الأحد، نوفمبر 28، 2010

مؤشرات متناقضة 10: لجنة السوق المفتوح تراجع تقديراتها للنمو بالانخفاض

في اجتماعها الأخير هذا الأسبوع قامت لجنة السوق المفتوح بالاحتياطي الفدرالي للولايات المتحدة بمراجعة تقديراها حول معدلات النمو والبطالة والتضخم خلال الفترة من 2010-2013 وفي المدى الطويل. الأمر اللافت للانتباه هو ان تعديلات التوقعات التي نشرتها اللجنة تخفض التوقعات حول معدلات النمو مقارنة بتوقعاتها السابقة. الجدول التالي يلخص هذه التوقعات. ولكن لماذا تقتصر توقعات اللجنة على النمو والتضخم والبطالة؟

لجنة السوق المفتوح هي اللجنة التي تصيغ وتنفذ السياسة النقدية في الولايات المتحدة الأمريكية، والسياسة النقدية هي استخدام الاحتياطي الفدرالي لأدوات السياسة النقدية (بصفة خاصة عمليات السوق المفتوح) بهدف الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي، ويقصد بالاستقرار الاقتصادي تحقيق التوازن بين 3 أهداف متعارضة، الأول هو تعظيم معدلات النمو في الناتج المحلي الحقيقي لرفع مستويات الدخول وزيادة مستويات الرفاهية، والثاني هو تدنية معدلات البطالة للحفاظ على معدلات التوظف عند مستويات مرتفعة، والثالث هو تثبيت معدلات التضخم عن مستويات منخفضة للحفاظ على القوة الشرائية للنقود ومنعها من التدهور وتثبيت معدل صرف العملة والحفاظ على القوة الشرائية لدخول الأفراد في المجتمع. ولا شك ان رفع معدل النمو سوف يؤدي إلى تخفيض معدل البطالة، إلا أنه سوف يرفع من درجة سخونة الاقتصاد نتيجة زيادة مستويات الطلب الكلي الأمر الذي يرفع معدل التضخم، كما أن محاولة السيطرة على معدل التضخم من خلال تخفيض مستويات الطلب الكلي سوف يترتب عليها تراجع معدلات النمو ومن ثم ارتفاع معدلات البطالة. العلاقة بين التضخم والبطالة علاقة عكسية، وبين النمو والبطالة علاقة عكسية أيضا، وبين النمو والتضخم علاقة طردية. لهذا السبب نجد ان مهمة البنك المركزي دائما هي مهمة صعبة، وتبدو صعوبتها في كيفية إحداث التوازن المناسب بين النمو والبطالة والتضخم.

ويتم الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي من خلال التحكم في معدل الفائدة المستهدف بواسطة الاحتياطي الفدرالي، وهذا المعدل هو الأموال الفدرالية Federal Funds Rate، ويقصد بمعدل الأموال الفدرالية، معدل الفائدة على قروض ما بين البنوك الأمريكية لمدة ليلة واحدة Overnight rate، حيث تتبادل البنوك الاحتياطيات الزائدة فيما بينها لمدة ليلة. فإذا أراد الاحتياطي الفدرالي ان يرفع من مستويات الطلب الكلي (يخفض معدل البطالة ويرفع معدل التضخم)، فإنه يلجأ إلى عمليات شراء مفتوح (شراء السندات من سوق السندات) وضخ المزيد من الاحتياطيات الدولارية لدى البنوك، فيزداد عرض الاحتياطيات في البنوك، وينخفض معدل الأموال الفدرالية وبالتالي تنخفض باقي أشكال معدل الفائدة الأمر الذي يرفع من الطلب الاستهلاكي والاستثماري كما يزيد صافي الصادرات. أما إذا أراد الاحتياطي الفدرالي ان يخفض من مستويات الطلب الكلي (يخفض من معدل التضخم ويرفع من معدل البطالة)، فإنه يلجأ على عمليات البيع المفتوح (بيع السندات في سوق السندات) وسحب المزيد من الاحتياطيات الدولارية من البنوك، فيقل عرض الاحتياطيات في البنوك ويرتفع معدل الأموال الفدرالية وبالتالي ترتفع باقي أشكال معدلات الفائدة، الأمر الذي يخفض من مستويات الطلب الكلي بأشكاله المختلفة.


ويوضح الجدول التالي توقعات لجنة السوق المفتوح خلال الفترة من 2010-2013 بعد المراجعة، وكما هو موضح بالجدول التالي يتوقع ان تصل معدلات النمو في الناتج في 2010 ما بين 2.4-2.5%، وهي معدلات تقل عن التوقعات السابقة للجنة في يونيو الماضي والتي كان تدور حول 3-3.5%. وفقا للجنة يتوقع ان تستمر معدلات النمو في التصاعد ببطء حتى تصل إلى 3.5-4.6% في 2013، بينما يتوقع ان يبلغ معدل النمو على المدى الطويل 2.5-2.8%. في مقابل هذه المعدلات المتزايدة للنمو تتوقع لجنة السوق المفتوح ان تخف الضغوط في سوق العمل نتيجة ميل معدلات البطالة نحو التراجع من 9.5% إلى 6.9-7.4% في عام 2013. لاحظ ان اللجنة وفقا لهذه التقديرات تصبح أكثر تشاؤما حول مستقبل معدلات البطالة في الولايات المتحدة، خلال الأعوام 2010-2013، قبل أن تعود معدلات البطالة إلى مستوياتها الطبيعية على المدى الطويل بين 5-6%.


المصدر: Minutes of the Federal Open Market Committee November 2–3, 2010

 
بالنسبة لمعدلات التضخم، فإن اللجنة قامت بتعديل تلك المعدلات بصورة هامشية نحو الأعلى، ربما بسبب توقعاتها لآثار سياسات التيسير الكمي 2، ولكن اللافت للنظر هو أن معدلات التضخم المتوقعة مازالت منخفضة للغاية وأقل من معدلات التضخم المستهدف بواسطة الاحتياطي الفدرالي والتي تدول حول معدل 2% سواء في الأجل القصير أو في الأجل الطويل. ماذا تعني تقديرات لجنة السوق المفتوح حول معدل التضخم التي تدور في 2013 أو في الأجل الطويل حول معدل 2.0%، إن ذلك يمثل رسالة إلى المراقبين بأن الاحتياطي الفدرالي يمسك بزمام الأمور، وان معدل التضخم في الولايات المتحدة سوف يكون دائما تحت سيطرة الاحتياطي الفدرالي ويتوافق مع مستهدفاته المعلنة حول معدل التضخم والتي هي 2%. الاحتياطي الفدرالي بهذا الشكل ينظر إلى الادعاءات التي يتفوه بها البعض عن دخول الولايات المتحدة في مرحلة تضخم مرتفع على أنها نوع من الهراء.

ماذا تعني هذه التوقعات؟ إذا كانت توقعات لجنة السوق المفتوح حول مستقبل معدلات النمو والتضخم دقيقة، فلا خوف إذن على مركز الدولار الدولي في المستقبل.







السبت، نوفمبر 27، 2010

مؤشرات متناقضة 9: معدل نمو الناتج الأمريكي يتزايد

كان مكتب التحليل الاقتصادي في الولايات المتحدة قد نشر تقديرات معدلات النمو في الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي عن الربع الثالث من هذا العام، والتي أظهرت التقديرات المبدئية له أن معدل النمو المقدر لهذا الربع هو 2%. يوم الثلاثاء الماضي 23 نوفمبر أصدر مكتب التحليل الاقتصادي المراجعة الثانية لبيانات معدل النمو عن هذا الربع من السنة، والتي تحمل أخبارا سارة، حيث تشير إلى أن معدل النمو في الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بعد المراجعة تبلغ 2.5%. ما زال هناك مجال أخير لمراجعة تلك التقديرات والتي ستنشر في يوم الأربعاء 22 ديسمبر القادم، حيث سيتم نشر التقديرات النهائية لمعدل النمو للربع الثالث من هذا العام.

ترجع الزيادة في تقديرات معدل النمو إلى ارتفاع معدل الإنفاق الاستهلاكي الشخصي من 2.6% إلى 2.8%، وارتفاع معدل نمو الصادرات بمعدل 0.24%، عما كان مقدرا، وارتفاع الإنفاق الحكومي بمعدل نمو 1% عما كان مقدرا. بينما أشارت المراجعة إلى تراجع الإنفاق الاستثماري في القطاع العقاري غير السكني إلى -5.7%.

معدل النمو المحقق في الربع الثاني من هذا العام هو 1.7%، وهو ما يعني أنه وفقا لهذه التقديرات فإن معدل النمو في الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي آخذ حتى الآن في التزايد.

أتوقع ان يشهد الاقتصاد الأمريكي معدل نمو أعلى في الربع الرابع من هذا العام مدفوعا بعدة عوامل أهمها تزايد الإنفاق الاستهلاكي الشخصي في أعياد الميلاد، والثاني هو أثر خطة التيسير الكمي 2 والتي ستبدؤها لجنة السوق المفتوح في الاحتياطي الفدرالي الأمريكي.

يفترض من الناحية النظرية ان تعدل لجنة السوق المفتوح في الاحتياطي الأمريكي من تقديراتها حول فاتورة التيسير الكمي، وتقلل من عمليات اصدار المزيد من الدولار الامريكي، إذا استمرت معدلات النمو في الارتفاع في الفترة القادمة، غير أنني أتوقع أنها لن تقوم بذلك، فالحزب الحاكم حاليا مصمم على ان يدخل الانتخابات الرئاسية القادمة بصورة أفضل للاقتصاد الأمريكي، بعد ان فقد جانبا كبيرا من الأصوات في انتخابات التجديد النصفي لمجلسي الشيوخ والكونجرس. الإدارة الاقتصادية الأمريكية الحالية مصممة على خلق رواج داخلي بأي ثمن، حني توفر للرئيس أوباما كمية كافية من المؤشرات الاقتصادية الكلية الايجابية التي تمكنه من خوض الانتخابات ورفع فرص فوزه بها، بصفة خاصة مؤشرات سوق العمل، وهو ما يجعلني أميل إلى الاعتقاد بأن الإدارة الاقتصادية الحالية سوف تحاول ان تبني على مثل هذه المعدلات المرتفعة للنمو ومحاولة دعمها بشتى الصور.

الجمعة، نوفمبر 26، 2010

هل يعود العالم إلى نظام الذهب 2: مزايا وعيوب النظام

نشر في صحيفة الاقتصادية السعودية بتاريخ الجمعة 26/11/2010.
تناولنا في المقال السابق طبيعة نظام الذهب والخصائص المختلفة التي يتمتع بها، وتطورات نظام الذهب حتى إلغاء النظام على يد الرئيس السابق ريتشارد نيكسون، عندما أعلن في عام 1971 وقف تحويل الدولار الأمريكي إلى ذهب، ومما لا شك فيه أن تبني قاعدة الذهب كان يحمل العديد من المزايا للعملة وللسكان الذين يتعاملون بهذه العملة، وتتمثل أهم مزايا النظام في الآتي:

الميزة الأولى: يرى أنصار قاعدة الذهب ان النظام يعطي قيمة حقيقة للنقود القابلة للتحويل إلى ذهب، وذلك مقارنة بالقيمة الوهمية التي تتمتع بها النقود القانونية المستخدمة حاليا. فوفقا للنظام سوف يتم ربط عملة الدولة بأصل ثابت هو الذهب، والذي يساعد على تثبيت القوة الشرائية للنقود، حيث ستتحدد قيمة النقود باتجاهات سعر هذا الأصل، وفي حال حفاظ الدولة على قيمة التعادل بين عملتها والذهب فإن القوة الشرائية للنقود سوف تميل نحو الاستقرار.

الميزة الثانية: أن نظام الذهب يسمح للدولة بالسيطرة على التضخم. فقد لعب الذهب من الناحية التاريخية دورا هاما في تقييد قدرة الحكومات على إصدار النقود، وكانت عملية خلق الائتمان مسألة بعيدة المنال بالنسبة لها، حيث يؤدي ربط النقود بالذهب إلى حماية النقود من ان يتم التلاعب بقوتها الشرائية من جانب الحكومات، ذلك أن نظام الذهب يمنع الحكومة من أن تسيء استغلال النظام النقدي، أو أن تتلاعب به، نتيجة للقيود التي يفرضها النظام على قدرة السلطات النقدية على إصدار النقود، والتي تتحدد بكمية الأصل الثابت الذي يمثل غطاء النقود. عندما تهجر الدولة نظام الذهب تتحرر الحكومات من القيد التقليدي على قدرتها على إصدار النقود، وهو ما يقتضى ضرورة أن تتحول النقود إلى نقود إلزامية Fiat money، يفرض القانون تداولها وقوة إبراءها للذمم، هذا الوضع يغرى الحكومات إلى إصدار المزيد من النقود، خصوصا إذا كانت تواجه أزمات أو متاعب سياسية أو اقتصادية، ولقد شهد الكثير من دول العالم موجات تضخمية، كان بعضها جامحا، بسبب إفراط الحكومات في طبع النقود. إن أحد تعريفات التضخم هو "كمية كبيرة من النقود تطارد كمية صغيرة من السلع"، ومع التزايد المستمر في عرض النقود، تصبح النقود بلا قيمة، وينشأ أسوأ أنواع التضخم، وهو التضخم الجامح Hyper-inflation، ويعرف التضخم الجامح بأنه الحالة التي يبلغ فيها معدل الزيادة في الأسعار أكثر من 50% شهريا، ولعل أقرب الأمثلة الحية على التضخم الجامح هي حالة زيمبابوي خلال عامي 2008-2009، حيث عاش شعب زيمبابوي، وما زال، فترات مأساوية. ففي منتصف نوفمبر 2008، بلغت نسبة الارتفاع في الأسعار في المتوسط 98% يوميا، وفي هذا الشهر بلغ متوسط معدل التضخم 79600 مليون في المائة، وهو ثاني أعلى معدل للتضخم الجامح في التاريخ، بعد التضخم الجامح في المجر في يوليو 1946، والذي بلغ فيه متوسط نسبة الارتفاع في الأسعار 207% يوميا، أي أن متوسط معدل التضخم في هذا الشهر بلغ 42 كوادريليون (واحد أمامه 15 صفرا) في المائة. لا شك ان الحياة تتحول في ظل مثل هذه الأوضاع إلى جحيم، نتيجة الإفراط الشديد في عرض النقود. بالطبع مع التدهور الشديد في القوة الشرائية للنقود سوف تحتاج السلطات النقدية من وقت لآخر إلى إضافة عدة أصفار لكل ورقة نقدية تقوم بإصدارها، على سبيل المثال شهد تضخم المجر إصدار أكبر عملة في التاريخ بفئة واحد سيكستيليون (واحد وأمامه 21 صفرا) بنجوي (عملة المجر في ذلك الوقت)، بينما قامت زيمبابوي بإصدار عملتها بفئة 100 مليار دولار. لا يمكن في ظل هذه الأوضاع الحديث عن أي وظيفة يمكن ان تمارسها النقود في حياتنا، سوى أنها تجلب لنا ويلات التضخم، ويصبح التخلص من اقتصاد النقود والعودة إلى نظام المقايضة بديلا أفضل. بالطبع لم تتعرض كل دول العالم التي هجرت نظام الذهب إلى هذا الجحيم، ولكن من المؤكد أنه لو كانت هاتان الدولتان تربطان عملتيهما بالذهب لما واجهتا أي تضخم في الأسعار، حيث لن تتمكن الحكومة إلا من طبع كمية النقود التي تتوافق مع رصيدها من الذهب، وهو احد المبادئ الأساسية للنظام، كما قدمنا في المقال السابق، الأمر الذي يساعد على السيطرة على الاتجاهات التضخمية.

الميزة الثالثة: هي استقرار التجارة الدولية، وهي من أهم مزايا نظام الذهب. فعندما يتم إتباع نظام الذهب فإن معدلات صرف العملات، كما سبق أن اشرنا، سوف تعتمد على الوزن المعدني للعملة، وهو ما يجعل من الصعب تغيير معدلات صرف العملات، ولذلك يطلق أيضا على نظام الذهب نظام معدلات الصرف الثابتة، ففي ظل النظام الذهبي المعدني قد يكون من المستحيل تغيير معدل صرف العملة (حيث سيتطلب ذلك سحب كافة النقود المعدنية المتداولة واستبدالها بنقود ذات وزن مختلف)، أما في ظل نظام النقود الورقية النائبة (عن الذهب)، فإن انخفاض قيمة العملة يحدث فقط عندما تتجاوز الكمية المصدرة من النقود الغطاء المعدني لدى البنك المركزي، وهو أمر غير متوقع وفقا لقواعد النظام، فطالما استمرت العلاقة بين الكمية المصدرة من النقود الورقية النائبة والرصيد الذهبي ثابتة، فإن معدل صرف العملة سوف يظل مستقرا بالنسبة للعملات الأخرى وهو أحد المتطلبات الأساسية لاستقرار النظام التجاري العالمي. عندما هجر العالم نظام الذهب وتبنى نظام معدلات الصرف المعومة، بدأت التجارة الدولية تتأثر نتيجة التوقعات باحتمالات تغير معدلات صرف العملات خلال الفترة الزمنية التي تفصل بين الاتفاق على الصفقات التجارية وتسوية قيمة هذه الصفقات، الأمر الذي أدى إلى انتشار أنشطة التحوط Hedging، وذلك لتجنب الآثار التي يمكن أن تنشا نتيجة تقلبات معدل الصرف. من ناحية أخرى يضمن نظام الذهب قدرا أكبر من التوازن في المعاملات التجارية والمالية الدولية، فالدول التي ترتفع درجة تنافسيتها الدولية يمكنها أن تصدر المزيد من السلع والخدمات إلى الخارج لتحصل في مقابل الفوائض التي تحققها على الذهب، والذي يمكنها من أن تقوم بإصدار المزيد من النقود، ويشجع إصدار المزيد من النقود الاستثمار والطلب الكلي داخل الدولة، إلا أنه سيؤدي في المقابل إلى ارتفاع الأسعار، ومن ثم انخفاض درجة تنافسية تلك الدولة لاحقا، وبمعنى آخر، لا يمكن في ظل نظام الذهب ان تستمر دولة ما في تحقيق فائض مستمر في ميزان مدفوعاتها دون ان ترى قدراتها التنافسية تتراجع لاحقا، وبالتالي فإن دولة مثل الصين ما كان يمكن لها أن تستمر في تحقيق هذا القدر الهائل من الاحتياطيات التي تتمتع بها حاليا، لو كانت تتبع نظام الذهب، دون أن تتراجع قدراتها التنافسية.

الميزة الرابعة: هي أنه عندما تتبع دولة ما نظام الذهب، فإنها سوف تجبر على القيام بالعديد من الإصلاحات المالية والاقتصادية التي تقلل من حاجتها إلى خلق المزيد من النقود، بصفة خاصة، سوف تحرص الحكومات على توازن ميزانياتها ووقف برامج دولة الرفاه المسئولة عن العجز الكبير في ميزانيات معظم دول العالم حاليا، ذلك أن نظام الذهب لا يساعد الحكومات على إتباع سياسات مالية غير منضبطة تؤدي إلى نشوء أو استمرار العجز في ميزانيتها العامة، ومن ثم تكوين دين عام يتجاوز رصيد الذهب المتاح لديها. نظام الذهب في صورته المثالية إذن يعني أن الدول التي لديها عجزا في ميزانياتها لن يكون أمامها من سبيل للتعامل مع هذا العجز سوى بزيادة الضرائب أو بتخفيض الإنفاق العام، وبدائل ذلك هي أن تواجه الدولة انخفاضا في رصيدها الذهبي لتمويل هذا العجز.

هذه باختصار شديد مزايا نظام الذهب. تنبغي الإشارة إلى أنه على الرغم من المزايا العديدة التي يتمتع بها النظام، إلا أنه في ذات الوقت يعاني من عيوب خطيرة، تؤثر في فعالية النظام وتجعل من عملية عودة العالم إلى نظام الذهب مسألة شبه مستحيلة كما سنتناول في الحلقة القادمة، وتتمثل أهم عيوب نظام الذهب في الآتي:

العيب الأول: هو أن نظام الذهب يحمل طابعا انكماشيا للنشاط الاقتصادي، ذلك أن أهم القيود على تبني النظام هي أن الذهب يعد عنصرا نادرا في الطبيعة بالنسبة للطلب عليه، والكميات المتاحة منه في باطن الأرض تعد محدودة جدا قياسا إلى الطلب العالمي عليه حاليا، حيث يقدر إجمالي كمية الذهب التي تم استخراجها من باطن الأرض حتى الآن بما لا يزيد عن 140 ألف طنا فقط، وعندما يستخدم الذهب للأغراض النقدية مرة أخرى، فإن الطلب على الذهب سيكون مرتفعا جدا لمواجهة احتياجات الإصدار في كافة أنحاء العالم، أو على الأقل لمواجهة احتياجات الإصدار لعملة احتياط عالمية واحدة، مثل الدولار، يربط العالم عملاته بها. عندما لا يكفي الإنتاج العالمي من الذهب احتياجات الإصدار النقدي، فإن كميات النقود التي سيتم إصدارها في كافة أنحاء العالم ستكون محدودة جدا قياسا بالطلب على النقود، وإذا كان الطلب على النقود يفوق العرض منها، فإن ذلك سوف يؤدي إلى نتيجتين مؤداهما واحد وهو تقييد معدلات النمو، الأولى هي ارتفاع معدلات الفائدة بصورة تحد من معدلات النمو في الطلب الكلي، والثانية انتشار الاكتناز Hoarding، وهذا دليل من التاريخ، حيث تشير الحوادث التاريخية إلى أن ندرة النقود بالنسبة للطلب عليها، تدفع بالأفراد نحو الاكتناز، والاكتناز هو تعطيل للنقود عن الوظيفة الرئيسية التي أصدرت من أجلها، وهو ما يؤدي أيضا إلى تقييد النمو حيث ستقل المعاملات الاقتصادية نظرا لندرة وسيط التبادل وهو النقود. معنى ذلك أنه في ظل نظام الذهب فإن النمو في رصيد الذهب على المستوى العالمي هو الذي سيحدد النمو في حجم الناتج على المستوى الدولي، وبما ان العرض العالمي من الذهب محدود جدا كما ان إمكانيات النمو فيه تعد محدودة أيضا، فان النمو الاقتصادي العالمي سوف يكون محدودا بقدرة العالم على اكتشاف المزيد من الذهب وبحجم الإنتاج الذهبي الذي تقوم به دول مثل جنوب إفريقيا واستراليا وروسيا. كذلك فإن الدول التي لا يتوافر لديها رصيد ذهبي كاف، أو لا يتوافر لديها رصيد ذهبي على الإطلاق، سوف تكون في وضع تنافسي أسوأ، حيث ستتقيد قدرتها على النمو والتوسع بصورة شديدة، بسبب عدم قدرتها على توفير رصيد النقود الكافي لإحداث معدلات النمو المطلوبة في المعاملات. ولنا أن نتخيل أنه في ظل نظام الذهب لم يكن من الممكن للعالم ان يصل إلى مستويات الناتج الحالية، ومستويات الدخول التي يتمتع بها العالم حاليا، وثروة الأفراد الحالية، ومن ثم مستويات الرفاهية التي يتمتع بها جموع الأفراد حول العالم حاليا. من خلال العودة إلى تبني نظام الذهب سوف ينتهي النظام الاقتصادي العالمي إلى نظام يعتمد على سلعة لا تعكس قيمتها العوامل الأساسية أو الجوهرية السائدة في الاقتصاد العالمي، ولا يمكن التحكم في أسعارها عالميا.

العيب الثاني: هو أنه متى تمت العودة إلى نظام الذهب فان على الحكومات ان تقوم بفصل عملية تمويل الإنفاق الحكومي عن النظام النقدي، وعلى الرغم من أن هذه إحدى مزايا النظام، كما ذكرنا أعلاه، إلا أن هذه الميزة على صعيد عملية صناعة السياسة الاقتصادية تعد احد عيوب النظام، حيث يصبح من الواجب على الحكومة أن تمتنع عن الإنفاق الذي يزيد عن الضرائب التي تجمعها، أو النقود التي تقترضها من المصادر الخاصة، وبالتالي ستتوقف عملية إصدار السندات الحكومية التي يشتريها البنك المركزي لكي يصدر في مقابلها نقودا، معنى ذلك ان السبيل الوحيد لضمان استمرار الحكومات في أن تمارس أدوارها عند مستويات معقولة هو أن ترفع معدلات الضرائب لكي تحصل على الموارد الكافية لقيامها بدورها المرتقب. ماذا يعني ذلك؟ إن ذلك يعني أن ما سيكتسبه الأفراد من مزايا في صورة ثبات للقوة الشرائية للنقود التي يحملونها، لا بد وان يدفعوا ثمنه في صورة ضرائب أعلى تحصلها الحكومات منهم لكي تتمكن من ان تمارس أدوارها على نحو مناسب. ولكن الأمر الأخطر من ذلك هو أنه متى تمت العودة إلى النظام سوف يصبح من الضروري أن يتخلص البنك المركزي مما لديه من سندات حكومية استخدمها في عملية إصدار النقود، وبالتالي تجبر الحكومات على إطفاء سندات الدين العام التي أصدرتها في غضون فترة زمنية قصيرة، ماذا ستفعل حكومات العالم بهذه الأطنان من السندات التي أصدرتها؟ وكيف ستسدد قيمتها" ماذا ستفعل مؤسسات التأمين الاجتماعي بمحافظ السندات الحكومية التي في حوزتها؟ وكيف ستدفع تلك الصناديق التزاماتها للمتقاعدين؟، لا شك أن الإجابة على هذه الأسئلة مسألة في غاية الصعوبة.

العيب الثالث: هو أن إتباع الدولة لقاعدة الذهب غالبا ما يؤدي إلى تركز اهتمام الدولة أساسا وبشكل أكبر برصيدها الذهبي، بدلا من تحسين مناخ الأعمال بها، على سبيل المثال، أثناء الكساد الكبير لجأت الولايات المتحدة إلى رفع معدلات الفائدة وذلك لرفع قيمة الدولار وللحد من إقبال الأفراد على تحويل الدولار إلى ذهب، وهو ما ساعد على تأخير خروج الولايات المتحدة من الأزمة. أكثر من ذلك فإن حرص الدول على الحفاظ على رصيدها الذهبي يؤدي إلى تقلبات عنيفة في مستويات النشاط الاقتصادي، على سبيل المثال تعرضت الولايات المتحدة لخمس حالات كساد خلال الفترة من 1890 – 1905 لهذا السبب، على عكس ما هو متصور، وهكذا فإنه في ظل النظام يلعب الذهب دورا محوريا في الاقتصاد، بحيث أن حجم الناتج ومن ثم مستويات الطلب الكلي والتوظف ومستوى النشاط الاقتصادي في الدولة ترتبط بشكل عام برصيد الدولة من الذهب وليس بحجم الموارد التي يملكها الاقتصاد أو حجم قوته العاملة أو حجم الأعمال فيه.

العيب الرابع: هو أنه في ظل نظام الذهب سوف تجبر الدول على عدم التدخل في شئون الاقتصاد بالصورة الكثيفة التي نراها اليوم، وعدم اللجوء إلى استخدام أدوات السياسة النقدية لإحداث الاستقرار اللازم في مستويات النشاط الاقتصادي، من خلال توفير حزم التحفيز النقدي اللازم للاقتصاد، بما يرفع من مستويات الطلب الكلي، ومن ثم معدل النمو، فعندما تعود الدول إلى نظام الذهب فإنها لن تتمكن من عرض الكميات المناسبة من النقود التي تتوافق مع متطلبات النمو في الطلب الكلي، من ناحية أخرى لن تتمكن دول العالم من استخدام أدوات السياسة المالية بكفاءة خصوصا في أوقات الكساد، لما يترتب على ذلك من عجز في ميزانياتها العامة، وبالتالي يصبح التعامل مع الدورات الاقتصادية مسألة في غاية الصعوبة.

العيب الخامس: هو أنه لا يمكن ان تقوم دولة ما بإتباع نظام الذهب بمفردها، ما لم تتبع باقي دول العالم النظام، أو على الأقل الدول الكبرى فيه النظام، على سبيل المثال لا يمكن ان تعود الولايات المتحدة بمفردها دون قيام أقطاب العالم الرئيسة بذلك أيضا في ذات الوقت، وإلا ستفقد رصيدها الذهبي في غضون فترة زمنية قصيرة جدا. المعضلة الأساسية هي أنه عندما تقوم معظم دول العالم بتبني نظام الذهب فإنها لن تجد الكميات الكافية من الذهب التي تمكنها من القيام بذلك.

العيب السادس: هو أن الذهب لم يعد تلك السلعة التي تتسم بالاستقرار النسبي في أسعارها، مثلما كان هو الحال سابقا، ومن المعلوم أن نظام الذهب يقتضى ضرورة ان تخلو الأسواق من العوامل التي تضغط على أسعار الذهب كمعدن نحو الارتفاع، حتى تستقر معدلات صرف العملات، وبالتالي فلا يمكن إتباع النظام وفي ذات الوقت فتح باب المضاربة على الذهب على مصراعيه عالميا، ومن جانب مؤسسات متخصصة في المضاربة مثل صناديق المضاربة على المعدن، والتي أصبحت تستحوذ على نسبة كبيرة من احتياطيات العالم من الذهب حاليا.

وفي ضوء هذا العرض لمزايا وعيوب النظام، إذا قرر العالم أن يتبنى نظام الذهب، فكيف سيعود العالم إلى قاعدة الذهب، هذا ما سوف نتناوله في الحلقة القادمة إن أحيانا الله سبحانه وتعالى.

الأحد، نوفمبر 21، 2010

رسم كارتوني عن خطة التقشف البريطانية

سبق ان كشفت وكالات الأنباء عن خطة التقشف التي تنوي الحكومة البريطانية تنفيذها لإنقاذ بريطانيا من الإفلاس ولتخفيف الضغوط على الميزانية العامة والحد من العجز فيها. الخطة تتضمن قطع كثير من التسهيلات المالية التي كانت الحكومة تقدمها، فضلا عن أنها ستؤدي إلى إلغاء حوالي نصف مليون وظيفة، مما يعني ان الخطة سوف تعقد من مشكلة البطالة المرتفعة أصلا. خطة التقشف ستطال قطاعات عديدة في الاقتصاد البريطاني منها الإسكان والتعليم ــ بصفة خاصة الجامعي، والنقل، والبوليس، والدفاع. من ناحية أخرى فان المساعدات المختلفة سوف تتأثر بصورة واضحة، الخطة تلاقي معارضة شعبية شديدة، نظرا لأنها ستقلص دور الدولة في المملكة المتحدة بصورة جذرية.

وسط هذا الاضطراب الاقتصادي/الاجتماعي قام القصر الملكي بإطلاق صاروخ على الحملات المعارضة لخطة التقشف بالإعلان عن زواج الأمير وليام ابن الأمير تشارلز أمير ويلز وابن الأميرة الراحلة ديانا، والذي يحتل الترتيب الثاني، بعد والده، في عرش بريطانيا من صديقته كيت ميدلتون. توقيت إعلان الزواج مثير بالفعل للشكوك لأنه ليس من المنتظر ان يتم الزواج إلا في الصيف القادم، أو ربما في الربيع. ما ان تم الإعلان عن الزواج حتى أخذت محال الهدايا المختلفة في عرض المنتجات التي تخلد ذكرى الزواج مثل الأكواب والأطباق .. الخ. التي تحمل صورة العروسين، والتي ينتظر ان يتم بيع ما يقارب المليار جنيه إسترليني من هذه القطع.

من وجهة نظر الهيرالد تريبيون فإن الإعلان عن الزواج الملكي لم يكن بريئا، وتم توظيفه لأغراض سياسية. في هذا الكارتون الذي يصور رجل الشارع الذي يبدو أنه يشترك في مظاهرة شعبية ضد الخطة ويمسك بإعلان ترجمته "لا للتخفيضات الوحشية" في الإنفاق. ولإلهاء رجل الشارع تم وضع إعلان عن صورة الزواج الملكي للأمير وصديقته، لاحظ أن المسئول الحكومي يشير إلى صورة الأمير وليام وصديقته ويقول له "انظر إلى الزواج الملكي"، وبينما يقوم بإلهائه يحاول سرقة المال من جيبه، والمقصود بسرقة المال هنا هو أن من سيدفع تكلفة هذه الخطة هم الفقراء والعاطلين الذين سيكونون أكثر من سيتأثر بهذه الخطة.




هذا المشهد شهدته كثيرا، وتجيده الحكومات في أوقات الأزمات السياسة، من خلال إطلاق فرقعة مفتعلة لتشتيت انتباه الجمهور. أهم ما أتذكره في هذا المجال حادثين، الأول في عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، عندما تمكن الجيش الإسرائيلي في 5 يونيو من هزيمة الجيش المصري هزيمة ساحقة، أطلق عليها لاحقا نكسة 5 يونيو، وما إن تم إعلان انسحاب الجيش المصري من سيناء منهزما، حتى اطل علينا صاحب الطلعة البهية والنبرة القوية في يوم 9 يونيو ليعلن للشعب أنه قرر أن يتنحى عن رياسة الجمهورية، لتبدأ الفرقعة الكبرى بتسيير المظاهرات في كل أنحاء مصر يومي 9 و 10 يونيو للمطالبة بعودة الرئيس الهمام، وبالفعل اطل علينا عبد الناصر مرة أخرى ليعلن أنه قد قرر تأجيل قراره بالتنحي حتى يزيل آثار العدوان (يقصد الهزيمة الساحقة) قائلا "إني مقتنع بالأسباب التي بنيت عليها قرارى، وفى نفس الوقت فإن صوت الشعب بالنسبة لي أمر لا يرد، ولهذا فإن القرار مؤجل". تحولت الأنظار من الهزيمة الكبرى إلى مسألة عودة الزعيم إلى الحكم، وشكره على انه قبل دعوة الجماهير العارمة له بالعودة. ترى لو ظل عبد الناصر حتى انتصر على اليهود كان سيتنحى وقتها عن الحكم؟ مجرد سؤال خطر على ذهني.

المشهد الثاني هو أنه في أكتوبر 1985 تم اختطاف العبارة الإيطالية "أكيلي لاورو" وهي في طريقها من الإسكندرية إلى بورسعيد بواسطة مجموعة من الفلسطينيين للرد على الهجوم الإسرائيلي على مركز القيادة الفلسطينية في تونس، وأثناء الاختطاف تم قتل أحد الرهائن الأمريكيين، تمكنت مصر بعد مفاوضات مع الخاطفين من تحرير السفينة في نظير ضمانات لنقلهم إلى تونس على متن طائرة مصرية، بالطبع اطلع جواسيس أمريكا في مصر المخابرات الأمريكية عن الخطة وتوقيت الإقلاع، فقامت الطائرات العسكرية الأمريكية باعتراض الطائرة في الجو واختطافها وتم القبض على مختطفي السفينة. التوصيف القانوني للعملية الأمريكية هي أنها قرصنة جوية من الدرجة الأولى، إلا أنها من الناحية العملية كانت صفعة شديدة على جبين مصر، وثار المصريون وانتشرت المظاهرات التي تندد بالعملية التي تمت على نمط أفلام الكاوبوي التي تنتجها هوليوود. كان الموقف حرجا جدا للرئيس مبارك وللحكومة المصرية، وكان لا بد من القيام بفرقعة شديدة للفت الانتباه عما يحدث، فتفتقت أذهان شياطين السياسة عن إطلاق الدعوة إلى سداد ديون مصر، على أساس ان الديون تكبل القرار السياسي المصري، وبالفعل تحولت الموضوعات في كافة وسائل الإعلام 180 درجة من السيادة المصرية التي انتهكت، إلى كيفية سداد ديون مصر، وكيف يمكن ان يساهم العامل والفلاح والطالب ورجل الشارع في ذلك، وتحولت إلى مادة للكتابة في الصحف وحتى في موضوعات التعبير في مقرر اللغة العربية في المدارس، أتذكر أنني كنت وقتها أبدأ دراستي لدرجة الدكتوراه، وجاءني خطاب الملحق الثقافي في لندن عن أهمية التبرع لسداد ديون مصر، فغرقت في الضحك على ضحالة الفكرة وصاحبها. المهم تمكنت الفرقعة الكبيرة من صرف الأنظار عن الموضوع الأساسي، ولم يتمخض عنها سداد دولارا واحدا من ديون مصر، ولكن المهم أنها ساعدت في صرف الجماهير عما قد يمكن أن يثير غضب العم سام.




السبت، نوفمبر 20، 2010

مؤشرات متناقضة 8: معدل التضخم ما زال أقل من المستهدف

نشر مكتب إحصاءات العمل في الولايات المتحدة منذ يومين نتائج قياسات الأرقام القياسية لأسعار المستهلك عن شهر أكتوبر من هذا العام (السلع التي يستهلكها سكان الحضر). الشكل التالي يوضح تطورات معدل التضخم الشهرية خلال الإثني عشر شهرا الماضية، لاحظ من الشكل تواضع معدلات الزيادة الشهرية في المستوى العام للأسعار. لاحظ من الشكل أن معدل التضخم في الأسعار قد اقتصر على بنسبة 0.2% فقط في هذا الشهر (الأرقام معدلة موسميا). إذا تم فصل تأثير ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة من الرقم القياسي للأسعار فإن معدل التضخم في شهر أكتوبر يصل إلى صفر%، وهو تطور يقلق صانع السياسة النقدية في الولايات المتحدة.



المصدر: BLS “Consumer price index: October 2010”



الشكل التالي يوضح تطورات معدل التضخم خلال الإثني عشر شهرا الماضية، ومن الشكل يلاحظ أن معدل التضخم قد بلغ لكل السلع (حضر وريف) 1.2% فقط، إلا انه عندما يتم إزالة اثر تطورات الرقم القياسي لأسعار الطاقة والغذاء فإن الزيادة في الرقم القياسي للأسعار تتراجع على نحو واضح، وبحساب معدل التضخم خلال الإثني عشر شهرا الماضية، بعد فصل اثر الرقم القياسي لأسعار الطاقة والرقم القياسي لأسعار الغذاء، فإن معدل التضخم ينخفض إلى 0.6%، وهو أدنى معدل للتضخم يشهده الاقتصاد الأمريكي منذ أكثر من خمسين عاما، وبالتحديد منذ 1957، وهذا ما يقلق صانع السياسة النقدية، وفي كل الحالات فإن النتائج المنشورة في الرسم تقل عن من معدل التضخم المستهدف بواسطة الاحتياطي الفدرالي للولايات المتحدة.



المصدر: BLS “Consumer price index: October 2010”


لاحظ من الجدول التالي أن مجموعة الطاقة ازدادت بنسبة 5.9% وهي أعلى زيادة محققة في المجموعات السلعية المختلفة على الإطلاق، ومن بين مجموعة الطاقة كانت أسعار الجازولين الأعلى على الإطلاق، حيث تزايدت بنسبة 9.5%، بينما تزايد أسعار مجموعتي المساكن والغذاء بنسبة 1.4%. لاحظ أيضا أن الرقم القياسي لأسعار بعض المجموعات السلعية والخدمية الأخرى قد مال نحو التراجع بالفعل، على سبيل المثال فإن الرقم القياسي لأسعار مجموعة المركبات الجديدة، والسيارات المستعملة، والملابس وأنشطة السياحة والدخان.

المصدر: BLS “Consumer price index: October 2010”

القراءة المتأنية لنتائج قياسات الأرقام القياسية للأسعار في شهر أكتوبر تشير إلى التالي:

1. انخفاض معدل التضخم عن المعدل المستهدف يجعل الاحتياطي الفدرالي يخشى من تزايد احتمالات انزلاق الاقتصاد الأمريكي في مصيدة انكماش الأسعار وهي مشكلة في غاية الخطورة، ولعل التجربة اليابانية الأليمة في هذا المجال خير شاهد على عمق الآثار التي يمكن ان تترتب على دخول الاقتصاد في مصيدة انكماش الأسعار.

2. أن المشكلة في البيانات الحالية لتطورات معدل التضخم هي أن معظم هذه الزيادة في المستوى العام للأسعار نشأت من مجموعتين سلعيتين هما مجموعة الطاقة ومجموعة السلع الغذائية. ووفقا لمكتب إحصاءات العمل فإن هذا هو الشهر الرابع على التوالي الذي ترتفع فيه أسعار مجموعة الطاقة، بالطبع نتيجة استمرار أسعار النفط في التصاعد على نحو واضح خلال الأشهر الماضية. تعد أسعار الجازولين مسئولة عن 90% من الزيادة الحادثة في الرقم القياسي للأسعار، بينما ارتفع الرقم القياسي لأسعار الغذاء بصورة هامشية خلال الشهر. إذا كان معظم الارتفاع في الرقم القياسي راجعا إلى مجموعة الطاقة فإن ذلك يعني أن معظم معدل النمو في الرقم القياسي للأسعار مستورد، وليس ناشئا عن تفاعل قوى الطلب والعرض المحلي، وهذا هو مصدر القلق الشديد لصانع السياسة النقدية الامريكي.

3. لمواجهة هذه المخاوف كما نعلم قام الاحتياطي الفدرالي بإطلاق برنامج التيسير الكمي2 بهدف زيادة الطلب الكلي ورفع معدلات التضخم على الأقل إلى المستويات المستهدفة لضمان استمرار النمو في الطلب الكلي على النحو الذي يساعد على تسريع معدلات النمو في الإنفاق ومن ثم تأكيد الخروج من الكساد الحالي.

4. أن الاقتصاد الأمريكي في أمس الحاجة اليوم إلى جرعة تضخمية حاليا للاطمئنان على مسار التعافي من الأزمة ولتأكيد النتائج التي تشير إلى تعافي الاقتصاد الأمريكي من الأزمة بالفعل.



 

الجمعة، نوفمبر 19، 2010

هل يعود العالم إلى نظام الذهب 1: ما هو نظام الذهب

نشر في صحيفة الاقتصادية السعودية بتاريخ الجمعة 19/11/2010.
تتزايد اليوم الأصوات التي تطالب بالعودة إلى نظام الذهب عبر كافة دول العالم، اعتقادا منهم بأن العودة إلى نظام الذهب هي الحل لما يعانيه العالم من أزمات مالية واقتصادية، وهي السبيل الوحيد للحد من الضغوط التضخمية الناشئة عن الإفراط في إصدار النقود القانونية، وللمساعدة على الحد من نمو الديون السيادية، فضلا عن ضمان الاستقرار الاقتصادي الذي يمكن ان يسود العالم إذا ما عاد إلى هذا النظام. آخر هذه المطالبات أطلقها روبرت زوليك رئيس البنك الدولي الذي اقترح أن يتم ربط الاقتصاد العالمي بالذهب كمثبت، للمساعدة على استقرار العملات، وتخفيض التوقعات التضخمية في الأسواق المالية العالمية، حيث دعا مجموعة العشرين إلى أن تدرس استخدام الذهب كنقطة مرجعية دولية لتوقعات الأسواق حول التضخم والانكماش وقيمة العملات، مؤكدا انه على الرغم من أن الذهب يعد من العملات القديمة إلا أنه ما زال يستخدم حتى اليوم كأصل مالي بديل. في مقال اليوم نتناول مفهوم نظام الذهب ثم نناقش في مقالات لاحقة ما إذا كان من الممكن ان يعود العالم إلى هذا النظام أم لا. 

من الناحية التاريخية أخذ نظام الذهب أشكالا عدة أطلق على جميعها قاعدة أو نظام الذهب Gold Standard، أولها من الناحية التاريخية هو النقود الذهبية، أو النقود المعدنية الذهبية، ووفقا لهذا النظام كان يتم سك (صنع) النقود من الذهب كعملة معدنية يتم استخدامها في التداول، على ان يتم السك على أساس وزن محدد من الذهب، أو ما يطلق عليه المحتوى المعدني أو الذهبي للعملة Gold content، والذي على أساسه يتحدد معدل صرف عملة الدولة بعملات الدول الأخرى. على سبيل المثال إذا كان الجنيه الإسترليني يحتوى على خمس جرامات من الذهب، والدولار الأمريكي على جرام واحد، فإن معدل صرف الجنيه الإسترليني بالدولار الأمريكي يصبح 5 دولارات لكل جنيه، ومن الناحية العملية فإن معدل الصرف هذا لا يتغير طالما ان وزن العملتين ثابت. ومن الواضح أنه وفقا لهذا النظام لن تتمكن أي دولة من سك وحدة إضافية من عملتها المحلية قبل ان يتكون لديها زيادة في كميات الذهب بالوزن اللازم لعملية السك. بمعنى آخر وفقا لهذا النظام سوف تتوقف قدرة السلطات النقدية على إصدار النقود على ما هو متاح لديها من ذهب.

غير انه لاعتبارات عملية أهمها صعوبة حمل ونقل النقود في صورتها المعدنية، فضلا عن فقدان الوزن الذي تتعرض له العملات المعدنية نتيجة تداولها بين أيدي الأفراد، والذي يمثل خسارة في رصيد الدولة من الذهب، تضيع في صورة تحات يحدث للعملات نتيجة استخدامها في التعامل وانتقالها من يد إلى أخرى، فقد أخذت البنوك المركزية لدول العالم في إصدار النقود في صورة ورقية والاحتفاظ بالذهب في صورة سبائك في مخازن البنك المركزي، بحيث يقدم الذهب لمن يطلب استبدال النقود الورقية وذلك على أساس المحتوى المعدني للنقود أو ما يطلق عليه قيمة التعادل Par Value.

ويقوم هذا النظام الذهب على مجموعة من الخصائص هي كالآتي:

- أن تحدد كل دولة المحتوى المعدني لعملتها الوطنية، والذي على أساسه تتحدد العلاقة بين الكميات التي تصدرها من عملتها الوطنية والرصيد المتاح لسلطاتها النقدية من سبائك الذهب.

- لا يتحدد معدل صرف العملات ببعضها البعض من خلال قوى العرض والطلب على العملات في سوق النقد الأجنبي، وإنما يتحدد على أساس الوزن النسبي للعملات في مقابل بعضها البعض، وبالتالي فإن ارتفاع قيمة عملة ما مثل الدولار يتم من خلال قناة واحدة فقط، هي زيادة المحتوى المعدني للدولار، بينما تنخفض قيمة عملة ما عندما يتم تخفيض المحتوى المعدني فيها.

- يقف البنك المركزي للدولة على أهبة الاستعداد في أي وقت لتحويل ما يقدم إليه من نقود ورقية إلى سبائك ذهبية، أو ما يقدم إليه من ذهب إلى نقود ورقية وذلك على أساس معدل التحويل الذي يعكس المحتوى الذهبي للعملة أي قيمة التعادل. غير أنه من الناحية العملية كان هناك قيودا على الحد الأدنى لعمليات التحويل، على سبيل المثال، كان الاحتياطي الفدرالي يشترط لتحويل الدولار إلى ذهب إلا تقل الكمية المحولة عن 400 أوقية من الذهب، أي تحويل 14000 دولارا كحد أدنى (بمعدل تحويل 1 أوقية من الذهب / 35 دولارا، وهي قيمة التعادل وفقا لنظام بريتون وودز).

- حرية تصدير واستيراد الذهب بين دول العالم بدون أي قيود تحد من انتقال الذهب من دولة إلى أخرى، وذلك لكي تتمكن الدول التي تحقق فوائض في ميزان مدفوعاتها من تحصيل هذا الفائض في صورة سبائك ذهبية، والدول التي لديها عجز في ميزان مدفوعاتها من دفع هذا العجز في صورة سبائك ذهبية، أو لتمكين الأفراد والشركات الذي تتراكم لديهم عملات ورقية لدول أخرى من إرسالها إلى البنوك المركزية التي أصدرتها وتحويلها إلى ذهب، أو تمكين الأفراد والشركات الذين يرغبون في الحصول على عملات دول أخرى من الحصول عليها من خلال إرسال سبائك الذهب إلى البنوك المركزية لتلك الدول واستبداله بالعملات الورقية.

لقد مكن هذا النظام دول العالم من ضمان استقرار المتغيرات الاقتصادية الكلية الآتية:

1- عرض النقود، حيث لن تتمكن الحكومات إلا من طبع كمية النقود التي تتوافق مع رصيدها من الذهب، نتيجة عدم قدرتها على استخدام السياسة النقدية لطبع المزيد من النقود، لكي تغطي إنفاقها العام الذي يزيد عن إيراداتها، بصفة خاصة الضريبية.

2- المستوى العام للأسعار، ذلك ان ربط العملة بأصل ثابت مثل الذهب سوف يحمي العملة من مخاطر التلاعب في قوتها الشرائية بواسطة الحكومات، ذلك أن تقييد قدرة الحكومات على زيادة الأساس النقدي بكمية الذهب المتاحة فقط، يمكن الحكومات من السيطرة على معدلات التضخم.

3- معدل صرف العملة المحلية بالعملات الأجنبية، لأن هذا المعدل، كما سبق ان اشرنا، يتحدد بالوزن، كما أن أي ضغوط في سوق النقد الأجنبي على العملات نحو الارتفاع أو الانخفاض كان يتم التغلب عليها من خلال تصدير أو استيراد الذهب. معنى ذلك ان نطاق التقلبات في قيمة العملات في سوق النقد الأجنبي كان يتم في حدود تكلفة نقل الذهب وإعادة سكه إلى عملات ورقية والعكس. وللتوضيح بصورة أكبر، فإن الدولار الأمريكي كان يحتوي على 23.2 حبة ذهب grains of gold (الجرام يحتوي على 15.43 حبة ذهب)، بينما كان يحتوي الجنيه الإسترليني على 113 حبة ذهب، على هذا الأساس يصبح معدل صرف الجنيه الإسترليني بالدولار الأمريكي هو 4.87 دولارا لكل جنيه، وهو نفس العلاقة بين الوزن المعدني للعملتين. وبما ان تكلفة سك الجنيه الإسترليني ونقل الذهب اللازم لذلك من نيويورك إلى لندن والعكس كانت تقدر بحوالي 3 سنتات، فإن معدل صرف الإسترليني بالدولار كان لا يتجاوز 4.87 دولارا (قيمة التعادل) مضافا إليها أو مطروحا منها 3 سنتات (تكلفة النقل والسك لكل جنيه إسترليني من نيويورك إلى لندن والعكس)، كحدود لتقلب معدل صرف الإسترليني بالدولار.

هذا الاستقرار الشديد في معدل صرف العملتين ينبع من خصائص نظام الذهب على النحو التالي؛ إذا فرضنا ان الطلب على الإسترليني تزايد في الولايات المتحدة بحيث تجاوز معدل صرف الإسترليني بالدولار حاجز الـ 4.90، فإن المتعاملين في الولايات المتحدة سيفضلون في هذه الحالة إرسال سبائك الذهب إلى البنك المركزي في لندن وتحمل 3 سنتات لكل جنية إسترليني (تكاليف نقل وسك الذهب إلى جنيه إسترليني) والحصول في مقابل ذلك على الجنيه الإسترليني من لندن عند سعر تعادل 4.87 دولارا بالإضافة إلى 3 سنتات تكلفة النقل والسك، وهو ما يضمن ان معدل صرف الإسترليني بالنسبة للدولار لن يتجاوز 4.90 دولارا، ويطلق على معدل صرف 4.90 دولارا للإسترليني نقطة تصدير الذهب (أي بدء تصدير الذهب إلى لندن والحصول على الإسترليني في مقابله). من ناحية أخرى إذا انخفض الطلب على الإسترليني بحيث انخفض معدل صرف الإسترليني عن حاجز الـ 4.84 دولارا للجنيه، في هذه الحالة سوف يفضل المتعاملون في الولايات المتحدة جمع الجنيهات الإسترلينية في نيويورك ونقلها إلى البنك المركزي في لندن وتحمل 3 سنتات لكل جنيه وتحويل الجنيهات إلى ذهب عند سعر تعادل 4.87، ثم نقل السبائك الذهبية إلى نيويورك مرة أخرى، وبمقتضى هذه العملية تكون تكلفة التخلص من كل جنيه إسترليني هي 4.84 دولارا، ويطلق على معدل صرف 4.84 دولارا نقطة استيراد الذهب (أي بدء استيراد الذهب من لندن من خلال إرسال الجنيهات الإسترلينية لتحويلها إلى ذهب). بهذا الشكل سوف تكون حدود التقلب في معدلات الصرف بين العملتين ضيقة للغاية وتقع بين نقطتي تصدير واستيراد الذهب اللتان تمت الإشارة إليهما.

4- توازن الميزان التجاري للدول، ذلك أن أي دولة يتحقق لديها فائض مثل الصين في مواجهة الولايات المتحدة، سوف تحصل على قيمة هذا الفائض في صورة سبائك ذهبية، وعندما تدخل السبائك الذهبية إلى الاحتياطي النقدي لدى البنك المركزي الصيني، فإن عرض النقود في الصين يتزايد نتيجة لذلك، وتؤدي زيادة عرض النقود في الصين إلى ارتفاع الأسعار لديها، وهو ما يقلل من قدرتها التنافسية حيث سيقل الطلب في الولايات المتحدة على الصادرات الصينية، ويتلاشى الفائض مع الولايات المتحدة نتيجة لذلك. أما بالنسبة للدولة التي تواجه عجزا في ميزانها التجاري (الولايات المتحدة) فإن دفع قيمة العجز بسبائك الذهب لا بد وان يتبعه سحب كمية من النقود الورقية بما يعادل قيمة السبائك التي تم إرسالها للصين، وهو ما يؤدي إلى انخفاض عرض النقود في الولايات المتحدة. ويؤدي انخفاض عرض النقود إلى انخفاض الأسعار وهو ما يرفع من القدرة التنافسية للصادرات الأمريكية فيزداد الطلب عليها ويقل العجز نتيجة لذلك.

5- توازن الميزانية العامة للدولة، ذلك ان قدرة الدولة على الإنفاق سوف تتحدد بما تحصل عليه من ضرائب من الأفراد وقطاع الأعمال، ولا يمكن للدولة ان تحقق عجزا وتقوم بتمويل هذا العجز من خلال طبع النقود، أو ما يطلق عليه التمويل التضخمي، لأن طبع النقود، مرة أخرى، مقيد بالكمية المتاحة من الرصيد الذهبي.

6- حجم الدين العام للدولة، حيث لا تستطيع الدولة الاستمرار في إصدار سندات حكومية والاقتراض من الأفراد متجاوزة بذلك حدود الرصيد الذهبي لديها. حيث سيفقد الأفراد الثقة في العملة ويسارعون إلى تحويلها إلى ذهب، معنى ذلك أن الدولة التي تواجه زيادة في نفقاتها على إيراداتها لا يوجد أمامها سوى خيارين، الأول وهو زيادة الضرائب، والثاني وهو تخفيض الإنفاق العام.

لاحظ أن عرض النقود ومعدل التضخم ومعدل صرف العملة ومستوى الدين العام تتحدد جميعا بالرصيد الذهبي للدولة، وهو ما يؤكد الدور المحوري الذي كان يلعبه الذهب في اقتصاديات العالم في ظل هذا النظام.

هذا الشكل من نظام الذهب أو قاعدة الذهب تم العمل به حتى عام 1931، وذلك عندما قامت بريطانيا العظمى (في ذلك الوقت) بقطع العلاقة بين الجنيه الإسترليني والذهب، اثر فشل محاولتها للعودة إلى نظام الذهب. وكانت دول العالم قد توقفت عن تبني نظام الذهب بعد اندلاع الحرب العالمية الأولى، نتيجة للحاجة إلى استخدام أرصدتها الذهبية في الإنفاق على الحرب.

عندما انتهت الحرب العالمية الثانية اجتمعت دول العالم بقيادة الولايات المتحدة لمناقشة كيفية العودة إلى نظام الذهب مرة أخرى، وذلك لضمان الاستقرار النقدي والاقتصادي اللذان افتقدهما العالم خلال فترة ما بين الحربين نتيجة هجر نظام الذهب. وقد تمخض الاجتماع عن إنشاء نظام جديد يعد نسخة معدلة لنظام الذهب أطلق عليه نظام بريتون وودز (نسبة إلى المنتجع الذي عقد فيه المؤتمر)، والذي هو في حقيقته نظام لربط العملات بالذهب من خلال الدولار الأمريكي، أما أسس هذا النظام فهي كالآتي:

1- تقوم كل دولة بتحديد معدل صرف ثابت بين عملتها والدولار، يطلق عليه سعر التعادل، وتلتزم كل دولة بالدفاع عن هذا المعدل بحيث لا ترتفع عملتها الوطنية أو تنخفض أمام الدولار سوى في حدود نسبة 1.25% ارتفاعا وانخفاضا، وإذا حدث ان كانت هناك حاجة لرفع أو خفض قيمة العملة بأكثر من هذه النسبة، فإن على الدولة ان تتفاوض مع صندوق النقد الدولي حول نسبة التخفيض وشروط تحقق ذلك. بمعنى آخر تحولت مهمة تثبيت قيمة العملات بالنسبة للدولار إلى دول العالم وليس للولايات المتحدة.

2- يمكن لدول العالم في مقابل ذلك أن تستخدم الدولار الأمريكي كعملة احتياط أي كغطاء (بدلا من الذهب) لإصدار ما تحتاج إليه من عملاتها الوطنية، فإذا احتاجت تلك الدول إلى الذهب فيمكنها أن ترسل احتياطياتها الدولارية إلى الولايات المتحدة ليتم استبدالها بالذهب.

3- تلتزم الولايات المتحدة بالحفاظ على معدل صرف ثابت بين عملتها والذهب عند سعر تعادل 35 دولارا للأوقية، وتقوم بتوفير ما يحتاج إليه العالم من دولارات عند هذا المعدل الثابت.

4- تلتزم الولايات المتحدة بتحويل ما يقدم إليها من دولارات إلى ذهب عند معدل الصرف الثابت (35 دولارا للأوقية من الذهب) لكل من يطلب ذلك من دول العالم وفي أي وقت وتحت أي ظرف من الظروف.

5- تلتزم دول العالم بألا تتكالب على الذهب حتى تسمح لدولة المركز (الولايات المتحدة) أن تحتفظ بكميات كافية منه لاستيفاء احتياجات العالم من الاحتياطيات الدولارية اللازمة لتغطية إصدارها من النقود، وحتى يتم الحفاظ على استقرار سعر الذهب.

نتيجة لتطبيق النظام، شهدت فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية ندرة كبيرة جدا في الدولار الأمريكي، بسبب تحقيق الولايات المتحدة لفائض كبير في ميزانها التجاري، وهو ما شجع الولايات المتحدة إلى تعمد أن يكون لديها عجزا في ميزانها التجاري وتمويل هذا العجز بسهولة من خلال طبع الدولار نظرا لتكالب دول العالم عليه، ولذلك أطلق على هذه الفترة ندرة الدولار Dollar shortage، كان عجز ميزان المدفوعات الأمريكي في البداية ضرورة أساسية لضمان قيام النظام بتوفير السيولة اللازمة للدول الأعضاء، أي لكي يتم توفير احتياجات العالم من عملة الاحتياط. غير ان استمرار العجز في ميزان المدفوعات الأمريكي أدى إلى تراجع الثقة في عملة الاحتياط العالمية، في الوقت الذي بدأت فيه أسعار الذهب في السوق الحر تميل نحو الارتفاع، حتى بلغ سعر الأوقية حوالي 40 دولارا، وهو ما يعني وجود سعرين للذهب، السعر الرسمي (35 دولارا للأوقية) وسعر السوق. إذا تركت الأمور هكذا بدون تدخل فان السعر الحر للذهب لا بد وان يضغط على السعر الرسمي نحو الارتفاع، وهو ما يعني انخفاض قيمة الدولار، وكاستجابة لهذه الضغوط اتفقت الولايات المتحدة مع سبع دول أوروبية لإنشاء ما يسمى بمجمع الذهب Gold pool، بهدف توفير كميات كافية من الذهب للسوق الحر لوقف الارتفاع في سعر الذهب بما يتوافق مع قيمة التعادل مع الدولار، غير أنه على مدى الفترة من 1961 إلى 1968 فشل مجمع الذهب في ان يمنع الضغوط على سعر الذهب نحو الارتفاع فتم إلغاء المجمع في مارس 1968.

استمر عجز ميزان المدفوعات الأمريكي في التزايد مع نشوء قوى اقتصادية جديدة في العالم، بصفة خاصة الاتحاد الأوروبي واليابان، ودخول الولايات المتحدة حرب فيتنام، وبنهاية الستينيات كان من الواضح أن الدولار الأمريكي مقوما بأعلى من قيمته الحقيقية، بينما كان كل من الين الياباني والمارك الألماني مقومان بأقل من قيمتهما الحقيقية، وقد قاومت كلتا الدولتين رفع قيمة عملتيهما في مقابل الدولار للحفاظ على نمو صادراتهما، في الوقت الذي حاولت الولايات المتحدة فيه الحفاظ على قيمة الدولار من الانخفاض للحفاظ على استمرار الثقة في النظام، فاستمرت عمليات تحويل الدولار إلى ذهب، ومعها تراجع الرصيد الذهبي للاحتياطي الفدرالي بصورة كبيرة، في الوقت الذي استمر فيه عجز الميزانية في التزايد.

بحلول عام 1970 أخذ عجز ميزان المدفوعات في التزايد بصورة كبيرة، وكذلك عجز الميزانية وأخذت الولايات المتحدة في طباعة المزيد من الدولارات متجاوزة بذلك التزاماتها وفقا لاتفاقية بريتون وودز، ويوما بعد يوم كان الرصيد الذهبي للولايات المتحدة يتراجع بالنسبة إلى الكميات المصدرة منه، ومن ثم أخذت الثقة في قدرة الولايات المتحدة على ضبط عجزها المزدوج (في الميزانية وميزان المدفوعات) في التراجع، ومع تزايد الضغوط على الدولار، وزيادة طلبات تحويل الدولار إلى ذهب، وانخفاض رصيد الولايات المتحدة من الذهب إلى مستويات قياسية، بدا من الواضح ان الدولار الأمريكي مقدم على كارثة، وفي أغسطس 1971 قام الرئيس نيكسون بإعلان توقف الولايات المتحدة عن تحويل الدولار إلى ذهب، ليعلن انتهاء نظام الذهب من حياتنا حتى هذه اللحظة.

بعد عدة أشهر تم رفع السعر الرسمي للذهب إلى 38 دولارا للأوقية، وهو ما عني خفض قيمة الدولار بنسبة 8% تقريبا، مع توسيع نطاق تقلب معدلات صرف عملات الدول بالنسبة للدولار في حدود 2.25% ارتفاعا وانخفاضا، وفي عام 1973، تم رفع السعر الرسمي للذهب مرة أخرى إلى 42 دولارا للأوقية، وهو ما عني انخفاضا آخر في قيمة الدولار، وهو آخر سعر رسمي تم تحديده للذهب، حيث تم دفن النظام بصورة رسمية بمقتضى اتفاقية جاميكا 1976، والتي سمحت لدول العالم بتحرير معدلات صرف عملاتها، وانطلاق نظام التعويم للعملات الذي نعيشه اليوم بصورة رسمية.

هذا باختصار شديد تجربة العالم مع نظام الذهب. في المقال القادم إن شاء الله نتناول مزايا وعيوب النظام ثم نناقش إمكانية رجوع العالم إليه، بما في ذك مقترح زوليك.
 

الاثنين، نوفمبر 15، 2010

الأحد، نوفمبر 14، 2010

مؤشرات متناقضة 7: الصين تخفض التصنيف الائتماني للولايات المتحدة

في خطوة غير مسبوقة قامت مؤسسة داجونج الصينية بتخفيض التصنيف الائتماني للولايات المتحدة من AA إلى A+، والذي يعكس تراجع القدرة على إعادة سداد ديونها (من وجهة النظر الصينية). وفقا للتصنيف فإن نموذج النمو الاقتصادي والإدارة الاقتصادية الأمريكية الحاليين سوف يؤديان على المدى الطويل إلى ركود اقتصادها الوطني وهو ما يؤدي إلى تقليل ملاءتها المالية. ذلك ان الدورة الجديدة من التيسير الكمي التي تبناها الاحتياطي الفدرالي أدت إلى تراجع واضح لقيمة الدولار الأمريكي واستمرار تعمق أزمة الائتمان في الولايات المتحدة، حيث تنظر المؤسسة إلى هذه الخطوة على أنها تعدي على مصالح دائني الولايات المتحدة وهو ما يشير إلى تراجع نوايا الولايات المتحدة حول إعادة دفع ديونها.

من وجهة نظر المؤسسة فإن الأزمة الأمريكية لا يمكن ان يتم حلها من خلال تخفيض قيمة العملة، بالعكس، من الممكن ان تنطلق أزمة اقتصادية أخرى نتيجة لقيام الحكومة الأمريكية بتخفيض قيمة الدولار بما يهدد مصالح دائنيها. ويرتكز تراجع تصنيف الولايات المتحدة من خلال داجونج على الأسباب الآتية:

1. أن الحكومة الأمريكية لم تفحص بشكل مناسب نموذج إدارة وتنمية اقتصادها الوطني من المنظور الاستراتيجي العالمي، وهو ما يجعل من الصعب على الولايات المتحدة أن تغير الوضع الحالي للنمو الاقتصادي.

2. أخذا في الاعتبار نموذج النمو الاقتصادي للولايات المتحدة فان أزمة الائتمان لم تنته بعد، وأن الاقتصاد الأمريكي سوف يظل في حالة ركود طويل الأجل.

3. ان استمرار التراجع الاقتصادي يؤدي إلى زيادة مخاطر النظام المالي والاتجاه العام للدولار نحو التراجع وهو ما يؤثر على قدرة النظام المالي الأمريكي على جذب تدفقات رؤوس الأموال بالدولار.

4. ان الدورة الجديدة لضخ السيولة لن تؤثر بشكل جوهري على انعكاس الاتجاه العام لتزايد العجز المالي وعبء الدين في الأجل الطويل.

5. أن لجوء الولايات المتحدة إلى تخفيض قيمة الدولار يشير إلى ان الملاءة المالية للولايات المتحدة على شفى الانهيار، حيث تحاول الولايات المتحدة ان تقلل من دينها من خلال تخفيض قيمة الدولار، وبما ان هذه الخطوة تهدد مصالح دائنيها فإن العالم اجمع سوف يواجه حالة تعديل لمعدلات الفائدة على المستوى الدولي.

التحليل المقدم من مؤسسة داجونج يرسم صورة قاتمة جد للاقتصاد الامريكي.

السبت، نوفمبر 13، 2010

المملكة العربية السعودية عاشر أكبر اقتصاد ناشئ في العالم

نشرت الفاينانشيال تايمز ترتيبا حديثا أعدته Ashmore لأكبر أربعين دولة ناشئة في العالم وذلك استنادا إلى نسبة الناتج المحلي الإجمالي لهذه الدول في إجمالي الناتج العالمي. الدول الناشئة في العالم تسيطر اليوم على 53% من الناتج المحلي الإجمالي في العالم، ويتوقع ان يتزايد نصيبها بصورة جوهرية في 2015. الدول الخمس التي تتربع قائمة الدول الناشئة هي بالطبع الصين والبرازيل وروسيا والهند والمكسيك. يطلق على الدول الأربع الأولى مجموعة الـ BRIC، وهي الأحرف الأولى من أسماء هذه الدول. الدور الذي تلعبه مجموعة الـ BRIC في الاقتصاد العالمي آخذ في التزايد على نحو واضح.

الجدول التالي يوضح ترتيب الدول الناشئة في العالم، ووفقا للجدول يلاحظ ان أكبر سبع دول ناشئة في العالم هي من أعضاء في مجموعة العشرين (اكبر عشرين اقتصادا في العالم)، والتي تضم أكبر 17 دولة في العالم بالاضافة الى المملكة العربية السعودية وجنوب إفريقيا والأرجنتين. ضم المملكة العربية السعودية لمجموعة العشرين، على الرغم من أنها ليست ضمن قائمة أكبر عشرين اقتصاد في العالم من حيث الناتج المحلي الإجمالي، هو انعكاس لأهمية الدور المتزايد الذي تلعبه المملكة إقليميا وعالميا.




وفقا للجدول يقدر أن المملكة تمتلك في عام 2005 ما نسبته 0.7% من الناتج المحلي العالمي العالمي، وقد حافظت على هذه النسبة في عام 2010. كان من المفترض ان ترتفع نسبة الناتج المحلي الإجمالي في المملكة في عام 2010 بصورة جوهرية، لولا تراجع أسعار النفط الذي نتج عن الأزمة المالية العالمية، حيث انخفضت اسعار النفط الخام الى أقل من النصف.


وفقا للجدول أيضا يتوقع ان تصل مساهمة المملكة في الناتج المحلي الإجمالي العالمي، 0.8% في عام 2015. من وجهة نظري فإن هذه النسبة تعد متواضعة بالمقارنة بما بتوقع أن يكون عليه الوضع في 2015. أتوقع ان يرتفع نصيب المملكة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي بصورة أكبر من هذه النسبة المتوقعة، أخذا في الاعتبار السيناريوهات المحتملة لسعر النفط الخام عندما يخرج العالم من الأزمة ويعود الطلب العالمي على النفط إلى مستويات ما قبل الأزمة.

ما هي أهم الدلالات التي يمكن استنباطها من هذا الترتيب للاقتصاد السعودي؟ في رأيي أهم الدلالات هي:
1- أن الاقتصاد السعودي أصبح الآن واحد من الاقتصاديات الكبيرة، بمعايير الدول الناشئة.
2- أن الاقتصاد السعودي بدأ يستحوذ على اهتمام القوى الاقتصادية الكبرى كاقتصاد منتج وكسوق محتمل يتمتع بمستويات دخل مرتفعة.
3- أن الاقتصاد السعودي ينبغي ان يشترك في صناعة القرارات الاقتصادية، وأحيانا السياسية، الخاصة بهذا العالم كشريك اساسي في عملية تطبيق هذه القرارات وتسيير هذ السياسات.
4- أن الاقتصاد السعودي قد أصبح محل أصبح اهتمام دول العالم التي ينبغي أن تخطب وده، إما لتوسيع العلاقات الاقتصادية معه، أو لكي يشارك بصورة فعالة في تدفقات رؤوس الاموال على المستوى الدولي دخولا وخروجا، والمشاركة في منح المعونات الدولية للدول الفقيرة كاقتصاد غني.



في رأيي فإن استمرار حفاظ المملكة على تبوء هذه المكانة والحفاظ على نصيبها في الناتج المحلي الاجمالي العالمي يقتضى من المملكة ان تبذل جهودا أكبر في مجال عملية تنويع اقتصادها مستفيدة من الظروف الاستثنائية التي تحيط بها حاليا، حيث يتوافر لديها قدر مناسب من الاحتياطيات الضخمة التي تراكمت في أعقاب 2004، والتي تقترب من نصف تريليون دولارا حاليا، وذلك لكي تتحول إلى اقتصاد متعدد الموارد، وتقلل من اعتمادها على تصدير النفط الخام، حتى تضمن استمرار استقرار مستويات الدخول ومعدلات النمو، وهي المهمة التي بدأتها المملكة بالفعل بتدشين الملك عبد الله للعديد من المشروعات الإستراتيجية في المملكة.

لا شك أن الراحة المالية التي تتمتع بها المملكة حاليا تتطلب المزيد من مثل هذه المشروعات التي ترتكز على خطط استراتيجية دقيقة ورؤية اقتصادية ثاقبة وواضحة حول مسار الاقتصاد السعودي في المستقبل وموقعه على خريطة التنافسية العالمية، حتى ينطلق النمو في المملكة نحو آفاق جديدة، بعيدا عن القيد التقليدي إلي يهدد استقرار النمو، وهو الاعتماد شبه الكثيف على النفط الخام، وحتى نرى المملكة تحتل مركزا أكثر تقدما في قائمة الدول الناشئة في العالم إن شاء الله، مستفيدة من مواردها المادية وقوتها البشرية المتنامية، وأهميتها الدولية الآخذة في التزايد.

بقي أن اشير الى أن قائمة اكبر 40 دولة ناشئة في العالم تضم ايضا 3 دول اخرى من دول مجلس التعاون هي الامارات العربية المتحدة والتي تحتل المركز الثامن عشر، وقطر التي تحتل المركز 35 والكويت والتي تحتل المركز 36.

مؤشرات متناقضة 6: تراجع معدل النمو في الاقتصاد الأوروبي

أشارت بيانات مكتب الإحصاءات الأوروبي إلى تراجع معدلات النمو، أو تراجع استعادة النشاط الاقتصادي في الربع الثالث من هذا العام بأكثر من النصف، حيث اقتصر معدل النمو المتوسط على 0.4% في كل من منطقة اليورو (16 دولة)، الاتحاد الأوروبي (27 دولة)، وذلك مقارنة بمعدل 1% في الربع الثاني من هذا العام. معدل النمو المحقق جاء اقل من التوقعات في هذا الربع والتي كانت تدور حول 0.5%.

معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي هو أوسع مقياس لنمو قيمة السلع والخدمات المنتجة في منطقة الاتحاد الأوروبي، وهو يعبر عن مدى صحة الاقتصاد، بالطبع عندما يحقق الاتحاد الأوروبي معدل نمو موجب فإن اليورو يتأثر بصورة ايجابية، بينما عندما يحقق الاتحاد الأوروبي معدلات نمو منخفضة أو سالبة، فإن ذلك يؤثر سلبا على مركز اليورو في أسواق العملات الأجنبية، تراجع معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي انعكس على قيمة اليورو حاليا في سوق النقد الأجنبي، حيث يتراجع اليورو بصورة واضحة هذه الأيام.

أهم المؤشرات المثيرة للاهتمام هو التراجع الخطير في معدل النمو المحقق في ألمانيا، من 2.3% في الربع الثاني من هذا العام إلى 0.7% فقط في الربع الثالث. كنت قد تناولت مسبقا مقالا بعنوان تفاوت سرعات النمو في منطقة اليورو حيث حققت ألمانيا معدل نمو سنوي يفوق نسبة 9%، مقارنة بالأعضاء الآخرين في المنطقة والذين حققوا معدلات نمو متواضعة نسبيا. من ناحية أخرى اقتصر معدل النمو في فرنسا على 0.4% وفي ايطاليا على 0.2%، وهي معدلات نمو متواضعة للغاية، من الواضح أيضا أن نتائج الربع الثالث تشير إلى تقارب معدلات النمو في منطقة اليورو على نحو اكبر مما كان عليه الحال مسبقا.

الوضع المثير للقلق في نتائج معدلات النمو الأخيرة هو استمرار تراجع معدل النمو في اليونان حيث حققت معدل نمو سالب يبلغ 1.1%، مقارنة بمعدل نمو سالب في الربع الثاني 1.7%، وعلى الرغم من أن هذا التطور يعد ايجابيا، إلا أن المثير للقلق هو استمرار التراجع في نمو الناتج المحلي الإجمالي عند معدلات مرتفعة. معدل النمو في رومانيا تحول أيضا للمرة الثانية هذا العام إلى معدل نمو سالب (سالب 0.7%)، كذلك تشير النتائج إلى تحول النمو في هولندا إلى معدل نمو سالب في الربع الثالث لأول مرة هذا العام.

نتائج النمو في الربع الثالث في الاتحاد الاوروبي تحمل آخبارا سيئة للتعافي الاقتصادي العالمي في هذا العام. الجدول التالي يوضح نتائج معدلات النمو في الربع الثالث من هذا العام في منطقة الاتحاد الأوروبي.


الجمعة، نوفمبر 12، 2010

رسم كارتوني عن التيسير الكمي

نشرت "الهيرالد تريبيون" مؤخرا هذا الكارتون المعبر عن سياسات التيسير الكمي التي أعلن عنها الاحتياطي الفدرالي مؤخرا. إذا قمنا بتعريب الكارتون فسنجد أنه يشير إلى أحد الأشخاص يقف أمام احد ماكينات السحب الآلي ليقوم بسحب الدولارات من الاحتياطي الفدرالي، ثم تظهر على شاشة ماكينة السحب رسالة إلى الشخص الذي يسحب ترجمتها ("فضلا يرجى الانتظار، إن دولاراتك في طور الطبع الآن"). مضمون الكارتون هو قيام الاحتياطي الفدرالي باصدار كميات هائلة من الدولار ونثرها عبر أنحاء البلاد.

الكارتون يوحي أيضا بأن الاحتياطي الفدرالي مشغول ليل نهار بطباعة الدولار الدولار، وأن ماكينات طباعة الدولار تعمل على قدم وساق الى الدرجة التي تتدفق فيها الدولارات من ماكينات الطباعة إلى ماكينات السحب الآلي مباشرة.
الأمور بالطبع لا تسير على هذا النحو الذي يصفه الرسم الكارتوني، فكما سبق أن ذكرت في مقالي "ماذا سيحدث للعالم نتيجة خطة التيسير الكمي"، أن الخطة ربما لن يترتب عليها طباعة أي دولارات جديدة في صورتها المادية، وإنما ستتم العملية أساسا بصورة الكترونية، حيث سيقوم الاحتياطي الفدرالي بزيادة الأساس النقدي بالأرصدة التي يقوم بتحويلها إلى المؤسسات المالية التي سيقوم بشراء السندات منها في صورة احتياطيات، حتى يتم سحبها من جانب هذه المؤسسات لاستخدامها بالصورة التي تفضلها تلك المؤسسات. غير أن الرسم يعبر تعبيرا مثيرا عن الوضع الحالي لعمليات اصدار المزيد من الاساس النقدي في الولايات المتحدة.

ربما يجر التعليق على هذا الشكل الى إثارة التساؤل التالي: "ما هي الخيارات المتاحة أمام المؤسسات المالية للتعامل مع هذه الاحتياطيات النقدية التي سيقوم الاحتياطي الفدرالي بخلقها؟" الحقيقة أن هناك ثلاثة خيارات على الأقل أمام المؤسسات المالية للتعامل مع هذه الاحتياطيات وهي:

1- الخيار الأول: الاحتفاظ بهذه الاحتياطيات في صورة سائلة. أي في صورة احتياطيات زائدة لدى البنوك Excess Reserves، حيث يعد إقبال البنوك على مثل هذا الخيار سلوكا طبيعيا للمؤسسات المالية نظرا لوقوع الاقتصاد الامريكي في ظاهرة مصيدة السيولة Liquidity Trap التي يعاني منها الاقتصاد الأمريكي حاليا. مصيدة السيولة هي الظاهرة التي تصاحب انخفاض معدلات الفائدة إلى مستويات دنيا في الوقت الذي تنتشر فيه التوقعات التشاؤمية حول اتجاهات النشاط الاقتصادي في المستقبل فتتكون مصيدة ضخمة للسيولة في الاقتصاد، وعلى الرغم من انخفاض معدلات الفائدة إلا أن الائتمان يكون محدودا جدا، نظرا لعدم اقبال المؤسسات المالية على الإقراض بسبب ارتفاع مستويات المخاطر المصاحبة لعمليات الإقراض، فضلا عن ضعف إقبال قطاع الأعمال على الاقتراض بسبب التوقعات التشاؤمية، ولذلك فإن أي زيادة تحدث في السيولة لا يتم ضخها في جسد الاقتصاد، وانما تذهب بدلا من ذلك الى مصيدة السيولة لتظل هناك بشكل سائل حتى تتحسن الاوضاع الاقتصادية لاحقا.
معنى ذلك ان مصيدة السيولة تمثل خطرا شديدا على الاقتصاديات التي تصاب بها، لانها تعني تعطل عمل سوق المال وفقدان المؤسسات المالية للوظائف التقليدية التي تقوم بها في اعادة توجيه الائتمان نحو فرص الاستثمار المنتج، وأنه طالما ان ظاهرة مصيدة السيولة منتشرة، فإن الاقتصاد يغرق في مصيدة الانكماش لضعف الاستثمار.

2- الخيار الثاني: الاحتفاظ بهذه الاحتياطيات لدى الاحتياطي الفدرالي، في صورة مودعات، والاكتفاء بتحصيل الفائدة على هذه المودعات، وهو خيار متاح حاليا أمام البنوك الأمريكية. الجدير بالذكر أن القانون الامريكي يحرم على الاحتياطي الفدرالي ان يقوم بمنح فوائد على مودعات البنوك لديه. غير انه عندما اندلعت الأزمة المالية الحالية استصدر الاحتياطي الفدرالي قانونا من الكونجرس يسمح له بمنح فائدة على المودعات التي تقوم بها البنوك لديه. وينظر بن برنانكي إلى هذه الأداة كأحد الأدوات التي يمكن استخدامها لاحقا لامتصاص السيولة في البنوك والحد من الضغوط التضخمية بعد انتهاء الأزمة، أي من خلال قيام الاحتياطي الفدرالي بفرض معدلات فائدة على هذه المودعات أعلى من معدل الفائدة بين البنوك Federal funds rate، بحيث تفضل المؤسسات المالية ايداع احتياطياتها الزائدة لدى الاحتياطي الفدرالي بدلا من ان تقوم باقراضها ومن ثم زيادة السيولة ورفع معدلات التضخم. عندما يقوم الاحتياطي الفدرالي باستقطاب احتياطيات البنوك من خلال هذه الأداة فإن قروض ما بين البنوك تنخفض، وتنخفض قروض البنوك الى قطاعات الاقتصاد، ومن ثم ينخفض عرض النقود.

3- الخيار الثالث: استخدام هذه الاحتياطيات في منح المزيد من القروض، سواء للقطاع العائلي، أو قطاع الأعمال الخاص، بحيث يؤدي ذلك الى تنشيط طلب القطاع العائلي الخاص الاستهلاكي، وطلب قطاع الاعمال الخاص الاستثماري، ومن ثم زيادة الطلب الكلي وارتفاع معدلات النمو وخلق وظائف اضافية تقلل من الضغوط الحالية على سوق العمل الامريكي، ولا شك أن هذا هو الخيار الأمثل من وجهة نظر الاحتياطي الفدرالي، والذي من أجله يقوم بتنفيذ هذه الإستراتيجية.

حتى الآن، وأخذا في الاعتبار الأوضاع الحالية للاقتصاد الأمريكي، فان احتمالات تحقق هذا الخيار الأخير تعد محدودة نسبيا.
نعود إلى الرسم الكارتوني إنه بالفعل تعبير عن الفوضى الحالية في عملية ضخ السيولة في الاقتصادين الأمريكي والعالمي، ليتعرض الاقتصاد الدولي لمخاطر عديدة أقلها ارتفاع معدل التضخم.





ماذا سيحدث للعالم نتيجة خطة التيسير الكمي 2

نشر في صحيفة الاقتصادية السعودية بتاريخ الجمعة 12/10/2010
سبق ان تناولت موضوع التيسير الكمي Quantitative Easing في مقال سابق، وذكرت أن التيسير الكمي هو عملية خلق النقود من فراغ، حيث سيقوم الاحتياطي الفدرالي بزيادة الأساس النقدي Monetary Base في الولايات المتحدة، واستخدامه لشراء السندات الحكومية من المؤسسات المالية، والتي يفترض أن تستخدم هذه الزيادة في الأساس النقدي في عمليات الإقراض وزيادة حجم الائتمان، وهو ما يؤدي إلى زيادة عملية خلق النقود بصورة مضاعفة، يعتمد ذلك على قيمة المضاعف النقدي Money Multiplier.

يوم الأربعاء الماضي 3 نوفمبر كشفت اللجنة الفدرالية للسوق المفتوح FOMC بالاحتياطي الفدرالي عن خطتها للتيسير الكمي2 التي ستنفذها حتى نهاية منتصف العام القادم، وذلك بتوسيع نطاق الاحتفاظ بالأوراق المالية في حساب النظام الفدرالي للسوق المفتوح SOMA، لتشجيع عملية استعادة النشاط الاقتصادي، من خلال شراء ما قيمته 600 مليار دولار من السندات، أو بالأحرى إصدار 600 مليار دولارا، لتضاف إلى الرصيد الحالي من الأساس النقدي الأمريكي، وهو ما يعني ضخ حوالي 75 مليار دولارا شهريا في المتوسط من النقود الجديدة. بالإضافة ذلك سوف يستمر الاحتياطي الفدرالي في عمليات إعادة استثمار حصيلة إيرادات السندات التي حل تاريخ استحقاقها، حيث يقدر أن تقوم لجنة السوق المفتوح بشراء ما قيمته 35 مليار دولار من السندات في صورة إعادة استثمار، وهو ما يعني شراء 110 مليار دولارا في المتوسط شهريا. بهذا الشكل يتوقع أن تبلغ مشتريات الاحتياطي الفدرالي من السندات في إطار الخطة ما بين 850 إلى 900 مليار دولارا.

من ناحية أخرى فقد قررت لجنة السوق المفتوح أن يتم تخصيص حوالي 85% من هذا المبلغ لشراء سندات تترواح تواريخ استحقاقها بين 2.5 – 10 سنوات، وذلك بهدف التأثير على معدلات الفائدة طويلة الأجل وخفضها إلى مستويات دنيا (وهو ما يعني خلق فقاعة في أسعار السندات طويلة الأجل) وذلك للتأثير على معدلات العائد على السندات طويلة الأجل، ومن ثم دفع المؤسسات المالية إلى تحويل استثماراتها نحو إقراض القطاع الخاص.

خلال هذه المدة سوف يقوم الاحتياطي الفدرالي بالمراجعة الدورية لهذه السياسات لضمان اتساق النتائج مع تحقيق مستهدفاته العامة. الأهداف المعلنة للاحتياطي الفدرالي هي تعظيم مستويات التوظف مع ضمان الحفاظ على استقرار الأسعار، أي توجيه أدوات السياسة النقدية لضمان تعظيم عملية خلق الوظائف والتأكد من استمرار استقرار الأسعار. بصفة خاصة سوف تراقب لجنة السوق المفتوح مدى انحراف المعدلات المحققة من التضخم مع معدلات التضخم المستهدف، لضمان استقرار التوقعات التضخمية في الاقتصاد الأمريكي.

الوضع الحالي للاقتصاد الأمريكي هو أنه ما زال يعاني من انخفاض سرعة استعادة النمو في الناتج، وبطء عملية خلق الوظائف التي تؤدي إلى استمرار معدلات البطالة عند مستويات مرتفعة من الناحية التاريخية، وهو ما يقيد الطلب الاستهلاكي، فعلى الرغم من تزايد الإنفاق الاستهلاكي الخاص إلا انه ما زال ينمو بمعدلات متواضعة نتيجة ارتفاع معدل البطالة وضعف معدلات نمو الدخل، كذلك فإن انخفاض قيمة المساكن، يؤثر سلبا على ثروة المستهلكين، وهو ما يقيد حجم الائتمان الاستهلاكي الذي يمكن ان يقدم لهم. من ناحية أخرى فإنه وعلى الرغم من تزايد الإنفاق الاستثماري الخاص، إلا انه ما زال ينمو بمعدلات اقل مما كان عليه الحال في بداية العام، كذلك فإن الإنفاق الاستثماري في القطاع غير السكني ما زال متواضعا، كما أن عمليات بناء المساكن الجديدة تسير بوتيرة ضعيفة جدا، أكثر من ذلك فإن معظم قياسات التضخم الحالية تدور حول معدلات تقل عن 2% (المستوى المستهدف من التضخم للاحتياطي الفدرالي)، هذه المستويات المتراجعة، من التضخم تعني ان الاقتصاد يعاني من طاقة إنتاجية فائضة، ومع ميل معدلات التضخم نحو الانخفاض ترتفع احتمالات أن يواجه الاقتصاد الأمريكي مخاطر الانكماش السعري، وتعد هذه الأوضاع غير مريحة على الإطلاق لصانع السياسة الاقتصادية، بصفة خاصة صانع السياسة النقدية. على سبيل المثال يشير بن برنانكي إلى ان التضخم المنخفض يمكن ان يوقع الاقتصاد الأمريكي في الخطر، خصوصا في ظل ضعف معدلات النمو، وعلى أسوأ الحالات يمكن ان يتحول التضخم المنخفض إلى انكماش سعري، الأمر الذي يحول الأزمة الحالية إلى ركود طويل الأجل.

كما سبق أن ذكرنا أنه عندما اشتعلت الأزمة قام الاحتياطي الفدرالي باستخدام التيسير الكمي بصورة مكثفة لدفع معدلات الفائدة إلى مستويات صفرية لتحفيز الاقتصاد، ونقل تأثير السياسة النقدية إلى القطاع الحقيقي من الاقتصاد من خلال القنوات التقليدية بصفة خاصة قناة معدل الفائدة، وقد تسببت عمليات شراء السندات من قبل الاحتياطي الفدرالي إلى زيادة ميزانيته بصورة حادة من 800 مليار إلى 2.3 تريليون. غير أن خطة التيسير الكمي1، لم تسفر عن تحقيق الزيادة المرغوبة في عمليات الإقراض من قبل المؤسسات المالية، بصفة خاصة استمرت البنوك إما في شراء السندات، أو الاحتفاظ باحتياطيات زائدة ضخمة، أو إيداع أموالها لدى الاحتياطي الفدرالي، ومن ثم لم يترتب على عمليات التيسير الكمي1 زيادة محسوسة في عرض الائتمان، أما لارتفاع درجة المخاطر المصاحبة لإقراض القطاع الخاص، أو لأن المقترضين الذين ترتفع درجة ملاءتهم المالية لا يقبلون على الاقتراض، في الوقت الذي ظلت فيه مؤسسات قطاع الأعمال صغيرة ومتوسطة الحجم، الغير قادرة على الوصول إلى سوق السندات، محرومة من تقديم الائتمان بالشروط المناسبة لاحتياجاتها. على الرغم من هذه النتائج، فإن الاحتياطي الفدرالي يعود ويطبق نفس السياسات مرة أخرى، على أمل أن تحقق النتائج المرجوة منها هذه المرة، وربما يثور تساؤل مستمر الآن وهو ماذا ينتظر العالم نتيجة تطبيق مثل هذه الخطة؟ هناك الكثير من الآثار المحتملة لتطبيق مثل هذه الخطة، سوف نحاول اختصارها في هذا المقال.

الأثر الأول المحتمل هو أنه ربما لا يترتب على تنفيذ هذه الخطة ارتفاع في معدلات النمو، أو ربما في حال تحقق ارتفاع معدلات النمو، أن هذا النمو ربما يكون مؤقتا. النتائج الأولية للإعلان عن خطة التيسير الكمي تبدو، على الأقل من الناحية النظرية، مشجعة للنمو، خصوصا مع ميل معدلات الفائدة طويلة الأجل نحو التراجع، وارتفاع أسعار الأصول، مثل هذه الأوضاع السهلة في سوق المال تساعد على تهيئة المناخ لارتفاع معدلات النمو الاقتصادي، على سبيل المثال، فإن انخفاض معدلات الفائدة طويلة الأجل يقلل من معدلات الفائدة على الإقراض العقاري، حيث تصبح المساكن سهلة المنال، وهو ما يشجع الكثير من أصحاب المساكن على إعادة التمويل. من ناحية أخرى فإن انخفاض أسعار الفائدة على السندات سوف يشجع الاستثمار، كما أن ارتفاع أسعار الأسهم سوف يعكس ارتفاعا في مستويات الثروة، وهو ما يؤدي إلى زيادة الإنفاق، ومن ثم رفع مستويات الدخول والأرباح، وهو ما سيؤدي إلى دعم التوسع الاقتصادي.

غير أن هذا التحليل يبقى تحليلا نظريا، وليس شرطا أن يتحقق على أرض الواقع، ولذلك يميل بعض المحللين من المتشائمين إلى التأكيد على أن الولايات المتحدة ما زالت تعاني من ظاهرة مصيدة السيولة Liquidity Trap، ومن ثم ليس من الواضح ما إذا كانت أموال خطة التيسير الكمي سوف تؤدي إلى إحداث أي آثار ايجابية على مستويات الائتمان، أم ستدخل المصيدة دون أن تتحول إلى قروض ائتمانية للقطاع الخاص، ومن وجهة نظر هؤلاء فإنه حتى لو أدت الخطة إلى التأثير على هيكل أسعار الفائدة طويلة الأجل بالانخفاض، فليس هناك ما يدعو إلى التوصل إلى الخلاصة القائلة بأن البنوك سوف تقوم بالإقراض، أو ان الشركات سوف تقبل على الاقتراض، طالما ان التوقعات تشاؤمية وأن درجة الثقة في مستقبل الأوضاع الاقتصادية على المستوى الكلي ما زالت متدنية.

الأثر الثاني المحتمل هو أن يترتب على الخطة ارتفاع معدلات التضخم في الولايات المتحدة، وفي وجهة نظري ربما يكون هناك قدر من المبالغة في التوقعات التضخمية التي يمكن ان تنشأ عن الخطة، خصوصا إذا أخذنا في الاعتبار ظروف الأزمة التي يعيشها الاقتصاد الأمريكي. لقد تم تنفيذ خطة التيسير الكمي1 بحجم يمثل ضعفين ونصف ضعف الخطة الحالية، ومع ذلك لم يرتفع معدل التضخم، بل على العكس، إن التخوف الحالي ليس من تضخم الأسعار، وإنما بصورة اكبر من انكماش الأسعار، وعلى أسوأ الفروض لو حدث التضخم، فإن التعامل مع التضخم ليس بتلك المهمة المستحيلة، كل ما سيحتاجه الاحتياطي الفدرالي هو إتباع سياسات نقدية تقييدية، مع تحمل بعض الآثار المعاكسة على النمو. المهم الآن هو الخروج من الأزمة والعودة بمعدلات النمو إلى مستوياتها الطبيعية، والناتج إلى مستوياته في الأجل الطويل. إذا كان الوضع كذلك فلماذا هذه الحساسية المفرطة للخطة الحالية وردة فعل الأسواق الشديدة لها مقارنة بالخطة السابقة؟.

الواقع ان الخطر الحقيقي لخطة التيسير الكمي الحالية ليس على معدلات التضخم في الولايات المتحدة، بقدر ما هو على معدلات التضخم العالمي. حيث من المتوقع ان تأخذ أسعار السلع التجارية الدولية في الارتفاع، مثلما حدث بالنسبة لأسعار النفط. ارتفاع أسعار السلع التجارية يعرض معظم دول العالم لصدمة تضخم مستورد، الأمر الذي سيرفع من درجة عدم التأكد ومن ثم يؤثر سلبا على الأفاق المستقبلية للنمو في العالم. من ناحية أخرى فإن بعض المحللين ينظر إلى سيناريو التضخم الركودي Stagflationعلى أنه السيناريو الأكثر احتمالا، وذلك استنادا إلى انه إذا كان التيسير الكمي سيفشل في دفع النمو الذاتي للاقتصاد الأمريكي، فإن تزايد الأجور في البلاد الناشئة التي تستورد منها الولايات المتحدة احتياجاتها سوف يرفع من معدلات التضخم المستورد، أي أن الولايات المتحدة ربما لا تستطيع ان تواجه التضخم من خلال الواردات الرخيصة، خصوصا وأنه مع تراجع قيمة الدولار سوف تميل أسعار السلع التجارية في العالم نحو التزايد، كما سبقت الإشارة إلى الارتفاع، لتضيف المزيد من الوقود على نار التضخم المتوقع.

الأثر الثالث هو ان المشكلة الأساسية في الخطة الحالية هي أنه من المتوقع ان يترتب عليها تغير واضح في الأوضاع النسبية للعملات العالمية بالنسبة للدولار، وهو ما ينعكس على القدرات التنافسية لعدد كبير من الدول بما فيهم الصين، حيث ستؤدي خطة التيسير الكمي إلى تزايد الضغوط على اليوان نحو الارتفاع، وهو الأمر التي حاولت الصين جاهدة طوال السنوات السابقة أن تتجنبه، وذلك من خلال التدخل المكثف في سوق الصرف الأجنبي للحفاظ على اليوان اقل من قيمته الحقيقية. من خلال خطة التيسير الكمي تجبر الولايات المتحدة الصين على أن ترفع قيمة اليوان في مواجهة الدولار الضعيف، ومن ثم فإن ما كانت تطالب به الولايات المتحدة عن طريق التفاوض، أصبحت تحصل عليه الآن من خلال وضع الصين أمام الأمر الواقع. مثل هذه الأوضاع يمكن ان تجر دول العالم إلى محاولة الدفاع عن مصالحها من خلال ردود فعل وقائية، أو انتقامية، تشكل الأرضية اللازمة لانطلاق حرب للعملات على نطاق واسع، وهي مسألة أعتقد أنها ستكون احد المحاور الأساسية في الاجتماع القادم لمجموعة العشرين.

الأثر الرابع هو استمرار تراجع قيمة الدولار بصورة حادة في أسواق الصرف الأجنبي، وهو ما يضع الدول التي تربط عملاتها بالدولار مثل دول الخليج، والكثير من الدول النامية في العالم في خطر، حيث تصبح تلك الدول مجبرة الآن على أن تستورد السياسة النقدية للاحتياطي الفدرالي الذي يتبع سياسات فضفاضة، والتي ربما تكون سياسات مناسبة لأوضاع الاقتصاد الأمريكي، ولكنها بالتأكيد تعد غير مناسبة لتلك الاقتصادات، بصفة خاصة بالنسبة للاقتصاديات الناشئة والتي تعد أسرع دول العالم نموا، ومن المؤكد أن مثل هذه السياسات سوف يترتب عليها آثارا معاكسة على النمو، نتيجة ارتفاع أسعار الأصول. لا شك أن معظم هذه الدول ربما تحتاج إلى إعادة النظر في ربط عملاتها بالدولار لتفادى الآثار السلبية للسياسة النقدية الفضفاضة للاحتياطي الفدرالي، ولكن المشكلة الأساسية تتمثل في أن الخيارات أمام هذه الدول تعد محدودة للغاية في ظل نظام نقدي عالمي وحيد العملة تقريبا، وحتي يتغير هذا الوضع سوف تستمر الولايات المتحدة تصدر التضخم لهذه الدول من خلال سياساتها النقدية الفضفاضة.

الأثر الخامس هو على الدول التي تحتفظ باحتياطيات ضخمة من الدولار، والتي تشعر الآن أنها في ورطة كبيرة، مثل الدول الناشئة، بصفة خاصة الصين، والتي تجد نفسها في موقف لا تحسد عليه. من وجهة نظر الصين فإن خطة التيسير الكمي سوف تؤدي إلى تحقيق أضرار أكثر من المنافع المتوقعة لها، والحقيقة عندما نحلل الآثار المحتملة للتيسير الكمي على الصين سوف نجد أن مخاوف الصين مبررة إلى حد كبير، فاحتياطياتها الضخمة من الدولار تتراجع في القيمة، بينما تجد أن الخيارات المتاحة أمامها للتعامل مع هذه الموقف محدودة جدا، حيث لا تستطيع للأسف ان تفعل شيئا في الأجل القصير، لأن أي تحرك على نطاق واسع من جانب الصين للتخلص من احتياطياتها الدولارية يمكن ان يترتب عليه انخفاض كبير في قيمة الدولار تدفع ثمنه الصين وليس الولايات المتحدة.

الموقف الصيني إذن في غاية الدقة، إذا علمنا أنه على الرغم من احتفاظ البنك المركزي الصيني بـ 2.5 تريليون دولارا من الاحتياطيات إلا أنه يفتقر إلى أدوات متطورة لتعقيم آثار مثل هذه الاحتياطيات والحد من الآثار التضخمية التي يمكن ان تنتج عنها. بعض المستشارين ينصح الحكومة الصينية بتحويل هذه الاحتياطيات إلى ذهب أو نفط، أو أصول أخرى وهي نصيحة في منتهى الغباء، إذ أن مجرد الإعلان رسميا عن تقييم مثل هذه المبادرات، سوف يرفع أسعار الذهب إلى عنان السماء، ويجعل القيمة الحقيقية لتلك الاحتياطيات تحت رحمة التطورات في أسعار تلك السلع. خلاصة القول أن الخيارات المتاحة للصين للتعامل مع احتياطياتها الضخمة تعد محدودة جدا للأسف، وليس أمامها من سبيل، على الأقل في الأجلين القصير والمتوسط، سوى الاستمرار في الاحتفاظ بتلك الاحتياطيات في صورة دولاريه، وتحمل أعباء السياسات النقدية الفضفاضة للولايات المتحدة.

الأثر السادس، وهو في وجهة نظري، أسوأ نتائج التيسير الكمي، سوف يكون على الدول الفقيرة، حيث تمثل السلع الأولية مثل الغذاء، عماد الرقم القياسي للأسعار في تلك الدول، وبالتالي من المتوقع أن تواجه تلك الدول فاتورة غذاء ضخمة في موازين مدفوعاتها، فضلا عن تزايد الضغوط التضخمية، مع تراجع قيمة الدولار. الارتفاع المحتمل لأسعار الحبوب الغذائية، سيعيد أزمة الغذاء العالمية إلى الواجهة مرة أخرى، بعد ان كانت قد خبتت جذوتها في أعقاب الأزمة المالية، وما يصاحبها من ارتفاع احتمالات الإصابة بأمراض سوء التغذية وارتفاع معدلات الوفيات.

تتصاعد المطالبات اليوم بإيجاد آلية من خلالها يتوصل العالم إلى تقييد قدرة الولايات المتحدة على التوسع في عمليات الإصدار الجديد من الدولار، وهي في وجهة نظري مهمة شبه مستحيلة في الوقت الحالي، وذلك في ضوء عدم توافر عملة عالمية أخرى بديلة للدولار، أو يمكن ان تستعمل بجانب الدولار على نحو ملموس، في ظل هذا الوضع لن يمكن إجبار الولايات المتحدة على مراعاة اعتبارات الاستقرار النقدي الدولي عن طريق تبني سياسات نقدية تأخذ في الاعتبار، ليس فقط مصلحتها الداخلية، وإنما أيضا اعتبارات الاستقرار المالي عالميا. لا شك أن العالم يعيش بالفعل موقفا حرجا للغاية، ويعيد إلى الأذهان الأوقات العصيبة التي عاشها في أوقات الأزمات التي تعرض لها الدولار مسبقا.

الأثر السابع هو أن هناك مخاوف حقيقية بأن تلجا بعض دول العالم، بصفة خاصة الدول الناشئة، في محاولة منها للدفاع عن أسواق الأصول بها، إلى وضع قيود على تدفقات رؤوس الأموال لتفادي التدفقات الضارة لرؤوس الأموال الساخنة، بصفة خاصة الدولارية، على أسواق المال بها، حيث يمكن أن يتسبب ذلك في فقاعة أصول في هذه الدول، ولا شك ان تقييد تدفقات رؤوس الأموال عبر العالم سوف يؤثر سلبا على معدلات النمو الكامن.

باختصار شديد، العالم كله، غنيه وفقيره، يقع الآن في مرمى النيران التي أطلقها الاحتياطي الفدرالي إطار خطته للتيسير الكمي2 في الأسبوع الماضي.

والآن مع تصاعد كل هذا القلق والهجوم العالمي على الدولار، هل يواجه الدولار آثارا ارتدادية على وضعه العالمي كعملة التداول والاحتياط الأولى في العالم، الإجابة هي للأسف لا!. فليس هناك أي بديل جاهز حاليا لكي يحل محل الدولار، والدعوات التي تطلق من وقت لآخر بأن يتم إنشاء نظام عالمي متعدد العملات، هي مجرد صيحات بلا صدى على ارض الواقع، حيث يؤكد هذا الواقع أنه لا يوجد حاليا أمام العالم من خيار، للأسف الشديد، سوى الدولار الأمريكي، وأنه على العالم أن يتحمل تكلفة مثل هذا الوضع، حتى يتغير، شاء أم أبى.

ولكن إلى متى سيستمر الاحتياطي الفدرالي في إتباع هذه السياسات النقدية الفضفاضة؟ الذي يبدو لي هو أنه من الواضح أن إدارة الرئيس أوباما عازمة على الخروج من الأزمة بأي ثمن، إذ لا بد للإدارة الأمريكية الحالية أن تعيد تهيئة الأرضية بصورة مناسبة قبل انتخابات التجديد للرئيس، والذي أصبحت حظوظه حاليا في إعادة انتخابه محدودة بعد الهزيمة القاسية التي تعرض لها حزبه في انتخابات التجديد النصفي التي جرت منذ أيام، وحيث ستكون مهمة الفريق الاقتصادي للرئيس أصعب في ظل التركيبة الحالية للكونجرس ومجلس الشيوخ، فمن المؤكد أن نواب الحزب الجمهوري، الذين أصبح لديهم أغلبية الآن، سوف يقاومون بشدة أي محاولات من قبل الحزب الديمقراطي لتعديل الأوضاع الاقتصادية الداخلية، وذلك لتعزيز فرص فوز حزبهم بالرئاسة في الانتخابات القادمة. ولذلك لن استغرب ان نقرأ عن خطط تيسير كمي3 و 4 وهكذا، حتى تستعيد قوى النمو عزمها الذاتي، ويبدأ الاقتصاد الحقيقي في النمو بعيدا عن قوى التحفيز، وتنخفض معدلات البطالة ربما إلى 7% أو اقل قليلا، حتى تتكون لدى الرئيس أوباما مجموعة من المؤشرات الايجابية على المستوى الكلي ليتمكن من أن يخوض بها الانتخابات القادمة، وبعدها من المؤكد ان سياسات التحفيز سوف تتراجع، عندها سوف تواجه الأسواق أزمة من نوع آخر، حيث ستنخفض أسعار الأصول، بصفة خاصة الأسهم، وكذلك سيواجه المضاربون في الذهب أخشى ما يخشون.

بقي أن أشير إلى ان خطة التيسير الكمي لا تعني أن الاحتياطي الفدرالي سوف يدير ماكينات طبع الدولار ليل نهار لطباعة المليارات اللازمة من الدولارات لتنفيذ الخطة، هذا الاعتقاد غير صحيح، بالعكس ربما لا يطبع الاحتياطي الفدرالي دولارا واحدا في إطار عملية التيسير الكمي، ذلك أن الدولارات الجديدة التي ستتم إضافتها إلى الأساس النقدي في الولايات المتحدة سوف يتم إضافتها الكترونيا، أي على هيئة قيود في جانب الالتزامات في ميزانية الاحتياطي الفدرالي، ثم تحول هذه الالتزامات إلى حسابات للمؤسسات المالية لدى الاحتياطي الفدرالي في صورة احتياطيات عند قيامه بشراء السندات منها، ليقوم بعد ذلك بتعلية جانب الأصول لديه بقيمة هذه السندات، بمعنى آخر ليس هناك طباعة فعلية للمزيد من الدولارات، ولكن هذا لا يعني أن ذلك لن يحدث نفس الأثر على عرض النقود، بالعكس مع تزايد عمليات الائتمان سوف يتسع عرض النقود ومعها الضغوط التضخمية.

وأخيرا، وبغض النظر عن الصورة التشاؤمية التي وردت في هذا المقال، فإن الأمة الإسلامية تستعد لاستقبال عيد الأضحى المبارك بعد أيام، وبهذه المناسبة أتوجه إلى جميع القراء بأطيب التهاني والأماني بعيد سعيد، وأدعو الله سبحانه وتعالى أن يعيده عليكم بالخير واليمن والبركات، كل عام وانتم بخير.