الاثنين، فبراير 28، 2011

غسيل الأموال 2: عصابات المافيا.

يعتقد أن المافيا نشأت في صقلية في ايطاليا، في أواخر القرون الوسطي، وذلك من خلال قيام الإقطاعيين بتأجير مجموعات من الرجال الأقوياء، والذين استقلوا فيما بعد وكونوا مجموعات مستقلة في المناطق الريفية يمارسوا فيها هذا النشاط الاجرامي. وفي شكلها الحالي فان المافيا عبارة عن مجموعات محلية بينها نوع من الاتحاد، وغالبا ما تكون هناك علاقة قرابة بين أفراد المجموعة الواحدة، أو تتكون هذه الصلة بمجرد أن ينضم عضو جديد إلى المجموعة، ويتمثل الصمت المطلق عن أنشطة المافيا بالإضافة إلى الطاعة العمياء لنسق الترتيب القيادي في المجموعة أهم القواعد المتعارف عليها بين الأعضاء، وفي العشرينيات والثلاثينيات من هذا القرن ازدهرت أنشطة المافيا في المناطق الريفية في صقلية، وقد حاول النظام الفاشستي في ايطاليا القضاء عليها عندما اجتاح صقلية في الحرب العالمية الثانية.

ومع هجرة الصقليين في نهاية القرن التاسع عشر بدأت تمارس المافيا أنشطتها في العديد من المدن الكبرى في الولايات المتحدة، وقد ترتب على عمليات المنافسة بين اسر المافيا إنشاء نوع من التقسيم المتعارف عليه حول مناطق النفوذ، ويتم الاتفاق عادة أما بالتفاوض أو بالإرهاب. ويعتقد انه خلال الثلاثينيات تم إرساء الهيكل المؤسسي الذي يشكل الجريمة المنظمة في الولايات المتحدة والذي يتكون من عشر عصابات هي:

1. The Vito Genovese Family
2. The Carlo Gambino Family
3. The Gaetano Lucchese Family
4. The Giuseppe Magliocco Family
5. The Joseph Bonanno Family
6. Buffalo, New York Organization
7. Rhode Island and Boston, Massachusettes Organization
8. The Mafia Organization in the Tampa, Florida, Area
9. The Mafia Organization in the Detroit Area
10. Chicago-Italian Organization

وتنتشر أنشطة المافيا عبر معظم دول العالم تقريبا، وقد يصل نفوذها الى مستوى مرتفع بحيث تهدد نفوذ الحكومات الرسمية، أو بالصورة التي تمكنها من السيطرة على مجريات الأمور في المقاطعات الجغرافية التي تفرض سيطرتها عليها. على سبيل المثال تسيطر المافيا حاليا على معظم أنشطة الأعمال والصناعة في مدن صقلية. كذلك شكلت عصابة مافيا كالي Cali ( نسبة إلى مدينة كالي في كولومبيا ) المستلم الأساسي لإيرادات المخدرات من الولايات المتحدة، وحتى وقت قريب كانت تلك العصابة مسئولة عن 80% من الكوكايين الذي يباع في شوارع الولايات المتحدة. وتتم السيطرة على هذه الأموال من خلال مجموعة من المحاسبين المهرة، والذي يتبعون القواعد المصممة بواسطة زعماء عصابة مافيا كالي لتتبع اثر كل دولار في الشبكة الدولية لعملية نقل الأموال التابعة لهم، ويتم نقل مليارات الدولارات سنويا إلى كولومبيا وبصفة خاصة كالي، والتي تستخدم في شراء أصول حقيقية في النهاية. على سبيل المثال فان ناطحات السحاب الحديثة تملأ سماء كالي، كما انه لم يتم بناء أي منها من خلال القروض العقارية.

وحينما اصدر قانون سرية البنوك في الولايات المتحدة والذي يقضي بضرورة ملأ تقرير عن المودعات التي تزيد عن 10000 دولار، قامت العصابة بتشكيل شبكة جديدة لعمليات غسيل إيرادات تجارة المخدرات. وفي البداية اتبعت العصابة أسلوبا يطلق عليه الـ smurfing حيث يتم تأجير العديد من الأشخاص للانتقال بين البنوك المختلفة وإيداع مبالغ نقدية تقل قليلا عن 10000 دولار، وبحسبة بسيطة فان مجموعة من عشر أشخاص smurfs يمكنها أن تنتقل بين عشرة بنوك يوميا وبالتالي إيداع مليون دولار يوميا، ومن ثم تحويلها بسهولة إلى الخارج، غير أن هذا النظام اصبح غير مناسب ومرتفع المخاطرة مع تحقيق عصابة كالي السيطرة على تجارة الكوكايين في الولايات المتحدة في التسعينيات، وارتفاع أرباح تجارة المخدرات بصورة كبيرة.

ولكي تحل جانبا من مشكلات التحويل لديها قام تجار المخدرات بشراء أسطول طائرات ضخمة مثل البوينج 727، وقد تم استخدامها في نقل الكوكايين إلى المكسيك وكندا والبرتغال وجنوب أفريقيا وكذلك للبيع في الولايات المتحدة وأوروبا. وعندما يتم تفريغ الكوكايين يتم شحن الطائرات بالدولارات من أرباح التجارة والتي تصل في بعض الأحيان بين 20-30 مليون دولارا عائدة إلى كولومبيا، وقد استمرت عمليات شحن الطائرات بالنقد باعتبارها الوسيلة الأساسية لنقل النقود. وقد استعملت العصابة وسائل أخرى مثل التحويلات البريدية وتزييف فواتير التجارة الخارجية وغيرها من الأساليب. إلا أن القبض على زعماء عصابة كالي في عام 1995 وإصدار قانون غسيل الأموال في كولومبيا أدى إلى التأثير على حجم الأموال التي تعود إلى كولومبيا.

وترتفع معدلات الأرباح على إنتاج المواد المخدرة بصورة كبيرة بالمقارنة بباقي الأنشطة الاقتصادية في دراسة عن تجارة الهيروين في أربعة مدن هي نيويورك ونابولي وباريس ولندن وجد أن هوامش الربح هي 370% للمستوردين، 135% لتجار الجملة، 90% للموزعين، 54% للمتعاملين في الشوارع street dealers و 40% للمتعاملين بالوزن weight dealers أما الموزعين على المستهلكين فيحققون معدلات ربح تصل إلى حوالي 12%.

وبسبب هذه الأرباح الضخمة أصبحت منظمات تجارة المخدرات ثرية وقوية بمرور الوقت بالدرجة التي جعلت منها منافسا للحكومات الشرعية في الكثير من الدول من حيث القدرة على التأثير والسيطرة. حيث تستخدم أموالها وثرواتها الضخمة في أضعاف الحكومات والمؤسسات التجارية. وهو ما يعبر عن حالة كولومبيا والى درجة كبيرة المكسيك، وتستغل الجريمة المنظمة الفساد الإداري لتحقيق الكثير من أهدافها، وهي مشكلة لا تقتصر على الدول النامية فقط بل تعاني منها أيضا الدول المتقدمة. ففي الدول النامية عادة ما تكون مرتبات رجال الأمن منخفضة، ويصعب على البعض مقاومة إغراء المال في ظل تلك الظروف، أو مقاومة سطوة عصابات المافيا، كما قد لا تتوافر للسلطات الأمنية في الدول النامية الخبرة أو الموارد الكافية التي تمكنها من تتبع أنشطة منظمات تجار المخدرات، وهو ما قد يجعل منها هدفا لتلك المنظمات الغنية.

ولقد ترتب على عملية تدويل النشاط المالي على المستوى الدولي إلى خلق سبل جديدة لنقل أرباح الجريمة المنظمة على المستوى الدولي. فمع ازدياد حجم التجارة الدولية ازداد الاعتماد على وسائل الاتصال المتقدمة تكنولوجيا، وبنفس الدرجة أيضا ازداد اعتماد عصابات الجريمة المنظمة على تلك الوسائل. وتعتمد الكثير من منظمات الجريمة حاليا على التحويلات السلكية لنقل الأموال بين البنوك المختلفة عبر العالم. على سبيل المثال فان اتحادات تجار المخدرات في أمريكا الشمالية على درجة عالية من التنظيم ويسلكون نفس سلوك الشركات عابرة الجنسيات.

ولا يمكن التصرف في كافة النقود التي يتم تكوينها من خلال عصابات الجريمة المنظمة في عمليات توزيع مباشرة للأرباح بين المشاركين في تلك العصابات. كذلك فان استخدام بطاقات الائتمان والشيكات لسداد قيم صفقات ضخمة قد يؤدى إلى لفت انتباه السلطات القانونية، ومن ثم فان أسرع أساليب التصرف في هذه الأموال هو استخدام التحويلات السلكية الدولية بالرغم من أن ذلك قد يتضمن استخدام خدمات البنوك الرسمية في هذه العملية. إذ يسهل مع ضخامة عدد التحويلات التي تتم يوميا إخفاء تلك التحويلات، وتعد هذه التحويلات أسهل واقل مخاطرة بالمقارنة بالنقل المادي للنقود الذي عادة ما يكون ناجحا، إلا انه بطيء ويحمل في طياته مخاطر غير مقبولة.

وحينما تخرج أرباح الجريمة المنظمة ويتم غسلها فإنها تعود في اغلب الأحوال إلى بلد الأصل لكي تستخدم في دفع التكاليف المختلفة مثل الأجور والرشاوى والعمولات وغيرها من التكاليف، أو قد تستخدم في الاستثمار في الأنشطة القانونية، أو في شراء العقارات أو في أسواق المال. وبالمقارنة فان عملية ضبط ومصادرة النقود القذرة عند الخروج تعد اسهل نسبيا من ضبطها أو تسجيلها في رحلة العودة لان التحويلات إلى الداخل تكون في هذه الحالة قانونية، ومن ثم يصعب توفير الدليل القانوني لتبرير الضبط والمصادرة في هذه الحالة.

إحصاءات صادمة عن النظام التعليمي في الصين 3: الجامعات الصينية قد تنافس أكسفورد وكامبريدج

الصين تنفق حاليا حوالي 1.5% من الناتج المحلي الإجمالي الصيني (الذي أصبح حاليا ثاني أعلى ناتج محلي إجمالي في العالم بعد الولايات المتحدة)، إلى الحد الذي دفع مدير جامعة ييل Richard Levin الأمريكية إلى التصريح في المملكة المتحدة بأن أفضل الجامعات الصينية سوف تنافس في المستقبل القريب جامعتي اوكسفورد وكامبريدج، وهما أفضل الجامعات البريطانية والعالمية. وأشار إلى ان الصين تنفق مليارات اليوان لدفع أفضل مؤسساتها التعليمية إلى التحول إلى قائمة العشرة الأفضل في العالم، وذاك في غضون 25 عاما.

حاليا تتصدر الجامعات البريطانية قائمة أفضل عشر جامعات في العالم، حيث تحتل جامعة كامبريدج المركز الثاني بعد هارفارد، بعد ان كافحت هارفارد عبر قرون لكي تتفوق على كامبريدج، وجامعة لندن في المركز الرابع بينما تشترك اوكسفورد وامبريال كولج في لندن في المركز الخامس عالميا. حتى هذه اللحظة أفضل جامعة صينية وهي جامعة Tsinghua تحتل المركز 49 عالميا، غير ان الحكومة الصينية تفق بسخاء على نظامها التعليمي الجامعي بهدف رفع مستويات تلك المؤسسات التعليمية لتحتل المراكز الأولى عالميا. ليس لدي شك في أن الصين قادرة على تحقيق هذا الهدف أخذا في الاعتبار الاحتياطيات المالية الضخمة التي تتمتع بها الحكومة الصينية. حيث تنبغي الإشارة إلى ان مستوى أي جامعة في العالم يعتمد على حجم الموارد المالية المخصصة لها.

على سبيل المثال فإن جامعة هارفارد لديها صناديق استثمارية ضخمة جدا تمكن الجامعة من استقطاب أفضل أعضاء هيئة التدريس في العالم، وكذلك الإنفاق على البحث العلمي بسخاء، وتقديم أفضل خدمة تعليمية على مستوى العالم. ومن المؤكد أنه لو تراجعت الميزانيات المتاحة لهارفارد، فإنها سوف تختفي من قائمة أفضل 100 جامعة في العالم. اليوم تخشى الجامعات البريطانية من احتمالات تراجع ترتيبها العالمي بسبب التخفيضات التي تقوم بها الحكومة البريطانية حاليا في الميزانيات المخصصة للجامعات البريطانية، والتي قدرت بخفض يعادل 950 مليون جنيه إسترليني في السنوات الثلاث القادمة، وهو ما ينظر إليه Levin على انه تطور خطير، ان لا تعي الحكومة البريطانية ان جامعات مثل كامبريدج واوكسفورد هي جامعات رائدة عالميا.

يشير أيضا Levin إلى أن الصين والهند تسعيان نحو توسيع نطاق نظمهما التعليمية في الجامعات والتركيز على رفع مجموعة محددة من الجامعات لكي تحتل المراكز الرائدة على المستوى العالمي، وأخذا في الاعتبار ان الصين قد تمكنت من إنشاء أضخم نظام تعليمي جامعي في العالم، فإن فرص نجاح الصين في الوصول إلى هذا الهدف تعد مرتفعة. فقد تمكنت الصين من مضاعفة عدد جامعاتها من 1022 جامعة إلى 2263 جامعة في العشر سنوات الماضية، والتي تستوعب حاليا حوالي 6 مليون طالبا جامعيا، وذلك مقارنة بمليون طالبا فقط في 1997، وهو بكل المقاييس تطور جبار، حيث أصبحت الصين تملك حاليا اكبر طاقة استيعاب في مجال التعليم الجامعي في العالم.

من ناحية أخرى يشير Levinإلى ان هناك ظاهرة تحدث حاليا في جامعات العالم، حيث يترك عدد كبير من الأساتذة الصينيين وظائفهم في المملكة المتحدة والولايات المتحدة ويعودون للتدريس في الصين، وهو تطور هام جدا بالنسبة للجامعات الصينية. غير ان Levin يشير إلى نقطة هامة جدا كانت من العوامل الرئيسة لاحتلال هارفارد وييل قائمة أفضل الجامعات العالمية، وهي ان الجامعات الصينية تفتقر إلى "التنوع الإثني"، حيث لا يوجد اساتذة وافدين في الجامعات الصينية، مثلما هو الحال في امريكا، وكذلك تفتقر الى بعد التداخل بين التخصصات العلمية multidisciplinary والذي يلعب دورا هاما في تقدم العلوم. من ناحية أخرى فإن الصين في حاجة إلى زراعة مهارات "التفكير الناقد critical thinking " والإبداع في برامجها التعليمية، والابتعاد عن تلك البرامج القائمة على الحفظ، وتجنب الاتجاه الحالي بتوفير المنح البحثية للأساتذة الذين يرضى عنهم النظام أساسا. فالتعليم الأفضل في أي دولة في العالم لا بد وان ينعكس في صورة مواطنين يتمتعون بإنتاجية أكثر.


الأحد، فبراير 27، 2011

غسيل الأموال 1: المفهوم

غسيل الأموال Money laundering هو ظاهرة قديمة نشأت منذ احتاج الإنسان إلى إخفاء أموال حصل عليها من مصادر الكسب غير مشروعة، مثل السرقة والتزوير والاتجار في المخدرات أو تلقي رشاوى أو عمولات، أو أموال عصابات المافيا.. الخ. غير أن عمليات غسيل الأموال قد تزايدت بصورة كبيرة في العصر الحديث، وذلك مع اتساع أنشطة الجريمة المنظمة وتعدد سبل تأدية الخدمات المالية، بصفة خاصة من خلال المعاملات الالكترونية واتساع مراكز الأوفشور، وهي مراكز مالية لا تخضع لسيادة أو قوانين قومية، والذي صاحبه في الوقت ذاته استخدام أساليب أكثر كفاءة في عمليات الإخفاء، بحيث تصبح عملية تتبع مصادر الأموال القذرة مسألة شبه مستحيلة.

وتحتاج عمليات غسيل الأموال إلى مهارات مالية وقانونية خاصة، واستخدام أساليب محترفة للنجاح في الحصول على إثبات الملكية القانونية للأموال غير المشروعة، لذلك تستخدم المؤسسات العاملة في غسيل الأموال أشخاص ذوي مهارات قانونية ومالية على أعلى مستوى، ولديهم دراية بالنظم القانونية والمالية في كافة أنحاء العالم، كما ترتفع العمولات التي تحصل عليها نتيجة عمليات الغسيل، وبشكل عام يرجع النمو في عمليات غسيل الأموال في العصر الحديث إلى عاملين:

الأول: نمو المراكز المالية في مناطق الأوفشور والتي تسمي في بعض الأحيان جنات الأوفشور Offshore heavens، ومناطق الأوفشور هي مراكز مالية لا تخضع في الغالب لقوانين وطنية تحكم أعمالها، إذ غالبا ما تقل حدة الأطر القانونية التي تحكم مثل هذه المراكز بصورة كبيرة، أو لا تخضع العوائد المحققة فيها للضرائب، حيث توفر مثل هذه المراكز فرصا سانحة للتهرب الضريبي وتلقي الأموال من كافة المصادر دون السؤال عن مصادر ملكيتها. كما أن الكثير من هذه المراكز يعمل بصورة أقرب إلى الصناديق السوداء Black box، حيث توفر حماية للمجرمين من الأضواء الكاشفة لمصادر رؤوس أموالهم، كما توفر مثل هذه المراكز سهولة تكوين الشركات والحماية المطلقة لسرية الحسابات. ولذلك ينظر إلى تلك المراكز على أنها من العناصر الحيوية لعمليات غسيل الأموال على المستوى الدولي.

الثاني: تطور نظم التحويل الإلكتروني للأموال بسبب الثورة التي حدثت في عالم الاتصالات على المستوى الدولي، واستخدام شبكات الحاسب الآلي العملاقة التي تربط كافة الأسواق المالية والنقدية على المستوى الدولي، بحيث يمكن نقل أموال هائلة عبر المراكز المالية في كافة أنحاء العالم على مدار الساعة من خلال عمليات في غاية التعقيد تجعل من مهمة إمساك الخيوط للكشف عن المصدر الأولى للأموال مسألة مستحيلة.

وتهدف عمليات غسيل الأموال إلى إخفاء المصدر الأساسي للأموال، والبحث عن تغطية قانونية لأصل ما أو لملكية أموال تم الحصول عليها بصورة غير قانونية، بحيث تبدو في النهاية كأنها أموال تم الحصول عليها من مصادر قانونية، وبحيث لا تخضع هذه الأموال لقوانين المصادرة أو غيرها من القوانين التي تحارب إيرادات الأنشطة الإجرامية المختلفة في كافة أنحاء العالم، وعلى ذلك فان عمليات غسيل الأموال هي في جوهرها عمليات غش للسلطات المختلفة حول مصادر الأموال.

ولا تقتصر عمليات غسيل الأموال على الأموال التي تم الحصول عليها من مصادر غير قانونية، فقد تتسع عمليات الغسيل لتشمل أيضا الأموال المكتسبة بصورة قانونية، حيث يسعى الغاسل إلى إعادة تعريف طبيعة الأموال ذاتها بسبب عدم إخضاع هذه الأموال لبعض النظم القانونية مثل قوانين الرقابة على الصرف الأجنبي أو الرسوم الجمركية أو الضرائب على الدخل، مثال ذلك أرباح الشركات التي يرغب في إخفاءها عن السلطات الضريبية.

منظمة الشفافية تطالب مجموعة العشرين ودبي بتجميد الأصول غير المشروعة

دعت منظمة الشفافية ومحاربة الفساد الدولية Transparency International مجموعة العشرين ودبي بتجميد، والتحقيق المباشر في، أي أصول غير مشروعة، بصفة خاصة تلك التي مصدرها مصر وتونس. حيث أرسل رئيس المنظمة Huguette Labelle خطابا أمس إلى رؤساء دول مجموعة العشرين وأمير دبي يطالبهم فيه بضرورة الاستجابة لطلب المدعي العام المصري بضرورة تجميد، والتحقيق في، الأصول الخارجية للرئيس السابق حسني مبارك وإفراد أسرته المقربين.

وتشير المنظمة إلى ان التدفقات المالية غير المشروعة تمثل مصدرا للتحويلات الضخمة من الدول الفقيرة، وهو ما يسهم في تعميق مستويات الفقر واستدامة النمو في تلك الدول. فبدلا من ان يتم استثمار هذه الأموال الضخمة في تلك الدول للمساعدة في إنشاء البنى التحتية أو في التخفيف من درجة عدم عدالة توزيع الدخول بين الأفراد، أو على الأقل دفع ضرائب على تلك الأصول يتم تحويلها إلى الخارج بصورة غير مشروعة، لتحرم الدول الفقيرة للأسف من رؤوس الأموال هذه، في الوقت الذي تقوم فيه السلطات الرسمية بتحميل دولها بقروض تقترضها من المقرضين الدوليين بمعدلات مرتفعة للغاية للفائدة، لتدفع الشعوب المسكينة الثمن في خدمة هذه الديون.

وقد أشارت المنظمة إلى أن عودة رؤوس الأموال غير المشروعة التي تم تحويلها من مصر يمكن ان توفر الأموال اللازمة للتنمية في دولة يعيش فيها 40% من السكان بأقل من دولارين في اليوم.

وقد تقدم رئيس المنظمة في خطابه إلى قادة تلك الدول بالمقترحات الآتية:

1. إصدار قوانين جديدة والتي تتطلب ضرورة التحقق من مصدر الأصول المشبوه فيها وتسهيل إجراءات تجميد مثل هذه الأموال.

2. دعم الإجراءات القانونية الرامية إلى استعادة الأصول المسروقة، بما في ذلك الأصول التي تم تحويلها إلى صناديق الثروة المملوكة أو المدارة بواسطة القادة السياسيين الذين مازالوا في الحكم، وهي الخطوة التي ينظر إليها على أنها يمكن ان تساعد مقترح البنك الدولي والأمم المتحدة الخاص باستعادة الأصول المسروقة.

3. نشر أي تحقيقات تمت على التدفقات غير المشروعة للأموال، حتى يدرك الجمهور والعامة بأنه لا توجد حصانة للديكتاتوريين والمفسدين.

4. ضمان التحويل المباشر والسريع للأصول المجمدة إلى الحسابات التي تم إنشاءها وإدارتها بواسطة أطراف ثالثة مثل البنك الدولي وبنوك التنمية الإقليمية.

5. إنشاء صندوق لمساعدة الدول النامية في جهودها لاستعادة أصولها المسروقة.

أتمنى ان تجد رسالة رئيس منظمة الشفافية العناية المناسبة من قادة تلك الدول، وأن يعملوا على تطبيق المقترحات الواردة في الخطاب حتى تتوقف أو تحاصر عمليات التحويل غير المشروع للأصول المالية التي تتم من قبل ديكتاتورين فاسدين أو المقربين منهم، مثل الطاغية المخلوع مبارك، وزوجته وابنيه، وبن علي (بابا) وزوجته وأسرتها، حتى تعود لجماهير الفقراء في هذه الدول الأموال التي سلبت من دولهم وحرموا منها لمصلحة قلة فاسدة تسلطت عليهم من خلال نظم ديكتاتورية متسلطة، بدلا من ان ينشأ بها مدارس ومستشفيات ومرافق تخدم الجميع.


كشف حساب حالات الإفلاس بين البنوك الأمريكية في فبراير 2011

كشفت بيانات المؤسسة الفدرالية للتأمين على الودائع إفلاس 12 بنكا في شهر فبراير، ليبلغ إجمالي البنوك الأمريكية التي أفلست منذ بداية هذا العام إلى 23 بنكا. وفيما يلي حصر بهذه البنوك والتكلفة التي سيتحملها الصندوق الفدرالي للتأمين على الودائع نتيجة إفلاس هذه البنوك.

12- بنكNorth Georgia Bank, Watkinsville في ولاية جورجيا، تكلفة الإفلاس 35.2 مليون دولارا.

13- بنك American Trust Bank, Roswell في ولاية جورجيا، تكلفة الإفلاس 71.5 مليون دولارا.

14- بنك Community First Bank – Chicago في ولاية الينوي، تكلفة الإفلاس 11.7 مليون دولارا.

15- بنك Peoples State Bank, Hamtramck في ولاية ميتشجان، تكلفة الإفلاس 87.4 مليون دولارا.

16- بنك Sunshine State Community Bank, Port Orange في ولاية فلوريدا، تكلفة الإفلاس 30.0 مليون دولارا.

17- بنك Badger State Bank, Cassville في ولاية ويسكنسن، تكلفة الإفلاس 17.5 مليون دولارا.

18- بنك Canyon National Bank, Palm Springs في ولاية كاليفورنيا، تكلفة الإفلاس 10.0 مليون دولارا.

19- بنك Habersham Bank, Clarkesville في ولاية جورجيا، تكلفة الإفلاس 90.3 مليون دولارا.

20- بنك Citizens Bank of Effingham, Springfield في ولاية جورجيا، تكلفة الإفلاس 59.4 مليون دولارا.

21- بنك Charter Oak Bank, Napa في ولاية كاليفورنيا، تكلفة الإفلاس 21.8 مليون دولارا.

22- بنك San Luis Trust Bank, FSB, San Luis Obispo في ولاية كاليفورنيا، تكلفة الإفلاس 96.1 مليون دولارا

23- بنك Valley Community Bank, St. Charles في ولاية الينوي، تكلفة الإفلاس 22.8 مليون دولارا.

لاحظ أن كافة البنوك التي افلست هذا الشهر هي من البنوك صغيرة الحجم، وأنه بهذا الشكل تبلغ إجمالي التكلفة التي سيتحملها الصندوق الفدرالي للتأمين على الودائع نتيجة إفلاس البنوك الأمريكية في شهر فبراير 553.7 مليون دولارا، وهو ما يشكل تراجعا واضحا في التكاليف التي يتحملها الصندوق نتيجة عمليات الإفلاس لهذا العدد من البنوك مقارنة بالعامين السابقين.

من ناحية أخرى فقد ارتفعت قائمة البنوك المضطربة في الولايات المتحدة حتى يوم الجمعة الماضي إلى 960 بنكا، يبلغ إجمالي أصولها 413.7 مليار دولارا. على الرغم من تزايد قائمة اعداد البنوك المضطربة في الولايات المتحدة، إلا أنني اعتقد ان اعداد البنوك المرشحة للافلاس هذا العام سوف تكون اقل من تلك التي افلست في العام الماضي.

المصدر:  http://www.fdic.gov/

المراجعة الأولى للناتج المحلي الإجمالي الأمريكي

أصدر مكتب التحليل الاقتصادي في الولايات المتحدة أمس نتائج المراجعة الأولى لتقديرات الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي في الربع الرابع من العام السابق، والتي أشارت إلى تراجع تقديرات النمو في الناتج المحلي الإجمالي من 3.2%، وهو التقدير الأولي، إلى 2.8% وفقا للمراجعة الأولى، وهو ما يعني تراجع تقديرات النمو في الناتج بحوالي 0.4%، وهي نتائج مخيبة للآمال. وقد كنت أتوقع ان تسفر المراجعة الأولى لنتائج النمو في الناتج عن تزايد معدل النمو عن تلك التي تم إعلانها في التقديرات الأولية، حيث كنت أتوقع ان تكون بيانات الإنفاق الاستهلاكي الخاص اعلي من تلك التي أعلن عنها مكتب التحليل الاقتصادي. نتائج المراجعة الأولى تستند بالطبع إلى بيانات أكثر شمولا من البيانات التي تم الاستناد إليها في التقديرات الأولية المقدمة. وفقا للمراجعة الأولى لبيانات النمو أشار مكتب التحليل الاقتصادي إلى الآتي:

1. أن الإنفاق الاستهلاكي الخاص قد تزايد بنسبة 4.1% في الربع الرابع مقارنة بنسبة 2.4% في الربع الثالث من العام الماضي. حيث تزايد الإنفاق على السلع الاستهلاكية المعمرة بنسبة 21% مقارنة بزيادة قدرها 7.6% في الربع السابق، وكذلك تزايد الإنفاق على السلع الاستهلاكية غير المعمرة بنسبة 4.8% مقارنة بنسبة 2.5% على التوالي.

2. تزايد الإنفاق الاستثماري، في غير القطاع السكني، بنسبة 5.3% في الربع الرابع، مقارنة بنسبة 10% في الربع الثالث من العام الماضي، في الوقت الذي تزايد فيه الإنفاق على الهياكل في القطاعات غير السكنية بنسبة 4.5% مقارنة بنسبة 3.5% في الربع السابق، وكذلك تزايد الإنفاق على المبرمجات بنسبة 5.5% مقارنة بزيادة بنسبة 15.4% في الربع السابق على التوالي، أما الإنفاق الاستثماري في القطاع السكني فقد تزايد بنسبة 2.8% فقط، مقارنة بنسبة 27.3%.

3. زادت الصادرات من السلع والخدمات بنسبة 9.6% مقارنة بزيادة بنسبة 6.8% في الربع الثالث، بينما انخفضت الواردات بنسبة 12.3% مقارنة بزيادة بنسبة 16.8% في الربع السابق على التوالي.

4. تراجع الإنفاق الحكومي بنسبة 0.2% في الربع الرابع، مقارنة بزيادة 8.8% في الربع الثالث.

5. ترتب على التغير في المخزون تخفيض 3.7% من معدل النمو في الربع الرابع، بعد ان أضاف 1.61% في الربع الثالث.

موعد المراجعة الثانية والنهائية لبيانات النمو في الناتج المحلي الإجمالي عن الربع الرابع سوف تكون يوم 25 مارس القادم بإذن الله تعالى.

السبت، فبراير 26، 2011

ثورة الشعب الليبي في رسوم كارتونية

هذه الرسوم الكارتونية الرائعة سجل الرسامون فيها بعض جوانب الثورة المشتعلة اليوم في ليبيا. احببت أن انقلها للقارئ الكريم.
الشكل الأول يعبر عن تخاذل العالم في الوقوف بجانب الشعب الليبي، على الأقل في المراحل الأولى من ثورته. ففي كافة الثورات التي حدثت حتى اليوم في العالم العربي، لم يشهد العالم هذا التخاذل الرسمي تجاه ما يحدث في ليبيا على الرغم من أن الرئيس الليبي كان أكثر الرؤساء العرب إجراما في الرد على الثوار ضده، هذا الرسم يوضح ما استهجنه العالم اجمع من الصمت الأمريكي حيال ما يحدث في ليبيا، حيث يشير الشكل إلى الرئيس أوباما الذي يرفض الرد على التليفون ويضع على أذنيه مخدته لكي لا يسمع رنات التليفون المستمرة حتى في الساعة الثالثة صباحا. ومكتوب على الرسم موقف الرئيس أوباما مما يحدث في ليبيا. اليوم بدأ المجتمع الدولي في التحرك بعد ان شهد جرائم الحرب التي يمارسها النظام الليبي ضد شعبه وتصميمه على القضاء على كل من يثور ضده رافعا عقوبة الإعدام في وجه الجميع.


الشكل الثاني رسمه عبقري، حيث يوضح العقيد القذافي جالسا وقد وضع على رأسه قنبلة مربوطة بفتيل إشعال، ويشير الشكل إلى ان فتيل الإشعال يخرج دخانا باسم تونس ومصر، في إشارة إلى ان ثورة الشعبين التونسي والمصري هما اللتان ستقضيان على النظام الليبي. المصريين العائدين من ليبيا تحدثوا عن سوء المعاملة الذي تعرضوا له على يد شرطة القذافي والذين نعتوهم بأقزع الأوصاف متهمين إياهم بأنهم السبب فيما يحدث في ليبيا اليوم. ترى متى ينضم اسم ليبيا إلى كل من تونس ومصر لتشكل فتيل الاشتعال للقنبلة التي ستوضع على الرئيس القادم في العالم العربي، وترى من هو الرئيس القادم الذي ستوضع القنبلة فوق رأسه.


الشكل الثالث يعبر عن مستوى الغباء الذي يتمتع به العقيد، حيث يوضح القذافي يقف محاطا بالجماهير الثائرة عليه وهي ترفع لافتات تنادي بسقوط القذافي، وبعبارات مثل الثورة والحرية لليبيا، وبالموت للطاغية، والقذافي ينادي توقفوا لقد أحطت بكم جميعا، دون ان يدري ان الثوار هم الذين يحيطون به ليلقون به خارج كرسي الحكم بإذن الله تعالى.

الشكل الرابع يذكر العالم بأن هذا المجرم هو الذي اسقط طائرة مدنية فوق منطقة لوكيربي، حيث يوضح الكارتون صورة للطائرة التي أسقطت فوق منطقة لوكيربي بواسطة القذافي، وفي الشكل يخرج صوتا من الداخل ينادي "العقيد القذافي، لقد حجزنا لك مقعدا خاصة في الطائرة".


وأخيرا فإن هذا الرسم الكارتوني الرائع يعبر عن مدى أنانية القذافي وإصراره على البقاء في مركزه بأي ثمن. الرسم يحمل أكثر من معني، فهو يوضح انهار الدماء التي تنزف من الشعب الليبي من أشخاص على هيئة رموز للشعب الليبي وللديمقراطية وللحرية، لتتجمع هذه الدماء لترسم صورة القذافي، في إشارة إلى ان القذافي مصمم على البقاء حتى ولو حول ليبيا إلى نهر للدماء، كما انه أيضا يحمل معنى ان النظام الليبي نظام دموي وأنه مستعد للتضحية بكل شيء وأي شيء لكي يستمر في كرسي الرئاسة متناسيا أن الرئاسة هي عقد اجتماعي بين الشعب والحاكم، وأن الحاكم يحكم أساسا برضاء الشعب به وعنه، فإذا لم يرض الشعب الحاكم قائدا فقد هذا الحاكم شرعيته.


إخوانكم في ليبيا يتعرضون لبطش نظام لا يرع فيهم إلا ولا ذمة، ادعوا لإخوانكم في ليبيا ان يخلصهم الله سبحانه وتعالى من هذا الطاغية، حتى تنتهي فترة معاناتهم تحت هذا النظام الخبيث.

المصدر: http://townhall.com/cartoons


تأمين عودة المصريين العاملين في ليبيا

تابعت باهتمام شديد جهود المجلس الأعلى للقوات المسلحة لتأمين عودة المصريين العاملين في ليبيا إلى مصر، مستخدما في ذلك كافة الوسائل الدبلوماسية للتأكد من توفير التسهيلات اللوجستية اللازمة لتأمين وصول المصريين إلى أماكن تجمع يمكن نقلهم منها من هناك بسهولة مرة أخرى إلى بلدهم مصر.

حاليا تقوم القوات المسلحة بتأمين جسر بري من بني غازي إلى السلوم. مشهد رائع لم أتعود أن أشهده من قبل في ميناء السلوم على الحدود بين مصر وليبيا، حيث تقوم القوات المسلحة بتأمين الباصات المهيأة لنقل كافة العائدين انطلاقا من السلوم مجانا إلى كافة مناطق الجمهورية، وتأمين المستشفيات الميدانية في المكان لاستقبال الحالات التي قد تحتاج إلى المساعدة.

بالاتفاق مع السلطات التونسية قام المجلس الأعلى للقوات المسلحة بالتنسيق مع القوات التونسية لتأمين وصول المصريين إلى مركز تجمع المصريين في معبر رأس جدير على الحدود التونسية.

كما تم تأمين جسر جوي إلى طرابلس مجانا بـ 11 طائرة، يتم رفعها حاليا إلى 20 طائرة، على الرغم من البلطجة التي يمارسها رموز النظام في ليبيا، وكذلك جسر جوي من مطار القاهرة إلى مطار جربا في تونس. كذلك تم الاتفاق على تأمين وصول المصريين إلى الحدود الليبية مع الشقيقة الجزائر، التي حرص النظام السابق على ان يسمم علاقتنا بإخواننا فيها، من اجل لعبة كرة القدم، حيث حرص أبناء الطاغية على استغلال ما حدث للتقرب بصورة اكبر للشعب المصري حتى ولو كان ذلك على حساب زرع الفتنة بيننا وبين أشقاءنا في الجزائر وتلك قصة أخرى قد أتناولها لاحقا.

في البحر تم تحويل مسار 5 عبارات بحرية من البحر الأحمر إلى البحر المتوسط في طريقها إلى تونس لنقل المواطنين المصريين ويتم تأمين عدد إضافي من السفن البحرية لضمان نقل من يرغب في العودة إلى مصر في الوقت المناسب. لأول مرة في تاريخ مصر الحديث يبدي النظام الحاكم هذا الاهتمام بالمصريين في الخارج، ويعمل على تأمين عودتهم إلى ارض الوطن سالمين من خلال التعاون بين كافة الأجهزة الحكومية.

هذا الجهد الرائع يعكس عمق الشعور الوطني والمسئولية لدى المجلس. تحية من أعماق القلب إلى المجلس الأعلى للقوات المسلحة والى الوقفة الرائعة للفريق محمد طنطاوي والذين يبدون هذا الاهتمام غير المسبوق بالمصريين العاملين في الخارج، بعد ان تعود المصريين من النظام السابق إهمالهم تماما.

أسر كارثية 3

يبدو أن قائمة مقالاتي التي تحمل هذا العنوان سوف تطول، رغم محاولاتي تجنب أن ينحرف اهتمامي عن مجالي الرئيس؛ الاقتصاد، إلا أنه يبدو من الصعب جدا ان يحصر الفرد اهتمامه بتخصصه الرئيس في ظل الأحداث السريعة التي تطرأ بصورة شبه يومية على الساحة العربية مما يجعل السياسة تطغي على كتابات الجميع.

تناولت في الحلقة الأولى من هذه السلسلة أسرة "سونغ" في كوريا الشمالية، وفي الحلقة الثانية أسرة الرئيس المخلوع "مبارك" في مصر. أسرة اليوم هي أسرة العقيد "معمر القذافي"، رب هذه الأسرة شخصية معقدة للغاية يصعب على أعتي علماء النفس ان يصفوا لنا كم التناقضات التي تعيش في داخله، ولذلك اتسمت فترة حكمه لليبيا بالتقلبات الشديدة، حيث خاضت ليبيا العديد من المعارك مع دول كثيرة في العالم منها الولايات المتحدة، في مسعى حثيث لأن يجد القذافي لليبيا موطئ قدم على الساحة الدولية، على الرغم من أنه كان من الممكن أن تكون كذلك ولكن ليس بتلك السياسات التي اتبعها العقيد.

ولد "الأخ العقيد" كما "يدعي أنه يحب أن ينادى" في يوم أسود من أيام يونيو 1942، في إحدى قرى سرت تسمى قرية جهنم، في اسرة متواضعة، حيث كانت أسرته تعمل في الزراعة، والتحق بالكلية العسكرية ليتخرج برتبة ملازم ثم أوفد إلى بريطانيا حيث تخرج في الأكاديمية الملكية العسكرية. في أول سبتمبر 1969، قام ألقذافي بقيادة انقلاب عسكري ضد ملك ليبيا السابق وأزاحه عن العرش، وهو ما لاقى ترحيبا كبيرا في الشارع العربي في ذلك الوقت، ولكن الشارع العربي لم يكن قد تعرف بعد على الصورة الحقيقية للرجل، وطالما تحدث ألقذافي مفتخرا بأن الرئيس عبد الناصر قال له "إنه يرى فيه شبابه".

منذ مجيء العقيد القذافي إلى الحكم لم يسلم أي من جيرانه من بأسه، بل ولم تسلم القوى الدولية من تبعات طموحاته، وإن كان دفع ثمن الأخير غاليا بعد ذلك، فقد حاول زعزعة نظام الحكم في مصر وتونس والسودان وتشاد والمغرب، كما حاول اغتيال العشرات من الشخصيات السياسية والصحافيين، ولكنه في كل مرة كان يعود ليعلن عن أسفه، الأمر الذي جعل نظام ألقذافي أكثر النظم السياسية في العالم إثارة للجدل، وعبر تاريخه الطويل كان ديدنه في كل ما يقوم به من تصرفات هو "خالف تعرف".

لإثبات انه مختلف، لم يرض الرجل بأن تسمى بلده بما عرفت به تاريخيا، فكيف تحمل ليبيا هذا الاسم البسيط المكون من خمس أحرف فقط؟ وهو الذي صنع ثورة التي لم ير العالم مثلها، ولا حتى الثورة الفرنسية، ولذلك لم يرض الرجل بأقل من أن يطلق على دولته تسمية "الجماهيرية العربية الليبية الديمقراطية العظمى" وهو أطول اسم رسمي لدولة في العالم، كما أنها الدولة الثانية التي تحمل رسميا اسم "العظمى" في العصر الحديث بعد "بريطانيا العظمى". أن تحمل بريطانيا هذه التسمية في مرحلة تاريخية معينة، كان له ما يبرره، حيث كانت الإمبراطورية التي لا تغرب عنها الشمس في ذلك الوقت، غير أنها لم تعد تحمل الآن هذا الاسم بعد أن توقفت الشمس عن السطوع على هذه الدولة، ولكن دولة الفاتح القائد الفذ ليست أقل من بريطانيا العظمى ومن ثم لا بد وأن تحمل هذه الصفة، ولا أدري لماذا؟، هذا طبعا لا ينفي أن لنا في ليبيا إخوان لا يمكن أن نصفهم بأقل من عبارة عظماء، منهم المجاهد الكبير عمر المختار وأعوانه وهؤلاء الثوار الذين يقفون في وجهه اليوم، ولكن بالتأكيد ليس منهم رب أسرة اليوم.

أنفق القذافي من أموال الشعب الليبي الكثير لكي يحصل رسميا في عام 2008، على لقب "ملك ملوك إفريقيا"، باعتراف أكثر من 200 ملك إفريقي وقائد في هذه القارة، بعد أن فتح خزائنه بلا حدود لكي يحصل على هذا اللقب، ومن المؤكد انه كان مستعدا لكي ينفق آخر دولار من ثروات الشعب الليبي لكي يحصل على لقب "ملك ملوك العالم".

اعتاد القذافي أن يخاطب الشعب الليبي على أنه هو الذي صنع ليبيا، وقاد أعظم ثورات التاريخ، وصد عن ليبيا أعظم المؤامرات في التاريخ، ومنها هجوم السادات عليه في 1977، بعد أن حاول القذافي التحرش بالقوات المسلحة المصرية عبر الحدود مع ليبيا، وقد كان من الممكن للسادات في هذا الوقت تطويق ليبيا في عدة أيام، لولا أن الظروف الدولية لم تكن تسمح له بذلك، كما أنه هو الذي صد الهجوم الجوي الأمريكي ضد ليبيا، مع أن الأخ العقيد نجا من القصف لأنه كان يعيش مع الجرذان تحت الأرض في ذلك الوقت، إلا أنه للأسف خرج على شعبه ليوهمه بأنه هو بطل الصمود، وأنه هو الذي بنى ليبيا، كأنه بناها من الثروات الهائلة التي تركها له أبوه قبل أن يموت، وليس من أموال الشعب الليبي الذي يقيم على أرض توجد بها بحيرات نفطية من أجود أنواع النفط الخام في العالم. عبارة واحدة أعتقد أن القذافي لم يقلها بعد لشعبه المسكين وهي "أنا ربكم الأعلى".

مثل كل الأسر الكارثية في العالم لم تنس الأسرة أن تؤمن نفسها ماليا بثروات تكفي الأسرة لعشرات الأجيال القادمة في المستقبل، من المصادر الحرام للأسف الشديد. تقديرات ثروة الأسرة متعددة ومتناقضة، فالبعض يرى أن ثروة أسرة القذافي ربما تبلغ 60 مليار يورو ( http://bit.ly/dJoxCV )، بينما تشير التقارير الأمريكية بأنه ثروته ربما تصل إلى 130 مليار دولارا، ( http://www.alarabiya.net/articles/2011/02/24/139061.html )، انظر أيضا هذا التقرير المصور (http://www.youtube.com/watch?v=8HUFPEs-Z3w)، وبغض النظر عن مدى دقة هذه التقديرات من عدمه، فإن هناك تقارير مؤكدة عن وجود استثمارات ضخمة للأسرة في مجالات متعددة منها العقارات والاتصالات وقطاع المال والصناعة في أنحاء متعددة من العالم.

لم تنج أسرة العقيد من التسريبات التي نشرها موقع ويكيليكس، حيث وصف القذافي بأنه رجل زئبقي وغريب الأطوار، وبأنه يعتبر نفسه فيلسوفا، وبأنه قادر على تقديم الحلول الناجعة لهذا العالم، ومنها مقترحه العبقري بإنشاء دولة "اسراطين" لحل مشكلة الشرق الأوسط، والذي نسف به تاريخه الذي ادعى فيه أنه كان يكافح فيه الصهيونية والامبريالية العالمية. كما كشفت الوثائق عن أن أبناء القذافي والمقربين منه يحصلون على تدفقات دخليه من شركة النفط الوطنية ومن فروع الشركات النفطية في ليبيا. كذلك كشفت الوثائق على أن الصعود الصاروخي لسيف الإسلام أحدث شرخا في الأسرة وجلب حقد الأخوة الآخرين عليه.

فقد أشارت وثائق ويكيليكس أن ابن القذافي "معتصم" الذي يشغل وظيفة المستشار الأمني لوالده، طلب 1.2 مليار دولارا من مدير الشركة الليبية الوطنية للنفط وذلك لإنشاء ميليشيا خاصة به، حتى يتساوى مع آخيه خميس، الذي يقود هو الآخر ميليشيا لحماية النظام، كذلك أشارت الوثائق إلى أن معتصم أقام حفلات صاخبة في جزر الكاريبي حيث قام عدة مغنيين عالميين مثل Usher و Beyonce و Mariah Care بالغناء في تلك الحفلات، وقد أشارت الوثائق إلى أن "ماريا كاري" قد حصلت من معتصم على مليون دولار في مقابل 4 أغان فقط (ربع مليون دولارا للأغنية الواحدة)، من المؤكد ان من يتصرف على هذا النحو يرتكز على ثروة طائلة.

كذلك ألقى البوليس السويسري القبض على "حنبعل" ابن القذافي بتهمة ضرب خادماته، وكذلك في أحد فنادق لندن بتهمة ضرب صديقته (والتي أصبحت زوجته الآن). أما الساعدي فقد ألقي القبض عليه عدة مرات في أوروبا، بصفة خاصة ايطاليا بتهم تعاطي المخدرات والسكر الشديد وإقامة الحفلات الصاخبة، ربما يكون الساعدي هو من يقصد معمر القذافي في حديثه عن الشعب الليبي بأنه يتعاطى حبوب الهلوسة وبأنه سكران. الساعدي لاعب كرة سابق، حيث لعب في فريق Perugia في ايطاليا، وهو يملك واحدا من أكبر نوادي الكرة في ليبيا وكذلك شركة الإنتاج الأفلام السينمائية.

يقال أن أفضل أبناء القذافي سلوكا هو ابنه الثاني سيف الإسلام، والذي أطلق عليه لاحقا صفة "أمل ليبيا" وأيضا "سيف الأحلام"، حيث كان يعد لكي يحكم ليبيا، وقد كان الكثير من الليبيين ينظرون إلى سيف الإسلام على أنه وريث عرش القذافي. غير أن وثائق الويكليكس قد أشارت أيضا إلى أن الرجل لا يبدو أنه ملتزم كما يوصف، فهو مستمر في إقامة حفلاته، وفي صحبة النساء.

وأخيرا تشير الوثائق إلى أن عائشة القذافي تهتم بقطاع الطاقة والبناء، بينما يهتم محمد، الابن الأكبر، بقطاع الاتصالات وخدمات الانترنت. من ناحية أخرى أشارت أيضا الفاينانشيال تايمز أن اهتمامات أسرة القذافي في مجال الأعمال تشمل قطاعات النفط والغاز، والاتصالات والبنى التحتية، والفنادق ووسائل الإعلام والسلع الاستهلاكية.

طرأت على بال القذافي في وقت من الأوقات فكرة ان يمتلك أسلحة الدمار الشامل، وبدأ بالفعل برنامجا للتسلح النووي، غير أنه في عام 2003، وبعد سقوط نظام صدام حسين، رأى القذافي بأم عينه ما جرى لصدام حسين تحت دعوى أنه يملك أسلحة دمار شامل. في هذه اللحظة الزمنية بالذات ظهرت شجاعة القذافي الحقيقية التي طالما ادعاها، فأعلن عن تخليه عن برنامجه النووي، ووافق على دفع تعويضات أسطورية لضحايا الطائرة التي سقطت على منطقة الليكربي التي اتهم من قبل بإسقاطها، وأعلن عن استعداده للتعاون مع الغرب بالكامل فيما يطلب منه من مهام، وهدأت ثورة القائد الفاتح وتحول إلى "عميل أليف" تثني عليه الحكومات التي طالما وصفها بالامبريالية العالمية، وبأنه أصبح حليفا مهما في الحرب على الإرهاب، وفي عام 2008 قامت كونداليسا رايس وزيرة الخارجية الأمريكية بزيارة ليبيا لأول مرة منذ 1953، بعدها خرج الزعيم بفكرته العبقرية عن حل النزاع العربي الإسرائيلي من خلال إنشاء "اسراطين".

هذا الشهر بدأ العد التنازلي لعهد "القذافي"، حيث هب الشعب الليبي ليقول للقذافي لقد اكتفينا من مغامراتك، وآن لك ان ترحل مثل غيرك إلى مزبلة التاريخ. كغيره من الديكتاتوريين كان القذافي يخاطب العالم مركزا على أن البديل له سوف يكون المتطرفين الاسلاميين، وأن سقوطه سوف يعني تحول ليبيا إلى امارات اسلامية، وأن ما يحدث في ليبيا هو من تخطيط أسامة بن لادن، الذي يوزع حبوب الهلوسة على الثائرين من الشعب الليبي السكارى ... إلى آخر هذه العبارات التي تعكس احتقارا شديدا للشعب الليبي البطل. ولأن الرجل ما زال يعيش في أوهامه، وبأنه يرى نفسه زعيما متفردا، ولا يمكن ان يسقط مثلما سقط بن علي ومبارك من قبل، فإنه يعلن دائما ويكرر أنه سيقاتل حتى آخر قطرة دم، كما يحاول إثارة النعرات القبلية، ويعلن عن استعداده لتسليح القبائل لكي تكافح جرذان الثوار، رغبة منه في مقاومة الثوار بواسطة عناصر من الشعب الليبي، بعد أن أدرك ان خطته باستئجار مرتزقة من الخارج، ربما ينظر إليها على أنها عمل من أعمال الحرب وقد تجر القذافي للمحاكمة أمام محكمة العدل الدولية.

ليس لدي شك في أن العد التنازلي لنهاية القذافي قد بدأ بالفعل، وأن الأمر هو مجرد مسألة وقت قبل أن تشهد أعيننا "إن أحيانا الله"، نهاية هذا الطاغية. إنها مجرد لحظات زمنية قبل أن نرى القذافي وثورته وأسرته في مزبلة التاريخ.

 

الجمعة، فبراير 25، 2011

أخطر التحديات الاقتصادية لمصر الثورة

نشر في صحيفة الاقتصادية السعودية بتاريخ الجمعة 25/2/2011.
توقفت صيحات ملايين المتظاهرين في ميدان التحرير وفي كافة أنحاء مصر عن المطالبة برحيل الرئيس، بعد أن رحل بالفعل هذا الأخير مرغما أمام إصرار الملايين الذين دكت صيحاتهم الهادرة عرشه الذي كان يبنيه لابنه من بعده، غير أن مشكلات مصر الحقيقية لم تنته بخلع رئيسها، وإنما بدأت بالفعل أخطر التحديات الحقيقية التي ستواجه مصر الثورة، ألا وهي المشكلات المرتبطة بالاستقرار الاقتصادي. مخطئ من يظن أن الأوضاع الاقتصادية سوف تتحسن في المستقبل القريب في مصر، بالعكس، مصر ينتظرها فترة زمنية عصيبة، حتى تستطيع ان ترفع من قدرة اقتصادها على النمو، وتعيد توجيه مواردها بصورة صحيحة لرفع قدرة الاقتصاد على التكيف مع تحديات فترة ما بعد الثورة.

لقد أوضحت فترة الثورة مدى هشاشة الأساس الذي يقوم عليه الاقتصاد المصري، ولسوء الحظ، كانت التقارير التي أصدرت عن النمو الاقتصادي في مصر، سواء المحلية أو الدولية، جميعها مضللة، حيث كانت تركز على الإشادة بمعدلات النمو من الناحية المطلقة، دون أن تتطرق إلى أمرين في غاية الأهمية؛ الأول هو مصادر هذا النمو، والتي كانت للأسف الشديد مصادر نمو هامشية أو ريعية، في الوقت الذي كانت تتراجع فيه القاعدة الإنتاجية، سواء الصناعية أو الزراعية للاقتصاد المصري على نحو واضح، الأمر الذي انعكس في العجز الهائل في الميزان التجاري المصري، والأمر الثاني وهو توزيع هذا النمو، أو بالأحرى من استفاد من هذا النمو؟، وقد اعترف مؤخرا مدير صندوق النقد الدولي السيد "شتراوس كان" بأن تقارير الصندوق عن النمو الاقتصادي في مصر لم تكن دقيقة، لأنها ركزت على معدلات النمو من الناحية المطلقة، دون أن تأخذ في الاعتبار معايير التوزيع أو اعتبارات العدالة الناجمة عن هذا النمو.

مشكلة صانع السياسة الاقتصادية في مصر خلال الفترة الماضية أنه اهتم بأنشطة ريعية وطفيلية، وأهمل القاعدة الإنتاجية الحقيقية للاقتصاد المصري، بحيث أصبحت مصر تفتقد حاليا إلى قاعدة صناعية قوية ومتسعة على النحو المناسب، فقد وجه النظام جل اهتمامه إلى القطاعات الخدمية، بصفة خاصة القطاع السياحي، فتم الاهتمام بالشواطئ والمنتجعات في الوقت الذي تستورد فيه مصر جانبا كبيرا من السلع الاستهلاكية والآلات والمعدات والغذاء. في هذا المقال أحاول أن استعرض أهم التحديات التي ستواجه مصر في المديين القصير والمتوسط بعد أن تنتهي الفترة الانتقالية الحالية، ويتم إرساء دعائم مجتمع ديمقراطي يقوم على الحريات المدنية ويحترم حرية الإنسان وكرامته.

في رأيي أن أول وأهم التحديات التي ستواجه مصر هي الضغوط التضخمية المتوقع ان تتعمق بصورة كبيرة في المرحلة القادمة، ولسوء الحظ فإن محاربة التضخم في هذا التوقيت بالذات سوف تكون مهمة في غاية الصعوبة، وذلك نظرا للمناخ الدولي غير الموائم حاليا، حيث ترتفع أسعار الغذاء بصورة مثيرة للقلق، وكدولة تعتمد بصورة واضحة على استيراد الغذاء من الخارج، تحتاج مصر إلى أن تحاول أن تنتج غذاءها بنفسها، وهي مهمة سوف تتطلب تعديلا جوهريا في الإستراتيجية الزراعية التي تطبقها مصر حاليا، والتي لا يعد التوسع في إنتاج الغذاء ضمن أولوياتها الملحة للأسف الشديد.

من ناحية أخرى، ربما يكون من المهم بالنسبة للحكومات القادمة أن تركز على محاربة الضغوط التضخمية، بدلا من الاهتمام برفع مستويات الدخول، حتى يمكن أن ترفع من القوة الشرائية للمواطن، بصفة خاصة ذوي الدخول المحدودة والثابتة، وهم أكثر الفئات عرضة للتأثيرات السلبية التضخم. المعضلة الأساسية هي أن الكثير من الثوار والذين توقفوا عن العمل مطالبين بالمزيد من الأجور لا يفهمون قواعد اللعبة في الاقتصاد، بصفة خاصة الشروط اللازمة لحدوث زيادات حقيقية في مستويات دخولهم. إن أي زيادة في الأجور بمقدار جنيه لا بد وان يصاحبها زيادة صافية في الإنتاجية تساوي جنيها على الأقل، وبمعنى آخر، فإن الزيادات الحقيقية في أجور العمال هم الذين سيقومون بإنتاجها، وليس الحكومة، ذلك أن الزيادات التي تأتي عن طريق الحكومة، هي في غالب الأمر ما تكون من خلال المزيد من العجز المالي في الميزانية، وبالتالي تنعكس في زيادة مستويات الدين العام، أو من خلال المزيد من طباعة النقود، ومثل هذه الزيادات لها نتيجة واحدة لا بد وأن يعلمها هؤلاء الذي يتظاهرون مطالبين بالزيادة في أجورهم، وهي التضخم. قليل هم العمال الذين يدركون أن الزيادات التي حصلوا عليها الماضي كانت بالفعل تضرهم ولا تفيدهم، وأنه ربما كان من الأفضل للعمال أن يستمروا بأجورهم القديمة دون ان يحصلوا على زيادات اسمية في تلك الرواتب لتتآكل بعد ذلك بفعل التضخم.

ليس لدي خلاف بأن محاربة الفقر سوف تكون معركة مصر الكبرى في المستقبل، فمما لا شك فيه أن مجتمع يعيش فيه أكثر من 40% من السكان بدولارين في اليوم هو مجتمع يواجه أزمة حقيقية، كيف ستتمكن مصر من رفع مستويات دخول كل هؤلاء؟ ومع ذلك فإن مصر اليوم في أمس الحاجة إلى مقاومة المطالب الشعبية برفع مستويات الدخول في الوقت الحالي، والى بث روح الوطنية والمسئولية لدى العمال، وغرس قيم زيادة الإنتاج وتحسينه، وخلق روح الإبداع والابتكار بين العمال، ورفع درجة وعيهم بان الزيادة في أجورهم لكي لا تضر بمستويات معيشتهم لا بد وان ينتجوها بأنفسهم، لا ان تمنحهم الدولة إياها من مصادر غير حقيقية، أو بالأحرى مصادر تضخمية ترتد عليهم بصورة سلبية بعد ذلك.

ثاني أخطر التحديات التي ستواجه مصر في المستقبل هي ارتفاع معدلات البطالة، حيث أن استقرار مصر الاقتصادي سوف يتطلب ضرورة خلق عدد كاف من الوظائف المنتجة للملايين من العاطلين عن العمل حاليا وللداخلين الجدد إلى سوق العمل. عدد كبير من الداخلين الجدد لسوق العمل من كافة المصادر يقضون حاليا فترات طويلة في حالة بطالة بحثا عن العمل الذي لا يجدونه في كثير من الأحيان، وأمام هذه الضغوط يضطر الكثير من الشباب إما إلى الهجرة إلى الخارج أو قبول وظائف لا تتماشى مع مؤهلاتهم ومهاراتهم، وهو ما يمثل هدرا للموارد التي أنفقت على تأهيلهم.

المشكلة التي يواجهها صانع السياسة في مصر هي أن نسبة صغار السن تعد مرتفعة للغاية، وعاما بعد آخر ترتفع أعداد الداخلين الجدد إلى سوق العمل، وكل عملية خلق لوظيفة إضافية تقتضي ضرورة القيام بإنفاق استثماري يعتمد على ما يطلق عليه في الاقتصاد بالمعامل الحدي لرأس المال/العمل، أي مستوى الإنفاق الرأسمالي اللازم لخلق وظيفة إضافية. وأخذا في الاعتبار المستويات الحالية للبطالة فإن التعامل مع مشكلة البطالة في المستقبل سوف يتطلب ضرورة القيام باستثمارات ضخمة تتجاوز إمكانيات الاقتصاد المصري حاليا.

من ناحية أخرى فإن معالجة مشكلة البطالة سوف تقتضى من مصر ضرورة تبني استراتيجيات نمو وتصنيع مختلفة، وتعتمد أساسا على وفرة عنصر العمل، حتى تتمكن من التعامل مع الأعداد الكبيرة الداخلة لسوق العمل، ولتستفيد من الميزة النسبية التي يتيحها هذا الوضع حاليا في الاقتصاد المصري والمتمثل في الرخص الكبير لتكلفة عنصر العمل. مصر إذن تحتاج إلى تبني استراتيجيات صناعية تحاكي تلك التي تبنتها الصين، لكي تواجه الضغوط التي يعاني منها سوق العمل، والتي تلعب فيها تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر دورا حيويا، ولتحقيق ذلك تحتاج مصر إلى تقديم مجموعة مكثفة من الحوافز أمام الاستثمار الأجنبي، ولكن في المجالات الإنتاجية، التي توسع القاعدة الصناعية للاقتصاد المصري، استنادا إلى مواردها المحلية وطاقتها البشرية الكبيرة، وفي ذات الوقت مقاومة الأنشطة الطفيلية التي تدر الأموال الطائلة على من يقومون بها دون ان تضيف نموا حقيقا في البلد، بصفة خاصة أنشطة المضاربات على الأراضي والعقارات والأسهم.

التحدي الثالث الذي يواجه مصر هو كيفية التعامل مع القيود المالية التي تواجهها، بصفة خاصة عجز ميزانيتها العامة، والذي يصل في بعض الأحيان إلى نسبة 9% من الناتج المحلي الإجمالي، وهي نسبة مرتفعة جدا، وتعني أن النمو الحالي في الدين العام لن يكون مستداما في مصر. هذا العجز للأسف الشديد مرشح للارتفاع بصورة واضحة في فترة ما بعد الثورة، وذلك قبل أن تعمل مصر على رفع إيراداتها العامة وترشيد نفقاتها بهدف السيطرة على ميزانيتها العامة، فعلى الرغم من هيكل الضرائب المكثف جدا الذي تتبناه مصر حاليا، إلا ان الإيرادات الضريبة تعتبر منخفضة للغاية، ولا تتجاوز نسبة الـ 15% من الناتج المحلي الإجمالي، وهي بهذا الشكل تقل عن المستويات المحققة في معظم دول العالم المتقدم منها والنامي، الأمر الذي يعكس حقيقة ان الضرائب المفروضة لا تحصل، وأن هناك تهربا ضريبيا يمارس على نطاق واسع في الدولة من قبل الممولين وبمساعدة الجهاز الحكومي الذي يفرض ويحصل الضريبة، وأن الجهاز الضريبي لا يتسم بالكفاءة والفعالية المناسبة.

مصر أيضا في حاجة إلى تعديل هيكلها الضريبي ليكون أكثر عدالة من جانب، ويعمل على تشجيع الاستثمار في المجالات المنتجة من جانب آخر، وفي جميع الأحوال يجب أين يتم فرض ضرائب مرتفعة على المعاملات في الأنشطة التي تتسم بالمضاربة، حتى تحصل الدولة على حقها في النمو الذي يحدث في القيمة الرأسمالية للأصول التي تولد دخولا طفيلية، بدلا من أن تذهب بالكامل إلى المضاربين بغض النظر عن جنسيتهم.

مصر في حاجة أيضا إلى رفع درجة سيولتها الدولية اليوم أكثر من أي وقت مضى، وهذا يقتضي ضرورة سعي السلطات لدى الجهات المقرضة من اجل إعفاء مصر من جانب من ديونها القائمة، أو على الأقل تأجيل عمليات السداد، أو إعادة هيكلة هذه الديون على أساس شروط أفضل، خصوصا وأن هناك شكوك حول الأسباب التي دعت مصر إلى اقتراض هذه الأموال، والأوجه التي تم توجيه هذه الأموال إليها، فقد تم ذلك كله من خلال واحد من افسد نظم الحكم في العالم. كما أن عملية رفع مستويات السيولة الدولية حاليا من خلال الاقتراض سوف تكون أمرا مكلفا للغاية، وذلك نظرا لارتفاع الهامش الذي يطلبه المستثمرون لإقراض الدولة في مثل هذه الظروف، خصوصا وأن احتياجات مصر للاقتراض سوف تكون مرتفعة.

التحدي الرابع الذي يواجه مصر هو كيف تكسب معركة محاربة الفساد المستشري بصورة عميقة في كافة أرجاء الجهاز الإداري للدولة، وهذا لن يتم قبل تعديل التشريعات القانونية الخاصة بأنشطة الفساد والضرب بيد من حديد على أيدي الفاسدين، وتكوين أجهزة مستقلة وفعالة للتعامل مع الفساد، وقوة خاصة بمكافحة الفساد. كذلك فإن جميع ملفات الفساد لا بد وأن تفتح، وأن يتم التعامل معها بصرامة، وبغض النظر عن شخصية من يشتبه في قيامه بممارسة الفساد، على سبيل المثال ملف أراضي الصحراء لا بد وأن يفتح وأن تتأكد الدولة من أن الأراضي المخصصة وجهت إلى الأغراض التي تم تخصيصها نحوها في الأساس، وأن تتوقف الدولة عن بيع الأراضي المخصصة، بحيث يتم تخصص الأراضي للاستثمار مع استمرار ملكية الدولة لها، وأن تفرق الدولة بين الجادين الذين يزرعون تلك الأراضي بالفعل، وبين غيرهم الذين يضاربون على رمال الصحراء لكي يحققوا المليارات من جراء ذلك.

مصر في حاجة أيضا إلى تشجيع الصناديق العربية للاستثمار في مصر الجديدة، مصر الشفافة، مصر الخالية من الفساد، مصر الأمن والأمان. لقد أسهم فساد الحكومات السابقة، في تسميم مناخ الاستثمار في مصر وجعله للأسف مناخا غير صالح للاستثمار المنتج طويل الأجل، فاتجهت الاستثمارات الأجنبية إلى مجالات غير منتجة أو تتسم بالمضاربة أكثر منها في مجالات الإنتاج الحقيقي، مثل الاستثمار في الأراضي والعقارات وبناء المدن السكنية والمجمعات التجارية.. الخ. مثل هذه المجالات للاستثمار لم تساعد مصر على التعامل مع مشكلة البطالة على النحو المناسب. إستراتيجية مصر الاستثمارية الجديدة يجب ان تبتعد عن، أو لا تشجع مثل، هذه الأنشطة الاستثمارية ذات العائد التنموي المحدود. مصر في حاجة إلى بناء جدار الثقة مع المستثمرين في القطاعات الحقيقية من الاقتصاد سواء المستثمرين المحليين أو الأجانب، حتى توفر الحوافز أمام هؤلاء للاستثمار الجاد في المجالات المنتجة على المدى الطويل، وليس المجالات العقيمة الغير منتجة.

ليس لدي شك في أن ذلك لن يتم إلا في ظل حكومات مدنية منتخبة بصورة ديمقراطية تتمتع بأقصى درجات الشفافية والنزاهة. منذ عدة سنوات زارنا في كلية العلوم الإدارية وزير التعاون الاقتصادي الكوري الأسبق، وقد ألقى محاضرة عن تجربة كوريا الجنوبية في النمو، وبعد انتهاء المحاضرة سألت الوزير قائلا، لقد بدأنا في مصر التنمية معكم، وكنا نتميز عنكم بالكثير من المزايا في حجم الموارد ومستويات الدخل والثروة التي كانت تفوق ما هو متاح لديكم عشرات المرات، والآن انظر إلى الفجوة بيننا وبينكم، فأجاب الرجل، "إن أهم ما نملكه في كوريا الجنوبية ان لدينا سياسيين نظيفين بشكل عام"، أي أن النزاهة وعدم الفساد هو الذي صنع من كوريا الجنوبية هذا العملاق الاقتصادي، والتي أصبحت تتمتع بمستويات دخول ضمن الأعلى في العالم، مع أنها في عام 1959، لم يكن يتجاوز متوسط نصيب الفرد من الناتج فيها عن 79 دولارا سنويا.

التحدي الخامس هو أن مصر لكي ترتفع بمستويات إنتاجها وتنافسيتها تحتاج أيضا أن تستثمر في بنيتها التحتية ذات المستوى الضعيف جدا حاليا، وهي مهمة سوف تتطلب ميزانيات ضخمة لا تستطيع مصر الوفاء بها في الوقت الحالي، وسيظل ضعف البنية التحتية في الاقتصاد المصري أهم القيود على تقدمه ونموه ورفع مستويات تنافسيته. فقطاعات مثل الصحة والتعليم والطرق والمواصلات والمطارات والموانئ والكهرباء ... الخ، في حاجة إلى تحسين ضخم لرفع كفاءتها المتدنية للغاية حاليا. للأسف الشديد لن تستطيع مصر ان تقيم تلك البنى التحتية بمفردها، وسوف تحتاج مصر إلي مساعدات كبيرة لكي تتمكن من ذلك، وفي هذا الخصوص فإن المعونة الأمريكية لمصر ينبغي ان تتوقف على ان تكون مشروطة بالمساعدات العسكرية، وإنما ينبغي ان تأخذ شكل مساعدات اقتصادية خالصة لرفع قدرة الاقتصاد المصري على التكيف خلال الفترة الحرجة القادمة.

مصر ليست في حاجة إلى المساعدات التي تهدف إلى ضمان هدف واحد هو تفوق الجيش الإسرائيلي على الجيش المصري في نوعية العتاد، مصر ليست في حاجة إلى تدفقات من الأسلحة المتخلفة تكنولوجيا، التي تأخذ صفة المساعدات لكي تخزن في مخازن الجيش المصري، ليس هذا هو توقيت هذه المساعدات، المساعدات الحقيقية التي يجب ان تتدفق إلى مصر، هي المساعدات التي تضمن مساعدة الاقتصاد المصري على الخروج من المأزق الحالي. مصر في حاجة ماسة اليوم أكثر من أي وقت مضى لتدفق معونات اقتصادية رسمية لتساعد الدولة على رفع مستويات الدخول وزيادة معدلات الإنتاجية.

وأخيرا من المؤكد ان مصر مقدمة على فترة حرجة جدا، وأنها تحتاج إلى قيادة وحكومة من نوع خاص للتعامل معها، حكومة مبدعين يدركون مفاهيم التنافسية والنمو المنتج والاستثمار الفعال بشكل سليم، مستفيدين من التجارب الدولية الكثيفة في هذا الجانب لكي تعبر بمصر إلى بر الأمان بإذن الله تعالى.

الخميس، فبراير 24، 2011

إحصاءات صادمة عن النظام التعليمي في الصين 2: 6 مليون مقعد في الجامعات لـ 10 مليون طالب.

يتزايد القلق بين أولياء الأمور في الصين يوما بعد يوم من ضيق الطاقة الاستيعابية للجامعات الصينية عن توفير كمية كافية من المقاعد لأبنائهم بعد تخرجهم من التعليم الثانوي، حيث أنه وفقا لحدود الطاقة الاستيعابية الحالية لا يتمكن 4 مليون طالب، بغض النظر عن مستويات تحصيلهم أو ذكاءهم من الالتحاق بالجامعات الصينية، ولتحديد من له الأحقية في الالتحاق بالجامعة على جميع الطلبة ان يجتازوا اختبارا قاسيا يسمى اختبار "gaokao" والذي يعادل الاختبار البريطاني "A-level"، والذي على أساس نتائجه تتحدد ما إذا كانت ستتاح الفرصة للشخص بأن يدخل الجامعة أم لا. في مجتمع مثل الصين، من المؤكد انه على أساس نتيجة هذا الاختبار سوف تتحدد الآفاق المستقبلية المتاحة أمام الطلبة في الصين، حيث سيتحدد وضعهم الاجتماعي والمهني ومستقبلهم ومستقبل أسرهم بشكل عام، وذلك في ضوء التحولات الهيكلية التي تجري في سوق العمل حاليا في الصين، والذي أصبح يعتمد بدرجة كبيرة على قوى المنافسة.

وجود 6 مليون مقعد فقط في الجامعات الصينية يحمل مخاطر كبيرة لكافة الطلبة المسجلين في التعليم الثانوي، حيث أن احتمال ان يدخل أي شخص منهم الجامعة لا يزيد عن (60%). اختبار الـ "gaokao" أصبح "بعبع" الأسر حاليا في الصين، وهو باختصار قلب النظام التعليمي حاليا، فهو الوسيلة التي من خلالها يقدم النظام التعليمي الصيني الفرصة للأشخاص العاديين بأن ينقذوا أنفسهم من الفقر باستخدام مهاراتهم في مجال التعليم، فخوض هذا الاختبار بنجاح يمكن أن يحول الأسرة من أسرة فقيرة إلى أسرة غنية، أو أن يحول أسرة غنية إلى أسرة فقيرة، خصوصا في ظل ضيق الفرص المتاحة أمام الفرد لتغيير فرصه في الحياة في مجتمع موجه مثل الصين، في الوقت الذي تتضاءل فيه فرص إرسال الأبناء للتعلم في الخارج في هونج كونج أو في الولايات المتحدة، حيث ان الجانب الأعظم من الشعب الصيني لا يمكنه تحمل تلك التكاليف، ومن ثم يعد الاختبار احد الآليات الهامة في الحراك الاجتماعي في الصين. حيث ينظر الآباء اليوم إلى أبناءهم على أساس أنهم أحد الأصول التي يمكن الاعتماد عليها عند التقدم في العمر، وذلك في ظل نظام ضعيف للضمان الاجتماعي، ولذلك تحرص الأسر الصينية اليوم، مهما كان ضعف مستوى دخلها، على الادخار من هذا الدخل لكي تؤمن لأبنائها فرصة الحصول على دروس خاصة إضافية لكي ترفع من احتمالات وفرص خوض أبناءها هذا الاختبار بنجاح. في بكين تتجمع آلاف الأسر وقت هذا الاختبار أمام معابد بوذا طالبة المساعدة الإلهية (حسب المعتقدات البوذية)، ويديرون طواحين الصلاة آملين في أن يتمكن أبناءهم من خوض الاختبار بنجاح.

نتيجة تصاعد الضغوط على الأسر وخشية من الاختبار، الذي أصبح احد أسس الحياة في الصين المعاصرة، تبذل السلطات في الصين جهودا جبارة للتأكد من أن الاختبار يسير بيسر، ويتم التحفظ على أوراق الأسئلة تحت الحماية المسلحة، بينما تعاقب السلطات من يقوم بتسريب هذا الاختبار عقابا شديدا، كما تقوم السلطات بإرسال رسائل نصية على الهواتف النقالة تدعو الناس بعدم التشويش على الطلبة في أماكن الاختبار من خلال الصياح أو استعمال آلات تنبيه السيارات، كم توقف المرور في المناطق المحيطة بأماكن الاختبار لتمكين الطلبة من الوصول إلى مكان الاختبار بسهولة.

بقي ان أشير إلى ان هناك انتقادات توجه إلى اختبار الـ الـ "gaokao" على انه اختبار يقيس درجة حفظ الطلبة، ولا يعتمد على قياس قدرات الطلبة على التخيل والإبداع، مثلما هو الحال في الاختبارات التي نجريها في بلادنا العربية.

http://www.bestcollegesonline.com/blog/2011/02/13/10-shocking-stats-on-chinas-college-system/



الأربعاء، فبراير 23، 2011

مصطلحات اقتصادية 4: السلع العامة

تنقسم السلع العامة الى نوعين من السلع، السلع العامة المطلقة، والسلع شبه العامة. ويقصد بالسلع العامة المطلقة تلك السلع التي تتاح بشكل كاف لجميع السكان، ولا يترتب على استهلاك أحد من السكان منها تقليل الكمية المتاحة للسكان الآخرين. ويتم تقديم السلع العامة المطلقة من خلال الحكومة فقط، كما تتصف السلع العامة المطلقة بأنها تلك السلع التي توفر نفس المستوى من المنفعة من السلعة لكل شخص من السكان بغض النظر عن عدد المستخدمين لهذه السلعة، على سبيل المثال الدفاع الوطني، أو البث التليفزيوني الحر، فمتى تم تقديم مثل هذه الخدمة يستفيد منها جميع المقيمين في الدولة بنفس المستوى من المنفعة. ويترتب على استهلاك السلع العامة المطلقة فوائد خارجية لكل الناس، ولكن ذلك لا يعني أنها لا يمكن أن تتسبب في أثار خارجية سلبية تؤثر على عموم السكان، فمن الممكن أن يترتب على إنتاج وتوفير هذه السلع آثار خارجية ضارة مثل التلوث. وتتمثل أهم خصائص السلع العامة المطلقة في الآتي:

1. إن السلع العامة المطلقة لا يمكن بيعها في السوق مثل أي سلعة أو خدمة أخرى، على سبيل المثال لا يمكن بيع خدمة الدفاع عن البلد للسكان المقيمين في هذا البلد.

2. لا يمكن حرمان طائفة من المستهلكين من استهلاكها، بسبب استحالة ذلك أو ارتفاع تكلفته على نحو كبير، حيث يتم استهلاك هذه السلع بشكل جماعي. فمتى تم تكوين جيش للدفاع عن البلد، فإنه لا يمكن حرمان أي شخص أو طائفة من المستهلكين من هذه الخدمة.

3. ان استهلاك أي شخص من هذه السلعة أو الخدمة لا يؤثر على الكمية المتاحة منها للآخرين، وبالتالي فإن زيادة عدد السكان لا يترتب عليه نقص الكمية المتاحة من هذه السلعة أو الخدمة لهم، بعكس السلع الخاصة، فكلما ازداد عدد السكان، ما لم يحدث زيادة في إنتاج هذه السلع، سوف ينخفض نصيب الفرد منها مع زيادة عدد السكان

4. أن عملية تسعير هذه السلع قد تكون غير ممكنة أو غير مجدية، حيث قد يصعب فصل من يدفع الثمن لهذه السلع عمن لا يدفع الثمن لها، على سبيل المثال البث التليفزيوني الحر.

5. لا تتمكن الأسواق من توفير آلية مناسبة لتوزيع هذه السلع على المستهلكين، حيث انها تتاح بشكل اوتوماتيكي للجميع، وبالتالي فإن السلع العامة المطلقة لا يمكن تقسيمها إلى وحدات لتوزيع تلك الوحدات على المستهلكين كل على حده.

6. أن تكلفة توزيع السلع العامة المطلقة لأي مستهلك هي صفر، كما ان تكلفة السماح لأشخاص إضافيين لاستهلاك هذه السلعة أو الخدمة هي صفر أيضا.

وبالاضافة الى السلع العامة المطلقة توجد شريحة من السلع والخدمات التي تحمل بعض خصائص السلع العامة، ولكنها تتميز بتناقص المنفعة التي يحصل عليها الشخص منها مع تزايد عدد المنتفعين منها، وذلك بسبب ما يسمى بآثار التزاحم Congestion effects، أو تزايد عدد المستخدمين لها.

وتتميز السلع العامة التي تخضع لآثار التزاحم بأنها تكون سلع عامة مطلقة حتى عدد معين من المستهلكين، بعد هذا العدد يبدأ تناقص منفعة المستهلكين منها مع تزايد أعداد المنتفعين بها. على سبيل المثال المستشفيات العامة، أو وسائل النقل العام، أو المواقف العامة للسيارات. وعند بدء سريان أثر التزاحم يمكن قصر تقديم هذه الخدمات على من يدفعون رسوما لهذه السلع او الخدمات، وهو ما يفتح يفتح الباب لتقديم هذه الخدمات إما من خلال الحكومة أو من خلال القطاع الخاص، على سبيل المثال رسوم خدمات المستشفيات أو المدارس الخاصة.

وعلى ذلك فقد تكون السلعة العامة سلعة عامة مطلقة في ظروف ما، بينما تتحول إلى شبه عامة في ظروف أخرى، على سبيل المثال فإن الطريق السريع في الساعة الثالثة صباحا يتحول إلى سلعة عامة مطلقة، بينما يتحول إلى سلعة شبه عامه في الثامنة صباحا حيث تتناقص منفعة المستفيدين منه بسبب آثار الازدحام المروري. وبالتالي فإن مرور كل سيارة اضافية فيه سوف يؤثر بالتأكيد على فرص السيارات الأخرى في المرور. من ناحية أخرى فإنه من الممكن من خلال الوسائل التكنولوجية الحديثة تخصيص حارة في هذا الطريق السريع لمن يمكن تحميل حسابه الكترونيا في كل مرة يعبر فيها في أوقات الازدحام، بينما يغرم من يحاول ذلك بدون هذا الحساب.

 

الأحد، فبراير 20، 2011

على من سيأتي الدور في العالم العربي

نشر في صحيفة القبس بتاريخ الاثنين 28/2/2011.
منذ اندلاع أحداث تونس والتي عرفت بثورة الياسمين، حيث استطاع الثوار إسقاط الرئيس بن علي، الذي حكم تونس لمدة 23 عاما، في 23 يوما فقط، والتقط الشباب في مصر خيوط الثورة، فقاموا بثورتهم السلمية في مواجهة واحد من أعقد النظم الديكتاتورية في العالم، والتي حظيت بدعم كافة فئات الشعب بعد ذلك، نتيجة تدهور الأوضاع في عهد مبارك إلى الحد الذي دفع الشارع إلى الانفجار مع أول دعوة للتمرد، حيث تمت إزاحة النظام عن السلطة هذه المرة في 18 يوما فقط، فإن هاتان الثورتان حفزتا الجماهير في ست بلدان عربية أخرى هي الجزائر وليبيا واليمن والأردن والبحرين وبصورة محدودة في المغرب، نحو إعلان التمرد على نظم الحكم القائمة، غير أن هناك فرقا جوهريا بين ثورة الجماهير في الأردن والبحرين والمغرب وباقي الدول الست. فالثورة في الدول الأخيرة ليست لإزاحة النظام الملكي الحاكم، أو هكذا يعلن الثوار، وانما لإزاحة الحكومة الحالية في تلك الدول، إضافة إلى المطالبة ببعض الإصلاحات السياسية الأخرى، وهي مهمة أراها سهلة نسبيا، فتغيير حكومة وإجراء بعض الإصلاحات السياسية ليست بالأمر الصعب أو المستحيل، مقارنة بالبديل الأسوأ.

الثورة في الجزائر وليبيا واليمن هي ثورة على نظم رؤساء، وليست ضد النظم الملكية، والتي أثبتت التجارب التاريخية في منطقتنا العربية أنا أكثر استقرار من النظم الرئاسية، وإن كانت الثورة في بلدين منها هما ليبيا واليمن هي أيضا ثورة على محاولة تعديل النظام الرئاسي الحالي، وذلك بفرض نظام ملكي لأسرة الرئيس، مثلما كان يخطط الرئيس السابق حسني مبارك بتوريث إبنه جمال مبارك سدة الحكم من بعده، لتتحول مصر من مملكة أسرة محمد على (سابقا) إلى مملكة أسرة محمد حسني مبارك (مستقبلا)، غير أن الثورة السلمية للشباب المصري قضت تماما على أحلام الأسرة وفقا هذا السيناريو، ومن ثم تطالب هذه الثورات الثلاث بتغيير النظام الرئاسي الحالي، أي رحيل الرؤساء الحاليين في هذه الدول الثلاث.


حتى كتابة هذا المقال، تتعقد الأوضاع بصورة واضحة في ليبيا واليمن والبحرين وعلى نحو ملفت للنظر، وهو ما يثير السؤال المهم، من سيقع أمام ضغط الثوار في هذه الدول أولا؟ كاقتصادي، لا أستطيع ان أتنبأ باحتمالات توقيتات وترتيب حدوث ذلك حاليا، ولكن الجدول التالي يعقد مقارنة طريفة بين الست دول استنادا إلى بيانات تنشرها مجلة الأكونوميست.


حيث يمكن الاسترشاد بالمتغيرات السابقة في رسم صورة، ولو أولية، عن ترتيب احتمالات سقوط النظم في هذه الدول، فنسبة السكان الأقل من 25 عاما إلى إجمالي عدد السكان تعطي خلفية عن مخزون عناصر الثورة في الدولة، ومتوسط نصيب الفرد من الناتج (باستخدام مدخل تعادل القوة الشرائية) يعبر عن حجم الضغوط الاقتصادية التي يعاني منها السكان، حيث لعب العامل الاقتصادي دورا كبيرا في ثورتي مصر وتونس، أما مؤشرات الترتيب العالمي في مجال الديمقراطية والفساد وحرية الصحافة فتعطي خلفية عن طبيعة البيئة التي يعيش فيها الناس ومدى القهر الذي يتعرضون له، وأخيرا مؤشر عدم الاستقرار الذي يوضح مدى هشاشة النظام.

تحليل هذه البيانات يوحي بأنه من المفترض أن يسقط النظام اليمني أولا، حيث أنه الأكثر عرضة وفقا لهذه المؤشرات، يليه النظام الليبي ثم النظام في الجزائر في النهاية. غير أنه لا يمكن التكهن بما سوف يحدث على أرض الواقع، حيث سيعتمد مسار الأحداث في تلك الدول على عدة عوامل أهمها أسلوب مقاومة السلطات للثوار فيها (كلما ازدادت حدة مقاومة السلطات للثوار كلما ازداد احتمال سقوط النظام)، ودرجة القمع التي سيتعرض لها الثوار (كلما ازدادت درجة القمع كلما ساعد ذلك على سرعة سقوط النظام)، ودرجة ذكاء الحكومات في التعامل مع المطالب الجماهيرية (كلما ارتفعت درجة ذكاء الحكومات في التعامل مع المطالب الجماهيرية كلما قل احتمال سقوط النظام)، والأهم من ذلك كله، مدى إصرار الثوار على التغيير (كلما ازدادت درجة إصرار الثوار على إسقاط النظام كلما ازدادت احتمالات سقوطه). أعتقد أن أقسى نظام سيواجه الثوار هو النظام الليبي، واقلهم قسوة على الثوار سوف يكون النظام الجزائري.


اليوم تأتينا الأخبار من ليبيا بسقوط المئات من القتلى والجرحى في بني غازي، وهو ما دعا بعض المراقبين إلى الاعتقاد بأن ورقة ليبيا سوف تسقط أولا، ولكن الرئيس الليبي ربما يكون مستعدا للتضحية بعدد كبير من الثوار من أجل بقاء نظامه دون ان يخضع للضغوط الخارجية، حيث يختلف هذا الرئيس الثوري تماما عن باقي الرؤساء الذين تقوم ضدهم الثورة حاليا، كما أن النظام الليبي لديه إمكانيات مادية ضخمة يستطيع ان يشتري بها فئات كثيرة من الشعب الليبي ويؤلبهم على المتظاهرين، وربما تساعد الحالة الميسرة للشعب الليبي في أن تمنع قطاعات كبيرة من الشعب الليبي من النزول إلى الشارع، أو على الأقل يمكن أن تضمن حيادها أو استهجانها لتلك الاحتجاجات التي يقوم بها المتظاهرين، وأخيرا فإن قوات الأمن في ليبيا ربما تكون أكثر ولاء للرئيس الليبي، مقارنة بالوضع في أي بلد آخر. لهذه الأسباب أعتقد ان النظام الليبي لن يسقط قبل أن يرتكب اكبر المجازر في تاريخ الثورات العربية الحالية. وربما ينهار النظام بسرعة أكثر مما يتصور الجميع.


وأخيرا فإنه بغض النظر عما سيحدث، وهو ما سوف تطلعنا عليه الأيام القادمة، فإن رياح التغيير السياسي قد هبت على العالم العربي، ولن تتركه قبل ان يتحول إلى عالم حر، بعد ان كنا نوصف بأننا نعيش في أكثر بقاع العالم ديكتاتورية.

السبت، فبراير 19، 2011

إحصاءات صادمة عن النظام التعليمي في الصين 1: حوالي 28% من خريجي التعليم العالي لا يجدون وظائف.

كأي دولة تحقق معدلات نمو استثنائية فإن الصين تهتم بصورة متزايدة بتوفير خدمة التعليم لشعبها، وقد كنت من المؤمنين بأن الصين تؤدي أداء متميزا في هذا الجانب. هذا الأسبوع وقعت على هذا المصدر الذي أصابني بالصدمة عندما دخلت في تفاصيله، المقال بعنوان 10 إحصائيات صادمة عن النظام التعليمي في الصين، أحببت أن انقلها للقارئ العربي على حلقات. حلقة اليوم عن بطالة الخريجين من نظام التعليم العالي الصيني.

هذا الإحصائية نشرتها الـ Businessweek في سبتمبر الماضي والتي أشارت إلى انه في عام 2010، لم يتم توظيف سوى 72.2% من خريجي الجامعات الذين تخرجوا في 2010، مقارنة بنسبة 68% فقط في عام 2009، هذه الإحصاءات توحي بأن البطالة بين خريجي الجامعة منتشرة بصورة واضحة في الصين، غير ان الناطق باسم وزارة الموارد البشرية والضمان الاجتماعي أشار إلى ان معدل التوظيف لخريجي الجامعات في ديسمبر 2010 كان بنسبة 90.7%، بمعدل نمو 3% عن العام السابقة (2009 والذي بلغ 87%).

من الواضح ان هناك تناقضا واضحا بين المصادر المختلفة للبيانات عن بطالة الخريجين من التعليم العالي في الصين. غير أنه في ورقة نشرتها الأكاديمية الصينية للعلوم الاجتماعية شككت فيها حول مدى صدق الأرقام المنشورة عن معدلات البطالة المسجلة في الحضر، حيث أشار التقرير إلى أن معدلات البطالة الحقيقية في الصين بلغت 9.4% في الصين في 2008، بالرغم من أن بيانات وزارة الموارد البشرية والضمان الاجتماعي تشير إلى ان معدل البطالة يساوي 4.2% فقط، مما يشير إلى وجود تناقض واضح بين المصادر الرسمية والمصادر المستقلة، حيث يشير Hui Guangping عميد كلية الاقتصاد والإدارة في جامعة Nanjing لعلوم المعلومات والتكنولوجيا، أن معدل البطالة المسجل في الحضر (المصدر الرسمي)، يختلف عن معدل البطالة المعلن عنه وفقا لمسوحات البطالة، وأن البيان الثاني أكثر اعتمادية.

من ناحية أخرى أشارت صحيفة Southern Metropolis Daily إلى أن الكثير من خريجي الجامعات قد أشاروا إلى أن جامعاتهم، تعمد، رغبة في زيادة معدل التوظيف على نحو غير حقيقي، وكذلك لجذب طلبة جدد، إلى الادعاء بأن طلبتها موظفون، على الرغم من أنهم لم يجدوا وظائف بالفعل. كذلك أشار التقرير إلى ان بعض الجامعات أجبرت الطلبة على التوقيع بأنهم كانوا يعملون بالفعل قبل ان يغادروا الجامعة، وان هذه الجامعات قد احتجزت شهادات التخرج لمن يرفض القيام بذلك. بالنسبة لي، أرى ان هذا الادعاء ربما يكون فيه مبالغة. غير أن الحكومة الصينية تحاول أن تبذل الجهود لتتأكد من أن إحصاءات التوظف لديها مرتفعة، ففي يناير 2010 أصدرت صحيفة China Daily مقالا أشارت فيه إلى ان الحكومة سوف تتولى عملية تمويل فتح نصف مليون وظيفة للخريجين.

بغض النظر عن مدى دقة أو عدم دقة تلك التقارير التي أشير إليها أعلاه، فإنه من الواضح أن خريجي نظام التعليم العالي في الصين، المتوقع ان يصل عددهم في 2011 حوالي 660 مليون خريج، يعانون بالفعل من ملامح التعليم العالي في بلادنا، وهي بطالة الخريجين على الرغم من معدل النمو الاستثنائي الذي تحققه الصين.


الجمعة، فبراير 18، 2011

هل تعود الاشتراكية مجددا؟

نشر في صحيفة الاقتصادية السعودية بتاريخ الجمعة 18/2/2011.
تعرف الاشتراكية، من الناحية النظرية، بأنها ذلك النظام السياسي الذي تقوم فيه الحكومة بالسيطرة على جانب كبير من الاقتصاد، وتعمل على إعادة توزيع الثروةن بهدف تحقيق العدالة الاجتماعية بين الفئات المختلفة في المجتمع، وربما ينظر إلى الاشتراكية حاليا على أنها فكرة شبه ميتة. فمنذ ان سقط حائط برلين في أوائل التسعينيات من القرن الماضي، وسقطت معه أعلام الاشتراكية في العالم واحدا تلو الآخر، تحول العالم إلى عالم يسود فيه نظام اقتصادي واحد تقريبا.

قبل سقوط حائط برلين، رفعت المرأة الحديدية "مارجريت تاتشر" شعار الخصخصة ونفذته على ارض الواقع بلا هوادة في المملكة المتحدة، والتي منها انتقلت السياسة إلى كافة أنحاء الأرض تقريبا، حيث تم التخلص من الجانب الأكبر من القطاع العام والعودة مرة أخرى إلى قوى السوق للإنتاج من أجل الربح وليس من أجل المجموع، وشاعت في العالم أيديولوجية اقتصادية قائمة على حرية السوق وسيطرة القطاع الخاص، وتقليص دور القطاع الحكومي إلى أدنى حد، وانتشرت أفكار ما يعرف بالليبرالية الجديدة، وتراجع مفهوم دولة الرفاه، ومعه بالتالي حق المواطنين في الكثير من الدول في ضمان معاش تقاعدي مناسب يكفيهم، وتأمين صحي مجاني يكفل لهم الحصول على الرعاية الصحية المناسبة، وفي كثير من الأحيان تراجعت جودة الخدمات التعليمية المجانية على نحو كبير.

لقد تم كل هذا استنادا إلى فرضية كفاءة السوق، وهي فرضية أراها شخصيا جيدة وصحيحة، ولكن ينبغي التأكيد على أن حرية السوق لا بد وأن يصاحبها مراقبة لصيقة وفعالة من جانب صانع السياسة للتأكد من أن مختلف فئات المجتمع لا تضار من هذه الحرية المفرطة للسوق، ومن ثم التدخل، عندما يستلزم الأمر ذلك، لحماية مصالح مختلف الفئات، بصفة خاصة محدودة الدخل، وباختصار شديد لقد ترتب على تلك السياسات العديد من الآثار السلبية على رفاهية قطاعات عريضة من الناس، خصوصا عندما وقعت أكبر أزمة تعرض لها العالم منذ الكساد العظيم، أهمها:

1. ارتفاع معدلات البطالة نتيجة تحويل قطاعات الإنتاج والخدمات الأساسية نحو القطاع الخاص الذي يعمل وفقا لقواعد السوق، وتعظيم الكفاءة من خلال تخفيض التكاليف إلى أدنى مستوى ممكن، ومن ثم تم الاستغناء عن جانب كبير من جيوش العمال التي كانت تعمل في المشروعات الإنتاجية والخدمية العامة.

2. ارتفاع مستويات الأسعار، حيث أصبحت أسعار السلع والخدمات تعكس قوى السوق والتكلفة، ولم تعد اعتبارات الأسعار المقبولة اجتماعيا، والتي تضمن أن يتم تحديد أسعار السلع والخدمات بصورة مقبولة من جانب معظم فئات الشعب، ولا ترهق الطبقات محدودة الدخل، تحظى بتأييد من صناع السياسة، وهو ما صاحبه انخفاض في رفاهية قطاعات كبيرة من السكان.

3. تضخم ثروات رجال الأعمال والمضاربين في أسواق المال، واتساع الفوارق الطبقية بين فئات المجتمع المختلفة، خصوصا مع تخفيض معدلات الضرائب إلى أدنى حد في معظم الدول، وفي الكثير من المجتمعات، خصوصا الدول النامية، تضاءلت الطبقات الدخلية الوسطى والتي كانت تعيش، في ظل التدخل الحكومي، في مستويات رفاه أعلى.

4. إطلاق قوى السوق وانفلات بعض القطاعات، بصفة خاصة قطاع المال، من السيطرة الحكومية نتيجة تبني سياسات الحرية الاقتصادية، ومن ثم إطلاق حرية الابتكارات المالية الهادفة أساسا إلى تعظيم الربع، وتدنية التدخل الحكومي في هذه القطاعات إلى أدنى مستوى، فازدادت معها مخاطر عدم الاستقرار على المستوى الكلي.

5. ازدياد معدل تكرار الاضطرابات على المستوىين الاقتصادي والاجتماعي، وعمق تأثير هذه الاضطرابات على قطاع الأعمال الخاص، والذي غالبا ما يبادر بإعلان إفلاسه مع أول هزة، وذلك مقارنة بمشروع الأعمال العام القادر على الاستمرار في الإنتاج لفترات زمنية أطول نسبيا مستفيدا من المساندة الحكومية، الأمر الذي يساعد على توفير الأمان الوظيفي لقطاعات أكبر من العاملين في مختلف القطاعات.

6. ارتفاع نفقات الحصول على السلع العامة مثل الصحة والتعليم على نحو واضح، حيث أصبح التأمين الصحي هو السبيل الوحيد تقريبا أمام الكثير من الفئات لضمان تقديم خدمة صحية جيدة، في الوقت الذي لم تتمكن فيه فئات عريضة من المجتمع من تأمين نفسها صحيا بسبب عدم قدرتها على تحمل أعباء ذلك، فانقطعت بهم سبل التغطية التأمينية الصحية، مثلما هو الحال في الولايات المتحدة، الأمر الذي دعا الرئيس أوباما إلى تبني برنامج مكلف جدا لمد التأمين الصحي إلى باقي الأمريكيين.

قبل سقوط حائط برلين، كان مؤشر جودة نوعية الحياة Quality of Life Index، الذي طور ليعكس مستويات الرفاه التي يحصل عليها السكان في مختلف دول العالم، بدلا من المؤشر المعيب البديل والمتمثل في متوسط نصيب الفرد من الدخل، الذي يخفي في طياته فروقا واضحة بين مختلف الطبقات، باعتباره مجرد متوسط، يشير إلى أن دولا مثل تشيكوسلوفاكيا السابقة والتي كانت دولة اشتراكية في ذلك الوقت، كانت تتفوق على الولايات المتحدة في جودة نوعية الحياة المقدمة للناس. فلما ثار الناس على السياسات الاشتراكية، وتحولت اقتصاديات الدول الاشتراكية سابقا إلى نظام السوق الحر، بدأ السكان يشعرون بضغط الحياة بدون الدور الحكومي الفعال في حياتهم والذي يضمن لهم تقديم الخدمات الأساسية مثل التعليم والصحة والسكن. حيث أصبح معظم هذا يقدم الآن من خلال السوق، وبقوانين السوق، أي من يدفع هو من يسمح له بحرية الوصول إلى هذه الخدمات، ومن لا يدفع لا يحصل على هذه الخدمات، أو يحصل عليها من خلال القنوات المتبقية من عصر التدخل الحكومي الفعال والتي تتصف بشكل عام بتردي الخدمات المقدمة من خلالها وانخفاض جودتها.

7. لم تعد الميزانيات التي توجهها الحكومات في الكثير من الدول لمؤسسات التعليم العام، بصفة خاصة الجامعي كافية، ولعل ما فعلته الحكومة البريطانية مؤخرا من رفع رسوم التعليم الجامعي، لكي تتماشى مع الميزانيات الضخمة التي تنفقها الجامعات في سبيل تقديم الخدمة التعليمية الجامعية، سوف يكون له آثارا عميقة على حرية الوصول إلى التعليم الجامعي لقطاعات كبيرة من الأسر في المجتمع البريطاني، والتي قد لا تتمكن من تأمين القدرة على خدمة القروض التعليمية المرتفعة في مقابل الخطط المعدة لمستويات الرسوم الجامعية الكبيرة التي فرضتها الجامعات على الطلبة مؤخرا، حيث سيصبح لزاما على الأسر أن تنفق مبالغ طائلة نظير تعليم أبناءها، أو اضطرار الطلبة إلى عقد قروض مرتفعة سوف يتطلب خدمتها عددا أكبر من السنوات بعد دخول سوق العمل.

هذا بالطبع لا يعني أنه أثناء انتشار السياسات الاشتراكية في جانب كبير من أنحاء العالم، لم تكن تلك الدول تعاني من مثل هذه الضغوط، وإنما كان تأثيرها اقل أو محدودا، وبغض النظر عن مدى كفاءة السياسات ذات الطابع الاشتراكي، فإنه من المؤكد ان تلك السياسات كان لها آثار ايجابية وأخرى سلبية. نعم كان للسياسات الاشتراكية أخطاء، ولكن ردة الفعل لهذه الأخطاء ربما كانت متطرفة، حيث تحولت اقتصاديات العالم إلى نظم تلفظ هذه السياسات تماما، ونتيجة لذلك تم التحول إلى نظام السوق على نحو متطرف في رأيي الشخصي.

من ناحية أخرى لا أعتقد أن التجربة الاشتراكية كانت ايجابية على طول الخط. فعلى الرغم من أن الملكية العامة لبعض أدوات الإنتاج قد لا ينظر إليها قادة الفكر الاشتراكي مثل "فردريك إنجلز" على أنها تعادل الاشتراكية، أو حتى عندما يتم جلب حزب اشتراكي إلى الحكم، وأنه من وجهة نظر "كارل ماركس" و "فردريك إنجلز" فإن تطبيق الاشتراكية لا يمكن ان يتم سوى بأن يتولى العمال قيادة المجتمع والسيطرة على عملية الإنتاج فيه، فإن مثل هذه الصياغة المتطرفة للاشتراكية ربما لم تعد ممكنة أو مقبولة في العالم حاليا، نظرا للتجربة السيئة التي مرت على العالم من خلال النظام الاشتراكي شبه الخالص.

غير أنه تجدر الإشارة إلى أنه في هذا الوقت بالذات لا بد من التأكيد على أن التجربة التي مر بها العالم منذ سقوط حائط برلين، والتي بلغت ذروتها في ظل الأزمة الحالية، قد أعادت كتابات كارل ماركس عن النظام الرأسمالي إلى الواجهة، على سبيل المثال فقد وصف كارل ماركس في كتابه "رأس المال" كيف تؤدي الرأسمالية إلى "نشوء طبقة ارستقراطية مالية جديدة من خلال مجموعة جديدة من الفئات الطفيلية الذين يتخذون شكل المروجين والمضاربين والمديرين، ونظاما كاملا من النصب والغش عن طريق الترويج للمؤسسات وإصدار الأوراق المالية والمضاربة على الأسهم"، فهل اختلفت ممارسات نظام السوق الحر عما وصفه ماركس عن الطبقات الجديدة من الأغنياء الذين كونوا ثرواتهم الضخمة من أنشطة غير منتجة، مستغلين الفضاء الهائل الذي صنعه هذا النظام في صورة السوق المالي العالمي بتريليوناته الضخمة والذي انتهى للأسف بالأزمة المالية الحالية؟.

كذلك شرح ماركس كيف تؤدي حالات الذعر المالي إلى تعميق أثر حالات الكساد الدورية التي تستوطن النظم الرأسمالية. كما أشار كارل ماركس وفردريك إنجلز في البيان الشيوعي إلى أن النظام الرأسمالي هو "المجتمع الذي يستحضر هذه الوسائل الضخمة للإنتاج والتبادل، مثله مثل الساحر الذي لم يعد قادرا على السيطرة على قوى العالم السفلي الذي كان قد دعا إليه من خلال وصفاته السحرية"، وهو وصف جيد جدا لحالة الذعر المالي والكساد الحاليين.

لقد هزت أزمة العالم الحالية الثقة في النظام الرأسمالي الذي كان يشار إليه بأنه نظام لا يمكن أن يهزم، والذي أصبح يوصف اليوم، أكثر من أي وقت مضى، بأنه نظام الأزمات، وأنه هو النظام الذي تسبب في إحداث أكبر كارثة اقتصادية تعرض لها العالم منذ الكساد الكبير حتى الآن، وهو الأساس الذي ربما ينظر البعض إليه على أنه اكبر الحجج على إمكانية عودة السياسات الاشتراكية إلى الساحة مرة أخرى، والتي تعمل على توجيه موارد المجتمع أساسا لتحقيق احتياجات غالبية الناس في المجتمع، وليس وفقا لقوى السوق، وأصبح عدد أقل من الناس الآن عن ذي قبل، يؤيد النظام الرأسمالي كنظام اقتصادي.

اليوم يتصاعد تيار اليسار في أوروبا، وخصوصا في ألمانيا وهولندا، وفي اليونان، بعد حزمة الإجراءات الأخيرة التي تم فرضها على البلاد لمواجهة مشكلة الديون السيادية لليونان، وكذلك في النرويج. كما يتنامى دور أحزاب اليسار في أوروبا أيضا بسبب معارضتها لسياسات الهجرة، التي تعد من أيديولوجيات الليبرالية الجديدة، والتي تنظر إلى تدفقات المهاجرين بأنها ترفع من درجة مرونة أسواق العمل، وبشكل عام أصبح عدد لا بأس به من الناس ينظر إلى الاشتراكية على أنها فكرة جيدة، أو أصبح ينظر إلى فكرة تملك الدولة لمشروعات إنتاجية على أنها أيضا فكرة جيدة، بل من الواضح ان كثير من الناخبين أصبح لديهم استعداد اكبر لمنح أصواتهم لأحزاب اليسار.

عودة شبح الاشتراكية إلى الواجهة ربما تعكس الحراك الذي أصبحت تمثله الطبقات العاملة والطبقات منخفضة الدخول للحصول على حقها في الوصول إلى حقوقها الأساسية التي حرمها إياها نظام السوق، وما زال الأول من مايو يوما يعبر فيه العمال في الكثير من دول أوروبا عن غضبهم من السياسات المصممة ضد الطبقات العاملة التي تنفذها الحكومات ضمن إطار سياساتها الرامية إلى التعامل مع الأزمة الاقتصادية العالمية. كذلك كانت هناك تحركات محدودة في الولايات المتحدة، وإن كان البعض ينظر إلى ذلك بأنه يعد تطورا مهما، حيث كان ينظر إلى الأول من مايو من منظور أنه مناسبة أجنبية ليس لها علاقة بالعمال الأمريكيين.

استجابة لهذه الشواهد على أرض الواقع، بدأ بعض الدول في تطبيق الكثير من السياسات التي تحمل الطابع الاشتراكي، أو على الأقل الدعوة لها، مثل الدعوة إلى رفع الضرائب، وضرورة سن قوانين تحد من قوة الشركات، وإصلاح النظام المالي المحلي والعالمي، وزيادة الإنفاق الحكومي على البرامج الاجتماعية، وتوسيع نطاق تغطية التأمين الصحي.. الخ. على سبيل المثال أدرجت حكومة أوباما مئات المليارات لتغطية تكلفة إصلاح نظام الرعاية الصحية، وتوفير دعم للفئات ذات الدخل المتوسط وهو ما يشكل اتساعا لبرامج الرفاه الحكومي، والذي يعد أحد أوجه الاشتراكية، وقد وصفت الإصلاحات التي قام بها الرئيس أوباما، مثل إصلاحات نظام الرعاية الصحية في الولايات المتحدة، من جانب بعض المراقبين بأنها عودة للاشتراكية.

لست اشتراكيا، ولا أحبذ التيارات الاشتراكية، وأؤمن بأن عودة الاشتراكية في صورتها الخالصة إلى الساحة مرة أخرى ربما تكون أمرا مستبعدا في الوقت الحالي، ولكني أرى ان الحكومات التي تؤمن بالليبرالية الجديدة لم تراع البعد الاجتماعي عند سيطرتها وانتشارها، ومن ثم أصبح لزاما عليها أن تواجه هذه التيارات الرافضة لتراجع رفاهية الناس وكرامتهم وقوتهم الشرائية ووظائفهم من أجل مبدأ حرية السوق. وربما يكون السؤال الأساسي الملح حاليا هو هل تغلب اعتبارات الكفاءة الاقتصادية على اعتبارات الرفاه والعدالة؟ يبدو لي أن الإجابة هي لا، وأن السياسات الاقتصادية التي تمارس حاليا والتي تستند على اقتصاديات السوق سوف تستمر، لكنه من المؤكد أنها ربما تطعم بالمزيد من السياسات ذات الطابع الاشتراكي، أو مزيج منها، بحيث تشكل الملجأ أمام الكثير من الدول للخروج من إفرازات نظام السوق الحر.

في رأيي أن حكومات دول العالم مطالبة اليوم بالعمل بصورة أكبر على ضمان توفير فرص أكبر للتوظف، بصفة خاصة للداخلين الجدد إلى سوق العمل، وتوفير المساكن لقطاعات أوسع من السكان والتي لا تملك حرية الوصول إلى هذه السلعة المكلفة جدا، والتي ثبت أن محاولة تقديمها من خلال القطاع الخاص كانت كارثية على الناس وعلى الاقتصاد، وتأمين حرية الوصول إلى خدمات الرعاية الصحية والتي اتسع حرمان الكثير من السكان منها، وتأمين حرية الوصول إلى الخدمات التعليمية مرتفعة الجودة بعيدا عن قوى السوق، وتأمين باقي الخدمات الأساسية للسكان، وأعتقد أن جميع الأحزاب الحاكمة في كافة أنحاء العالم أصبحت مطالبة اليوم أكثر من أي وقت مضى بوضع رقابة لصيقة على السوق، والتأكد من عدم تأثر العمال والفئات محدودة الدخل من إطلاق حرية الأسواق، والاهم من ذلك كله مكافحة الفقر.

بدون بذل هذا الجهد، أعتقد أن السياسات الاشتراكية ربما تطل علينا مجددا، والتي ليس شرطا أن تأخذ صورة التدخل الكامل من قبل الدولة في مسار الاقتصاد وتعطيل الأسواق بصورة كلية، والقضاء على رأس المال الخاص، ولكنها قد تكون في صورة مزيج مختلط من النظامين بحيث يتم الدفاع بصورة اكبر عن العمال والطبقات محدودة الدخل وتأمين السلع العامة الأساسية لها، بدلا من أن تتم عملية توجيه الموارد في المجتمع لهدف واحد وهو تحقيق الربح.