الثلاثاء، مارس 29، 2011

تراجع حدة العنف في العراق

منذ انتهاء العمليات العسكرية في العراق في اطار ما اطلقت عليه امريكا "حرب تحرير العراق"، والقضاء على نظام صدام حسين، اندلعت أعمال العنف بصورة تدمى لها القلوب، أن نرى إخواننا في العراق يؤخذون غدرا في تفجيرات للقنابل الموقوتة أو البشرية، حيث يعد بعض المسلمين أنفسهم للشهادة ودخول الجنة بأن ينتحر ليقتل مسلم آخر أو جماعة من المسلمين، بينهم للأسف الشديد نساء وأطفال وعجزة، يؤخذون على حين غرة، بعد أن حكم عليهم بالإعدام دون محاكمة ليتعرفوا على الذنب الذي ارتكبوه لكي يعدموا.

لا يوجد لدينا في الاسلام مثل هذه الممارسات، وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنه قال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف بالكعبة ويقول: (ما أطيبك وأطيب ريحك ما أعظمك وأعظم حرمتك والذي نفس محمد بيده لحرمة المؤمن أعظم عند الله حرمة منك ماله ودمه وأن نظن به إلا خيراً) رواه ابن ماجة وصححه العلامة الألباني، ومن المتفق عليه أن قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق هو كبيرة من أعظم الكبائر، فكيف تكون سبيلا للشهادة ودخول الجنة، خصوصا اذا كنا نتحدث عن قتل امرأة أو طفل، أو شيخ، أو مسلم أعزل.

للأسف الشديد مثل هذه الممارسات الشاذة التي تمارسها جماعات شذت عن الدين الصحيح تشوه صورة الاسلام الحنيف وتمثل أعظم هدية نهديها لأعداء الاسلام لكي يهاجموه ويصفوه ويصفو كتابه "حاشاه" بأنه دين عنف وبأن القرآن يحرض على قتل الناس ولا يصلح للعصر الحديث، وما فعله القس المتطرف تيري جونز أخيرا من حرق للمصحف الشريف إلا استنادا الى مثل هذه الممارسات التي حرمها الله سبحانه وتعالى، ولكنه سوء الفهم والاصرار على اختطاف الدين وصبغه بالصورة التي يراها هؤلاء.

أمس صدر آخر تقرير لصندوق النقد الدولي عن الاقتصاد العراقي، وقد وضع التقرير صورة لمسار هذا الاقتصاد حتى 2012، وقد لفت نظري هذا الرسم البياني الذي يوضح تطورات أعمال العنف في العراق من 2007 حتى الآن. ومن الشكل يلاحظ أن أعداد ضحايا التفجيرات في العراق قد تراجع من حوالي 3000 شخص في ابريل 2007 (المحور الأيسر) الى ما يقارب المئتين في يناير 2011. لا شك أن هذا التراجع في أعداد ضحايا التفجيرات العشوائية في العراق هو تطور هام، ولكن ما زال هناك ضحايا لمثل هذه الأعمال الأمر الذي يؤثر على استقرار هذا البلد الشقيق. فمتى تتوقف مثل هذه الممارسات الشاذة؟



المصدر: IMF Country Report No. 11/75

السبت، مارس 26، 2011

هل يجب تخفيض قيمة العملة؟

نشر في صحيفة الاقتصادية السعودية بتاريخ الجمعة 25/3/2011.
سعر العملة، أو بصورة أدق معدل صرفها بالنسبة للعملات الأجنبية، يعد أحد أهم الأسعار في الدولة على المستوى الاقتصادي الكلي، وذلك نظرا لاتساع الآثار التي تترتب على تغير هذا المعدل على الدخل والإنتاج والتوظف ومن ثم مستويات الرفاه، فضلا عن تأثيراتها على تدفقات التجارة من الصادرات والواردات وكذلك الطلب على الأصول المالية والحقيقية في الدولة. ومعدل الصرف بشكل عام يحدد عدد الوحدات التي تدفع من العملة الوطنية للحصول على وحدة واحدة من العملات الأجنبية، وعندما يتغير معدل صرف العملة بالنسبة للعملات الأجنبية، فإن هذا التغير قد يأخذ صورة تخفيض في قيمة العملة Depreciation، أو ارتفاع في قيمة العملة Appreciation، ولكل من هذين التغيرين تأثيراتهما العميقة على الاقتصاد، وتنافسيته (قدرته على تعبئة الموارد من العملات الأجنبية) وبالتالي ميزانه التجاري (الحساب الذي تسجل فيه قيمة صادرات الدولة ووارداتها من السلع).

وتتعدد نظم معدل الصرف بشكل عام، إلا انه يمكن تلخيصها في نظام لمعدل الصرف الحر أو المعوم Floating، ونظام تثبيت معدل الصرف بالنسبة لعملة دولية مثل الدولار Pegged، أو قد يتم تحديد معدل الصرف من خلال استخدام سلة من العملاتCurrency basket، يعطى كل منها وزنا في تحديد قيمة العملة داخل السلة، وعادة ما يتحدد هذا الوزن حسب نسبة المعاملات التجارية بين الدولة والدولة صاحبة هذه العملة، أو قد يتم تحديد معدل الصرف من خلال التدخل الحكومي وفقا لقوى السوق، مع التدخل من وقت لآخر لتوجيه اتجاه هذا التقلب، وهو ما يطلق عليه التعويم القذر Dirty floating، والذي يتم بهدف التأكد من أن التغير في قيمة العملة يسير الاتجاه المرغوب فيه من قبل حكومة هذه الدولة.

ويفترض من الناحية النظرية أن يترتب على تخفيض قيمة العملة المحلية رفع درجة تنافسية الدولة، ومن ثم زيادة صادراتها نتيجة انخفاض أسعار هذه الصادرات بالنسبة للأجانب، كما يترتب على تخفيض قيمة العملة ارتفاع أسعار الواردات بالنسبة للمقيمين في الدولة، وهو ما يؤدي إلى تحويل الطلب على السلع المنتجة محليا بدلا من تلك المستوردة، أو يشجع الصناعات البديلة للواردات، وهو ما يساعد على تخفيض العجز في الميزان التجاري أو تحقيق فائض فيه، والعكس في حالة رفع قيمة العملة المحلية. ومن الواضح أن خفض قيمة العملة أو ارتفاعها يؤدي إلى التأثير على حجم المعاملات التجارية للدولة، نتيجة لتأثيرات تغير معدل صرف العملة على ما يسمى بالأسعار النسبية الدولية، أو شروط التبادل التجاري للدولة Terms of trade (أسعار صادرات الدولة بالنسبة لأسعار وارداتها). فرفع قيمة العملة يجعل صادرات الدولة أكثر تكلفة بالنسبة للأجانب، بينما يجعل الواردات من الخارج ارخص بالنسبة للمقيمين فيها (تحسن شروط التبادل التجاري لصالح هذه الدولة)، بينا يؤدي تخفيض قيمة العملة إلى جعل الواردات من الخارج أكثر تكلفة بالنسبة للمقيمين فيها، في الوقت الذي تصبح فيه صادراتها إلى الخارج ارخص نسبيا بالنسبة للمقيمين في الخارج (تراجع شروط التبادل التجاري في غير صالح هذه الدولة).

غير انه ليس شرطا ان يترتب على تخفيض قيمة عملة الدولة حدوث تحسن في ميزانها التجاري، حيث يؤثر تخفيض قيمة العملة إيجابا على الميزان التجاري فقط في ظل توافر شروط أهمها ارتفاع مرونات الطلب السعرية للصادرات (درجة استجابة الطلب على الصادرات في الخارج نتيجة تغير أسعارها) والمرونة السعرية للواردات (درجة استجابة الطلب على الواردات في الداخل نتيجة لتغير أسعارها)، وهناك ما يعرف في الاقتصاد الدولي بشرط مارشال/ليرنر، والذي يمدنا بقاعدة سهلة لتقييم أثر التغير في معدل الصرف على الميزان التجاري للدولة، حيث ينص على أنه إذا ما كان مجموع مرونتي الطلب السعرية للصادرات والواردات اكبر من الواحد الصحيح، فإن تخفيض قيمة العملة في هذه الحالة سوف يؤدي إلى تحسين وضع الميزان التجاري، ومعالجة العجز فيه. إذ يترتب على خفض قيمة العملة زيادة الإيرادات من الصادرات، بينما ينخفض الإنفاق على الواردات، مما يساعد في تحسين وضع الميزان.

على الرغم من أن شرط مارشال/ليرنر يعد شرطا ضروريا لتحسن وضع الميزان التجاري للدولة مع تخفيض قيمة عملتها، إلا أنه ليس شرطا كافيا لتحسن وضع الميزان التجاري عند تخفيض قيمة العملة. إذ لابد وان يصاحب ذلك توافر شروط محددة حول قدرة العرض المحلي من السلع على الاستجابة للتزايد في الطلب على الصادرات مع تخفيض قيمة العملة. على سبيل المثال لا بد عند تخفيض قيمة العملة من التأكد من توافر طاقة إنتاجية فائضة تمكن الدولة من زيادة الإنتاج لمواجهة النمو في الطلب على الصادرات من السلع المحلية، وكذلك لمواجهة النمو في الطلب على السلع التي تنتج محليا والذي سيصاحب ارتفاع أسعار الواردات من الخارج وتحول المقيمين نحو استهلاك السلع المحلية بدلا من المستوردة. معنى ذلك أنه إذا ما تمت عملية تخفيض قيمة العملة دون التأكد من قدرة جهاز العرض المحلي من السلع والخدمات على مواجهة الزيادة في الطلب عليه، فإن تخفيض قيمة العملة لن يؤدي إلى الآثار المتوقعة له على الميزان التجاري، ويطلق على السياسة الرامية لتحويل إنفاق المستهلكين من الإنفاق على الواردات إلى الإنفاق على السلع المحلية البديلة لها سياسات تحويل الإنفاق.

ربما تبدو أهمية هذه النقطة بصورة أكبر في حالة الدول النامية حيث تنخفض مرونة العرض السعرية (درجة استجابة الكميات المعروضة من السلع لتغيرات الأسعار)، إذ تنخفض هذه المرونة بشكل واضح نظرا لاعتماد هذه الدول بشكل عام على إنتاج السلع الأولية، سواء في أنشطة الزراعة أو الصيد أو التعدين، حيث تنخفض استجابة العرض من هذه السلع مع تغيرات أسعارها على المستوى الدولي، وذلك مقارنة بأنشطة الإنتاج الأخرى التي تقوم أساسا على الصناعة أو تقديم الخدمات، والتي يكون عرضها أكثر مرونة بالنسبة للتغيرات في الأسعار.

من ناحية أخرى فإن الدراسات تشير إلى أنه حتى لو توافر شرط مارشال/ليرنر وكان هناك طاقة إنتاجية فائضة لدى الدولة تمكنها من مواجهة الزيادة في الطلب على صادراتها، فإنه من الممكن إلا يترتب على تخفيض قيمة العملة تحسن آني في ميزانها التجاري، بسبب أن المرونات بشكل عام في الأجل القصير تكون منخفضة، وهو ما يتسبب في حدوث ما يسمى بمنحنى J، والذي ينشأ نتيجة ارتفاع فاتورة الواردات بصورة أكبر من زياد الإيرادات من الصادرات وضعف استجابة الكميات المستوردة والمصدرة للتغيرات التي تحدث في الأسعار النسبية الناجمة عن التخفيض.

ويعني منحنى J، حدوث زيادة في عجز الميزان التجاري مباشرة في أعقاب تخفيض قيمة العملة (الجزء النازل من حرف J)، وذلك بسبب أن تأثير التغير في أسعار الصادرات والواردات الناتج عن تخفيض قيمة العملة اكبر من استجابة الكميات المطلوبة منهما، وهو ما يعني انه مع تراجع أسعار الصادرات نتيجة تخفيض قيمة العملة لا تتزايد الكميات المطلوبة من الصادرات، أو تتزايد على نحو ضعيف، مما يؤدي إلى تراجع إيرادات الصادرات، في الوقت الذي ترتفع فيه أسعار الواردات نتيجة تخفيض قيمة العملة، بينما لا تتراجع الكميات المستوردة من الخارج، أو تتراجع على نحو ضعيف، مما يؤدي إلى زيادة المدفوعات على الواردات، وهو ما يعني زيادة العجز في الميزان التجاري في البداية، غير أن كميات الصادرات والواردات تأخذ بعد ذلك في الاستجابة للتغيرات في الأسعار، فيتزايد الطلب على الصادرات ومن ثم الإيرادات منها، بينما تتراجع الكميات من السلع المستوردة من الخارج، ومن ثم يقل الإنفاق عليها، وبالتالي يتحسن وضع الميزان التجاري لاحقا (الجزء الصاعد إلى أعلى من حرف J).

غير أن الدراسات التي تمت لاحقا على الدول النامية، بصفة خاصة على الدول الناشئة في آسيا أثبتت أن استجابة ميزان المدفوعات قد لا تأخذ شكل حرف J، وإنما تأخذ شكل حرف S، حيث وجد ان الارتباط المشترك بين شروط التبادل التجاري وميزان المدفوعات لهذه الدول لم يكن على شكل حرف J، وإنما كان على شكل حرف S. حيث وجد أن الميزان التجاري يتأثر بصورة سلبية بالتحركات الحالية والمستقبلية في شروط التبادل التجاري، بينما يتأثر بصورة ايجابية بالتحركات السابقة فيها. وبمعنى آخر فإن التحسن في الميزان التجاري الناتج عن تخفيض قيمة العملة في البداية يؤدي إلى زيادة مستوى الناتج والتوظف وهو ما يرفع من مستويات المعيشة في الدولة ومن ثم ارتفاع المستوى العام للأسعار، وهنا تتحسن شروط التجارة بالنسبة للدولة، الأمر الذي يؤثر سلبا مرة أخرى على الميزان التجاري.

ولا يقتصر تأثير تغير معدل الصرف على الصادرات والواردات من السلع والخدمات، وإنما يمتد أيضا إلى الطلب على الأصول المالية والحقيقية بين دول العالم، أو الاستثمارات ما بين دول العالم. فعندما تنخفض قيمة العملة فإن قيمة الأصول الخارجية التي يملكها المقيمين في هذه الدولة ترتفع (مثل أسهم الشركات الأجنبية، أو المودعات في البنوك الأجنبية نتيجة ارتفاع قيمة العملة التي تقيم بها هذه الأصول بالنسبة للعملة الوطنية)، فيزيد إقبال المقيمين عل الاحتفاظ بالأصول الأجنبية، أي يتزايد خروج رؤوس الأموال إلى الخارج، بينما يجد الأجانب أن قيمة الأصول المحلية التي يملكونها في الدولة تتراجع نظرا لتراجع قيمة العملة المحلية فيقل الإقبال من قبل الأجانب عليها، وبالتالي يقل تدفق رؤوس الأموال إلى الداخل.

غير أنه عندما تكون الدولة مدينة إلى الخارج بدين كبير (أي مقوم بالعملة الأجنبية) فإن تخفيض قيمة عملة هذه الدولة سوف يضر بها. على سبيل المثال إذا كانت الشركات في هذه الدولة أصولها مقومة بالعملة المحلية، بينما التزاماتها مقومة بالعملة الأجنبية، فإن تخفيض قيمة العملة يؤدي إلى تراجع قيمة أصولها بالنسبة لالتزاماتها، وهو ما يمكن أن يؤدي إلى إفلاس تلك الشركات أو عدد كبير منها، خصوصا تلك العاملة في القطاع المالي، مثلما حدث في الأزمة الآسيوية، ويطلق على هذا الأثر في علم الاقتصاد اثر الميزانية Balance sheet effect، وقد يكون هذا الأثر جوهريا بحيث يترتب على تخفيض قيمة العملة آثارا سلبية تفوق الآثار الايجابية التي يمكن تحقيقها من خلال التحسن في التجارة الخارجية للدولة ومن ثم ميزان مدفوعات الدولة، وقد تستجيب الحكومات لمثل هذه التطورات من خلال رفع معدل الفائدة بهدف جذب رؤوس الأموال إلى الداخل والحد من اتجاهها نحو الخارج، الأمر الذي يمكن ان يؤثر سلبا على مستويات الاستثمار والتشغيل، ومن ثم مستويات الرفاه.

عزيزي القارئ كان لابد من هذه المقدمة النظرية لموضوع تخفيض قيمة العملة الوطنية، وذلك للتأكد من تكوين الخلفية المناسبة لفهم الآثار المتوقع حدوثها في الاقتصاد المصري نتيجة المقترح المعروض حاليا في مصر وذلك بالسماح للجنيه المصري بأن ينخفض بصورة تدريجية، فهل يجب على مصر ان تسمح بتخفيض قيمة عملتها؟ هذا ما سأتناوله في الأسبوع القادم بإذن الله تعالى.

الخميس، مارس 24، 2011

الصين تكسب دعوى ضد الولايات المتحدة في منظمة التجارة العالمية

سياسة الإغراق هي سياسة قد تلجأ اليها الدول للتصرف في فائض انتاجها من خلال اغراق الاسواق الخارجية بهذه المنتجات عن طريق بيعها بأسعار تقل إما عن التكلفة الحقيقية لها، أو بأسعار تقل عن اسعار بيع السلع في الداخل. وتهدف سياسات الاغراق اما للتخلص من فائض الانتاج بصورة مؤقتة، أو للسيطرة على الاسواق الخارجية من خلال طرد المنافسين بفرض اسعار منخفضة جدا للسلع، ولهذا السبب يعد الإغراق من الممارسات التجارية غير العادلة، واذا ما ثبت ان دولة ما تمارس الإغراق في سوق دولة أخرى، فمن حق هذه الدولة ان تقوم بفرض رسوم جمركية ضد الإغراق Anti-dumping لتفويت الفرصة على الدولة التي تمارس الاغراق.

الصين التي طالما اتهمتها الولايات المتحدة بأنها تغرق الاسواق الامريكية بالسلع الرخيصة متسببة في اغلاق الكثير من المصانع الامريكية وتحويل وظائف الامريكيين الى سوق العمل الصيني، استطاعت ان ترد الصاع للولايات المتحدة من خلال الدعوى التي اقامتها أمام منظمة التجارة العالمية متهمة فيها الولايات المتحدة بأنها تفرض ضرائب بصورة غير قانونية ضد الاغراق وضد الدعم الذي تدعي ان الصين تمارسه على نطاق واسع عندما تصدر منتجاتها الصناعية الى الولايات المتحدة. الصين حاليا هو عملاق التجارة في العالم ففي 2010 بلغت صادرات الصين 1.6 تريليون دولارا حققت منها فوائض تبلغ 184.5 مليار دولارا.

من جانبها تقود الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي حملة ضد الصين لمحاربة ما يدعونه بأن الصادرات الصينية مدعومة بشكل كبير فضلا عن انها تخترق الاسواق الاوروبية والامريكية من خلال عمليات الإغراق في عام 2007 قامت الولايات المتحدة بفرض رسوم جمركية بنسبة 20% على بعض المنتجات الصينية مثل مواسير الصلب واطارات السيارات، وقد اشتكت الصين أمام منظمة التجارة الدولية بأن التحرك الامريكي يعد غير قانوني، الا ان الدعوى الصينية رفضت.

غير أن الصين عادت مرة أخرى واستأنفت الحكم أمام منظمة التجارة العالمية ولكنها مسلحة في هذا المرة بأفضل المستشارين متخصصين في القانون التجاري الدولي، مدعية بأن الولايات المتحدة تقوم حاليا بفرض ضريبة ضد دعم الصادرات وضد الإغراق، على أساس أنه لا يجوز ان يتم فرض هاتين الضريبتين معا، استنادا الى ان الصين ليست سوق حر ومن ثم لا ينطبق عليها الرسوم ضد الدعم.

وقد جاء حكم منظمة التجارة العالمية في صالح الصين والذي ينص على انه ليس من حق الولايات المتحدة ان تفرض الرسمين سويا على الصادرات الصينية. من المتوقع بالطبع ان يثير الحكم قلقا لدى المصنعين في الولايات المتحدة، على اساس ان ذلك سوف يضعف من قدرتهم التنافسية امام المنتجات الصينية المثيلة. حيث يفترض الآن من الولايات المتحدة أن تقوم بتخفيض جزئي للرسوم التي تفرضها على الواردات من بعض السلع الصناعية من الصين، وأن تكون اكثر حرصا في رد فعلها تجاه الصادرات الصناعية الصينية اليها في المستقبل.


البعد الآخر للنمو الصيني

استطاعت الصين أن تخترق الاسواق العالمية اعتمادا على عنصر مهم جدا في تنافسيتها الدولية وهو الأسعار المنخفضة، والتي طالما نظر اليها على أنها احد اسباب ارتفاع مستويات معيشة الفقراء في العالم والذين اصبح لديهم وصول، بفضل الاسعار الصينية الرخيصة، للكثير من السلع المعمرة التي لم يكن لديهم من سبيل الى الوصول اليها عندما كانت تصنع في اليابان أو غيرها من الدول الغربية، واصبحت عبارة صنع في الصين تعني جودة وسعر في ذات الوقت. الأسعار الرخيصة كانت أحد المكونات الاساسية لسياسة الصين في التصدير والتي تستند الى نموذج الصادرات كقائد للنمو. غير أن ثمار النمو الهائل الذي حققته الصين لم تصل الى الفرد العادي بسبب السياسات الحكومية والتدخل الحكومي المكثف في ادارة دفة الاقتصاد، لدرجة أن الارتفاع في مستوى معيشة الفرد الصيني كان محدودا للغاية ولا يتماشى مع هذا النمو الاستثنائي الذي حققته.

فعلى الرغم من ان الاقتصاد الصيني يعد ثاني اكبر اقتصاد في العالم بعد الولايات المتحدة، الا أن متوسط نصيب الفرد من الناتج يقع في المركز 99 من بين 183 دولة، ومن المعلوم ان متوسط نصيب الفرد من الناتج كمؤشر يعاني من الكثير من العيوب باعتباره متوسط، ولذلك اذا ما نظرنا الى مستويات الاجور سوف نجد ان مستوى الاجر للفرد الصين يحتل المركز 158 عالميا من بين 183 دولة، وهو ما يضع الفرد الصيني في ذيل قائمة دول العالم من حيث مستويات الأجور.

هذه الفجوة الواضحة بين متوسط نصيب الفرد من الناتج ومستوى الاجر تعكس الحقيقة التي أشرنا اليها وهي أن النمو الاقتصادي الكبير لم ينعكس في مستوى معيشة ورفاهية الفرد الصيني. حيث يفترض أن هناك ارتباط بين مستوى الاجر ومتوسط نصيب الفرد من الدخل، غير أن هذه الفجوة الواضحة بين هذين المؤشرين في الصين يعكس فجوة كبيرة في توزيع الدخل داخل الصين، حيث تشير الاحصاءات الى أنه وفقا لمعامل جيني لتوزيع الدخل تقع الصين في المرتبة 83 عالميا من بين 134 دولة، هذا فضلا عن الفوارق الواضحة في التنمية بين الاقاليم المختلفة في الصين. الدراسات التي أجريت على الصين تشير الى أن متوسط أجر العامل في القطاع المدني يبلغ تقريبا 6 اضعاف الحد الأدنى للأجر، بينما يبلغ المعدل العالمي الضعف، وهو ما يشير الى وجود فوارق هائلة في مستويات الاجور.

اليوم تتصاعد الضغوط التضخمية في الصين على نحو واضح وهناك مقترحات للحكومة بان تضاعف الحد الأدنى للأجر لسد الفجوة بين متوسط نصيب الفرد من الناتج ومستوى الاجور، ومن الناحية التقليدية مثل انخفاض الاجور في الصين عنصر الجذب الاساسي للاستثمارات الاجنبية المباشرة، على سبيل المثال تمثل تكلفة الاجور حوالي 50% من التكلفة في المتوسط في القطاع الصناعي، بينما في الصين تمثل 40% فقط، مما يجعل الصين عنصر جذب واضح لهذه الاستثمارات. مقترحات رفع مستويات الاجور سوف تقلل الفارق في متوسط تكلفة عنصر العمل بين الصين وباقي الدول العالم، وتفقد الصين جانبا من الميزة الاساسية التي تتمتع بها حاليا، حيث ستجعل من الصين مركزا غير جذاب للقيام بالأعمال، مقارنة بالدول المنافسة لها.

اليوم هناك تحولات في السياسة الصينية التي تهدف الى التحول من نموذج الصادرات التي تدفع النمو الى التركيز بصورة اكبر على الاستهلاك المحلي، وكذلك تحويل سلسلة القيمة في القطاع الصناعي نحو مجموعات المنتجات التي تركز على التكنولوجيا وليس على عنصر العمل رخيص الاجر. في مقال له حول الموضوع أوضح ستيفنسن ديكنسون أن مضمون هذا التحول سوف يكون في حدوث ارتفاع كبير في مستويات اجور العمال الصينين وهو ما يمكن ان يمحو الميزة التنافسية التي طالما تمتعت بها الصين في عنصر التكلفة بقطاعها الصناعي.





الاثنين، مارس 21، 2011

بعض حالات التضخم الجامح في العالم

يعد التضخم أحد المشكلات الاقتصادية الهامة على المستوى الكلي، والتضخم أنواع، فقد يكون معدل التضخم منخفضا، أو متوسطا، أو مرتفعا، أو قد يكون التضخم جامحا، والتضخم الجامح Hyper-inflation هو أقسى اشكال التضخم، ويعرف الاقتصاديون التضخم الجامح بأنه الحالة التي يزيد فيها معدل الزيادة في الاسعار عن 50% شهريا، وهو بشكل عام معدل مرتفع جدا للزيادة في اسعار السلع والخدمات. وعلى ذلك فإن التضخم الجامح هو حالة من التضخم الحاد الذي تأخذ فيه معدلات الزيادة في الأسعار ما يقارب الـ 1300% سنويا أو أكثر. وفي حالات التضخم الجامح الحادة تصل الزيادات في الأسعار إلى أرقام فلكية، بحيث تصبح النقود بلا قيمة تقريبا، وربما تكون تكلفة الورق الذي تطبع عليه النقود اكبر بكثير من القيمة الاسمية المنصوص عليها على الورقة النقدية. ونظرا لتراجع القوة الشرائية للنقود على نحو خطير يتم تعديل فئات النقود المصدرة من خلال إضافة أصفار إضافية على كل ورقة جديدة يتم طباعتها، فبدلا من أن تحمل الورقة قيمة دولار مثلا، تصبح 10000 دولار، ثم 100000 دولار، ثم مليون دولار، ثم بليون دولار، ثم 500 بليون دولار للورقة الواحدة، وهكذا. ويعاني الناس بصورة شديدة جدا في حالة وجود تضخم جامح، حيث يجدون دخولهم وثرواتهم التي تأخذ صورة نقدية تتراجع على نحو خطير في ظل الارتفاع الفلكي للأسعار، ونتيجة لذلك تتدهور مستويات المعيشة للسكان بصورة مأساوية. أمس أصدر موقع Business insider تقريرا عن 10 حالات للتضخم الجامح في القرن العشرين، احببت ان اشارك القراء فيه. الحالات الآتية تمثل حالات التضخم الجامح التي مرت على العالم خلال القرن العشرين مرتبة من الأقل الى الأعلى.


1. شيلي 1973-1975

بلغ معدل التضخم الشهري في شيلي في ابريل 1974 حوالي 745% شهريا. وقد ساعد الانقلاب الذي جلب الجنرال اوجستو بينوشيه برعاية الولايات المتحدة في التغلب على المشكلة، حيث تم بيع الشركات المملوكة للحكومة وتم استبدال العملة الشيلية ببيزو جديد، وأخذ معدل التضخم في التراجع.


2. الأرجنتين في الثمانينيات

بلغ معدل التضخم السنوي في الارجنتين 12000% في عام 1989، وهو ما أدى الى تراجع قيمة البيزو الارجنتيني بصورة كبيرة، حيث بلغت قيمة البيزو الواحد في 1992 ما يعادل 100مليار بيزو من ذلك الذي كان يتم تداوله في 1983. وقد نشأ التضخم في الارجنتين بسبب توقف عمليات الاستدانة الخارجية وهو ما دفع بالحكومة الى تخفيض قيمة العملة للتعامل مع العجز في ميزان مدفوعاتها. وقد تم التغلب على المشكلة من خلال برنامج للاستقرار الاقتصادي تم تنفيذه في الارجنتين، وهو ما أدى الى تراجع معدلات التضخم.


3. نيكاراجوا 1987-1990.

بلغ معدل التضخم السنوي في نيكاراجوا 1987 30000%، وازاء هذا التضخم الجامح اضطرت الحكومة الى اصدار العملة بفئات عالية جدا، بلغت 100 مليون كوردوباس (اسم العملة) للورقة الواحدة. وقد نشأ التضخم بسبب الحرب الاهلية وتراجع الصادرات الزراعية للولايات المتحدة وقيام الولايات المتحدة بفرض حصار على نيكاراجوا. بعد انتهاء الصراع المسلح، تم ادخال اصلاحات اقتصادية بواسطة فيوليتا شامورو بعد انتخابات 1990، وهو ما أدى الى جذب المزيد من الاستثمارات الاجنبية وايضا تقديم الدعم من الولايات المتحدة، الامر الذي ساعد على انتهاء التضخم الجامح.


4. بوليفيا 1984-1985

بلغ معدل التضخم السنوي في اغسطس 1985 في بوليفيا 60000%، ولم يكن التضخم الجامح في بوليفيا بسبب الحرب، وانما بسبب الاوضاع السياسية غير المستقرة والتي ادت الى انهيار صناعات التصدير في الدولة وارتفاع الديون الخارجية لبوليفيا، الأمر الذي دفع بالحكومة الى طباعة المزيد من النقود، وقد قامت حكومة الرئيس فيكتور باز ايسونورو بتغييرات في السياستين المالية والنقدية ووقف عمليات الطباعة للنقود الجديدة، وتوسيع نطاق الضرائب ورفع مستويات الأسعار للسلع التي يتم تقديمها من خلال القطاع العام، الامر الذي أدى الى التخلص من التضخم الجامح.


5. الصين 1948-1949

بلغ أعلى معدل للتضخم الشهري في الصين في مايو 1949 حيث بلغ 2178% شهريا، أي ما يعادل معدل تضخم يومي يساوي 11% وقد بلغت القيمة الاسمية لأكبر ورقة نقدية تمت طباعتها 6 مليار يوان. وقد نشأ التضخم نتيجة قيام الحكومة بطباعة النقود لتمويل الحرب، وهو ما أدى الى تراجع قيمة اليوان على نحو خطير. في عام 1955 قامت الحكومة بتبني الرنمينبي كعملة جديدة، وبدأ التضخم في التراجع نتيجة لذلك، وقد بلغ معدل التبادل بين العملة الجديدة والعملة القديمة 1 رنمينبي لكل 10000 من العملة القديمة.


6. اليونان 1943-1946

بلغ اقصى معدل شهري للتضخم في اليونان في اكتوبر 1944، حيث بلغ معدل التضخم 13800% شهريا، وهو ما يعني أن معدل التضخم اليومي يبلغ 20.9%. نشأ التضخم الجامح في اليونان بسبب قيام الحكومة بتغطية نفقاتها من خلال طبع النقود بدلا من فرض الضرائب على المواطنين. وقد ترتب على الاحتلال الايطالي الألماني لليونان تدمير الاقتصاد اليوناني وهو ما أدى الى فقدان الثقة في العملة اليونانية، الأمر الذي دفع البنك المركزي الى اصدار عملات ذهبية بدلا من الورقية، مما ساعد على تقليل الطلب على النقود. في عام 1953 انضمت اليونان الى اتفاقية البريتون وودز ومن ثم تم تثبت قيمة العملة بالنسبة للدولار الامريكي، وانتهى التضخم.


7. ألمانيا 1921-1923

بلغ معدل التضخم الشهري في اكتوبر 1923 حوالي 29500% شهريا، وقد ترتب على ذلك تراجع معدل صرف المارك الالماني على نحو كبير، ففي ديسمبر 1923 بلغ معدل الصرف 2 تريليون مارك لكل دولار امريكي. ومن المفارقات المثيرة للدهشة هي أنه في هذه الفترة لجأت الأسر الألمانية لحرق الأوراق النقدية في المدفأة بدلا من الفحم للتدفئة، على أساس أن التدفئة من خلال حرق النقود كان ارخص من شراء الفحم (كما توضح الصورة التالية) واستخدامه في التدفئة. ويعزى التضخم الى قيام الحكومة الالمانية بتمويل ديونها من خلال الاقتراض من السلطات النقدية (طبع النقود) بدلا من فرض الضرائب على المواطنين، وقد قامت الحكومة الالمانية بعد ذلك بإنشاء بنك مركزي مستقل وادخلت عملة جديدة (الرنتنمارك) الذي يمكن تحويله الى سند ذو قيمة ذهبية، وتراجع التضخم نتيجة لذلك.




8. يوغوسلافيا 1989-1994

بلغ معدل التضخم الشهري في يوغوسلافيا 313,000,000%، أي بمعدل تضخم يومي 64.6%، ونتيجة لذلك كان على البنك المركزي أن يصدر عملات نقدية ذات قيم اسمية مرتفعة جدا، حيث بلغت قيمة أعلى عملة تم اصدارها 500 مليار دينار للورقة الواحدة. وقد نشأ التضخم الجامح نتيجة لعمليات طبع النقود والذي نتج عن الحصار الذي فرضته الأمم المتحدة على الدولة مما أدى الى تراجع الناتج المحلي على نحو خطير. في عام 1990 نفذت احتياطيات الدولة من النقد الاجنبي وتحولت الدولة بالتالي الى استخدام مدخرات الافراد فيها من خلال تقييد حق الافراد في السحب من مودعاتهم في البنوك الحكومية، وفي عام 1994 أدخلت الحكومة عملة جديدة (نوفي دينار)، وتم تثبتيها بالمارك الالماني على أساس معدل صرف 1 نوفي دينار لكل مارك، وانتهى التضخم.


9. زيمباوي 2000-2009
 
بلغ معدل التضخم السنوي في زيمبابوي 516 كوينتيليون% (الكوينتيلون = 1000000000000000000)، وهو ما عني ارتفاعا رهيبا في اسعار السلع لدرجة أن الناس كان يضطرون الى حمل النقود في سلال حتى يتمكنوا من توفير الكمية اللازمة منها لشراء احتياجاتهم الاساسية، مثل هذه السيدة التي في الصورة. ونظرا للارتفاع الرهيب في أسعار السلع اضطرت الحكومة الى طبع نقود بقيم اسمية عالية جدا، بلغت 100 مليار دولار زيمبابوي للورقة الواحدة. ويرجع التضخم الى قيام الرئيس موجابي بتمويل الانفاق الحكومي من خلال طبع النقود، في اوقات عدم الاستقرار السياسي التي أعقبت رسوبه في الانتخابات ضد معارضيه. في 2009 اضطرت الحكومة الى الغاء الدولار الزيمبابوي واستخدام الراند الجنوب افريقي والدولار الامريكي بدلا منه، فتراجع معدل التضخم.





10. المجر 1945-1946

هذه الحالة هي أكبر حالات التضخم الجامح المسجلة في العالم في التاريخ الحديث حيث بلغ معدل التضخم الشهري في عام 1946 ما يعادل 4.19×10(مرفوعة الى اس 16) أو ما يعادل 207% يوميا، وقد كان اكبر قيمة اسمية لوحدة النقود التي تم اصدارها هو 100 كوينتيليون، وهي أعلى قيمة لعملة من الناحية الاسمية تم اصدارها في التاريخ. وللتغلب على الوضع تم اصدار عملة جديدة (ادوبينجوي) وكان معدل التحويل بين العملتين الجديدة والقديمة هو وحدة من العملة الجديدة تعادل (2×10(مرفوعة الى اس 21)، وهو ما كان يعني ان العملة القديمة لم يكن لها قيمة، لدرجة انها كانت تلقى في الشارع دون أن تجد من يلتقطها لأن التقاطها يعني جمع المزيد من القمامة من الشارع الى المنزل، لدرجة ان عمال القمامة كانوا يكنسون هذه العملة من بين ما يكنسون من قمامة في الشارع (وفي الصورة عامل قمامة يقوم بكنس البينجوي في الشارع بعد استبداله بالعملة الجديدة). ويرجع التضخم في المجر الى الحرب العالمية الثانية. عندما تسلمت حكومة جديدة زمام الامور في البلاد في 1946 تم اصدار عملة جديدة وهي الفروينت وتم تثبيت نظام الائتمان وتراجع معدل التضخم.






 




للمزيد من المعلومات عن حالات التضخم الجامح يمكن تحميل هذه الملفات
1- Andres Erosa Gustavo Ventura “On Ination as a Regressive Consumption Tax".
2- IFRS “Severe Hyperinflation Proposed amendment to IFRS 1”
3- Constantino Bresciani-Turroni “THE ECONOMICS OF INFLATION”
4- H. Hanke and Alex K. F. Kwok “On the Measurement of Zimbabwe’s Hyperinflation”
5- H. Hanke Zimbabwe “From Hyperinflation to Growth”

الأحد، مارس 20، 2011

الثورة المصرية مصدر الهام للثائرين في الولايات المتحدة

حاكم ولاية ويسكونسن سكوت ووكر يحاول اضعاف نفوذ نقابات العمال والحد من تأثيرهم العام في الولاية، وهو بهذا الشكل يسير على خطى المرأة الحديدية مارجريت تاتشر عندما تعاملت مع نقابات العمال من خلال تحويل مؤسساتهم التي يعملون فيها نحو القطاع الخاص، واغلاق عددا كبيرا من مناجم الفحم حتى تقلل من اعداد العاملين في هذه الصناعة، وقد كان عمال الفحم غول الحكومات المتعاقبة في المملكة المتحدة.

ديكتاتور ويسكونسن هدد نقابات العمال بالفصل، ويأتي ذلك في اعقاب محاولة حاكم ويكونسن اجراء اصلاحات تقلص من القوة التفاوضية للعمال وترفع من مساهماتهم في تكاليف التأمين الاجتماعي لخفض ميزانية التحويلات التي تقوم بها الولاية في المساهمة في المعاشات التقاعدية للعمال.
 
الأحدث دفعت بعض المعارضين للحاكم في ويسكونسن للتظاهر، الجميل في الأمر هو التأثير الشديد للثورة المصرية على هؤلاء، وهذه المجموعة من الصور توضح ذلك.
 
في هذه الصورة يرفع أحد المتظاهرين لوحة مكتوب عليها "حارب مثل المصري fight like an Egyptian" وهي عبارة فيها تورية، حيث انها على نفس نغمة الاغنية الانجليزية "امشي مثل المصري Walk like an Egyptian"، غير انه يقصد هنا ثوروا مثلما فعل المصريون وقلدوهم.



هذه صورة لمتظاهر آخر (أو ربما متظاهرة) يجلس ويتحدث في التليفون، وكأنه يطلب المصريين عبر التليفون، وتقول اللوحة "ساعدينا يا مصر"، في اشارة الى عظمة الثورة التي قام بها الشباب في مصر.



هذه صورة أخرى لمتظاهرة ترفع لوحة مكتوب عليها "مصر علمتنا الطريق، يسقط الديكتاتور"، فالثورة المصرية بإصرار شبابها الرائعين ومواجهتهم الرصاص بصدورهم العارية، ووعيهم على البلد وحرصهم على عدم المساس بها، جعلت الجميع يحترمهم وأولهم القوات المسلحة التي لم تجد بدا الا من الوقوف معهم، عندما شاهدوا روعتهم وهم يثورون وهم يقتلون، وهم يرددون هتافتهم بإصرار غير مسبوق على خلع الديكتاتور.



وهذه صورة يرفعها متظاهر مكتوب عليها، لقد استغرقت الثورة المصرية 18 يوما (لا سقاط الديكتاتور)، فكم ستستغرق ويسكونسن (لا سقاط ديكتاتورها)، علامات استفهام كثيرة يضعها المتظاهر.



وأخيرا هذا الصورة يرفعها متظاهر أثناء أحد المظاهرات في مصر بعنوان عمال ويسكونسن، وتقول الصورة، ان مصر تدعم ويسكونسن، إنه عالم واحد وألم واحد (من كل ديكتاتور).



العالم اجمع متفق على أن الثورة المصرية هي أروع الثورات التي مرت على العالم واعظمها، وقد اثبت الشباب المصري أنهم أعظم ثوار التاريخ، بصبرهم ووعيهم وثباتهم، ومواجهتهم العنف بالصبر والسلام ووقفة الرجل الواحد. عندما تمر الثورة على مصر الحضارة فإنها تأخذ لونا آخر وشكلا آخر وطابعا مختلفا، لتكون ثورة من نوع مختلف تماما عن تلك التي شهدها العالم في كافة ارجاءه، إنها اكثر ثورات العالم امنا وسلما ووعيا وصبرا وحماسا واصرارا بل وايضا مرحا وفكاهة.


الجمعة، مارس 18، 2011

حتى لا تتسبب الثورة في إعلان إفلاس مصر

نشر في صحيفة الاقتصادية السعودية بتاريخ الجمعة 18/3/2011
منذ قيام الثورة في 25 يناير الماضي حتى هذه اللحظة، وفيما عدا خلع النظام السابق، فإن الأوضاع، بصفة خاصة الاقتصادية، لا تسير على ما يرام وتتردى يوما بعد آخر، بما ينذر بأنه ما لم تتغير الأوضاع الحالية في مصر، فإن الفترة القادمة سوف تشهد تدهورا خطيرا في الجانب الاقتصادي. صحيح أن الثورة قد ساعدت على تحرير مصر من نظام أشاع الفساد في كافة جوانبها وتراجعت على عهده مصر في كافة المجالات تقريبا، على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، وفقدت مصر ريادتها عربيا وإفريقيا، في معظم الجوانب، بسبب أن النظام السابق لم يكن يهتم بدور مصر أو موقعها، بقدر ما كان بموقعه هو، وبكيفية ترسيخ وضعه هو على كرسي الحكم، وتكريس كافة الجهود للتأكد من انتقال الكرسي لابنه من بعده.

الآن وقد تخلصنا من هذا النظام، فإن المرحلة القادمة هي في حقيقة الأمر امتداد للثورة، وفي رأيي فإن ثورة مصر القادمة هي ثورة لدفع مصر نحو الأمام، وإلا فإن السيناريوهات التي تنتظرنا سوف تكون مرعبة. فعجلة الإنتاج لا تسير حاليا في الكثير من قطاعات الدولة على نحو مناسب، والسياحة شبه متوقفة، والصادرات تتراجع على نحو مقلق، والضرائب لا تجمع، في الوقت الذي يتعطل فيه مسار عملية الإنتاج من وقت لآخر بسبب إضراب العمال والذين أساءوا، للأسف الشديد، فهم المعنى الحقيقي للثورة واستحقاقاتها من كل مجموعة من المجموعات المختلفة في المجتمع، وموارد النقد الأجنبي للدولة تتراجع بصورة مثيرة للقلق.

الثورة ليست كما يتصور البعض هي السبيل للتمرد على الأوضاع الحالية وطلب تحسين الأوضاع التي تدهورت خلال الثلاثين عاما الماضية منذ تولي مبارك زمام السلطة في مصر، بين يوم وليلة، حيث قامت قطاعات كبيرة من العاملين في الدولة على قلب رجل واحد منادين بتحسين أوضاعهم المعيشية ورفع مستويات دخولهم كي تتماشى مع المستويات المرتفعة من الأسعار، بينما انتفضت قطاعات أخرى لتصفية حساباتها، ربما مع رئيسهم الأعلى، أو زملاءهم في العمل، أو مع المؤسسة التي يعملون فيها، وهو ما يعكس حقيقة أن هناك سوء فهم واسع النطاق لاستحقاقات الثورة والواجبات التي يجب أن تقع على عاتق كل فرد والمجموعات المختلفة في الدولة في هذه الفترة الحرجة من تاريخ مصر الحديث. فالمرحلة الحالية والقادمة من تاريخ مصر ليست مرحلة أخذ، وإنما هي مرحلة عطاء، ولا يعقل أن نطالب اليوم بما فقدناه خلال 30 عاما مضت، ذلك أننا لن نحصل على ما نطالب به من الناحية الحقيقية من خلال الإضرابات والمطالبات، فلن يعطينا إياه أحدا وإنما السبيل الصحيح للحصول على ما نطالب به هو العمل، أي أننا من سيقوم بإنتاجه بأنفسنا.

ما الذي يحاول العمال أن يحققوه عندما يضربون عن العمل؟ الذي لا يفهمه هؤلاء الذين يضربون عن العمل والذين يطالبون بزيادة مرتباتهم، أو الذين يحرقون مكاتبهم، أو الذين يريدون تغيير هياكل إداراتهم .. الخ أننا في حالة ثورة، والثورة لا تعني أن يتوقف دولاب الإنتاج عن العمل وإلا فمن المؤكد أننا مقدمون على كارثة اقتصادية حقيقية إذا لم يفهم كل مواطن دوره، ويؤدي ما عليه من واجبات قبل أن يستوفي ما له من حقوق. إن على الجميع أن يعلم أن ما يحصل عليه من دخل ليس مجرد أوراق نقدية تطبعها الدولة، وإنما هو جزء من القيمة السوقية لما يقوم هو بإنتاجه من سلع أو يقدمه من خدمات سواء في المصنع الذي يعمل به أو المزرعة التي يزرع فيها أو المكتب الذي يعمل فيه، فلا دخول بدون ناتج.

المطالبون بزيادة دخولهم وتعويضهم عما تحملوه طوال السنوات الماضية يعيشون بالفعل ما نطلق عليه في علم الاقتصاد الوهم النقدي Money illusion، حيث يسعدون بزيادة ما في أيديهم من نقود، دون أن يدركوا حقيقة أن هذه النقود، على الرغم من كثرتها، قد لا تساوي شيئا، أو تساوي قيمة اقل. فعندما يطالب العمال بالحصول على زيادة في أجورهم، دون أن يصاحب هذه الزيادة في الأجور زيادة حقيقية في الناتج، فإن هذه الزيادة لا بد وأن يتم تمويلها من خلال الإصدار النقدي، فتكون النتيجة هي أن زيادة الأجور التي حصل عليها العمال سوف تضيع في صورة ارتفاع معدل التضخم، ليكتشف العمال في النهاية أنهم كانوا واهمين عندما اعتقدوا أن ما سيحصلون عليه من ارتفاع في أجورهم النقدية سوف يحسن من مستويات معيشتهم، وذلك عندما تلتهم ارتفاعات الأسعار، أو التضخم، تلك الزيادات في الأجور النقدية. السبيل الأنجع والأسلم لزيادة مستويات المعيشة هو تكريس الجهود نحو زيادة الإنتاج وتحسينه والارتقاء بجودته لرفع تنافسية وحدات الإنتاج التي يعملون فيها، ورفع قدرة البلد على استيفاء احتياجاتها من خلال ما تنتجه محليا، وتصدير ما يفيض عنها إلى الخارج، وتقليل اعتمادها على ما تستورد من سلع تمثل عبئا شديدا على موارد النقد الأجنبي المحدودة جدا في مصر.

الفترة القادمة قد تتطلب من مصر التحرك السريع لتكثيف جهودها في السعي لدى مؤسسات التمويل الدولية، وصناديق التمويل الدولية والإقليمية لضمان تقديم المعونة اللازمة لتمويل مشروعات التنمية في المجالات المختلفة في مصر، بصفة خاصة تلك التي ترفع من مستويات تنافسيتها. مصر تحتاج اليوم، أكثر من أي وقت مضى، لتسخير طاقاتها وإمكانياتها، بصفة خاصة البشرية، لدفع عملية النمو الاقتصادي نحو الأمام.

العالم يتحدث حاليا عن مجموعة الـ 11 القادمة وهي مجموعة من الدول النامية والناشئة يتوقع أن تحقق معدلات نمو مرتفعة في المستقبل، بعد مجموعة الـ BRIC والتي تضم البرازيل وروسيا والهند والصين، والتي توصف بأنها أسرع دول العالم من حيث معدلات النمو. العالم يصنف الآن المجموعة الثانية من الدول المرشحة لأن تكون أكثر دول العالم نموا في السنوات القادمة، فمنذ حوالي 3 سنوات تم تحديد 11 دولة في العالم أطلق عليها مجموعة الـ 11 القادمة، وتمت دعوة الاستثمارات الخاصة المباشرة في العالم للتحول نحو هذه الدول للاستفادة من الفرص الكامنة فيها، وهذه الدول هي بنجلاديش ومصر واندونيسيا وإيران وكوريا الجنوبية والمكسيك ونيجيريا وباكستان والفلبين وتركيا وفيتنام، ومن الواضح أهم الخصائص المشتركة بين هذه المجموعة من الدول تتمثل في أنها جميعا تمتلك حجما سكانيا كبيرا، وبالتأكيد من بين هذه الدول مصر. ففي عالم اليوم أصبح السكان قوة وأساس للسوق الاستهلاكي المتسع، وبالتالي لجهاز إنتاجي ضخم، على عكس ما كان ينظر إليهم من الناحية الكلاسيكية.

غير أن تدفق الاستثمارات الأجنبية المباشرة إلى الجانب الأكبر من هذه المجموعة من الدول يواجه العديد من العقبات، أهمها انتشار الفساد وعدم كفاية البنى التحتية وعدم مناسبة بيئة الأعمال بما في ذلك توافر الأمن وكذلك تعقد القوانين المنظمة للأعمال. يفترض في مصر الثورة ان تقوم بالتعامل الفوري مع هذه العقبات، بصفة خاصة القضاء على الفساد واستعادة الأمن في الشارع ورفع جودة بيئة الأعمال لخلق بيئة أعمال شفافة وجاذبة للاستثمار الأجنبي حتى يمكن ان تنطلق قوى النمو في مصر بما يعكس إمكانياتها الحقيقية والتي ظلت مقيدة لفترة طويلة من الزمن بسبب النظم السياسية التي توالت عليها.

للأسف الشديد في خضم غفلة الجميع وانشغالنا بتصفية حساباتنا مع أنفسنا أو مع الدولة، نسينا أن النظام السابق لم يمت كما يتصور البعض، وأن الحرس القديم لم يختف من الساحة كما يعتقد الكثيرون، فمن المؤكد أن رموز النظام السابق ما زالوا يحلمون بعودة الأوضاع على ما كانت عليه، وأن الكثير من رجال الاعتمال الذين نموا وترعرعوا في أحضان الفساد لا يتصورون أنهم يمكنهم العيش في بيئة مختلفة، حيث تسود قيم المنافسة والشفافية وحرية السوق وحقوق المستهلك، فهم لا يفهموا هذه الآليات لبيئة الأعمال ولا يستطيعون اللعب بها، إنهم لا يفهمون إلا آليات الفساد، وقد كشفت التطورات على الأرض أن العديد من المؤامرات تحاك في الظلام من اجل القيام بثورة مضادة. صحيح أن احتمالات نجاح مثل هذه التحركات وقدرتها على تحقيق انعكاس للأوضاع على أرض الواقع تبدو شبه منعدمة، إلا أن المشكلة الأساسية هي ما تتركه مثل هذه التحركات من آثار، وما تسببه من تراجع في الأداء وما تستنزفه من موارد حتى نتعامل معها أو نتغلب عليها.

خذ على سبيل المثال أعمال العنف الطائفي في اطفيح بمحافظة حلوان، والتي أدوت بحياة 13 شخصا وحوالي 150 جريحا، والتي كادت أن تشعل نار الفتنة بين المسلمين والمسيحيين لولا تدخل العقلاء من الجانبين، فعلى الرغم من أن الجميع متفق على أن الحرس القديم هو من قام بتدبير مثل هذه الأحداث، حيث يقومون من وقت لآخر بتجنيد البلطجية للقيام بأعمال تدخل تحت تصنيف عمليات الثورة المضادة، وذلك لمناهضة الثورة وعرقلة عودة الحياة لطبيعتها والتسبب في حدوث حالة من الانفلات الأمني وترويع المواطنين لتشويه الثورة وتعطيل جهود بتر الفساد، فإن التعامل مع هذه التحركات وإطفاء الفتن لا شك تستغرق وقتا وجهدا من كل رجال الدولة وأحيانا أموال طائلة للتعامل مع مفرزاتها.

من الناحية التقليدية فإن إشعال الفتنة بين المسلمين والمسيحيين من وقت لآخر كان أحد أساليب النظام السابق لضمان استمرار فرض حالة الطوارئ، وتأكيد بقاءه على كرسيه، استنادا إلى سياسة "فرق تسد". أما وقد انتهى هذا النظام اليوم فليس هناك أي مبرر لمثل هذه الأحداث المؤسفة، والتي يؤججها الحرس القديم مستفيدا، للأسف الشديد، من تهور البعض أو جهله ببواطن الأمور، أو عدم فهمه لحقيقة الدين الصحيح، وأن لكل فرد الحق في الحياة على هذه الأرض، بغض النظر عن دينه أو مذهبه، فالدين لله والوطن للجميع. إن على الجميع أن يعلم أن الظروف الحالية في مصر لا تتحمل مثل هذه الأحداث المؤسفة وعلى الجميع، مسلمين ومسيحيين، أن يتحلوا بالصبر واللين، لأننا ليس لدينا من خيار آخر سوى ان نعيش جنبا إلى جنب على هذه الأرض الطيبة، مثلما فعلنا سويا لمئات السنين في الماضي، ولا خيار آخر أمامنا سوى أن نستمر كذلك ما شاء الله لنا في المستقبل.

لا شك أننا في مصر نواجه حالة اضطراب عظيم، وأننا نحتاج إلى أن نضع هذا الاضطراب خلف ظهورنا ونتطلع إلى الأمام ونسير وننتج ونجتهد ونشد الحزام بعض الشيء على بطوننا، حتى نجني ثمار ما ننتجه لاحقا. الجميع اليوم مطالب بأن يفهم طبيعة دوره وطبيعة دور الدولة، فهناك الكثير من الإصلاحات التي تسير بشكل جيد، ولكن الإنتاج لا يسير كما ينبغي وتلك هي المعضلة، كما أن خزينة الدولة لم يدخلها شيء تقريبا منذ قامت الثورة، فمن أين لها أن تدفع المرتبات وتولد الكهرباء وتحلي المياه وتدعم الخبز وتوفر الأمن وتنفق على الصحة والتعليم وتشيد مشروعات البنى التحتية... إلى آخر هذه القائمة الطويلة من الوظائف التي تقوم بها الدولة، حتى تستوفي المطالب الأساسية للناس وتحسن من مستوى معيشتهم، بل كيف لها ان تقوم بخدمة الديون الخارجية المستحقة عليها، وذلك عندما يحل ميعاد استحقاق أقساط تلك الديون، في ظل جفاف منابع النقد الأجنبي الذي تعيشه الدولة حاليا.

لا يمكن للدولة ان تستمر على هذا الوضع لفترة طويلة من الزمن دون أن تضطر إلى خيارين في منتهى الخطورة، الأول هو تكثيف عمليات الاقتراض من الخارج لسد فجوة الموارد الخارجية، وهو خيار سوف يكون مكلفا للغاية، في ظل التصنيف الائتماني الحالي لمصر، ومن الممكن، لا قدر الله، في حال لم تتمكن مصر من تأمين احتياجاتها من النقد الأجنبي، أن تضطر إلى إعلان إفلاسها. أما الثاني فهو طبع النقود لسد فجوة الموارد المحلية، وهو ما يمكن ان يشعل نيران التضخم في بيئة تتسم بأنها تضخمية في الأساس. باختصار إذا استمرت مصر بهذه الأوضاع التي تسود حاليا، فإن السيناريو الوحيد الذي ينتظرنا في المستقبل هو الإفلاس، وبدلا من أن تكون الثورة العظيمة التي قامت في مصر نعمة بالنسبة لها، فقد نجد، لا قدر الله، من ينادي بعودة النظام القديم مرة أخرى.

الأربعاء، مارس 16، 2011

غسيل الأموال 6: الخلط غير المصرفي

يشمل غسيل الأموال من خلال الخلط غير المصرفي أساليب كثيرة يمكن تلخيصها في الآتي:

أ - الخلط من خلال المؤسسات المالية غير المصرفي، تمثل المؤسسات المالية غير البنكية ومشروعات الأعمال غير المالية أهم الأساليب التي يمكن اللجوء إليها في تنفيذ عمليات الغسيل. على سبيل المثال تمثل مكاتب الصرافة تمثل مصدرا متزايدا لعمليات الغسيل، إذ يتزايد يوما بعد يوم عدد وحجم المعاملات التي تتم بواسطة هذه المكاتب، ومن ثم زيادة عدد العمليات المشبوهة التي يمكن أن تتم من خلالها. على سبيل المثال يقدر عدد شركات تحويل الأموال غير البنكية في الولايات المتحدة بحوالي 200000 تتخصص في عملية تحويل النقود وإصدار والأوامر النقدية money orders و الشيكات السياحية، وفي دراسة تمت على ولاية فلوريدا تم التوصل إلى أن مثل هذه الشركات تشارك في عملية غسيل الأموال، ويتزايد بريق عمليات الغسيل بالنسبة لتلك المكاتب لان درجة تنظيم أعمالها ليست مثل البنوك أو المؤسسات المالية الأخرى، هذا إن كان لها نظاما من الأصل.

كما يمكن أن تتم عملية الغسيل من خلال شركات التأمين، حيث يقوم الشخص بشراء وثائق تأمين ذات قيمة عالية، بصفة خاصة من وكلاء شركات التأمين، ثم يعيد إلغاؤها بخصم خلال الفترة القانونية لإلغاء الوثيقة، ومن ثم يحصل على شيك من شركة التأمين، وفي بعض الدول حيث توجد أسواق ثانوية لوثائق التأمين على الحياة، يمكن أيضا شراء تلك الوثائق من الأشخاص الذين هم في حاجة ملحة للنقود، بحيث يتم تحويل المستفيد في الوثيقة إلى المشتري، ثم الانتظار للحصول على شيك عند الوفاة.

ب - الخلط من خلال المهنيين: مثل المحامين والمحاسبين القانونيين، والمستشارين الماليين وغيرهم، حيث يتم في هذه الحالة استخدام حساب المحامي أو المحاسب أو المستشار المالي من اجل عملية الخلط.

ج - الخلط من خلال إنشاء مشروع واجهة. حيث يتم ذلك من خلال شراء شركات كوسيلة لعملية التوظيف والخلط، ويتم غسل أموال عصابات المافيا من خلال الشركات القانونية التي تملكها تلك العصابات حيث تؤدي هذه الأنشطة التجارية دورا مهما في عمليات الغسيل، وأحيانا ما تكون الأنشطة الإجرامية منفصلة عن عمليات غسيل الأموال، على سبيل المثال فان نشاط المنظمات القائمة على عملية توزيع المخدرات في جنوب ووسط أمريكا، منفصل تماما عمن يقومون بعملية غسيل الأموال، وفي مثل هذه الحالة يعمل غاسلو الأموال كمقاولين في مقابل رسوم أتعاب. فقد يلجا غاسلوا الأموال إلى أنشطة تجارية شرعية كواجهة لغسل الأموال، أو استخدام المؤسسات الوهمية ( الموجودة على الورق فقط ) والتي عادة ما تنشأ في دول أخرى، وتتم عملية الانتقاء من خلال تعيين الأعمال التي تتعامل أساسا بالنقود السائلة وتحقق حجم مبيعات كبير مثل بيوت المراهنات ومحلات الملاهي. على سبيل المثال افرض أن تاجر هيروين يملك مطعما، وان حسابات المطعم أشارت إلى تحقيقه أرباح تساوي 200، والان افرض انه حقق أرباح في مبيعات الهيروين تساوي 200، في هذه الحالة يمكن وضع الـ 200 في المطعم لتظهر الحسابات أن المطعم حققق ربحا يساوي 400، وهو ما يعني أن الأرباح تضاعفت 100%، والذي يمكن تبريره بسهولة في أي حالة استجواب بارتفاع كفاءة المطعم، وبالتالي لن يكون غاسل الأموال عرضة للمسائلة عن مصدر سيارته الفاخرة، أو فيلته الجديدة، كما سيعامل كرجل أعمال محترم في البنوك من جانب البنوك، ولذلك فان البنوك المركزية في الدول التي تحارب عمليات الغسيل تؤكد على مبدأ أهمية معرفة العميل والذي يطلق عليه "مبدأ اعرف عميلك know your client ".

ويستعين أرباب الجريمة المنظمة بأرقي الخبرات في كافة المجالات لإدارة والتحكم في هذه الشبكة من المشروعات الواجهة. على سبيل المثال فان Donavan Blackman محامي من تورنتو قام بالإشراف على العمليات المالية لدائرة دولية للمخدرات في الثمانينيات، وقد أطلق على هذا الهيكل " غابة الاسباجتي Spaghetti Jungle " إمعانا في وصف مدى تعقيد عمليات الغسيل، وقد كانت غابة الاسباجتي تشمل 11 شركة واجهة في Channel Islands، و15 شركة واجهة أخرى في جزر كاي مان وسويسرا و Netherlands Antilles وليبريا و الـ British Virgin Islands، و14 حساب مصرفي سري في Channel Islands وليبريا وأماكن أخرى. كما كان يقوم بعمليات تطوير عقاري في شاطئ West Palm Beach وفلوريدا، و Barrie واونتاريو و Kitchener. ويتم استخدام أموال المخدرات في شراء عقارات. أما مصادر الأموال فتأتي أساسا عن طريق شركة Offsore Investors وهي واحدة من الشركات المكونة لغابة الاسباجتي المملوكة بواسطة دائرة المخدرات، وهكذا تمثل مشروعات الأعمال القانونية وبصفة خاصة التجارية فرصة مهمة للقائمين على عمليات الغسيل. فمن خلال السيطرة آو تملك احد هذه المشروعات يمكن أن تتم عمليات الغسيل بسهولة دون الحاجة إلى نقل الأموال إلى الخارج.

د - الخلط عن طريق عن طريق الاستثمار في الأصول الحقيقية: مثل الأراضي وغيرها من العقارات، وهي ظاهرة تتزايد في الاتحاد السوفيتي السابق.

هـ - الخلط عن طريق شراء أو استيراد/وتصدير الذهب والمجوهرات.

و - الخلط عن طريق تزييف فواتير التجارة الدولية، حيث يلجأ غاسلوا الأموال على المستوى الدولي إلى تزييف الفواتير. على سبيل المثال فان المغالاة في قيمة الواردات التي تتم من الخارج ستشكل مبررا معقولا لتحويل أرصدة ضخمة إلى الخارج سلكيا، وقد توصلت دراسة عن الواردات الأمريكية أن الجرام من مادة الـ ERYTOHRMYCIN يسعر على أساس 1694 دولارا للجرام من الواردات، بالمقارنة بتسعة سنتات فقط للجرام من الصادرات من نفس المادة.

و - الخلط من خلال شراء اليخوت والانتيكات ثم إعادة تحويلها إلى نقود مرة أخرى.

ز - الخلط عن طريق التجارة الدولية. استخدام عوائد الجريمة في شراء السلع وتصديرها إلى الخارج ثم إعادة بيعها هناك.

ح - الخلط عن طريق سوق المال حيث يمكن الدخول في سلسلة من المعاملات مع سماسرة الأسهم أو السلع أو المستقبليات، على سبيل المثال يمكن إنشاء شركة جديدة تصدر عددا كبيرا من الأسهم يملكها الغاسل من خلال وكلائه في الخارج، ثم القيام بإجراء عمليات تبادل هذه الأسهم في سوق المال الأسهم وبيعها إلى أشخاص غير مشكوك فيهم ويحصل الغاسل على النقود في النهاية نظيفة، كما يمكن أن يتم ذلك في أسواق السندات حيث يتم شراء وإعادة بيع السندات في سوق السندات الذي يتسم بسيولة عالية، واتساع نطاقه على المستوى الدولي، وفي بعض الدول يسمح النظام بأن يقوم السمسار كوكيل أو أمين استثمار بشراء وبيع السندات لصالح العميل، وبالتالي من الممكن أن تتم عمليات البيع والشراء مع إخفاء اسم العميل، على سبيل المثال يمكن أن يقوم السمسار بإجراء بعض العمليات المزيفة ( شراء ثم وبيع ) بناءا على تطورات الأسعار في السوق بالشكل الذي يعني أن العميل يربح في كل مرة‎‎‎ ثم إيداع الأرباح في حساب العميل، وتتمثل الخطورة في مثل هذه الوسيلة في انه من الصعب جدا إثبات عملية غسيل الأموال في مثل هذه الحالة.

ط - الخلط من خلال صناعة الكازينوهات، حيث تمثل أحد الأساليب التي يمكن من خلالها غسل النقود، إذ أنها تقدم بعض الخدمات المشابهة لخدمات البنوك مثل منح الائتمان وتغيير العملات وتحويل الأرصدة، وبعض الأساليب المستخدمة بواسطة الكازينوهات هي إيداع النقود لدى الكازينو ثم الإعلان عن فوز المودع بجائزة مثل جوائز اليانصيب، وبهذا تصبح الأموال لها اصل قانوني.

ي - الخلط من خلال العملات الأجنبية، وهو أسلوب اتبعته عصابة كالي في كولومبيا، حيث تتطلب العملية وجود وسيط يتولى الاتصال بأحد رجال الأعمال الذين يرغبون في الحصول على دولارات لتمويل وارداته من الولايات المتحدة، ويقوم الوسيط ببساطة ببيع رجل الأعمال إيرادات تجارة المخدرات من النقود الموجودة أساسا في الولايات المتحدة بخصم يصل إلى 20%، فيقوم رجل الأعمال في المقابل بإيداع مقابل عملية البيع بالبيزو في البنوك الكولومبية باسم التاجر أو وكيله. وان كانت الـ 20% تعتبر تكلفة إضافية للاتجار في المخدرات بالنسبة لعمليات غسيل الأموال لكالي.

الجمعة، مارس 11، 2011

إصلاحات جوهرية في صندوق النقد الدولي

نشر في صحيفة الاقتصادية السعودية بتاريخ الجمعة 11/3/2011.
كانت مجموعة العشرين قد اقترحت إجراء إصلاح في نظام الحصص الحالي لصندوق النقد الدولي من خلال إعادة هيكلة هذه الحصص بحيث يسحب جزءا من حصص الدول ذات التمثيل المرتفع في الصندوق إلى التي تمتلك حصصا أقل، بصفة خاصة الدول الناشئة والنامية، وذلك بما يتراوح بين 5%-7% على الأقل من إجمالي الحصص، خصوصا وأن المراجعات السابقة التي تمت على نظام الحصص في الصندوق لم تسفر عن تعديل جوهري في خفض حصص الدول المهيمنة

ولكن لماذا هذا الاهتمام من جانب دول العالم بإصلاح نظام الحصص في صندوق النقد الدولي؟ للإجابة هذا السؤال لابد وأن نعرف أن حصة الدولة في صندوق النقد الدولي تمثل مساهمتها في رأس مال الصندوق، وبناء على هذه الحصة يتحدد الآتي:

1- الالتزامات الملية التي يلتزم العضو بسدادها للصندوق، وفي البداية كان يطلب من العضو ان يقوم بسداد 25% من حصته بالذهب، والباقي بالعملة المحلية للعضو. غير أن انتهاء دور الذهب في النظام النقدي الدولي، تبعه تغير في طريقة سداد العضو لحصته، حيث يتم حاليا دفع 25% من قيمة الحصة بوحدات السحب الخاصة أو بعملة واسعة القبول عالميا مثل الدولار واليورو والين والجنيه الإسترليني، أما باقي الحصة فيدفع بالعملة المحلية للعضو.

2- القوة التصويتية للعضو في الصندوق، حيث يتحدد ما يمتلكه العضو من قوة تصويتية على القرارات التي تتخذ في الصندوق بحصة العضو. ويتم حساب القوة التصويتية للعضو بعدد من الأصوات الأساسية والتي يتساوى فيها جميع الدول الأعضاء (250 صوتا) بالإضافة إلى صوت إضافي يمنح للعضو في مقابل كل 100 ألف وحدة حقوق سحب خاصة من حصته. معنى ذلك أن القوة التصويتية الإضافية سوف تعتمد أساسا على حجم حصة العضو في الصندوق.

3- قدرة العضو على السحب من موارد الصندوق، حيث يتحدد حجم التمويل الذي يمكن ان يحصل عليه العضو من الصندوق بحجم حصته. على سبيل المثال يمكن للعضو الذي يدخل في اتفاقية للمساندة Stand-by مع الصندوق (لمواجهة عجز طارئ في ميزان المدفوعات مثلا)، أن يسحب حتى 200% من حصته، أما بالنسبة للعضو الذي يدخل في اتفاقية تسهيلات ائتمانية ممتدة Extended arrangements (لمواجهة اختلالات هيكلية يعاني منها العضو)، فيمكن للعضو السحب حتى 600% من حصته، كذلك فإن النظام الحالي للصندوق يسمح بتجاوز هذا الحد في حالات استثنائية. ومن الواضح أن قدرة العضو على السحب من التسهيلات الائتمانية المتاحة من خلال الصندوق ترتبط بحجم حصته، حيث تلعب حصة الدولة تلعب دورا جوهريا في التسهيلات التي يمكن أن تتاح للعضو من الصندوق.

4- نصيب العضو في أي توزيعات لحقوق السحب الخاصة Special Drawing Rights، فعندما يقوم الصندوق بإصدار جديد لحقوق السحب الخاصة (عملة الصندوق الدولية)، فإن عملية تخصيص هذا الإصدار على دول العالم المختلفة تستند أساسا إلى حجم الحصة التي يمتلكها العضو في رأس مال الصندوق.

تدخل هذا الأسبوع تعديلات الحصص والقوة التصويتية التي تم إقرارها في عام 2008 بموجب المراجعة الرابعة عشر، حيز التنفيذ في صندوق النقد الدولي، وذلك بعد إقرارها من جانب 117 دولة عضو في الصندوق تمثل 85% من القوة التصويتية في الصندوق. فعلى مدى عقود طوال مضت منذ إنشاء الصندوق، هيمنت مجموعة محددة من الدول على عملية صناعة سياسات الصندوق من الناحية التقليدية لتركز القوة التصويتية في يديها. وقد ترتب على قيام الصندوق بمجموعة من المراجعات لنظام الحصص والتصويت إلى حدوث تعديلات في حصص الدول، غير أن أهم الإصلاحات الجوهرية التي تمت على نظام الحصص والتصويت هو ما تم بالفعل في إطار المراجعة الرابعة عشر.

تتمثل الميزة الأساسية في هذا التعديل أنه يأخذ في الاعتبار الحرص على التمثيل المناسب في الحصص للاقتصاديات الأكثر ديناميكية في العالم، كما انه يرفع مساهمة والقوة التصويتية للدول ذات الدخل المحدود في العالم. من ناحية أخرى فقد قام الصندوق بإجراء إصلاحات إضافية في 2010 والتي يترتب عليها نقل حوالي 6% من الحصص في الصندوق إلى الاقتصاديات الديناميكية والدول النامية في العالم. وتعد هذه الإصلاحات أهم عمليات تعديل في نظام الصندوق منذ إنشاءه في 1945، واكبر عملية تحويل للحصص في صالح الدول الناشئة والنامية.

بدخول المراجعة رقم 14 حيز التنفيذ هذا الشهر يتوقع صندوق النقد الدولي الآتي:

• سوف يتم مضاعفة الحصص في رأس مال الصندوق إلى حوالي 751.1 مليار دولار. ولكن هذه الزيادة لن توزع بالتساوي بحيث يستمر توزيع الحصص الحالي كما هو، بل يتم توزيعها وفقا لصيغة رياضية تعكس الدور الذي تلعبه الدولة في الاقتصاد العالمي.

• سوف يتم تحويل حوالي 6% من الحصص من الدول الدولة الممثلة بأكبر مما يجب إلى الدول الممثلة بأقل مما يجب، بصفة خاصة إلى الدول الناشئة والدول النامية، ومن ثم سوف تصبح دول الـ BRICوالتي ترمز للحرف الأول من دول البرازيل وروسيا والهند والصين والمملكة العربية السعودية، من بين أكبر 10 دول التي تمتلك حصصا في الصندوق، كما ستصبح الصين ثالث اكبر دولة عضو في مالكة للحصص في الصندوق.

• سوف تؤدي الإصلاحات إلى زيادة الأصوات الأساسية لثلاث إضعاف تقريبا، حيث تمت زيادة عدد الأصوات الأساسية لكل عضو من 250 صوت إلى 677 صوتا، وهي أول زيادة تتم منذ إنشاء الصندوق في 1945، وبحيث تتماشى القوة التصويتية مع القوة الاقتصادية للدولة الأعضاء في الاقتصاد العالم.

• سوف يتم أيضا الحفاظ على حصة والقوة التصويتية للدولة الأفقر الأعضاء في الصندوق، وهذه الدول هي الدول التي يقل متوسط نصيب الفرد منها من الناتج عن 1135 دولارا في 2008.

• سوف يتبنى الصندوق صيغة رياضية جديدة لتحديد حصة العضو في الصندوق، بدلا من الأسلوب السابق الذي كان يستند إلى تحديد حصة العضو بما يتماشى مع حصص الأعضاء المشابهين للعضو من حيث حجمه الاقتصادي وخصائصه. أما بالنسبة للنظام الجديد لتحديد الحصص، فسوف يتم تحديد الحصة من خلال صيغة رياضية يستخدمها الصندوق في هذا المجال، ووفقا لهذه الصيغة تتحدد حصة العضو من خلال استخدام نظام للأوزان يعتمد على 4 متغيرات هي الناتج المحلي الإجمالي، درجة انفتاح الدولة، درجة تقلب تدفقات صافي رؤوس الأموال إلى الدولة، وأخيرا مستوى الاحتياطيات. ومجموع الأوزان المعطاة لهذه المتغيرات الأربع هو 1، أو 100%. وتحسب الحصة بالضبط كالآتي: يعطى وزن 50% للناتج المحلي الإجمالي للدولة لمدة 3 سنوات (مزيج من قياسين للناتج المحلي الإجمالي، الأول مقاسا باستخدام معدلات الصرف السوقية (60%)، والثاني باستخدام تعادل القوة الشرائية (40%))، ويعطى وزن 30% لدرجة انفتاح الدولة، والذي يقاس بمتوسط خمس سنوات لإجمالي الإيرادات من صادرات السلع والخدمات، وإجمالي المدفوعات على الواردات من السلع والخدمات، كما يعطى وزن 15% لدرجة تقلب تدفقات صافي رؤوس الأموال عبر مدى زمني 13 عاما، وأخيرا يعطى وزن 5% لمتوسط 12 شهرا لاحتياطيات الدولة والتي تشمل احتياطيات النقد الأجنبي، وما تحتفظ به الدولة من حقوق السحب الخاصة، وموقف احتياطيات الدولة لدى صندوق النقد الدولي. كذلك تشمل الصيغة الرياضية معامل ضغط والذي يقلل من التشتت بين الأعضاء في الحصص المحسوبة.

هذه الصياغة الجديدة لحساب الحصص سوف تعني ان الدول ذات الوزن الاقتصادي الأكبر والنمو الاقتصادي الأسرع والمتكاملة بشكل كبير في الاقتصاد العالمي سوف تزداد حصتها وقوتها التصويتية، بينما تتراجع الحصص ومن ثم القوة التصويتية للدول التي يتراجع دورها في الاقتصاد العالمي.

بشكل عام تعد هذه التطورات استجابة للمطالبات طويلة المدى لإصلاح نظام صندوق النقد الدولي ورفع درجة شفافيته، وتعزز هذه الإصلاحات من فعالية صندوق النقد الدولي كما تزيد من درجة مصداقيته كمؤسسة عالمية. فقد كان توزيع الحصص في رأس مال الصندوق يتسم بعدم العدالة بين دول العالم المختلفة، خصوصا بالنسبة لدول العالم الفقير، وهي مجموعة الدول الأحوج لمساعدة الصندوق ومساندته. من ناحية أخرى فعلى الرغم من حدوث تحول هيكلي في القوة الاقتصادية التي تملكها دول العالم الناشئ في الاقتصاد العالمي، إلا أنها ظلت غير ممثلة على النحو الصحيح سواء بالنسبة لنصيبها المفترض في حصص رأس مال الصندوق، أو في القوة التصويتية التي تمتلكها هذه الدول، وطالما طالب الأعضاء في الصندوق بضرورة إصلاح النظام الحالي للحصص لكي يعكس ليس فقط الأهمية النسبية للدول الأعضاء في التجارة والمعاملات المالية الدولية كما هو الحال الآن، وإنما أيضا لإتاحة الفرص بصورة اكبر للدول الأقل تمثيلا في الحصص، بصفة خاصة الدول الفقيرة، وتقليص هيمنة الدول الغنية على عمليات اتخاذ القرارات في الصندوق.

ويكشف الصندوق عن نتائج عملية المراجعة الرابعة عشر للحصص في الصندوق كما هو موضح في الجدول رقم (1)، حيث يتضح ان أكثر عشر دول في العالم استفادة من النظام الجديد هي روسيا والتي ارتفعت حصتها بنسبة 0.50% بسبب النمو القوي الذي تتمتع به وكذلك الزيادة الكبيرة في صافي تدفقات رؤوس الأموال إليها. تليها المملكة العربية السعودية والتي ارتفعت حصتها بنسبة 0.49% بسبب الزيادة الكبيرة في احتياطياتها، ثم الصين والهند والبرازيل والتي ازدادت حصصها بسبب ارتفاع معدلات النمو في ناتجها المحلي الإجمالي، بينما استفادت باقي الدول، ومنها الإمارات العربية المتحدة بسبب تأثير عدد من المتغيرات المحددة للحصص.


أما بالنسبة لأكثر عشر دول تعرضت للخفض في حصصها فتتمثل في الولايات المتحدة الأمريكية واليابان واللتان خسرتا 0.83% و 0.49 على التوالي، والذي يعود إلى تراجع دورهما في الاقتصاد العالمي، بينما تراجعت حصص فرنسا وألمانيا بسبب تراجع صافي تدفقات رؤوس الأموال، أما باقي الدول فيعود الانخفاض في حصصها إلى تراجع مجموعة متغير من العوامل المحددة للحصص.

وأخيرا تجدر الإشارة إلى أن المراجعة الخامسة عشر لإجمالي الحصص في الصندوق سوف تتم في يناير 2013، والتي بناء عليها سوف يتم تقديم تصور حول مراجعة الحصص والقوة التصويتية في يناير 2014 والمتوقع ان يسفر عنها زيادة أيضا في حصص الاقتصاديات الأكثر ديناميكية في العالم وذلك بما يتوافق مع دورها في الاقتصاد العالمي في هذا الوقت.



الخميس، مارس 10، 2011

غسيل الأموال 5: الخلط المصرفي

يقصد بالخلط فصل النقود عن مصدرها غير القانوني وتمر يرها عبر عدة معاملات مالية معقدة تجعل عملية تتبع اثر تلك الأموال مسألة مستحيلة أو مضيعة للوقت كما سبقت الإشارة. على سبيل المثال تحويلها إلى ومن عدة حسابات، أو من خلال تحويل هذه الأموال عدة مرات من/والى بنوك الأوفشور من خلال سبل التحويلات المالية الإلكترونية. أو من خلال استبدالها بشيكات سياحية، أو شيكات مصرفية ... الخ، وتهدف هذه المرحلة إلى جعل عملية اكتشاف مصدر تلك النقود من خلال عمليات المراجعة مسألة صعبة، خصوصا إذا ما أخذنا في الاعتبار مدى ضخامة عدد عمليات التحويل الإلكتروني التي تتم يوميا عبر دول العالم. وتتبع عصابات الجريمة المنظمة استراتيجيات متعدد للخلط يمكن تلخيص أهمها الخلط المصرفي

تعد البنوك من أهم الآليات التي يتم من خلالها نقل الأموال الناجمة عن الأنشطة الإجرامية. ويشير الخبراء إلى عدة أساليب يتم من خلالها نقل الأموال عن طريق البنوك. على سبيل المثال من خلال فتح حسابات بأسماء وهمية أو بأسماء شخصيات تعمل لحساب مستفيدين آخرين، وتشمل المجموعة الأخيرة مجموعة متنوعة من وكلاء مثل المحامين والمحاسبين وغيرهم، أو مجموعة مشروعات الواجهة shell business، وفي جميع الأحوال يتم استخدام هذه الحسابات لتسهيل عمليات الإيداع أو التحويل لأموال الجريمة، وفي العادة تتم عملية الغسيل من خلال مجموعة معقدة من المعاملات تشمل عدة حسابات بأسماء عدة أشخاص أو أعمال أو شركات واجهة، وتمثل فروع البنوك الأجنبية أحد القنوات المهمة لعملية الغسيل. ففي بعض الدول تقبل الفروع مودعات لتقوم بتحويلها إلي حساباتها لدى البنوك المحلية للدول المقام بها تلك الفروع بدون أن توضح هوية المودع أو المستفيد.

قبل عام 1970 لم تكن عمليات غسيل الأموال جريمة في الولايات المتحدة، إذ كانت البنوك تقبل أي كميات من النقود بدون السؤال عن مصدرها. وفي عام 1970 تم إصدار قانون سرية البنوك BANK SECRECY ACT والذي الزم البنوك بضرورة إخبار السلطات الأمنية عن العمليات المالية النقدية التي تزيد عن 10000 دولار، بهدف المتابعة الأمنية. وفي عام 1984 تم إلزام البنوك بضرورة عرض المعاملات المشكوك فيها على رجال القانون. كما أصبحت البنوك مطالبة بتعبئة استمارات للمراجعة CRIMINAL REFERRAL FORMS إذا ما اعتقدت بوجود جريمة غسيل أموال بغض النظر عن حجم المعاملة، وحينما تم إصدار قانون سرية البنوك تمت عمليات تجزئة الإبداعات إلى قيم اقل من 10000 دولار وتكرار عملية الإيداع في نفس البنك أو في فروع مختلفة للبنك أو في العديد من البنوك. ومن الناحية القانونية يطلق على هذه العملية هيكلة الإيداع STRUCTURING A DEPOSIT غير أن هذه العملية أصبحت الآن جريمة أيضا.

وقد تتم عملية الإيداع من خلال مودعين يطلق عليهم smurfs يقومون بالإيداع لصالح طرف ثالث. ويمكن أن يقوم الـمودع بشراء شيكات لحاملها أو أوامر دفع دولية قبل أن يقوم بتحويلها إلى طرف ثالث والذي يقوم بإبداعهم لصالح الغاسل في النهاية. ولا يقتصر هذا الأمر على البنوك وإنما تواجه البنوك العقارية وشركات التأمين أيضا نفس العملية.

ومع تطور عمليات التحويل السلكي (الإلكتروني) للأموال أصبحت عمليات النقل السلكي أهم أساليب خلط الأموال. ذلك أن أرباح الجريمة دائما ما تكون كبيرة، وهذه الأرباح الضخمة التي يتم تحقيقها عبر الأنشطة غير الشرعية لا بد وأن تغسل، أو على الأقل أن تأخذ الصفة القانونية قبل أن تتم عملية إنفاق هذه الأموال أو استثمارها، وآلا سوف تتعرض إلى المصادرة. وتعد التحويلات السلكية للأموال بين البنوك أحد الأساليب السريعة لنقل الأرباح غير القانونية بعيدا عن أعين رجال القانون. حيث تتم عملية إخفاء الأموال القذرة ضمن عمليات التحويل الضخمة التي تتم يوميا. على سبيل المثال من بين 700000 عملية تحويل تتم يوميا عبر العالم يقدر أن حوالي 0.5% إلى 1% منها تمثل عملية غسيل أموال. وإذا ما أخذنا في الاعتبار أن حجم عمليات التحويل اليومي هو 2 تريليون دولار هي في معظمها أموال قانونية، وأن من بين هذه العمليات يقدر بأن حوالي 220000 عملية ترسل سويفت SWIFT، أي أن الحجم الدولاري لها غير معلوم، ومعظم هذه العمليات تتم من خلال نظام أوتوماتيكي بالكامل، حيث لا يوجد أي نوع من التدخل البشري. ومن ثم تعد عملية التحكم في مثل هذا الحجم الضخم من التحويلات لضبط التحويلات المشكوك فيها مستحيلة من الناحية العملية. ولذلك اقترحت لجنة للكونجرس الأمريكي ضرورة استخدام التقنيات الحديثة وتطبيقات الذكاء الاصطناعي في البحث والتوصل إلى مصادر التحويلات المشكوك فيها. وفي ظل غياب المعلومات عن مصادر تلك النقود ( أي ما إذا كانت نظيفة أو قذرة )، فان هذه الأساليب تعد مثالية في مثل هذه الحالة لخلط الأموال القذرة. إذ يعد حجم الأموال القذرة التي يتم نقلها عبر عمليات التحويل السلكي صغيرا جدا بالنسبة لهذا الحجم الضخم من الأموال المنقولة.

وقد أدى استخدام نظام التحويل الإلكتروني إلى التقليل من اللجوء إلى خيار النقل المادي للنقود القذرة. فقد أدى نظام التحويل السلكي إلى تمكين المنظمات الإجرامية من التمتع بميزة النقل السريع للنقود بين الدول المختلفة، وفي ذات الوقت تقليل مستويات المخاطرة المصاحبة لعمليات الغسيل إلى مستويات يمكن إهمالها، ومع التطور التكنولوجي وزيادة تسهيلات التحويل السلكي فان قدرة غاسلي الأموال على أداء هذه العمليات بنجاح تزايدت مع زيادة أعباء المفتشين القائمين على التحري. من ناحية أخرى فان اتساع شبكة الانترنت بصورة خرافية فتح افاقا اكثر للغسيل، بل أدي إلى إنشاء مجموعة من المتعاملين المتخصصين في الغسيل على الانترنت، ولمثل هؤلاء الوسطاء المواقع الخاصة بهم، والتي تمكن أي شخص من الاتصال بهم بحرية عبر دول العالم.

ومن الواضح أن نظم التحويل السلكي توفر معلومات محدودة حول أطراف العملية، وهناك محاولات تجري لزيادة مستوي المعلومات المسجلة عن أطراف عمليات التحويل الإلكتروني، كما أن هناك محاولات في الولايات المتحدة لاستبدال نظام المراقبة البشري بنظام مراقبة إلكتروني يقوم على استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي.

وتساعد بعض أشكال الحسابات المصرفية في عملية الغسيل، على سبيل المثال يوجد في فروع البنوك الأجنبية في الولايات المتحدة حسابات إيداع تسمي Threshold accounts وهي حسابات مبرمجة بحيث انه عندما يصل الرصيد إلى مستوى محدد مسبقا يتم تحويله مباشرة إلى حساب إيداع معين في الخارج، كذلك يسمح للشركات الأجنبية بفتح حسابات مصرفية مراسلة في بنك أمريكي، ويمكنهم إعطاء عملاء أجانب حق التوقيع signature authority لاستخدام هذه الحسابات في إجراء المعاملات داخل الولايات المتحدة بما في ذلك التحويل السلكي وحق الإيداع والسحب النقدي، ويعرف العميل الأجنبي بالنسبة للبنك الأمريكي كاسم فقط، وبالرغم من انه اصبح من الصعب على البنوك الأجنبية الحصول على موافقة للعمل في الولايات لمتحدة بعد فضيحة بنك الاعتماد والتجارة الدولي، إلا أن عدد تلك الحسابات ومستخدميها غير معلوم، وان كانت التقارير تشير إلى انه من الممكن أن يستخدم الحساب الواحد عدة آلاف من الأشخاص، أو العديد من البنوك الأجنبية، وقد تم تضييق الخناق على مثل هذا النوع من الحسابات.

كذلك فقد تم اختراع العديد من وسائل الدفع في إطار التطور التكنولوجي الحادث في نشاط البنوك تحت ما يسمى بالمدفوعات الإلكترونيةcyberpayments ، والذي يشمل على سبيل المثال البطاقات الذكية smart cards وهي عبارة عن بطاقة بها رقيقة إلكترونية دقيقة microchip يتم تحميل مبلغ محدد عليها، وتتم قراءة هذه البطاقات من خلال آلات البيع أو غيرها من الطرفيات التي تخصم قيمة كل معاملة من القيمة المدخلة على البطاقة، وعندما تنتهي قيمة البطاقة يتم إعادة تحميلها من خلال ماكينات النقود ATMs أو بالتليفون أو بحافظة إلكترونية أو باستخدام الحاسب الشخصي، أو يتم التخلص منها. كذلك يشمل المصطلح البنوك الإلكترونية حيث يتم الاحتفاظ بحاسب إلى ويتم التحويل إلكترونيا عن طريق الانترنت.

وبالرغم من أن هذه التطورات التكنولوجية مفيدة للاقتصاد ككل، إلا أنها تشكل نقاط جذب للمجرمين، وتتطلب عملية الغسيل الإلكتروني للأموال غالبا اشتراك بنك أجنبي لكي يمثل الوجهة المباشرة أو النهائية للأموال غير القانونية. على سبيل المثال فان غاسلي الأموال يهتمون بالدول التي تتعامل بالدولار، على سبيل المثال بنما أو هونج كونج. كذلك تفضل بشكل عام البنوك غير المنظمة أو تنخفض درجة تنظيمها Unregulated مثلما هو الحال في دول الكاريبيان، على سبيل المثال جزر Cayman. من ناحية أخري فقد يختار غاسلو الأموال بنك في دولة مثل سويسرا أو لوكسمبورج أو ايرلندا والتي تعد بنوكا على درجة عالية من التنظيم ولكنها تمنح امتيازات ضريبية بينما تحمي القوانين المصرفية سرية البيانات المالية.

الاثنين، مارس 07، 2011

تطورات هامة في سوق العمل الأمريكي

أصدر مكتب إحصاءات العمل تقريره عن شهر فبراير الماضي عن أوضاع سوق العمل في الولايات المتحدة، وقد حمل التقرير أخبارا سارة للغاية، حيث يشير التقرير إلى حدوث تطور كبيرة في عمليات خلق الوظائف، حيث تم خلف 192000 وظيفة في القطاع غير الريفي خلال شهر فبراير وهي زيادة جوهرية في عمليات التوظف في سوق العمل، كما يتضح من الشكل رقم (1). الشكل يوضح أيضا تطورا هاما وهو أنه وللشهر الخامس على التوالي يحقق سوق العمل الأمريكي زيادة موجبة في عدد الوظائف التي يتم خلقها في هذا السوق. الشكل يوضح أيضا انه يمكن القول بدرجة كبيرة من الثقة بأن الاقتصاد الأمريكي يخرج حاليا من أزمته، وأن الأمر هو مجرد وقت حتى تعود معدلات البطالة إلى مستوياتها الطبيعية قبل الأزمة. 
الشكل رقم (1) تطورات معدل البطالة في الولايات المتحدة



التطورات التي حدثت في عملية خلق الوظائف هذا الشهر انعكست بصورة واضحة على معدل البطالة الحالي في الولايات المتحدة والذي تراجع إلى أقل من 9% لأول مرة منذ مايو 2009، وهو تطور هام جدا، حيث تم كسر هذا الحاجز، وفي انتظار ان تتحسن عمليات خلق الوظائف في الأشهر القادمة حتى يمكن كسر حاجز معدل البطالة 8%. الشكل رقم (2) يوضح تطورات معدل البطالة في الولايات المتحدة خلال الفترة من فبراير 2009 إلى فبراير 2011.

الشكل رقم (2) تطورات عمليات خلق الوظائف في الولايات المتحدة




الشكل رقم 3 يوضح تطور أعداد السكان في الولايات المتحدة وأعداد العاطلين ومعدل البطالة خلال الفترة من فبراير 2010 إلى فبراير 2011، ومن الشكل يلاحظ ان عدد سكان الولايات المتحدة الأمريكية في فبراير 2011 بلغ 238.8 مليون نسمة، وتبلغ قوة العمل المدنية في هذا الشهر 153.2 مليون عاملا، من بينهم 13.7 مليون عاملا في حالة بطالة، أي بنسبة 8.9%.


الشكل رقم (3) بيانت السكان و التوظف والبطالة في الولايات المتحدة




وأخيرا فإن الشكل التالي يوضح تطور عمليات فقدان الوظائف في الولايات المتحدة في جميع حالات الكساد السابقة خلال الفترة من 1948 حتى الآن. المنحنى الأحمر يوضح تطورات عمليات فقدان الوظائف خلال الكساد الحالي، لاحظ أن الشكل يشير إلى حدوث تحسن واضح في عمليات فقدان الوظائف في سوق العمل الأمريكي منذ خمس أشهر على التوالي.

الشكل رقم (4) تطورات عمليات فقدان الوظائف في الولايات المتحدة




 المصدر: BLS " The Employment Situation -  Februray 2011"



السبت، مارس 05، 2011

غسيل الأموال 4: مراحل عمليات غسيل الأموال - التوظيف

قديما كانت عملية غسيل الأموال تتطلب جهدا ماديا في الأساس، فقد كانت عملية إخفاء المصدر غير القانوني للأموال وجعل النقود تبدو وكأنها ذات اصل قانوني تقتضي النقل المادي للنقود السائلة فقط، ويتمثل المهمة الأساسية في هذه الحالة في كيفية تجنب لفت انتباه السلطات لتلك النقود، وفي ظل تخلف تكنولوجيا الأعمال المالية فان عملية غسيل النقود القذرة تصبح محدودة بالقدرة الإبداعية على التعامل مع النقود السائلة من الناحية المادية، على سبيل المثال من خلال نقل النقود خارج الدول وإيداعها في بنك أجنبي يعمل لي ظل قانون أسهل، أو من خلال تقديم رشوة إلى موظف مصرفي، أو شراء أصول حقيقية أو ممتلكات شخصية بصورة متفرقة، وتمر الأموال القذرة بعدة مراحل قبل أن تصبح جاهزة للظهور على السطح كأموال نظيفة مثلها مثل أي أموال أخرى تم الحصول عليها من مصادر قانونية، وبحيث لا تصبح عرضة للمسائلة حول طبيعة ومصادر تلك الأموال، أول هذه المراحل هو التوظيف Placement.

تعد عمليات التوظيف الحلقة الأولى في سلسلة عمليات غسيل الأموال، ويتمثل جوهر عملية التوظيف في اختيار المكان الذي ستتم فيه عملية الغسل، إما من خلال إدخال النقود في نظام مصرفي أو في تجارة قانونية أو غير ذلك من الأساليب. وتعد هذه المرحلة من أصعب مراحل عمليات الغسيل وأكثرها أهمية، إذ غالبا ما تكون إيرادات الأموال القذرة في صورة نقدية، ومن ثم فان هناك حاجة إلى توظيف كمية هائلة من الأوراق النقدية وذات وزن ضخم أيضا، على سبيل المثال فان الأموال الناتجة عن بيع المخدرات تأتي أساسا من موزعي المخدرات في الشارع، والذي يبيعون المخدرات نقدا وذلك بهدف تمويه طبيعة المتعاملين؛ البائع والمشتري، وغالبا ما تتم عمليات البيع بفئات نقدية صغيرة، 10 دولارات مثلا، وهو ما يمثل المشكلة الأساسية، على سبيل المثال إذا فرضنا أن أحد الموزعين يوزع حوالي مليون دولار أسبوعيا، فإن مليون دولار من فئات الـ 10 دولار تزن حوالي 200 رطلا، ويمثل مثل هذا الحجم من النقود مشكلة لسببين على الأقل :

الأول - تعرض هذه الأموال لمخاطر السرقة أو الاكتشاف بسهولة، إذ لا يمكن أن يقوم تاجر المخدرات ببساطة بإيداع هذه الحجم الضخم من الأموال في البنك بصورة أسبوعية دون أن يسترعي ذلك الانتباه أو الشك، خصوصا وأن النظام المصرفي في بعض الدول يقضي بضرورة تعبئة استمارة معاملة نقدية لكل عملية إيداع تزيد عن حد معين، على سبيل المثال لكل عملية إيداع تصل إلى 10000 دولار في الولايات المتحدة، وعلى ذلك بالرغم من أن بائع المخدرات سوف يتعامل نقدا فقط مع عملاءه عند بيع المخدرات فانه لابد وان يتخلص من هذه النقود السائلة بأسرع ما يمكن، وبالشكل الذي لا يثير أدني شكوك لدى الغير، وتمثل البنوك في مركز الاهتمام الأساسي لغاسلي الأموال في هذه الحلقة.

الثاني - أن محاولة إنفاق كميات كبيرة من هذه النقود في أي وقت من أوقات السنة قد تثير انتباه السلطات الأمنية، وللتغلب على هذه المشكلة فان الغاسل لابد وان يقوم بتدبير عملية إيداع تلك الأموال بحيث يتجنب المشاكل المرتبطة بالتصرف في مثل هذا الحجم النقدي الكبير، وقد تتم عملية الإيداع من خلال البحث عن شريك في البنك أو سمسار أوراق مالية أو وسيط لمساعدته في التخلص من هذه النقود السائلة، كذلك من الممكن أن تتم عملية التوظيف من خلال مشروع قانوني يبخس فواتير الشراء ويغالي في فواتير البيع، ويقدر أن حوالي 80-85% من إيرادات تجارة المخدرات تدخل إلى الاقتصاد القانوني بهذه الطرق. أما الباقي فعادة ما يتم تهريبها إلى الخارج للإيداع في البنوك الأجنبية الأوفشور، خصوصا في الدول التي تحيط أعمال بنوكها بالسرية، وبمعنى آخر فان الإفصاح عن موقف عميل في البنك يعد عملا غير قانوني، كما هو الحال في سويسرا.

ويتم تدوير أرباح تجارة المخدرات من خلال استثمارات بأموال مغسولة والتي تتم عبر الكثير من الدول، وغالبا ما تضم عدة مؤسسات مالية دولية وبنوك ودور صرف العملات. ومع تعقد الأساليب المصرفية بما في ذلك عمليات التحويل الإلكتروني للأموال فانه ما إن يتم إيداع أموال في نظام مصرفي يمكن نقلها عبر عشرات البنوك في خلال 24 ساعة، مما يجعل عمليات تقفي أثر هذه النقود مسألة مستحيلة أو مستهلكة للوقت.

وعادة ما يختلف أسلوب التوظيف بحسب اختلاف الجريمة. على سبيل المثال فان إيرادات جرائم أصحاب الياقات البيضاء (الاختلاس أو التهرب الضريبي أو التزوير)، غالبا ما لا يتم توظيفها، حيث تتم عملية التجميع في حساب مصرفي ثم تحويلها لا سلكيا إلى بنك يتمتع بقانون يحمي سرية الحسابات. وبالنسبة لجرائم التزوير العقاري يقوم المجرمون بالحصول على قروض ضخمة، وتحويلها إلى الخارج سلكيا ثم إعلان إفلاسهم، وبالنسبة للإرهابيين وتجار السلاح، فان الهدف من العملية يكون إخفاء الوجهة الحقيقية للأموال وكذلك استخدامات تلك الأموال ومصادرها، وهكذا نجد بعض الفروق الاختلافية بين عمليات الغسيل باختلاف الجريمة، وهو ما يعقد عملية تحديد نمط محدد للتوظيف والذي يمكن من خلاله تحديد غاسلي الأموال، ويعتقد بشكل عام أن القائمين على عملية الغسيل على قدر عال من المرونة لأي تغيرات في أنماط عمليات الغسيل، بحيث يستجيبون لأي تغيرات في القوانين، وهو من العناصر التي تعقد عمليات المكافحة.