفضل الديون في العالم.

والآن ماذا عن تصنيف الديون السيادية للدول العربية، الجدول رقم (3) يوضح تصنيف المؤسسة للديون السيادية العربية في الربع الثالث من هذا العام. أهم ما في هذا التصنيف هو أن المملكة العربية السعودية تحتل المركز الأول بين قائمة الدول العربية المدينة كصاحبة أفضل دين سيادي في المنطقة، وكذلك في العالم، غير أنه بالمقارنة مع التقرير السابق عن الربع الثاني من هذا العام، فإن الترتيب العالمي للمملكة قد تدهور بعض الشيء بتراجع تصنيفها من المركز الحادي عشر عالميا، إلى المركز الثامن عشر بين قائمة الدول صاحبة أأمن دين سيادي في العالم، في الوقت الذي تراجع فيه تصنيف كل من المغرب والبحرين وجمهورية مصر العربية، بينما استمرت كل من لبنان والعراق ودبي صاحبة أسوأ ترتيب عربيا وعالميا، بصفة خاصة فإنه على الرغم من التطورات التي حدثت في عمليات إعادة جدولة ديون دبي، مازالت ديون الإمارة ضمن قائمة أخطر الديون السيادية عربيا وعالميا.


وأخيرا تجدر الإشارة إلى أنه قد وجهت لمؤسسات التصنيف الائتماني الكثير من سهام النقد، وأصبحت تصنيفاتها عرضة للشك في أعقاب الدور الذي لعبته في أسواق الائتمان قبل نشوب الأزمة المالية العالمية. غير أن صندوق النقد الدولي قد نشر مؤخرا تقييما مكثفا لدور مؤسسات التصنيف الائتماني، وخلص إلى أن هذه المؤسسات تؤدي خدمات مفيدة جدا للأسواق. حيث تقوم بتجميع البيانات حول نوعية المقترضين، بما في ذلك الدول والشركات والمؤسسات المالية، ومن ثم فإنها تسهل على المقترضين حرية الوصول إلى الأسواق المحلية والعالمية، ومن ثم التمكن من جذب عروض الائتمان المناسبة، وهو ما يساعد على إضافة المزيد من السيولة إلى أسواق المال والتي كان من الممكن ان تكون اقل سيولة إذا لم تتوافر مثل هذه المؤسسات.

الأربعاء، أكتوبر 27، 2010

الهند تصدر التعليم إلى بريطانيا

لم تعد آسيا تقتصر على تصدير المنتجات رخيصة الثمن إلى العالم مثل لعب الأطفال أو الدراجات أو الأجهزة المنزلية، وإنما أصبحت أيضا تصدر خدمات تقديم التعليم عن بعد، حيث تحولت مدرسة Ashmount Primary الابتدائية الخاصة في شمال لندن إلى أول مدرسة تتبع نظام جديد في تدريس مادة الرياضيات للصف السادس من خلال الاستعانة بمصادر خارجية تماما عن طريق الانترنت لتدريس مادة الرياضيات لتلاميذ الصف السادس فيها من خلال مدرسين لمادة الرياضيات من الهند. نجاح النظام دفع بالمدرسة أيضا إلى التفكير في توسيع تطبيق النظام بحيث يشمل باقي الصفوف من التلاميذ في المدرسة.

التوقعات تشير إلى أن معظم المدارس الخاصة تفكر في إدخال التجربة بحيث تصبح التيار السائد في البلاد في تدريس المقرر، ومثلما تقوم الدول المتقدمة مثل بريطانيا والولايات المتحدة بالاستعانة بمصادر خارجية في الهند في العديد من المجالات مثل المحاماة وتصميم برامج الحاسوب، سوف يتم تقديم الفصول الدراسية من خلال الاستعانة بمصادر خارجية في صورة مدرسين هنود أيضا لأغراض خفض التكلفة.

النظام يعمل كالآتي؛ يعطى كل تلميذ سماعة وقدرة على الوصول إلى الموقع الالكتروني الخاص بالمقرر في ساعات محددة، حيث يمكنه التفاعل آنيا مع المدرس في الهند، وإتباع التوجيهات التي يقدمها له المدرس عبر الشاشة على الانترنت. تكلفة الساعة التدريسية وفقا لهذا النظام هي 12 جنيها إسترلينيا للتلميذ الواحد، بينما تتكلف نفس هذه الخدمة حوالي 40 جنيها إسترلينيا إذا ما تم تقديمها من جانب مدرسين انجليز في لندن، إنه ولا شك خفض كبير للتكلفة، ولكن ماذا عن جودة النظام.

وكيلة المدرسة Rebecca Stacey أشارت إلى أن الخدمة التعليمية التي يتم تقديمها حاليا من خلال هذا النظام أحدثت فرقا كبيرا في استيعاب التلاميذ وفهمهم للمقرر، في إشارة إلى أن المدرسين الهنود الذين يقومون بالتدريس للتلاميذ وفقا لهذا النظام أكفأ في تدريس مقرر الرياضيات من المدرسين البريطانيين. وأضافت أن المدرسة بدأت النظام من خلال عدد قليل من التلاميذ، غير ان المدرسة اكتشفت أن النظام يحدث آثارا ايجابية على درجة تحصيل التلاميذ فتم زيادة أعداد التلاميذ الذين يتم تقديم الخدمة التعليمية لهم وفقا لهذا النظام. المدرسة تفكر حاليا في تعميم النظام على كل تلاميذ الصف السادس، وإدخال تلاميذ الفصول الأخرى إلى الخدمة، مثل الصف الرابع والخامس في النظام.

الخدمة التعليمية يتم إدارتها من خلال شركة للتعليم تسمى Bright Spark Education، والتي قامت بتوظيف أكثر من 100 مدرس للرياضيات في الهند الذين لديهم خبرة في تدريس المقرر، ويخضعون لاختبارات أمنية من وقت لآخر للتأكد من سلامة عملية تقديم الخدمة التعليمية، وحيث يتم تدريب كل المدرسين على منهج الرياضيات البريطاني، كما يتم تصميم الخدمة بشكل مستقل لكل طالب بالطريقة التي يراها المدرس مناسبة للطالب ولقدراته الخاصة، كما يتم مراقبة عملية تقديم الخدمة عن بعد أيضا، وحيث يتم تخصيص نفس المدرس لنفس الطالب بشكل مستمر. استطلاعات الرأي بين الطلبة تشير أيضا إلى أنهم يستمتعون بهذه الخدمة حاليا في المدرسة.

غير أن Dylan Wiliam مدير معهد التربية في جامعة لندن يقول بأن النظام يمكن أن يعمل في الكثير من المدارس، ولكن هناك العديد من المخاطر التي يمكن ان تصاحب تطبيق النظام. ولكن إذا كانت العمليات الجراحية في المخ يتم إجراءها حاليا عن بعد، فلماذا لا يمكن تدريس الرياضيات عن بعد أيضا، إن الأمر يعتمد أساسا على مدى جودة اللغة الانجليزية لدى المدرسين الهنود، ومدى فهمهم للفروق الثقافية بين الهند وبريطانيا، وهي خصائص تتوافر لدى المدرسين الهنود بشكل جيد.

على مدى قرون من الزمن كان دائما ما ينظر إلى التعليم على أنه من السلع التي لا تدخل في مجال التجارة الخارجية بين الدول Non-tradables، إلا أن التطور التكنولوجي جعل التعليم ينضم إلى قائمة الخدمات التي يتم الاتجار فيها بين الدول، مثل النقل والتأمين والسياحة.. الخ، ليتحول التعليم إلى أحد سلع التجارة الخارجية مثل لعب الأطفال، وحيث يمكن أن يستخدم معدل صرف الإسترليني بالنسبة للروبية الهندية للتأثير على صادرات الهند من خدمات التعليم إلى بريطانيا، مثلما هو الحال بالنسبة إلى صادراتها الأخرى من السلع مثل الملابس القطنية، ويبدو أن الإضراب السنوي للمدرسين في بريطانيا سوف يتم الرد عليه من خلال استئجار مدرسين من الخارج ومنح المدرسين البريطانيين إجازة دائمة للجلوس في بيوتهم ردا على إضرابهم.

إنه ولا شك أحدث تطبيقات نظرية المزايا النسبية Comparative advantage في التجارة الخارجية على التعليم، والتي تنص على ان الدولة صاحبة المزايا النسبية في إنتاج سلعة ما (نتيجة رخص تكاليف إنتاجها في هذه الدولة) سوف تقوم بإنتاج وتصدير هذه السلعة إلى باقي دول العالم. بقي أن أشير إلى أن الذي سيدفع ثمن هذا التطور هم التلاميذ الهنود الذين سيحرمون من الخدمات التي يقدمها المدرسون الأكفاء في الهند، نظرا لتحول هؤلاء نحو تدريس التلاميذ في الخارج، بدلا من تدريس التلاميذ في الهند، إنه نوع جديد من استنزاف العقول Brain drain، الذي طالما مارسته الدول المتقدمة على نحو بشع، مستغلة الظروف المادية والمعيشية السيئة للدول الفقيرة لاستقطاب أفضل الخبرات والكفاءات البشرية من الدول الفقيرة إليها، ولكن دون انتقال تلك الخبرات البشرية إلى هذه الدول هذه المرة.


السبت، أكتوبر 23، 2010

أسر كارثية

قد يصل السخف أو القهر بالشعوب إلى الاعتقاد، أو بالأحرى التظاهر بالاعتقاد، بأن الزعيم وجيناته المباركة هي الوحيدة القادرة على قيادة البلاد نحو الرفاهية والازدهار والرقي والتقدم والعدالة والمساواة والنمو... إلى آخر هذه القائمة الطويلة من المستهدفات التي غالبا ما لا يكون لها أي وجود على أرض الواقع، وحيث يلتفت المواطن يمنة ويسارا ليبحث حوله عن وجود لهذه المصطلحات على ارض الواقع فلا يجد منها سوى صور الرئيس المبجل تحيط بكل ما هو قبيح لتجمله أو لترتبط به.

اقتصاد كوريا الشمالية مازال يعيش اليوم في الجنة المزعومة للشيوعية العلمية، والتي هي ببساطة شديدة عبارة عن توليفة كارثية من المبادئ التي تختلف بصورة جذرية عن الخصائص الأصيلة التي خلق الله سبحانه وتعالى الإنسان بها، ولذلك ليس مستغربا أن تنتهي كل التجارب الشيوعية بآثار كارثية على الاقتصاد، بصفة خاصة على الشعب التعيس الذي يعيش ظروفا قاهرة في كوريا الشمالية، وهو يرى أبناء عمه على الطرف الجنوبي يعيشون حياة لا يراها إلا في أحلامه، وينتجون سلعا تملأ كافة أنحاء الدنيا، إلا البقعة التي يعيش فيها، ويتمتعون بدخول تزيد عن متوسط ما يحصل عليه الفرد في كوريا الشمالية بأكثر من 20 مرة.

عبارة صنع في كوريا لا نراها إلا على السلع التي تأتينا من كوريا الجنوبية، لمنتجات قهرت الماركات العالمية في أوروبا وأمريكا، مثل سامسونج وال جي وكيا وهيونداي .. الخ، بينما لا نرى عبارة صنع في كوريا الشمالية سوى على صواريخ سكود، التي يتم تهريبها إلى الدول المستوردة في بقع العالم الملتهبة، وربما أيضا، كما يقال، على أكياس الهيروين الذي يتم نقله سرا من خلال البعثات الدبلوماسية الكورية في العالم كما تشيع بعض التقارير، عدا ذلك فالأسواق خالية من أي سلع تحمل عبارة صنع في كوريا الشمالية، وكيف لكوريا الشمالية أن تصدر وهي أصلا لا تكاد تنتج ما يكفي لاحتياجات سكانها، وبصفة خاصة من الغذاء، حيث ينتشر سوء التغذية وأمراضه إلى الحد الذي يسمح به تدفقات المعونات الغذائية لشعب كوريا الشمالية الذي يموت منه مئات الآلاف بسبب المجاعة التي كانت أهم هدايا أسرة الزعيم المبجل "كيم أيل سونغ". كوريا الشمالية تصنع القنبلة الذرية، ومع ذلك لا يجد الناس فيها ما يكفيهم لاستيفاء قوت يومهم، إنها نفس التناقضات التي عاشها الاتحاد السوفيتي سابقا، حيث كانت سفن الفضاء السوفيتية تصعد الى القمر بينما لا يجد المواطن ما يأكله مساءا سوى سليق الكرنب.

منذ ان تولى الحكم الزعيم الفريد والعقل الأوحد هدية السماء "كيم أيل سونغ" زمام الأمور في الجزء الشمالي من شبه جزيرة كوريا وكتب على هذا الشعب المنكوب لعنة عائلة سونغ. بعد تاريخ حافل من الانجازات العظيمة التي جعلت من كوريا الشمالية واحدة من أفقر بلاد العالم، يرقد كيم أيل سونغ الآن في مثواه الأخير، ولكن تماثيله تملأ المكان، وهو يبتسم إلى المغفلين الذي يلقون إليه التحية جيئة وذهابا، ليشكروه على النعمة التي حلت بهم بمجيئه المبارك، والبركة التي حلت عليهم باستيلاء ابنه "كيم أيل جونغ" على عرشه بعد وفاته، ليجلب لهم المزيد من الخراب والهم والتعاسة. شعب كوريا الشمالية لا ينتمي إلى العالم الحديث الذي نعيش فيه بأي صلة، سوى ما يشاهده على التلفاز من برامج ومشاهد، تم عمل المونتاج اللازم لها لكي يبدو هذا العالم للمشاهد منهم بأن العالم الخارجي هو بالفعل جهنم بالنسبة إلى الجنة التي يعيشون فيها على الأرض في كوريا الشمالية.

اليوم يرقد كيم أيل جونغ الابن في سرير المرض، وربما تكون رقدته الأخيرة، لينتقل بجوار والده كيم أيل سونغ، ولكن الأخبار السيئة هي أنه ومنذ رقدته بدأت عملية تقديم ابنه وحفيد الرئيس سونغ، ابن السابعة والعشرين عاما "كيم جونغ إل" على أنه الزعيم الملهم القادم للشعب التعيس. للأسف كيم جون إل لا يعرف عنه أنه له أي خبرة سياسية سوى أنه كان ابن ابن الزعيم المبجل كيم أيل سونغ، كما أنه ليس لديه أي خبرة عسكرية أيضا تؤهله لكي يقود دولة تلعب العساكر فيها الدور الأساسي في الحياة الاقتصادية والاجتماعية، ولكن شياطين الحزب الحاكم لم يعدموا الوسيلة لتقديمه إلى الشعب على أنه صاحب المسيرة القادم، حيث تم تعيينه برتبة جنرال في الجيش الكوري، بدون أي مؤهلات عسكرية، وكذلك تم تكليفه بأرفع المهام العسكرية والسياسية في الدولة، مثلما كان الحال بالنسبة لأبوه، باعتباره الوحيد في هذا العالم القادر على قيادة زمام الأمور والدفاع عن حرية ورفاهية وسعادة الكوريين، التي لم يعد هناك اي شيء متبق منها للأسف.

بهذه المناسبة أعلن احد قادة الحزب الشيوعي الحاكم أن الشعب الكوري له الشرف أن يقوده الجنرال العظيم كيم جونغ إل، ولا أدري أين سر عظمته، ومن خول هذا المتحدث أن يتحدث باسم الشعب الكوري الذي تشرف بهذا الإعلان المرعب، إذ لا يتوقع من الحفيد إلا أن يسير على نفس النهج الكارثي الذي انتهجه جده كيم أيل سونغ وابنه من بعده كيم ال جونغ. مسكين شعب كوريا الشمالية، إن أمامه المزيد من السنوات العجاف التي ستجلبها لعنة أسرة سونغ عليه، حتى يقضى الله أمرا كان مفعولا، وينتفض هذا الشعب ليتخلص من هذه الأسرة الكارثية، ولينضم كجنوبه إلى العالم المتحضر، أو ربما، وفقا لأفضل سيناريو في وجهة نظري، يتحد معه مثلما حدث في ألمانيا، ويومها سوف تنضم كوريا إلى قائمة أعظم دول العالم الصناعي، ولكن حتى يحدث ذلك سوف يستمر اقتصاد كوريا الشمالية لا يسير فيه شيء سوى أمور أسرة الرئيس العظيم. لعنة الاسر الكارثية لا تصيب كوريا الشمالية وحدها، فهناك العديد من دول العالم التي ابتلاها الله بمثل هذه الاسر.

الجمعة، أكتوبر 22، 2010

هل ستنشب حرب العملات؟

نشر في صحيفة الاقتصادية السعودية بتاريخ الجمعة 22/10/2010.
منذ أن انطلقت الأزمة المالية العالمية وشبح حرب العملات يخيم في سماء العلاقات التجارية الدولية، ولحسن الحظ مضت السنتان الأوليان من الأزمة دون أن تنجر دول العالم إلى حرب تجارية، فقد اتفقت الدول الكبرى في الاجتماعات المتتالية لمجموعة العشرين على ضرورة تجنب الممارسات الحمائية للتجارة، لمساعدة العالم على الخروج بشكل أسرع من الأزمة، ولتجنب التعقيدات التي يمكن ان تنشأ عن ذلك، بصفة خاصة تأخير عملية استعادة النشاط الاقتصادي على المستوى العالمي، غير أنه مع طول فترة الأزمة تتزايد الضغوط نحو حرب العملات، والتي قد تؤدي بالدول إلى تبني سياسات فرض الرسوم الجمركية وفرض قيود كمية والقيام بإجراءات انتقامية يمكن ان تؤدي إلى اضطراب النظام التجاري العالمي مثلما حدث في الثلاثينيات من القرن الماضي.

حرب العملات هي تسابق مختلف دول العالم نحو تخفيض قيمة عملاتها بهدف تخفيض أسعار صادراتها في الأسواق العالمية (عندما يتم تحويلها إلى عملات الدول المستوردة)، وهو ما يعطي صادرات الدول صاحبة التخفيض ميزة نسبية في مقابل صادرات باقي الدول الأخرى في العالم، الأمر الذي يشجع صادرات هذه الدولة إلى الدول المستوردة منها (شركاءها في التجارة). من ناحية أخرى فإن تخفيض عملة الدولة يجعل وارداتها من شركاءها في التجارة أكثر تكلفة نسبيا (عندما يتم تحويل أسعار الواردات إلى العملة الوطنية)، وهو ما يقلل من واردات هذه الدولة من شركاءها في التجارة، وبالتالي يرتفع صافي الصادرات (الفرق بين الصادرات والواردات)، ويعد صافي الصادرات احد مكونات الطلب المحلي، وعندما يرتفع هذا الصافي ترتفع مستويات الطلب الكلي ومن ثم معدلات النمو.

سياسة تخفيض قيمة العملة سوف تكون مفيدة إذن للدولة صاحبة العملة المنخفضة، ولكن هذه السياسة لا يمكن أن تستمر في الأجل الطويل، ففي ظل عالم ترتفع فيه درجة الاعتماد المتبادل بين الدول، فان الفائدة التي تحققها دولة ما لابد وأن تكون على حساب دولة أو دول أخرى من شركاءها في التجارة والدول المنافسة لها في الأسواق العالمية، والتي تتحول نتيجة هذه السياسة إلى دول تعاني من ضعف في المزايا النسبية لها مقارنة بالدولة صاحبة التخفيض.

معنى ذلك ان محاولة دولة ما القيام برفع مستويات الطلب الكلي لديها بزيادة صادراتها إلى غيرها من الدول وتقليل وارداتها منها من خلال تخفيض العملة سوف يكون على حساب الطلب الكلي في الدول الأخرى، الأمر الذي يخفض من مستويات الدخل والنمو في هذه الدول، ولذلك يطلق على سباق تخفيض العملات بسياسة إفقار الجار (أو إفقار الغير) beggar-thy-neighbor policy، وعلى المدى الطويل فانه هذه السياسات سوف تنعكس سلبا مرة أخرى على الدول التي تقوم بتخفيض عملاتها وذلك نتيجة تأثر مستويات النمو في الدول الأخرى، بما يقلل من طلبها على صادرات الدولة صاحبة العملة المنخفضة، وبمعنى آخر فإن استدامة زيادة الطلب على الصادرات لدولة ما يقتضى استدامة ارتفاع معدلات النمو في الدول الأخرى (شركاءها في التجارة)، وهو ما لا يمكن ان يتحقق بمقتضى سياسات إفقار الغير. الأمر الأخطر هو أن تراجع مستويات الطلب الكلي للدول المستوردة نتيجة الميزة النسبية التي تتمتع بها الدولة صاحبة العملة المنخفضة سوف يغري هذه الدول على تبني نفس السياسة، وهو ما يؤدي إلى نشوب حرب للعملات يخسر فيها الجميع.

من المؤكد أذن أن الدول التي تضار من حرب العملات لن تقف مكتوفة الأيدي، ولابد أنها ستقدم في النهاية على اتخاذ إجراءات انتقامية إما من خلال تخفيض مماثل أو من خلال فرض ضرائب لمواجهة مثل هذه الممارسات الضارة تجاريا بالنسبة لها، وهكذا شيئا فشيئا تزداد العوائق أمام التدفق التجاري الحر للسلع والخدمات عبر دول العالم، ويحدث اضطراب تجاري عظيم، تكون نتيجته ضعف استفادة دول العالم من التبادل التجاري الحر، سواء تلك التي خفضت عملاتها أو التي ردت على هذا التخفيض بتخفيض مماثل أو بتقييد التجارة مع شركاءها، ومن ثم في ظل هذه الأوضاع تفقد دول العالم فرص الاستفادة من المزايا النسبية التي تمتلكها وكذلك العوائد التي يمكن ان تنشأ عن التبادل التجاري الحر للسلع والخدمات عبر دول العالم.

الأمر الذي تنبغي الإشارة إليه هو أن الحوافز نحو الاحتفاظ بقيمة العملة الوطنية منخفضة تعد مرتفعة بشكل خاص لدى الدول الناشئة، وذلك من خلال ربط عملاتها بإحدى العملات الدولية مثل الدولار، مع الاحتفاظ بمعدل صرف يجعل قيمة العملة اقل من قيمتها السوقية، ويسمح مثل هذا الربط باستقرار اكبر للاقتصاد، فضلا عن أنه يشجع الصادرات، ومن ثم النمو الاقتصادي مدفوعا بالصادرات كمحرك لهذا النمو، ويحقق للدولة فوائض في الاحتياطيات، والتي يمكن استخدامها من جانب البنك المركزي في الدفاع عن العملة الوطنية ضد ضغوط الارتفاع أمام العملات الأجنبية أو حمايتها من هجمات المضاربين.

يقترب العالم حاليا من المرور بنفس تجربه ما بين الحربين في الثلاثينيات من القرن الماضي، عندما اشتعلت حرب العملات بين مختلف دول العالم الصناعي، عندما قامت دولة تلو الأخرى بتخفيض قيمة عملتها في محاولة يائسة للخروج من الركود، غير أن كل عملية تخفيض لم تكن تساعد الدولة بقدر ما كانت تعمق من المشكلات التي تواجهها شركاءها في التجارة، والتي كانت ترى ان ركودها يزداد مع كل عملية خفض في قيمة عملات شركاءها التجاريين، الأمر الذي دفع كافة الدول بما في ذلك تلك التي كان تحرص دائما على استقرار عملاتها إلى سلوك نفس الاتجاه، وبالتالي لم يستفيد احد في النهاية من المنافسة على تخفيض قيمة العملات، وانحصرت الآثار الأساسية من حرب العملات في رفع مستويات الضغط السياسي في كافة دول العالم، ورفع درجات عدم التأكد حول عدم استقرار معدلات الصرف، وتقييد النظام التجاري الدولي. ما حدث بعد ذلك هو تفضيل عدد كبير من الدول بأن تقوم بإرخاء سياساتها النقدية نظرا لعدم قلقها على حماية معدل صرف عملاتها، ومن ثم انتشر مثل هذا التحفيز النقدي في كافة أنحاء العالم، وهو أهم العوامل التي ساعدت على استعادة النشاط الاقتصادي بعد الركود العظيم.

في ظل الإحباط الذي يصيب العالم حاليا نتيجة أنه وبعد سنة من الخروج من الكساد تقريبا، مازلت معظم الدول المتقدمة تخشى أن تواجه كسادا آخر، في الوقت الذي ترى فيه الدول الناشئة تحقق معدلات نمو استثنائية بقيادة الصين، بينما لا يتوقع أن تحقق الدول المتقدمة نموا يتجاوز نسبة الـ 1.5% هذا العام. فقد اعتادت الولايات المتحدة، ومازالت، أن تعيش خارج نطاق إمكانياتها، وهو ما تسبب في عجز تجاري ضخم، ومما لا شك فيه أن هذا العجز قد ساعد الاقتصاديات الناشئة في العالم، وبصفة خاصة الصين، حيث مثل هذا العجز هدية بالنسبة لها. غير أنه في مقابل هذا العجز كان هناك تدفق صاف لرؤوس الأموال من الاقتصاديات الناشئة إلى الولايات المتحدة، بصفة خاصة الصين مرة أخرى. في ظل هذه الأوضاع فإن احتمال لجوء العالم إلى وسائل غير تقليدية للتعامل مع الأزمة يتزايد، ومن أخطر هذه الوسائل محاولة رفع مستويات الطلب الكلي من خلال تشجيع صافي الصادرات، لتسريع عملية الخروج من الكساد الأمر الذي ينذر بنشوء حرب للعملات.

مؤخرا فاجئ وزير المالية البرازيلي غويدو مانتيجا العالم عندما صرح أن حرب العملات العالمية قد انطلقت مع قيام الحكومات بتخفيض معدلات صرف عملاتها لتشجيع تنافسيتها، وقد جاء تعليق وزير المالية البرازيلي في أعقاب سلسلة من التدخلات من جانب البنوك المركزية في العالم، فقد قام البنك المركزي الياباني ببيع الين بهدف تخفيض معدل صرفه بالنسبة لباقي العملات الدولية، بعد ان ارتفع بصورة كبيرة في الأشهر الأخيرة، وهو ما أثر على الصادرات اليابانية وخفض من سرعة استعادة النشاط، كذلك تتدخل البنوك المركزية لكوريا الجنوبية وتايوان بهدف تخفيض قيم عملات هاتين الدولتين للسبب نفسه، وفي الأسبوع الماضي أعلن البنك المركزي البريطاني (بنك أوف انجلاند) انه سوف يبدأ خطة طوارئ لشراء سندات حكومية، ومن ثم مع التيسير الكمي الذي سيقوم به من المتوقع ان ينخفض الجنيه الإسترليني المنخفض في القيمة أصلا. كذلك ينتظر العالم هذه الأيام الإعلان المرتقب للجنة السوق المفتوح في الولايات المتحدة عن الحجم المقترح للتيسير الكمي الذي ستقوم به في الربع الأخير من هذا العام، وبالتالي يقبع اليوم الدولار تحت ضغوط التيسير الكمي المتوقع، في الوقت الذي استمرت فيه الصين في الحفاظ على خفض قيمة عملتها. الوزير البرازيلي قلق بالطبع على تنافسية بلاده نتيجة تخفيض قيمة هذه العملات، إلا أن القلق من حرب العملات أصبح يشمل اليوم الدول المتقدمة والناشئة على السواء.

في ظل هذه الأوضاع من انخفاض العملات الرئيسية الدولار والإسترليني والين الياباني، هل ستظل الدول الأخرى في العالم التي ترى عملاتها ترتفع في القيمة بالنسبة لهذه العملات مكتوفة الأيدي، وهي ترى قدراتها التنافسية تتراجع إلى الوراء نتيجة لذلك. من المؤكد أنها أيضا ستنضم إلى القائمة على الأقل كوسيلة دفاع عن نفسها ضد الحرب المفروضة عليها.

اليوم أخذ التيسير الكمي ينتشر بشكل واسع بين العديد من الدول المتقدمة، حيث تقوم البنوك المركزية بطباعة كميات ضخمة من النقود الجديدة لضخها في الاقتصاد المحلي بهدف تشجيع الإنفاق، بصفة خاصة الاستثمار. غير أن التيسير الكمي يؤدي إلى آثار مباشرة تنعكس في انخفاض قيمة العملة، بفعل انخفاض معدلات الفائدة أو تزايد التوقعات بانخفاض قيمة العملة مستقبلا، وعلى ذلك فإذا كان الهدف من تخفيض العملات هو تشجيع الطلب الكلي من خلال زيادة صافي الصادرات، فإن التيسير الكمي يحدث نفس الأثر على الطلب الكلي، ولذلك ينظر إلى التيسير الكمي حاليا بأنه أيضا نوع من حرب العملات.

لفترة طويلة من الزمن اتبعت الصين تكتيكا يساعد على الحفاظ على الرينمنبي منخفضا من خلال التلاعب بقيمة العملة وعدم الرضوخ لأي ضغوط سياسية في هذا الاتجاه. المشكلة في استمرار التكتيك الصيني هي في احتمال تبني باقي دول العالم لنفس التكتيك باعتباره كان ناجحا في الحالة الصينية، وبالتالي فإن التخوف الأساسي في العالم اليوم هو ان الخلاف حول العملة الصينية ربما يطلق موجة جديدة من الحماية والتي يمكن ان تهدد استعادة النشاط أو تجعله اضعف مما يجب، بناءا على ذلك فإن إصرار الصين على الاحتفاظ بالرينمنبي مقوما بأقل من قيمته الحقيقية، يضع العالم في حجز زاوية يصعب الفكاك منه بدون انصياع الصين لمطالبات العالم لها بتقييم عملتها عند مستوياتها الحقيقية، فالرينمنبي منخفض القيمة يؤثر سلبا على الدول الأخرى التي تملك نفس المزايا التنافسية التي تتمتع بها الصين، وهي رخص تكاليف العمالة، فضلا عن أنه متهم بأنه المسبب الرئيس للعجز التجاري الأمريكي مع الصين.

الضغوط اليوم تتزايد على الصين لرفع قيمة عملتها، فالعالم ينظر إلى الصين حاليا على أنها الدولة التي يجب ان تسمح لوارداتها بالنمو وتجعل عملتها ترتفع في القيمة، وأن الصين قد تحقق ميزة من رفع قيمة اليوان بالسيطرة على التضخم المرتفع لديها، ولكن الصين لا ترى أن عملتها مرتفعة القيمة، وهي غير راغبة في إعادة تقييم الرينمنبي، وتقاوم كافة الضغوط نحو ذلك الاتجاه بشدة، حيث أن التكلفة بلا شك ستكون على حساب تنافسيتها وفوائضها التجارية.

وزير الخزانة الأمريكي تيموثي جايثنر يعتقد ان الموضوع في غاية الخطورة، وأن مطالب الدول الناشئة بدور أكبر في صندوق النقد الدولي لا بد وأن يصاحبها التزام هذه الدول بتبني نظم لمعدلات الصرف أكثر مرونة، كما أشار إلى أن الدول صاحبة الفوائض التجارية الضخمة لا بد وأن تسمح لعملاتها بأن ترتفع، أو أن تواجه نتائج عدم قيامها بذلك، حيث أن عدم قيام مثل هذه الدول بتعديل قيمة عملاتها سوف يشجع باقي الدول على القيام بذلك. غير أن تيموثي جايثنر يحاول أن يطمئن العالم بقوله "بأننا لن نذهب إلى حرب تجارية، كما أن العالم لن يشهد حربا للعملات، وأن الأمر متروك لكل دولة لتحدد مقدار التخفيض اللازم في عملتها كاستجابة طبيعية لقوى السوق في أوقات الأزمة"، كما أن هناك دلائل على أن بعض أعضاء الحكومة الصينية أصبح يتفهم اليوم الحاجة إلى السماح للرينمنبي بالارتفاع في القيمة.

الاتهامات المتبادلة بين المعسكرين أخذت تتكثف مؤخرا، ففي الوقت الذي تتهم فيه الولايات المتحدة الصين بتخفيض قيمة عملتها، فإن الصين تتهم الولايات المتحدة بأن فشل سياساتها الاقتصادية هو سبب الاختلال العظيم الذي يعيشه العالم حاليا، ولكي نكون منصفين علينا أيضا أن ندرك ان الصين ليست بمفردها التي تقوم بالتلاعب بعملتها اليوم، فمما لا شك فيه ان تبني خطط للتيسير الكمي يحدث نفس الأثر على الدولار، وان كان هذا الخط ليس منهجيا في الولايات المتحدة، مثلما هو الحال في الصين، إلا أنه وعلى الأقل في الوقت الحاضر، يجعل الولايات المتحدة تقف على نفس الخط مع الصين، أو بمعنى آخر لا ينبغي ان نضع الصين وحدها في قفص الاتهام.

مما لا شك فيه أن مجموعة العشرين لا بد وأن تتناول الموضوع بالجدية المناسبة في اجتماعها القادم، ويبدو أن موضوع معدلات الصرف سوف يكون من القضايا الساخنة في الاجتماع القادم لمجموعة العشرين في سيول في نوفمبر القادم، والذي يهدف إلى الانتهاء من خطط إصلاح النظام المالي والاقتصادي العالمي. الجدير بالذكر أنه قبل الاجتماع السابق في تورنتو في يونيو الماضي أعلنت الصين أنها مستعدة لكي تسمح لليوان بان يرتفع في القيمة بصورة محدودة، ولكنها على أرض الواقع لم تفعل شيئا سوى السماح برفع قيمة اليوان بأقل من 2% خشية الانتقام الأمريكي، اليوم هناك ادعاءات بأن اليوان مقوم بأقل من قيمته بنسبة 40%، وبما أن الدول المجتمعة في تورنتو قد وعدت بالعمل على الحد من الاختلالات التجارية الدولية، فإن الوقت الآن هو الأنسب للوفاء بتلك الوعود.

إذا كان جايثنر يحاول ان يطمئن العالم بأنه لن يكون هناك حربا تجارية أو حربا للعملات، فإن ساركوزي رئيس مجموعة العشرين حاليا يقترح تبني نظاما جديدا للتنسيق بين العملات العالمية، بالطبع بهدف إحداث قدر أكبر من الاستقرار في تلك العملات. في عام 1985 اجتمع وزراء مالية الولايات المتحدة وألمانيا (الغربية في ذلك الوقت)، وفرنسا واليابان والمملكة المتحدة في فندق بلازا في نيويورك حيث تم توقيع ما يسمى بـ "اتفاق بلازا"، والذي تم بمقتضاه تخفيض قيمة الدولار بالنسبة للين الياباني والمارك الألماني، لتخفيض العجز في ميزان المدفوعات الأمريكي. اليوم يعيش العالم ظروفا مشابهة لتلك التي أحاطت بالاتفاق، ولكن مع الصين هذه المرة. ربما يكون العالم اليوم أحوج إلى اتفاق مثل اتفاق بلازا لوقف مخاطر نشوب حرب للعملات بين المجموعات التجارية الرئيسية في العالم، ولكن ذلك لن يتم قبل أن تنثني الصين عن إصرارها على الحفاظ على قيمة الرينمنبي منخفضا.

والآن دعنا نعود إلى سؤالنا الأساسي هل ستنشب حرب العملات، أميل إلى الاعتقاد بأنه على الرغم من أن مخاطر نشوب حرب العملات اليوم تعد حقيقية، إلا أن احتمالات نشوب مثل هذه الحرب تعد في رأيي ضعيفة جدا، فمن المؤكد أن الأوضاع العالمية لن تصل إلى الصورة التي كانت عليها في الثلاثينيات من القرن الماضي، حيث أن مساحة التعاون الاقتصادي الدولي حاليا أعمق بكثير مما كان سائدا في ذلك الوقت، فضلا عن الدور الفعال الذي تلعبه المؤسسات الدولية مثل صندوق النقد الدولي ومؤتمرات مجموعة العشرين سيحول دول نشوب مثل هذه الحرب، وهو ما كان يفتقده العالم في الثلاثينيات من القرن الماضي، كما أن مثل هذه الحرب هي بالتأكيد آخر ما ينتظره العالم اليوم للخروج من الأزمة، وأن مثل هذه الحرب قد ثبت تاريخيا انه لا يخرج منها أحد منتصرا.



 

الثلاثاء، أكتوبر 19، 2010

فقاعة أسعار الفضة

معظم المضاربين في المعادن في العالم مهووسين حاليا بالذهب، نظرا للمعدلات الاستثنائية التي يحققها النمو في سعر الذهب في السنوات الأخيرة. غير أن المضاربين في المعادن لا تقتصر مضارباتهم حاليا على الذهب، وإنما دخلت الفضة أيضا على الخط، وأصبحت الفضة، ابنة عم الذهب، تنتفخ فقاعتها أيضا بصورة موازية مع فقاعة الذهب، إن لم يكن بصورة أكبر، كما يوضح الشكل التالي، ووفقا للشكل فإنه بأخذ شهر يناير 2009 على أنه فترة أساس لحساب تطورات أسعار المعدنين (لاحظ أن سعر فترة الأساس لأي سلعة يكون دائما على شكل رقم قياسي يساوي 100، أو الواحد الصحيح، ثم بمرور الوقت يرتفع السعر فيرتفع هذا الرقم القياسي أو ينخفض حسب اتجاهات الاسعار وبالتالي نستطيع حساب نسبة التضخم في اسعاره أو الانكماش فيها من خلال متابعة تطور الرقم القياسي)، فان سعر أوقية الذهب (المنحنى الكحلي) قد تزايد بحوالي 50% تقريبا خلال السنتين الماضيتين أي بمتوسط سنوي 25%، بينما تزايد سعر أوقية الفضة (المنحنى الازرق الفاتح) بحوالي 100% تقريبا، خلال نفس الفترة، أي بمتوسط سنوي 50%، أي ضعف معدل ارتفاع اسعار الذهب. هذا الارتفاع الكبير ليس مستغربا عندما تكون الفقاعة في بداية تكونها.




الاهتمام بالفضة، يتزايد بصورة واضحة عالميا مع رغبة المضاربين في تنويع محافظهم، بالرغم من أن مخاطر المعدنين واحدة. اليوم يبلغ سعر أوقية الفضة أكثر من 23 دولارا للأوقية، كما يتضح من الشكل الآتي، وهو سعر لم تبلغه الفضة منذ انهيار أسعارها بعد انفجار فقاعة الذهب التي حدثت في 1980، عندما اقترب سعر أوقية الفضة من 50 دولارا تقريبا مع الصعود الفلكي للذهب في هذا العام. فقد حاول إخوان هانت Hunt brothers عام 1980 أثناء حمى الذهب السيطرة على الفضة، استنادا منهم إلى الاعتقاد بأن التضخم سوف يقضي على الدولار الأمريكي في ذلك الوقت (وهي نفس الدعوى التي نسمعها اليوم)، بشراء حوالي ثلث العرض العالمي من الفضة، وهو ما أدى إلى رفع سعر أوقية الفضة من 1.26 دولارا فقط في 1971 إلى حوالي 50 دولارا، غير انه مع انتهاء حمى الذهب بانفجار الفقاعة في هذا العام انفجرت فقاعة الفضة بتراجع سعر الفضة إلى 15 دولارا، وهو ما تسبب في خسائر ضخمة للمجموعة.





المضاربون على الفضة اليوم يروجون لفكرة أن الأسعار المرتفعة للفضة سوف تستمر في التصاعد إلى ما لا نهاية في المستقبل، استنادا إلى الطلب المرتفع على الفضة في مجال الصناعة في الوقت الذي توجد فيه قيود على العرض من الفضة، فالفضة معدن يستخرج مع معادن أخرى مثل النحاس والرصاص والزنك، ولذلك فان الإنتاج العالمي من الفضة مقيد إلى حد ما. في عام 2009 بلغ الإنتاج العالمي 27650 طنا، وهو تقريبا نفس مستوى الإنتاج من خمس سنوات سابقة. على الجانب الأخر، من المتوقع ان يستمر الطلب على الفضة في التزايد من جانب الدول النامية، بصفة خاصة الصين، والتي كانت احد المصدرين للمعدن، واليوم أصبحت من كبار المستوردين له.

من ناحية أخرى بينما يستحوذ المضاربون حاليا على حوالي 30% من عرض الذهب العالمي في محافظهم (وهو في رأيي مصدر الخطر الرهيب الذي يواجه المضاربين على الذهب)، فإن المضاربين في الفضة يستحوذون فقط على 10% من فضة العالم في محافظهم (أي أنه في حال رغبة صناديق هذا المعدن في التخلص منه عندما تنفجر فقاعة الفضة، لن يزداد العرض العالمي بصورة كبيرة، مثلما أتوقع للعرض العالمي من الذهب، عندما تنفجر فقاعة الذهب)، وبينما يتم استخدام 12% فقط من إنتاج الذهب العالمي في الصناعة، فإن حوالي 50% من العرض العالمي للفضة يتم استخدامه في قطاع الصناعة، ويتم استخدام الفضة أساسا في صناعة الالكترونيات وأقراص السي دي والدي في دي، كما أن هناك آفاقا ضخمة لاستخدام الفضة في صناعة الخلايا الضوئية المستخدمة في توليد الطاقة الشمسية، وهي صناعة ما زالت تواجه آفاقا كامنة غير مستغلة حاليا.

المهم، لا تصدق هذه الادعاءات، لا يوجد شيء في الدنيا تتم المضاربة عليه وترتفع اسعاره الى مالا نهاية، والدروس التاريخية كثيرة في ذلك، ولا يوحد شيء أسمه الوضع مختلف هذه المرة، أو نحن في ظروف مغايرة، نحن في ظروف أزمة، ويوما ما سوف تنتهي هذه الازمة، مثلما انتهت عشرات الازمات التي مر بها العالم مسبقا، ويومها سوف يبدأ حساب المضاربين.
من الناحية الحقيقية فإن العوامل المسئولة عن ارتفاع سعر الفضة، مثلما هو الحال بالنسبة للذهب، هي الدولار الضعيف الذي تحيط به هالات التضخم المرتفع، نظرا لموجات طباعته بشكل مكثف أخيرا، وانتشار التوقعات التضخمية نتيجة الانهيار المنتظر في قيمة الدولار من وجهة نظر البعض، وانخفاض معدلات الفائدة بما يجعل استثمار الاموال في المودعات المصرفية أمر غير مجدي من الناحية الاقتصادية، فضلا عن ارتفاع درجة المخاطرة المصاحبة للاستثمار في السندات، وارتفاع درجة عدم التأكد حول مستقبل النمو الاقتصادي في العالم مع تباطؤ عمليات استعادة النشاط على المستوى العالمي. هذه العوامل هي التي شجعت المضاربين على وضع أموالهم في مخازن أخرى للقيمة، وقد كان الذهب والفضة على رأس تلك المعادن.

حديثا بدأت بقوة حملة تجار الفضة في الترويج للمعدن بهدف خلق هوس آخر على نمط هوس الذهب (بالطبع لضخ المزيد من الدولارات في جيوبهم)، آخر فيلم شاهدته على اليوتيوب بعنوان 3 أسباب لتفوق الفضة على الذهب في العائد(http://www.youtube.com/watch?v=F1uW-zr3WIo&NR=1،) وهي وفقا للفيلم أن الفضة لها استخدامان: صناعي واستثماري (يقصد للمضاربة) بينما يقل استخدام الذهب في الصناعة بصورة واضحة، وأنها رخيصة الثمن، وبالتالي يسهل تملكها (أو بالأحرى سوف تكون خسارتك أقل عندما تنفجر فقاعتها)، والثالث أنها أكثر ندرة من الذهب، بمعنى أن فائض العرض من الفضة المتاح للمضاربة فيه أقل، مقارنة بالذهب، على النحو الذي تمت الاشارة اليه أعلاه.

بقي أن أشير إلى أن هذه ليست دعوة للمضاربة في الفضة المنفوخ أسعارها حاليا.

لمزيد من التفاصيل: http://www.economist.com/node/17151109

الاثنين، أكتوبر 18، 2010

بريطانيا تدخل على خط التيسير الكمي

أفاد مركز بحوث الاقتصاد والأعمال أن بنك بريطانيا (بنك أوف انجلاند) سوف يدخل على خط سياسة التيسير الكمي، وذلك من خلال قراره بشراء سندات حكومية بمبلغ 100 مليون جنيه إسترليني (حوالي 160 مليون دولارا)، لمساعدة عملية النمو في الاقتصاد البريطاني، في الوقت الذي قامت فيه الحكومة بتخفيض الإنفاق. حيث تقوم الحكومة البريطانية اليوم بأكبر عملية تخفيض للإنفاق العام منذ الحرب العالمية الثانية، وذلك نتيجة لبلوغ العجز في الميزانية لمستويات قياسية، ومما لا شك فيه ان مثل هذه الإجراء خلال الأزمة لا يعد إجراء مناسبا لأنه يمكن ان يجر الاقتصاد إلى تراجع مزدوج.

لإبعاد شبح التراجع المزدوج يحاول البنك المركزي البريطاني تحفيز الاقتصاد من خلال هذه الإجراءات، حني يتمكن الاقتصاد من استعادة توازنه نتيجة لاحتمال ان يؤدي خفض الإنفاق على تقييد النمو. ويعتبر القرار البريطاني جزء من خطة التحفيز الاقتصادي لبريطانيا. بهذا الشكل يعد البنك المركزي البريطاني ثالث بنك مركزي عالمي يقوم بتنفيذ هذه الخطوة غير التقليدية ذلك بالتوازي مع البنك المركزي الياباني والاحتياطي الفدرالي

إضافة إلى ذلك سوف يقوم البنك المركزي البريطاني باستهداف معدلات فائدة متدنية، وذلك من خلال تبني سياسة تخفيض معدل الفائدة المرجعي إلى مستويات دنيا 0.5% حتى نهاية 2012. الخطوة التي قام بها البنك المركزي ألبريطاني هي رد فعل للإجراءات المالية التي قامت بها الحكومة للحد من العجز في الميزانية، ولمنع الاقتصاد البريطاني من الانزلاق في دائرة الكساد.

السبت، أكتوبر 16، 2010

أغنى سكان العالم

تراجع ترتيب الولايات المتحدة بصورة كبيرة بعد أن كان صاحبة المركز الأول لأغنى الأشخاص في العالم، هذا العام جاء ترتيب الولايات المتحدة في المركز السابع، وهو تدهور كبير. الجدول التالي يوضح ترتيب الدول حسب متوسط الثروة بالنسبة للشخص البالغ بالدولار، وكذلك معدل النمو في هذا الرصيد مقارنة بالعام السابق. الجدول التالي يوضح ترتيب أكبر عشر دول في العالم من حيث متوسط نصيب الفرد من الثروة.

آخر التقديرات هذا العام تضع الفرد السويسري كأغنى شخص في العالم، حيث يمتلك الشخص البالغ في المتوسط رصيدا من الأصول يساوي 372602 دولارا في المتوسط، يليه النرويجي والاسترالي. الأمر اللافت للانتباه ان الشخص البالغ في سنغافورة أصبح اليوم صاحب المركز الرابع عالميا كصاحب أكبر متوسط ثروة في العالم، وذلك بمتوسط قدره 255488 دولارا.

اعتادت الولايات المتحدة ان تحتل المركز الأول عالميا في متوسط نصيب الفرد من الثروة مقارنة بباقي دول العالم، ولكن يبدو أو الأزمة الاقتصادية وتراجع أسعار الأصول في الولايات المتحدة بصفة خاصة المساكن قد جعل الفرد البالغ الأمريكي يحتل المركز السابع عالميا بمتوسط نصيب من الثروة يساوي 236213 دولارا فقط. الايطالي يتربع المركز العاشر عالميا بمتوسط نصيب للثروة يساوي 226423 دولارا.

تجدر الإشارة إلى ان متوسط نصيب الفرد من الثروة يعكس مستويات النمو ودرجة التقدم الاقتصادي التي تمر بها الدولة، ومما لا شك فيه أنه مع تزايد مستويات النمو على المستوى الكلي يرتفع متوسط نصيب الفرد من الأصول في الدولة، ومن ثم ثروة الأفراد بشكل عام.

أعلى معدلات النمو في متوسط نصيب ا لفرد من الثروة تحقق في استراليا، فخلال العشر سنوات الماضية ازدادت ثروة الاسترالي في المتوسط بمعدل 211%، وهو تطور مذهل حيث تتضاعف ثروة الاسترالي في المتوسط كل خمس سنوات. الجدول يوضح أيضا أسباب تراجع ثروة الفرد الأمريكي خلال العقد الماضي، حيث كانت معدلات نمو متوسط نصيب الفرد من الثروة في العشر سنوات الماضي هي الأقل بين الدول العشر في الجدول. فيم المتوسط تزداد ثروة الأمريكي بمعدل 2.3% سنويا فقط،



المصدر: Credit Swisse AG


مؤشرات متناقضة 2: تراجع الطلبيات الجديدة على القطاع الصناعي الأوروبي.

تراجعت الطلبيات الجديدة على القطاع الصناعي في الاتحاد الأوروبي (27 دولة)، بمعدل 2.3%، إلى أقل مستوى لها منذ 19 شهرا، بصفة خاصة الطلب على السلع الرأسمالية. أكثر من ذلك فقد أشارت مكتب الإحصاءات للاتحاد الأوروبي Eurostat، أن مراجعات نتائج النمو في بيانات الطلبيات الجديدة على القطاع الصناعي والتي تم إصدارها في يونيو قد أشارت إلى تخفيض تلك التقديرات، عن النتائج الأولية التي نشرت لها. أما في يوليو فقد جاء الانخفاض في بيانات النمو في الطلبيات على القطاع الصناعي أكبر مما كان متوقعا، فقد توقع الاقتصاديون أن الطلبيات سوف تكون اقل من الشهر السابق بنسبة 1.6% فقط، بينما جاء إجمالي الانخفاض في النمو بمعدل 2.3% كما أشير أعلاه. الشكل التالي يوضح اتجاهات النمو في الطلبيات الجديدة على انتاح القطاع الصناعي في أوروربا 
المصدر: eurostat

معدل الانخفاض في الطلبيات على القطاع الصناعي يختلف بصورة واضحة بين المجموعات السلعية المختلفة، فقد انخفض الطلب على السلع الرأسمالية بنسبة 5.1% في منطقة اليورو، وبنسبة 5.7% في الاتحاد الأوروبي، أما الطلب على السلع الاستهلاكية المعمرة فقد انخفض بنسبة 3.2% في منطقة اليورو بنسبة 1.7% في دول الاتحاد الأوروبي، بينما انخفض الطلب على السلع الوسيطة بنسبة 0.1% في منطقة اليورو، في الوقت الذي تزايد بنسبة 0.5% في منطقة الاتحاد الأوروبي.

الشكل التالي يوضح معدل نمو الإنتاج الصناعي في دول أوروبا كل على حده، ومن الشكل يلاحظ ان اكبر معدلات النمو المسجلة كانت في أيرلندا، بينما انخفض الإنتاج الصناعي في الدانمرك بنسبة 22.5%، وهو أعلى معدلات الانخفاض في هذا الشهر.

المصدر: eurostat
الأشكال السابقة تؤكد أن استعادة النشاط الاقتصادي في منطقة اليورو قد فقدت بعض العزم الذي تتمتع به، ويمكن أن يعزى ذلك جزئيا إلى الانخفاض في الإنفاق الحكومي الناتج عن سياسات التقشف في الإنفاق التي تبنتها معظم الدول الأوروبية استجابة لاستمرار العجز المرتفع في ميزانياتها. المشكلة هي انه ليس من المتوقع ان يتحسن أداء القطاع الصناعي الأوروبي في الأشهر القادمة بسبب اليورو القوي والذي من المتوقع ان تنعكس آثاره بشكل سلبي على نمو القطاع الصناعي الأوروبي بصورة اكبر في المستقبل.
لمزيد من التفاصيل راجع eurostat: 138/2010

 

الجمعة، أكتوبر 15، 2010

طباعة المزيد من الدولار (التيسير الكمي 2)

نشر في صحيفة الاقتصادية السعودية بتاريخ الجمعة 15/10/2010.
على الرغم من أن التيسير الكمي Quantitative easing عبارة حديثة نسبيا، إلا أنه يشيع استخدامها بكثرة هذه الأيام، وذلك بعد أن تزايدت الدلائل على لجوء الاحتياطي الفدرالي الأمريكي للقيام بطباعة المزيد من الدولار في خطة أطلق عليها التيسير الكمي 2 (QE2)، لمواجهة الأوضاع الاقتصادية المتردية حاليا، وللحيلولة دون تطور تلك الأوضاع على نحو أسوأ، وكان الاحتياطي الفدرالي قد نفذ خطة التيسير الكمي الأولى في نوفمبر 2008، بضخ حوالي 2 تريليون دولار، في محاولة لدفع مستويات النشاط الاقتصادي للخروج من الكساد، ولكن ما هو التيسير الكمي؟، ولماذا يلجأ إليه الاحتياطي الفدرالي، بل والبنوك المركزية في دول العالم؟ وكيف يعمل؟ سوف أحاول في هذا المقال تبسيط العرض الفني للموضوع بصورة كبيرة، حتى يتمكن القارئ غير المتخصص من المتابعة أيضا.

ببساطة شديدة، التيسير الكمي هو قيام الاحتياطي الفدرالي (البنك المركزي) بتخفيف القيود على الكميات المصدرة من الدولار من خلال طباعة كميات جديدة منه، ثم استخدام هذه الدولارات في شراء أوراق مالية، مثل السندات الحكومية، لتضاف إلى محفظة الأصول التي يملكها، فيرتفع جانب الأصول في ميزانية الاحتياطي الفدرالي، وبالطبع يتم تسجيل الدولارات الجديدة التي يصدرها في جانب الالتزامات في ميزانية الاحتياطي الفدرالي. بهذا الشكل يكون كل من جانبي الأصول والخصوم في الميزانية قد ارتفع بقيمة الأوراق المالية التي قام الاحتياطي الفدرالي بشرائها، ويزيد بالتالي حجم ميزانيته، ولذلك يطلق على التيسير الكمي سياسات زيادة حجم الميزانية (ميزانية البنك المركزي).

ويعد التيسير الكمي أحد أدوات السياسة النقدية التي تستخدم في أوقات الأزمات، ونظرا لأنه نادرا ما يستخدم، فإنه يعد من الأدوات غير التقليدية للسياسة النقدية، حيث تلجأ إليه البنوك المركزية في الظروف غير الطبيعية مثل الأزمة الحالية، وببساطة شديدة، مرة أخرى، فإن السياسة النقدية إما ان تستهدف سعر النقود (معدل الفائدة) من خلال استخدام أدوات تؤدي إلى رفع أو تخفيض معدلات الفائدة، حسب مقتضيات النشاط الاقتصادي، وعندما يتغير معدل الفائدة ارتفاعا أو انخفاضا ينتقل اثر ذلك إلى النشاط الاقتصادي (الطلب الكلي) من خلال ما يسمى "بقناة معدل الفائدة" التي تتولى نقل تأثير خفض أو رفع معدل الفائدة إلى الطلب الكلي، ومن ثم معدلات النمو والتوظف والبطالة. أو قد تستهدف السياسة النقدية كمية النقود المتداولة في الاقتصاد، والتيسير الكمي هو أداة لتحقيق الأخيرة.

أما عن كيفية عمل التيسير الكمي، فإن المشكلة الأساسية التي تواجهها البنوك المركزية التي تلجأ إلى هذه السياسية هي أنه في أوقات الكساد تعمل البنوك المركزية على خفض معدلات الفائدة، حتى تبلغ مستويات متدنية للغاية، ربما إلى الصفر، وعندما نصل إلى معدل الفائدة الصفري نكون قد وصلنا إلى ما يسمى بأرضية معدل الفائدة الاسمي، حيث لا يمكن تجاوز هذا الحد إلى أسفل، ومن ثم يفقد البنك المركزي فرصة استخدام كافة أدواته المتاحة لخفض معدلات الفائدة بصورة أكبر لتشجيع عمليات الائتمان في الاقتصاد، أي تصاب أدوات السياسة النقدية التقليدية بالشلل، ويصبح التيسير الكمي خيارا أكثر جاذبية للبنك المركزي، على الرغم من مخاطره. وبما ان مستهدفات السياسة النقدية للاحتياطي الفدرالي حاليا هي الحفاظ على معدل الفائدة بين صفر%-1/4%، فليس هناك مجال أكبر أمام الاحتياطي الفدرالي لتخفيض معدل الفائدة المستهدف، لذا كان الحل في اللجوء إلى التيسير الكمي.

عندما تصل معدلات الفائدة إلى حدها الصفري فإن خيارات السياسة المتاحة أمام صانع السياسة النقدية مع بلوغ معدلات الفائدة المستهدفة إلى مستويات قريبة من الصفر لتحفيز الاقتصاد، تصبح محدودة جدا، ومن هذه الخيارات شراء السندات ذات الآجال الأطول لتعديل هيكل معدلات الفائدة، أو التيسير الكمي، وتخفيض معدلات الفائدة على الاحتياطيات الزائدة التي تحتفظ بها البنوك لدى الاحتياطي الفدرالي، وهو ما يؤدي إلى تقليل إقبال البنوك على الاحتفاظ بفوائض السيولة لديها لدى الاحتياطي الفدرالي، الأمر الذي قد ينشط أسواق الائتمان الخاص، أو رفع معدلات التضخم المستهدف وذلك بهدف تعديل التوقعات التضخمية للجمهور، وهو ما قد يساعد على استعادة مستويات الأسعار المتوقعة بواسطة الجمهور عندما يقومون بعقد عقود في الأجل الطويل، مثل عقود الديون قبل ان يحدث الانكماش السعري. غير ان مثل هذه الإستراتيجية غير مناسبة للولايات المتحدة في الوقت الحالي، حيت تتوافق التوقعات التضخمية مع التضخم الفعلي. وقد أثبت التيسير الكمي من خلال تأثيره على هيكل معدلات الفائدة اثبت انه كان إجراءا فعالا في تخفيض معدل الفائدة من ثم تخفيض تكلفة الاقتراض في أسواق الائتمان الخاص.

ولكن إذا كان معدل الفائدة صفريا أو قريب من الصفر فكيف يسهم التيسير الكمي في رفع مستويات النشاط الاقتصادي والخروج من حالة الكساد؟. يمكن وصف الوضع الحالي في الولايات المتحدة على النحو التالي، أن معدل الفائدة الأساسي على قروض ما بين البنوك، أو ما يطلق عليه معدل الأموال الفدرالية، وهو المستهدف الأساسي للسياسة النقدية الأمريكية، منخفض جدا (صفر تقريبا)، معنى ذلك ان البنوك الأمريكية تقترض احتياجاتها من الأموال بمعدلات منخفضة جدا، ويتمثل الهدف الأساسي من ذلك في حث البنوك على اقتراض المزيد من الأموال ثم إعادة ضخ هذه الأموال للمقترضين من المستهلكين، لتمويل إنفاقهم الاستهلاكي، ولقطاع الأعمال الخاص، لتشجيع عمليات الاستثمار الخاص، ومن ثم زيادة مستويات الطلب الكلي، ولكن البنوك الأمريكية لا تقوم بالإقراض، على الرغم من الفارق الكبير بين تكلفة اقتراضها ومعدل الفائدة على تلك القروض، نظرا لارتفاع حالة عدم التأكد لديها حول احتمالات قيام المقترضين من المستهلكين وقطاع الأعمال الخاص بإعادة سداد هذه القروض، طالما أن الاقتصاد في حالة كساد، وبدلا من ذلك تقوم باستثمار أموالها في شراء سندات طويلة الأجل، هذه السندات تقدم للبنوك معدلات فائدة منخفضة، ولكن درجة المخاطرة المصاحبة للاستثمار فيها منخفضة أيضا.

الأموال إذن لا تتدفق من القطاع المالي إلى الاقتصاد للمساعدة في تنشيط حركة النمو، وتسريع عملية الخروج من الكساد الحالي، وليس هناك أي سبيل لحث البنوك على القيام بذلك، طالما ان توقعاتها حول مستويات النشاط الاقتصادي في المستقبل تشاؤمية. ماذا يفعل الاحتياطي الفدرالي إذن؟ الحل المقترح للخروج من هذا المأزق هو اللجوء إلى أسلوب غير تقليدي، يقوم من خلاله الاحتياطي الفدرالي بطبع مئات المليارات من الدولارات، ثم استخدام هذه الدولارات في شراء الأوراق المالية من البنوك، مثل السندات، فيؤدي ذلك إلى رفع أسعار هذه السندات، ومن ثم انخفاض معدلات العائد الذي تحصل عليه البنوك من الاستثمار في هذه الأوراق المالية، الأمر الذي يجعل عملية الإقراض للأفراد ومؤسسات الأعمال التي ترتفع درجة ملاءتها المالية نسبيا أمرا أكثر جاذبية من الاستثمار في تلك الأوراق. بهذا الشكل تصل النقود المصدرة من جانب الاحتياطي الفدرالي إلى أسواق الائتمان الخاص، ومع زيادة عمليات الائتمان للقطاع الخاص ترتفع مستويات الطلب الاستهلاكي والاستثماري، ومن ثم ترتفع مستويات التوظف والنمو وتتسارع عملية الخروج من الكساد. هذا باختصار شديد آلية عمل التيسير الكمي، أو طباعة الدولار.

لكل أداة من أدوات السياسة النقدية قناة لنقل تأثير تلك الأداة إلى النشاط الاقتصادي، مثل قناة معدل الفائدة وقناة أسعار الأصول .. الخ، ويطلق على قناة نقل اثر التيسير الكمي "قناة توازن أو تعديل المحافظ المالية"، وترتكز قناة التأثير على فرض أساسي هو ان الأدوات المالية المختلفة ليست بديلة لبعضها البعض بشكل مطلق في محافظ المستثمرين، وبالتالي فان التغيرات في صافي العرض المتاح من هذه الأدوات للمستثمرين يؤثر على معدل العائد الذي تحققه، وكذلك على تلك الأدوات المالية البديلة لها. وعلى ذلك فإن مشتريات البنك المركزي من السندات طويلة الأجل تؤثر في الأوضاع المالية وذلك من خلال تغيير كمية وتركيبة الأصول المالية التي يتم الاحتفاظ بها في المحافظ المالية (بالطبع للمؤسسات المالية الكبرى). حيث تؤدي مشتريات البنك المركزي من السندات إلى تقليل معدلات العائد عليها، نتيجة لانخفاض المعروض من هذه السندات للجمهور، وبالتالي ارتفاع أسعارها، الأمر الذي يدفع المستثمرين (المؤسسات المالية) إلى طلب سندات مشابهة في الخصائص من حيث درجة المخاطرة ومدد الاستحقاق، وهو ما يخفض من معدلات العائد على هذه الأصول الأخرى أيضا، الأمر الذي يساعد على زيادة الائتمان المتاح في أسواق الائتمان الخاص.

كما أشرنا أعلاه، سبق أن قام الاحتياطي الفدرالي بتنفيذ خطة للتيسير الكمي يطلق عليها حاليا التيسير الكمي الأول QE1، والتي تمت عبر عدة أشهر بدأت في 25 نوفمبر 2008 حينما أعلن الاحتياطي الفدرالي عن شراء 100 مليار من السندات الإسكانية للمؤسسات التي ترعاها الحكومة (مؤسستي فاني ماي وفريدي ماك والبنوك الفدرالية العقارية)، وكذلك شراء سندات بـ 500 مليار دولار من سندات الرهن العقاري والمدعومة من مؤسسات الرهن العقاري فاني ماي وفريدي ماك وفاني جيني، وفي 28 يناير 2009 أعلنت لجنة السوق المفتوح FOMC بالاحتياطي الفدرالي أنها جاهزة لتوسيع برنامج التيسير الكمي من خلال شراء كميات كبيرة من ديون المؤسسات والسندات المدعومة بالرهن العقاري لتوفير الدعم لسوق المساكن وسوق الرهن العقاري. كذلك أعلنت اللجنة استعدادها لشراء سندات بآجال زمنية أطول لتحسين الأوضاع في أسواق الائتمان الخاص، وفي 18 مارس 2009 قررت اللجنة زيادة حجم ميزانية الاحتياطي الفدرالي بصورة اكبر من خلال شراء سندات مدعومة بالرهن العقاري بحوالي 750 مليار دولار، وهو ما يصل بمشتريات الاحتياطي الفدرالي من تلك السندات إلى 1.25 تريليون دولار في ذلك العام، ولتوفير الدعم إلى أسواق المساكن والرهن العقاري وزيادة مشتريات ديون المؤسسات التي ترعاها الحكومة إلى 200 مليار، كما قررت شراء حوالي 300 مليار دولار من السندات الحكومية ذات الآجال الأطول، وذلك لتحسين الأوضاع في أسواق الائتمان الخاص. بانتهاء خطة التيسير الكمي الأولى كان قد تم ضخ 2 تريليون دولارا تقريبا في شراء الأصول المالية وطبع دولارات جديدة في مقابل هذه الأصول المالية. النتيجة الطبيعية لعمليات التيسير الكمي هذه هي ارتفاع حجم ميزانية الاحتياطي الفدرالي إلى مستويات لم تبلغها من قبل.

استطاعت خطة التيسير الكمي بالإضافة إلى برامج التحفيز الأخرى تحسين أوضاع أسواق الائتمان بصورة جوهرية، وأخذت معدلات النمو ترتفع على نحو واضح، حتى خرج الاقتصاد الأمريكي بالفعل من حالة الكساد، كما سبق أن ذكرنا بالتفصيل في الأسبوع الماضي. غير أن الأوضاع الاقتصادية الكلية حاليا يحيط بها العديد من المخاطر، بصفة خاصة تلك المرتبطة بضغوط سوق العمل، واستمرار ارتفاع معدلات البطالة على نحو غير مسبوق منذ الكساد العالمي الكبير، نتيجة ضعف معدلات النمو، وقد أدى ارتفاع معدل البطالة إلى تقييد دخول القطاع العائلي، ومن ثم أثار قدرا كبيرا من عدم التأكد حول درجة أمان الوظائف، وانخفضت بالتالي درجة الثقة في الأوضاع الاقتصادية الكلية. ولا شك أن البطالة تعد من أكبر التحديات التي تواجه الاقتصاد الأمريكي، وأن خفض معدلات البطالة سوف يتطلب المزيد من الوقت قبل أن تعود إلى مستوياتها في الأجل الطويل، ولكن ما إن يبدأ الاقتصاد يقوى وتؤمن الشركات بأن استعادة النشاط تأخذ النمط المستدام، فان معدلات التوظيف والنمو سوف ترتفع، وحتى يحدث ذلك لا بد للاحتياطي الفدرالي من التحرك على نحو فعال.

كما تلتزم لجنة السوق المفتوح بحماية الاقتصاد من التضخم، فإنها أيضا ملتزمة بمقاومة تحول الأسعار في الاتجاه النزولي، وتشير تطورات معدل التضخم إلى ارتفاع مخاطر الانكماش السعري (تراجع الأسعار)، بحيث أصبح الخطر الذي يتخوف منه البعض الآن ليس التضخم وإنما الانكماش السعري، ولكن أليس الانكماش السعري أمرا جيدا، أن يرى الناس الأسعار تنخفض، الإجابة هي لا، لأن الانكماش السعري له مضاره أيضا، على سبيل المثال أدى الانكماش السعري في اليابان إلى تراجع واضح في معدلات النمو، وزيادة معدلات البطالة، واضطراب في القطاع المصرفي وقطاع الإنتاج، وبغض النظر عن الأسباب، فإن الانكماش السعري لعب دورا هاما في استمرار الركود الاقتصادي لليابان. الجميع الآن يخشى من انخفاض الأسعار أكثر من التضخم الذي تصل معدلاته حاليا إلى الصفر تقريبا، لان الانكماش السعري يمكن أن يسبب ما يسمى بالحلزون النزولي للأسعار، والذي ما إن يبدأ حتي يمثل تهديدا خطيرا للاقتصاد حيث يصعب وقفه. المشكلة أنه مع تراجع الأداء على المستوى الكلي فإن مخاطر الانكماش السعري تتزايد، ومن المعلوم أن هناك تعارضا بين هدفي الاستقرار السعري والنمو، ولكن في ظل الأوضاع الحالية ليس هناك تعارضا بين الهدفين، حيث أن رفع معدلات النمو يساعد على مكافحة الانكماش السعري في ذات الوقت.

تتصاعد التخمينات حاليا حول حجم التيسير الكمي المتوقع هذه المرة، فالبعض يرى انه سوف يكون على نطاق واسع، والبعض الآخر يعتقد أنه سوف يكون بجرعات خفيفة هذه المرة، أو ربما يكون التدخل تدريجيا من خلال البدء بعمليات شراء على نطاق محدود، بحيث يمكن تعديل عمليات الشراء استنادا إلى ما يحدث لعملية استعادة النشاط، ولكن من المؤكد أن حجم التيسير الكمي الذي يتوقع أن تعلن عنه لجنة السوق المفتوح في الثالث من نوفمبر القادم سوف يعتمد على مسار العديد من المؤشرات الاقتصادية أهمها تقرير أوضاع سوق العمل في شهر سبتمبر، والذي أصدره مكتب إحصاءات العمل مؤخرا، وجاء لسوء الحظ مخيبا للآمال، حيث حمل أخبارا غير سارة عن معدلات فقدان الوظائف في سوق العمل الأمريكي، وضعف عمليات خلق الوظائف من جانب قطاع الأعمال الخاص، مع استمرار معدلات البطالة عند 9.6%، وهو معدل مرتفع جدا مقارنة بالاتجاه العام لمعدل البطالة في الولايات المتحدة. كما سيعتمد كذلك على التقديرات المبدئية حول معدل النمو في الاقتصاد الأمريكي للربع الثالث من هذا العام والذي سيعلن في 29 أكتوبر القادم.

ولكن ماذا عن مخاطر التيسير الكمي؟ تتمثل المشكلة الأساسية في خيار التيسير الكمي في ان الاحتياطي الفدرالي ليس لديه تجربة كافية في تطبيق هذه الأداة من أدوات السياسة النقدية، ومن ثم فليس لديه معلومات دقيقة حول الآثار الكامنة لمثل هذا الخيار، بصفة خاصة الأثر على سوق المال. ذلك أن أكبر الآثار الايجابية لهذا الخيار تحدث عندما تزداد الضغوط المالية، وتكون السيولة محدودة في الأسواق ومن ثم تكون معدلات الفائدة مرتفعة، ولكن عندما تكون معدلات الفائدة، منخفضة مثلما هو الحال، الآن يصعب التكهن بنتائج هذا الخيار بدقة.

مصدر القلق الثاني هو ان لجوء الاحتياطي الفدرالي إلى التوسع في ميزانيته يمكن أن يقلل من ثقة الجمهور في قدرته على رسم وتنفيذ خطة سلسة للخروج من السياسات التي يتبعها في الوقت الحالي، ومثل هذا الشعور لدي الجمهور يمكن أن يزيد من التوقعات التضخمية في المستقبل. بالطبع فإنه في مثل الظروف الحالية عندما يكون التضخم منخفضا أو سالبا، فإن مثل هذه التوقعات تكون ايجابية على الاقتصاد، ولطمأنة الجمهور في هذا الصدد قام الاحتياطي الفدرالي بتطوير مجموعة من الأدوات التي تضمن خروجه من هذه السياسات التوسعية بيسر عندما يتطلب الأمر ذلك، على أمل أن يساعد ذلك في طمأنة الجمهور ويعطي الحرية للبنك المركزي للقيام بعمليات التيسير الكمي.

أما أكبر مخاطر التيسير الكمي فهي أن يفقد الدولار الثقة فيه، ويسارع الجمهور بالتخلص من الأصول المالية الدولارية، بصفة خاصة خارج الولايات المتحدة، ويفقد الدولار دوره كعملة الاحتياط الأولى للعالم، ومن ثم يخرج التضخم عن نطاق السيطرة، وهي كلها احتمالات ضعيفة جدا.

بقي أن أشير إلى أن التيسير الكمي سياسة لا يقتصر استخدامها حاليا على الولايات المتحدة، ففي خطوة أحدثت صدمة في الأسواق عبر دول العالم، أعلن بنك اليابان عن خطة ضخمة للتيسير الكمي بشراء أصول جديدة وخفض معدلات الفائدة لمدة ليلة إلى مستويات قريبة من الصفر. كما يتردد الآن ان البنك المركزي البريطاني ينوي بدء خطة للتيسير الكمي. بعد إعلان البنك المركزي الياباني عن خطته ارتفع الذهب بأكثر من 20 دولارا، وبالطبع لن تكون هذه هي القفزة الأخيرة، فمن المتوقع حدوث قفزة أخرى في أسعار الذهب في نوفمبر القادم مع إعلان الاحتياطي الفدرالي لخطة التيسير الكمي الثانية. من المتوقع أيضا أن تشهد أسواق الأسهم زيادة في الأسعار، بصفة خاصة في الأسواق الناشئة، والمتتبع لأسعار الأصول والسلع يلاحظ أن آثار الإعلان عن خطة التيسير الكمي الثانية واضحة على كافة الأصول تقريبا، فقد أخذت أسعار الأسهم في التزايد، كما ارتفعت قيم العملات الأجنبية بالنسبة للدولار بصفة خاصة اليورو الذي حقق مكاسب واضحة أمام الدولار، كذلك أخذت أسعار النفط في التزايد على نحو واضح الأسبوعين الماضيين، وقد بات واضحا للعيان أن عملية التيسير الكمي التي تهدف إلى مساعدة الاقتصاد ربما تؤدي إلى تكوين بالون أسعار أصول.

وأخيرا فإن البعض يعتقد ان الأزمة الحالية تمثل نهاية الاقتصاد الأمريكي الذي لن تقوم له قائمة بعد اليوم، فهل فعلا سيقع الاقتصاد الأمريكي في مصيدة الانكماش السعري ومن ثم في الركود طويل الأجل، الإجابة هي بالتأكيد لا، لعدة أسباب أهمها المرونة الكبيرة والاستقرار الهيكلي الذي يتمتع يهما الاقتصاد الأمريكي، فقد تعرض الاقتصاد الأمريكي عبر عشرات السنين لعشرات الصدمات واثبت قدرة واضحة على امتصاص كافة الصدمات التي تعرض لها، واستعاد نشاطه واستكمل نموه ، وقد ساعدت مرونة الأسواق الأمريكية في رفع قدرة الاقتصاد الأمريكي على التعامل مع تلك الصدمات، وعلى الرغم من قوة الصدمة الأخيرة التي تعرض لها سوق المال الأمريكي إلا ان البنوك الأمريكية الكبرى ما زالت حتى الآن في وضع متين.

الاثنين، أكتوبر 11، 2010

مؤشرات متناقضة 1: البطالة ما زالت مرتفعة

جاء تقرير مكتب إحصاءات العمل الأخير عن أوضاع سوق العمل في الولايات المتحدة سبتمبر الماضي مخيبا للآمال، حيث انخفضت أعداد الوظائف في القطاع غير الزراعي في سبتمبر بحوالي 95000 وظيفة، بينما انخفضت أعداد الموظفين في القطاع الحكومي بحوالي 195000 وظيفة، وهو ما يعكس الانخفاض في أعداد الوظائف المؤقتة التي تم توظيفها لإجراء إحصاء 2010، وكذلك الخسائر في الوظائف في القطاع الحكومي. الشيء اللافت للنظر ان التوظف في القطاع الخاص استمر في الارتفاع ولكن على نحو ضعيف جدا بحوالي 64000 وظيفة، وهو اشارة ايجابية وان كانت ضعيفة. ونتيجة لهذا التطورات فإن معدل البطالة الرسمي (U3) ما زال كما هو مرتفعا عند 9.6%.

الشكل التالي يوضح اتجاه معدل البطالة في الولايات المتحدة خلال الكساد الحالي بدءا من سبتمبر 2008، حتى سبتمبر 2010. الشكل يوضح انه على الرغم من بلوغ الاقتصاد الأمريكي قاع التوظف في سبتمبر 2009 تقريبا، إلا ان معدل البطالة ما زال مرتفعا ويقاوم التحسن على نحو واضح خلال السنة الماضية.

 
المصدر: BLS: THE EMPLOYMENT SITUATION – SEPTEMBER 2010
الشكل التالي يوضح معدلات التغير في التوظف في القطاع غير الزراعي في العامين السابقين أيضا. لاحظ انه على الرغم من تحقيق بعض التحسن في معدلات التوظف في القطاع غير الزراعي بدءا من يناير 2010 حتى منتصف 2010 تقريبا إلا أن التوظف في هذا القطاع قد بدأ في التراجع على نحو واضح خلال الأربعة أشهر الأخيرة، إلى الدرجة التي دعت البعض إلى الحديث عن احتمالات حدوث تراجع مزدوج في الاقتصاد الأمريكي.

المصدر: BLS: THE EMPLOYMENT SITUATION – SEPTEMBER 2010



المصدر: BLS: THE EMPLOYMENT SITUATION – SEPTEMBER 2010

الشكل التالي يوضح اتجاهات فقدان الوظائف في الكساد الحالي مقارنة بكافة حالات الكساد التي مرت على الاقتصاد الأمريكي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. أنظر بصفة خاصة المنحنى الأحمر، والذي يوضح معدلات فقدان الوظائف في الكساد الحالي، لاحظ أن الشكل يشير إلى أن هناك انتكاسة في معدلات خلق الوظائف، وأنه على الرغم من بلوغ قاع عمليات فقدان الوظائف في سوق العمل الأمريكي منذ نحو 8 أشهر تقريبا، إلا أن معدلات فقدان الوظائف قد عادت للارتفاع مرة أخرى وعلى نحو مستمر خلال الأربعة أشهر الماضية.

المصدر: http://calculatedriskimages.blogspot.com/2010/10/percent-job-losses-and-recessions-sept.html

ما هي خلاصة التحليل للأشكال السابقة؟ الخلاصة هي أن أوضاع سوق العمل الأمريكي مازالت مخيبة للآمال، وأن معدل البطالة ما زال مرتفعا على نحو يثير القلق، كما يعكس حقيقة أن عمليات النمو في النشاط ما زالت اقل من المستوى اللازم للسيطرة على مستويات البطالة المرتفعة وإعطاء العزم الكافي لكل من الإنفاق الاستهلاكي والاستثمار الخاص على النحو الذي يخفف من ضغوط البطالة في سوق العمل، ويوفر أساس مناسب للنمو الذاتي للاقتصاد الامريكي بعيدا عن جهود التحفيز التي تمارسها الحكومة الأمريكية على نحو مكثف منذ بدء الأزمة، وتسببت في تحقيق عجز مالي قياسي ساعد على ارتفاع الدين العام الأمريكي على نحو غير مسبوق، وكذلك على تزايد الضغوط على قيمة الدولار الامريكي نحو التراجع في مقابل العملات الأخرى، بصفة خاصة اليورو.




الجمعة، أكتوبر 08، 2010

هل انتهى الكساد الحالي في الولايات المتحدة: 2

نشر في جريدة الاقتصادية السعودية بتاريخ الجمعة 8/10/2010
ذكرنا في الأسبوع الماضي أن لجنة توقيتات دورة الأعمال بالمعهد القومي للبحوث الاقتصادية أعلنت أن الكساد الأخير الذي مرت به الولايات المتحدة قد انتهى من الناحية الرسمية في يونيو 2009، ويفترض بالتالي أن الاقتصاد الأمريكي بعد الوصول إلى نقطة قاع النمو في هذا الشهر قد بدأ بالفعل الدخول في مرحلة التوسع وبالتالي الخروج من حالة الكساد، ومن المؤكد أن هذا التحول في اتجاه الكساد يعكس أساسا جهود الإنقاذ وبرامج التحفيز المالي والنقدي التي اتبعتها الولايات المتحدة بشكل مكثف في هذه الأزمة. فهل انتهى الكساد الحالي في الولايات المتحدة بالفعل؟

تنبغي الإشارة أولا إلى أن إعلان المعهد القومي للبحوث الاقتصادية عن انتهاء الكساد قد أثار دهشة الكثير من المراقبين والذين تشككوا في مدى صحة أو واقعية هذه الخلاصة التي توصل إليها. فمن الناحية الواقعية بعد أن بلغ الاقتصاد الأمريكي قاع الكساد، واصلت معدلات البطالة ارتفاعها المستمر، وفقد سوق العمل الأمريكي حوالي مليون فرص عمل في الأربعة أشهر التي تلت قاع النمو، وذلك نظرا للفجوة الزمنية التي غالبا ما تكون بين قاع النمو وقاع التوظف، ثم شهد معدل البطالة بعد ذلك تحسنا بطيئا جدا، وهو ما يستدل به البعض، على أن الاقتصاد الأمريكي ما زال في حالة كساد.

الواقع أن هناك تباين واضح في الوقت الحالي في وجهات النظر حول أوضاع الاقتصاد الأمريكي وآفاق النمو المتوقعة فيه، ففريق يرجح احتمال حدوث كساد أو تراجع مزدوج، ويستدل على ذلك باستمرار ارتفاع معدلات البطالة واستمرار ضغوط سوق العمل، فضلا عن تراجع معدلات النمو المقدرة في المراجعات المستمرة التي يعلنها المكتب الأمريكي للتحليل الاقتصادي، وفريق آخر يرى أن الاقتصاد الأمريكي قد خرج بالفعل من الكساد وأنه بدأ يواصل عملية التوسع، وأن المسألة مسألة وقت قبل أن يعلن عن خروج الاقتصاد الأمريكي نهائيا من الأزمة الحالية.

الجمهور الأمريكي متخوف من آفاق عملية استعاد النشاط في الفترة القادمة، ومسوحات الرأي العام تشير إلى ميل الجمهور إلى الاعتقاد بارتفاع مخاطر التراجع المزدوج، وأن التوسع الحالي سوف يستمر لفترة قصيرة جدا، قبل أن يدخل الاقتصاد مرة أخرى في الكساد التالي، والذي يعتقد البعض أنه ربما يكون أسوأ من الكساد الأول، أو أكثر حدة منه. ولا أدري على أي أسس يتم إطلاق مثل هذه الأحكام، أو تكوين هذه الآراء القاطعة.

حتى لا يكون تحليلنا غير قائم على أساس علمي، أو مجرد تكهنات لا تسندها أرقام من الواقع الاقتصادي الأمريكي، دعونا نستعرض الأداء الاقتصادي على المستوى الكلي، منذ أن بلغ الاقتصاد الأمريكي قاع النمو في يونيو 2009. البيانات المنشورة عن أداء النمو في الناتج المحلي الإجمالي في الربع الثالث من العام الماضي تشير إلى تحقيق الاقتصاد الأمريكي لمعدل نمو موجب بلغ 1.6%، وارتفع هذا المعدل بشكل واضح في الربع الرابع من 2009، حيث بلغ معدل النمو 5%. أدى تحقيق مثل هذه المعدلات المرتفعة إلى بدء الحديث عن الخروج من الكساد وانتهاء الأزمة، وتم تعديل سيناريوهات النمو المتوقع على المستوى العالمي إلى أعلى استنادا إلى هذه النتائج، وكذلك تهيئة العالم للخروج من الأزمة في 2010. غير أنه مع بداية العام أخذت معدلات النمو الحقيقي في التراجع شيئا فشيئا، ففي الربع الأول من هذا العام انخفض معدل النمو في الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي (بأسعار 2005) إلى 3.7%، كما كشفت مراجعات معدلات النمو في الناتج المحلي في الربع الثاني من هذا العام عن تحقيق معدلات نمو اقل بكثير من تلك التي تم الإعلان عنها مبدئيا، حيث انخفض معدل النمو إلى 1.7%.

من الناحية الفنية تشير هذه البيانات التي بين أيدينا إلى تراجع معدل النمو، أو بالأحرى فقدان الاقتصاد الأمريكي لبعض العزم الذي اكتسبه نتيجة برامج التحفيز، مما جعل معدلات النمو تتراجع إلى النحو الذي جعل البعض يعتقد أن الاتجاهات الحالية للنمو في ظل المستويات المرتفعة للبطالة تهدد بدخول الاقتصاد الأمريكي حالة الكساد مرة أخرى.

غير أن البيانات السابقة تشير إلى أن النمو الذي يحققه الاقتصاد الأمريكي حتى هذه اللحظة ما زال موجبا، وما زالت مقاومة الاقتصاد الأمريكي لضغوط التراجع المزدوج قائمة، وان كانت ضعيفة، ومن الناحية الواقعية فإن تراجع معدلات النمو لم يصل بعد إلى المستوى الذي يخشى معه انزلاق الاقتصاد الأمريكي في الكساد مرة أخرى، ومازال من المبكر الحديث عن حدوث تراجع مزدوج حتى هذه اللحظة. صحيح ان معدلات النمو تتراجع، ولكنها ما زالت موجبة، وما زلنا في انتظار النتائج التي سيعلن عنها مكتب التحليل الاقتصادي الأمريكي عن معدلات النمو في الربع الثالث من هذا العام، حتى تتدعم الاتجاهات الحالية لتراجع معدلات النمو مدعومة بالتوقعات التشاؤمية حول المستقبل، أو تنعكس تلك الاتجاهات بارتفاع معدلات النمو مستفيدة من التوقعات المستندة إلى إصرار الحكومة الأمريكية على استمرار توفير العزم الكافي لرفع معدلات النمو بأي ثمن، بما في ذلك خطة التيسير الكمي الثانية، ومدى تأثير ذلك على توقعات وقرارات قطاع الأعمال الخاص.

هذا عن الواقع الحالي، ولكن ماذا عن توقعات المستقبل؟ تنبغي الإشارة إلى أن التوقعات تتدعم حاليا باستمرار النمو في الجزء المتبقي من هذا العام عند معدل 1.6%، خصوصا وأن الاحتياطي الفدرالي لم يبدأ بعد عملية رفع معدلات الفائدة، وأنه ربما يبدأ تسارع معدل النمو في 2011، طالما أن الاحتياطي الفدرالي لم يرفع معدلات الفائدة، والواقع أنه ليس هناك دلائل عن عزمه على القيام بذلك. من ناحية أخرى فإن منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أشارت إلى أن استعادة النشاط الاقتصادي على المستوى العالمي تتراجع بصورة أسرع مما مضى إلى الحد الذي دعاها إلى مراجعة توقعاتها حول النمو العالمي، خصوصا بالنسبة لاقتصاديات مجموعة الدول السبع الرائدة اقتصاديا في العالم. غير أن توقعات المنظمة تشير إلى أن عودة العالم لكساد أمر غير محتمل، على الرغم من استمرار حالة عدم التأكد عند مستويات مرتفعة حاليا، بسبب مزيج من العوامل المرتبطة بتطورات المؤشرات الاقتصادية على المستوى الكلي، وأن معدلات النمو المتوقعة في 2011 لمجموعة الدول السبع تمت مراجعتها وتخفيضها إلى 1.5% بدلا من 1.75%.

التوقعات حتى الآن تدور إذن على أن الاقتصاد الأمريكي سوف يستمر في تحقيق معدلات نمو منخفضة، ولكنها موجبة، ومجموعة الدول السبع، بما فيها الولايات المتحدة، سوف تستمر أيضا في تحقيق معدلات نمو موجبة، وان كانت منخفضة. إذا كان الوضع كذلك فإن احتمالات عودة الكساد مرة أخرى تكون مستبعدة إذن، وأن التراجع المزدوج ربما يختفي من الصورة المرسومة حاليا حول مستقبل عملية التوسع الاقتصادي في الجزء المتبقي من هذا العام والعام القادم، وفقا لهذه التوقعات. الاقتصاد الأمريكي ما زال حتى هذه اللحظة يقف على قدميه في مرحلة التوسع، وإن كان ذلك في ظل إشارات قوية عن ضعف معدلات النمو، أو التوسع، والإشارات التي تأتينا هي بشكل عام مختلطة، بعضها ايجابي والبعض الآخر سلبي، مما يعكس ضعف عمليات استعادة النشاط بشكل عام، ولكن ما يجب التأكيد عليه هو أنه على الرغم من ضعف معدلات النمو بعد الخروج من أكبر حالات الكساد التي مرت على الاقتصاد الأمريكي كثافة في السبعين عاما الماضية، إلا أن الاقتصاد لم يدخل بعد في عملية تراجع آخر، أو لم يبدأ، على الأقل من الناحية الرسمية، كساد جديد في الولايات المتحدة، وما زالت الشروط الأساسية للخروج بشكل نهائي من الأزمة في 2011، قائمة حتى الآن، كما يقول بن برنانكي رئيس الاحتياطي الفدرالي، مما يعكس تزايد الثقة باحتمالات الخروج من الأزمة في هذا العام.

أما عن اتجاهات البطالة فلابد من الإشارة إلى أنه من الطبيعي أن تستمر معدلات البطالة مرتفعة بعد بلوغ قاع النمو، والدلائل التاريخية تشير، مرة أخرى، إلى ذلك. على سبيل المثال في كساد 1992 استمرت معدلات البطالة مرتفعة لمدة 11 شهرا بعد إعلان انتهاء الكساد رسميا من جانب المعهد القومي للبحوث الاقتصادية، أما في كساد 2002، فقد استمرت معدلات البطالة مرتفعة لمدة 20 شهرا بعد إعلان انتهاء الكساد من الناحية الرسمية. بل بالعودة إلى كافة حالات الكساد التي مرت على الاقتصاد الأمريكي في أعقاب الحرب العالمية الثانية وجد أن استمرار المعدلات المرتفعة للبطالة بعد بلوغ قاع النمو هو أمر طبيعي.

خلاصة التحليل السابق هي أن كساد 2007-2009 قد انتهى من الناحية الرسمية، ولكن عملية استعادة النشاط الاقتصادي إلى مستوياته الطبيعية ما زالت ضعيفة أو ربما يحيط بها الكثير من المخاطر. ولكن ماذا تحتاج الولايات المتحدة لتعزيز عملية استعادة النشاط الاقتصادي؟ الإجابة هي مزيد من التحفيز للاقتصاد لخلق العزم اللازم لدفع القطاع الخاص نحو الاستثمار واستمرار عملية النمو، هذه المرة سوف يكون التحفيز نقديا، وذلك بطبع المزيد من الدولار، أو ما يطلق عليه خطة التيسير الكمي الثانية، للحفاظ على المستهدفات الحالية لمعدلات الفائدة عند مستويات قريبة من الصفر، ولتحفيز عمليات الائتمان للقطاع الخاص، فمازال قطاع الأعمال الخاص غير قادر على خلق فرص العمل الكافية للتخلص من ضغوط معدلات البطالة المرتفعة.

غير أن الأمر الذي ينبغي التأكيد عليه هو أنه ما لم يبدأ قطاع الأعمال الخاص في ضخ الكميات اللازمة من الاستثمار وخلق فرص التوظف عند مستوياتها الطبيعية، سيظل الحديث مستمرا عن احتمالات التراجع المزدوج، والمشكلة الأساسية هي أن التدخل الحكومي على أهميته، ليس كافيا لاستدامة النمو، ذلك أن عملية استعادة النشاط لا تبدأ من الناحية الحقيقية إلا من خلال استثمارات قطاع الأعمال الخاص.

ولكن ما هو التيسير الكمي، وما هي ملامح الخطة القادمة لعملية طبع الدولار، هذا هو موضوع الحلقة القادمة إن شاء الله.