السبت، أبريل 30، 2011

76% من الامريكيين يرون الصين تمثل تهديدا اقتصاديا أكثر منها تهديدا عسكريا

أصبح معلوما بصورة رسمية الآن أن صندوق النقد الدولي يتوقع ان الصين سوف تتخطى الولايات المتحدة الامريكية كأكبر اقتصاد في العالم في عام 2016، وفي استبيان تليفوني على المستوى الوطني نشر بواسطة Rusmussen Reports وقد عدد المستجوبين تليفونيا بلغ 1000 شخص والذي اجرى منذ ثلاثة أيام (26-27 ابريل 2011) اشارت نتائج الاستبيان الى ان حوالي 8% من اللذين تم استطلاع آراءهم اشاروا الى انهم يعتقدون بأن الصين أكثر قوة من الولايات المتحدة من الناحية العسكرية، بينما يرى 76% من العينة يختلفون مع هذه الفكرة ويرون أن الصين تمثل تهديدا اقتصاديا اكثر من كونها تمثل تهديدا عسكريا.

وبما ان الصين تملك حاليا اكبر رصيد من السندات الامريكية فإن 69% من افراد العينة يرون بأن ملكية الصين للسندات الامريكية تشكل مخاطرة كبيرة للولايات المتحدة اكثر منها للصين، بينما يرى 16% من العينة أن الصين هي التي تتحمل مخاطرة أكثر وليس الولايات المتحدة، بينما يرى اغلبية كبيرة من العينة (60%) أن الصين سوف تبيع السندات الامريكية التي تملكها حاليا، وأن ذلك سوف يحمل آثارا سيئة على الاقتصاد الامريكي، بينما يرى 7% ان قيام الصين ببيع السندات الامريكية سوف يكون في صالح الولايات المتحدة.

مقارنة بالعام السابق، فإن 50% فقط من الناخبين في الولايات المتحدة ينظرون الى الصين الى أنها تمثل تهديدا للولايات المتحدة، كما اعرب 86% عن القلق حول مستويات الدين الامريكي الذي تحتفط به الصين.

وبالرغم من ان بعض التحليلات تشير الى ان احتمال ان تتجاوز الصين الاقتصاد الامريكي في 2016، فإن 78% من العينة يرون بأن هناك احتمال اي يتفوق الاقتصاد الصيني على الاقتصاد الامريكي. واخيرا فإن 16% فقط من العينة يرون ان الصين عدو للولايات المتحدة، بينما يرى 13% فقط أن الصين حليف للولايات المتحدة، بينما يتفق ثلثي العينة على ان الصين تقع بين الطرفين.
المصدر:
للاطلاع على الاستبيان انظر:

فقاعة اسعار الذهب مرة أخرى

يبدو أن الضغط في بالون أسعار الذهب يقترب حاليا من المستويات الحرجة التي ستعمل على تسريع انفجار الفقاعة. هذا الشهر شهد ارتفاعات تاريخية في سعر أوقية الذهب. في بداية شهر ابريل من هذا العام بلغ سعر أوقية الذهب 1418دولارا للأوقية، اليوم 30 ابريل 2011 بلغ سعر الذهب 1565 دولارا، مما يعني أنه منذ بداية هذا الشهر وحتى اليوم بلغ الارتفاع في سعر الذهب 147 دولارا، وهو ارتفاع بكل المقاييس يعد تاريخيا ان ترتفع اسعار الذهب بهذا المعدل في شهر واحد، حيث يعني ذلك أن الذهب قد حقق عوائد في هذا الشهر بلغت في المتوس 10.4%، وهو معدل فلكي للعائد. بالطبع سوف تخرج علينا أطنان من التحليل الفني التي تشير الى مستويات فلكية جديدة من الدعم والمقاومة لسعر الذهب.  
من المؤكد أن المضاربين في الذهب يرقصون اليوم على ايقاع هذه المعدلات الرهيبة للعوائد. غير أنه لا بد من التنبيه بأن ارضية المرقص أفضل ما يمكن وصفها به هي أنها أشبه ما تكون بأرضية مصنوعة من الثلج، والتي على الرغم من أنها قد تبدو جامدة حاليا، فإنها معرضة للذوبان في أي لحظة. هذه المستويات الفلكية لسعر الذهب، في رأيي تعني أن السقوط سوف يكون مروعا، وأن خسائر انفجار الفقاعة سوف تكون رهيبة. مخاطر الاستثمار في الذهب اليوم مرتفعة للغاية بقدر ارتفاع معدلات العائد فيه، وهي معادلة اقتصادية بسيطة. فمن المعلوم ان مستويات العائد ترتبط بمستويات المخاطرة، وكلما ارتفعت مستويات المخاطر المصاحبة للاستثمار في اصل ما كلما ارتفعت معدلات العائد المحقق على هذا الاصل.
الأشكال الثلاث الآتية توضع تطورات السعر اليومي للذهب خلال شهر ابريل من هذا العام، وخلال هذه السنة، حتى تاريخ اليوم، وخلال الفترة من بداية 2007، قبل انطلاق الازمة المالية العالمية حتى تاريخ اليوم.
الاشكال توضح بصورة جلية خطورة التطورات التي يشهدها سعر الذهب اليوم، ومدى حدة عملية المضاربة التي يشهدها سعر الذهب في الايام الأخيرة.
الشكل رقم (1) الاسعار اليومية للذهب (ابريل 2011)


الشكل رقم (2) الاسعار اليومية للذهب (يناير 2010 - ابريل 2011)



الشكل رقم (3) الاسعار اليومية للذهب (يناير 2007 - ابريل 2011) 



حاليا لا انصح من بطبيعته يتجنب دائما المخاطرة ان يستثمر في الذهب، دعوا الذهب للمضاربين الساعين نحو المخاطرة، فهؤلاء هم الاكثر استعدادا لتحمل المخاطر، ومن ثم تحمل الخسائر الكامنة، فمشكلة مثل هذا الارتفاع الحاد انه يعمل على فتح شهية المضاربين على المضاربة بصورة اكبر في الذهب، ويقدم فرصة ذهبية للقائمين على صندوق المعدن بالتسويق للأصل الاستثماري، استنادا الى المعدلات الخيالية للعائد التي يحققها الاستثمار في الذهب.
تنبغي الاشارة الى ان هذه المعدلات المرتفعة للعائد لا تعكس سوى ضغوط المضاربة في ظل الاحوال السائدة حاليا في العالم، وبعض الاخبار التي قد يكون مبالغا فيها حول اتجاهات استعادة النشاط الاقتصادي في العالم ومعدل صرف الدولار.
قامت فاطمة الزهراء محمد السقا بتجميع البيانات الخاصة بالسعر اليومي للذهب، وعمل الصور البيانية لها.

الجمعة، أبريل 29، 2011

الاقتصاد والانتحار

نشر في صحيفة الاقتصادية السعودية بتاريخ الجمعة 29/4/2011.
الانتحار هو إقدام الشخص على الإضرار بنفسه بوسائل عدة تهدف في النهاية إلى إنهاء حياته، وكل حالة انتحار ناجحة هي تلك التي تنتهي بوفاة المقدم على ذلك، بينما لا تشمل الإحصاءات المنشورة عن الانتحار تلك الحالة التي يفكر فيها الملايين من سكان العالم في الإقدام على الانتحار، أو الإقدام بالفعل على الانتحار الذي لا ينتهي بالوفاة، ويقدم الإنسان على الانتحار عندما يؤمن بأن الحياة لم يعد لها قيمة، أو أنه من الأفضل له ألا يعيشها بعد ذلك.
الإحصاءات عن حالات الانتحار في العالم تعد نادرة بشكل واضح، حيث يصعب أن تتوافر سلاسل زمنية محدثة عن حالات الانتحار في دول العالم المختلفة، ربما للصورة التي ترسمها مثل هذه الإحصاءات عن الدول التي تنشرها، ولذلك غالبا ما يصعب الحصول على بيانات حديثة عن حالات الانتحار في العالم، ووفقا للتقرير العالمي عن العنف والصحة الذي أصدرته منظمة الصحة العالمية الصادر في 2002، الذي لم يتم تحديثه بعد ذلك، فإن عدد حالات الانتحار في العالم في عام 2000 بلغ نحو 815 ألف حالة، أي بمعدل 13 حالة تقريبا لكل 100 ألف شخص في العالم في ذلك التاريخ، أو ما يعادل حالة انتحار في العالم كل 40 ثانية سنويا في ذلك العام، ووفقا للتقرير فإن الانتحار يعدد السبب الـ 13 من مسببات الوفاة في العالم في ذلك العام.
ووفقا للتقرير، فإن أكثر سكان العالم إقداما على الانتحار في عام 1999 لكل 100 ألف من السكان هم ليتوانيا (51.6 حالة)، وروسيا البيضاء (41.5 حالة)، واستونيا (37.5 حالة)، وكازاخستان (37.4 حالة)، ولاتفيا (36.5 حالة)، والمجر (36.1 حالة)، أما اقل معدلات الانتحار المسجلة في العالم فكانت في كولومبيا (4.5 حالة)، واليونان (4.2 حالة)، وباراجواي (4.2 حالة)، والفلبين (2.1 حالة)، والكويت (حالتان)، وأزربيجان (1.1 حالة)، وتقع مؤشرات الانتحار في الدول الغنية في الوسط بين هذه الحدود، على سبيل المثال يبلغ معدل الانتحار لكل 100 ألف من السكان في فنلندا 28.4 حالة، وفي بلجيكا 24 حالة، وفي سويسرا 22.5 حالة، وفي فرنسا 20 حالة، وفي اليابان 19.5 حالة، وفي أستراليا 17.9 حالة، وفي كندا 15 حالة، وفي ألمانيا 14.3 حالة، وفي الولايات المتحدة 13.9 حالة، وتجدر الإشارة أيضا إلى أن حالات الانتحار، حتى في أوج معدلاتها تمثل نسبة منخفضة من حالات الوفيات على المستوى القومي في أي دولة في العالم.
ما يلفت النظر في هذه الإحصاءات هي أن أكثر سكان العالم إقداما على الانتحار هم سكان الدول الشيوعية سابقا، وهو ما يشير إلى قوة العلاقة بين الدين والإقدام على الانتحار، ويشير تقرير منظمة الصحة العالمية إلى أن أعلى معدلات الانتحار توجد بين الدول التي كانت فيها الممارسات الدينية ممنوعة، أي الدول الشيوعية السابقة، تليها الدول التي تنتشر فيها البوذية والهندوسية وغيرهما من الديانات الآسيوية، ثم الدول التي تنتشر فيها العقيدة البروتستانتية، يليها الدول التي ينتشر فيها الرومان الكاثوليك، وأخيرا الدول الإسلامية.
أما بالنسبة للتوزيع العمري لحالات الانتحار في العالم، فإن حالات الانتحار تتركز في الفئات العمرية بين 15 - 45 عاما، ثم يميل الاتجاه نحو الانتحار إلى التراجع بتقدم العمر بصورة واضحة، من ناحية أخرى فإن التوزيع النوعي لحالات الانتحار يشير إلى أن حالات الانتحار تتركز بشكل أساسي بين الذكور، وتتراوح تلك المعدلات بين 10.4 ذكر إلى كل أنثى منتحرة في بورتريكو، إلى 1.5 ذكر إلى كل أنثى منتحرة في سنغافورة.
هذه الإحصاءات بالطبع تعد قديمة الآن، ولسوء الحظ ليس لدينا إحصاءات محدثة عن حالات الانتحار في العالم حتى يمكن تتبع الاتجاه العام لهذه الجريمة التي يرتكبها عدد كبير من سكان العالم في حق نفسه، من كافة الدول ومن جميع الأديان، غير أن الإحصاءات المنشورة في الدول التي تحتفظ بسجل جيد لعمليات الانتحار فيها مثل فنلندا والنرويج وهولندا وإسبانيا والسويد تشير إلى أن الاتجاه العام لحالات الانتحار يميل نحو التزايد بمرور الوقت.
تجدر الإشارة إلى أنه يصعب من الناحية العملية الجزم بأن حالات الانتحار في العالم تقتصر على هذه الأعداد المنشورة؛ نظرا لأن بعض حالات الوفاة التي تحدث دون أن يترك المتوفى إشارة تدل على انتحاره، قد لا تسجل على أنها حالة انتحار، كما أن بعض جرائم القتل التي ترتكب قد يتم ارتكابها على نحو يظهر بأن المتوفى قد أقدم على الانتحار، ولم أتمكن من الإطلاع على دراسات تتناول حجم هاتين الظاهرتين وأثرهما على دقة الإحصاءات المنشورة عن عمليات الانتحار في العالم.
للأسف الشديد، فإن جريمة الانتحار لا تنسحب فقط على من يرتكبها، وإنما أيضا يكون لها انعكاسات متعددة ومعقدة على الغير، بدءا من الحاجة في بعض الأحيان إلى التدخل الطبي لمحاولة إنقاذ الحياة، والآثار التي يتركها الانتحار على أسرة المنتحر وأصدقائه وأقاربه، الذين من الممكن أن تتأثر حياتهم بصورة كبيرة سواء من الناحية العاطفية أو الاجتماعية أو الاقتصادية نتيجة انتحاره. وتشير التقديرات إلى أن التكلفة الاقتصادية لعمليات الانتحار تعد أيضا كبيرة، ووفقا لوزارة الصحة الأمريكية فإن الأسباب الأساسية للانتحار في الولايات المتحدة تتمثل في الاكتئاب والمرض العقلي، تعاطي المشروبات الكحولية والخمور، وجود تاريخ عائلي في الإقدام على الانتحار أو انتشار العنف في الأسرة، أو المرض الجسدي، أو الشعور بالوحدة.
منذ انطلاق الأزمة المالية العالمية والاهتمام يتزايد بتحليل العلاقة بين الدورات الاقتصادية والإقدام على الانتحار، فقد لوحظ خلال الكساد العالمي الكبير أن حالات الانتحار قد ارتفعت بصورة ملحوظة في الولايات المتحدة، كما لوحظ أيضا أن هناك علاقة بين الإقدام على الانتحار وانتشار حالة البطالة، فمع ارتفاع معدلات البطالة ترتفع حالات الإقدام على الانتحار، وعندما ضربت دول آسيا الأزمة الاقتصادية في التسعينيات من القرن الماضي، أشارت الإحصاءات إلى حدوث ارتفاع في أعداد حالات الانتحار بصفة خاصة بين الرجال في منتصف العمر؛ لأن هذه الفئات العمرية كانت أكثر الفئات التي تأثرت بالتراجع الاقتصادي في تلك الفترة.
في مسح قام به وول ستريت جورنال عن حالات الانتحار في أكبر 33 ولاية أمريكية أشار إلى أنه في عام 2008 ارتفع عدد حالات الانتحار بنسبة 2.3 في المائة عن العام السابق، وهو ما يعزى إلى نشوب الكساد في 2008، من ناحية أخرى في مسح على 19 ولاية في الولايات المتحدة أظهرت النتائج حدوث ارتفاع واضح في حالات الانتحار بعد نشوب الأزمة، وعلى الرغم من أن الأسباب المفصلة لحالات الانتحار لم تنشر بصورة رسمية بعد، غير أن الصحيفة عزت هذه الزيادة الملحوظة إلى حالة الكساد.
من ناحية أخرى قامت وزارة الصحة الأمريكية بإجراء دراسة عن العلاقة بين حالات الكساد والإقدام على الانتحار في الولايات المتحدة خلال الفترة من 1928 - 2007 نشرت نتائجها أخيرا، والتي تعد أول دراسة تقوم بتحليل العلاقة بين حالات الكساد وحالات الانتحار حسب التوزيع العمري للمنتحرين، وتعد هذه الدراسة أقوى الدراسات التي تمت حول العلاقة بين حالات الدورات الاقتصادية وحالات الانتحار، كما أنها غطت أطول فترة زمنية تناولتها دراسة في هذا المجال، حيث غطت 80 عاما، وأوسع مجموعات عمرية للمنتحرين، وقد توصلت الدراسة إلى أن هناك علاقة ارتباط قوية بين الدورات الاقتصادية والإقدام على الكساد. فقد وجد أن علاقة الارتباط الأقوى توجد بين الأشخاص الذين تتراوح أعمارهم ما بين 25 و65 عاما. كذلك أوضحت نتائج الدراسة أن معدلات الانتحار ارتفعت بشكل عام خلال الكساد الكبير (1929-1933)، ويعد معدل النمو خلال السنوات الأربع التي مر بها الاقتصاد الأمريكي في الكساد الكبير والذي بلغ 22.8 في المائة هو أكبر معدلات النمو في حالات الانتحار في التاريخ الأمريكي. كذلك ارتفعت معدلات الانتحار خلال الفترة (1937-1938)، وخلال أزمة ارتفاع أسعار النفط (1973-1975)، وخلال الكساد المزدوج في الفترة (1980-1982).
من ناحية أخرى، انخفضت حالات الانتحار خلال فترة التوسع الاقتصادي بين 1939-1945، وكذلك خلال أطول فترات التوسع التي مرت على الولايات المتحدة 1991-2001 في القرن العشرين، حيث تمتع الاقتصاد الأمريكي بمعدلات نمو مرتفعة ومعدلات بطالة منخفضة، وتشير نتائج الدراسة إلى أن أكبر زيادة في حالات الانتحار في الولايات المتحدة حدثت خلال الكساد العالمي الكبير (1929-1933)، حيث ارتفعت معدلات الانتحار من 18 حالة لكل 100 ألف نسمة في 1928 إلى 22.1 لكل 100 ألف نسمة في 1933، بينما انخفضت معدلات الانتحار إلى أقل مستوياتها التاريخية في عام 2000، وبشكل عام أشارت الدراسة إلى أن حالات الانتحار انخفضت خلال الفترات التي كان أداء الاقتصاد الأمريكي فيها جيدا، فبانتهاء الكساد العالمي الكبير مالت معدلات الانتحار نحو الانخفاض، بينما حدث ارتفاع في تلك المعدلات مرة أخرى خلال فترات الضغط الاقتصادي، أي أن المشكلات الاقتصادية التي يتعرض لها الاقتصاد تؤثر في شعور الأفراد نحو أنفسهم وحول مستقبلهم وعلاقاتهم داخل الأسرة ومع الأصدقاء، ففي عام 2007، قبل الأزمة المالية مباشرة انخفض معدل الانتحار في الولايات المتحدة إلى 11.2 لكل 100 ألف نسمة، حيث أقدم 34598 شخصا على الانتحار.
على العكس من الولايات المتحدة فإن إحصاءات الانتحار عن 2009 تم الإعلان عنها في اليابان، حيث ينظر إلى الإقدام على الانتحار بأنه مشكلة اجتماعية خطيرة؛ إذ يشير علماء الاجتماع إلى أن السرعة الكبيرة التي تتزايد بها حالات الانتحار جعلت علماء الاجتماع يطلقون على ظاهرة الانتحار جريمة القتل الاجتماعي.
ووفقا للإحصاءات، فإن أعداد المنتحرين في عام 2009 بلغت 24.1 لكل 100 ألف نسمة، وهو معدل مرتفع جدا بالمقاييس اليابانية، وذلك مقارنة بـ 11.6 لكل 100 ألف في 2007. أما عن التوزيع العمري لمعدل الانتحار فقد بلغ معدل الانتحار في الفئات العمرية 40 - 60 عاما 30 حالة لكل 100 ألف نسمة، مقارنة بـ 26.2 حالة لكل 100 ألف نسمة للمنتحرين في الثلاثينيات من عمرهم.
بالنسبة للعدد المطلق لأعداد المنتحرين فقد بلغ 32845، وذلك مقارنة بمتوسط 30 ألف حالة خلال الـ 12 عاما الماضية. لوحظ أيضا أن متوسط أعداد المنتحرين قبل الأزمة الآسيوية كان يتراوح بين 15000 و25000 منتحر. ومما لا شك فيه أن التفسير الوحيد لميل حالات الانتحار في اليابان إلى الارتفاع هو الأوضاع الاقتصادية السيئة التي يمر بها الاقتصاد الياباني حاليا. ففي عام 2009 انخفض الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنسبة 5.2 في المائة، ومثلما ارتفعت حالات الانتحار في 1998 في أعقاب الأزمة الآسيوية نتيجة لازدياد حالات الإفلاس وتزايد معدلات البطالة فإن التقرير الياباني عن حالات الانتحار في 2009 أشار إلى الارتفاع الحاد في أعداد المنتحرين في اليابان في تشرين الأول (أكتوبر) 2008 في أعقاب انهيار بنك ليمان براذرز.
من ناحية أخرى، فإن الإحصاءات عن حالات الانتحار الناجمة عن فقدان الوظائف تزايدت بنسبة 65.3 في المائة، مقارنة بعام 2008. ويشير أحد علماء الاجتماع إلى أنه في حالة انتشار البطالة فإن الانتحار قد يعد قرارا رشيدا للمنتحر، حيث إنه وفقا للقوانين اليابانية يمكن أن يحصل المستفيدون من بعده على أي تعويضات عن التأمين ضد الحياة، كما تقوم شركات التأمين بدفع أي أقساط للمسكن كان قد اشتراه، بينما إذا استمر المنتحر على قيد الحياة في حالة بطالة فإنه ربما قد يفقد المسكن.
وتشير الدراسات إلى أن الارتفاع في أعداد المنتحرين يرجع إلى عوامل عدة من الناحية الاقتصادية، وهي حالات الإفلاس الواسعة النطاق التي عانى منها الاقتصاد الياباني، وزيادة معدلات البطالة، وركود مناخ الاستثمار، وتراكم الديون، وانخفاض مستويات الدخول، وعدم مناسبة قوانين الإفلاس في اليابان، واستمرار حالة الركود طويل الأجل في اليابان.. إلخ، وتشير بعض التقارير إلى أن بعض العوامل الثقافية قد أسهمت في تفاقم المشكلة، بصفة خاصة أن التعاليم الدينية لا تحرم الإقدام على الانتحار، والنظرة إلى الانتحار على انه فعل من أفعال الشرف وسبيل لتحمل المسئولية عن الفشل.
خلاصة ما تقدم، أنه أثناء فترات الانحسار الاقتصادي، فإن الضغوط الاقتصادية تضاف إلى العوامل التي تدفع بالناس نحو الانتحار. كذلك فإنه بناءً على هذه النتائج من المتوقع أن نشهد حالات انتحار استثنائية في كافة أنحاء العالم في خلال سنوات الأزمة الحالية، لكننا لن نتمكن للأسف الشديد من التعرف على الموقف الحقيقي لحالات الانتحار في العالم سوى بعد مضي فترة طويلة نسبيا من الزمن.



الخميس، أبريل 28، 2011

لا تيسير كمي ثالث في الطريق

التيسير الكمي Quantitative easing من أهم السياسات النقدية غير التقليدية التي لجأت إليها البنوك المركزية للتعامل مع الازمة المالية العالمية، وهي الترجمة الانجليزية للتسمية اليابانية لمثل هذه السياسة، وعلى الرغم من أن التيسير الكمي تعد عبارة حديثة نسبيا، إلا أنه يشيع استخدامها بكثرة هذه الأيام، وذلك بعد لجوء الاحتياطي الفدرالي الأمريكي لطباعة الدولار في خطتين أطلق عليهما التيسير الكمي 1 و التيسير الكمي 2، لمواجهة الأوضاع الاقتصادية المتردية حاليا، وللحيلولة دون تطور تلك الأوضاع على نحو أسوأ، وكان الاحتياطي الفدرالي قد نفذ خطة التيسير الكمي الأولى في نوفمبر 2008، بضخ حوالي تريليون دولار، ويقوم حاليا بضخ 600 مليار دولار في إطار خطة التيسير الكمي 2، وذلك في محاولة لدفع مستويات النشاط الاقتصادي للخروج من الكساد.

يقصد بالتيسير الكمي قيام الاحتياطي الفدرالي (البنك المركزي) بتخفيف القيود على الكميات المصدرة من الدولار من خلال طباعة كميات جديدة منه، ثم استخدام هذه الدولارات في شراء أوراق مالية، مثل السندات الحكومية، لتضاف إلى محفظة الأصول التي يملكها، فيرتفع جانب الأصول في ميزانية الاحتياطي الفدرالي، وبالطبع يتم تسجيل الدولارات الجديدة التي يصدرها في جانب الالتزامات في ميزانية الاحتياطي الفدرالي. بهذا الشكل يكون كل من جانبي الأصول والخصوم في الميزانية قد ارتفع بقيمة الأوراق المالية التي قام الاحتياطي الفدرالي بشرائها، ويزيد بالتالي حجم ميزانيته، ولذلك يطلق على التيسير الكمي سياسات زيادة حجم الميزانية (ميزانية البنك المركزي)، وببساطة شديدة، فإن السياسة النقدية إما ان تستهدف سعر النقود (معدل الفائدة) من خلال استخدام أدوات تؤدي إلى رفع أو تخفيض معدلات الفائدة، حسب مقتضيات النشاط الاقتصادي، وعندما يتغير معدل الفائدة ارتفاعا أو انخفاضا ينتقل اثر ذلك إلى النشاط الاقتصادي (الطلب الكلي) من خلال ما يسمى "بقناة معدل الفائدة" التي تتولى نقل تأثير خفض أو رفع معدل الفائدة إلى الطلب الكلي، ومن ثم معدلات النمو والتوظف والبطالة. أو قد تستهدف السياسة النقدية كمية النقود المتداولة في الاقتصاد، والتيسير الكمي هو أداة لتحقيق الأخيرة.

ويقترب حاليا الاحتياطي الفدرالي من الانتهاء من خطة التيسير الكمي الثانية QE2، وذلك في يونيو القادم، بضخ 600 مليار دولار من النقود الجديد لمساعدة قطاع الأعمال الخاص على القيام بالمزيد من الاستثمار ومعالجة مشكلة البطالة، ووفقا لمحاضر اجتماعات لجنة السوق المفتوح في الاحتياطي الفدرالي، فإن اللجنة سوف تستمر في تنفيذ برنامج ضخ 600 مليار دولار تحت برنامج التيسير الكمي2، وفقا الخطة المقترحة حتى يونيو القادم، وذلك على الرغم من التحسن الواضح في سوق العمل الأمريكي، إذ ما زال ينظر إلى سوق العمل الأمريكي بقلق شديد خصوصا في ظل استمرار معدل البطالة عند مستويات مرتفعة جدا ، والتي بلغت في مارس الماضي 8.8%، الأمر الذي يجعل من السابق لأوانه الحديث عن التوقف عن برنامج التيسير الكمي2.

ولكن هل سيستمر الاحتياطي الفدرالي في اللجوء الى هذه السياسة النقدية غير التقليدية في المستقبل بحيث نرى خطة التيسير الكمي 3؟، الواقع ان الاجابة على هذا السؤال على الرغم من صعوبتها، الا أن الشواهد المتاحة حاليا تشير الى أن الاجابة وبقدر كبير من الثقة هي لا، ربما لا نشهد في المستقبل خطة التيسير الكمي 3، خصوصا مع استمرار تصاعد القلق حول الضغوط التضخمية الحالية، على الرغم من تأكيد الاحتياطي الفدرالي بأن الضغوط التضخمية وان وجدت فإنها سوف تكون انتقالية. لا أعتقد في ظل الظروف الحالية، ان الاحتياطي الفدرالي سوف يقدم على مزيد من طباعة الدولار.







استعادة النشاط في الاقتصاد الأمريكي تسير بمعدلات معتدلة

منذ أيام نشر محضر الاجتماع الأخير للجنة الفدرالية للسوق المفتوح FOMC، ووفقا للمحضر فإن استعادة النشاط الاقتصادي في الولايات المتحدة تسير بمعدلات معتدلة، كما أن الظروف في سوق العمل تتحسن بصورة مضطردة، في الوقت الذي يتزايد فيه إنفاق المستهلكين وقطاع الأعمال على الاستثمار. من ناحية أخرى فإن ارتفاع أسعار السلع التجارية بصفة خاصة النفط رفعت من معدل التضخم، غير ان التوقعات طويلة الأجل للتضخم التي تتبناها اللجنة ما زالت كما هي بدون تعديل تقريبا.  وتنظر اللجنة إلى هذه الآثار التضخمية على أنها آثار انتقالية وقد أعلنت اللجنة أنها سوف تراقب تطور التضخم والتوقعات التضخمية في المستقبل، مع حرص اللجنة على رفع درجة التشغيل مع الحفاظ على استقرار الأسعار.
يلاحظ أنه الرغم من مظاهر استعادة النشاط الواضحة في الاقتصاد الأمريكي، إلا أن اللجنة قررت ان تستمر في الاحتفاظ بمزيد من السندات الحكومية كذلك سوف تستمر اللجنة في إعادة استثمار المدفوعات على السندات التي تملكها، كما قررت أن تستمر في استكمال برنامج شراء السندات الذي تم إقراره في إطار خطة التيسير الكمي 2 والمقدر بـ 600 مليار دولارا.
من ناحية أخرى سوف تستمر اللجنة في مراجعة حجم و هيكل  محتفظات الاحتياطي الفدرالي من السندات في ضوء المستجدات من المعلومات التي تتدفق حول مستويات التشغيل والتضخم، ومن ثم تعديل هذه المحتفظات حسب ما هو مطلوب للتأكد من تعظيم عملية التشغيل مع الحفاظ على استقرار الأسعار، ولكن ما هو المقصود بهذه الفقرة؟ إن ذلك يعني أن الاحتياطي الفدرالي سوف يستمر في ضخ المزيد من الدولارات في إطار خطة التيسر الكمي 2، كما انه لن يسحب الدولارات التي كان قد ضخها في إطار خطة التيسير الكمي 1، وأن أي عملية سداد للسندات التي على أساسها قام بضخ حوالي تريليون دولار بمقتضى الخطة الأولى سوف يعاد ضخها مرة أخرى في الاقتصاد الأمريكي، مما يعني استمرار قاعدة السيولة مرتفعة مثلما يحرص الاحتياطي الفدرالي منذ بدء الأزمة.
ولتأكيد استمرار استعادة النشاط في الاقتصاد الأمريكي سوف يستمر الاحتياطي الفدرالي في الحفاظ على معدلات الفائدة المستهدفة (معدل الأموال الفدرالية Federal Funds Rate) عند مستويات متدنية، أي ما بين صفر و 0.25%، وذلك لتشجيع استمرار الطلب الكلي مرتفعا واستمرار ارتفاع معدل التوظيف، وترى اللجنة ان مستويات التضخم المنخفضة التي تسود في الاقتصاد الأمريكي حاليا وكذلك التوقعات التضخمية المنخفضة سوف تساعد على استمرار تبني سياسات معدلات الفائدة المنخفضة جدا التي يتبناها الاحتياطي الفدرالي حاليا ولفترة ممتدة في المستقبل.
من ناحية أخرى أكدت اللجنة على أنها سوف تستمر في مراقبة الأوضاع المالية وسوف تستخدم أدوات السياسة النقدية المناسبة لدعم استعادة النشاط الاقتصادي الأمريكي وللتأكد من أن معدلات التضخم تسير وفق المستويات المستهدفة لها.
ولكن ما هو مضمون ما تم الاتفاق عليه في محضر اجتماع للجنة الفدرالية للسوق المفتوح؟ مضمون هذا المحضر هو الآتي:
-          أن الاحتياطي الفدرالي ماض في سياساته بضخ المزيد من الدولارات الجديدة في الاقتصاد الأمريكي.
-          أن الاحتياطي الفدرالي لن يخفض عرض الدولار بحلول موعد إعادة سداد مشترياته من السندات، وأنه سوف يعيد ضخ هذه الدولارات مرة أخرى للحفاظ على الأساس النقدي مرتفعا.
-          أن الاحتياطي الفدرالي سوف يستمر في الحفاظ على معدلات فائدة شبه صفرية على الدولار الأمريكي.
-          أن الاحتياطي الفدرالي لا يرغب في دعم قيمة الدولار حاليا، وأنه يفضل استمرار إتباع سياسة الدولار الضعيف في الوقت الحالي لمساعدة عملية استعادة النشاط الاقتصادي.
-          أن الاحتياطي الفدرالي يرى أن الاقتصاد الأمريكي يستعيد نشاطه بمعدلات مناسبة، وأنه سوف يعمل على توفير العزم اللازم لاستمرار عملية النمو.
-          أن الاحتياطي الفدرالي لا يخشى من أي ضغوط تضخمية نتيجة لسياساته التوسعية، وأن أي ضغوط تضخمية ناجمة عن عوامل خارجية مثل أسعار النفط أو أسعار الغذاء سوف تكون ضغوطا انتقالية.
-          أن المعدلات المتوقعة للتضخم في الأجل الطويل تسير وفقا لمعدل التضخم المستهدف بواسطة الاحتياطي الفدرالي والذي يدور حول معدل 2%.
-          أن الاحتياطي الفدرالي ما زال ينظر إلى سياساته النقدية التي اتبعها خلال الأزمة على أنها سياسات مناسبة تماما، وأنها تحقق الأهداف المتوقعة منها، سواء على صعيد عمليات التشغيل أو مستويات الأسعار في ظل ضغوط الأزمة.
للإطلاع على محضر اللجنة الفدرالية للسوق المفتوح انظر الرابط:

الجمعة، أبريل 22، 2011

الذهب يداعب المضاربين فيه

نشر في صحيفة الاقتصادية السعودية بتاريخ الجمعة 22/4/2011.
حمل الذهب هذا الشهر المزيد من الأخبار السارة للمضاربين فيه، حيث يستعد الذهب هذا الأسبوع لاختراق حاجز تاريخي جديد بتجاوزه لسعر 1500 دولارا للأوقية، وذلك بعد قيام مؤسسة ستاندرد أند بور بتخفيض تصنيف الدين العام الأمريكي من مستقر إلى سلبي، وهو ما دفع بالمضاربين نحو المزيد من شراء الذهب، ولا شك أن هذه المستويات التاريخية لسعر الذهب تعكس بالدرجة الأولى المخاوف التي تحيط بالاقتصاد العالمي وبالأوضاع السائدة في بعض المناطق الساخنة مثل ليبيا والشرق الأوسط بشكل عام واليابان، وبالشكوك التي تحوم حول قدرة الاقتصاد العالمي على استعادة عافيته من الأزمة ومدى قوة العزم التي يملكها الاقتصاد الأمريكي على الاستمرار في التعافي.

خلال هذا الشهر ارتفع ثمن أوقية الذهب بحوالي 80 دولارا، ومنذ تسع سنوات تقريبا والذهب يرتفع بصورة مستمرة، وهي سنوات لا شك لم تكن طبيعية، ومن ثم لا يمكننا أن نطلق على الاتجاه الحالي لسعر الذهب بأنه طبيعيا. فارتفاع أسعار الذهب هو أحد أهم السمات التي صاحبت الأزمة التي يمر بها العالم حاليا، بحيث أصبح الذهب هو المؤشر الحراري لأوضاع العالم في الأزمة الحالية، فمع أي تطورات معاكسة على الساحة الاقتصادية أو حتى السياسية تأخذ أسعار الذهب في الارتفاع على النحو الذي شهدناه خلال السنوات الأخيرة.

تعطي الخصائص الطبيعية للذهب وضعا فريدا بين المعادن النفيسة، فهو واحد من معادن قليلة جدا لا يتلف بمرور الوقت، فضلا عن أنه يتسم بالندرة الشديدة بالنسبة للطلب عليه، ونظرا للاتجاه الصعودي للذهب خلال فترة طويلة نسبيا مؤخرا، أخذ البعض يروج لفكرة استمرار استقرار الذهب عند مستويات أسعار مرتفعة، وهو ما جعل المضاربين في شتى أنحاء العالم يتجهون نحوه لحماية أنفسهم من تراجع القوة الشرائية للنقود الورقية، وكملجأ للحماية ضد مخاطر التضخم في عالم لا تزيد فيه معدلات الفائدة عن صفر في الكثير من البقاع.

خلال العام الماضي كان الذهب أكثر المعادن تجارة، وقد حقق سعر الذهب في ذلك العام زيادة تقدر بحوالي 27% في المتوسط ، وما يحدث حاليا في سوق المعدن هو تهافت المشترين على الشراء، مما يجعل الأسعار ترتفع أعلى وأعلى، ومن هذا المنطلق يؤمن الكثير من المتعاملين في المعدن انه ما زال هناك مجال أوسع لارتفاع سعر الذهب. فعلى الرغم من أن بيانات سوق الذهب تشير إلى ارتفاع كمية الذهب المعروضة في 2010 إلى حوالي 2700 طنا، والتي تم تعدينها من مناطق الإنتاج الرئيسية للمعدن، وهي كمية تزيد بشكل واضح عن الاتجاه العام للطلب، إلا أن هذه الزيادة في العرض قابلها أيضا طلبا استثنائيا على الذهب، على الرغم من الأسعار المرتفعة له.

ومنذ أكثر من سنة دخلت الفضة على خط المضاربة مع الذهب، غير أنه مع استمرار ارتفاع أسعار الذهب أخذت العلاقة بين الذهب والفضة في الاختلال بعض الشيء، فمن الناحية التقليدية كان معدل تبادل الذهب إلى الفضة هو أوقية ذهب في مقابل حوالي 15 أوقية فضة تقريبا، ولكن في الوقت الحالي حيث يقترب سعر الذهب من 1500 دولارا، فإن المعدل يصل إلى واحد إلى أربعين تقريبا.

من الناحية التاريخية ترتفع أسعار الذهب باعتباره البديل الأمثل للنقود الورقية التي تطبعها دول العالم بدون غطاء حقيقي، وعندما ترتفع معدلات التضخم أو تنتشر التوقعات التضخمية في المستقبل فإن الوضع الطبيعي أن يفقد المستثمرون الثقة في في النقود (بما في ذلك المودعات بها)، وفي قدرة السلطات النقدية على إدارة الشئون النقدية للاقتصاد بصورة آمنة، وواقع الحال يشير إلى أن العالم لم يخرج بعد من الأزمة، والتوقعات التضخمية المرتفعة مازالت سيدة الموقف، كما أن أسعار الفائدة الحقيقية في كافة دول العالم سالبة، والوضع الطبيعي في ظل هذه الظروف أن تميل أسعار الذهب نحو التزايد بمعدلات مرتفعة.

المستثمرون في كافة أنحاء العالم لديهم أيضا قلق حول مستقبل الاقتصاد العالمي بصفة خاصة الأمريكي، كما أن الديون السيادية لمعظم دول العالم، بصفة خاصة الولايات المتحدة وأوروبا قاربت مستويات حرجة، ومع ذلك تستمر هذه الدول في إصدار المزيد منها، على نحو يراه المستثمرون بأنه غير قابل للاستدامة، أكثر من ذلك فإن جانبا كبيرا من سندات الدين يتم تحويله إلى عملات نقدية، وهو ما يفرز علامات استفهام كثيرة حول الكيفية التي يدار بها الاقتصاد العالمي حاليا، بصفة خاصة الأمريكي من الناحية الاقتصادية، والجميع يتوقع انهيار الدولار، أو تراجع القوة الشرائية له، حيث تتراجع معدلات صرف الدولار في مقابل العملات الأساسية في العالم ، ونتيجة لذلك ترتفع أسعار الأصول، بما فيها الذهب والأسهم والسلع، والتوقعات حول مستقبل الاقتصاد الأمريكي تشاؤمية، لذلك يندفع الناس إلى اللجوء إلى الذهب كبديل أكثر آمانا، وهو ما يساعد على النفخ في فقاعة أسعار الذهب.

الذهب يتم تداوله الآن بأسعار تاريخية من حيث مستوياتها المرتفعة، ويوما بعد يوم تنتقل المدخرات بصورة واضحة نحو الذهب، وهو ما يوحي باستمرار الاتجاه الحالي للذهب نحو الارتفاع مع تزايد نزعة المضاربة بين المتعاملين، والقائمين على صناديق المعدن يرددون بصورة مستمرة عبارة "أن عدم تملك الذهب في ظل هذه الظروف يعد نوعا من الغباء الاستثماري"، وتراهم من وقت لآخر يروجون لفكرة الأسعار المرتفعة للذهب، وبأن الأسعار الحالية للذهب هي اتجاه طبيعي، وأن السعر الحالي غير قابل للانخفاض أصلا لأن القيمة الحقيقية للذهب أعلى من السعر الحالي له بكثير، وأن الأمر هو مسألة وقت حتى نرى الشارة السعرية التي تحمل رقم 5000 أو حتى 10000 دولارا للأوقية.

أحد المعايير التي يستند إليها أنصار الذهب في بلوغ الأسعار إلى هذه المستويات الفلكية هي السعر التاريخي للذهب، أو معدل الرقم القياسي لداو جونز بالنسبة للذهب منذ عام 1970، إلى غير ذلك من المقاييس التي طوروها لإيهام المضاربين بأن المعدن على الرغم من ارتفاع أسعاره، هو بكل المقاييس، ما زال اقل من القيمة الحقيقية التي يجب أن يكون عليها، وبأن الذهب بالفعل لا يعيش حالة فقاعة سعرية، وللتدليل على ذلك يستخدم هؤلاء سعر الذهب في عام 1980 والذي بلغ 880 دولارا للأوقية على أنه نقطة أساس لتحديد السعر الحقيقي للذهب، وبمعنى آخر إذا تم تعديل هذا السعر بمعدل التضخم منذ هذا العام فإن سعر الذهب في يومنا هذا لا بد وأن يصل إلى حوالي 7000 دولارا للأوقية، وهو منطق مضلل، فكيف يمكن استخدام أعلى سعر بلغه الذهب من الناحية التاريخية قبل الفقاعة الحالية على أنه نقطة أساس، إن ذلك يعني أن سعر 880 دولارا للأوقية في عام 1980 يمثل السعر الطبيعي للذهب، فكيف يمكن أن ينظر إلى سعر منفوخ على أنه السعر الطبيعي للذهب، حتى يتم تعديله بالتضخم في محاولة للوصول إلى ما يسمى بالسعر العادل للذهب، وإذا كان هذا السعر المنفوخ هو السعر الطبيعي، لماذا انهار في نفس العام؟

الفضة أيضا دخلت على الخط، والتي يبلغ سعر الأوقية منها حاليا حوالي 45 دولارا، ومع الترويج للمضاربة في الفضة فإن ارتفاع أسعار الفضة فاق مؤخرا متوسط معدل الارتفاع في أسعار الذهب، حيث يستخدم المحللون نفس المنطق، ويروجون لفكرة أن أوقية الفضة لا بد وان تباع اليوم بأكثر من 400 دولارا أخذا في الاعتبار سعر الفضة في عام 1980 والذي بلغ 50 دولارا للأوقية، ولكن الخمسين دولارا لأوقية الفضة في ذلك الوقت كانت تعكس أساسا ضغوط المضاربة التي مارسها الأخوان هانت Hunt brothers، فقد حاول الأخوان في عام 1980 أثناء حمى الذهب السيطرة على الفضة، اعتقادا منهم بأن التضخم سوف يقضي على الدولار الأمريكي في ذلك الوقت (وهي نفس الدعوى التي نسمعها اليوم)، وقاموا بشراء حوالي ثلث العرض العالمي من الفضة، وهو ما أدى إلى رفع سعر أوقية الفضة من 1.26 دولارا فقط في 1971 إلى حوالي 50 دولارا في عام 1980، وقد انتهت هذه المضاربة المحمومة بانهيار سعر الفضة وإفلاسهما، فكيف يمكن أن ننظر، مرة أخرى، إلى هذه الأسعار الخيالية على أنها أسعارا طبيعية لكي نستخدمها كنقطة أساس للتعديل بالتضخم لكي نحسب السعر الحقيقي المعدل بالتضخم للفضة، وإذا كان هذا السعر طبيعيا، مرة أخرى، لماذا انهار وتسبب في إفلاس المضاربين على المعدن.

المشكلة الأساسية هي أن اغلب المحللين في مجال المعدن يلعبون بعقول من يقرؤون من المضاربين، ومن يقرؤون يعجبون بما يشاهدون لأنهم ببساطة شديدة مهيئون لتصديق أي شيء وكل شيء عن الذهب والفضة، ويرددون العبارة الشهيرة "الوضع مختلف هذه المرة"، ولسوء الحظ أن استمرار سوء الأوضاع وطول الفترة التي قضاها العالم في الكساد الحالي جعل الكثير يؤمن بأن الوضع بالفعل مختلف هذه المرة.

هل الذهب يمثل حاليا فقاعة سعرية حاليا؟ ما يردده كل المتعاملين في الذهب أنه لا يوجد شيء اسمه الفقاعة السعرية للذهب، وأن الذهب صعدت أسعاره لتبقى مرتفعة إلى الأبد، فالذهب معدن العالم النفيس، وهو الملجأ الأمثل في مواجهة التضخم، وأن الطلب على الذهب سوف يستمر في الارتفاع نظرا للتغير الهيكلي الحادث في الطلب على المعدن النفيس على المستوى العالمي، ولكن هل هذه تفسيرات حقيقية لهذه القفزات في سعر الذهب؟

في رأيي لكي نفهم طبيعة ما يحدث، علينا أن ننظر إلى طبيعة المشكلات الاقتصادية التي نواجهها، لكي نفهم بصورة أفضل ما الذي يحدث لسعر الذهب. فالسعر الاستثنائي الحالي للذهب هو نتاج ظروف اقتصادية استثنائية أيضا، والآن هل الذهب يعيش حالة فقاعة سعريه؟، إجابتي هي بكل تأكيد نعم، وأهم العلامات التي يمكن من خلالها الحكم على وجود الفقاعة السعرية لأصل ما هي انتشار الملكية العامة للأصل على نحو واسع، مثلما حدث على سبيل المثال في فقاعة الانترنت أو الشركات التكنولوجية والتي انتهت بانفجار الفقاعة في أوائل العقد الماضي، أو الإقدام الواسع على شراء المساكن في الولايات المتحدة والذي انتهى بانفجار فقاعة أسعار المساكن في 2006، وليس هناك من دليل أفضل على الفقاعة السعرية للذهب من الانتشار الواسع لتملك الذهب في كافة أنحاء العالم حاليا.

هل الوضع مختلف هذه المرة؟ إجابتي هي لا يوجد شيء اسمه الوضع مختلف هذه المرة، ففي كل فقاعة مرت على العالم كان المضاربون يندفعون نحو المضاربة مرددين نفس هذه العبارة، إلى أن يستفيق الجميع تحت وقع دقات الكارثة، ولكن هل ستنفجر هذه الفقاعة السعرية؟ إجابتي هي أنه بتحليل كافة الأزمات التي مرت في تاريخ العالم الحديث والتي تناولتها في سلسلة "عالم لا يتعلم من أزماته" التي نشرتها الاقتصادية، وجدت انه لا يوجد أصل استثماري في العالم تستمر أسعاره في الارتفاع إلى ما لا نهاية، والآن إلى سؤال المليون دولار، متى سنتفجر الفقاعة السعرية للذهب؟

جميع الشواهد التي بين أيدينا حتى هذه اللحظة تشير إلى أن توقيت وقوع الكارثة لا يلوح في الأفق في الوقت الحاضر أو حتى في المستقبل القريب، فما زالت الظروف الاقتصادية التي أدت إلى تكون الفقاعة الحالية قائمة، وليس من المتوقع انعكاسها في الأجل القريب، حتى يمكن الحديث عن هبوط منتظر في أسعار الذهب. بل إن الكثير من المراقبين يتوقعون أن يتدعم الاستثمار في الذهب خلال الفترة القادمة مع احتمالات اتساع أزمة الديون السيادية من أوروبا إلى الولايات المتحدة واليابان، حيث يبلغ الدين العام في الدولتين الأخيرتين مستويات حرجة، بصفة خاصة في ظل عجز الميزانية التاريخي الذي تواجهانه، وضعف الإجراءات المتخذة حيال النمو في العجز المالي. من ناحية أخرى، فإن اتجاه الولايات المتحدة نحو طبع الدولار بغض النظر عن تبعات ذلك على الوضع العالمي له كعملة احتياط للعالم، يهدد الثقة التي تتمتع بها العملة الخضراء، ولذلك يرى البعض أن المتسبب في رفع سعر الذهب ليس هو سلوك المتعاملين فيه، وإنما سلوك البنوك المركزية مثل الاحتياطي الفدرالي، وما زالت معظم دول العالم، بصفة خاصة الكبرى منها، تتبع سياسات نقدية سهلة، وليس هناك أي دلائل على ان هناك تحول في السياسات النقدية نحو السياسات النقدية المتشددة، وأخيرا، من الواضح ان سعر الذهب سوف يستمر في الارتفاع تحت وطء المتغيرات المعاكسة في العالم، مثل ارتفاع أسعار الغذاء، وارتفاع معدلات التضخم ،وبرامج التحفيز النقدي، واستمرار معدلات البطالة مرتفعة، والضغوط السياسية، بل والكوارث الطبيعية مثلما حدث في اليابان، وحتى يتم التعامل مع المشكلات التي يواجهها العالم في ظل الأزمة ويستعيد المستثمرون ثقتهم في الأسواق مرة أخرى، فسوف يستمر المضاربون في شراء الذهب، ومن ثم سوف يظل الذهب يداعب المضاربين فيه.

الأربعاء، أبريل 20، 2011

هل تنافس اسرائيل المملكة العربية السعودية في إنتاج النفط

قرأت هذا الموضوع المثير على موقع economywatch عن اكتشاف كميات هائلة من النفط الصخري في اسرائيل. وفقا للموقع فقد أعلن في الصيف الماضي عن اكتشاف كميات هائلة من الغاز في الساحل الشمالي لإسرائيل. هذا الشهر أعلن عن نبأ اكتشاف كميات هائلة من نفط الصخور في إسرائيل قدرت بأنها ثالث اكبر كمية مكتشفة في العالم بعد الصين والولايات المتحدة، واللذان من المتوقع أن يستهلكا إنتاجهما من هذه المصادر ذاتيا عندما يتم تطوير هذه المصادر. ماذا يعني ذلك؟ إن ذلك يعني أن إسرائيل قد تصبح اكبر دولة مصدرة في العالم لنفط الصخور، أو تحول إسرائيل إلى واحد من القوى النفطية الكبرى في العالم.
يقول هارولد فينيجر احد علماء شركة رويال دتش شل وأحد المشرفين على المشروع الإسرائيلي الذي يطمح إلى تحويل إسرائيل إلى  واحدة من الدول الرئيسية المنتجة للنفط في العالم، Israel Energy Initiatives IEI  أن مشروع IEI يعمل على استخراج النفط والغاز من الصخور في مساحة تقدر بحوالي  238 كيلو مترا مربعا في حوض الشفيله جنوب وغرب القدس. وبالرغم من ان عملية استخراج النفط من الصخور هي عملية ذات آثار بيئية خطيرة، لأنها كثيفة الاستخدام للطاقة والمياه، الا أن الـ IEI تعتقد أن التقنيات التي ستستخدمها سوف تكون أنظف من تلك التي يستخدمها الآخرون حيث سيتم فصل النفط على بعد 300 مترا تحت الأرض ومن ثم سوف يترتب على العملية إنتاج نفط وماء في ذات الوقت، بدلا من استهلاك الماء بكميات هائلة في استخراج النفط.
يقول فينيجر أن إسرائيل تملك اكبر احتياطيات النفط الصخري خارج الولايات المتحدة والصين، وتقدر كمية الاحتياطي من هذا النفط حوالي 250 مليار برميل، وهو ما يضعها في المركز الثاني بعد المملكة العربية السعودية التي يقول ان احتياطياتها المؤكدة تبلغ 260 مليار برميل، ويشكك فينيجر في صحة هذا الرقم حيث يقول أن العلماء العرب العاملين في ارامكو غالبا ما يغالون في تقديرات الاحتياطيات المؤكدة من النفط في المملكة.
وتقدر IEI تكلفة إنتاج البرميل النفطي من الصخور بما بين 35-40 دولارا للبرميل، وهي تكلفة تقل عن تكلفة استخراج النفط من المناطق الوعرة في العالم مثل القطب الشمالي والتي تصل إلى 60 دولارا، كما أنها تعادل تكلفة استخراج البرميل من النفط من الآبار المتواجدة في المياه العميقة في ساحل البرازيل. وأشار فينيجر إلى أن هذه الاحتياطيات كانت معروفة في إسرائيل مسبقا، ولكنها لم تكن مدرجة لأنه لم يكن هناك تكنولوجيا مناسبة للتعامل معها.  وتقوم التكنولوجيا الجديدة والتي ستتسخدم على أساس تسخين الصخور تحت باطن الأرض باستخدام سخانات كهربائية إلى درجة 325 درجة مئوية، وهو المستوى الذي تبدأ عنده الصخور في التفتت، وسوف يكون النفط المستخرج خفيفا مثل النفط الليبي، وليس ثقيلا مثل النفط السعودي. وسوف تبدأ إسرائيل في عمليات الإنتاج التجريبي بمشروع يستهدف انتاج خمسين ألف برميل يوميا.

الموقع مع ذلك يسرد مجموعة من المخاطر التقنية التي تواجه المشروع، بصفة خاصة المتعلقة بالقدرة على حفر آبار افقية تحت باطن الارض، والقدرة على وضع السخانات الكهربائية فيها، وامكانية استمرارها.
لست خبيرا فنيا في النفط، ولكني أشعر بأنني لا أستطيع ان أهضم ما قرأت، وهذه دعوة للمتخصصين للدخول على الموقع على الرابط http://www.economywatch.com/economy-business-and-finance-news/israel-the-saudi-arabia-of-shale-oil%2013-04.html للإطلاع على تفاصيل الموضوع، ربما يكون لديهم رؤية أفضل مني.

منظمة الشفافية الدولية: بداية ناصعة لمكافحة الفساد في مصر

أثنت منظمة الشفافية الدولية على جهود مكافحة الفساد التي تجري حاليا في مصر حيث يتم تحويل كافة المسئولين عن الفساد للمحاكم القانونية بغض النظر عن موقعهم، بما فيهم المخلوع مبارك وأسرته. وأشارت المنظمة الى ان الفساد لن ينته في يوم وليلة وأنه ما زالت هناك جذور للفساد، وأن خلع رئيس لا يعني معالجة نقاط الضعف المؤسسية التي تعاني منها الدولة، وأنه ما زال هناك دور هام يجب ان تلعبه مؤسسات المجتمع المدني في ملاحقة الفساد والقضاء عليه، واعتبرت المنظمة ان مناقشة شفافية ونزاهة المؤسسات المصرية من جانب اعضاء الحكومة والقضاء يعتبر بداية جديدة لمصر، وكانت المنظمة قد نشرت تقريرا تحليليا عن المؤسسات المصرية ودورها في المساءلة والنزاهة في العام الماضي أثناء حكم المخلوع مبارك، وقد اظهر التقرير انه على الرغم من وجود أليات للشفافية والنزاهة الا ان هذا الاليات ليست فعالة وغالبا ما يتم تعديلها لعدم وجود الرغبة السياسية لدى النظام السابق وعدم الاستقلالية الكافية لأجهزة مكافحة الفساد، وعدم توافر مساحة كافية لمؤسسات المجتمع المدني وآليات الحماية للمبلغين عن الفساد، وقد كشفت التحقيقات التي تمت بعد ثورة 25 يناير عن وجود ملفات هائلة عن الفساد، وأن النظام السابق كان يرعى الفساد بكافة صوره، لذلك لم يكن من المستغرب ان نرى ترتيب مصر على المؤشر العالمي للفساد بين أكثر الدول فسادا في العالم، ونتيجة لذلك تراجع الأداء الاقتصادي بكافة صوره، فلا يمكن لدولة ينتشر فيها الفساد ونهب الموارد ان تتقدم أو تنمو أو تشهد تطورا، ولذلك ساءت الاوضاع الاقتصادية والسياسية في العهد البائد وانتشرت فضائح النظام، حتى شهدت مصر فضيحة الانتخابات الاخيرة التي تم تزويرها علنا على يد المراهق السياسي جمال مبارك الذي كانت تعده أمه لكي يكون ولي عهد مصر، وحزبه المحظور حاليا، وهو ما دفع بالأمور نحو الانفجار فكانت الثورة التي أطاحت بالنظام بأكمله، وها هي أركان النظام بالكامل بما فيهم الرئيس وأسرته في السجن أو في طريقهم اليه.

منظمة الشفافية الدولية وضعت مجموعة من المقترحات لتحسين المساءلة والشفافية في مصر أهمها:

• سن قوانين جديدة لجعل المسؤولين الحكوميين أكثر عرضة للمساءلة بدون استثناءات.

• سن قوانين جديدة لمساندة ودعم حرية الرأي والمعلومات وحماية وتطبيق مبدأ المساءلة في جميع الجهات الحكومية بما فيها الأمن والعدل.

• على المؤسسات المالية أن تراقب كل العملاء خاصة موظفي الحكومة

• ضمان الاستقلال التام لكل جهات محاربة الفساد متضمنة القطاعات العامة والخاصة وجعل التقارير معلنة للجميع

• انشاء جهاز قومي مسؤول عن استراتيجية متكاملة لمكافحة الفساد

• انشاء ديوان رفع المظالم للتحقيق في شكاوى المواطنين.

ليس لدي شك في ان مصر التي صنعت اعظم ثورات التاريخ قادرة على تجاوز محنتها والقضاء على فلول الفاسدين من العهد البائد، وغرس قيم الحق والعدل والنزاهة والمساواة، في ظل نظام مؤسسي يكفل الحماية للجميع أيا كان وضعهم الاجتماعي او موقعهم، ويدفع بجهود التنمية قدما نحو الأمام بجهود شبابها الذين صنعوا هذه الثورة وعلماءها المنتشرين في كافة أنحاء العالم، وأبناءها المخلصين.

 

الاثنين، أبريل 18، 2011

وفاة رجل الأعمال الكويتي ناصر الخرافي

تلقينا ببالغ الحزن والأسى نبأ وفاة المغفور له، بإذن الله تعالى، رجل الاعمال الكويتي ناصر الخرافي، والذي يعد علما من أعلام العرب ورائدا من رواد الأعمال في القطاع الخاص العربي،  والذي كان يملك رؤية ثاقبة حول الدور الذي يجب ان يلعبه رأس المال في تنمية المنطقة العربية بشكل عام. من أقوال ناصر الخرافي، رأس المال العربي للعرب، وقد فعل، فكانت استثماراته في الكويت والمنطقة أساسا عملا بالمثل الكويتي "زيتنا في مكبتنا"، أحيي دائما رجال الأعمال الذي يستثمرون أموالهم في دولهم لأنهم يوفرون فرص عمل لأبناء جلدتهم ويساعدون على زيادة الانتاج والدخل في هذه الدول، وليس هؤلاء الذين يستثمرون أموالهم في الخارج، ففضلا عما يتعرضون له من مخاطر عديدة في تلك الدول الخارجية، فإنهم يسهمون في زيادة مستويات الناتج والدخل في تلك الدول وفي حل مشكلة البطالة في الخارج بينما شبابنا لا يجد فرصة عمل هنا.
ناصر الخرافي أكبر المستثمرين العرب في مصر، حيث تنتشر استثماراته في عرض مصر وطولها وحيث يعمل عشرات الآلاف من المصريين في تلك المؤسسات التي يستثمر فيها. ناصر الخرافي أحب مصر، وأحبته مصر ففتحت له ذراعيها. ناصر الخرافي رحمه الله كان اصلا عربيا نادرا ووفاته تمثل خسارة كبيرة للكويت ولمصر ولعالم الأعمال في العالم العربي، ولذلك لم يكن من المستغرب ان تتأثر اسواق المال في الكويت ومصر بوفاة الرجل، ولكن ثقتي في أن الصرح الكبير الذي بناه ناصر الخرافي والعمل المؤسسي الذي أنشأه في تلك المؤسسة العريضة، سوف يتجاوز الحدث وسوف تعود الأمور الى نصابها بإذن الله، اعتمادا على ما رباه من جيل ثان.
خالص التعازي لأسرة الفقيد داعيا الله سبحانه وتعالى لهم بالصبر والسلوان.
انظر تعليقي على وفاة رجل الأعمال ناصر الخرافي في صحيفة Arab Times

الجمعة، أبريل 15، 2011

موجات التضخم تضرب العالم مجددا

نشر في صحيفة الاقتصادية السعودية بتاريخ الجمعة 15/4/2011.
بعد ان وضعت الأزمة المالية العالمية أوزارها، وأخذ الكثير من اقتصاديات العالم طريقه نحو التعافي، يبدو أننا نستعد الآن للدخول في أزمة جديدة نتيجة تزايد الضغوط التضخمية حول العالم. فقد أخذ سعر النفط في الارتفاع إلى مستويات لا تتناسب مع طبيعة المرحلة الحالية التي يمر بها الاقتصاد العالمي، كذلك عادت أسعار الغذاء العالمية إلى مستويات ما قبل الأزمة المالية العالمية، بعد تراجعها في أعقاب تلك الأزمة، فضلا عن وجود ضغوط تضخمية إضافية ناجمة عن ارتفاع أسعار السلع التجارية الأخرى على نحو ينعكس على مستويات الإنفاق في كافة أنحاء العالم، ولكن ما هو التضخم؟ وما هي العوامل التي تقف وراء الموجات الحالية من التضخم في العالم؟
يعرف الاقتصاديون التضخم بأنه "الارتفاع المستمر في المستوى العام للأسعار"، ومن هذا التعريف المقتضب نجد أن هناك شرطان للحكم على وجود التضخم، الأول هو أن يكون الارتفاع في الأسعار مستمرا، فارتفاع الأسعار خلال شهر أو شهرين مثلا لا يعد تضخما، وإنما يطلق عليه لفظ "ارتفاع أسعار"، أما الشرط الثاني فهو أن يكون هذا الارتفاع في "المستوى العام للأسعار"، أي أسعار معظم السلع والخدمات التي يشتريها المستهلكون، وليس شرطا أن ترتفع كافة الأسعار أثناء التضخم، فمن الممكن أن تنخفض بعض الأسعار، ومع ذلك نقول بأن هناك تضخما، وللتضخم آثار كثيرة أهمها آثاره على تراجع القوة الشرائية للمستهلكين، بصفة خاصة ذوي الدخل الثابت كالعاملين في الحكومة أو المتقاعدين، وانخفاض الإنفاق الاستثماري نظرا لمناخ عدم التأكد الذي يصاحب الضغوط التضخمية، وإعادة توزيع الدخل في غير صالح الطبقات ذات الدخل المحدود.  
مصادر الضغوط التضخمية التي يتعرض لها العالم حاليا يمكن تقسيمها إلى ثلاثة مصادر هي؛ الأسعار المرتفعة للنفط والسلع التجارية الأخرى، والأسعار المرتفعة للغذاء على المستويين المحلي والعالمي، والسياسات الاقتصادية التوسعية التي تتبعها معظم دول العالم حاليا نتيجة للأزمة. فمعدلات الفائدة سالبة في معظم دول العالم اليوم، كما أن الكثير من الاقتصاديات الناشئة في العالم تعمل الآن وفق طاقتها الكامنة، ومن ثم تواجه مخاطر السخونة الاقتصادية، وهو ما يوجب عليها ان تتعامل مع ما يترتب على ذلك من نتائج على الضغوط التضخمية. على سبيل المثال فإن ارتفاع درجة سخونة الاقتصاد الصيني يرجع إلى النمو الكبير في الائتمان الذي نجم عن السياسات الحكومية الهادفة إلى الخروج السريع من الأزمة الاقتصادية، ولكن هذا الخروج السريع كان على حساب النمو في الأسعار، وكذلك ارتفاع أسعار العقارات والأسهم.
عادت أسعار السلع الغذائية إلى الارتفاع مؤخرا إلى مستويات أصبحت تهدد الأمن الغذائي في الكثير من دول العالم، بصفة خاصة الدول الفقيرة، حيث ينفق الناس جانبا كبرا من ميزانياتهم على الغذاء، إذ يصل إنفاق الأفراد على الغذاء في الدول النامية إلى أكثر من 50% من إجمالي الإنفاق في الكثير من الحالات، مقارنة بنسبة 15% كحد أقصى في الدول المتقدمة، ولسوء الحظ فإن الإسقاطات المتاحة حاليا تشير إلى أنه نظرا لانخفاض مستويات الاستثمار في القطاع الزراعي، فإن تزايد الإنتاج العالمي خلال العقود القادمة سوف يكون بمعدلات اقل من تلك التي شهدها العالم في العشر سنوات الماضية، الأمر الذي يعكس تراجع معدلات نمو الإنتاج الزراعي عالميا، وهو ما يشكل تهديدا للعرض العالمي من الغذاء، ووفقا لتوقعات منظمة الأغذية والزراعة فإن أسعار الغذاء سوف تشتد في خلال العام الحالي مما يزيد من الضغوط التضخمية على المستوى العالمي.
التضخم الناجم عن ارتفاع أسعار الغذاء لن يؤدي فقط إلى  تراجع القوة الشرائية للأفراد في الدول النامية، وإنما سيؤدي إلى أثار متعددة أخرى أهمها تهديد الاستقرار السياسي في عدد كبير من الدول، وعلى النحو الذي يمكن أن يؤدي إلى الإطاحة بحكومات منتخبة ديمقراطيا حتى لو كانت تطبق سياسات صحيحة. على سبيل المثال أجبرت أزمة أسعار الأرز التي تعرض لها العالم قبل الأزمة المالية العالمية رئيس الوزراء في هايتي "جاك ادوراد الكسيس" على التنحي، على الرغم من أن الأزمة كانت أزمة عالمية. كذلك يتوقع ارتفاع مستويات الفقر في العالم بصفة خاصة بالنسبة لأكثر المناطق تأثرا، حيث يتجاوز سعر الطعام القدرات الدخلية للفقراء وحيث يتم إنفاق الجزء الأكبر من الدخل على السلع الضرورية للحياة، وهو ما يشكل تراجعا للجهود التي تبذل للحد من الفقر على المستوى العالمي، وغالبا ما يصاحب ارتفاع أسعار الغذاء انتشار سوء التغذية والأمراض المصاحبة له، حيث أن ارتفاع الأسعار يعنى أيضا تناول عدد أقل من الوجبات الغذائية، أو تناول وجبات غذائية على نحو غير مناسب. على سبيل المثال ترتب على الارتفاع الأخير في أسعار الغذاء قبل الأزمة إلى التسبب إصابة حوالي مليار شخص في العالم بأمراض سوء التغذية. ذلك أن مشكلة الكثير من السلع الأساسية الزراعية أنها غير قابلة للإحلال في سلة استهلاك المستهلك النهائي، على سبيل المثال يصعب إحلال الأرز والقمح والذرة بمنتجات أخرى، الأمر الذي يزيد من الضغوط التضخمية عند حدوث نقص في عرض هذه السلع، وأخيرا فإن استمرار ارتفاع أسعار السلع الغذائية سوف يخلق مشكلة مالية للدول التي تقدم دعما مكثفا للحفاظ على أسعار الغذاء في متناول الفقراء، بصفة خاصة الخبز.
التطورات الحديثة في مجال الضغوط التضخمية التي يعاني منها العالم تشير إلى تعقد العلاقة بين ارتفاع أسعار النفط وارتفاع أسعار الغذاء. فاستمرار الارتفاع في أسعار النفط يؤدي إلى تزايد الضغوط في العالم نحو التحول إلى الوقود الحيوي Bio-fuel، الذي ترتفع جاذبيته مع ارتفاع أسعار النفط والذي يتجاوز سعره حاليا المائة دولار، والوقود الحيوي هو غاز الإيثانول الذي ينتج من أي محصول يحتوي على نشويات أو سكر بشكل أساسي، ويتم إضافته إلى البنزين في السيارات بنسب تتراوح بين 10 إلى 20%، غير أنه يمكن رفع تلك النسبة إلى أكثر من 80% إذا ما تم تعديل طريقة صناعة موتورات السيارات، وتنظر الكثير من الدول المنتجة للغذاء إلى الوقود الحيوي على أنه وقود المستقبل، كما تتزايد الاستثمارات في هذا المجال على نحو واضح، الأمر الذي يعني أن معظم الزيادة في إنتاج الغذاء في المستقبل سوف توجه نحو تسيير السيارات، وليس نحو توفير الغذاء للإنسان.
من ناحية أخرى، فقد كان ينظر إلى ارتفاعات أسعار النفط على أنها هي التي تقود الضغوط التضخمية العالمية، خصوصا بعد الموجات التضخمية التي ضربت العالم في السبعينيات من القرن الماضي. غير أن الدراسات التطبيقية التي أجريت مؤخرا تشير إلى ان أسعار الغذاء ليست اقل أهمية من النفط، بل وأن اتجاهات أسعار الغذاء أصبح لها قوة تأثير في الضغوط التضخمية العالمية أكثر من تأثير أسعار النفط. فمنذ عام 2006 ويتصاعد دور أسعار الغذاء على نحو واضح في الضغوط التضخمية العالمية، بحيث أصبحت أسعار الغذاء مؤشرا أقوى للضغوط التضخمية، خصوصا في الدول النامية حيث يمثل الإنفاق على الغذاء نسبة كبيرة من إجمالي الإنفاق الاستهلاكي.
مع تزايد الضغوط التضخمية في العديد من الاقتصاديات في دول العالم، أخذت البنوك المركزية لهذه الدول تلجأ إلى رفع معدلات الفائدة وتبني سياسات نقدية تقييدية بهدف السيطرة على الارتفاع المستمر في الأسعار، ومع ذلك فإن الشواهد تشير إلى أن هذه الإجراءات لم تفلح في الحد من الضغوط التضخمية. على سبيل المثال فإن الصين تكافح منذ فترة لكبح جماح التضخم، وقد قامت برفع أسعار الفائدة لأربعة مرات متتالية، غير أنها لم تستطع حتى الآن كبح جماح التضخم. ففي فبراير الماضي ارتفعت أسعار المستهلك إلى 4.9%، مدفوعة بزيادة في أسعار الغذاء بنسبة 11%، والتي تمثل أكثر من نصف إنفاق المستهلكين، وهناك خشية من أن يفجر التضخم في أسعار الغذاء مشكلة سياسية في الصين بين الملايين الذين لم يستفيدوا من ثمار النمو الصيني الكبير على مستويات رفاهيتهم، وقد وضعت الحكومة الصينية معدل تضخم مستهدف لهذا العام يصل إلى 4%، غير ان المراقبين يرون ان أسعار المستهلك قد تصعد إلى 6%، مع تأخر الحكومة في كبح جماح الضغوط التضخمية التي نشأت عن عملية تحفيز الاقتصاد الصيني للخروج من الأزمة ونمو الائتمان بصورة اكبر من المستويات المستهدفة.
مازال أمام الصين المزيد من الحاجة إلى رفع معدلات الفائدة قبل أن تنعكس السياسة على المستويات العامة للأسعار، لكن هناك قلق حقيقي لدى صانع السياسة من تأثيرات هذه المعدلات المرتفعة من الفائدة على النمو الاقتصادي للصين، وقد يستبدل صانع السياسة النقدية في الصين سياسة معدل الفائدة بالتحكم في معدل الاحتياطي القانوني في البنوك. غير أن الصين تفكر أيضا حاليا في استخدام معدل صرف اليوان لمكافحة التضخم من خلال السماح للرينمنبي بالارتفاع في القيمة، حتى تخفف من الضغوط التضخمية التي تعاني منها، ولكن من المؤكد ان مثل هذه السياسة سوف يكون لها تأثيرات على التنافسية الخارجية للصين.
باقي دول آسيا تواجه نفس الضغوط، على سبيل المثال تواجه الهند ضغوطا تضخمية مماثلة، وتحاول الحكومة ان تخفض من معدلات الارتفاع في الأسعار، والحال نفسه في روسيا والبرازيل وباقي دول أمريكا الجنوبية، وكذلك في أفريقيا. أما في أوروبا فإن معدل التضخم آخذ في الارتفاع في منطقة اليورو، وتشير البيانات إلى أن معدل التضخم في يناير الماضي بلغ في المتوسط 2.4%، وعلى الرغم من انخفاض معدل التضخم إلا ان هناك شواهد تشير إلى استمرار الأسعار في الارتفاع، كذلك أخذت أسعار المدخلات في الارتفاع هي الأخرى إلى مستويات مقلقة،. أما في المملكة المتحدة فإن التقارير تشير إلى ارتفاع معدل التضخم إلى حوالي 4%، وهو ما يعادل ضعف معدل التضخم المستهدف بواسطة بنك اوف انجلاند (البنك المركزي).
 الوضع في الولايات المتحدة مثير للقلق أيضا على الرغم من أن معدل التضخم المعلن ما زال يسير في إطار المعدلات المستهدفة للتضخم بواسطة الاحتياطي الفدرالي. حيث تشير آخر البيانات إلى ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة، كما أن الزيادة في أسعار المنتجين كانت الأعلى منذ سنتين، وهناك بعض وجهات النظر التي تشير إلى ان الولايات المتحدة مقدمة أخيرا على التضخم، على الرغم من ان لجنة السوق المفتوح تعتقد بأن التضخم سوف يكون عرضيا. وقد أشارت محاضر لجنة السوق المفتوح الأسبوع الماضي إلى ان بعض المحافظين الأعضاء في اللجنة اقترح وقف الجزء المتبقي من برنامج التيسير الكمي2 استنادا إلى ان استمرار تبني سياسة نقدية توسعية يمكن ان يغذي مشكلة التضخم، وهو ما يعكس أيضا القلق العالمي من الضغوط التضخمية التي يمكن ان تنشأ عن برنامج التيسير الكمي الذي يتبناه الاحتياطي الفدرالي.
المشكلة الأساسية هي ان هذه التحفظات تأتي في وقت حرج جدا حيث يستعيد الاقتصاد الأمريكي نشاطه ويتعافى بصورة مثيرة للاهتمام، وبصفة خاصة بالنسبة لسوق العمل الأمريكي الذي يحقق تطورات هامة على صعيد خلق فرص العمل بواسطة قطاع الأعمال الخاص، وحيث تتراجع معدلات البطالة بشكل واضح، مع عمليات الضخ النقدي الذي يقوم به الاحتياطي الفدرالي، ووفقا لمحاضر اجتماعات لجنة السوق المفتوح في الاحتياطي الفدرالي، فإن اللجنة سوف تستمر في تنفيذ برنامج ضخ 600 مليار دولار تحت برنامج التيسير الكمي2، وفقا الخطة المقترحة حتى يونيو القادم، وذلك على الرغم من التحسن الواضح في سوق العمل الأمريكي، إذ ما زال ينظر إلى سوق العمل الأمريكي بقلق شديد خصوصا في ظل استمرار معدل البطالة عند مستويات مرتفعة جدا ، والتي بلغت في مارس الماضي 8.8%، الأمر الذي يجعل من السابق لأوانه الحديث عن التوقف عن برنامج التيسير الكمي2، على الرغم من أن الكثير من المراقبين يرى أن استمرار البرنامج على هذا النحو وفي ظل هذه الظروف ربما يؤدي إلى توليد ضغوط تضخمية في الولايات المتحدة، وفي العالم.
باختصار شديد الضغوط التضخمية تنتشر في كل مكان في العالم تقريبا اليوم، وهو ما يشير إلى أن العالم مقدم على موجات تضخمية جديدة مشابهة لتلك التي تعرض لها بعد 2006 من العقد الماضي.

الجمعة، أبريل 08، 2011

ضريبة القيمة المضافة في دول مجلس التعاون

نشر في صحيفة الاقتصادية السعودية يوم الجمعة 8/4/2011.
نشرت الاقتصادية يوم الجمعة الماضي خبرا بعنوان "تحرك خليجي لإصدار وثيقة ضريبة القيمة المضافة" مفاده أن الفريق المكلف بصياغة المشروع الشامل للضريبة، يعمل حاليا على الانتهاء من إعداد وثيقة المبادئ الأساسية لمشروع قانون ضريبة القيمة المضافة الموحد، تمهيدا لإجراء التعديلات القانونية اللازمة لتنفيذ هذه الضريبة، على أساس ان يتم تطبيق الضريبة في يناير 2012، وهو خبر، في رأيي، مهم جدا حيث يشير إلى عزم دول المجلس على البدء في تبني نظام ضريبي موحد الأمر الذي يعكس إدراك تلك الدول لأهمية الضرائب في الاقتصاد بشكل عام، ولكن ما هي القيمة المضافة؟ وما هي ضريبتها؟ وما هي الحاجة الحقيقية لدول مجلس التعاون لفرض مثل هذه الضريبة؟ أو للضرائب بشكل عام؟ وهل الوقت الحالي هو الوقت المناسب لفرض مثل هذه الضريبة؟ في هذا المقال نحاول أن نتناول الإجابة على هذه الأسئلة.

ضريبة القيمة المضافة Value added tax، والمعروفة اختصارا بالـ VAT، هي ضريبة عامة تفرض على أنشطة الأعمال التي تقوم بإنتاج وتوزيع السلع وتقديم الخدمات، وتعد ضريبة القيمة المضافة ضريبة على الاستهلاك لأن المتحمل النهائي لها هو المستهلك، على الرغم من أن الذي يقوم بتحصيلها هو المنتج أو الموزع.

أما القيمة المضافة فهي أي زيادة تحدث في القيمة السوقية للمواد الخام أو السلع عندما يتم تصنيعها أو تجهيزها أو نقلها حتى تصبح في النهاية سلعا قابلة للاستخدام بواسطة مشتريها. على سبيل المثال في مصنع الملابس يتم تحويل الأقمشة الخام إلى ملابس، فترتفع قيمتها السوقية بالفرق بين سعر القماش الخام في السوق وسعر الملابس في السوق، هذا الفرق هو القيمة التي تمت إضافتها في مصنع الملابس للأقمشة بتحويلها إلى ملابس. كذلك فإن الملابس في المصنع يكون لها قيمة سوقية محددة، ومن خلال توفير هذه الملابس للمستهلكين في محلات التجزئة ترتفع القيمة السوقية لها، ومرة أخرى فإن هذا الفرق في القيمة يمثل القيمة المضافة التي أضافها نشاط تجارة الملابس سواء على مستوى تجارة الجملة أو التجزئة وهكذا في كل مرحلة من مراحل الإنتاج أو التوزيع يتم إضافة قيمة، ويفترض أن يتم فرض الضريبة على القيمة التي أضيفت في كل مرحلة من مراحل عمليات الإنتاج، وهي عملية تبدو معقدة، ولذلك تميل بعض الدول، خصوصا تلك التي لا تملك تسهيلات مناسبة لحساب وجمع ورد الضريبة إلى فرض الضريبة على القيمة المضافة على السلعة في صورتها النهائية، أي عند البيع، وهو ما يعرف بضريبة المبيعات Sales tax، وعندما تفرض الضريبة في مرحلة إنتاج معينة، فإنها تحسب كنسبة من سعر السلعة في هذه المرحلة، غير أنها ستحسب بنفس النسبة على سعر السلعة بعد الإضافة التي ستتم عليها في المرحلة الإنتاجية التي تليها، وهو ما يعني ضرورة حدوث ازدواجية في عملية تحصيل الضريبة في كل مرحلة من مراحل الإنتاج، لهذا السبب يعطى المنتج الذي يدفع الضريبة الحق في استرداد الضرائب التي دفعت عن السلعة في المراحل السابقة من الإنتاج تفاديا للازدواجية في تحصيل الضريبة.

الفرق بين ضريبة المبيعات وضريبة القيمة المضافة هو أن ضريبة المبيعات تفرض في مرحلة واحدة فقط من حياة السلعة أو الخدمة، وذلك عند بيعها أو تقديمها للمستهلك النهائي، بينما تفرض ضريبة القيمة المضافة في كل مرحلة من مراحل الإنتاج يتم فيها إضافة قيمة للسلعة، وعلى ذلك يمكن تعريف ضريبة القيمة المضافة على أنها ضريبة مبيعات تفرض عند المنبع، وبدلا من أن تجمع الضريبة لمرة واحدة عند بيع السلعة، فإنها تجمع في نهاية كل مرحلة تمر بها السلعة، ولذلك تعرف ضريبة القيمة المضافة أيضا بأنها ضريبة مبيعات متعددة النقاط Multipoint، وأيا كان الوضع فإنه يفترض من الناحية النظرية أن الضريبة ستحمل في النهاية على المستهلك سواء فرضت عند البيع أو في المراحل المختلفة للإنتاج، ونظرا لذلك فإن ضريبة القيمة المضافة تتطلب إدارات ضريبية كفئة، نظرا للمجهود المحاسبي الضخم الذي تحتاج إليه، وتفضل دول العالم ذات الدخل المنخفض اللجوء إلى هذه الضريبة، حيث لا تمكنها الأشكال الأخرى من الضرائب، مثل الضريبة على الدخول والأرباح، من الحصول على احتياجاتها التمويلية المناسبة. على سبيل المثال تغري المستويات المرتفعة لعجز الميزانية في الولايات المتحدة بالتفكير في إدخال ضريبة القيمة المضافة، غير التخوف الأساسي منها يكمن في أنها يمكن ان تدفع الى زيادة حجم الحكومة مثلما حدث في دول أخرى مثل فرنسا وألمانيا واليابان، فضلا عن آثارها السلبية على توزيع الدخل بين الأسر الأمريكية.

قد يتصور البعض أنه بما أن الضريبة على القيمة المضافة تفرض على السلع في مراحل إنتاجها المختلفة فإن الكثير من السلع لن تخضع لهذه الضريبة، باعتبار أن الجانب الأكبر من السلع التي نستهلكها هي سلع مستوردة من الخارج، وهذا تصور خاطئ، لأن الضريبة على القيمة المضافة تفرض أيضا على الواردات من الخارج، فعلى الرغم من أن السلع المستوردة لم تتم عليها أية عمليات تصنيع في الداخل ومن ثم لم يتم إجراء أي اضافة لها في القيمة في الداخل، فإن فرض الضريبة عليها ينبع من منطلق تحقيق العدالة بين المنتجين المحليين، الذين يدفعون الضريبة، والمنتجين الأجانب الذين لا يدفعون هذه الضريبة عندما يقومون بتصدير السلع التي ينتجونها إلى الداخل.

من ناحية أخرى فإن ضريبة القيمة المضافة قد لا تفرض على جميع السلع، وإنما توجد هناك سلعا يتم تخفيض معدل الضريبة عليها أو إعفاءها من الضريبة لضروريتها للمستهلك أو لأهميتها بالنسبة للمجتمع. كما قد تختلف معدلات الضريبة على القيمة المضافة حسب المجموعات السلعية، على سبيل المثال في المملكة المتحدة يبلغ معدل الضريبة الأساسي 20%، وهو المعدل الذي يفرض على السلع بشكل عام، وهناك أيضا ضريبة قيمة مضافة بمعدل 5% وهو معدل ضريبة مخفض يفرض على سلع مثل منتجات الطاقة، وضريبة بمعدل صفر% وهو معدل الضريبة على سلع مثل الغذاء والكتب والصحف، والآن دعونا نعود إلى سؤالنا الأساسي وهو لماذا تفرض دول مجلس التعاون مثل هذه الضريبة؟

قد لا يرى المواطن في دول مجلس التعاون أن تلك الدول يجب ان تفرض الضرائب، أيا كان نوعها، فالمالية العامة في تلك الدول تتمتع بشكل عام بوضح مريح جدا، ومعظم هذه الدول تحقق فوائض في ميزانياتها العامة، على الأقل في المرحلة الحالية، مما ينفي الحاجة إلى التفكير في فرض الضرائب في تلك الدول. الذي لا يدركه الكثير من الناس هو أنه على الرغم من أن أوضاع المالية العامة لدول المجلس تبدو قوية، إلا أنها في واقع الحال تواجه خللا جوهريا يتمثل في تركز الإيرادات العامة لهذه الدول في مصدر شبه وحيد تقريبا وهو الإيرادات النفطية، وتكمن خطورة هذا الوضع في أن هذه الإيرادات تتعرض للتقلب الشديد وبصورة مستمرة تبعا للتطورات التي تحدث في سوق النفط العالمي، الأمر الذي يجعل المالية العامة في دول الخليج تحت رحمة تطورات سعر النفط في السوق العالمي للنفط الخام.

مشكلة دول مجلس التعاون هي أن المالية العامة بها قد مرت بتطورات خطيرة، خصوصا في السنوات الأخيرة، فيما يتعلق بإنفاقها العام، جعلت وضع ميزانياتها العامة حرجا للغاية، نتيجة بعض الإجراءات التي اتخذت برفع الرواتب وإقرار الكثير من المزايا للكوادر المختلفة من العاملين .. الخ، بالشكل الذي أصبح يهدد استدامة المالية العامة لتلك الدول، وبالطبع فإن الأثر السلبي لمثل هذه التطورات على الميزانية العامة سوف يكون محدودا طالما أن سعر النفط في السوق العالمي أعلى من الحد الأدنى اللازم لتوازن الميزانية العامة للدولة، غير أننا غالبا ما نجد أن دول المجلس تلجأ عند إعداد مشروعات ميزانياتها العامة إلى افتراض سيناريوهات الإيرادات النفطية على أساس سعر متحفظ نسبيا للنفط، الأمر الذي يجعل ميزانيات تلك الدول تبدو وكأنها ستحقق عجزا في ظل هذه الافتراضات، وهو ما يعني ان السلطات المالية في دول المجلس تؤمن باحتمال ان تصل أسعار النفط إلى مستويات متدنية، ولذلك يتم اخذ الاحتياط وإعداد الميزانيات عند تلك المستويات، في الوقت الذي لا يأخذ صانع السياسة ذلك في الاعتبار، الأمر الذي يؤدي إلى حدوث إشكالية للميزانية.

من ناحية أخرى فإن هناك ظاهرة مثيرة للقلق حاليا في دول مجلس التعاون، وهي أن الحد الأدنى لسعر النفط اللازم لتوازن ميزانيات دول الخليج آخذ في التزايد على نحو واضح، الأمر الذي يرفع المخاطر التي يمكن أن تتعرض لها الماليات العامة لدول الخليج، إذا ما تدهورت أسعار النفط لأي سبب من الأسباب، في ظل الهيكل الحالي للإيرادات الذي يرتكز على الإيرادات النفطية. من هذا المنطلق فإن دول مجلس التعاون ينبغي أن تبحث عن سبيل لتنويع إيراداتها العامة وتحقيق قدر اكبر من الاستقرار لتلك الإيرادات وتخفيف اعتماد ميزانيات تلك الدول على النفط كمصدر شبه وحيد للإيراد العام وتأمين عملية تمويل إنفاقها العام، وتعد الضرائب العمود الفقري للإيرادات العامة في كافة دول العالم تقريبا، وتنقسم الضرائب بشكل عام إلى قسمين، الضرائب المباشرة، بصفة خاصة الضرائب على الدخول والأرباح، والضرائب غير المباشرة وهي التي تفرض بشكل عام على السلع والخدمات التي يستهلكها الأفراد، ولكن لماذا تلجأ دول المجلس إلى ضريبة القيمة المضافة؟ الإجابة هي أن هذه الضريبة تتسم بعدة مزايا أهمها:

- اتساع نطاق التغطية لهذا النوع من الضرائب، حيث أنها تفرض على نطاق واسع في الدولة لتشمل كافة قطاعات الإنتاج والتوزيع، وبالتالي فإن ضريبة القيمة المضافة تضمن وفرة الحصيلة من هذه الضريبة.

- انخفاض الحافز على التهرب من دفع هذا النوع من الضريبة لأن المتحمل الأساسي للضريبة هو المستهلك النهائي، كما أن من سيقوم بدفع ضريبة القيمة المضافة في المراحل السابقة على عملية البيع للمستهلك النهائي يسترد ما دفعه من ضرائب تجنبا للازدواج الضريبي، مما يجعل الحصيلة الضريبية مؤمنة، وحتى لو حدث تهرب ضريبي في مرحلة محددة من مراحل الإنتاج، فإن ذلك سوف يتم استرداده لاحقا في المراحل التالية، فضلا عن أنها تضمن دقة عملية المراجعة، فالضريبة التي تم دفعها في مرحلة معينة، سوف يتم المطالبة باستردادها عند بيع السلعة في مراحل لاحقة حتى بيع السلعة للمستهلك النهائي.

- أن هذا النوع من الضرائب يسمح بأن يتم فرض الضريبة على القيمة المضافة بنوع من الانتقائية على أنواع محددة من السلع أو مؤسسات الأعمال، على سبيل المثال تفرض معدلات الضريبة أساسا على السلع الاستهلاكية للتحكم في الاستهلاك وجمع الإيراد، بينما لا تفرض على السلع الرأسمالية لتشجيع الاستثمار.

أن هيكل هذا النوع من الضرائب غالبا ما يكون بسيطا، حيث تخضع السلع والخدمات التي تدخل في الوعاء الضريبي إلى معدلين أو ربما ثلاث للضريبة فقط.

- أنها لا تميز بين دافعي الضريبة، حيث ان الجميع يدفع نفس المعدل بغض النظر عن خصائصه، وهو ما ينظر إليه على انه نوع من العدالة في فرض الضريبة.

- أن هذه الضريبة لا تحتاج إلى إجراءات إدارية معقدة مثلما هو الحال بالنسبة للضريبة على الدخل، حيث أنها تتسم بسهولة التحصيل، فبمجرد قيام المستهلك بدفع ثمن السلعة تكون الضريبة متضمنة في هذا الثمن.

- وأخيرا فإن هذه الضريبة تتسم بأنها وافرة الحصيلة، خصوصا إذا ما اتسع نطاق تغطية المجموعات السلعية التي يتم فرض الضريبة عليها.

ونظرا لهذه المزايا العديدة نجد أن درجة انتشار الضريبة على القيمة المضافة بين دول العالم واسعة، حيث تعد أكثر أشكال الضريبة على الاستهلاك شيوعا، ولكن هل تعد ضريبة القيمة المضافة هي أفضل وسيلة للبدء بإدخال الضرائب في دول مجلس التعاون؟ الإجابة هي لا لعدة أسباب:

- أنها تفرض على الجميع بغض النظر عن مستويات الدخول أي القدرة على الدفع، ونظرا لهذه الخاصية فإنها تحقق إيرادات كبيرة في الدول التي تتبناها.

- أنها تجمع بصفة أساسية من الفقراء أو محدودي الدخل الذين يميلون إلى إنفاق الجانب الأكبر من دخولهم على السلع الاستهلاكية، مقارنة بالأغنياء، ومن ثم فإن مثل هذه الضريبة لا تحقق العدالة بين دافعي الضرائب، حيث يفترض ان يرتفع عبء الضريبة مع ارتفاع القدرة على الدفع.

- أنها ستؤدي حتما إلى ارتفاع في المستوى العام للأسعار بمعدل الضريبة، ومن ثم ستؤثر على القوة الشرائية لجموع المستهلكين للسلع الذين تفرض عليهم الضريبة، بغض النظر مرة أخرى عن مستويات دخولهم.

- أنها تؤدي إلى انخفاض الطلب على المجموعات السلعية التي تفرض عليها الضريبة، يعتمد ذلك على مرونة الطلب السعرية لهذه المجموعات من السلع.

- أنها تحابي دائما الإنفاق على السلع كثيفة الاستخدام لعنصر رأس المال مقارنة بالسلع كثيفة الاستخدام لعنصر العمل.

لكل هذه الأسباب ربما تكون الضريبة على الدخل هي السبيل الأنسب، لأنها ستحقق أكبر قدر من العدالة بين المقيمين في تلك الدول، وتحقق أحد المبادئ الأساسية للضريبة وهو مبدأ القدرة على الدفع. غير أن مشكلة الضريبة على الدخل أنها تحتاج إلى إدارات ضريبية متقدمة يعمل بها مهارات إدارية على درجة عالية من الكفاءة وتسهيلات لوجستية مناسبة للتعامل مع عملية قياس وفرض وجمع الضريبة بصورة فعالة وبما يحول دون حدوث تهرب ضريبي، وجهاز قضائي متخصص في الخلافات القانونية التي يمكن ان تنجم عن حصر وفرض والتهرب من دفع الضريبة، وبما أن دول المجلس حديثة عهد بالضرائب، فإن البدء بفرض الضريبة على الدخول سوف يواجه بعقبات كثيرة عند التطبيق.

أما بالنسبة للعوائد المتوقعة لفرض مثل هذه الضريبة فسوف تعتمد على المعدل الذي ستتبناه دول مجلس التعاون لضريبة القيمة المضافة، ومدى كثافة وعاء الضريبة، أي المجموعات السلعية التي سيتم فرض الضريبة عليها، ومن المنتظر أن تقوم دول المجلس بتبني معدلات منخفضة لهذه الضريبة في البداية، غير أن اتساع نطاق الاستهلاك في هذه الدول سوف يضمن حصيلة وفيرة لهذه الضريبة على الرغم من انخفاض معدلها، ولتبني الضريبة على القيمة المضافة سوف تحتاج دول المجلس إلى تطوير تشريعاتها الضريبية بما يسمح بفرض هذه الضريبة، وبناء جهاز ضريبي حديث ومده بكافة الخبرات والتجهيزات اللازمة التي تمكنه من الاضطلاع بعمليات تقدير وتحصيل الضرائب بكافة أنواعها بكفاءة وفعالية، وتحديد قوائم السلع التي ستفرض عليها الضريبة ومعدلاتها، والآن ما هي الآثار المتوقعة لفرض مثل هذه الضريبة في دول المجلس؟ تتعدد الآثار التي يمكن أن تنجم عن تبني وفرض ضريبة القيمة المضافة في دول مجلس التعاون، وتتمثل أهم الآثار الايجابية المتوقعة لفرض ضريبة القيمة المضافة في دول المجلس في الآتي:

- أنها ستوفر مصادر إضافية للإيرادات العامة، ومن ثم ستنوع تلك المصادر لدول المجلس بحيث يقل اعتماد الميزانيات العامة لهذه الدول على الإيرادات النفطية.

- أنها ستمكن تلك الدول من تحقيق مستويات أكثر استقرارا للمالية العامة من خلال تحسين وضع الميزانيات العامة لهذه الدول بحيث تعتمد الإيرادات العامة على مستويات النشاط المحلي وحجم الطلب الكلي، وليس على معطيات السوق العالمي للنفط الخام والأسعار السائدة فيه.

- أنها ستمكن دول المجلس من التحكم في الاستهلاك بشكل عام، واستهلاك مجموعات سلعية محددة بشكل خاص، من خلال تحديد معدل الضريبة على السلع حسب درجة ضروريتها أو حسب أهميتها بالنسبة لهذه الدول.

- أنها ستمكن دول المجلس من توفير حماية اكبر للمنتجين المحليين من خلال فرض ضريبة القيمة المضافة على الواردات مما يساعد على تحقيق قدر اكبر من عدالة المنافسة مع المنتجين الأجانب.

أما أهم الآثار السلبية المتوقعة لفرض ضريبة القيمة المضافة في دول المجلس فتتمثل في أنها سوف تؤدي إلى:

- ارتفاع في المستوى العام للأسعار، كما سبق أن ذكرنا، وبالتالي سوف تحدث موجات تضخمية في بداية عملية فرضها، ومن ثم سوف تؤدي إلى التأثير سلبا على القوة الشرائية لدخول المستهلكين نتيجة ارتفاع الأسعار.

- أنها ستؤثر على المستوى العام لرفاهية المستهلكين، خصوصا إذا ما لم يتم مراعاة التدرج في التطبيق والتفرقة في معدل الضريبة وفقا لدرجة ضرورة السلعة.

- أنها تضر الفئات ذات الدخل المحدود الذين سيدفعون نسبا أعلى من دخولهم في صورة ضريبة، مقارنة بالفئات ذات الدخل المحدود.

غير أنه بمقارنة الآثار الايجابية المتوقعة للضريبة على القيمة المضافة مع الآثار السلبية الكامنة فيها، فإن الآثار الايجابية تفوق على المدى الطويل تلك الآثار السلبية التي من المتوقع ان تحدث على المدى القصير.