الجمعة، ديسمبر 31، 2010

هل يصبح اليوان الصيني عملة دولية؟ 3.

نشر في صحيفة الاقتصادية السعودية بتاريخ الجمعة 31/12/2010.
تناولنا في الحلقة السابقة متطلبات تحول اليوان الصيني إلى عملة دولية والاستحقاقات التي يجب ان تستوفيها الصين، بصفة خاصة تحرير حساب رأس المال في ميزان مدفوعاتها، بحيث تتحرر رؤوس الأموال من أية قيود تحول دون تدفقها، وتحرير معدل صرف اليوان، وتحرير السياسات النقدية، وتطوير سوق عميقة ومتسعة لأدوات الدين الصيني قصيرة الأجل، فضلا عن منح البنك المركزي الاستقلالية التامة. في مقال اليوم نتناول الخطوات العملية التي اتخذتها الصين لتسهيل عملية تحويل اليوان إلى عملة دولية، وهل بالفعل الصين مستعدة لكي تسمح لليوان أن يتحول إلى عملة دولة أم أنها غير راغبة أو ربما غير مستعدة لتدويل اليوان.

قبل أن نبدأ في التحليل علينا ان نفرق بين تعريفين للعملات الرئيسية في العالم، التعريف الأول وهو العملة الدولية، وهي العملة التي يمكن ان تستخدم في تسوية المعاملات التجارية والمالية بين الدول، وفي هذا الصدد هناك عدد لا بأس به من العملات الدولية، أهمها الدولار الأمريكي واليورو الأوروبي والين الياباني والجنيه الإسترليني والفرنك السويسري. أما التعريف الثاني فهو عملة الاحتياط العالمية، وهي العملة التي تحتفظ بها البنوك المركزية لدول العالم ضمن سلة احتياطياتها لتغطية جانب من الإصدار للعملة الوطنية، وكذلك لأغراض التدخل في الوقت المناسب في سوق النقد الأجنبي للدفاع عن عملتها، وفي هذا الصدد لدينا عملتين فقط، تقريبا هي على الترتيب الدولار واليورو. تدويل اليوان إذن هو تحويله أولا إلى عملة دولية تستخدم في تسوية المعاملات التجارية والمالية بين دول العالم، ثم إذا حاز اليوان ثقة العالم يتم تحويله إلى عملة احتياط عالمية مثل الدولار الأمريكي.

والآن ما هي الخطوات التي اتخذتها الصين في سبيل تحويل اليوان إلى عملة دولية؟ بشكل عام وحتى هذه اللحظة ترحب الصين بتدفقات رأس المباشر إليها، وكذلك بتسوية بعض المعاملات الخارجية باليوان، كما تسمح بحرية دخول العوائد الخارجية من جانب الشركات الصينية وكذلك بتحويلات العمال الصينيين في الخارج. أما أهم الخطوات التي اتخذتها الصين حيال تدويل اليوان فهي:

• منذ ديسمبر 2008 قامت الصين بتوقيع 6 اتفاقيات للترتيبات المتبادلة bilateral swaps بـ 650 مليار يوان (حوالي 95 مليار دولارا) مع اندونيسيا وجنوب كوريا وهونج كونج وماليزيا وروسيا البيضاء والأرجنتين، بحيث تسمح هذه الاتفاقيات لهذه الدول بتحويل عملاتها إلى اليوان. غير ان أهمية مثل هذه الاتفاقيات بالنسبة لإجمالي التجارة الخارجية للصين تعد محدودة. وبمقتضى اتفاقيات الترتيبات المتبادلة سوف تسمح الصين لتلك البنوك المركزية بأن تقوم ببيع اليوان الصيني للمستوردين في تلك الدول لتمكينهم من استيراد السلع الصينية باليوان، ذلك أن تسوية المعاملات التجارية باستخدام اليوان يعد أكثر مناسبة لكل من الشركات الصينية والشركات الأجنبية التي تتبادل تجاريا مع الصين، حيث سيساعد ذلك الشركات الأجنبية على التقليل من تكاليف المعاملات والتي تتحملها من جراء تحويل عملتها المحلية إلى الدولار الأمريكي (العملة التي تقبلها الصين أساسا في مقابل الصادرات)، ويساعد كذلك الشركات الصينية على التقليل من مخاطر تقلبات معدل صرف الدولار.

• بدأت ثلاث من أكبر الشركات الصينية هي: Shanghai Silk Group وShanghai Electric Group Co. وShanghai Huanyu Import & Export Co. بالفعل في توقيع عقود تسوية صفقات صادراتها ووارداتها باليوان الصيني بدلا من الدولار الأمريكي مع هونج كونج واندونيسيا.

• سمحت الصين للمصدرين والمستوردين في الأقاليم الجنوبية بأن يقوموا بتسوية المبادلات التي تتم عبر هذه الأقاليم مع الشركات الأجنبية باليوان، كذلك سمح للبنوك الأجنبية ان تفتح حسابات باليوان لعملائها من الشركات في مواقع مثل هونج كونج وسنغافورة.

• تم اختيار هونج كونج لكي تكون مركز اختبار لأنشطة سوق رأس المال في اليوان، حيث يسمح لبعض البنوك في هونج كونج بأن تقوم بإصدار أوراق مالية باليوان الصيني مع السماح للمقيمين في هونج كونج وكذلك البنوك المحلية فيها بشراء هذه الأوراق المالية، ومثل هذه الخطوة يمكن ان تساهم في خلق سوق رأس مال "أوف شور" لليوان، والذي من شأنه أن يعجل من تحرير معدل الفائدة في باقي أنحاء الصين بدلا من الوضع الحالي حيث يتم تحديد معدل الفائدة بواسطة البنك المركزي الصيني.

• قامت الصين بوضع نظام للتسوية متعددة الأطراف يتم إدارته بواسطة جهاز التجارة في الصرف الأجنبي الصيني China Foreign Exchange Trading System (CFETS), والذي سيشمل خدمات تسوية المعاملات التجارية لواحد وعشرين إقليما صينيا مع الأسواق الدولية للتجارة في اليوان في مقابل الدولار واليورو والين والجنيه الإسترليني ودولار هونج كونج.

• بدأت الصين بإجراء عدد من الترتيبات المتبادلة في اليوان الصيني Swaps بمقتضاها تقوم الصين بتوفير اليوان للبنوك المركزية ليتم استخدامه لأغراض تمويل المعاملات التجارية مع الصين وذلك لكل من الأرجنتين وهونج كونج واندونيسيا وماليزيا وكوريا الجنوبية.

• في سبيل توسيع نطاق استخدام اليوان في تسوية المعاملات التجارية، عقدت الصين اتفاقيات مع البرازيل في مايو 2009 لتسوية واردات البرازيل من الصين باليوان، بينما يتم تمويل واردات الصين من البرازيل باستخدام الريال، لأول مرة بدون استخدام الدولار الأمريكي.

على الرغم من ان مثل هذه الاتفاقيات قد ينظر إليها على أنها خطوة هامة في سبيل تدويل اليوان، إلا أن مثل هذه الاتفاقيات تواجه قيودا تضع الكثير من الشكوك حول احتمالات نجاحها على المدى الطويل، فالتجارة بين بلدين بعملتين غير قابلتين للتحويل سوف يتطلب من الناحية الفنية تدخل البنك المركزي للدولتين بشكل مستمر في جميع الصفقات التجارية التي سيتم إبرامها بينهما، وهو مما لا شك فيه لا يمثل إطارا ناجحا للتعامل التجاري على نحو كفء أو فعال.

من ناحية أخرى فإن طبيعة اتفاقيات الترتيبات المتبادلة الموقعة بين الصين والدول الأخرى ربما تثير التساؤل حول الميزة التي يمكن ان تحصل عليها دول العالم من مثل هذه الاتفاقيات في عملة غير قابلة للتحويل مثل اليوان. فالدول التي ستسجل فوائض في اليوان سيمكنها فقط ان تستخدمه في سداد قيمة وارداتها من الصين، وليس لأي استخدام آخر، ومن ثم ستواجه هذه الدول ورطة حقيقية في كيفية التصرف في هذه الفوائض. فمن ناحية لا يمكنها ان تستثمر هذه الفوائض في أدوات دين صينية نظرا لعدم تحرير حساب رأس المال الصيني، كذلك لا يمكنها ان تستخدمها لسداد قيمة وارداتها من دولة أخرى غير الصين ما لم يتم تطوير هذه الاتفاقيات لتصبح على شكل مناطق تجارية تسمح باستخدام اليوان كعملة مشتركة فيما بينها، وهو ما يقتضي مرة أخرى تحرير اليوان، على الأقل على نطاق المنطقة التجارية، كذلك لن تتمكن الدول صاحبة الفوائض في استخدام اليوان في الدفاع عن عملتها في سوق الصرف الأجنبي إذا ما تعرضت لضغوط، نظرا لأن اليوان غير قابل للصرف أصلا.

وعلى ذلك فإن تحرير التعامل في اليوان الصيني من خلال اتفاقيات التسوية الثنائية أو متعددة الأطراف، ليس هو السبيل الأمثل لتحرير اليوان، وفي وجهة نظري لا يعد خطوة في الطريق السليم لتدويل اليوان. ذلك أن مثل هذه الاتفاقيات تعد بمثابة استمرار للسيطرة الرقابية على معدل صرف اليوان وإبعاده عن قوى السوق.

أكثر من ذلك فإن التوسع في مثل هذه الاتفاقيات سوف يتطلب من الصين ان تنشئ نظاما مركزيا للمعاملات في اليوان على غرار النظام الذي يستخدمه صندوق النقد الدولي لتنظيم التعامل في حقوق السحب الخاصة، وهو ما يقلل من أهمية اليوان نظرا للقيود الإدارية المفروضة على استخدامه. ذلك أنه بما ان اليوان غير قابل للتحويل فان استخدامه في عملية تمويل صفقة أخرى ليست الصين طرفا فيها لا بد وان يتطلب موافقة الصين على هذه الصفقة حتى تقبل استخدام اليوان من الطرف الآخر في سداد قيمة الصادرات الصينية. التجارب الدولية في مثل هذه الاتفاقيات باءت جميعها بالفشل نظرا للضغط الإداري والروتيني الشديد المصاحب لتسوية المعاملات في ظل هذه الاتفاقيات.

ما تفعله الصين حاليا هو التحرير الجزئي لعمليات تمويل تجارتها الخارجية باليوان، أي بالنسبة لعمليات ميزانها التجاري، بينما لا تقوم بتحرير اليوان بالنسبة لعمليات حساب رأس المال في ميزان مدفوعاتها. من ناحية أخرى فإن الصين لا تنوي على ما يبدو أيضا أن تحرر معدل صرف اليوان وفقا لقوى العرض والطلب، حيث ما زال البنك المركزي الصيني لا يسمح لليوان بأن يتحرك بالنسبة للدولار سوى في حدود نصف في المائة بشكل يومي ارتفاعا أو انخفاضا.

أكثر من ذلك فإنه ليس من مصلحة الصين حاليا أن يقل الطلب العالمي على الدولار الأمريكي أو أن يتراجع دوره كعملة احتياط عالمية، باعتبارها أكثر دول العالم التي يمكن أن تخسر من جراء تدهور قيمة الدولار نتيجة انخفاض الطلب عليه، وذلك بسبب الاحتياطيات الضخمة التي تحتفظ بها الصين من الدولار الأمريكي ومن أدوات الدين الأمريكية.

على الرغم من أن الظروف الحالية هي أفضل الظروف التي يمكن ان تسنح لليوان لأن يستخدم على نطاق دولي مستفيدا من ضعف العملات الدولية مثل الدولار الأمريكي واليورو، إلا أنه من الواضح أن الصين لا ترغب أصلا في تحويله إلى عملة دولية، فمما لا شك فيه أنه عندما تنتهي الأزمة ستعود الثقة مرة أخرى في العملتين الرئيسيتين الدولار واليورو وتتضاءل بالتالي احتمالات نجاح جهود الصين في تحويل استخدام عملها كعملة دولية.

إن تحويل اليوان إلى عملة دولية سوف يستدعي بالضرورة، كما سبقت الإشارة، تحرير معدلات صرفه، وهو ما سوف يعرض اليوان الصيني للارتفاع في القيمة نتيجة ضغوط الطلب في سوق الصرف الأجنبي لليوان، وهو الأمر الذي تحاول الصين تجنبه منذ فترة طويلة، من خلال عدم الاستجابة للمطالبات العالمية برفع قيمة اليوان، وذلك لكي تضمن لصادراتها ميزة تنافسية إضافية ناجمة من انخفاض قيمة اليوان عن المستويات الحقيقية له، الأمر الذي يجعل السلع الصينية رخيصة نسبيا مقارنة بتلك السلع المنافسة لها والمصنوعة في دول جنوب وشرق آسيا من جيرانها، أو في الدول الناشئة الأخرى مثل البرازيل. وإذا ما تحقق ذلك فلا شك في أن الصين سوف تخسر جانبا من مزاياها التنافسية التي تتمتع بها حاليا بسبب سياسة اليوان الرخيص، الأمر الذي قد يمثل بداية النهاية لسياسات الدعم المستتر للصادرات الصينية إلى دول العالم، ومن الواضح أن الصين غير جاهزة حاليا لأن تدفع ثمن هذا الخيار من تنافسيتها التجارية في مقابل الدول الأخرى.

ما هي الخلاصة من التحليل السابق؟ الخلاصة هي ان الخطوات التي اتخذتها الصين حتى الآن لا تصب في استخدام اليوان كعملة دولية، ناهيك عن استخدامه كعملة احتياط عالمية، بقدر ما تصب في استخدام اليوان في تسوية المعاملات التجارية للصين مع شركاءها في التجارة وتقليل الاعتماد على استخدام الدولار الأمريكي. هناك إذن قدر كبير من الشكوك المحيطة بقدرة الصين على تحدي العملة الخضراء، وعلى أفضل السيناريوهات المحتملة فان اليوان الصيني يمكن أن يصبح عملة دولية ثانوية مثل الين الياباني أما تحول اليوان إلى عملة احتياط عالمية مثل الدولار فسوف يستغرق وقتا طويلا جدا، أو ربما ينجح اليوان الصيني كعملة احتياط إقليمية أي بين الصين وجاراتها نظرا لقوة العلاقات الاقتصادية بينها، أما على المستوى الدولي فان العملية لا شك تحتاج إلى متطلبات لن تستطيع الصين استيفاءها سواء في الأجل القصير أو المتوسط أو حتى من ناحية استيفاء المتطلبات الهيكلية اللازمة لذلك.

الخميس، ديسمبر 30، 2010

رسم كارتوني عن خطة التحفيز الامريكية

توجد فكرة في علم الاقتصاد يطلق عليها متكافئة ريكاردو Ricardian equivalence ، والتي تشير الى أن الحكومات يمكنها ان تحصل على المزيد من الايرادات الان إما من خلال زيادة مستويات الضرائب، أو من خلال زيادة الدين العام، وان كلا الطريقتين متكافئتين في التأثير، بمعنى آخر، في حالة تحقيق الحكومة لعجز في ميزانيتها، فإنها يمكنها ان تمول العجز من خلال زيادة الضرائب، او من خلال اصدار المزيد من السندات. إذا قامت الحكومة بزيادة مستويات الضرائب اليوم فإن انفاق الافراد الاستهلاكي سوف ينخفض بسبب انخفاض مستويات الدخول المتاحة للإنفاق (الدخل بعد الضريبة). وبدلا من رفع مستويات الضرائب اليوم يمكن للحكومة ان تقوم بزيادة ايراداتها من خلال اصدار سندات لترفع بذلك من مستويات دينها العام، غير أنها سوف تضطر الى فرض ضرائب أعلى في المستقبل لخدمة هذا الدينالعام. أي أن الحكومة اما ان تفرض ضرائب اليوم، أو تفرض ضرائب في المستقبل.
هذا يرتبط في علم الاقتصاد بما يسمى بمبدأ العدالة بين الاجيال، أو المحاسبة بين الاجيال، بمعنى آخر أنه في الكثير من الاحيان لا يدفع الجيل الحالي التكلفة الحقيقية للرفاه التي يتمتع بها الآن، أو لا يدفع مقابل المستويات المرتفعة لللاستهلاك التي يتمتع بها حاليا، والتي تنعكس في صورة ارتفاع مستويات العجز ومن ثم الدين العام، تاركا مسئولية تحمل هذا العجز على الاجيال القادمة التي ستدفع ضرائب أعلى على خدمات لم تتمتع بها، أو لم تصل اليها.

وفقا لمتكافئكة ريكاردو فإن زيادة الدين العام سوف تحمل نفس الاثر على الانفاق الاستهلاكي للأفراد، لأن الأفراد ينظرون الى الدين العام على انه ضرائب مستقبلية على الافراد، فالسندات التي تقوم الحكومات بإصدارها اليوم لا بد وانها ستحتاج الى زيادة مستويات الضرائب في المستقبل لخدمة هذه السندات. وتفترض متكافئة ريكاردو ان الافراد رشيدين اقتصاديا، وانهم ينظرون ليس فقط لمستوى رفاهيتهم، وانما ايضا لمستويات رفاهية ابناءهم وورثتهم في المستقبل. ولهذا السبب فإنه عندما تقوم الحكومات بإصدار المزيد من سندات الدين العام لتمويل العجز في الميزانية، فإن المتكافئة تتوقع ان يقوم الافراد بالادخار بصورة اكبر اليوم استعدادا للمستقبل عندما تقوم الحكومات برفع مستويات الضرائب، وهو ما يؤدي الى خفض مستويات الانفاق الاستهلاكي. أي أن الانفاق الاستهلاكي سوف ينخفض في الحالتين.

ماذا يعني ذلك؟ إن قيام الحكومة الامريكية بمد العمل بتخفيضات الضرائب التي اقرها العبقري السابق جورج بوش، وبدلا من ذلك سوف تسمح بزيادة مستويات الدين العام، هو مجرد عملية تأجيل لدفع قيمة فاتورة عملية التحفيز المالي التي تقوم بها الحكومة الامريكية لاقتصادها حاليا.

الشكل الكارتوني يشير الى غرفة في مستشفى الولادة في الولايات المتحدة الامريكية، حيث تقف ممرضة، ويقف شخص آخر خارج الغرفة، بينما يصرخ الاطفال حديثي الولادة "وااااااااااااااااااااااء ..." بصورة مرتفعة جدا، ويسأل الرجل الممرضة، هل الاطفال جوعى، فتجيبه الممرضة، "لا، انهم فقط اكتشفوا الآن ان عليهم ان يدفعوا (في المستقبل) فاتورة عملية التحفيز (التي تتم حاليا)".




المصدر: http://www.eclectecon.net/2010/12/ricardian-equivalence-debt-and-taxes.html






حقائق مثيرة في المقارنات بين الصين والولايات المتحدة.

شهدت الصين تطورات مذهلة خلال العشر سنوات الماضية، حينما تحولت من مجرد اقتصاد ناشئ صغير الحجم الى اقتصاد ضخم اصبح يضاهي اكبر اقتصاديات العالم، ونتيجة لذلك تطور الدور الذي تلعبه الصين في الاقتصاد العالمي وفي معدلات نموه بل واستعادة النشاط فيه، بعد أن كانت الاخيرة بالذات مرهونة دائما بالتطورات في الولايات المتحدة. ماذا يعني ذلك؟ إن ذلك يعني ان الاقتصاد العالمي اليوم اصبح ايضا مرهونا بالتطورات التي ستحدث في الصين، مثلما هو الحال بالتطورات التي تحدث في الولايات المتحدة.

هذا الاسبوع اطلعت على هذه القائمة من المقارنات المذهلة بين الصين والولايات المتحدة الامريكية، بصفة خاصة لفت نظري المقارنات الاتية:

- أن النمو الاقتصادي في الصين في العشر سنوات الماضية بلغ سبعة اضعاف النمو الاقتصادي في الولايات المتحدة. ففي الوقت الذي كانت فيه الولايات المتحدة تنمو بمعدلات سالبة، نتيجة لأزمتها، كانت الصين تنمو بمعدل نمو يتكون من رقمين نتيجة لنهضتها. فخلال العشر سنوات الماضية نما اقتصاد الصين بمعدل نمو 316%، بينما اقتصر نمو اقتصاد الولايات المتحدة على 43%. بالطبع ما زال هناك فجوة هائلة بين حجم اقتصاد الولايات المتحدة والاقتصاد الصيني كما يوضح الشكل التالي، غير ان الفجوة في سرعة النمو هائلة، لدرجة تجعل أنه من المؤكد ان تجاوز الاقتصاد الصيني لحجم الاقتصاد الامريكي اصبح مجرد مسألة وقت لا أكثر ولا أقل.




- أنه على الرغم من النمو الهائل في الناتج المحلي الاجمالي في الصين، إلا أن متوسط نصيب الفرد من الناتج (أو متوسط نصيب الفرد من الدخل) في الصين ما زال متواضعا جدا، وليس هناك اي مجال للمقارنة بين متوسط نصيب الفرد في الصين ومثيله في الولايات المتحدة، لذلك فإن المقارنة هنا تكون ليس مع أمريكا، ولكن مع الدول الفقيرة في العالم. هذا النمو الهائل يصحبه، نظرا للحجم السكاني الهائل، مستوى منخفض جدا من الدخول. فمتوسط دخل الفرد في الصين يحتل الترتيب الـ 91 عالميا، أي أنه اقل من متوسط نصيب الفرد في دول فقيرة مثل البوسنة.

- بحلول عام 2025 سوف تبني الصين ناطحات سحاب بمساحة عشر مدن مثل نيويورك سيتي، حيث يتوقع ان يتم بناء 50 ألف ناطحة سحاب من بين 5 مليون مبنى جديد سوف يتم بناءها في الصين بحلول هذا العام.

- أن اكبر مول تجاري في العالم يوجد في الصين، غير أنه خال تقريبا منذ عام 2005، حيث لم تزد نسبة الاشغال فيه عن 1%.

- أن عشرة ولايات امريكية على الاقل اصبحت تعتمد الآن في صادراتها على الصين، حيث تصدر اليها المنتجات الكيماوية والحاسبات الالكترونية والالات والمعدات الصناعية والمحاصيل الزراعية والمخلفات.

- أن معدل التحضر في الصين يسير على نحو سريع جدا، لدرجة انه في عام 2035 سوف يصل عدد سكان الحضر في الصين الى مليار شخص نتيجة للهجرة الداخلية السريعة من الريف الى المدن، حيث سيتم اضافة حوالي 350 مليون شخص الى سكان الحضر بحلول عام 2035، وهو ما يفوق عدد سكان الولايات المتحدة حاليا.

- أن الديانة المسيحية تنمو بمعدلات هائلة في الصين، شكرا لتنظيم القاعدة الذي يجاهد ليل نهار لتشويه صورة الاسلام، ليتقرب بذلك الى الله سبحانه وتعالى، وبدلا من أن يعمل على نشر الصورة الحقيقية والصحيحة للاسلام، اصبح المسلمون بسبب سياسات القاعدة، ضمن اسباب أخرى، غير مرغوب في تواجدهم خارج حدود دولهم. في الصين يوجد حاليا حوالي 54 مليون مسيحي، وهو رقم اعلى من عدد المسيحيين في دولة مثل ايطاليا، معظمهم من البروتستانت.


الاثنين، ديسمبر 27، 2010

خرائط مثيرة عن الصين عام 2020

قرأت هذا الموضوع المثير في U.S. Global Investors – Weekly Investor Alert عن التوقعات حول الاقتصاد الصيني في 2020، حيث تم عرض تطورات النمو في الاقتصاد الصيني بصورة شيقة جدا، وهي عبارة عن خرائط ثلاث توضح الناتج المحلي الإجمالي لكل إقليم من أقاليم الصين وما يقابله من ناتج دول العالم خلال أعوام 2000 و 2009 والتوقعات المستقبلية في عام 2020.

الخريطة رقم 1 توضح الناتج المحلي للأقاليم المختلفة في الصين وما يعادلها من ناتج دول العالم، ويلاحظ من الخريطة أنه في عام 2000 كان الناتج المحلي لأقاليم الصين يعادل الناتج المحلي لدول العالم النامي والفقير، حيث لم يتجاوز الناتج المحلي الإجمالي لمعظم محافظات الصين 100 مليار دولارا سنويا (اللون الرصاصي).



خلال الفترة من 2000-2009 نمى الاقتصاد الصيني مدفوعا بالنمو في الاستثمارات الثابتة والزيادة في حجم الصادرات ونمو الاستهلاك المحلي، فقد كانت الصين في حاجة ماسة إلى الطرق السريعة وخطوط السكك الحديدية ومحطات توليد الكهرباء، بالإضافة إلى حاجة العالم إلى ما تنتجه الصين، ولذلك في عام 2010 تطورت أوضاع الصين على نحو كبير، كما توضح الخريطة رقم 2، حيث تشير إلى حدوث تطور هام جدا في الناتج المحلي للأقاليم المختلفة في الصين، فقد تحولت معظم الأقاليم الصينية إلى أقاليم تحقق مستويات للناتج المحلي الإجمالي لدول العالم التي تحقق معدلات نمو مرتفع في ناتجها المحلي الإجمالي، وأصبح معظم أقاليم الصين ينتج ناتجا محليا يتراوح بين 100 مليار إلى 500 مليار دولارا (اللون البني).



خلال الفترة من 2010-2020 سوف تستمر الصين في الاستثمار في مشروعات البنى التحتية، بصفة خاصة في غرب ووسط الصين، فضلا عن احتمالات التحول في محفزات النمو من الصادرات إلى الاستهلاك المحلي، وهو ان حدث فسوف تتحول الصين إلى اكبر سوق استهلاكي في العالم. كذلك من المتوقع أن تستمر الصين في الاستثمار في تطوير صناعاتها القديمة والاستثمار في الصناعات الجديدة مثل الطاقة الجديدة والطاقة الحيوية وكذلك في الزراعة والضمان الاجتماعي وحماية البيئة، على سبيل المثال يقدر مجلس الكهرباء الصيني، أن الصين سوف تستثمر 1.7 تريليون دولارا في العشر سنوات القادمة لتطوير البنى التحتية لصناعة الكهرباء.

الخريطة رقم 3 توضح انه من المتوقع ان تحدث تطورات هائلة في الناتج المحلي الإجمالي للأقاليم الصينية في عام 2020، حيث سيتحول 6 أقاليم إلى أقاليم تنتج ما يزيد عن التريليون دولارا سنويا (اللون الأحمر)، وعشرة أقاليم تنتج ما بين نصف تريليون إلى تريليون دولارا سنويا (اللون الوردي). وفقا لهذا الحسابات فإن الناتج المحلي الصيني في 2020 سوف يزيد عن الناتج المحلي لأغنى الدول النامية في العالم، كما يتضح من الشكل.




هذه دعوى لرؤوس الأموال الخليجية إلى التوجه نحو الصين، حيث توجد آفاق واسعة جدا للاستثمار، وحيث المستقبل الواعد لتلك الاستثمارات في أكبر سوق من حيث عدد المستهلكين في العالم حيث يوجد 1.3 مليار مستهلك، صحيح ان قوتهم الشرائية منخفضة حاليا، إلا ان التوقعات تشير الى احتمال حدوث تزايد واضح في القوة الشرائية لهؤلاء المستهلكين بفعل  التطورات السريعة التي تشهدها الصين ومعدلات النمو المرتفعة جدا والتي تضعها في مصاف اكثر دول العالم نموا.




هذه الورقة تتوقع انفجار فقاعة أسعار الذهب في ابريل أو مايو 2011.

ورقة العمل هذه قام بإعدادها أربعة باحثين روس من المراكز العلمية الآتية:

1. VNIMI, St. Petersburg, Russia

2. “Complex System Analysis and Mathematical Modeling of the World Dynamics” Project, Russian Academy of Sciences

3. Russian State University for the Humanities, Moscow and “Complex System Analysis and Mathematical Modeling of the World Dynamics” Project, Russian Academy of Sciences

الورقة تحمل عنوان Log-Periodic Oscillation Analysis and Possible Burst of the “Gold Bubble in April – June 2011 والتي قامت بتحليل ديناميكيات سعر الذهب استنادا الى منهجية تم تطويرها بواسطة Didier Sornette، وقد اشارت الحسابات التي اجراها فريق البحث أن ديناميكيات سعر الذهب قريبة من سلوك الفقاعات الذي قام Sornette بدراسته، وأن اكثر الاوقات احتمالا لانفجار فقاعة الذهب الحالية هو ابريل او مايو القادم 2011. وقد تم اخضاع تلك النتيجة للاختبار باستخدام اسلوبين مختلفين.

الأول: قام الباحثون بمقارنة نمط التغيرات في توقيتات التوقعات حول انفجار فقاعات الذهب مع التغيرات بأثر رجعي في توقعات انهيار فقاعة اسعار النفط التي حدثت في يوليو 2008. وقد اشارت هذه المقارنة الى ان توقيت الانهيار يميل الى الاقتراب من النهاية، وأن الانفجار في فقاعة اسعار الذهب هو الاكثر احتمالا في مايو او يونيو 2011.

كذلك قام الباحثون باستخدام تقديراتهم للاتجاه العام للعمليات الاقتصادية والاجتماعية، وقد أشارت هذه الحسابات ايضا الى ان موعد الانفجار المتوقع لفقاعة الذهب سوف يكون مايو او ابريل 2011، وهو التوقيت الاكثر احتمالا لانفجار فقاعة الذهب وفقا للورقة.

بالطبع مثل هذه التوقع لا يجب ان ينظر اليه على انه توقع دقيق، حيث انه من الممكن ان يتغير نتيجة السياسات التي يمكن ان يتبعها اللاعبون الكبار في سوق الذهب العالمي، مثل الاحتياطي الفدرالي او البنك المركزي الصيني. كذلك فإن ردة الفعل المباشرة للسوق سوف تكون سالبة تماما، غير ان الاثر السلبي على السوق سوف يتفاقم من خلال نشر التقارير عن السوق بواسطة وسائل الاعلام وهو ما سوف يؤدي الى اشاعة نفس الاحداث التي حدثت في اوائل الثمانينيات عندما انفجرت فقاعة أسعار الذهب التي سادت نتيجة انتشار حمى الذهب في ذلك الوقت.

وأخيرا يشير الكتاب إلى أن انفجار الفقاعة سوف يساعد في تسريع عملية خروج العالم من الازمة، حيث سيترتب عليها خروج الكثير من المدخرات من مجال الاستثمار في الذهب والتي هي في الواقع عمليات استثمار عقيمة وغير منتجة، ومن ثم فهي ضارة على المستوى الكلي، حيث لا تؤدي الى اي زيادة في عمليات الاستثمار المنتج، واعادة توجيه هذه المدخرات الى مجالات الاستثمار المنتج والتي تساعد على خلق المزيد من فرص الانتاج والتوظف.

وجهة نظري هي أنني اؤمن بأن الذهب يعيش حالة من الفوضى السعرية بسبب انتشار حمى الذهب التي يروج لها المستثمرون أو المضاربون في المعدن، واصحاب التشارتات الذين يبنون تنبؤات استنادا الى اتجاهات عامة وهمية لا يفهمون اسبابها أو محدداتها على أرض الواقع، والذين حذر منهم رجل الأعمال والملياردير العالمي "وارن بوفيت" حينما قال "حذار من المهووسين اصحاب الصيغ الرياضية". يساعد على استمرار الفقاعة عمق تأثير الازمة الاقتصادية العالمية، وفشل محاولات الخروج من الازمة حتى الآن، على الرغم من تعدد الاسلحة التي تم استخدامها في مواجهتها على المستوى الدولي، وضعف العملات الرئيسية للعالم، فضلا عن انخفاض معدلات العوائد على المدخرات الى الصفر تقريبا، مقارنة بمعدلات الارتفاع السريع في اسعار الذهب والتي تمكن المستثمرين من تحقيق ارباح استثنائية من خلال المضاربة على اسعار الذهب.

غير انه بما ان نتائج الورقة تقوم على اساس استخدام نموذج رياضي بحت، على الرغم من ارتفاع درجة حرفيته نظرا للمستوى المهني والفني الرفيع للقائمين على الدراسة، إلا أن الاوضاع على الارض قد لا تسير حسبما توصلت اليه الورقة، وانما سوف تعتمد في النهاية على سرعة خروج العالم من الأزمة ومن ثم استعادة معدلات الفائدة لمستوياتها قبل الازمة، عندها سوف تبدا رحلة الانهيار السريع لاسعار الذهب وتنتهي الفوضى الحالية التي يعيشها المعدن، والتي تتشابه مع تلك التي سادت حينما انتشرت حمى الذهب في اوائل الثمانينيات من القرن الماضي. أما متى ستنفجر فقاعة أسعار الذهب، فمن المؤكد أن ذلك لن يحدث حاليا، أو ربما في المستقبل القريب في ظل الغيوم التي تلبد سماء الساحة الاقتصادية على المستوى الدولي، والتي تسمح باستمرار الفقاعة في النمو، ولكن الامر المؤكد انها سوف تنفجر يوما ما، وحتى يأتي هذا اليوم سوف يستمر المضاربون في المعدن، والموهومون باستمرار ارتفاع الذهب الى مالا نهاية يتسيدون الموقف، الى أن تحين ساعة الحساب.
المصدر:
Tsirel, Sergey V., Akaev, Askar, Fomin, Alexey andKorotayev, Andrey V. "Log-Periodic Oscillation Analysis and Possible Burst of the “Gold Bubble” in April – June 2011


الأحد، ديسمبر 26، 2010

مؤشرات متناقضة 14: هل سيشهد اليورو عاما آخر

منطقة اليورو تدخل العام الجديد 2011 وهي محملة بمخاطر التفكك أكثر من أي عام مضى في تاريخها، منذ إنشاءها وحتى الآن. وفقا لبعض التوقعات فإن العام القادم ربما يشهد نهاية الاتحاد النقدي الأوروبي ومن ثم زوال اليورو كعملة موحدة، وذلك نظرا للأوضاع المالية والخطيرة التي يعاني منها الاتحاد النقدي الأوروبي، والمرجحة للانفجار في أي لحظة من الآن فصاعدا. السيناريوهات المتاحة حاليا تدور حول احتمال انفجار أزمات الديون السيادية لدول منطقة اليورو، واحدا تلو الآخر بدءا بالبرتغال كسيناريو أول، أو ريما تسير الاوضاع على نحول أسوأ وبشكل سريع بحيث ينفجر الاتحاد النقدي الأوروبي بأكمله مرة واحدة تحت الضغوط المالية الحادة التي يواجهها، وهذا هو السيناريو البديل.

معدلات العائد على السندات الأوربية للدول الأربع التي تمثل بقعا ساخنة في المنطقة وهي اليونان وايرلندا والبرتغال واسبانيا بلغت حاليا مستويات تاريخية، إلى الحد الذي يدفع بعض المراقبين إلى الاعتقاد بأن انفجار الوضع الأوروبي هو مجرد مسألة وقت لا أكثر. غير أنني أرى أنه وحتى هذه اللحظة تبدو أوروبا متماسكة، ويبدو ان هناك التزام من جميع الاعضاء بالاستمرار في الدفاع عن اليورو وصيانة المكاسب التي حققها الاتحاد النقدي الأوروبي خلال العقد الماضي، وذلك باستمرار تحوله إلى ثاني عملة احتياط في العالم.

وحتى لا يحدث ذلك لا بد وان تتغير طبيعة التزامات الدول الأعضاء في اليورو بصورة جوهرية، وبحيث لا يقتصر الاتحاد النقدي على التكامل في الجوانب النقدية، وإنما يمتد أيضا للجوانب المالية، أي أن يكون هناك اتحادا ماليا Fiscal union بين الدول الأعضاء، بجانب الاتحاد النقدي، بحيث يسهل إجراء تحويلات مالية بصورة أوتوماتيكية بين الدول الأعضاء لمساعدة الدول التي تواجه ضغوطا مالية وإقالتها من عثرتها، بدلا من أن تتم دراسة كل حالة على حدة، وبذل المزيد من الوقت في سبيل تحقيق ذلك، الأمر الذي يؤثر على أوضاع الدول التي تواجه ضغوطا مالية، ويرفع من معدلات العائد على سنداتها. شرط الاتحاد المالي أصبحت أكثر وضوحا من أي وقت مضى بالنسبة لاتفاقيات العملة الموحدة، وهو سر نجاح واستمرار الدولار كعملة موحدة للولايات الأمريكية المختلفة، باعتباره انجح نظام اتحاد نقدي شهده العالم حتى الآن.

سوف أتناول الموضوع بصورة أكثر تفصيلا في مقال لاحق إن شاء الله، ولكن المهم الإشارة إليه الآن هو أن الكثير من المراقبين يعتقدون بأن عظم المخاطر التي يواجهها الاتحاد النقدي الأوروبي على أعتاب العام الثاني من العقد الثاني على إطلاقه، ترفع من احتمالات ألا يكمل اليورو الرحلة خلال هذا العقد، وهو احتمال لا أؤمن به شخصيا حيث أميل إلى الاعتقاد بأن اليورو سوف يخرج من عنق زجاجة الديون السيادية سالما، وإن كان ذلك سوف يستغرق بعض الوقت.

أعتقد أيضا أن العالم بحاجة الى مساعدة الاتحاد الأوروبي على الخروج من ازمته نظرا لأن العالم في حاجة الى استمرار وجود اليورو، وذلك لضمان تعدد الخيارات المتاحة أمامه في الاحتفاظ ب/و استخدام أكثر من عملة دولية حتى لا يعود العالم مرة أخرى تحت رحمة عملة واحدة هي الدولار الأمريكي.  

السبت، ديسمبر 25، 2010

كشف الحساب النهائي: إفلاس 157 بنكا أمريكيا هذا العام

كانت الأوضاع في بداية هذا العام تشير إلى احتمال تعرض القطاع المصرفي الأمريكي لهزة عنيفة فيما يتعلق بأعداد البنوك القابلة للإفلاس هذا العام، حيث شهدنا تسارعا في معدلات الإفلاس على نحو غير اعتيادي في الأشهر الأولى من العام، وقد توقع البعض ان يصل عدد البنوك التي ستفلس إلى 500 بنكا هذا العالم، وفي بداية 2010 قد توقعت ان يصل عدد البنوك الأمريكية التي يمكن ان تفلس ما بين 200 – 250 بنكا. غير انه بمرور الوقت تحسنت معدلات الإفلاس على نحو واضح، فقمت بتعديل هذه التوقعات ما بين 150-200 بنكا. وتوقفت عن متابعة التطورات الأسبوعية لأعداد البنوك الأمريكية التي أفلست نظرا لتراجع عمليات الإفلاس على نحو واضح.

الأسبوع الماضي تم إسدال الستار على عمليات إفلاس البنوك الأمريكية لهذا العام بإعلان إفلاس ستة بنوك أمريكية هي:

• بنك Bank of Miami, National Association, Coral Gables في فلوريدا ويحمل رقم 152 في قائمة البنوك التي أعلنت إفلاسها هذا العام.

• بنك Chestatee State Bank, Dawsonville في جورجيا، ويحمل رقم 153.

• بنك Appalachian Community Bank, F.S.B., McCaysville في جورجيا، ويحمل رقم 154.

• بنك United Americas Bank, National Association, Atlanta في جورجيا ويحمل رقم 155.

• بنك First Southern Bank, Batesville في اركنساس، ويحمل رقم 156.

• بنك Community National Bank, Lino Lakes في مينوسوتا ويحمل رقم 157، وآخر بنك يعلن إفلاسه لهذا العام.

من ناحية أخرى فإن هذا العام ينصرم على قائمة للبنوك المضطربة في الولايات المتحدة تبلغ 920 بنكا، يبدأ بها القطاع المصرفي الأمريكي عامه الجديد. وتبلغ أصول هذه البنوك مجتمعة 411.4 مليار دولارا. هذه البنوك هي البنوك التي ترتفع درجة مخاطر إفلاسها، ولكن ذلك لا يعني أنها سوف تفلس بالفعل، أو أن البنوك التي ستفلس في العام القادم سوف تكون جميعها من هذه القائمة، ولكن من المؤكد ان أغلب البنوك التي ستعلن إفلاسها في العام القادم سوف تكون من هذه القائمة.

بهذا الشكل يصل عدد البنوك التي أعلنت إفلاسها هذا العام أقصى مستوياته حتى الآن، بينما يبلغ إجمالي عدد البنوك الأمريكية التي أعلنت إفلاسها منذ بدء الأزمة المالية العالمية 325 بنكا، كما هو موضح في الجدول التالي.


المصدر: http://www.fdic.gov/

إذا أحيانا الله سبحانه وتعالى فسوف أتابع عمليات إفلاس البنوك الأمريكية في العام القادم على التوالي.


 

الجمعة، ديسمبر 24، 2010

هل يصبح اليوان الصيني عملة دولية؟ 2.

في الحلقة السابقة من هذا المقال تناولنا فكرة تحول اليوان الصيني إلى عملة دولية كطريق ثالث أمام العالم بجانب الدولار واليورو. في حلقة اليوم نحاول أن نتناول الشروط الواجب توافرها لكي يحتل اليوان الصيني هذا المركز العالمي ويتحول إلى عملة دولية جنبا إلى جنب مع الدولار الأمريكي واليورو الأوروبي.

في البداية تجدر الإشارة إلى أن اندماج الاقتصاد الصيني في الاقتصاد العالمي قد أدى إلى إحداث إضافة مهمة للنمو على المستوى الدولي، حيث استفاد من ذلك عدد كبير من الدول من خلال قيامها بالتصدير إلى الصين، أو استيراد رأس المال الصيني منها إلى اقتصادها الوطني. غير أنه في ذات الوقت، أدت سياسات التصدير الصينية التي تستند إلى عملة ثابتة في القيمة إلى إحداث خلل تجاري هائل بين الصين والاقتصاديات الغربية، حيث أصبحت الصين تملك اكبر احتياطي نقدي في العالم، وأدى نجاح الصين في أن تكون قوة دفع في الهيكل الحالي للاقتصاد العالمي إلى إثارة التساؤل حول الدور الكامن الذي يمكن ان يلعبه اليوان الصيني كعملة دولية وكمخزن للقيمة وكوسيط للتبادل على المستوى العالمي.

غير أن اليوان الصيني مربوط حاليا بالدولار الأمريكي، وهو عملة غير قابلة للتحويل إلى أي عملة أخرى في السوق العالمي للنقد الأجنبي، فهل يمكن أن يحل اليوان محل الدولار أو يصبح عملة بديلة له؟ وهل يمانع الغرب في استخدام اليوان كعملة دولية، أو أن يتحول اليوان إلى عملة بديلة للدولار؟

من المؤكد أن الغرب سوف يرحب بتدويل اليوان، لان ذلك سوف يعني ضرورة تحول اليوان إلى عملة حرة تتبع نظام صرف حر، وهو ما يساعد في التخفيف من حجم الاختلالات التجارية الدولية للغرب مع الصين، من ناحية أخرى، من المؤكد أن عملية تدويل اليوان سوف تكون في صالح الصين بشكل عام، حيث سيترتب عليها زيادة جاذبية الأصول الصينية للمستثمرين في كافة أنحاء العالم، وتعمل على تعبئة رؤوس الأموال للاستثمار في الأصول الصينية.

من المعلوم أن سياسات إدارة الاقتصاد الكلي تقوم على فلسفة التدخل المباشر في عمليات الإنتاج والتوزيع وتخصيص الائتمان، والتوجيه المباشرة لعمليات التسعير للسلع والخدمات ومعدلات الفائدة ومعدل الصرف، على سبيل المثال تحصل الشركات في الصين على احتياجاتها التمويلية من خلال البنوك وذلك بمعدلات فائدة محددة من قبل الحكومة، حيث يتم إدارة السياسة النقدية من خلال التدخل المباشر والقيود الكمية المختلفة بما في ذلك القيود على حجم القروض الممنوحة للقطاعات المختلفة. كما يقوم معدل صرف اليوان الصيني حاليا على أساس ربط اليوان بالدولار، وكان البنك المركزي الصيني قد أعلن أنه سوف يقوم بتعديل نظام معدل صرف اليوان، وذلك بجعله أكثر مرونة، بهدف إصلاح نظام معدل الصرف لليوان، بما يوسع من نطاق تقلبات معدل الصرف مع الدولار، غير ان البنك قد أشار إلى أن هذا الإصلاح لسياسة معدل صرف اليوان سوف يتم على مراحل، وأن البنك سوف يضع حدودا قصوى على معدل الارتفاع اليومي لقيمة اليوان بحيث لا يتجاوز نطاق التذبذب نصف في المائة يوميا. غير أن التطبيق الفعلي للسياسة لم يترتب عليه تحرك معدل الصرف في هذه الحدود، وإنما تم تثبيت معدل الصرف في مقابل الدولار عند 6.8 يوان للدولار تقريبا. من وجهة نظر البنك المركزي الصيني، فإن الفترة الحالية لا تتطلب إجراء تعديلات جوهرية في معدل صرف اليوان، وأن البنك المركزي سوف يحتفظ بمعدل الصرف عند مستويات توازنية معقولة لكي تساعد على الحفاظ على الاستقرار الاقتصادي ودعم جهود إعادة هيكلة الاقتصاد الصيني.

غير أن مثل هذه السياسات ليست هي السياسات المطلوبة لعملة دولية، فما هي الإجراءات التي يجب ان تتخذها الصين لكي يتحول اليوان إلى عملة دولية؟ لكي يتحول اليوان إلى عملة دولية فإن على الصين أن تقوم بالاتي:

أولا: أن أحد المكونات الأساسية لنجاح عملية تدويل اليوان سوف تعتمد بصورة كبيرة على إستراتيجية الصين فيما يتعلق بحساب رأس المال في ميزان المدفوعات الصيني، بحيث تكون تحركات رؤوس الأموال بكافة أشكالها بدون أي قيود تحد من حركتها من والى الصين وباليوان، وذلك لتمكين المستثمرين من كافة أنحاء العالم من تكوين محافظ مالية بأدوات الدين الصينية، وبمعدلات مناسبة للعائد، فضلا عن وجود نظام مصرفي متقدم يسمح لغير المقيمين بالاحتفاظ بالمودعات بكافة أشكالها باليوان كعملة مودعات في البنوك الصينية لغير المقيمين داخل الصين وكذلك خارج الصين.

ثانيا أن عملية تحرير حساب رأس المال تتطلب من الصين ان تتحرر أيضا من نظام معدل الصرف الثابت إلى نظام معدل الصرف الحر لليوان، وذلك من خلال توفير سوق حر للنقد الأجنبي يخضع لقوى العرض والطلب، وخال من أي تدخل حكومي جوهري يهدف إلى تثبيت قيمة اليوان، وإلغاء القيود على تحركات معدل صرف اليوان الصيني بما فيها الهوامش المعلنة حاليا للحد الأقصى للتقلب اليومي في معدل صرف اليوان بالنسبة للدولار، أو أي عملة أخرى. لكي يصبح اليوان عملة احتياط مثل الدولار فإن على الصين أن تتبنى سياسات للصرف الأجنبي تسهل استخدام اليوان الصيني عالميا، سواء لأغراض التبادل التجاري أو لأغراض الاستثمار، ولكن لماذا يجب أن يتم تحرير نظام معدل صرف اليوان في حالة تحرير حساب رأس المال؟

إن هذا الشرط هو أحد مخرجات الأزمة الأسيوية التي تعرضت لها دول جنوب شرق آسيا، فقد أثبتت الأزمة أن تحرير حساب رأس المال والاحتفاظ بنظام معدل صرف مثبت في ذات الوقت، يؤدي إلى سهولة التنبؤ بتغيرات معدل الصرف، وهو ما يعني أن المخاطر بالنسبة للمستثمرين الأجانب سوف تقل، الأمر الذي يشجع تدفقات رؤوس الأموال نحو الداخل، غير أنه مع حدوث أي تحول في الأوضاع الاقتصادية على المستوى الكلي، يصبح معدل الصرف الثابت مصدرا كامنا لزيادة عمليات المضاربة الضارة، وقد تناولنا هذه النقطة بالتحليل في معرض حديثنا عن الأزمة الآسيوية في مقالين سابقين.

من الناحية التجارية فان النظام التجاري الصيني يخضع لإجراءات صارمة فيما يتعلق باستخدام اليوان الصيني في تسوية المعاملات التجارية، ذلك أن الشركات المسموح لها بأن تسوي تعاملاتها باليوان لا بد وأن تحصل أولا على موافقة البنك المركزي الصيني على ذلك، وبمعنى آخر فإن كافة الشركات الصينية ليست مؤهلة لان تحصل على هذا الترخيص، فوفقا للنظام الحالي يسمح فقط للشركات التي تتمتع بوضع ائتماني جيد بالتعامل خارجيا باستخدام اليوان.

ثالثا: أن انتقال الصين إلى نظام معدل الصرف الحر لليوان سوف يساعدها على ان تتبنى سياسات نقدية مستقلة، ولا شك ان تحرير السياسات النقدية سوف يؤدي إلى تحرير معدلات الفائدة، بحيث تعكس ظروف الطلب والعرض على الأموال في سوق النقد والائتمان في الصين. من ناحية أخرى فان عملية تحرير معدل الفائدة سوف يترتب عليها ارتفاع مخاطر معدل الفائدة، وهو ما يقتضى أيضا ضرورة توفير تسهيلات للتحوط ضد مخاطر معدل الفائدة.

رابعا: أن الغاء القيود على تحركات رؤوس الأموال سوف يتطلب من الصين ضرورة التأكد من توفير سوق أدوات دين قصيرة الأجل يتسم بالعمق، وذلك لكي يتمكن البنك المركزي الصيني من القيام بعمليات فعالة للسوق المفتوح Open Market Operations بهدف مواجهة تدفقات رؤوس الأموال، وامتصاص اثر تلك التدفقات على عرض النقود في الصين، ولا يوجد حاليا سوق متسع لأدوات الدين الصينية، وحتى الآن يتم شراء هذه الأدوات فقط من خلال البنوك الصينية والأطراف الخارجية المسموح لها بذلك، مثل البنوك متعددة الأطراف كالبنك الآسيوي للتنمية ومؤسسة التمويل الدولية، كما أن هذه الأدوات تباع فقط في الصين. إن تحرير اليوان يحتاج إلى أسواق سندات أكثر تقدما بحيث تعطي فرص استثمارية أفضل لليوان، ذلك أن المستثمرين والبنوك المركزية لن يحتفظوا باليوان الصيني فقط، وإنما سيقومون باستثمار احتياطياتهم منه بشكل مباشر في الصين.

إن الحاجة إلى تطوير سوق عميق ومتسع لأدوات الدين الصيني قصيرة الأجل، هو أحد الشروط الأساسية لأسواق المال للعملات التي تستخدم كعملات احتياط على المستوى الدولي، فالدول صاحبة عملات الاحتياط لا بد وان تكون دولا مدينة أي ان تحتفظ بعجز في حسابها الجاري وتحقق فائضا في حساب راس المال حتى يمكن ان توفر أدوات استثمار قصيرة الأجل لهذه الاحتياطيات لدى البنوك المركزية في دول العالم الأخرى، ومما لا شك فيه أن مثل هذا الأمر سوف يتطلب تعديلات جوهرية في نموذج النمو الصيني وسياساتها التجارية التي ترتب عليها تحقيق الصين لفوائض تجارية ضخمة.

إن القيود المحتملة حول الأصول المقومة باليوان الصيني قد تكون في صالح استمرار درجة الأمان النسبي لاستمرار استخدام الدولار أو اليورو بدلا من اليوان بصفة خاصة القدرة على تحويل كميات كبيرة من اليوان من والى الصين عند الحاجة وبدون أي قيود تحد من حركة رؤوس الأموال هذه. لا بد وأن تبرز الصين للعالم مزايا استخدام اليوان كعملة دولية، وذلك إذا أرادت للعالم أن يستخدم هذه العملة على نحو متزايد، ولكي يتم استخدام اليوان بصورة حرة عالميا يحتاج المستثمر الأجنبي أن يثق في أسواق المال في الصين وأنها حرة من كافة أشكال التدخل الحكومي في عملية تخصيص الائتمان.

خامسا: أن العملة التي تستخدم على نطاق دولي تتطلب بنكا مركزيا مستقلا يضع مستهدفاته سواء النقدية أو الاقتصادية بصورة مستقلة، ويمارس كافة مهامه لتحقيق تلك المستهدفات بعيدا عن أي تأثيرات للسياسات الحكومية للدولة، وذلك لضمان الاستقرار اللازم لعملته التي يصدرها.

باختصار إذا كانت الصين جادة في جعل عملتها تتنافس مع الدولار الأمريكي واليورو كعملة احتياط وأداة تسوية للمعاملات التجارية الدولية، فان عليها أن تحول اليوان إلى عملة حرة قابلة للتحويل، بحيث يتم تحديد قيمتها من خلال قوى العرض والطلب على استخدام اليوان لأغراض التجارة والاستثمار والاحتياط من قبل المتعاملين من كافة دول العالم، وفتح الحدود أمام حرية تدفقات التجارة من والى الصين وإلغاء كافة القيود التجارية والسماح بحرية الوصول لأسواق الأسهم والسندات الصينية وان يتم تداول العملة بحرية بدون تدخل في سوق الصرف الأجنبي لليوان من قبل البنك المركزي الصيني.

غير أن مثل هذه التحولات تتطلب تغيرا جذريا في الفلسفة التي يتم بها إدارة الاقتصاد المحلي حاليا، وتعديل أسلوب صناعة السياسات الاقتصادية حيث أن السياسات الاقتصادية الكلية المتبعة حاليا لإدارة الاقتصاد سوف تكون غير فعالة أو غير كفئة في ظل هذه التحولات، وان على الصين ان تتبنى فلسفة اقتصادية مختلفة تماما وتحول في أساليب إدارة الاقتصاد على المستوى الكلي بآليات مختلفة تماما عن تلك التي يتم استخدامها حاليا. فما هي الإجراءات التي اتخذتها الصين بالفعل في هذا الجانب؟ هذا هو موضوع المقال القادم بإذن الله تعالى.



الخميس، ديسمبر 23، 2010

مؤشرات متناقضة 13: دلائل على مزيد من التوسع في النشاط

المؤشر السباق Leading indicator هو مؤشر يحتوى على مجموعة من المتغيرات الاقتصادية على المستوى الكلي التي يمكن استخدامها في التنبؤ بالدورات الاقتصادية قبل حدوثها بالفعل، ومن ثم فإن هذه المؤشرات تعد في غاية الأهمية في اطلاعنا على التطورات المحتملة عن الأوضاع الاقتصادية قبل حدوثها بالفعل بفترة كافية، ومن هنا تأتي أهميتها.



من هذه المؤشرات المهمة المؤشر السباق The Conference Board Leading Economic Index وهذا المؤشر السباق يأخذ قيمة تساوي 100 في سنة الأساس، ثم إذا مال النشاط الاقتصادي على المستوى الكلي نحو التوسع، فإنه يأخذ قيمة تزيد عن هذا الرقم، والعكس في حال تراجع مستويات النشاط الاقتصادي. وفقا للـ Conference Board فإن هذا المؤشر السباق قد تزايد بنسبة 0.6% في سبتمبر الماضي، وبنسبة 0.4% في أكتوبر. في شهر نوفمبر الماضي حدثت زيادة كبيرة في قيمة المؤشر الذي ارتفع إلى 112.4 نقطة (قيمة المؤشر في عام 2004 هي 100)، وهو ما يعد تطورا هاما جدا حيث يعطى دلالات هامة حول استمرار عزم التوسع الاقتصادي المستقبلي في الولايات المتحدة.

الشكل التالي يوضح تطورات المؤشر من عام 1999 حتى الآن.






حتى الآن تتراكم المؤشرات الدالة على تحسن الأوضاع واحدا تلو الآخر، غير أنه من السابق لأوانه جدا الحديث عن خروج من الأزمة الآن.

المصدر: http://www.conference-board.org/pdf_free/economics/bci/deepfreeze.pdf






الآي فون يضيف 2 مليار دولارا إلى عجز الولايات المتحدة مع الصين

معجزة التكنولوجيا لشركة أبل الأمريكية "جهاز الايفون" لا ينتج، بالطبع مثل كثير من المخترعات الأمريكية، في أمريكا، وإنما ينتج في الصين، حيث تكون تكلفة تجميعه ارخص نظرا للفارق الهائل بين اجر ساعة العمل للعامل الأمريكي والعامل الصيني، وحتى تتمكن أبل من توزيع الجهاز على أقصى نطاق ممكن في العالم وتمكين المستهلكين من كافة أنحاء العالم من أن يكونوا قادرين على شراء الجهاز، وهذا هو الدور الذي تؤديه الصين لشركة ابل.

متوسط سعر جهاز الايفون حوالي 600 دولارا أمريكيا، بالطبع لا يذهب هذا المبلغ إلى الصين، وإنما تحصل الصين فقط على 6.54 دولارا في مقابل كل جهاز يتم تجميعه في الصين، أي بنسبة 1% تقريبا من سعر الجهاز، أما باقي الثمن فيذهب إلى شركة أبل الأمريكية التي تسير حاليا إلى أن تصبح اكبر شركات العالم من حيث القيمة الرأسمالية السوقية، بفضل مخترعاتها الذكية والكفئة والمعتمدة في مجال الحاسبات والهاتف النقال، فضلا عن أجهزة آي باد، وأي بود.

غير أن حسابات وزارة التجارة الأمريكية لإعداد ميزان المدفوعات الأمريكي، تعتبر أي جهاز يتم استيراده من الصين على انه واردات أمريكية من الصين، ومن ثم فإن مشتريات الأمريكيين لجهاز الآيفون من الصين تدخل ضمن حسابات العجز التجاري الأمريكي مع الصين، على الرغم من أنه منتج أمريكي.

وفقا لآخر الإحصاءات عن ميزان المدفوعات الأمريكي في 2009، فإن مشتريات جهاز الآيفون من الصين أضافت حوالي 2 مليار دولارا أمريكيا للعجز الأمريكي مع الصين في عام 2009. هذا العجز يرجع بالطبع إلى أسلوب حساب وتقييد قيمة الصادرات والواردات في ميزان المدفوعات الأمريكي، على الرغم من انه جهاز أمريكي وتملكه شركة أمريكية.

إذا ما تم استخدام أسلوب القيمة المضافة في تقييد قيم السلع والخدمات التي يتم استيرادها وتصديرها إلى الخارج، فإن هذا العجز مع الصين يتحول إلى فائض يساوي 48 مليون دولارا، بدلا من عجز يساوي 1.9 مليار دولارا.

ماذا تعني هذه الملاحظة الأخيرة، إنها تعني أن أرقام العجز المعلنة في ميزان المدفوعات الأمريكي مع الصين مغالى فيها، ومن ثم فإن الادعاءات الأمريكية حول العجز التجاري مع الصين مبالغ فيها.
المصدر:

Yuqing Xing And Neal Detert "How iPhone Widens the US Trade Deficits with PRC" GRIPS Policy Research Center. Discussion Paper: 10-21


مؤشرات متناقضة 12: 2.6% معدل نمو الناتج المحلي الحقيقي في الربع الثالث

أعلن مكتب التحليل الاقتصادي في الولايات المتحدة أمس الأربعاء 22 ديسمبر 2010 نتائج المراجعة النهائية لمعدل نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي للربع الثالث من عام 2010، ووفقا للمراجعة النهائية، فإن معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي يبلغ 2.6%.

بالنسبة لمعدل نمو الناتج بالأسعار الجارية فقد تم الإعلان في البداية عن تحقيق الاقتصاد الأمريكي معدلات نمو تبلع 4.2%، أما المراجعة النهائية لبيانات النمو في الناتج فتشير إلى بلوغ معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الجارية 4.6% في الربع الثالث من العام.

كانت النتائج الأولية لمعدل النمو للناتج المحلي الاجمالي الحقيقي في هذا الربع من السنة التي أعلنها المكتب بصفة أولية هي 2.0%، ثم أشارت نتائج المراجعة الأولى إلى ارتفاع معدل النمو إلى 2.5%. بهذا الشكل يرتفع معدل النمو في هذا الربع عن معدل النمو في الربع الثاني من السنة والذي يبلغ 1.7%. أتوقع أن يكون معدل النمو في الربع الرابع من هذا العام أكبر قليلا من هذا المعدل مستفيدا من الإنفاق الاستهلاكي الذي عادة ما يرتفع في فترة أعياد الميلاد.

إذا استمرت معدلات النمو على هذه الوتيرة، فإن الآمال بخروج الاقتصاد الأمريكي من الأزمة سوف تتعزز، وبالتالي تتلاشى المخاوف من احتمالات حدوث تراجع (أو كساد) مزدوج، ولكن يبقى ضرورة أن ينعكس هذا النمو على الضغوط في سوق العمل الأمريكي، والتي تبلغ معدلات مرتفعة حاليا نظرا لاستمرار معدلات البطالة عند مستويات تقترب من 10%.

التقديرات الأولية لمعدل النمو في الربع الرابع من هذا العام سوف تنشر يوم 28 يناير القادم، وسوف أتابع تحليل هذه التقديرات إذا أحيانا الله سبحانه وتعالى.

الأحد، ديسمبر 19، 2010

مؤشرات متناقضة 11: معدل التضخم في الولايات المتحدة ما زال أقل من المستهدف

أصدر مكتب إحصاءات العمل في الولايات المتحدة منذ ثلاثة أيام تقريره عن معدل التضخم في شهر نوفمبر استنادا إلى الرقم القياسي للأسعار CPI، الرقم الوسيط Median CPI، ووفقا للتقرير فإن الرقم القياسي لأسعار المستهلكين في الحضر عن شهر نوفمبر لم يرتفع سوى بمعدل 0.1% (على أساس معدل موسميا)، وبهذا الشكل فإن معدل التضخم خلال الاثني عشر شهرا الماضية حتى نوفمبر الماضي بلغ 1.1% فقط (معدل موسميا). هذه الزيادة الطفيفة جدا في معدل التضخم تعكس زيادة طفيفة في أسعار الغذاء والطاقة، وبالطبع باقي المجموعات السلعية.

الشكل التالي يوضح تطورات النمو في الرقم القياسي لأسعار المستهلكين (في الحضر) خلال الاثني عشر شهرا الماضية. لاحظ، أن أقصى معدل للتضخم الشهري خلال السنة الماضية لم يتجاوز نسبة 0.3% في شهري يوليو وأغسطس الماضيين. أتوقع ان يشهد هذا الشهر ارتفاعا طفيفا في معدل التضخم عن اتجاهه العام مدفوعا بإنفاق المستهلكين في الأعياد.

الشكل رقم (1) النمو الشهري في الرقم القياسي لأسعار المستهلكين.

 المصدر: BLS Consumer Price Index, November 2010.


من ناحية أخرى فإن الشكل التالي يوضح تطورات معدل التضخم في الاثني عشر شهرا الماضية، لاحظ أيضا أن معدل التضخم يميل إلى التراجع بشكل عام بدءا من ديسمبر الماضي، حيث انخفض معدل التضخم من 2.7% في ديسمبر الماضي إلى 1.1% فقط في الشهر الماضي. وعندما ننظر إلى معدل التضخم الجوهري Core inflation، وهو معدل التضخم مطروحا منه أسعار الغذاء والطاقة (أي المجموعات السلعية الأكثر تقلبا في الرقم القياسي للأسعار)، فإن معدل التضخم الجوهري يصبح أقل من 1%، وهو رقم منخفض جدا، الأمر الذي يثير قلق صانع السياسة النقدية الأمريكي. مرة أخرى الخلاصة التي نصل إليها من تحليل اتجاهات معدل التضخم خلال السنة الماضية وفقا لآخر البيانات المتاحة هي الآتي:

الشكل رقم (1) معدل التضخم على أساس سنوي.




المصدر: BLS Consumer Price Index, November 2010.




- أن سياسات التيسير الكمي على ما يبدو لم تؤثر على معدل التضخم، أو على الأقل على التوقعات التضخمية. وربما يكون من المبكر الحديث عن آثار التيسير الكمي2 على معدل التضخم الآن، لأن اثر التوسع النقدي على الأسعار يأخذ بعض الوقت، ولكني لا أتوقع ان يترتب على خطة التيسير الكمي2 آثارا محسوسة على معدل التضخم، فلم يترتب على خطة التيسير الكمي1 تطورات ملحوظة في معدل التضخم، على الرغم من أنها كانت ضعف الخطة الحالية.

- أن معدل التضخم الحالي للاقتصاد الأمريكي اقل من معدل التضخم المستهدف بواسطة الاحتياطي الفدرالي، وفي مثل هذه الحالات فإن سعي الاحتياطي الفدرالي لتحقيق مستهدفاته سوف تقتضي منه محاولة رفع معدل التضخم، وهو ما يحاول أن يقوم به الاحتياطي الفدرالي حاليا من خلال الإبقاء على معدلات الفائدة عند مستويات شبه صفرية، فضلا عن الاستمرار في إتباع سياسات التيسير الكمي.

- ان الاقتصاد الأمريكي يواجه بالفعل حاليا مخاطر الوقوع في مصيدة الانكماش السعري Deflationary trap، حيث أن استمرار اتجاه معدل التضخم نحو التراجع يزد من احتمالات تحوله إلى معدلات سالبة، وإذا ما حدث ذلك، سوف تتحول معدلات الفائدة الصفرية إلى معدلات فائدة حقيقية موجبة، ومع كل انخفاض سيحدث في الأسعار سترتفع معدلات الفائدة الحقيقية مما يجهض السياسات الحالية للاحتياطي الفدرالي، ويعقد من مشكلة الخروج من الكساد الحالي.

- أن التوقعات التي يروج لها البعض عن ارتفاع معدلات التضخم في الولايات المتحدة لا تجد لها حتى الآن سندا من الأرقام على ارض الواقع، وأميل إلى تصديق رواية الاحتياطي الفدرالي عن اتجاهات معدل التضخم في الأجلين القصير والمتوسط، خصوصا وان الخطة المعدة لسحب السيولة الزائدة من الأسواق مع تصاعد الضغوط التضخمية تبدو لي أنها يمكن ان تحقق تأثيرا فعالا في الحد من هذه الاتجاهات التضخمية.





الجمعة، ديسمبر 17، 2010

هل يصبح اليوان الصيني عملة دولية؟ 1

نشر في صحيفة الاقتصادية السعودية بتاريخ الجمعة 17/12/2010.
من المؤكد أن العالم الذي نحن فيه يعيش وضعا اقتصاديا سيئا، كونه أحادي القطب تقريبا بالنسبة لعملاته، حيث يعتلي الدولار الأمريكي عرش العملات الدولية، ويسيطر على أكثر من 80% من المعاملات اليومية في سوق النقد الأجنبي العالمي. لم يكتسب الدولار الأمريكي مكانته الحالية على المستوى الدولي من فراغ، فالدولار هو عملة أكبر اقتصاد في العالم، والكميات المصدرة منه ضخمة جدا إلى الحد الذي يمكن أي دولة أن تحصل على احتياجاتها منه لأغراض الاحتياط مهما بلغت، ويدعمه سوق ائتمان ضخم جدا، هو أكبر سوق للائتمان قصير الأجل في العالم، ويساعده حجم ضخم جدا لأدوات الدين التي تمكن دول العالم من تحقيق الاستفادة المزدوجة من احتياطياتها الدولارية، أي من خلال استخدام الدولار كعملة احتياط من جانب، وتحقيق عوائد على تلك الاحتياطيات من خلال شراء أدوات الدين الأمريكي قصير الأجل من جانب آخر، كل هذه المزايا تعطي الدولار الأمريكي البعد الديناميكي كعملة احتياط على المستوى العالمي. بديل الدولار الأمريكي الذي يتمتع بهذه المزايا كعملة احتياط على المستوى الدولي غير موجود بالفعل حاليا.

ليس هناك مشكلة في أن يحتل الدولار هذا الوزن الضخم في التسويات الدولية، إذا ما كان يتمتع بالاستقرار النسبي، وإذا كانت السياسات النقدية والمالية للولايات المتحدة تتسم بالحصافة المطلوبة، بحيث ينمو عرض الدولار بمعدلات تتوافق مع نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي الأمريكي، ونمو الطلب على الدولار في الخارج، وبحيث لا تؤدي السياسات المالية إلى نمو الدين العام بمعدلات تتجاوز قدرة الولايات المتحدة على خدمة دينها العام بسهولة، وأن تحتفظ الولايات المتحدة بميزان مدفوعات متوازن نسبيا، أو بعجز بسيط بالنسبة للناتج المحلي الإجمالي. مثل هذه الشروط تساعد على استقرار القوة الشرائية للدولار، وتحول دون تدهور معدلات صرفه الحقيقية بالنسبة للعملات الرئيسية في العالم، الأمر الذي يعظم ثقة العالم في العملة الدولية ويقلل المخاطر المصاحبة لاستخدامها.

غير ان واقع الحال يشير إلى أن كافة هذه الشروط غير متوافرة حاليا للدولار، فالسياسة النقدية للولايات المتحدة تقوم حاليا على ضخ كميات هائلة منه، بهدف التحفيز النقدي للاقتصاد الأمريكي، للمساعدة على تعزيز فرص الخروج السريع من الكساد الحالي، والسياسة المالية منذ زمن طويل، إذا ما استثنينا السنوات الأخيرة لبيل كلينتون، تسير بلا ضابط تقريبا، وما يزيد الطين بله أن القيادة السياسية الأمريكية تندفع في بعض الأحيان إلى الدخول في مغامرات عسكرية غير محسوبة العواقب، والنتيجة هي نمو الدين العام الأمريكي إلى مستويات قاربت نسبة 100% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو بكافة المقاييس دين عام ضخم جدا، إذا ما أخذنا في الاعتبار حجم الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي، وأخيرا فإن عجز ميزان المدفوعات الأمريكي، ولفترة طويلة من الزمن، يعكس السلوك الاستهلاكي غير المنضبط في الولايات المتحدة، ويشكل عنصر تهديد أساسي للدولار.

كل هذه العوامل تصب في قناة واحدة، هي الضغط على الدولار الأمريكي، ولقد كان من المفترض في ظل استمرار هذه الأوضاع أن نرى تراجعا حادا في مركز للدولار الأمريكي على المستوى الدولي، غير أن فشل العالم في أن يجد عملة بديلة أو رديفة للدولار حتى الآن، ساعد الأخير على الاستمرار في اعتلاء قمة النظام النقدي الدولي، واستمر يلعب دور عملة العالم حتى يومنا هذا، مستفيدا بالطبع من الوزن الهائل للاقتصاد الأمريكي على المستوى العالمي، وسوق المال الضخم للولايات المتحدة.

منذ أن تخلى العالم عن نظام معدلات الصرف الثابتة، أو المثبتة بالدولار الأمريكي في عام 1973، وسمح لكل دولة أن تتبنى نظام معدل الصرف الذي يناسبها، أصبح العالم يتبع نسخة غريبة نسبيا من النظام النقدي الدولي، حيث أصبح يتبع نظاما نقديا عالميا شبه أعرج، فقد استمر الدولار الأمريكي يلعب دوره كمركز للنظام النقدي الدولي، وهو نفس الدور تقريبا الذي كان يلعبه في ظل نظام أسعار الصرف الثابتة، دون أن يكون ذلك مصحوبا بالتزام الولايات المتحدة بالحفاظ على قيمة الدولار ثابتا في مواجهة باقي عملات العالم، أو مصحوبا بالتزام باقي دول العالم في مساعدة الولايات المتحدة على الحفاظ على الدولار مستقرا، أو تخفيض الضغوط عليه، ومن ثم أصبحنا نعيش في ظل نظام يتبع قاعدة اللا قاعدة.

النظام النقدي العالمي الذي يقوم على أساس قاعدة اللا قاعدة، يرفع من درجة المخاطر المصاحبة لتنقلات رؤوس الأموال والاستثمار على المستوى الدولي، خصوصا وأن الدولة صاحبة العملة الدولية غير ملتزمة للأسف بقواعد اللعبة التي تخولها أن تقوم بدور المصدر لعملة العالم في معظم الأحيان، أو بمعنى آخر فإن هذه الدولة تلتفت أساسا لمصالحها الخاصة، جاعلة الوضع الدولي للدولار في مرتبة متأخرة في سلم أولوياتها.

لم يكن النظام النقدي العالمي اقل استقرارا، أو أكثر عرضة للمخاطر، مثلما هو الحال عليه اليوم، فقطبي النظام النقدي الدولي، اليورو والدولار، يتعرضان لمخاطر جمة، فالأول يواجه ضغوطا هائلة نحو الهبوط، سواء أكانت تلك الضغوط انعكاسا للاتجاه العام طويل المدى الناجم عن تراجع القدرات التنافسية للاقتصاد الأمريكي على المستوى الدولي، أو تلك الطارئة التي تعكس السياسات النقدية والمالية الحالية لصانع السياسة الأمريكي، في الوقت الذي يواجه فيه اليورو أقسى الاختبارات التي يتعرض لها، والتي ربما، إذا ما ساءت الأوضاع بصورة أكبر، تودي به كعملة دولية. الأوضاع الحالية للنظام النقدي العالمي، أخذا في الاعتبار مناخ الأزمة، تجعل منه نظاما غير قابل للاستدامة، فالولايات المتحدة تمطر العالم بمئات المليارات من الدولارات، بينما تواجه دول أوروبا طوفانا من الديون السيادية الذي يهدد المنطقة بأسرها.

في ظل هذه الأوضاع من الطبيعي أن تهتز الثقة الدولية للأسواق، وثقة المستثمرين بهاتين العملتين على نحو واضح، خصوصا في ظل الاعتقاد السائد بضعف احتمالات نجاتهما في الأزمة الحالية. إذا كان الوضع كذلك فمن المؤكد أن العالم في حاجة إلى نظام نقدي دولي بديل أكثر استقرارا وثباتا وقدرة على الاستدامة بالشكل الذي يساعد الأسواق على الاستقرار والنمو، وبحيث يستند هذا النظام إلى أكثر من بديل أو عملة. البدائل المقترحة التي يمكن ان تشكل أعمدة هذا النظام الجديد متعددة، أولها هو حقوق السحب الخاصة، العملة الحسابية التي يصدرها صندوق النقد الدولي، والثاني هو اليوان الصيني باعتباره عملة ثاني اكبر اقتصاد في العالم حاليا، والثالث هو أن يتم استبدال النظام النقدي الدولي الحالي بنظام يستند إلى عملة عالمية Global currency.

حقوق السحب الخاصة هي عملة حسابية رسمية، يصدرها صندوق النقد الدولي، ويقتصر التعامل فيها حاليا على البنوك المركزية للدول الأعضاء في الصندوق، ومن ثم ليس مسموحا للأشخاص أو الشركات بأن تتعامل فيها، وهي عملة تم إنشاؤها منذ 1969 لمواجهة الطلب المتزايد على السيولة الدولية، ومع ذلك لم تحقق نجاحا على المستوى الدولي كعملة احتياط، نظرا لضعف كميات الإصدار التي تتم منها، بما في ذلك الإصدار الأخير الذي تم بموجب توصية مجموعة العشرين بان يقوم صندوق النقد الدولي بإصدار 250 مليار دولار في صورة وحدات حقوق سحب خاصة (أي حوالي 161.2 مليار وحدة حقوق سحب خاصة)، وذلك لمساعدة دول العالم في توفير سيولة احتياطية إضافية. مقترح استخدام وحدة حقوق السحب الخاصة كعملة دولية يقابله العديد من المشاكل الخطيرة أهمها:

1. أن صندوق النقد الدولي لا يستطيع حاليا أن يصدر كميات كافية منها للوفاء باستخدامات حقوق السحب الخاصة كعملة احتياط على المستوى الدولي، كما أن الكميات المصدرة حاليا من وحدات حقوق السحب الخاصة تعد ضئيلة جدا مقارنة بحجم السيولة الدولية، أو المعاملات اليومية في سوق النقد الأجنبي على المستوى الدولي.

2. أن النظام الحالي لتوزيع الكميات المصدرة من حقوق السحب الخاصة (على أساس نسبة حصة العضو في رأس المال) لا يضمن، في حال تبني العالم لها كعملة دولية، حصول كل دولة على احتياجاتها من تلك العملة لأغراض الاحتياط، ويعطي الدول التي ترتفع حصتها في رأس مال الصندوق، مثل الولايات المتحدة، ثقلا في التعاملات على هذه العملة دوليا، خصوصا فيما يتعلق بإقراض فوائض حصتها إلى الدول الأخرى، مما يجعل هذه العملة عرضة للضغوط التي يمكن أن تمارسها هذه الدولة.

3. أنها عملة بدون اقتصاد يعبر عن قوتها، أو بنك مركزي يدافع عنها، أو احتياطيات كافية تساندها، ذلك أن إجمالي حجم احتياطيات صندوق النقد الدولي حاليا لا تمكنه من ان يضطلع بدور المصدر لعملة العالم.

4. أن استخدام حقوق السحب الخاصة يقتصر حاليا على البنوك المركزية فقط، مما يجعل استخدام هذه العملة محدودا، والعملة لا تصبح دولية إلا إذا كان هناك استخدام كثيف لها على المستوى العالمي، وقد كانت هناك محاولات سابقة من قبل الصندوق للسماح للشركات المتعددة الجنسيات باستخدام وحدات حقوق السحب الخاصة، إلا أن التجربة لم تنجح.

5. إذا كانت وحدات حقوق السحب الخاصة غير قابلة للاستخدام من قبل الأطراف غير الرسمية، فإنها لا تصلح لاستخدامها كعملة احتياط، أي كعملة يستخدمها أي بنك المركزي للتدخل في سوق النقد الأجنبي للدفاع عن عملته المحلية، لأنه لن يستطيع أن يتدخل في سوق النقد الأجنبي في الوقت المناسب لبيعها أو لشرائها لأغراض التأثير على معدل صرف عملته المحلية، خصوصا وان عملية استخدام حقوق السحب الخاصة تقتضى موافقة الصندوق مسبقا، ومن ثم لن يجد البنك المركزي الدينامكية السوقية اللازمة للتدخل السريع من خلال بيع أو شراء هذه العملة.

6. أن استخدام وحدات حقوق السحب الخاصة كعملة احتياط، لن يعني إمكانية استخدامها كعملة ائتمان على المستوى الدولي خارج نطاق التعاملات الرسمية بين البنوك المركزية في دول العالم، وهو ما يقلل من قيمة هذه العملة، ويقلل من حجم العوائد التي يمكن أن تحققها البنوك المركزية من احتياطياتها بهذه العملة.

7. أن استخدام وحدات حقوق السحب الخاصة كعملة احتياط على المستوى الدولي سوف يتطلب تغييرا هيكليا في الدور الذي يلعبه صندوق النقد الدولي على المستوى العالمي، وحجم الموارد المالية المتاحة له، ونسب مساهمة دول العالم في رأس ماله، ودوره في فرض سياسات الاستقرار الاقتصادي على المستوي الدولي، وهو الأمر الذي قد يجد معارضة كبيرة من قبل القوى الاقتصادية العالمية، بصفة خاصة الولايات المتحدة الأمريكية، التي تملك قوة تصويت جوهرية في الصندوق.

في ظل هذه القيود تضعف احتمالات ان تتحول وحدات حقوق السحب الخاصة إلى عملة دولية بديلة للدولار، أو منافسيه له، وبالتالي فإن البديل الأكثر احتمالا هو صعود عملة تنافس الدولار على المستوى الدولي، وتحل محله كعملة احتياط وكعملة لتسوية المبادلات على المستوى الدولي، هذه العملة في وجهة نظر بعض المراقبين هي اليوان الصيني. فخلال العقدين الماضيين كانت الصين كاقتصاد تنمو بمعدلات اقل ما يمكن ان توصف بأنها معدلات استثنائية، ومن حيث الحجم أصبحت تحتل المركز الثاني عالميا بعد الولايات المتحدة، خصوصا بعد ان فقدت الأخيرة سنوات من النمو نتيجة أزمتها، لذلك ينظر البعض إلى اليوان الصيني على أنه أقوى عملة يمكن أن تشكل البعد الثالث في هذا العالم بعد الدولار واليورو.

ولكن ما هو احتمال أن يتحول اليوان الصيني إلى عملة دولية؟ أو أن يحتل عرش الدولار الأمريكي؟ بصفة خاصة، ما هي الشروط الواجب توافرها لكي يحتل اليوان هذا المركز العالمي؟ وهل يمكن ان تتمكن الصين من توفير هذه الشروط؟ وهل من مصلحة الصين أصلا أن يتحول اليوان إلى عملة عالمية في نفس وضع الدولار؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ترفض الصين هذا التحول؟ أم أن الصين تخطط لكي يصبح اليوان عملة دولية مثل الدولار ولكن من خلال سياسة التحول خطوة خطوة نحو الهدف طويل الأمد، كما تحولت الصين إلى ثاني اكبر اقتصاد في العالم أيضا خطوة بخطوة؟ وما هي الخطوات التي قامت بها السلطات النقدية الصينية في هذا الاتجاه؟ وهل هذه الخطوات كافية بالفعل لكي تساعد اليوان لأن يكون عملة دولية؟ أم ان اليوان سوف يفرض نفسه في النهاية على الساحة كعملة دولية بديلة للدولار؟

في هذه السلسلة من المقالات نتناول الإجابة على هذه الأسئلة بالتفصيل إذا أحيانا الله سبحانه وتعالى.



















السبت، ديسمبر 11، 2010

صناعة كرة القدم .. الاقتصاد والمنافسة

نشر في صحيفة الاقتصادية السعودية بتاريخ الجمعة 10/12/2010.
شهد العقد الماضي تطورات هيكلية في صناعة لعبة كرة القدم، حيث ارتفعت أجور البث التليفزيوني المباشر، وأسعار تذاكر المباريات، وأسعار اللاعبين، ومبيعات الإعلانات التجارية، وغيرها من الإيرادات بصورة غير مسبوقة، وبمعدلات تفوق معدلات التضخم العالمي بمرات عدة. ذلك أن مسابقات كرة القدم التي كانت تبث فيما سبق بصورة مجانية، بما في ذلك كأس العالم، لم تعد اليوم كذلك، وهي متاحة في معظم الأحوال لمن يدفع.
فقد اقتحمت القنوات التجارية والقنوات الرياضية المتخصصة مجال الصناعة، وأصبحت مجال البث الأساسي للعبة إلى المستهلك النهائي في جميع أنحاء العالم، مستفيدة من التطور التقني في مجال الإرسال التليفزيوني عبر الأقمار الصناعية، ولكن هل دخول القنوات التجارية والقنوات الرياضية المتخصصة مجال الصناعة، بما يحمله ذلك من رفع تكلفة المشاهدة للمستهلكين قد أدى إلى تخفيض أعداد المشاهدين؟ واقع الحال يشير إلى أن أعداد المشاهدين وأذواقهم، قد شهدت تطورا حاسما نتيجة لهذه التحولات في الصناعة، وازدادت أعداد المشتركين في القنوات التجارية والمتخصصة، نظرا للتطور الكبير الذي شهدته عملية البث التي أصبحت تقدم خدمة أفضل، ومشاهدة حية بصورة أوسع نطاقا للمشاهد بين الدوريات المختلفة للعبة، وطوال اليوم.
البث العالمي المباشر للعبة أدى إلى إشعال المنافسة بين الدوريات المختلفة، وأصبحت الدوريات المتميزة مثل الدوري الإسباني تلاقي مشاهدين أكثر بمرور الوقت، وذلك مع حدوث تحول واضح في اهتمام عشاق اللعبة من النطاق المحلي إلى النطاق العالمي، وأصبحنا نسمع اليوم مشجعي كرة القدم يتحدثون عن أداء نواد مثل برشلونة وريال مدريد ومانشستر يونايتد أكثر مما يتحدثون عن النوادي المحلية في دولهم. ومع ارتفاع حدة المنافسة بين القنوات التجارية والقنوات الرياضية باتت الخدمة تقدم اليوم على نحو أفضل وعلى نطاق أوسع، وتحولت اللعبة نتيجة لذلك إلى صناعة عالمية، على سبيل المثال يقدر مانشستر يونايتد أعداد مشجعيه في أنحاء العالم كافة بنحو 500 مليون مشجع. هذا التطور في الصناعة ساعد القنوات التجارية على تخفيض تكلفة الاشتراك مستفيدة من اقتصاديات الحجم.
لقد صاحب تحول صناعة كرة القدم نحو القنوات التجارية والمتخصصة موجة انتقادات واسعة، نتيجة الحرمان المحتمل لقطاع عريض من الجمهور من حق المشاهدة المجانية للبث الرياضي، نتيجة لتحول الرياضة إلى خدمة خاصة بالقادرين على الدفع فقط. غير أن البث المجاني للمباريات يقوم في الواقع على أساس فرضية أن لعبة كرة القدم لا تحتاج إلى المال، وهي فرضية خاطئة، فالواقع يثبت أن المزيد من المال المتاح للنوادي الرياضية يمكنها من أن تضم أفضل العناصر في اللعبة، خصوصا بعد أن أصبح لاعبو كرة القدم اليوم عنصر إنتاج عالميا، ينتقل بشكل مستمر بين الدوريات المختلفة في أنحاء العالم كافة بحثا عن العائد الأعلى، بينما يتنقل رجال الصناعة بشكل مستمر بين الدوريات المختلفة في العالم بحثا عن العناصر الموهوبة.
من ناحية أخرى، فإن منتقدي هذه التطورات في الصناعة لا يدركون حقيقة أن قصر تقديم الخدمة على من يدفع فقط يساعد على تحسين جودة الخدمة بصورة جوهرية، وهو ما يساعد على جعل مستقبل النوادي الرياضية أكثر أمانا من الناحية المالية، حيث تحصل النوادي الآن على عروض مريحة جدا من الناحية المالية، كل حسب أهميته، ومع كبر حجم المشاهدين للبث العالمي المباشر، تتمكن النوادي الرياضية من التفاوض للحصول على مقابل أفضل لحقوق البث، يعتمد ذلك على أهمية الفريق، الأمر الذي يمكن النوادي من توفير ميزانية مناسبة لضم العناصر اللازمة من اللاعبين. على سبيل المثال، تقدر إيرادات بث مباريات ريال مدريد خلال سبع سنوات تنتهي في 2013/2014 مع محطة Mediapro الإسبانية 1.5 مليار دولار.
أغنى خمسة فرق في العالم هي مانشستر يونايتد الإنجليزي، وتبلغ ثروته 1.84 مليار دولار، وريال مدريد الإسباني وتبلغ ثروته 1.32 مليار دولار، وآرسنال الإنجليزي وتبلغ ثروته 1.18 مليار دولار، وبرشلونة الإسباني وتبلغ ثروته مليار دولار، وبايرن ميونخ الألماني وتبلغ ثروته 990 مليون دولار. النوادي الأغنى في العالم لديها ميزة نسبية، لكونها تمتلك علامة دولية، مقارنة بباقي الفرق، وتتمثل هذه الميزة في قدرتها على توليد الدخول داخل وخارج دولها، وذلك من خلال الكفالات المختلفة ومبيعاتها السلعية، فضلا عن جاذبيتها للبث. أكثر من ذلك، يتنافس اليوم مليارديرات العالم على أن تكون لهم حصة مؤثرة في ملكية النوادي المشهورة، بسبب العائد الاجتماعي الضخم والشهرة الكبيرة التي يحصل عليها هؤلاء من مثل هذه الملكية، وهو ما يؤمن للنوادي سندا ماليا إضافيا يمكن أن يساعدها في حال تراجعت أوضاعها المالية على نحو سيئ. ومن الواضح أنه أصبح ينظر لنوادي كرة القدم الآن على أنها شركات أعمال، أي لها أهداف شركات الأعمال نفسها، وهي توسيع قاعدة المستهلكين وتعظيم الأرباح، وتتم حاليا نمذجة هذه النوادي من خلال استخدام دوال المنفعة التقليدية التي تستخدم لشركات الأعمال التي تتأثر بمتغيرات مثل معدل الأرباح، ودرجة الأمان المالي، وعدد الحضور من المشاهدين للمباريات، ودرجة نجاح اللاعبين، ودرجة جودة الدوري الذي تلعب فيه.
بالطبع مع تطور اللعبة تطورت تشكيلة الإيرادات التي تحصل عليها النوادي، التي لم تعد مقصورة اليوم على ما يدفعه كفلاء النوادي وإيرادات حقوق البث والتذاكر. وإنما أصبح كل إنش في الساحة المنقولة مكانا كامنا لوضع إعلان تجاري فيه، وباتت ملابس اللاعبين مصدرا مهما جدا لدخول النادي، فضلا عن مبيعات مجموعة كبيرة من السلع الأخرى المكملة التي تحمل شعار النادي أو اسمه أو صور لاعبيه، وهلم جرا. الإيرادات تشمل أيضا اسم الشركة الذي سيوضع على ملابس اللاعبين والعلامات التجارية الأخرى، وهي بالنسبة للنوادي الكبيرة صفقة مهمة يتم التفاوض عليها لوقت طويل. كذلك، فإن علامة الشركة التي تصنع الملابس الرياضية تمثل مصدرا مهما للدخل، على سبيل المثال تحمل ملابس مانشستر يونايتد علامة Nike، التي تدفع للنادي 470 مليون دولار (على عقد مدته 13 عاما ينتهي في 2015)، فضلا عن 50 في المائة من أرباحها في مبيعات بعض السلع، وذلك في مقابل تصنيع ملابس النادي.
في مقابل هذه الزيادة في الإيرادات، أصبحت النوادي المشهورة تدفع للاعبي كرة القدم أجورا كبيرة ومبالغ خيالية نظير انتقالهم إليها، وفي بعض الأحيان تؤدي هذه المدفوعات إلى وقوع هذه النوادي في مصيدة الديون التي يمكن أن تقضي على مستقبل النادي، على سبيل المثال تبلغ ديون مانشستر يونايتد 839 مليون دولار، أي بنسبة 45 في المائة تقريبا من ثروة النادي، ويأمل النادي أن يحقق إيرادات كافية في السنوات القليلة المقبلة تمكنه من خدمة هذه الديون الضخمة.
من ناحية أخرى، تقوم استراتيجية نادي ريال مدريد الشهير على اقتناء أفضل اللاعبين في العالم بغض النظر عن التكلفة التي سيتحملها النادي في سبيل ذلك. ففي العام الماضي قام ريال مدريد بإنفاق 510 ملايين دولار على اللاعبين في صورة تعويضات لانتقال اللاعبين إليه والمرتبات، بما في ذلك دفع 222 مليون دولار لضم كريستيانو رونالدو وكاكا، وهي مدفوعات ضخمة، إلا أنها تعود على النادي بعوائد ضخمة أيضا. ففي العام الماضي حقق النادي أعلى دخل بين نوادي العالم بلغ 563 مليون دولار، والاستراتيجية على ما يبدو تسير على نحو جيد، حيث بلغ صافي أرباح النادي في العام الماضي 226 مليون دولار، وهو أعلى ربح حققه نادي كروي في العالم. في المقابل، نجد أن برشلونة يحقق نموا صاروخيا في صناعة كرة القدم سواء من حيث الترتيب العالمي، أو من حيث النمو في الإيرادات والثروة، حيث ارتفعت إيرادات البث لديه من 59 مليون دولار فقط، إلى 222 مليون دولار في العام الماضي.
ومما لا شك فيه أن معظم النوادي تواجه مشكلة تحقيق التوازن المناسب بين تكلفة اللاعبين والدخول التي تحققها تلك النوادي، وإن كانت معظم النوادي تنظر إلى لاعبيها على أنهم ثروة، على الرغم من التكلفة المرتفعة التي يتحملونها في سبيل الحصول عليهم، واستبقاء هذه الأصول الكروية، لأنه في وقت ما ستحين الفرصة المناسبة للتخلص من كل لاعب بالسعر المناسب.
المنافسة غير المتكافئة حاليا بين نوادي كرة القدم على المستوى العالمي، تؤدي في النهاية إلى خلق سوق من المنافسة الاحتكارية في اللعبة على المستوى الدولي، حيث تتمكن النوادي العملاقة من أن تضم أفضل العناصر، ومن ثم تحجز لنفسها مكانا بين أفضل عروض للبث، وبالطبع الإيرادات الأخرى على مستوى العالم. هذه المنافسة تؤدي بالطبع إلى نتيجة واحدة هي الارتفاع الصاروخي لأسعار اللاعبين على المستوى الدولي، الذي أربك الكثير من النوادي المحلية غير القادرة على استبقاء لاعبيها في مواجهة ماكينة العروض السخية التي تأتيهم على المستوى العالمي، وأصبح بقاء أي لاعب متميز في ناديه مسألة شبه مستحيلة، خصوصا إذا كانت مهاراته الكروية نادرة.
كثير من الناس ينظرون إلى هذه الأجور الخيالية التي تدفع للاعبي كرة القدم على أنها أمر غير عادل، ويتساءلون: ما الخدمة التي يقدمها هؤلاء لكي يحصلون على هذه الأجور الخيالية؟ بينما هم يكدون ويتعبون وبالكاد يحصلون على ما يكفي قوت عيشهم. هؤلاء لا يدركون مفهوم الندرة ودوره في حياتنا الإنسانية. فعلى الرغم من أن العالم يعيش فيه نحو سبعة مليارات شخص، فإن الموهوبين منهم في مجال اللعبة لا يتجاوزون مئات عدة، أي أن الأمر بهذا الشكل ينطوي على ندرة كبيرة جدا، ومن المعروف أن أي عنصر نادر يحصل على دخل ريعي كبير يعتمد على أهمية هذا العنصر للمستهلكين. مع تطور أهمية اللعبة في حياتنا على النحو الذي نشهده حاليا، فإن الندرة الكبيرة التي يتمتع بها الموهوبون في كرة القدم تبرر هذه الدخول الريعية الكبيرة التي يحصلون عليها، وذلك قياسا أيضا إلى الدخول التي يتسببون فيها لنواديهم، والمنفعة التي يحققونها للمشاهدين عبر مختلف دول العالم عندما يمارسون اللعب.
ربما تشكل حالة كريستيانو رونالدو مثالا واضحا في هذا المجال. فقد تم نقل رونالدو إلى نادي ريال مدريد بثمن تاريخي ومرتب ضخم، فهل السعر الذي دفع في رونالدو، وهل الدخل الشهري الضخم الذي يحصل عليه غير عادل؟ لكي نجيب عن هذا السؤال لا بد وأن نأخذ في الحسبان مستوى الندرة الذي تمثله موهبته التي يتمتع بها والعوائد الكامنة التي يمكن أن يتسبب فيها لناديه بموهبته النادرة، التي تتمثل في زيادة احتمالات الفوز، وزيادة شعبية النادي، ورفع مرتبة النادي عالميا.. إلخ.
عندما انتقل كريستيانو رونالدو إلى نادي ريال مدريد كتبت مقالا عن الموضوع، وسألت فيه هذا السؤال “ما الذي يدفع ناديا مثل ريال مدريد إلى دفع 131 مليون دولار ثمنا لضم لاعب واحد؟”، وما الميزانية التي يحتاج إليها أي ناد لكرة القدم من أجل الاستثمار في شراء اللاعبين، بصفة خاصة المشهورون منهم، وذلك إذا رغب في تكوين فريق تنافسي لكرة القدم. عندما قارنت بين السعر الذي دفعه مانشستر يونايتد لضم رونالدو وسعر البيع، توصلت إلى أن رونالدو كان الدجاجة التي تبيض ذهبا لمانشستر يونايتد. فقد حقق مانشستر يونايتد أرباحا مباشرة تعادل نحو 550 في المائة في عملية شراء وبيع رونالدو، وبمعنى آخر فإن سعر رونالدو كان يتزايد بنسبة 100 في المائة في المتوسط سنويا خلال الفترة التي قضاها مع مانشستر يونايتد، لا يوجد في عالم اليوم أصل يحقق هذا القدر الهائل من العوائد، ويبدو أنه الدافع نفسه الذي دفع ريال مدريد لضم اللاعب بهذا المقابل الأسطوري.
من المؤكد أن القيمة الحالية لتدفقات العوائد المستقبلية المباشرة وغير المباشرة لشراء لاعب ذي مهارات كروية نادرة مثل رونالدو، تفوق بشكل كبير القيمة الاسمية لمبلغ الـ131 مليون دولار الذي دفع فيه، وإلا لما أقدم ريال مدريد على عرض هذا الرقم الضخم لضم اللاعب. مباشرة بعد انتقال اللاعب جاءتنا الأخبار من مانشستر يونايتد بأن إدارة النادي تعتقد أن الثمن الذي دفع في رونالدو يعد زهيدا جدا، وأن ريال مدريد نال صفقة رابحة جدا نتيجة شراء رونالدو.
منذ أسبوعين أرسلت إلى شركةPearson Education لنشر كتاب Case/Fair/Oster في الاقتصاد لمراجعته، وقد لفتت نظري إحدى الحالات العملية في الكتاب بعنوان “هل دفع ريال مدريد سعرا مبالغا فيه في كريستيانو رونالدو؟”، وفي الحالة يجيب الكتاب عن السؤال إجابة قاطعة بأنه بالفعل، على الرغم من دفع ريال مدريد مبلغ 131 مليون دولار ثمنا لضم رونالدو، فضلا عن المرتب الهائل الذي يتقاضاه، الذي يمثل نحو 3.2 في المائة من دخل النادي سنويا، فإنه في صيف 2010 فقط، تم بيع 1.2 مليون تي شيرت بالرقم 9 الذي يحمل اسم رونالدو، وبسعر 85 يورو للتي شيرت الواحد، وهو ما يعني أنه في موسم واحد فقط أدخل تي شيرت رونالدو للنادي 102 مليون يورو، وهو ما يفوق التكلفة التي دفعها النادي في اللاعب، أي أنه في صيف 2010 تم استرداد أكثر من الثمن الذي دفع في رونالدو من إيرادات بيع تي شيرته، الأمر الذي يؤكد الخلاصة التي توصل إليها مسؤولو مانشستر يونايتد بأن ريال مدريد قد دفع ثمنا زهيدا جدا في رونالدو، وأن القيمة الحقيقية له أعلى من ذلك بكثير.
لسوء الحظ، فإن نوادي العالم لا تتمتع بالمركز المالي المريح الذي تتمتع به النوادي الغنية في العالم، حيث تنقسم نوادي كرة القدم إلى قسمين؛ نواد ذات وضع مالي مريح وتحقق أرباحا ضخمة، ونواد تواجه مشكلات مالية نظرا لعدم قدرتها على التنافس على اللاعبين المتميزين، وبما أن لعبة كرة القدم هي لعبة تنافسية فإن الفرق غير القادرة على المنافسة غالبا ما تهبط من الدوري الممتاز إلى الدوريات ذات الترتيب الأقل. هبوط أي ناد معناه حاليا تراجع إيرادات هذا النادي على نحو خطير، وأنه إذا لم يتمكن من العودة إلى الأضواء بسرعة كافية، فإنه لن يستطيع أن يستمر في تحمل أعباء التشكيلة الحالية لفريقه بعد أن ارتفعت أجور اللاعبين بصورة كبيرة على المستوى العالمي، للندرة الشديدة التي يتمتع بها هؤلاء مقارنة بالطلب عليهم، كما ذكرنا. ابتعاد النادي عن الأضواء لفترة كبيرة ستعني شيئين مؤكدين، أنه سيخسر العناصر الممتازة لديه لعدم قدرته على الحفاظ عليها في ظل تردي الإيرادات، والثاني هو احتمال إفلاس النادي وإغلاق أبوابه.
وبما أن لعبة كرة القدم تحتاج إلى عدد كبير من النوادي والفرق المشاركة، فإن السماح بانهيار أو إفلاس ناد بسبب المصاعب المالية التي يحققها لا يمثل فقط خسارة لهذا النادي، وإنما خسارة للدوري الذي يلعب فيه هذا النادي، فضلا عن أنه يهدد أيضا الفرق التي تعيش وضعا ماليا مريحا، لأن هذه النوادي في حاجة إلى فرق أخرى لتتنافس معها. إنه وضع شبيه بوضع الاقتصاد العالمي والتجارة العالمية، فدول العالم تنقسم أيضا إلى قسمين، دول تعيش في وضع مالي مريح، وتحقق فوائض كبيرة في موازين مدفوعاتها، ودول تحقق عجزا مستمرا في ميزان مدفوعاتها، ومن ثم ترى نفسها في النهاية مثقلة بالمديونية الخارجية. الدول التي تحقق فوائض لا يمكنها أن تستمر في هذا الوضع وتترك الدول الأخرى مثقلة بالمديونية، حيث إن ذلك سيؤدي في النهاية إلى تقييد قدرة الأخيرة على الاستيراد، أو امتصاص فوائض الإنتاج للدول المصدرة، ولذلك لابد أن تقوم دول الفائض من وقت إلى آخر بتقديم مساعدات مالية للدول الفقيرة، التي غالبا ما تكون مشروطة باستخدام تلك المساعدات للاستيراد منها. ما أقصده هو أن المستقبل قد يشهد أيضا نوعا من الاعتماد المتبادل بين نوادي كرة القدم في الدوريات المختلفة، وذلك بالشكل الذي يسمح بوجود عدد كاف من النوادي القادرة على مواجهة نفقاتها من أجل التأكد من إقامة مسابقات الدوري على نحو مناسب للنوادي والمستهلكين للخدمة في الوقت ذاته.
اليوم تأتينا آخر الأخبار السارة، بأن قطر قد فازت بحق تنظيم كأس العالم في 2022، وهو بلا شك إنجاز ضخم أهنئ قطر الشقيقة عليه، ولكن بالقدر الذي يمثله هذا الاختيار كإنجاز، فإنه يفرض تحديات ضخمة على قطر، ذلك أن التطورات السريعة التي تشهدها الصناعة في عالم اليوم تشير إلى أنه عام 2022 ستكون صناعة كرة القدم مختلفة تماما عن تلك التي نشهدها اليوم، وذلك في ظل الصعود الصاروخي للعبة على المستوى العالمي، مستفيدة من التقدم التقني في مجال الصناعة والصناعات الأخرى التي تساندها، وهو ما يعني أن طبيعة وحجم التحديات التي تواجه قطر، ليست كما يظن البعض، أمرا سهلا، فمما لا شك فيه أن التأكد من جودة عملية تنظيم وإخراج مثل هذه المسابقة على المستوى الذي ستحتله الصناعة في هذا الوقت عالميا ستكون مهمة صعبة للغاية.
بغض النظر عن الشعور بالحسد الذي قد يختلج بعض النفوس من النجاح القطري، بما في ذلك الرئيس أوباما نفسه، الذي وصف اختيار قطر التي هزمت المشروع الأمريكي بأنه قرار سيئ، ولا أدري ما هو السيئ في ذلك، فقد تمت العملية بالاقتراع المباشر أمام أنظار العالم أجمع، وأمام عيون مئات الملايين من البشر، أليست هذه هي الشفافية التي تنادي بها أمريكا. أعندما تأتي النتائج عكس ما تشتهيه الولايات المتحدة يصبح النظام سيئا! قطر الحديثة قد اتخذت خطوات عدة، جعلت من تلك الإمارة الصغيرة كيانا ضخما يتجاوز في حجمه كيانات كبيرة وتقليدية في المنطقة، وأصبح لقطر أفضل جهاز إعلامي، وأفضل قنوات رياضية، وأفضل مفاوض سياسي، حيث تقود قطر بعض المصالحات، وتتدخل في بعض الشؤون التي عجزت عنها كيانات كبيرة في المنطقة، وأفضل اقتصاد تنافسي في المنطقة، وأفضل دولة في مجال الشفافية وانخفاض مستوى الفساد.. أشياء كثيرة أصبحت الآن تحمل فيها قطر لقب الأفضل، وعندما تكون الأفضل لا شك أن عدد حاسديك سيزداد.
لا أستطيع أن أخفي إعجابي بالإمارة الصغيرة في الحجم، الكبيرة في الشأن، فلماذا يستصغر البعض الإمارة؟ دعونا ننتقل بأنظارنا عبر القارة إلى دولة أخرى ميكرو، بهرت العالم وهي سنغافورة، عندما تطالع التقارير الدولية ستجد سنغافورة، تلك الدولة الميكرو، تحتل الترتيب العالمي الأول في أشياء كثيرة جدا. في رحلتي الأخيرة إلى الولايات المتحدة دار نقاش بيني وبين أستاذ أمريكي من جامعة Delaware، الذي أدهشني عندما أخبرني أن الجامعة أرسلت 12 أستاذا إلى سنغافورة لتعلم كيفية تدريس الرياضيات في سنغافورة. أي أن الآية انقلبت، فبعد أن كانت سنغافورة ترسل طلبتها إلى الولايات المتحدة طلبا للعلم، اليوم الولايات المتحدة ترسل أساتذتها إلى سنغافورة للتعلم. الحجم إذن لم يكن يوما من الأيام عائقا أو حدا، وإلا فإن عالمنا العربي مليء بدول متسعة الأطراف، ولكنها لسوء الحظ بلا أي وزن سواء إقليميا أو عالميا.
البعض الآخر يعتقد أن استضافة قطر لتنظيم مسابقة كأس العالم هو إضاعة للمال الذي تملكه ولا تعرف كيف تنفقه، وهو حكم غير صحيح تماما، إذا كان الوضع كذلك لما تتنافس على تنظيم المسابقة كبار دول العالم، ولماذا يأسف رئيس أكبر دولة في العالم على خسارة بلده لتنظيم المسابقة أمام قطر. أتوقع أن يترتب على تنظيم المسابقة ضخ كمية هائلة من الأموال في البنى التحتية القطرية، ولحسن الحظ فإن الإمكانيات المالية لقطر مريحة جدا حاليا، وهو ما سينقل الإمارة نقلة أخرى في مجال التنمية، وليس في مجال الرياضة، لأن مثل هذه المشروعات الضخمة ستحمل الكثير من الروابط لمختلف قطاعات الاقتصاد القطري، وليس فقط مجرد استادات عدة لكرة القدم سيتم إنشاؤها.. إن الأمر سيستدعي تسهيلات لوجستية على أعلى مستوى في مجال النقل والفندقة والسياحة والرعاية الصحية.. إلخ، ومثل هذه المشروعات لن تنشأ لتنفض، بعد انتهاء المونديال.. إنها مشروعات تنشأ لتدوم، التي يمكن أن تبني عليها قطر لخلق ميزة تنافسية أخرى.
عندما عهد إلى كوريا الجنوبية واليابان بتنظيم المسابقة، كان العالم يتشكك في قدرة دولة مثل كوريا الجنوبية على الخروج بتنظيم جيد للمسابقة، فما الذي حدث بعد ذلك؟ لم يشهد العالم عرضا أسطوريا مثل ذلك الذي حدث في مسابقة كأس العالم التي نظمتها هاتان الدولتان. أنا متأكد أيضا أن الشقيقة قطر ـــــ بإذن الله ـــــ لن تعدم الوسائل لتوفير افتتاح أسطوري للمسابقة، وتوفير تسهيلات لوجستية على أعلى مستوى لضمان استمرار المنافسة ومناخها على نحو مبهر، كما أنني متأكد من أنها ستبهرنا بمنشآتها الرياضية الحديثة، وقدراتها اللوجستية والتنظيمية الفائقة، كل التوفيق للشقيقة قطر.