الجمعة، أغسطس 26، 2011

مقترح الميزانية المتوازنة

نشر في صحيفة الاقتصادية السعودية بتاريخ الجمعة 25/6/2011.
هدفت خطة رفع سقف الدين في الولايات المتحدة إلى خفض نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي في عام 2021 إلى ما يقارب الـ 75% تقريبا، وإن كان ذلك لا يعني أن القيمة الاسمية للدين سوف تنخفض، وإنما سيواصل الدين العام الأمريكي ارتفاعه حتى يصل إلى حوالي 18 تريليون دولارا في هذا العام وفقا لتقديرات الخزانة الامريكية، غير أن الناتج المحلي الإجمالي في هذه السنة يتوقع أن يصل إلى حوالي 25 تريليون دولارا تقريبا، مما يتسبب في تراجع نسبة الدين إلى الناتج، وعلى الرغم من أن خطة رفع سقف الدين لم تحل مشكلة الدين العام من الناحية المطلقة، إلا أن الخطة احتوت على أحد التوصيات الهامة التي تهدف إلى بحث تعديل الدستور الامريكي بحيث تصبح الميزانية المتوازنة قيدا دستوريا على الكونجرس والادارة الامريكية.
ربما لم تطرح الفكرة بصورة الزامية على الحكومات مسبقا نظرا لأن الديون العامة للدول كان من السهل دائما التعامل معها، كما أنها كانت بشكل عام في الحدود المأمونة التي تجعل من السهل على الحكومات تحمل أعباءها بدون أن يترتب على ذلك تهديد لقدرات الدولة المالية على المدى الطويل. إلا أنه وبعد أن استفحلت مشكلة الديون في مناطق كثيرة من العالم وتحولت إلى قنبلة موقوتة يمكن أن تنفجر في أي لحظة لتعصف باستقرار العالم، عاد مبدأ الميزانية المتوازنة إلى العالم بقوة اكبر من أي وقت مضى، مدعوما  بما يحدث على الأرض من آثار سلبية لتفحل مشكلة الدين العام في معظم انحاء الكرة الأرضية، ولضمان تحقق المبدأ على أرض الواقع ولإجبار الحكومات على الالتزام به، فإن مقترح الميزانية المتوازنة يأتي مصحوبا بتعديل دستوري يجعل من الميزانية المتوازنة أحد المواد الدستورية.
لم تكن هذه هي المرة الأولى التي يطرح فيها هذا المقترح، فالمقترح متداول منذ فترة، على سبيل المثال في عام 1995 قام مجلس النواب الامريكي بإقرار مقترح الميزانية المتوازنة وتعديل الدستور الامريكي وفقا لذلك، إلا أن مجلس الشيوخ رفض المقترح. كذلك تم التفكير بجدية في المقترح مرة أخرى في عام 2010.
اليوم لا يقتصر الحديث عن مقترح الميزانية المتوازنة على الولايات المتحدة  فقط وإنما امتد ايضا إلى عدة دول في العالم خصوصا تلك التي تواجه نموا في دينها العام بما يهدد قدرتها على خدمة ديونها على المدى الطويل، على سبيل المثال كانت اسبانيا قد ادخلت مبدأ  الميزانية المتوازنة في عام 2001، غير ان الحكومة الاشتراكية التي تلت اصدار القانون قامت بتعديله بعد ذلك وهو ما أدى إلى نمو الدين العام على النحو الذي نراه حاليا.
من ناحية أخرى فإنه وفي عام 2009 تم تعديل الدستور الألماني لكي يمنع حكومات الولايات والحكومة الفدرالية من أن تحقق عجزا في ميزانياتها، ووفقا للتعديل الدستوري فإن الحكومات لن تكون قادرة على تحقيق عجز في ميزانياتها يزيد عن 0.35% من الناتج المحل الإجمالي (اقل من 1%)، بدءا من 2016، وبحلول 2020 لا يجب أن تحقق الحكومة أي عجز على الاطلاق. كذلك تدفع ألمانيا حاليا الدول الأعضاء في منطقة اليورو نحو تبني النموذج الألماني للميزانية المتوازنة كجزء من حزمة السياسات التي تهدف إلى تدعيم استقرار اليورو، ويجد المقترح الألماني دعما واضحا من الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي.
كذلك فقد اقترح وزير المالية الإيطالي أن يتم موازنة الميزانية بحلول 2013، بدلا من 2014، وذلك في إطار الإجراءات التقشفية التي تتخذها إيطاليا للتعامل مع مشكلة نمو دينها العام، الذي أصبح يمثل حوالي 120% من ناتجها المحلي الإجمالي، وحث البرلمان على الدفع بإقرار مقترح تعديل الدستور بما يفرض على الحكومات الإيطالية الالتزام بتوازن الميزانية في أي مشروع مقترح لها. من ناحية أخرى فقد أعلن مؤخرا في اسبانيا عن طرح المقترح مرة أخرى بتعديلات دستورية تمنع الحكومة من أن تحقق عجزا في الميزانية.
لضمان تحقق المبدأ على أرض الواقع ولإجبار الحكومات على الالتزام به، فإن مقترح الميزانية المتوازنة يأتي مصحوبا بتعديل دستوري يجعل من الميزانية المتوازنة أحد المواد الدستورية، ولكن ما المقصود بالميزانية المتوازنة؟ وما هي مزايا هذا المقترح؟ وما هي أهم عيوبه؟ وهل هو بالفعل اقتراحا قابلا للتطبيق؟ في هذا المقال نتناول بالتحليل الإجابة على هذه الاسئلة.
من الناحية النظرية، ووفقا لما نقوم بتدريسه للطلبة في مناهج مبادئ الاقتصاد الكلي، فإن مبدأ الميزانية المتوازنة لا يعني أن السياسة المالية المتمثلة في هذا المبدأ لن يكون لها آثارا توسعية على النشاط الاقتصادي، بالعكس فإنه حتى مع توازن الميزانية العامة فإن السياسة المالية سوف تسهم ايضا في النمو من خلال ما يسمى بمضاعف الميزانية المتوازنة والذي يساوي الواحد الصحيح. على سبيل المثال إذا تمت زيادة الضرائب بمليار دولارا وزيادة الانفاق بنفس المقدار، بحيث تظل الميزانية متوازنة،  فإن مثل هذه السياسة تؤدي أيضا إلى إحداث زيادة في الناتج المحلي الإجمالي بمليار دولارا، وإن كانت قيمة المضاعف سوف تكون محدودة في هذه الحالة، والتي تقتصر على الواحد الصحيح كما سبقت الاشارة.
مقترح الميزانية المتوازنة هو إذن مقترح يهدف إلى ادخال تعديلات في المواد الدستورية للدولة بحيث يتم وضع قيد حديدي على قدرة الحكومات على الاقتراض، بحيث تكون مجبرة على أن تخطط لإنفاقها في حدود مواردها المتاحة لها من كافة المصادر، وبالتالي لا تواجه الحكومة عجزا في ميزانيتها نتيجة لذلك، ومن الواضح أن المقترح يؤدي إلى رفع درجة المسئولية المالية للحكومات، ويفرض عليها نسقا محددا من التصرف إزاء قرارات الانفاق فيها، حيث أن قيد الميزانية المتوازنة سوف يدفع الحكومات نحو البحث في كيفية رفع كفاءة الانفاق العام والبحث عن مناطق الهدر في هذا الانفاق، ومحاولة ترشيد هذا الهدر، وهو ما يعتبر أحد أهم الحجج التي تساق للدفاع عن مبدأ الميزانية المتوازنة.
بناء على ما سبق يمكن تعريف مقترح الميزانية المتوازنة بأنه تعديل دستوري يهدف إلى تقييد الانفاق الإجمالي للحكومة بحيث يكون اقل من الايرادات العامة لها، أو على الأقل مساويا لهذه الايرادات، وبحيث تتقدم الحكومة كل سنة إلى البرلمان بمقترح ميزانيتها العامة في السنة القادمة متضمنا تصوراتها لإيراداتها العامة من مصادرها المختلفة، وكذلك خطط انفاقها المتوقع في اطار هذه الايرادات، وبحيث لا يتم اقرار ميزانية الدولة إلا بعد استيفاء شرط توازن مقترح الميزانية، ولكن ماذا يعني ذلك؟ الإجابة هي أن ذلك يعني أن الادارة الحكومية التي لا تلتزم بالعمل على توازن ميزانيتها سوف تصبح مخالفة لدستور البلاد، وهي مخالفة في منتهى الخطورة، ولكن كيف ستتمكن الحكومات من التأكد من توازن ميزانيتها في كل سنة؟ من الناحية النظرية، مرة أخرى، فإن ذلك سوف يتم ببساطة من خلال تعديل مستويات الانفاق بما يتوافق مع مستوى ايرادات الدولة، أو من خلال تعديل مستويات الايرادات (الضرائب) لكي تتوافق مع مستويات الانفاق العام للدولة، وبحيث تقدم الادارة الحكومية مشروع ميزانيتها في كل سنة على نحو متوازن بدون ان تضطر إلى الاستدانة وتكوين دين عام قد لا تتمكن من خدمته على المدى الطويل.
من الواضح أيضا أن أهم مزايا المقترح هي أنه يضع قيودا على نمو حجم الحكومة ويطلق بالتالي المجال امام القطاع الخاص للقيام بالمشروعات الأساسية للبنى التحتية وتقديم الخدمات العامة بدلا من الاعتماد على الدولة. مثل هذه المزايا للمقترح تبدو جذابة جدا عندما يتم تناولها من الناحية النظرية، ولكن عندما نطبقها سوف نجد أن الامر ليس بهذا القدر من النصاعة.
صحيح أن مبدأ توازن الميزانية من المبادئ التي تتداول على الصعيد النظري منذ فترة طويلة، غير أن المقترح لم يجد طريقا إلى النور لصعوبة تطبيق المبدأ على أرض الواقع من الناحية العملية، نظرا للقيود التي يفرضها على حرية الحركة للحكومات، وما يترتب على ذلك من آثار اقتصادية واجتماعية وسياسية غير مقبولة، خصوصا في أوقات الأزمات، عندما يتطلب الامر تدخل الإدارات الحكومية بقوة لدفع مستويات النشاط الاقتصادي ومواجهة الآثار السلبية التي تلحق باقتصادها، بصفة خاصة بالنسبة للبطالة.
لعل أهم أوجه الاعتراض على المقترح تتمثل في أن زيادة الانفاق في كافة الدول المدينة حاليا تمت بدون أن يصاحبها تمويل من خلال زيادة الضرائب. بل على العكس لقد لجأ بعض الدول إلى خفض الضرائب. بالطبع عندما يتم خفض الضرائب فإن المحافظة على توازن الميزانية تتطلب تخفيض مستويات الانفاق، وما حدث هو أن دول العالم كانت مضطرة إلى زيادة الانفاق للتعامل مع مفرزات الأزمة، وبالطبع لا يمكن تصور وضع الميزانية عندما يزيد الانفاق ولا يصاحب ذلك زيادة في الضرائب إلا من خلال منظور زيادة مستويات الدين العام، ومن ثم فإن نمو الدين العام كان أمرا طبيعيا في مثل هذه الأوضاع.
من ناحية أخرى فإن أخطر مشكلات المقترح تتمثل في أنه يقيد قدرة الحكومة على الاستجابة للمشكلات التي تترتب على الانخفاض الذي يحدث في مستويات النشاط الاقتصادي، بصفة خاصة ارتفاع مستويات البطالة، وكذلك قدرتها على توفير الخدمات العامة. ففي أوقات الانحسار الاقتصادي من الممكن أن يترتب على تراجع الايرادات العامة للدولة (بصفة خاصة الضرائب) تأثر قدرة الحكومة على تمويل الخدمات الأساسية مثل التعليم والصحة، حيث لا تستطيع الدولة رفع مستويات الضرائب، ولذلك فإن عجز الميزانية يعد أمرا أساسيا لاستمرار قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها في مثل هذه الظروف، وهو ما يعني أنه لا يمكن أن يتم تطبيق مبدأ الميزانية المتوازنة بصورة حرفية، في أوقات انحسار النشاط الاقتصادي، بدون أن يصاحب ذلك تراجعا واضحا في مستويات رفاهية السكان، ولذلك لا بد وأن يصاحب المقترح خارطة طريق توضح للحكومة كيفية مواجهة التزاماتها في أوقات تراجع النشاط الاقتصادي.
لهذه الاسباب ينظر البعض إلى مقترح الميزانية المتوازنة على أنها فكرة سيئة جدا، فعندما يحدث الكساد يزداد الانفاق التقديري على الخدمات الاجتماعية مثل إعانة البطالة بينما تقل الإيرادات العامة للدولة، بصفة خاصة من الضرائب، مما سيؤدي إلى وجود فجوة في الميزانية، يصعب التعامل معها في ظل المقترح سوى من خلال تخفيض الانفاق العام. وهو ما يترتب عليه تراجع مستويات النشاط على نحو اسوأ، ومن ثم تعميق آثار أي ازمة اقتصادية يمكن أن تمر على الاقتصاد المحلي. ولذلك يرى البعض أنه لا يمكن أن يتم اقرار مثل هذا المقترح دون أن ينص على استثناءات لعجز الميزانية مثلما هو الحال في أوقات الازمات أو في أوقات الحروب حيث يصبح العجز أمرا لا مفر منه.
وأخيرا فإن المقترح يعني أنه في أوقات الأزمات سوف تشل السياسة المالية من خلال وقف الخيارات المتاحة أمام الحكومات للتحفيز المالي (تحفيز النشاط الاقتصادي من خلال زيادة الانفاق العام او تخفيض الضرائب)، ومن ثم لن يجد صانع السياسة الاقتصادية أمامه من خيار سوى الاعتماد بشكل أساسي على السياسات النقدية وتكثيف استخدام السياسات النقدية غير التقليدية مثل الجرعات المكثفة والمتتالية من التيسير الكمي مع ما يمكن ان يصاحبها من مخاطر على المستوى العام للأسعار والقوة الشرائية للعملات.
الخلاصة هي أن تحقيق الحكومات لتوازن ميزانيتها مسألة ليست مضمونة في كل الأحوال، فالحكومات لا تستطيع أن تعيش من وقت إلى آخر بدون عجز، وقد يكون العجز هو أفضل الحلول أمام الحكومات في ظل الاوضاع الاقتصادية التي قد تقتضي ذلك، مثل أوقات الكساد والحروب، حيث ينظر إلى العجز على أنه ضرورة وليس ترفا، وحينما يتراجع الاستثمار الخاص بحيث يترتب على زيادة الانفاق الحكومي زيادة الاستثمارات الخاصة وليس مزاحمتها.


الأربعاء، أغسطس 24، 2011

80% من أعضاء الكونجرس يحتاجون الى دراسة مقرر في الاقتصاد


اظهرت مداولات رفع سقف الدين الامريكي في الكونجرس الكثير من وجهات النظر حول الموضوع، ورفضا عام للفكرة،  مع تفضيل البعض ان يتوقف الاقتصاد الامريكي عن خدمة الدين في الموعد المقرر والذي كان محددا في 2 اغسطس هذا الشهر باعتبار أن ذلك سوف يدفع الولايات المتحدة نحو التحول لمعالجة هذه المشكلة على نحو افضل لصالح الولايات المتحدة وكذلك لصالح الاسواق. غير أن الكونجرس قد اقر في النهاية خطة لرفع سقف الدين متضمنة مقترحات بتعديل الدستور الامريكي لإدخال مبدأ الميزانية المتوازنة، بحيث تلتزم الادارات الأمريكية بعدم الاقتراض، وكذلك بحث امكانية رفع الضرائب. وهي قضايا من الواضح انها قضايا ذات ابعاد عميقة من الناحية الاقتصادية.
ولكن ما حدث قد أثار سؤالا هاما، وهو هل اعضاء الكونجرس مؤهلين لمناقشة مثل هذه القضايا الهامة؟ اليوم وقعت عيني على هذا التقرير صدر عن موقع DefeattheDebt.com، انظر الرابط: http://www.defeatthedebt.com/2011/how-many-members-of-congress-could-pass-econ-101/ والذي اوضح ان ثمانية من بين كل عشرة من أعضاء الكونجرس ليس لديهم خلفية اكاديمية في الاقتصاد او ادارة الاعمال. حيث وجدت الدراسة ان 8.4% من الاعضاء فقط لديهم تخصص في الاقتصاد، و13.7% لديهم تخصص في بقية علوم ادارة الاعمال، أما باقي الاعضاء (حوالي 80%)، فيحتاجون الى دراسة الاقتصاد نظرا لخلفياتهم المختلفة غير الاقتصادية. الشكل التالي يوضح توزيع اعضاء الكونجرس وفقا لتخصصاتهم الجامعية.

المصدر: http://www.defeatthedebt.com/ How Many Members of Congress Could Pass Econ 101?
وفقا للشكل فإن 34.8% من الاعضاء درسوا سياسة (Government) وقانون، و20.9% درسوا انسانيات، و11.5% درسوا علوم وتكنولوجيا، و 4.9% درسوا خدمات انسانية، والباقي درسوا علوم أخرى أو لم يحصلوا على درجة جامعية.


الاثنين، أغسطس 22، 2011

اكاديمي..حان الوقت ليبدأ القطاع الخاص دوره في عملية بناء الاقتصاد الكويتي

من محمود بوشهري الكويت - 22 - 8 (كونا) -- اكد اكاديمي اقتصادي في جامعة الكويت اهمية دور القطاع الخاص كمولد للدخل وموظف لقوة العمل الوطنية خلال الفترة المقبلة مشددا على ضرورة توقف القطاع الحكومي عن اداء مهماته الحالية وبدء القطاع الخاص دوره الاساسي في بناء الاقتصاد الكويتي.
وقال استاذ الاقتصاد في جامعة الكويت الدكتور محمد السقا في لقاء مع وكالة الانباء الكويتية (كونا) ان "هناك عددا من الاصلاحات الاقتصادية التي يمكن ان تشكل خريطة طريق لانقاذ الكويت من الوضع الحالي".
واضاف ان ادخال ضرائب الارباح ورسوم الاستخدام وتفعيل القوانين الاقتصادية المعطلة فضلا عن تغيير الاجراءات البيروقراطية المقيدة لمبادرات القطاع الخاص من اهم الاصلاحات التي يجب اتخاذها خلال الفترة المقبلة.
ودعا الى تبني مبادئ الشفافية والحوكمة والمساءلة في النظام الاقتصادي بالكويت علاوة على جذب الاستثمار الاجنبي المباشر وتحرير بيئة الاعمال والغاء نظام الكفالة لافتا الى ان قائمة الاصلاحات الاقتصادية "قد تطول".
وعن التحديات التي قد تواجه الكويت خلال الفترة المقبلة قال الدكتور السقا ان "اكبر تحد يواجه الكويت يتمثل في كيفية توفير استمرار مستويات الدخول والرفاهية المرتفعة للاجيال القادمة بعد زوال النفط " داعيا الى ضرورة وضع خطط استراتيجية "واضحة" تتناول حقبة ما بعد النفط وتساهم في تنويع مصادر الدخل في البلاد.
واضاف "ان الدخل المرتفع والرفاهية العالية اللذان تتمتع بهما الكويت حاليا غير مضمونين على المدى الطويل نظرا لارتباط استمراريتهما بمنابع النفط الناضبة وغير المتجددة" حيث تعتمد الكويت على النفط كمصدر رئيسي للدخل.
وذكر ان صندوقي الاجيال القادمة واحتياطيات الدولة لن يكفيا لتمويل الانفاق العام في الكويت بمستوياته الحالية لاكثر من اربع سنوات.
وحذر من استمرار الانفاق العام بصورته الحالية في ضوء الاختلالات الاقتصادية مضيفا انه لن يكون في استطاعة البلاد مواصلة تقديم السلع والخدمات العامة مجانا او باسعار زهيدة جدا على المدى الطويل.
ودعا الى وقف الهدر في الموارد المالية و "كبح جماح السلوكيات الاستهلاكية" مضيفا انه لن يكون بمقدور الحكومة استيعاب الاعداد الهائلة من الداخلين الجدد الى سوق العمل فضلا عن عدم امكانية الايفاء بأجورهم في المستقبل اذا استمر الوضع الحالي على ما هو عليه.
وعن تشكيل اللجنة الاستشارية لبحت التطورات الاقتصادية العالمية والمحلية قال الدكتور السقا "ان تكوين اللجنة الاستشارية خطوة حيوية تؤكد استشعار القيادة السياسية وعلى رأسها سمو امير البلاد الشيخ صباح الاحمد الجابر الصباح طبيعة المخاطر التي تحدق بمستقبل الكويت"

الاقتصاديون لا يجيدون التنبؤ


عندما اندلعت ثورة تونس واعقبها ثورة مصر، وانتشرت عدوى الربيع العربي في عدة دول في المنطقة العربية، كتبت هذا المقال الذي نشر في القبس http://economyofkuwait.blogspot.com/2011/02/23-23-18.html بعنوان على من سيأتي الدور في العالم العربي، حاولت فيه ان اقدم ترتيبا للنظم التي تقوم فيها الثورات، وهي بشكل اساسي الجزائر وليبيا واليمن والاردن والبحرين والمغرب، ولم تكن الثورة قد اندلعت في سوريا، استنادا الى ما تنشره الأكونوميست عن مؤشرات اقتصادية عن هذه الدول، بصفة اساسية عدد السكان، ونسبة السكان الاقل من 25 عاما (وقود الثورة)، ومتوسط نصيب الفرد من الدخل، وترتيب الدولة في الفساد، وترتيب الدولة في الديمقراطية، وحرية الصحافة، ومؤشر الاستقرار السياسي.
وأشرت الى أنه يمكن الاسترشاد بالمتغيرات السابقة في رسم صورة، ولو أولية، عن ترتيب احتمالات سقوط النظم في هذه الدول، فنسبة السكان الأقل من 25 عاما إلى إجمالي عدد السكان تعطي خلفية عن مخزون عناصر الثورة في الدولة، ومتوسط نصيب الفرد من الناتج (باستخدام مدخل تعادل القوة الشرائية) يعبر عن حجم الضغوط الاقتصادية التي يعاني منها السكان، حيث لعب العامل الاقتصادي دورا كبيرا في ثورتي مصر وتونس، أما مؤشرات الترتيب العالمي في مجال الديمقراطية والفساد وحرية الصحافة فتعطي خلفية عن طبيعة البيئة التي يعيش فيها الناس ومدى القهر الذي يتعرضون له، وأخيرا مؤشر عدم الاستقرار الذي يوضح مدى هشاشة النظام.

تحليل هذه البيانات يوحي بأنه من المفترض أن يسقط النظام اليمني أولا، حيث أنه الأكثر عرضة وفقا لهذه المؤشرات، يليه النظام الليبي ثم النظام في الجزائر في النهاية. غير أنه لا يمكن التكهن بما سوف يحدث على أرض الواقع، حيث سيعتمد مسار الأحداث في تلك الدول على عدة عوامل أهمها أسلوب مقاومة السلطات للثوار فيها (كلما ازدادت حدة مقاومة السلطات للثوار كلما ازداد احتمال سقوط النظام)، ودرجة القمع التي سيتعرض لها الثوار (كلما ازدادت درجة القمع كلما ساعد ذلك على سرعة سقوط النظام)، ودرجة ذكاء الحكومات في التعامل مع المطالب الجماهيرية (كلما ارتفعت درجة ذكاء الحكومات في التعامل مع المطالب الجماهيرية كلما قل احتمال سقوط النظام)، والأهم من ذلك كله، مدى إصرار الثوار على التغيير (كلما ازدادت درجة إصرار الثوار على إسقاط النظام كلما ازدادت احتمالات سقوطه).
وبناء على المؤشرات توقعت ان تسقط اليمن أولا يليها ليبيا ثم الجزائر. الأوضاع في الجزائر استقرت بشكل كبير، وخرجت بالتالي من قائمة الدول التي تواجه اضطرابات يمكن ان تهدد النظام، على الأقل في الوقت الحالي، ودخلت سوريا قائمة الدول المضطربة والأوضاع تسير فيها على نحو سيئ جدا، ونفس القصة تتكرر، النظام يعتبر نفسه مختلفا عن الحالات الاخرى وانه قادر على التعامل مع الأوضاع بدون أن يعطي الحق لشعبه في ان يختار من يقوده.
أمس الاثنين 21/8/2011 كان يوما تاريخيا في العالم العربي، حيث انتهت المسرحية السخيفة وسقط اسخف نظام كان يحكم دولة في العالم العربي. وأخيرا سقط النظام، الحمد لله والشكر لله الذي انقذ اخواننا في ليبيا من هذا المعتوه بعد أن حكمها هذا المعقد نفسيا لمدة 42 عاما طويلة مرت ثقيلة ثقل الدهر عليهم. فهناك اجيال تعيش الآن في ليبيا لم تر غير هذا المعتوه رئيسا لهم للأسف الشديد. أخيرا هب الشعب الليبي لكي يحرر ليبيا زنقة زنقة، دار دار من فلول هذا المعتوه.
لقد فرض هذا المعتوه على الشعب الليبي نظما لم تراها دولة اخرى في العالم واصر على الا يكون هناك مؤسسات للدولة ونظام مثل ذلك الذي تتبناه كل دول العالم، وحرص على ان يضم اسم دولته الجماهيرية العربية الليبية الشعبية الاشتراكية العظمي وهو اطول اسم لدولة في العالم، كما حرص على ان يضم هذا الاسم العظمى لتكون بذلك ليبيا هي ثاني دولة تحمل هذا الاسم بصورة رسمية بعد بريطانيا العظمى، وذلك لأسباب في نفسه المعقدة.
اصر المعتوه على أن تظل جميع الخيوط في يده بعد ان تخلص من زملاءه الذين قاموا بانقلابه المشئوم، ليستأثر بثروة ليبيا في يده ينثرها هنا وهناك وبأسلوب يعبر عن شخصية المعتوه بامتياز، مثل تمويل المنظمات الارهابية وتدبير الاعمال التخريبية وقتل المعارضين له في الداخل والخارج وانتاج قنابل نووية والدفع لمن يهللون له والدفع لملوك افريقيا لكي يعلنوه ملكا عليهم.... الخ، والشعب الليبي لا يملك ان يفعل شيئا للجم جماح هذا السفيه. طوال الـ 42 عاما عاش هذا الرجل يتحدث لنفسه وللعالم من حوله من خلال شريط احلام اليقظة الذي لا يمر الا أمام عينه فقط.
تحديات ليبيا بعد المعتوه ضخمة جدا جدا، فمن الممكن ان تتحول ليبيا الى جوهرة افريقيا اذا ما استقرت الاوضاع وتم توجيه ثروات الشعب لمصلحته وفي مستقبله ومستقبل اجياله، ومن الممكن ان تسير الأمور على نحو أسوأ اذا وتتحول ليبيا (لا قدر الله) نحو فوضى عارمة عندما يبدأ كل طرف في المطالبة بنصيبه، أو عندما تحدث حربا أهلية، خصوصا في ظل التركيبة القبلية المعقدة في ليبيا.
أدعو الله الا تحدث أي من هذه السيناريوهات وان يجلس عقلاء ليبيا للنظر في مستقبلها، فليبيا تملك امكانيات ضخمة لو تم توجيهها على النحو الصحيح فسوف تحول ليبيا الى دولة حديثة، وهذا ما اتمناه لليبيا، فالليبيين شعب طيب جدا، ويستحق كل الخير.
والآن أعود الى نفس السؤال الذي سألته في مقالي السابق اعلاه. على من سيأتي الدور في العالم العربي؟ نظام من سيسقط اولا؟ سوريا أم اليمن؟. لن اخوض في هذا الحديث لأنه من الواضح ان الاقتصاديين لا يجيدون التنبؤ، على الرغم من اننا نحاول استخدام النماذج والمؤشرات المختلفة في سبيل ذلك. إذ يظل المستقبل وما سيحدث فيه بيد الله سبحانه وتعالى.  

الأحد، أغسطس 21، 2011

معدل التضخم الامريكي يرتفع في شهر يوليو


صدر منذ يومين تقرير مكتب احصاءات العمل في الولايات المتحدة الشهري عن معدل التضخم لشهر يوليو 2011، والذي أظهر أن معدل التضخم في الولايات المتحدة قد حقق زيادة جوهرية حيث ارتفع من -0.2% في شهر يونيو الى 0.5% في شهر يوليو، أي زيادة بمعدل 0.7% في شهر واحد، وهي بالمقاييس الامريكية تعد زيادة جوهرية، كما يتضح من الشكل رقم (1).

 المصدر BLS News Release USDL 11-1229


ما ان تم الافراج عن التقرير حتى شمر انصار التضخم الكامن في الولايات المتحدة عن ساعدهم وملأوا الدنيا صياحا بأن التضخم آت لأمريكا، وأن الافراط في عرض السيولة بدأ يحدث آثاره على الارض. لا أعتقد ان هذه الصيحات تستند الى تحليل سليم بقدر ما هي رد فعل آني لموقف يتبناه الكثيرون ولا يجدونه على الارض. فعندما اعلنت الولايات المتحدة عن خطط التحفيز النقدي بدأ البعض يتحدث عن ان التضخم الجامح آت الى الولايات المتحدة لا محالة، وان امريكا سوف تكون الحالة الثانية للتضخم الجامح بعد زيمبابوي في هذا العقد، ثم اتضح بعد ذلك ان مشكلة امريكا ليس التضخم، وانما انكماش الاسعار لأن معدلات التضخم كانت تتطور على نحو اقل من التضخم المستهدف بواسطة الاحتياطي الفدرالي. هذا الشهر بلغ المعدل السنوي للتضخم 3.6% للشهر الثالث على التوالي، وهو ما يتضح من الشكل التالي الذي يوضح معدل التضخم السنوي (على اساس 12 شهرا). ولكن اذا ما تم تحييد اثر اسعار الطاقة والغذاء فإن معدل التضخم السنوي ينخفض الى 1.8%.

 المصدر BLS News Release USDL 11-1229

 أي انه للشهر الثالث على التوالي فإن معدل التضخم يتجاوز معدل التضخم المستهدف من الاحتياطي الفدرالي. بالطبع لا يستطيع الاحتياطي الفدرالي اتخاذ اجراءات الآن للتعامل مع التضخم وجلبه الى مستويات التضخم المستهدف لأن ذلك من الممكن ان يحدث آثارا انكماشية في الوقت الذي تسعى فيه الولايات المتحدة جاهدة الى التعامل مع ضغوط سوق العمل الامريكي ورفع معدلات التوظف.


المصدر BLS News Release USDL 11-1229

أما عن اسباب هذه الزيادة في المستوى العام للأسعار فترجع الى ارتفاع اسعار الجازولين من -6.8 الى 4.7%، وتعد هذه الزيادة مسئولة عن50% من الزيادة في معدل التضخم، وكذلك ارتفاع اسعار الغذاء من 0.2% الى 04%، وعندما يتم تحييد اثر هاتين المجموعتين السلعيتين فإن معدل التضخم يتراجع بصورة واضحة مثلما سبقت الاشارة.






السبت، أغسطس 20، 2011

رسم كارتوني عن البورصات


البورصات العالمية اصبحت حساسة بصورة مثيرة للقلق اليوم، نظرا للآثار الحقيقية التي تترتب على التقلبات الشديدة التي تحدث في اسواق المال Volatility، وتنشأ هذه الاثار الحقيقية من تغير اتجاه توقعات المستثمرين متأثرة باتجاهات البورصات، كذلك يقدم لنا معامل توبن Tobin Q والذي يوضح حجم التغير في استثمارات الشركات مع تغير القيمة الرأسمالية لأسهمها في البورصات جانبا من هذا التفسير.

المستثمرون في البورصات العالمية اليوم يطبقون نظرية سلوك القطيع بصورة حرفية Herd Behavior، ويقصد بسلوك القطيع ان المستثمرين يتبعون تكتيكات قطيع الحيوانات أو الاسماك في البحر في مواجهة المخاطر التي يتعرضون اليها وهي العدو بأقصى سرعة وفي نفس الاتجاه. فعندما يصدر عن أي حيوان في قطيع من الجاموس او الغزال أو النوء في الغابة أي صوت أو اشارة توحي بوجود الخطر، فإن الجميع يأخذ بالعدو في اتجاه واحد لتفويت الفرصة على المفترس.

هذا بالضبط ما يحدث حاليا في البورصات في كافة انحاء العالم، حيث يسلك الجميع نفس السلوك دون ان يسأل أي منهم نفسه اذا كانت الاشارة صحيحة أو خاطئة، الامر الذي يترتب عليه حدوث تقلبات شديدة في أسعار الأسهم وبالتالي مؤشرات البورصات، وبالنظر الى القيمة الرأسمالية الضخمة المستثمرة في هذه الاسواق فإن مثل هذه السلوكيات عادة ما يترتب عليها حدوث خسائر ضخمة للمتعاملين، خصوصا هؤلاء الذين ترتفع درجة انكشافهم على الاسهم المتراجعة.  كما قد يؤدي ذلك بالشركات الى الاضطرار للتدخل في البورصة لشراء اسهمها لوقف الاتجاه النزولي لها، وهو ما يؤثر على مخصصات الاستثمار الحقيقي في هذه الشركات.

الرسم الكارتوني التالي يصور بشكل مبدع صورة مصغرة لما يحدث حاليا في بورصات العالم حيث يقف المتعاملون (القطيع) على شكل طابور. في النصف الأعلى من الشكل وفي بداية الطابور على اليسار شخص يتحدث في التليفون ويقول لمن يتحدث اليه لقد وجدت سهما هنا والذي هو بالفعل سهم ممتاز EXCEL، والتي تتشابه في طريقة نطقها مع كلمة SELL أي بيع، ويصور الفنان ان الشخص الذي يسمع المتحدث يردد بعبارة اكسل، والذي وراءه يردد نفس العبارة، إلا ان الشخص الذي يليه يسمعها SELL، أي بيع، فيردد الذي وراءه نفس الكلمة، وهكذا يبدأ القطيع في العدو في نفس الاتجاه، أي البيع، وبالطبع ينهار المؤشر نتيجة لهذا السلوك.



في النصف الأسفل من الشكل شخص يشعر بالإحباط لما يحدث فيقول لنفسه هذا ضرب من الجنون لا استطيع الاستمرار في السوق الى اللقاء GOOD BYE، لاحظ ان كلمة BYE تنطق بنفس نطق كلمة اشتري BUY، وعندما ينطق كلمة الى اللقاء يردد الشخص الذي يليه الى اللقاء GOOD BYE، والذي يليه الى اللقاء بشكل مختصر  BYE، فيتناول الكلمة الشخص الذي يليه على انها BUY أي اشتري ثم يردد الكلمة الذي يليه والذي يليه فيتجه القطيع نحو الشراء وترتفع اسعار الأسهم، وهكذا حتى نهاية الطابور نجد شخصا آخر يتحدث في الهاتف، في اشارة الى احتمال حدوث اشارة خاطئة، وبالتالي يتكرر نفس السلوك – سلوك القطيع.

من الواضح ان البورصات اصبحت حاليا صالات للقمار وليس ساحات للاستثمار ومن الواضح انها انحرفت عن الهدف الاساسي لها وهو تشجيع الاستثمار الحقيقي من خلال توفير فرص تسييل الاسهم لمن استثمر في الشركات في السوق الأولي. وأعتقد ان حكومات العالم مطالبة حالية بالبحث في كيفية الحد من هذه السلوكيات الضارة بالسوق وبالمتعاملين فيه، والأسوأ، بالاقتصاد.

تنبغي الاشارة الى أن جيمس توبن كان قد اقترح أيضا ان يتم فرض ضريبة على المعاملات المالية التي تتم في اسواق المال لأن مثل هذه الضريبة سوف تكون وافرة الحصيلة نظرا لضخامة المعاملات التي تتم في هذه الاسواق.

الجمعة، أغسطس 19، 2011

صدمة النمو في أوروبا

نشر في صحيفة الاقتصادية بتاريخ الجمعة 19/8/2011.
للأسبوع الثاني على التوالي أضطر إلى تغيير مخطط مقالاتي على الاقتصادية بسبب التغيرات المتلاحقة عالميا في الفترة الأخيرة. فبينما كنت أكتب في مقال مقترح الميزانية المتوازنة الذي كنت أخطط لإرساله  للنشر هذا الأسبوع، فاجأتني الأنباء التي نشرتها مؤسسة الاحصاءات الأوربية اليوروستات Eurostat ببيانات النمو في الربع الثاني من هذا العام في الاتحاد الأوروبي، والتي جاءت مخيبة للآمال بصورة كبيرة في الاقتصادات الرئيسة في أوروبا، وبصفة خاصة في ألمانيا وفرنسا، وهو ما أدى إلى تعميق المخاوف بانعكاس  انخفاض معدلات النمو في ألمانيا بالذات على الاقتصاد الأوروبي، والذي يستعد وفقا لآراء بعض المراقبين إلى الدخول في مرحلة كساد مزدوج. بل لقد أشار البعض إلى أن الاقتصاد العالمي بأكمله ربما يكون مهيئا للدخول في حالة تراجع مزدوج.

ووفقا لليورو ستات فإن الجدول رقم (1) يوضح معدلات النمو في منطقة الاتحاد الاوروبي خلال الربع الثاني من هذا العام، ومن الجدول يلاحظ أنه سواء بمقارنة معدلات النمو في الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي في الربع الثاني من هذا العام مقارنة بربع السنة السابق عليه، أو بمقارنته بمعدل النمو في نفس ربع السنة في العام السابق، فإن معدلات النمو في الاقتصاد الأوروبي تتراجع على نحو مثير للقلق، على سبيل المثال نجد الاقتصادات الرئيسة مثل المانيا قد حققت معدل نمو 0.1% فقط في الربع الثاني من هذا العام، كذلك فإن فرنسا لم تحقق أي نمو على الإطلاق حيث بلغ معدل النمو بها 0%، بينما بلغ معدل النمو في هولندا 0.1%، وفي إسبانيا 0.2%، وفي المملكة المتحدة 0.2%، وايطاليا 0.3%. هذه المستويات المتدنية للغاية لمعدلات النمو تثير المخاوف حول اتجاهات معدلات النمو الحقيقي في المستقبل في الاتحاد الأوروبي. مشكلة هذه البيانات هي انها تعني ان أكبر اقتصادات اوروبا تواجه أسوأ تراجع في معدلات النمو بها في أعقاب الازمة المالية العالمية، بعد أن تحسنت معدلات النمو نسبيا في الفترة السابقة.  


على مستوى منطقة اليورو (17 دولة) فإن معدل النمو للربع الثاني اقتصر على 0.2% فقط، وهو أقل قليلا مما كان متوقعا لهذا الربع والذي قدر بـ 0.3%. كذلك اقتصر متوسط معدل النمو في الاتحاد الأوروبي (27 دولة) على 0.2% فقط، وبهذا الشكل تقتصر معدلات النمو السنوي حتى الربع الثاني من هذا العام في كل من الاتحاد الأوروبي ومنطقة اليورو على 1.7%. 

ما إن انتشرت هذه الأخبار السيئة حتى اصطبغت مؤشرات أسواق الأسهم في العالم وللشركات الاوروبية الرئيسية باللون الاحمر جميعا في يوم واحد مرة أخرى، بعد أسبوع كان اللون الاخضر هو الصبغة الغالبة عليها، الأمر الذي أدى الى توقف معدلات الصعود التي شهدتها البورصات العالمية في الأسبوع السابق، بعد خفض التصنيف الائتماني للدين الامريكي.

مصدر قلق العالم الأساسي من هذه المعدلات المنخفضة هو معدل النمو الألماني والذي جاء بصورة تقل عن التوقعات التي كانت تدور حول 0.5%. ووفقا للتقارير فإن السبب الأساسي لهذا التراجع في معدلات النمو يعود الى انخفاض الانفاق الاستهلاكي وانخفاض الانفاق الاستثماري الانشائي، وتراجع الصادرات الألمانية بفعل تراجع معدلات النمو في الاقتصاد العالمي، بصفة خاصة في الولايات المتحدة وآسيا، في الوقت الذي تزايدت فيه الواردات من الخارج مما أدى الى حدوث عجز في ميزان المدفوعات انعكست آثاره على النمو.

إذا اضفنا الى معدل النمو الألماني معدل النمو الفرنسي فإن أكبر اقتصادان في أوروبا والمسئولان عن حوالي 50% من الناتج المحلي الاجمالي الأوروبي يكونا في حالة في حالة ركود في الربع الثاني من هذا العام، الأمر الذي يلقي بظلاله على آفاق النمو الاقتصادي الأوروبي، وبهذا الشكل يتضح أن الماكينة الالمانية فشلت في دفع النمو في الاتحاد الاوروبي قدما نحو الامام. من ناحية أخرى يصعب في ظل هذه الظروف أن تستمر سياسات الانقاذ، والتي أصبحت مسألة صعبة بعد أن قدمت الدولتين حوالي 8% من ناتجهما المحلي الاجمالي كاعتمادات لتمويل عمليات الإنقاذ للدول المثقلة بالديون في منطقة اليورو.  

من ناحية أخرى فقد كان البنك المركزي الأوروبي في بداية الربعين الثاني والثالث من هذا العام قد أعلن عن رفع معدلات الفائدة مرتين من 0.25% الى 0.50% في 13 ابريل 2011، وإلى 0.75% في 13 يوليو 2011، وقذ ذكر مدير البنك المركزي الأوروبي أن هذه الارتفاعات في معدل الفائدة في منطقة اليورو سوف يتبعها خطوات لرفع معدل الفائدة بصورة أكبر في المستقبل بهدف الحد من الضغوط التضخمية التي بدأت تتصاعد في منطقة اليورو، وهو ما نظر إليه على أنه بداية الخروج من سياسات معدلات الفائدة الصفرية والنقود الرخيصة. غير أنه أخذا في الاعتبار تلك التطورات على صعيد النمو فقد اصبحت احتمالات أن يقوم البنك المركزي الأوروبي برفع معدلات الفائدة بصورة اكبر في المستقبل محدودة. لذلك أتوقع حدوث تحول في اتجاه السياسات النقدية للبنك المركزي والذي ربما قد يلجأ الى إعادة خفض معدلات الفائدة مرة أخرى اذا تعمقت مشكلة النمو وتحمل قدرا أعلى من التضخم في مقابل دفع عجلة النمو.

الصورة الاوروبية تبدو أيضا اكثر قتامة عندما نتابع التطورات في سوق العمل الأوروبي، حيث يشير الجدول رقم (2) الى معدلات البطالة في منطقة الاتحاد الأوروبي، ويتضح من الجدول أن متوسط معدل البطالة في منطقة اليورو (17 دولة) ما زال مرتفعا ويصل الى 10% تقريبا، بينما يصل متوسط معدل البطالة في الاتحاد الأوروبي (27 دولة) الى حوالي 9.5%، وبينما تصل معدلات البطالة الى مستوى رقمين في إسبانيا التي تبلغ معدلات البطالة فيها في الربع الثاني من هذا العام 21%، فإن معدل البطالة في ايرلندا بلغ 14.2% وفي البرتغال 12.2%، في الوقت الذي تقتصر فيه معدلات البطالة في فرنسا إلى 9.7% وفي ايطاليا الى 8%، ويلاحظ أنه على الرغم من تراجع معدلات النمو في المانيا الى هذه المستويات المنخفضة فإن البطالة تعد منخفضة نسبيا حيث 6.1% في الربع الثاني، وهو ما يوحي بأن أوضاع سوق العمل في ألمانيا مازالت مطمئنة نسبيا، حيث ينخفض معدل البطالة الفعلي مقارنة بمعدل البطالة الطبيعي 5%، مما يعني أنه مازال هناك مجال للنمو الكامن في الاقتصاد الالماني.


والآن هل تدخل اوروبا والعالم مرحلة تراجع أو كساد مزدوج؟ الكثير من المراقبين يؤكدون ذلك، ولكن بالنسبة لي من الصعب الحكم حاليا على مدى صحة أو دقة هذا التوقع، فمازلنا في حاجة الى المزيد من المؤشرات حتى يمكن الحكم بالفعل على تعمق الأزمة من عدمه. فحتى هذه اللحظة معدلات النمو ما زالت موجبة بالرغم من تراجعها على نحو كبير، ومن ثم لا يمكن الحديث اليوم عن تراجع مزدوج إلا اذا تحولت معدلات النمو في الربع الثالث من هذا العام الى معدلات نمو سالبة. غير أنه تجدر الاشارة الى أن ارتفاع درجة عدم التأكد وانخفاض الثقة على نحو واضح في اوروبا يجعل من التعامل مع مشكلة الديون الأوربية مسألة أكثر تعقيدا، ذلك أن التعامل مع مشكلة الديون  يحتاج الى معدل نمو مناسب، وعندما تتراجع معدلات النمو فإن مشكلة الديون تصبح اكثر خطورة.

 مما لاشك فيه أن البيانات القادمة من الاقتصاد الالماني تلقي مزيدا من الضبابية على الاقتصاد العالمي خاصة وأنها تأتي في اعقاب البيانات السيئة عن النمو في الاقتصاد الامريكي في الربع الثاني هذا العام، الأمر الذي يؤدي الى تصاعد المخاطر التي تحيط بالاقتصاد العالمي على نحو خطير، وبما أن العالم قد استنفذ كافة خياراته واسلحته التي توفرها السياسات الاقتصادية المختلفة للتعامل مع الأزمة، خصوصا في مجالي السياسة النقدية والمالية، فإن الخيار المتبقي امام دول العالم حاليا هو العودة الى حرب العملات، وهو احتمال غير متوقع، على الأقل في الوقت الحالي، وان بدأت بعض الدول مثل اليابان وسويسرا في اتخاذ اجراءات للحد من التصاعد في قيمة عملاتها ازاء تراجع كل من الدولار واليورو في الفترة الاخيرة.  ولكني اتوقع حدوث صدمة كبيرة عالميا، بصفة خاصة في المنطقة الاوروبية، حيث من المنتظر أن تتراجع قيمة مؤشرات الأسهم، ومعدل صرف اليورو، بينما يحقق الدولار الامريكي بعض المكاسب في ظل هذه الازمة، وكذلك من المتوقع ان يتزايد الطلب على الذهب وترتفع اسعاره. بالنسبة لنا نحن في الخليج، فإنه بالإضافة الى الاثار المتوقعة على البورصات فإن تراجع معدلات النمو عالميا سوف يدفع بأسعار النفط نحو التراجع بصورة اكبر من تلك التي شهدناها في أعقاب تخفيض التصنيف الائتماني، ومن ثم أوضاعا مالية غير مريحة نسبيا أو أقل مما كان متوقعا في بداية السنة المالية الحالية.



الثلاثاء، أغسطس 16، 2011

صدمة بيانات النمو في الناتج الالماني

تم الاعلان اليوم عن بيانات النمو في الاقتصاد الالماني للربع الثاني من هذا العام والتي اقتصرت على 0.1%، والتي تقل بصورة كبيرة عن التوقعات التي كانت في حدود 0.5%. بهذا الشكل ينخفض معدل النمو السنوي في المانيا الى 2.7% وهو ادنى معدل للنمو منذ الربع الاول 2010. السبب الأساسي لهذا التراجع هو اداء قطاع الصادرات، والذي لا يعتمد فقط على السوق الأوروبي وانما الى باقي الدول العالم، ومن المعلوم ان تراجع معدلات النمو في دول العالم يؤدي الى تراجع الصادرات الألمانية. ما زلت في انتظار المزيد من التفاصيل عن مكونات هذا النمو، وسوف اقوم بتحليلها بإذن الله. اذا اضفنا الى ذلك معدل النمو في فرنسا والذي بلغ عن الفترة نفسها صفر%، فإن الاقتصادين الألماني والفرنسي والمسئولان عن حوالي 50% من الناتج الأوروبي في حالة ركود تام في الربع الثاني، وهو ما يضيف بشدة الى مخاوف النمو الاقتصادي الأوروبي. اتوقع حدوث صدمة كبيرة عالميا، بصفة خاصة في المنطقة الاوروبية، الأسهم سوف تتراجع، واليورو سوف يتراجع، والدولار سوف يرتفع وكذلك الذهب. بالطبع الأهم بالنسبة لنا هو احتمال تراجع اسعار النفط

السبت، أغسطس 13، 2011

رسم كارتوني عن تخفيض التصنيف الائتماني للدين الامريكي

ارسلت الي أول أمس زميلتي الفاضلة د. اقبال الرحماني هذا الرسم الكارتوني الاقتصادي والكوميدي في نفس الوقت عن تخفيض التصنيف الائتماني للدين العام الامريكي، وتقوم فكرة الكارتون عى استخدام التشابه بين لفظ تصنيف Rate ولفظ فأر Rat، ويستبدل الفنان لفظ تصنيف برسم لفأر وعلى رقبته لوحة تحمل اسم ستاندرد أند بور والذي يتبول فيطيح بحرف A الثالث من التصنيف الائتماني للدين الامريكي AAA ليتحول الى دين تحيط به بعض المخاطرة. بالطبع الرسم يوحي بأشياء كثيرة جدا بالنسبة لي، خصوصا فيما يتعلق بوضع لافتة ستاندرد اند بور على رقبة الفأر، لا اريد ان افرض رؤيتي على القارئ وسوف أترك للقارئ الفرصة لكي يستنبط الايحاء الذي يناسبة



سوق السندات الأمريكية لا يعير اهتماما لتصنيف ستاندارد اند بور


كان من المتوقع ان ترتفع معدلات العائد على السندات الامريكية بعد القرار الأخير لمؤسسة التصنيف الائتماني ستاندرد اند بور والتي قامت بمقتضاه بتخفيض التصنيف الائتماني للدين الامريكي من AAA الى AA+، وهو ما يعد السابقة الأولى في تاريخ الولايات المتحدة والتي كان دينها العام مصنفا دائما على انه دين ممتاز.
ما إن تم الاعلان عن تخفيض التصنيف حتى تباينت ردود الفعل بصورة كبيرة لهذه الاخبار بين مؤيد ومهاجم لقرار المؤسسة، وكما هو معلوم كان رد فعل اسواق الاسهم وسوق الذهب عنيفا.
كان من المتوقع ان ترتفع معدلات العائد على السندات الامريكية مع تراجع تصنيفها الائتماني وهو رد الفعل الطبيعي للمستثمرين في السندات الامريكية والتي، وفقا للتصنيف اصحبت اكثر مخاطرة، الامر الذي يرفع من تكلفة الاقتراض للولايات المتحدة.
اليوم اقفل سوق السندات عن نتيجة في غاية الغرابة وهي تراجع معدلات العائد على السندات الامريكية، مما يعني تأكيد ثقة المستثمرين في السندات الامريكية. الشكل التالي يوضح تطور معدلات العائد على السندات الامريكية منذ 2007 حتى اليوم.
 من الشكل يتضح ان معدلات العائد على السندات الامريكية تنخفض، فالسندات التي تستحق بعد 30 سنة انخفض معدل العائد عليها الى 3.72% حاليا، والتي تستحق بعد 10 سنوات انخفض معدل العائد عليها الى 2.24% والسندات
التي تستحق بعد 5 سنوات انخفض معدل العائد عليها الى 0.96%، والتي تستحق بعد سنتين يبلغ معدل العائد عليها 0.20%، هذا الاسبوع بلغ الانخفاض في معدل العائد على السندات استحقاق 10 سنوات بـ 34 نقطة وهو ما يؤكد ما اشرنا اليه مسبقا من ان اثر خفض التصنيف على الدين الأمريكي سوف يكون محدودا، خصوصا وان القرار جاء في اعقاب ما شهده الكونجرس من مهاترات حول رفع سقف الدين.

 الشكل السابق يؤكد حقيقة هامة وهي ان الاسواق لا تعير ادنى اهتمام لقرار ستاندرد اند بور بخفض تصنيف الدين الأمريكي، خاصة وان مؤسسات التصنيف الائتماني ذات سمعة سيئة جدا في هذا المجال، فمثل هذه المؤسسات تتسم بالفساد حيث أنها اعطت تصنيفات متميزة للمؤسسات الائتمانية التي صنعت ازمة الرهن العقاري في الولايات المتحدة.
عندما اقدمت ستاندرد اند بور على تخفيض التصنيف الائتماني للدين الامريكي توقعت امرا من اثنين، إما ان يؤدي القرار الى رفع سمعة هذه المؤسسة في مجال المهنة، واما ان يقضى على مصداقيتها، ويبدو ان الاحتمال الثاني هو الأقرب، على الاقل حتى الآن.

الجمعة، أغسطس 12، 2011

ماذا يحدث في العالم؟

نشر في صحيفة الاقتصادية بتاريخ الجمعة 12/8/2011
يصعب على الفرد أن يخطط لمقالاته في ظل ما يحدث في العالم حاليا من تقلبات عنيفة. فقد كان من المفترض أن أتابع اليوم مسببات تضخم الدين العام الامريكي والسيناريوهات المستقبلية له، ولكن العالم تعرض هذا الاسبوع لعدة صدمات أعادتنا الى المربع صفر مرة أخرى، بعد أن كان العالم يستعد للخروج من أكبر أزمة أصابته منذ الكساد العالمي الكبير، وتعرضت الاسواق المالية في كافة انحاء العالم إلى ما يشبه الانهيار. انهيار يوم الاثنين الماضي القى بظلال كئيبة عبر العالم أجمع، وأخذنا نقارن ما يحدث حاليا بوضع الأسواق في 2008 عندما انطلقت الازمة المالية العالمية في 2008، وقد بدا من الواضح أن أي أصل مالي لم يعد يوفر الحماية للمستثمرين فيه.
في اجتماع لجنة السوق المفتوح في الاحتياطي الفدرالي الأمريكي يوم الثلاثاء 9 أغسطس قررت اللجنة الإبقاء على معدل الفائدة الصفري حتى منتصف 2013، كما أعلنت أنها سوف تستمر في إعادة استثمار إيرادات السندات التي يحل أجلها، والتي يحتفظ بها الاحتياطي الفدرالي في إطار سياسة التيسير الكمي، أو ما يطلق عليه سياسة نصف التيسير الكمي، كذلك أعلنت اللجنة أنها ستقوم بمراجعة حجم وتركيبة الأوراق المالية التي يحتفظ بها الاحتياطي الفدرالي وتعديلها بالشكل المناسب، وفي ذات الوقت سوف تستمر في مراقبة تطور الأوضاع الاقتصادية واتخاذ ما يلزم لدعم الأداء الاقتصادي على المستوى الكلي.
بعد أن تم نشر محضر اجتماع اللجنة ارتدت الاسواق مرة أخرى، وأخذت مؤشرات الأسهم والدولار في التصاعد، في الوقت الذي حدثت فيه موجة تصحيحية محدودة للذهب حتى كتابة هذا المقال، مما يعني أن الولايات المتحدة سوف تستمر في اتباع سياسة النقود الرخيصة.
لقد أقدمت هذا الاسبوع إحدى مؤسسات التصنيف الائتماني، وهي مؤسسة ستاندرد أند بور على تنفيذ تهديداتها السابقة للولايات المتحدة بتخفيض التصنيف الائتمان للدين الامريكي إذا لم يتم التوصل الى اتفاق حول رفع سقف الدين الامريكي، وما إن تم رفع سقف الدين، وفي ضوء ما حدث من مهاترات في فترة المفاوضات لرفع سقف الدين، سارعت المؤسسة الى خفض التصنيف الائتماني للدين الامريكي من AAA الى AA+، وهو ما يعني أن سندات الدين الامريكية فقدت تصنيفها الممتاز، باعتبارها اصل خال من المخاطرة لأول مرة في تاريخ الولايات المتحدة، وفقا لتصنيف هذه المؤسسة.
ما إن سرت هذه الأخبار في الأسواق العالمية مع بداية عطلة نهاية الأسبوع حتى تراكمت مخاوف المستثمرين في كافة أنحاء العالم عبر عطلة نهاية الاسبوع، وأخذ الكثير من المستثمرين عبر انحاء العالم في التخلص من أكبر قدر من محتفظاته من الأصول المالية خوفا من النتائج التي يمكن أن تترتب على هذه الخطوة، وأخذ الهلع يدب في قلوب الجميع، خصوصا في ظل وجود إشارات قوية الى احتمالات تعقد مشكلة الديون السيادية لأوروبا، بصفة خاصة بالنسبة لإسبانيا وإيطاليا، واصطبغت اسواق العالم باللون الأحمر، واصبحنا نتحدث عن احتمالات حدوث تراجع مزدوج للاقتصاد العالمي، خصوصا في الولايات المتحدة.
بالطبع في وسط هذه الفوضى تتجه انظار العالم نحو الذهب، معدن الأزمات أو الملاذ الآمن، كما يفضل ان يطلق عليه المضاربون في الذهب، فقفز هذا الأخير على انغام ما يحدث الى مستويات تاريخية وغير معقولة أو مقبولة في الوقت ذاته. فحتى كتابة هذه السطور تجاوز سعر اوقية الذهب 1770 دولارا، وهو ضرب من ضروب الجنون، فكيف يباع معدن  يتكلف إنتاج الاوقية منه حوالي 600 دولارا بما يقارب 3 اضعاف تكلفته، إن ذلك يعكس بالطبع حقيقة هامة وهي أن آليات السوق لا تعمل بشكل صحيح، وأن ما يحدث في سوق الذهب من مضاربات تدفع بالسوق بعيدا عن التوازن، وهو ما يطلق عليه بالمضاربات المزعزعة لاستقرار السوق destabilizing speculation. ويقصد بالمضاربات المزعزعة لاستقرار السوق هي اتجاه المضاربين نحو الشراء بصورة أشد عندما ترتفع الاسعار، استنادا الى التوقعات القوية باستمرار ارتفاع الاسعار بصورة أكبر في المستقبل، وتهافت المتعاملين نحو البيع عندما تنخفض الاسعار، استنادا الى التوقعات القوية باستمرار انخفاض الأسعار بصورة أكبر في المستقبل، غير أن التطورات في سوق الذهب حاليا تقدم دليلا في غاية الخطورة، وهو أن ما يظن المضاربون أنه الملاذ الآمن في ظل هذه الظروف يتحول للأسف الشديد الى أصل في غاية الخطورة، حيث أن حدة انفجار فقاعة الذهب تشتد مع كل رقم فلكي جديد يحققه الذهب في البورصات العالمية للمعدن.
الشبح الذي يهدد العالم حاليا يمكن تسميته بأزمة الديون العالمية، والتي إذا انطلقت، فمن المؤكد أنها ستسبب الموجة الثانية للأزمة الاقتصادية العالمية والتي ستقصم ظهر العالم، ما لم يتم التعامل معها بحزم للحد من المخاطر الهائلة التي يمكن ان تنتج عن انطلاق هذه الأزمة. نحن نتحدث عن أصول للمؤسسات المالية في كافة انحاء العالم تقدر بتريليونات الدولارات والمستثمرة في صورة سندات أصدرتها الحكومات وهي غير مبالية، أو ربما لم تعر الاهتمام الكافي، بقدرتها على خدمة هذه الديون على المدى الطويل، خصوصا في ظل ظروف الازمة حيث تقل الايرادات العامة للدول بشكل كبير، ومن ثم تضعف قدرتها على الوفاء بالتزاماتها، الأمر الذي يعني أن الدين العام لحكومات دول العالم الذي ينمو حاليا، ينمو في التوقيت الخطأ.
أحد الاسباب الأساسية أيضا وراء ارتفاع مستويات الديون العامة للدول هو الاتجاه العالمي لخفض الضرائب على الشرائح ذات الدخل المرتفع، فالإيرادات العامة لدول العالم عند مستويات متدنية جدا بالنسبة الى الناتج المحلي الاجمالي في العالم حاليا، لأن الحكومات لا تجمع من أغنياءها ضرائب كافية. صحيح أن هدف الحكومات الأسمى من خفض الضرائب هو مساعدة قطاع الأعمال الخاص على خلق المزيد من الوظائف من خلال تخفيض الضرائب وتحفيزه على القيام بالمزيد من الاستثمار، الا أن الاتجاه العام لخفض الضرائب في كافة دول العالم يتسبب في النمو الهائل لمدخرات الأفراد في شتى بقاع الأرض. هذه المدخرات الهائلة تبحث عن سبل لاستثمارها وتوفير عوائد مناسبة عليها، سواء من جانب الأفراد أو من جانب المؤسسات المالية التي تتلقى هذه المدخرات كمودعات، أو حصص في صناديق الاستثمار مثلا .. الخ، وهو ما يؤدي إلى رفع أسعار الأصول الى عنان السماء سواء في أسواق الأسهم أو الأصول الحقيقية كالعقار والذهب.
ففي الوقت الذي تكون فيه الحكومات مطالبة بأن يكون انفاقها استثنائيا للتعامل مع تبعات الأزمة ولدفع الاقتصاد نحو الخروج منها، فإن الجانب الأكبر من المدخرات، والتي كان يفترض ان يكون جانبا منها في خزانة الدول كضرائب، يظل يبحث عن أي فرصة للاستثمار الآمن، وبما أن ديون الحكومات من الناحية النظرية من أكثر الأصول المالية أمنا، فإن مدخرات الأفراد تتوجه نحوها، إما مباشرة بواسطة المدخرين أو بصوة غير مباشرة من خلال المؤسسات المالية التي تجمع هذه المدخرات، الأمر الذي يسهل على الحكومات مهمة الاقتراض من الجمهور، غير أنه بدلا من أن تقتطع الدولة جانبا من هذه المدخرات في صورة ضرائب، تجد نفسها تدفع فوائد على هذه الإيرادات الضائعة.
لقد كان من المتوقع عند انطلاق الأزمة المالية العالمية على النطاق الذي شهدناه أن يرزح العالم لفترة طويلة من الزمن في حالة ركود، وذلك بالنظر إلى ضخامة التأثيرات المتوقعة للأزمة، غير أن انجراف دول العالم أجمع نحو الاسراع بالخروج من الأزمة في أقصر وقت ممكن وباستخدام كافة وسائل التحفيز، سواء المباشر أو الغير مباشر لاقتصاداتها، دفع حكومات العالم الى أن تنسى، أو تتناسى، أنها في خضم ذلك كله تخلق لنفسها مشكلة أخرى ربما تكون أخطر أو أعمق في ظل تصاعد العجز في ميزانياتها.
فقد استخدمت معظم دول العالم سياسة معدلات الفائدة الصفرية Zero interest rate policy (ZIRP)، للخروج من الأزمة، حيث تشجع معدلات الفائدة الصفرية المستهلكين على الشراء، وتساعد على انتعاش أسواق الاسهم بشكل كبير، وكذلك تعمل على تخفيض قيمة العملات مما يقلل من آثار العجز الخارجي لميزان المدفوعات، على سبيل المثال منذ انطلاق الأزمة والاحتياطي الفدرالي يضع المستويات المستهدفة لمعدل الفائدة عند صفر تقريبا، كما أنه من الواضح، كما سبقت الإشارة، أن الاحتياطي الفدرالي سوف يستمر في تبني هذه السياسة في المستقبل القريب.
غير أن معدلات الفائدة الصفرية فتحت شهية الحكومات نحو أمر خطير جدا وهو المبالغة في الاقتراض استنادا الى انخفاض تكلفة هذه الديون في ظل المعدلات المتدنية للفائدة، الأمر الذي أدى الى تراكم جبال ما يطلق عليه ديون معدلات الفائدة الصفرية ZIRP debts، على سبيل المثال ديون اليابان والولايات المتحدة، حيث تجاوزت في الأولى الناتج المحلي الاجمالي بضعفين ونصف تقريبا وتجاوزت في الثانية الناتج المحلي الاجمالي لأول مرة منذ عام 1947. الخطر الكامن وراء ديون معدلات الفائدة الصفرية التي بلغت هذه المستويات الفلكية، يتمثل في أنها من الممكن أن تقضي على جانب كبير من الإيرادات العامة للدول فقط لدفع تكلفة الفوائد عليها، وذلك إذا ما عادت معدلات الفائدة الى  مستوياتها الطبيعية قبل الأزمة.
باختصار شديد إن التطورات الأخيرة التي تحدث في العالم توحي بقوة بأن ديون معدلات الفائدة الصفرية ربما تسبب الموجة الثانية من الازمة الاقتصادية العالمية، وأن ما تظنه الحكومات يساعدها على حل أزمتها الاقتصادية، ربما يتسبب في حدوث أزمات طاحنة لها.
في الأسبوع القادم أناقش مقترح يلف العالم حاليا وهو مقترح تشريع الميزانية المتوازنة Balanced budget law، أو تعديل الدساتير الوطنية لكي تجعل الميزانية المتوازنة التزام أساسي على الحكومات، ثم أعود مرة أخرى لأتابع تحليل تضخم الدين العام الامريكي إن أحيانا الله سبحانه وتعالى.

الجمعة، أغسطس 05، 2011

تقرير سوق العمل الامريكي في شهر يوليو


صدر منذ ساعات تقرير مكتب الاحصاءات الامريكي الذي كان الجميع ينتظره في هذا التوقيت بالذات لعدة أسباب أهمها:
-          أنه أول تقرير ينشر عن اوضاع سوق العمل الامريكي بعد اقرار رفع سقف الدين بواسطة الكونجرس.
-          أنه اول تقرير ينشر في اعقاب مراجعة بيانات النمو في الناتج المحلي الحقيقي في الربع الأول من هذا العام، والتي اشارت الى تراجع معدلات النمو بصورة كبيرة.

-          أن معدل البطالة هو اهم المؤشرات التي يمكن الحكم من خلالها على اتجاهات النمو الاقتصادي في الولايات المتحدة.
-          أن الاسواق كانت تنظر بعين القلق نحو معدل البطالة في الولايات المتحدة، حيث تسبب سوء الوضع في سوق العمل واستمرار تدهور معدل البطالة لمدة 3 اشهر متتالية في تراجع ثقة المستثمرين في الاسواق.



ازدادت اعداد الوظائف التي تم خلقها في القطاع غير الريفي بـ 117000 وظيفة في شهر يوليو، كما يتضح من الشكل رقم (1)،


في الوقت الذي تراجع فيه معدل البطالة بصورة ضئيلة في هذا الشهر والتي بلغت 9.1%، كما يتضح من الشكل رقم (2).



ووفقا للتقرير فإن هذه الوظائف تم خلقها في القطاع الاتية:

-          قطاع الرعاية الصحية

-          قطاع التصنيع

-          قطاع التعدين

بينما استمرت الوظائف في القطاع الحكومي نحو التراجع.

بهذا الشكل يصل عدد العاطلين في الولايات المتحدة الى 13.9 مليون عاطلا.

وبالنسبة لتوزيع هؤلاء العاطلين فإن معدلات البطالة تصل الى 9% بين الذكور، و7.9% بين الاناث، و 25% بين الشباب الاقل من سن العرشين. أما بالنسبة لتوزيع البطالة حسب الاصل العرقي، فإن المعدل يصل الى 8.1% بين البيض، و15.9% بين السود، و11.3% بين ذوي الاصول اللاتنيية و7.7% بين الاصول الآسيوية.  



عدد العاطلين لفترة قصيرة (اقل من 5 اسابيع) انخفض بحوالي 387 الف عاطل في يوليو، وهو ما ساعد على مواجهة الزيادة الكبيرة في اعداد هؤلاء العاطلين في شهر يونيو. بالنسبة لأعداد العاطلين لفترة طويلة (27 اسبوعا فأكثر) فمازالت أعداد هؤلاء العاطلين مرتفعة حيث يبلغ عددهم 6.2 مليون عاطلا، يمثلون 44.4% من اعداد العاطلين في الولايات المتحدة. الجدول التالي يوضح البيانات الاساسية عن السكان وقوة العمل في الولايات المتحدة. 


وأخيرا فإن الشكل التالي يوضح تطور نسبة فقدات الوظائف في جميع حالات الكساد التي مرت على الاقتصاد الامريكي بعد نهاية الحرب العالمية الثانية حتى اليوم. ويوضح المنحنى الاحمر نسبة فقدان الوظائف في الكساد الحالي والذي يتضح منه ان الكساد الحالي كان الأعمق فيما يتعلق بأثره على معدل البطالة في الولايات المتحدة. لاحظ ايضا تدهور عمليات خلق الوظائف خلال الأشهر الماضية.




سقف الدين العام الأمريكي


نشر في صحيفة الاقتصادية السعودية بتاريخ الجمعة 5/8/2011.
كان من المفترض ان أتناول اليوم في هذه السلسلة من الحلقات عن الدين العام الأمريكي موضوع الإيرادات العامة للولايات المتحدة وأثرها على الدين العام، بصفة خاصة الضرائب، غير أن التطورات التي حدثت هذا الأسبوع حيث حبس العالم أنفاسه في انتظار ما سوف تسفر عنه المحادثات بين الحزبين الديمقراطي والحزب الجمهوري والذي يسيطر حاليا على مجلس النواب الأمريكي بشأن خطط رفع سقف الدين العام الأمريكي، أدت إلى تحويل اتجاهي نحو مناقشة هذه النقطة التي كنت أنوي تناولها لاحقا في نهاية هذه السلسلة من المقالات.  


في يوم الأحد الماضي بلغ رصيد الحكومة الأمريكية 54 مليار دولارا فقط، وهو ما يعني أن سيولة الخزانة الأمريكية تتراجع على نحو سريع لدرجة انه إذا لم يتم رفع سقف الدين العام قبل الثاني من أغسطس فإن الولايات المتحدة لابد وأن تعلن إما توقفها عن سداد التزاماتها، إذا ما حل هذا التاريخ قبل أن تتمكن الإدارة الأمريكية من الحصول على الموافقة على رفع سقف الدين لإرخاء القيود الحالية على موارد الخزانة وتمكين الولايات المتحدة من طرح سندات إضافية بموجب هذا التشريع، أو أن تلجأ الإدارة الأمريكية إلى تخفيض إنفاقها العام بحيث تعطي أولوية أولى لخدمة الدين، على أن تتولى دفع التزاماتها المدنية الأخرى تباعا، وهو ما يبدو لي أنه كان التوجه الأساسي للإدارة الأمريكية للخروج من هذا المأزق بدون أن تؤثر في الأسواق ولكي تحرج الجمهوريين أمام الشارع الأمريكي.


 لحسن الحظ أن مجلس النواب قد وافق مؤخرا يوم الاثنين الماضي، وفي الساعات الأخيرة، على خطة رفع سقف الدين حتى عام 2013، وأنهى بذلك حالة من القلق الشديد التي اجتاحت العالم حول احتمالات انتشار صدمة والتي يمكن ان تنجم عن فشل الحكومة الأمريكية في الوفاء بالتزاماتها نحو خدمة دينها العام. فما هي حكاية سقف الدين، ولماذا أصبح سقف الدين مشكلة في هذا التوقيت بالذات، ولماذا أصبح رفع سقف الدين من عدمه مصدر قلق للعالم اجمع، مع أنه من المفترض أن يكون شأنا داخليا للولايات المتحدة. في هذا المقال نحاول مناقشة هذه التساؤلات.


ينص الدستور الأمريكي على أن الكونجرس هو صاحب الحق في تحديد قيمة الدين العام للولايات المتحدة، وقبل عام 1917 كان لا بد من موافقة الكونجرس على كل دورة  اقتراض تقوم بها الخزانة الأمريكية، إلا أنه مع اشتراك الولايات المتحدة في الحرب العالمية الأولى ورغبة في إعطاء قدر اكبر من المرونة للخزانة في عملية الاقتراض دون الرجوع إلى الكونجرس في كل مرة، فقد تم في عام 1917 إدخال مفهوم سقف الدين Debt Ceiling، ويقصد بسقف الدين تحديد حد أقصى (سقف) لقيمة الدين العام الأمريكي، وطالما ان الدين العام الأمريكي لم يصل إلى هذا السقف فإن من حق الخزانة الأمريكية الاستمرار في عملية الاقتراض بدون الرجوع إلى الكونجرس. بهذا الشكل تتوافر الحرية للخزانة الأمريكية في إطفاء وإصدار السندات طالما أنها لم تتجاوز السقف المحدد للدين، وقد مكن قانون رفع سقف الدين الولايات المتحدة بالفعل من دخول الحرب العالمية الثانية الأولى، من خلال تمكين الخزانة الأمريكية من إصدار سندات طويلة الأجل (سند الحرية)، بالإضافة إلى سندات قصيرة الأجل،


ولكن ما الذي يحدد الحاجة إلى رفع سقف الدين من عدمه؟ لا شك ان الإجابة على هذا السؤال تكمن في حالة الميزانية العامة للدولة، فكلما كانت الميزانية تحقق فوائض أو عجزا محدودا فإن الحاجة إلى رفع سقف الدين تقل، أما إذا كانت الميزانية تحقق عجزا مرتفعا ومستمرا، فإن ذلك يرفع الحاجة إلى رفع سقف الدين تزداد بشكل مستمر مثلما حدث في العقد الماضي من هذا القرن، وعندما يصل الدين إلى السقف المحدد قانونا، فإن قدرة الخزانة على توفير الاحتياجات المالية للدولة تتعطل، كذلك إذا نص تشريع رفع سقف الدين على منع الخزانة من إصدار ديون جديدة للوفاء بالاحتياجات المالية للحكومة في الأجل القصير، أو لتمويل العجز السنوي فإن الحكومة لن تكون قادرة على الوفاء بالتزاماتها ودفع فواتيرها، وعندما يقترب الدين العام من سقفه فإن الخزانة لا بد وان تتخذ إجراءات غير اعتيادية لاستيفاء الاحتياجات المالية الفدرالية، غير أنه وحتى اليوم، لحسن الحظ، لم يتسبب رفع سقف الدين في توقف الحكومة الأمريكية عن الوفاء بالتزاماتها، غير أن مسألة رفع سقف الدين ذاتها قد تسبب من وقت لآخر بعض حالات عدم التأكد حول عمليات الخزانة، خصوصا وأن الدين العام الأمريكي لم يعد أمريكيا، وإنما أصبح بصورة متزايدة ملكا للأجانب، وقد اشرنا سابقا ان حوالي ثلث الدين العام الأمريكي مملوك للأجانب من خارج الولايات المتحدة، لذلك يتصاعد القلق العالمي مع كل عملية رفع لسقف الدين خشية توقف الولايات المتحدة عن خدمة ديونها إذا ما فشلت محادثات رفع سقف الدين.


ولكن لماذا الإصرار على إدخال سقف محدد للدين؟ الإجابة على هذا السؤال تكمن في الحرص على تمكين الكونجرس الأمريكي من استخدام صلاحياته الدستورية في السيطرة على الإنفاق العام، وكذلك اتخاذ التدابير المناسبة للسيطرة على معدلات نمو الدين، بحيث يلتزم الكونجرس والرئيس الأمريكي باتخاذ الإجراءات المناسبة للسيطرة على نمو الإنفاق العام ومن ثم العجز في الميزانية الأمريكية.





منذ أن تم إدخال مفهوم سقف الدين في 1917 وحتى 2010، تم رفع سقف الدين العام الأمريكي 102 مرة، كما يتضح من الشكل رقم (1) الذي يوضح جميع حالات رفع سقف الدين منذ 1919 حتى 2010، ومن ثم يصبح الرفع الذي تم هذا الأسبوع هو الزيادة رقم 103 في سقف الدين الأمريكي. فلماذا هذه الضجة التي أثيرت مؤخرا حول مسألة رفع سقف الدين؟ مرة أخرى الإجابة هي أنها جاءت في وقت حرج للغاية، حيث تتسم استعادة النشاط الاقتصادي في الولايات المتحدة بأنها هشة، وقد انتهز غلاة الحزب الجمهوري فرصة سيطرة الجمهوريين على مجلس النواب وتمسكوا بقضية سقف الدين كطوق للنجاة لوضع مرشحهم القادم في البيت الأبيض محل الرئيس الحالي باراك أوباما، و بدا من الواضح أن أعضاء الحزب الجمهوري على استعداد لتعريض الولايات المتحدة لكارثة مالية من اجل تحقيق مطالب أكثر النواب تطرفا في الحزب. كما أنه من الواضح أيضا ان الانتخابات الأمريكية القادمة بين مرشح الجمهوريين والرئيس أوباما سوف تكون ساخنة جدا وتدور حول قضايا كبيرة، بصفة خاصة حول حجم الحكومة والدين العام والأوضاع الاقتصادية الكلية بشكل عام.

لقد أعلن الرئيس أوباما يوم الأحد الماضي أن الحزبين الديمقراطي والجمهوري قد توصلا إلى اتفاق يجنب الولايات المتحدة التوقف عن خدمة ديونها والذي كان محددا له يوم الثلاثاء 2 أغسطس، وأن الاتفاق سوف يتم التصويت عليه من جانب الكونجرس قريبا جدا. رسميا تمت الموافقة على رفع سقف الدين الأمريكي في مجلس النواب قبل ساعات من الموعد النهائي لتوقف الولايات المتحدة عن خدمة الدين. منذ البداية، وكما أشرت في مقالين سابقين عن الموضوع تم نشرهما على الاقتصادية، لم يكن لدي أدنى شك في أن خطة رفع سقف الدين سوف يتم إقرارها بأي شكل لتجنيب الولايات المتحدة والعالم الآثار السلبية التي يمكن ان تنجم عن ذلك ولإنقاذ الولايات المتحدة من التوقف عن خدمة الدين لأول مرة بسبب الفشل في التوصل إلى اتفاق حول شروط رفع السقف. بمقتضى هذا الاتفاق سوف تباشر الخزانة الأمريكية في إصدار السندات ليبدأ الدين العام الأمريكي في الارتفاع أكثر وأكثر، وأغلب الظن أن التصنيف الائتماني الممتاز للدين الأمريكي لن يتأثر، وسيظل، على الرغم من كل ما يحدث، مصنفا على أنه من أفضل الديون في العالم، حتى وإن تم تخفيض التصنيف فلن يكون عاما، ولن يستمر منخفضا لفترة طويلة.
الأمر المثير للاستغراب في سلوك الجمهوريين هو هذا الإصرار العنيد من جانبهم على فرض شروطهم حول خطة رفع سقف الدين والتي تمثلت في الخطة التي قدمها بوهنر والتي تقضي بخفض كبير في الإنفاق العام الأمريكي وعدم زيادة الإيرادات العامة من خلال الإصلاح الضريبي، الأمر الذي يعني من الناحية العملية أن أوباما سوف يضطر إلى دخول الانتخابات القادمة بمؤشرات سيئة عن الأداء الاقتصادي على المستوى الكلي وبميزانية تعاني من عجز ضخم. ولكن المراقب للأحداث لا يمكن إلا أن يصاب بالدهشة من هذا النفاق السياسي، فمنذ متى يهتم الجمهوريين بعجز الميزانية أو بمستوى الدين العام الأمريكي، والذي هو بالفعل تركة ثقيلة ورثها أوباما من الإدارة الأمريكية السابقة للجمهوريين والتي قامت برفع سقف الدين 7 مرات بين يونيو 2002 و أكتوبر 2008، الأمر الذي أدى إلى تضاعف حجم الدين العام الأمريكي في غضون هذه الفترة القصيرة، كما يتضح من الشكل رقم (2)، الذي يلقي الضوء بصورة اكبر على حالات رفع سقف الدين العام الأمريكي خلال حكم الجمهوريين في فترة الرئاسة السابقة وحتى اليوم.
والآن ما هي تفاصيل خطة رفع سقف الدين الأمريكي والآثار المتوقعة لهذه الخطة؟ وفقا لموقع البيت الأبيض وكذلك ما نشره مكتب الكونجرس للميزانية اليوم الثلاثاء 2 أغسطس، فإن هناك تفاصيل كثيرة لهذه الخطة، ولكني سوف أحاول اختصار هذه التفاصيل بقدر الإمكان. وفقا للخطة فإن تشريع رفع سقف الدين يقضي بالآتي:

·         وضع حد أقصى على الإنفاق التقديري Discretionary spending حتى عام 2021 لخفض عجز الميزانية بحوالي 917 مليار دولارا، وتحقيق التوازن في الخفض بين الإنفاق على الدفاع والإنفاق على جوانب الإنفاق المدني الأخرى غير الدفاع. وسوف يشمل خفض الإنفاق التقديري 350 مليار من ميزانية الدفاع على مدى عشر سنوات، وهو أول تخفيض لميزانية الدفاع في الولايات المتحدة منذ التسعينيات، وذلك في ظل مراجعة لادوار ورسالة وقدرات الولايات المتحدة مع الاستمرار في الالتزام بحماية الأمن القومي الأمريكي.
·         تشكيل لجنة مشتركة من الحزبين لبحث تخفيض العجز في الميزانية بـ 1.5 تريليون دولارا إضافية بما في ذلك الإصلاح الضريبي، على أن تتولى اللجنة المشتركة دراسة الإصلاحات الأساسية، مع منح توصيات اللجنة الأولوية في التصويت في مجلس الشيوخ والكونجرس، ومنع البعض من استخدام الحيل الإجرائية لوقف هذه التوصيات. على أن تقدم اللجنة توصياتها بحلول نوفمبر القادم ويتم التصويت على توصيات اللجنة في ديسمبر القادم.
·         السماح ببعض الإنفاق الإضافي لتعديل مدفوعات الإعانات غير المناسبة، وبصفة خاصة فإن الخفض في الإنفاق على الرعاية الصحية سوف يوضع عليه حد أقصى وسوف تقتصر على مقدمي الخدمة، وفي حال لم تتمكن اللجنة من تقديم مقترحاتها سوف يتم خصم 500 مليار دولار من الإنفاق العسكري بالإضافة إلى الخصومات التي تمت وكذلك إجراء خفض للبرامج الحرجة مثل البنية التحتية أو التعليم.
·         تعديل برامج منح الطلبة والقروض التي يحصلون عليها في إطار برنامج Pell Grant.
·         يتولى المجلسين اقتراح تعديل للدستور الأمريكي بما يضمن توازن الميزانية الأمريكية.
·         رفع سقف الدين مبدئيا بـ 400 مليار دولارا، على أن يتم رفع سقف الدين على مرحلتين لزيادة السقف بما يتراوح بين 2.1 تريليون و 2.4 تريليون. 
·         يلتزم الحزبان بالموافقة على التخفيض المتوازن للعجز، وفي حالة فشل التوصل إلى اتفاق، حول هذا الموضوع يتم خفض الإنفاق بصورة قسرية في 2013 بنسبة 50%/50% بين الإنفاق المحلي والإنفاق على الدفاع، مع حماية الإنفاق على التأمين الاجتماعي والمستفيدين من الرعاية الصحية وبرامج محدودي الدخل من أي خفض في الإنفاق، ولن يتم الخفض الإجباري في الإنفاق قبل 2013 بهدف حماية التعافي الاقتصادي من التراجع مع خفض الإنفاق العام.
·         في الوقت الذي ستبدأ فيه الإدارة الأمريكية بتخفيض الإنفاق فإن التخفيضات الضريبية التي اقرها الرئيس بوش بعد إحداث سبتمبر 2001، سوف تنتهي في 1/1/2013، هذان الأثران سوف يعملان على خفض العجز في الميزانية، وفي حال فشل التوصل إلى اتفاقية متوازنة في هذا الوقت، فإن الرئيس سوف يستخدم حقه في الفيتو لضمان خفض إضافي في العجز بتريليون دولارا من خلال عدم مد الخفض الضريبي على الفئات مرتفعة الدخل.
·         وفقا لتقديرات مكتب الكونجرس للميزانية فإن التشريع سوف يخفض العجز بما لا يقل عن 2.1 تريليون دولارا بين 2012 و 2021.
والآن ما هي الآثار المتوقعة لإقرار مثل هذه الخطة، في الواقع هناك آثار كثيرة لتشريع رفع سقف الدين، ولنبدأ بأهم الآثار الايجابية والتي يمكن اختصارها في إعادة ثقة المستثمرين والأسواق في أدوات الدين العام الأمريكي وتجنب العالم لآثار الصدمة التي كان من الممكن ان تنجم عن توقف الولايات المتحدة عن خدمة دينها العام، وتجنب خفض تصنيف الائتماني للدين الأمريكي، وبالفعل أعلنت وكالة موديز للتصنيف الائتماني أثناء كتابة هذا المقال بأن الدين العام الأمريكي سوف يستمر في الاحتفاظ بتصنيف AAA الممتاز ولن تقوم بتخفيض هذا التصنيف، وإذا لم يتم تخفيض التصنيف الائتماني للولايات المتحدة فأنها سوف تتجنب رفع معدلات العائد على السندات الأمريكية وبالتالي خفض تكاليف الاقتراض للولايات المتحدة، وخفض احتمالات دخول الاقتصاد الأمريكي حالة من الكساد العميق. بالإضافة إلى ذلك فإن من أهم الآثار الايجابية للخطة هو أثرها على الميزانية من خلال الإجراءات العديد المقترحة لخفض العجز، كما سبقت الإشارة.  
أما أهم الآثار السلبية فتتمثل في أن خفض الإنفاق يأتي في توقيت حرج للغاية، فالانتعاش الاقتصادي يواجه مشكلات والنمو يتراجع والبطالة تراوح مكانها على الرغم من جهود تحفيز الاقتصاد.  بعد التوصل إلى الاتفاق على رفع سقف الدين كتب الاقتصادي الأمريكي بول كروجمان مقالا نشر في النيويورك تايمز بعنوان "الرئيس يستسلم"، اعتبر فيه الاتفاق بمثابة كارثة للرئيس أوباما وحزبه وللاقتصاد الأمريكي ككل. لأن الاقتصاد الأمريكي يعاني حاليا من الكساد، وأن أسوا ما يمكن ان تقوم به الحكومة حاليا للاقتصاد هو تخفيض الإنفاق العام، لأن ذلك سوف يجعل الاقتصاد يغرق في الكساد بصورة أعمق وهو ما يؤثر على الإيرادات المستقبلية للحكومة. من ناحية أخرى فإن الاتفاق سوف يخفض الإنفاق بصورة كبيرة بدون ان يكون هناك في المقابل زيادات في الإيرادات العامة.
بقي أن أشير إلى أنه من الواضح أن الدين الأمريكي أصبح بالفعل مشكلة معقدة جدا سواء بالنسبة للولايات المتحدة أو بالنسبة للعالم أجمع، وسوف يتطلب التعامل معها عقودا من الزمن لا بد وان يحقق فيها الاقتصاد الأمريكي خلالها نموا استثنائيا. إلا أنه وبالرغم من كل شيء وبكافة المعايير، فإن الإجراءات التي تم اتخاذها والمزمع اتخاذها المستقبل تعد تاريخية، بصفة خاصة التعديل المقترح للدستور الأمريكي بما يضمن توازن الميزانية الأمريكية.