الأربعاء، مايو 30، 2012

الروبية الهندية في مهب الريح

نشر في صحيفة الاقتصادية بتاريخ الثلاثاء 29/5/2012

الهند هي أحد أهم الاقتصادات الواعدة في العالم اليوم، وتتزايد التوقعات بأن يلعب الاقتصاد الهندي دورا رائدا على المستوى الدولي، البعض منها يتوقع بأن تصبح الهند الاقتصاد الأول في العالم بحلول العام في 2050، ومن وقت لآخر تجري المؤسسات الاقتصادية والمالية في العالم مقارنة بين الأوضاع الاقتصادية في الهند (معبرا عنها بالفيل الهندي) مقارنة  بالصين (معبرا عنها بالتنين الصيني)، أيهما سوف تكون له الغلبة في المستقبل، باعتبار أن قيادة العالم من الناحية الاقتصادية كانت دائما بين هاتين الدولتين قبل صعود الغرب في العصر الحديث. هذا العام بدأت الشكوك تتزايد حول مدى صحة واعتمادية مثل هذه التوقعات للفيل الهندي مع استمرار تعرض العملة الهندية لضغوط الانخفاض المستمر في قيمتها، بحيث أصبحت الروبية الهندية تعد الآن اضعف العملات بين عملات الدول الناشئة في آسيا. فالعملات الآسيوية بشكل عام تتراجع خلال هذه السنة، لكن الأداء الهندي كان الأسوأ بين مجموعة الدول الناشئة في آسيا، بل إن بعض المصادر تصنف تطورات الروبية على أنها تمثل رابع أسوأ أداء للعملات على مستوى العالم هذا العام بعد الراند الجنوب إفريقي والليرة التركية والشلن الكيني.
ففي يناير 2011 كان معدل صرف الروبية إلى الدولار الأمريكي 45.5 روبية للدولار تقريبا، وقد استمر تراجع معدل صرف الروبية على نحو واضح إلى أدنى مستوياته يوم الأربعاء 23/5/2012 حيث بلغ معدل صرف الدولار 56.0052 روبية، وقد شهدت الأيام القليلة الماضية تراجعا محدودا لمعدل صرف الدولار بالنسبة للروبية، ففي اليوم الأحد 27/5/2012 بلغ معدل صرف الدولار 55.4 روبية، ويعني ذلك أن الروبية الهندية خلال العام ونصف الماضي تراجعت بنسبة 24% تقريبا، وهو بكل المقاييس من أعلى معدلات التراجع في العالم. 
التوقعات المستقبلية حول مسار الروبية الهندية أيضا متشائمة بسبب طبيعة التوقعات السائدة حاليا حول الأداء الاقتصادي للهند في المستقبل، ولهذا التشاؤم أسباب متعددة، أهمها العجز في ميزان المدفوعات الهندي، فمن الناحية النظرية تعد العملة الوطنية مرآة لميزان مدفوعات الدولة، وينقسم ميزان المدفوعات إلى ميزان العمليات الجارية وميزان العمليات الرأسمالية، ميزان العمليات الجارية يشمل الميزان التجاري والتي تسجل فيه قيمة صادرات وواردات الدولة من السلع، وميزان الخدمات، ويشمل صادرات وواردات الدولة من الخدمات مثل النقل والتأمين.. الخ، بالإضافة إلى صافي التحويلات للدولة. أما ميزان العمليات الرأسمالية فتسجل فيه تحركات رؤوس الأموال من والى الدولة، ويعد الميزان التجاري أهم هذه الحسابات في ميزان المدفوعات للدول الناشئة، حيث تلعب تنافسية هذه الدول دورا هاما في الانتشار الجغرافي لصادراتها من السلع، والتي تستند بصفة أساسية إلى انخفاض تكاليف الإنتاج مقارنة بمنافسيها من باقي دول العالم، وحيث أن استراتيجيات النمو في الدول الناشئة، مثل الهند، قائمة على التوجه أساسا نحو الخارج، فإن الميزان التجاري يلعب دورا هاما في نمو هذه الدول، ولذلك فإن قيمة عملات الدول الناشئة ترتبط أساسا بالتطورات في هذا الميزان.
الوضع بالنسبة للهند مختلف عن باقي الدول الناشئة حاليا، فعلى مدى الفترة من 2000 -2012 لم تحقق الهند أي فائض في ميزانها التجاري، وإنما على العكس استمرت تحقق عجزا متزايدا بشكل عام، بل إن الفجوة في ميزان مدفوعات الهند تتسع نتيجة لارتفاع وارداتها من السلع التجارية العالمية الرئيسة بصفة خاصة النفط والذهب على نحو مثير للقلق، حيث تميل قيمة واردات هاتين السلعتين إلى الارتفاع المتواصل، الأمر الذي يؤدي إلى زيادة فاتورة واردات الهند واتساع عجزها التجاري مع العالم الخارجي، ومن الناحية النظرية يفترض أن انخفاض قيمة الروبية سوف يساعد النمو من جانب الصادرات، لكن الأثر الصافي لتخفيض قيمة العملة على التجارة الخارجية للهند كان محدودا بسبب تركيبة الواردات.
فالهند تستورد اكثر من 70% من احتياجاتها النفطية من الخارج، وهي تقع ضمن قائمة الدول الجوعى للنفط، ووفقا لآخر التقديرات فإن ورادات الهند من النفط والذهب تمثل حوالي 32% من واردات الهند، وعندما تعجز الصادرات عن مواكبة النمو في الواردات فإن عجز الميزان الجاري لا بد وان ينعكس على قيمة العملة، وهو ما يحدث حاليا في الهند. وفقا لآخر البيانات المتاحة فإن العجز الحالي في الحساب الجاري في الربع الثالث من 2012 يعد الأعلى منذ 17 عاما. مثل هذه التطورات تؤدي إلى زيادة الطلب على العملات الأجنبية، بصفة خاصة الدولار، في سوق الصرف الهندي بشكل يتجاوز بكثير الكميات المعرضة منها، وهو ما يخلق عجزا في السوق يؤدي إلى تزايد الضغوط على قيمة الروبية نحو التراجع.
أدى تراجع الروبية إلى فقدان الثقة بها، وهو ما ترتب عليه حدوث عمليات خروج لرؤوس الأموال من الهند، في الوقت الذي تراجعت فيه الاستثمارات الأجنبية المباشرة إلى الهند، وهو ما أدى إلى ضغوط إضافية على العملة، وفي اقتصاد ناشئ مثل الهند تلعب الاستثمارات الأجنبية دورا حاسما في النمو، لأن استراتيجية النمو القائمة على التصدير تعتمد أساسا على الشركات الأجنبية التي تقوم بالتصنيع ومن ثم التصدير من الهند للاستفادة من مزايا التصنيع هناك والتي تتمثل بصفة خاصة في رخص أجور القوة العاملة والمزايا الضريبية.
من ناحية أخرى فإن الضغوط على الروبية جعلت البنك المركزي الهندي Reserve Bank of India يضطر إلى التدخل في سوق النقد الأجنبي للدفاع عن الروبية ضد ضغوط الهبوط وهو ما أدى إلى تراجع الاحتياطيات النقدية للبنك المركزي، فوفقا لبيانات البنك المركزي الهندي فإن إجمالي الأصول الاحتياطية الدولارية قد تراجع من 281.6 مليار دولارا في أكتوبر  2011، إلى 257.9 مليار دولارا في 12 مايو 2012، أي بنسبة 9% تقريبا. في ظل هذه الضغوط تتزايد الوقعات حاليا باحتمال تعرض الهند لحركات خروج كبيرة لرؤوس الأموال إذا لم تتوقف الروبية عن التراجع ، خصوصا بعد أن قامت مؤسسة ستاندرد أند بور بتخفيض التصنيف الائتماني للهند الشهر الماضي إلى BBB-، مع نظرة مستقبلية سلبية نتيجة تراجع النمو والأوضاع السياسية التي تواجهها الهند.  
الهند تواجه أيضا مشكلة هيكلية في ماليتها العامة، فكنسبة من الناتج المحلي الإجمالي بلغ عجز الحكومة المركزية وحكومات الولايات الهندية حوالي 7% في المتوسط خلال الفترة من 2005 حتى 2011، حيث تتزايد الضغوط نحو تقديم المزيد من الدعم الذي تقدمه الحكومة للأسمدة وغاز الطهي والبترول والديزل، في الوقت الذي تتصاعد فيه الدعوات لتخفيض هذا الدعم إلى مستويات تستطيع الدولة تحملها. غير أنه في ظل وجود كتلة سكانية ضخمة مثل الكتلة الهندية بمستويات دخول منخفضة، فإن عملية السيطرة على العجز المالي تعد مشكلة حقيقية في الهند حاليا، سواء على مستوى الحكومة المركزية أو على مستوى الولايات. بالطبع يترتب على ارتفاع نسبة العجز المالي إلى الناتج المحلي تزايد الضغوط على قيمة الروبية.
الاقتصاد الهندي يواجه أيضا تراجعا في معدلات النمو وارتفاعا في معدلات التضخم في أعقاب الأزمة المالية العالمية، والبنك المركزي الهندي يواجه معضلة حاليا تتمثل في ضرورة تخفيض معدلات الفائدة لتشجيع الطلب الكلي ولدعم النمو، ولكن خفض معدلات الفائدة سوف يترتب عليه تدهور قيمة العملة بصورة أكبر، ومن ثم تغذية التضخم، وتشير البيانات المتاحة إلى أنه في عام 2011 بلغ معدل النمو في الهند 8.5%، هذا العام من المتوقع تراجع معدل النمو إلى حوالي 7%، وهو ما دعا الحكومة إلى محاولة البحث عن مزايا أخرى وقطاعات أخرى يتم فتحها للاستثمار الأجنبي المباشر مثل قطاع التجزئة لدفع معدلات النمو.
تراجع قيمة الروبية يضيف أيضا المزيد من الضغوط التضخمية وارتفاع الأسعار سواء الناجمة عن تفاعلات قوى العرض والطلب المحلي، او التضخم المستورد من الخارج، بصفة خاصة مع ارتفاع تكلفة الوقود المستورد، على الرغم من الدعم الكبير الذي تقدمه الدولة للوقود والأسمدة. ففي عام2009 بلغ معدل التضخم أقصى مستوياته عند نسبة 15%، انخفضت إلى حوالي 10% عام 2010، وفي العام 2011 استمر تراجع معدل التضخم نحو التراجع إلى 6.5%، غير أن أخر البيانات المتاحة في أبريل 2012 تشير إلى ارتفاع التضخم إلى مستويات أكبر مما هو متوقع إلى 7.5%. 
الدلائل تشير إلى تدخل البنك المركزي الهندي من وقت لآخر في سوق النقد الأجنبي، ويبدو أن البنك المركزي عازم على الحد من تراجع الروبية بصورة أكبر. فكما سبقت الإشارة شهدت الأيام القليلة الماضية ارتفاعا طفيفا في قيمة الليرة نتيجة عمليات التدخل، لكن من المؤكد أن هذه العمليات مكلفة وسوف يترتب عليها تراجعا واضحا في احتياطيات البنك المركزي من العملات الأجنبية الأمر الذي يهز الثقة في العملة. باختصار الروبية الهندية تقف الآن في مهب الريح حيث تعمل تشكيلة متسعة من العوامل في الضغط عليها نحو التراجع أهمها عجز الميزان التجاري وزيادة العجز المالي وتراجع معدلات النمو وانخفاض الاحتياطيات من العملات الأجنبية وارتفاع معدلات التضخم.

الجمعة، مايو 25، 2012

أسعد شعوب العالم

نشر في صحيفة الاقتصادية بتاريخ الجمعة 25/5/2012

ما هي السعادة، وهل يمكن قياسها؟ وكيف تقاس؟ ما الذي يجعل أناسا أكثر سعادة من غيرهم؟ أو ما الذي يحدد مستوى سعادة الشعوب؟ هل هي الدول التي لا يؤثر فيها الأصل الاجتماعي والوضع الاقتصادي على فرص التعليم أو الترقي في السلم الاجتماعي؟ أم هل السعادة مرتبطة بمدى توافر أصدقاء حقيقيين نعيش بينهم مثلا؟ هل السعادة في كثرة المال؟ وهل اذا كانت الدولة على رأس قائمة الدول ذات الدخل المرتفع سوف تكون أكثر سعادة مما لو كانت في قائمة الدول ذات الدخل المحدود؟
لقد حاولت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية  OECD الإجابة على هذه الأسئلة بصورة منهجية من خلال تطوير مؤشر لقياس درجة السعادة التي تتمتع بها الدول، أو هكذا يطلق عليه، وذلك في اطار مبادرة أطلقت عليها "مبادرة الحياة الأفضل"، والتي اصدر بمقتضاها تقريرين عن درجة رضاء الأفراد في دول المنظمة عن حياتهم، ويتم عرض مؤشر الحياة الأفضل في صورة مؤشر مركب للسعادة، ويتكون المؤشر المركب من عدة مؤشرات تستند إلى الحسابات القومية لهذه الدول، وإحصاءات الأمم المتحدة، ونتائج استطلاعات معهد جالوب الذي يجري من وقت لآخر استطلاعات للرأي العام بين الأشخاص الذين يعيشون في 140 دولة حول العالم. المؤشر أيضا يركز على الاختلافات بين النوع داخل الدول، أي بين فرص الإناث والفرص المتاحة للذكور، ويقارن الفروق بين ذوي الدخول المرتفعة وذوي الدخول المنخفضة (أعلى 20% من الحاصلين على الدخل في المجتمع وأدنى 20% من الحاصلين على الدخل في المجتمع)، واستنادا إلى درجة تقييم الحياة والتي تتراوح بين صفر إلى 10 يتم يتحدد مقدار الدرجة التي تحصل عليها الدولة ومن ثم يمكن ترتيب دول العينة وفقا لهذه الدرجات.
لقد كانت المحاولات الأولى تركز على مستوى الدخل على أنه أهم مقاييس الرفاه في العالم ومن ثم مستويات السعادة، وذلك بافتراض أن الدول الأعلى في مستويات الدخل الفردي هي الدول الأكثر سعادة في العالم، غير أنه سرعان ما تحول الفكر في هذا المجال إلى التأكيد على أن نصيب الفرد من الدخل ليس الأداة المناسبة في هذا المجال لأن الرفاه والسعادة تشمل أشياء كثيرة لا يمكن قياسها من خلال متوسط نصيب الفرد من الدخل فقط، على سبيل المثال مستوى تعليم قوة العمل ومستوى الصحة الذي يتمتع به الأفراد، أو حتى ربما الدرجة التي يتم بها استخدام الموارد الطبيعية القابلة للنضوب في عملية توليد الدخل. كذلك فإن هناك اتفاقا اليوم على أن السعادة في العالم الغربي لا ترتبط بمستوى الدخل بقدر ما ترتبط بصورة أكبر بطبيعة العلاقات الإنسانية.
بالطبع النمو الاقتصادي ليس شرطا أن يؤدي إلى تحسين مستوى السعادة من الناحية الحقيقية، فالسعادة الحقيقية ليست هي السعادة المادية وإنما السعادة الإنسانية، ولكن من المؤكد أنه لو كانت مستويات دخول الأفراد أو معدلات النمو في الدولة منخفضة فإن ذلك سوف يجعل الأفراد غير سعداء، ولذلك يتفق الكثير من الباحثين في المجال أن التركيز لا بد وان يكون على مستويات النمو الاقتصادي للدولة.
عوامل الاستقرار الاقتصادي مثل التوظف تعد واحد من عناصر الرضاء عن جودة الحياة التي يعيشها الإنسان، وكذلك الاستقرار الوظيفي الذي يحصل عليه الفرد في الدولة، فكلما انخفضت معدلات البطالة كلما ارتفع ترتيب الدولة في مؤشر السعادة والعكس، وكذلك المدة التي يقضيها العمال في حالة بطالة، فكلما طالت الفترة التي يقضيها العامل في حالة بطالة كلما ارتفعت درجة تعاسته والعكس، ويأتي بعد العوامل المسئولة عن الاستقرار الاقتصادي مستوى الرفاه المادي والاجتماعي كأهم محددات السعادة، فكلما ارتفعت مستويات الصحة كلما ارتفعت مستويات السعادة، والعكس، كذلك كلما اتسع نطاق الشبكات الاجتماعية للفرد حيث يوجد لدى الشخص قريب او صديق يمكنه الاعتماد عليه وقت الشدة فإن ذلك يرفع مستوى السعادة والعكس. كذلك يعتبر الوقت الذي يقضيه الأشخاص في المتعة والفراغ من العوامل التي تؤثر على الصحة العقلية للأشخاص ومن ثم تؤثر بصورة كبيرة على درجة سعادتهم، وهكذا تتحدد السعادة بعناصر كثيرة بعضها بالطبع لا يمكن قياسه. 
هذا العام صدرت النتائج النهائية لمؤشر الحياة الأفضل بواسطة منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية لـ 34 دولة هي الدول الأعضاء في المنظمة مضافا إليها البرازيل وروسيا، يقوم المؤشر على أساس حساب 11 بعدا من أبعاد الحياة لا تقتصر فقط على مستويات الدخول التي يحصل عليها الأفراد وإنما أيضا للجوانب المرتبطة بتوافر المساكن لهم، وطبيعة البيئة التي تحيط بهم، والشبكات الاجتماعية المتاحة لهم، وفرص التوظف المتوافرة، والأمان الشخصي، ومستويات التعليم والصحة، ودرجة ممارسة الديمقراطية، ودرجة رضاء الأشخاص في الدولة بشكل عام عن حياتهم.
المنظمة أعلنت أن الجديد في مؤشر هذا العام أنه سيعمل بشكل تفاعلي ليمكن المقيمين في هذه الدول من التعرف على أوضاعهم بالنسبة للدول الأخرى، كما سيمكن المقيمين في هذه الدول من تقديم مقترحاتهم حول الأبعاد الأخرى التي يمكن إضافتها للمؤشر. كما أعلنت المنظمة أيضا أنها تنوي المنظمة إضافة مجموعة أخرى من دول العالم والتي ليست أعضاء في المنظمة إلى قائمة الـ 34 دولة تباعا. أثبت التقرير أن هناك ثلاثة قضايا أساسية يركز عليها الناس في جميع الدول بغض النظر عن مكان وجودهم وهي مستوى الصحة، ومستوى التعليم والرضا عن الحياة بشكل عام. ووفقا لنتائج التقرير الثاني فإن الازدهار الاقتصادي يعد واحدا من العناصر ذات الصلة القوية بالرضاء على طبيعة الحياة، يليه مستوى الدخل، وبهذه المعايير فشلت الولايات المتحدة أن تكون ضمن قائمة العشر دول الأولى الأكثر سعادة في العالم، بينما وقعت دول مثل إسرائيل والدول الاسكندنافية ضمن قائمة الدول العشر الأكثر سعادة في العالم.
يفترض أن نتائج المؤشر تقدم دليلا لصانعي السياسة في هذه الدول لاتخاذ ما يلزم من سياسات لرفع مستويات معيشة السكان فيها مقارنة بدول العالم الأخرى في العينة. المشكلة الأساسية أن مثل هذه المتطلبات للسعادة يصعب تحقيقها من خلال إجراءات السياسة، وان كانت التقارير المتخصصة تشير إلى أن إجراءات السياسة التي يمكن أن ترفع مستويات السعادة. من هذا الجانب تتمثل سياسات رفع السعادة في تلك السياسات التي تعمل على رفع مستوى التوظف ورفع مستوى جودة العمل الذي يؤديه الأفراد، والحرص على توفير مستويات عالية من الثقة والاحترام في المجتمع، والتي يمكن التأثير فيها من خلال السياسات التي تهدف إلى تحسين مستوى الصحة العقلية والجسدية ودعم الحياة الأسرية وتوفير تعليم جيد للجميع.
والآن ما هي أسعد عشر دول في العالم؟ الإجابة هي أنها بالترتيب وفقا للتقرير الدانمرك في المركز الأول، يليها النرويج في المركز الثاني، يليها النمسا في المركز الثالث، ثم هولند في المركز الرابع وسويسرا في المركز الخامس وأستراليا في المركز السادس وكندا في المركز السابع وفنلندا في المركز الثامن وإسرائيل في المركز التاسع والسويد في المركز العاشر. 
نأتي الآن إلى السؤال الحقيقي، هل فعلا هذه هي أسعد دول العالم؟  الإجابة هي أننا اذا قيمنا السعادة من المنظور المادي فإن هذه الدول بالتأكيد سوف تكون أسعد الدول على هذا الكوكب، ولكن إذا كان الوضع كذلك فلماذا ينتحر الناس بشدة في هذه الدول؟ إذن السعادة لا تقاس بالمادة أساسا، فكم من شعوب هي أكثر شعوب الدنيا رفاهة ومع ذلك يشعر الناس فيها بجدران العالم تضيق حولهم لتخنقهم مع كل ما هم فيه ترف مادي، بل إن أعلى معدلات الانتحار والتخلص من هذه السعادة تحدث أساسا في هذه الدول، واقل معدلات الانتحار تحدث أساسا في اقل الدول سعة من الناحية المادية، السعادة ربما تكون في راحة البال في الأمان النفسي والذاتي، او بالتأكيد السعادة هي في القرب من الله. 

الثلاثاء، مايو 22، 2012

هل تخرج اليونان من منطقة اليورو؟

نشر في صحيفة الاقتصادية بتاريخ الثلاثاء 22/5/2012

أصبح العالم يحبس أنفاسه اليوم في انتظار نتيجة الانتخابات الوطنية المعادة في اليونان، والتي من المقرر أن تتم في 17 يونيو القادم وما سوف تكشف عنه من نتائج. فقد فشل الرئيس اليوناني كارلوس بابولياس في إقناع الأحزاب السياسية التي فازت في الانتخابات أوائل هذا الشهر بتشكيل حكومة ائتلافية بين الأحزاب الرئيسة التي فازت في الانتخابات، مما دفع إلى إقرار إعادة الانتخابات مرة أخرى، وقد أصبح من الواضح أن الانتخابات اليونانية القادمة لن تكون انتخابات سياسية بالدرجة الأولى، وإنما ستعد بمثابة اقتراع مباشر حول خيار استمرار اليونان في اليورو من عدمه، وأنه إذا حدث وفاز الحزب الراديكالي المعروف باسم "سيريزا” في الانتخابات فربما يعمل على دفع اليونان للخروج من اليورو.

هذا الأسبوع أيضا قامت وكالة فيتش للتنصيف الائتماني بتخفيض تصنيف اليونان إلى مستويات متدنية من B- إلى ccc كرد فعل للأحداث الحالية وتزايد ردة الفعل السياسية والشعبية ضد خطط التقشف المفروضة على اليونان بمقتضى خطط الإنقاذ الموضوعة من جانب الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي، وأن هناك ميل متزايد من بعض القوى السياسية إلى رفض شروط اتفاق الإنقاذ الأخير مع صندوق النقد الدولي.

أدى تعقد أوضاع اليونان على هذا النحو السريع إلى دفع بعض المراقبين إلى الاعتقاد بأن اليونان سوف تضطر إلى ترك منطقة اليورو لا محالة، وأن المسألة هي مجرد وقت قبل أن يتم فصل اليونان عن منطقة اليورو وإنهاء عضوية لم تكن تستحقها هذه الدولة في الواقع، على سبيل المثال فقد ألمح رئيس البنك المركزي الأوروبي لأول مرة بأن اليونان ربما تخرج من اليورو، مع تأكيده في ذات الوقت بأن البنك المركزي الأوروبي يفضل استمرار اليونان في المنطقة.

ولكن السؤال الحرج هو هل فعلا يمكن أن تخرج اليونان من منطقة اليورو؟ إن الإجابة على هذا السؤال ليست سهلة كما يتصور البعض، لأن خروج اليونان من اليورو، على عكس ما يعتقد بعض المراقبين، سوف يكون بمثابة كارثة للمنطقة وأيضا للأسواق. فمنذ وقت طويل يعتقد الكثير من المراقبين أنه من الأفضل لليونان الخروج من اليورو حتى يتخلص الاتحاد النقدي من الصداع الذي يعاني منه حاليا والمتمثل في عضوية هذه الدولة له، غير أنه لم يحاول أحد من هؤلاء أن يحسب لنا التكلفة التي ستترتب على هذا القرار.

مع تصاعد الحديث عن احتمال خروج اليونان من اليورو بدأت عمليات تقدير الخسائر التي يمكن أن تترتب على الخروج، وأصبحنا نقرأ اليوم عن التكلفة الكبيرة التي ستترتب على ذلك، وأصبح من الواضح أن هناك شبه إجماع حاليا على أن خروج اليونان من منطقة اليورو سوف يكون مكلفا للغاية لمنطقة اليورو وللعالم، على عكس ما كان يشاع مسبقا من أنه من الأفضل لليونان والاتحاد النقدي الأوربي فصل اليونان، ذلك أن هذه المطالبات بخروج اليونان لم تكن قائمة على حسابات دقيقة لتكلفة الخروج، اليوم عندما لاحت في الأفق بوادر احتمالات الخروج بدأت التقديرات الحقيقية للتكلفة تظهر على السطح، بالطبع التكلفة الوحيدة التي يمكن تقديرها في صورة رقمية هي التكلفة الاقتصادية، وذلك استنادا الى الآثار المتوقعة على النظام المالي والنمو، غير أن التكلفة الاجتماعية والسياسية للخروج لم تخضع بعد للحساب الدقيق حتى يمكن تقدير إجمالي التكلفة المتوقعة للخروج.

بعض التقديرات الأولية لتكلفة الخروج، كما تشير صحيفة الجارديان هذا الأسبوع، تضع خسارة منطقة اليورو بحوالي 5% من الناتج المحلي الإجمالي، أو ما يعادل حوالي تريليون دولارا، بعض التقديرات الأخرى تقل عن هذا المبلغ نسبيا، بالطبع عندما نقارن بين تكلفة استبقاء اليونان داخل منطقة اليورو مع الخسارة الضخمة التي ستعود على المنطقة من خروج اليونان، فإنه من الواضح أن من الأفضل العمل على استبقاء اليونان وتحمل هذه التكلفة.

إن الوضع الحالي لليونان يذكرني بحالة إفلاس بنك ليمان براذرز في بداية الأزمة المالية العالمية 2008، وذلك عندما رفضت الحكومة الأمريكية مساعدة البنك بعدة مليارات من الدولارات وسمحت للبنك بالإفلاس، فكانت الخسارة الناجمة عن ذلك رهيبة، واضطرت الحكومة الأمريكية إلى تحمل تريليونات الدولارات لاستعادة مستويات النشاط الاقتصادي ومواجهة معدلات استثنائية للبطالة ليس فقط في أمريكا وإنما في كافة أنحاء العالم، وقد كان من الممكن توفير هذه التكاليف الضخمة، أو الجانب الأكبر منها، لو تم إنقاذ البنك بعدة مليارات من الدولارات، فهل يكرر الاتحاد الأوروبي نفس الخطأ ويسمحون لليونان بأن تخرج من الاتحاد النقدي؟

من ناحية أخرى فقد حذر الرئيس أوباما من أن أزمة اليونان يمكن أن تهدد التعافي الاقتصادي الهش للولايات المتحدة، بل إن بعض التقارير ذهبت أكثر من ذلك إلى الإشارة إلى أن الرئيس أوباما ذاته يخشى من أن تؤثر أزمة اليونان على فرص إعادة انتخابه نظرا للتعقيدات على المستوى الاقتصادي التي يمكن أن يمر بها الاقتصاد الأمريكي في هذه المرحلة الحرجة من الانتخابات الأمريكية إذا تعقدت أوضاع الاتحاد الأوربي. على المستوى الرسمي، الولايات المتحدة قلقة جدا حاليا من تطورات الأوضاع في اليونان، وقد عاد الحديث مجددا في اللجنة الفدرالية لعمليات السوق المفتوح عن احتمالات العودة مرة أخرى إلى التيسير الكمي واستمرار العمل بسياسة النقود الرخيصة وتثبيت معدلات الفائدة عند مستواها الصفري حتى 2014.

كذلك أعلنت كريستين لا جارد رئيسة صندوق النقد الدولي أن خروج اليونان من منطقة اليورو سوف يكون مكلفا للغاية، ليس فقط لليونان ولكن أيضا لصندوق النقد الدولي، الذي يعد حاليا خطط للتعامل مع تبعات خروج اليونان من منطقة اليورو. تكلفة الخروج من منطقة اليورو ليست إذن سهلة كما يتصور البعض، ذلك أن ترك منطقة اليورو سوف يهدد مستقبل العملة ذاتها، وهو ما يمكن أن يؤدي إلى آثار ضخمة على النمو في المنطقة، وبالتأكيد في العالم أجمع.  

في مقابل حالة عدم التأكد الحالية التي تسود اليونان، بدأ البعض يستذكر أحداث إفلاس الأرجنتين وكيف أن البنوك أغلقت أبوابها في وجه الجمهور الذي اضطر البعض منه إلى النوم في الشوارع أمام أبواب البنوك انتظار للحظة التي ستفتح فيها البنوك أبوابها ليتمكنوا من سحب ما يحتاجون إليه من سيولة، كما حدثت حالات هروب كبيرة لرأس المال إلى الخارج. هذا الأسبوع لم ينتظر الجمهور في اليونان حتى بدء الأزمة للقيام بسحب ما يحتاجون إليه من سيولة، وإنما حدث تهافت على البنوك اليونانية للسحب من المودعات، حيث تجاوزت المسحوبات مليار دولار. مع عمليات السحب الكبيرة هذه في ظل نظام مصرفي رسملته ضعيفة أصلا، فإن البنوك اليونانية تواجه وضعا صعبا للغاية، ووفقا لرويترز توقف البنك المركزي الأوروبي عن مد بعض البنوك اليونانية بخطوط الائتمان اللازم بسبب أن هذه البنوك لم تقم بالاحتفاظ برأس المال المناسب، ولقد أصبح من المطلوب الآن إعادة رسملة هذه البنوك كشرط لإعادة مدها بالائتمان، وهي عملية صعبة في الظروف الحالية.

باختصار شديد ليس هناك خيار أمام اليونان أو منطقة اليورو سوى بقاء اليونان في المنطقة مع محاولة دفع الأمور نحو الأمام وتحمل التكاليف التي يمكن أن تترتب على ذلك، والتي هي وفقا لأي سيناريو ستكون أقل بكثير من الخسائر المتوقع أن تتحملها أوروبا في حال خروج اليونان والانهيار المحتمل لليورو، وعلى ذلك اذا اختار الشعب اليوناني في الانتخابات القادمة الاستمرار في اليورو فسوف يكون لزاما على أوروبا وصندوق النقد الدولي انتهاج أسلوب مخالف لروشتة التقشف وتقديم مقترحات اكثر مناسبة لدفع معدلات النمو في اليونان وزيادة قدرتها على تنفيذ التزاماتها نحو دائنيها.


الجمعة، مايو 18، 2012

ما الذي يرفع التصنيف الائتماني للمملكة؟

نشر في صحيفة الاقتصادية بتاريخ الجمعة 18/5/2012


استعرضنا في المقال السابق مفهوم التصنيف الائتماني والمؤسسات التي تقوم به وسلم التصنيفات التي تستخدمه، وأهمية هذه التصنيفات بالنسبة للأسواق. اليوم نتناول المحددات التي يفترض أن تحدد هذه التصنيفات الائتمانية لدول العالم مع الإشارة إلى أسباب ارتفاع التصنيف الائتماني للمملكة.
كما ذكرنا من قبل فإن التصنيف الائتماني للدول هو في جوهره تقييم لقدرة الحكومات على خدمة ديونها في إطار المدى الزمني لتواريخ الاستحقاق المحددة لهذه الديون، ومن ثم من المتوقع أن تكون مؤشرات الدين العام للدولة من أهم محددات التصنيف الائتماني للدولة، إن العامل الأهم في تحديد التصنيف الائتماني للدولة هو معل النمو للدولة، فإذا كان من المتوقع أن ينمو الاقتصاد بمعدل مرتفع، فإن ذلك سوف يؤدي إلى زيادة الإيرادات الضريبية للدولة ويخفض في ذات الوقت من الحاجة إلى الإنفاق الحكومي المرتفع، مما يجعل من السهل على الدولة تخفيض نسبة الدين إلى ناتجها المحلي، أما إذا كان معدل النمو منخفضا فإن نسبة الدين العام إلى الناتج سوف تميل إلى التزايد وتتعقد أوضاع الدين العام للدولة بالتبعية.
من العوامل التي تؤخذ في الاعتبار أيضا نسبة الدين العام القائم إلى الناتج المحلي للدولة، فإذا كانت نسبة الدين العام إلى الناتج مرتفعة، مثلما هو الحال بالنسبة للدول المدينة في منطقة اليورو، فقد لا تجدي محاولات الدولة السيطرة على نمو الدين من خلال برامجها التقشفية إذا كان معدل نمو الناتج منخفضا، ذلك أن النمو المنخفض للناتج يسبب ارتفاع نسبة الدين إلى الناتج. غير أن ارتفاع الدين القائم كنسبة من الناتج لا يعني، مرة أخرى، أن جميع الدول التي تعاني من ذلك سوف ترتفع مخاطرها الائتمانية، على سبيل المثال فإن نسبة الدين إلى الناتج في إيرلندا أقل بكثير من نسبة الدين إلى الناتج في ألمانيا، ومع ذلك فإن التصنيف الائتماني لألمانيا أفضل بكثير من التصنيف الائتماني لإيرلندا، كما أن ارتفاع نسبة الدين إلى الناتج المحلي لا يعني أن الدولة في طريقها للإفلاس، فعلى الرغم من أن الدين العام الياباني يصل إلى حوالي 240% من الناتج، ومع ذلك توضع اليابان ضمن قائمة دول العالم المرتفعة التصنيف.
كذلك من العوامل التي تحدد التصنيف الائتماني للدول هو نسبة الاقتراض السنوي للحكومة إلى ناتجها المحلي، فإذا كان معدل الاقتراض السنوي منخفضا نسبيا، على سبيل المثال 2% من الناتج المحلي، فإنه في أغلب الأحيان يتوقع أن يكون وضع الدين العام للدولة مستداما، أي يتوقع استمرار ارتفاع قدرة الدولة على خدمة ديونها، أما اذا ما كان معدل الاقتراض السنوي مرتفعا على سبيل المثال 15% من الناتج المحلي، فإن الدين يصبح غير مستدام بسبب الارتفاع المتوقع في تكلفة خدمة الدين على الحكومة، ومع ذلك فإن هناك بعض الحكومات التي تقترض بمعدلات تفوق هذه المستويات غير المستدامة ومع ذلك تستمر في الحصول على تصنيف ائتماني مرتفع.
العامل الرابع هو تاريخ استحقاق الدين، فبشكل عام كلما طالت مدة استحقاق ديون الدولة كلما قلت ضغوط الدين على الحكومة، بعكس الحال اذا ما كانت السندات التي تقوم الدولة بإصدارها تتمثل أساسا في سندات قصيرة الأجل، فإن ضغوط الدين قد تضطر الدولة إلى اللجوء إلى طرح سنداتها من وقت لآخر، وتجدر الإشارة إلى أنه أصبح هناك تركيزا أكبر اليوم على القروض قصيرة الأجل من جانب مؤسسات التصنيف الائتماني باعتبارها أحد المحددات الأساسية للمخاطر السيادية.
العامل الخامس هو مدفوعات خدمة الدين كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي، فبشكل عام إذا كانت نسبة مدفوعات خدمة الدين محدودة بالنسبة إلى الناتج المحلي، فإن خدمة الدين العام تصبح تحت السيطرة، ولكن عندما يميل الدين العام للدولة نحو التزايد في الوقت الذي تتراكم فيه الضغوط السوقية نحو رفع معدلات الفائدة على الدين العام لهذه الدولة، فإن وضع الدولة يصبح خطرا، فحتى لو قامت الدولة بتبني برامج للتقشف فإنها سوف تضطر إلى تخصيص المزيد من الأموال لخدمة ديونها، وهو ما يرفع الحاجة نحو اقتراض المزيد من الديون، ومن ثم ترتفع مدفوعات الفائدة مجددا فترتفع الحاجة للاقتراض، وهكذا ستدور الدولة فيما يمكن أن نطلق عليه الحلقة الخبيثة للديون.
العامل السادس هو هيكل ملكية دين الدولة، فإذا كانت ديون الدولة مملوكة بواسطة المقيمين فيها من الجمهور والمؤسسات المالية المختلفة والبنك المركزي فإن مخاطر الدين تصبح منخفضة، أما إذا كان الدين مملوكا للأجانب فإن ارتفاع مخاطر الدولة قد يدفع الدائنين الأجانب إلى بيع سنداتهم في الخارج وهو ما يضع ضغوطا كبيرة على الأسعار السوقية لها، ومن ثم يرفع معدلات العائد على تلك السندات، على أن قدرة الدولة على اجتذاب المستثمرين الأجانب قد ترفع من تصنيفها الائتماني، على سبيل المثال فإن التصنيف الائتماني للولايات المتحدة مرتفع لأنها تستطيع أن تجذب قدرا كبيرا من المستثمرين الأجانب لشراء سنداتها وبمعدلات فائدة منخفضة، بينما لا تستطيع دولة مثل إيرلندا أن تجد من يقرضها إلا بمعدلات عائد كبيرة. 
العامل السابع هو معدل التضخم السائد في الدولة خصوصا بالنسبة للديون المصدرة بالعملة المحلية للدولة، حيث يؤدي التضخم إلى تخفيض القيمة الحقيقية لدين الحكومة بالنسبة للمستثمرين، مما يقلل من جاذبية السندات لدى المستثمرين، كما أن التضخم سوف يتطلب أن تكون معدلات الفائدة على سندات الدين للدولة مرتفعة.
هذه هي أهم العوامل التي تحكم تصنيف الدولة الائتماني، والآن ما الذي يجعل التصنيف الائتماني للمملكة مرتفعا مع نظرة مستقبلية مستقرة للاقتصاد السعودي، على النحو المذكور في المقال السابق؟ للإجابة على هذا السؤال فإن الجدول رقم (1) يوضح المؤشرات الأساسية التي ينشرها صندوق النقد الدولي والتي تقود إلى وضع المملكة ضمن مجموعة دول العالم ذات التصنيف الائتماني المرتفع، ومن الجدول يلاحظ الآتي:
·         أن المملكة تحقق معدلات نمو مرتفعة نسبيا في الناتج المحلي الحقيقي بالمقاييس العالمية، على الرغم من ظروف الأزمة الاقتصادية التي تمر بالعالم منذ 2008، وأن هذه المعدلات سوف تستمر عند مستويات معقولة جدا حتى عام 2017.
·         أن متوسط نصيب الفرد من الدخل يعد مرتفعا نسبيا ومن المتوقع أن يتزايد في المستقبل ليصل إلى حوالي 24000 دولارا في 2017.

·         أن المملكة توجه نسبا متزايدة من ناتجها المحلي نحو الاستثمار، ويتوقع أن تصل هذه النسبة في عام 2017 إلى حوالي 26%.
·         أن مستويات الدخل المرتفع الذي تحققه المملكة تؤدي إلى ارتفاع معدلات الادخار المحلي والذي يبلغ في المتوسط 43% خلال الفترة من 2005-2017.
·         على الرغم من الارتفاع النسبي لمعدلات التضخم في المملكة قبل الأزمة المالية العالمية، فإن معدلات التضخم الحالية والمتوقعة في المستقبل تعد معقولة وتدور حول نسبة 4% تقريبا سنويا في المتوسط.
·         أن المملكة تحقق إيرادات مرتفعة جدا لصادراتها النفطية، الأمر الذي يرفع من نسبة الإيرادات الحكومية إلى الناتج وكذلك يمكن الحكومة من الاستمرار في برامج للإنفاق الحكومي عند مستويات مرتفعة بالنسبة للناتج المحلي.
·         أن المملكة تحقق فوائض مرتفعة في ميزان مدفوعاتها بالنسبة إلى ناتجها المحلي، مع توقع استمرار تحقيق هذه الفوائض في المستقبل.
·         وأخيرا وهذا هو الأهم، أن نسبة الدين العام للمملكة إلى ناتجها المحلي تعتبر منخفضة جدا حاليا، ويتوقع مع استمرار ارتفاع إيرادات الدولة أن تتناقص هذه النسبة بحيث لا تتجاوز 3% فقط من الناتج في 2017، وهي من أقل المعدلات في العالم.   

الثلاثاء، مايو 15، 2012

التصنيف الائتماني السيادي للدول

نشر في صحيفة الاقتصادية بتاريخ الثلاثاء 15/5/2012
قبل عدة أيام نشرت صحيفة الاقتصادية خبرا عن التصنيف الائتماني السيادي للمملكة الذي أعلنت عنه مؤسسة ستاندارد أند بور للتصنيف الائتماني، والذي أشار إلى استمرار احتفاظ المملكة بتصنيفها الائتماني السيادي المرتفع (AA-) مع نظرة مستقبلية مستقرة للوضع الائتماني للحكومة السعودية. ماذا يعني هذا الكلام؟ وما هي أهمية مثل هذه التصنيفات التي تمنحها مؤسسات التصنيف الائتماني مثل ستاندرد أند بور للدول، وماذا اذا لم يتم تصنيف الدولة بصورة إيجابية؟ وما هي تبعات ذلك؟ وهل يجب بالفعل أن تهتم دول العالم بتصنيفاتها الائتمانية التي تمنحها تلك المؤسسات لها؟ وأخيرا ما هي محددات هذا التصنيف وكيف يتم وضعه للدول؟ أسئلة كثيرة سوف أحاول الإجابة عليها في مقالين عن الموضوع.

مؤسسات التصنيف الائتماني الدولية مثل ستاندرد أند بور وفيتش وموديز تحاول من خلال هذه التصنيفات الائتمانية السيادية أن تقيم قدرة الحكومات على خدمة ديونها في إطار المدى الزمني لتواريخ الاستحقاق المحددة لهذه الديون، أخذا في الاعتبار طبيعة الشروط المتفق عليها بين الحكومة وبين المقرضين لها عند عقد القرض، وباستخدام مجموعة من المؤشرات الكلية يتم تحويل هذا التقييم في صورة تصنيف محدد للدولة يعكس المخاطر السيادية بالنسبة لها، والذي هو في واقع الأمر تقييم لاحتمال توقف دولة ما عن خدمة دينها، وتجدر الإشارة إلى أن احتمال توقف الدولة عن خدمة ديونها لا ينصرف فقط لتوقفها عن سداد مدفوعات الفائدة على الدين أو أقساط الدين، وإنما يشمل أيضا احتمالات عملية تبادل هذا الدين أو إعادة الهيكلة الإجبارية له. من ناحية أخرى تنبغي الإشارة إلى أن التصنيف الائتماني السيادي ينصرف إلى قدرة ورغبة الحكومة المركزية للدولة على احترام التزاماتها نحو المقرضين من المصادر الخاصة (مستثمرين أو مؤسسات ائتمانية خاصة). معنى ذلك أن هذه التصنيفات لا تنصرف إلى الديون التي تعقدها الحكومة مع الحكومات الأخرى أو المؤسسات الدولية متعددة الأطراف مثل البنك الدولي أو صندوق النقد الدولي، وتنشأ المخاطر السيادية عندما تقوم حكومة ما برفض خدمة التزاماتها الخارجية أو أن ترفض الدولة التعاون على استيفاء مثل هذه التعهدات، سواء كانت الدولة قادرة على خدمة ديونها أو في الأحوال التي لا تكون الدولة فيها غير قادرة على خدمة هذه الديون بسبب مصاعب حقيقية تواجهها الدولة، أو في حالات المحاولة من جانب الدولة لفرض شروطها على عمليات إعادة هيكلة الديون أو جدولتها.

دائما ما يصحب التصنيف الائتماني للدولة ما يسمى بالنظرة المستقبلة Outlook للتصنيف الائتماني للدولة، والذي يعكس تقييم مؤسسة التصنيف حول وضع التصنيف الممنوح للدولة في المدى المتوسط (بين سنة إلى 3 سنوات)، والذي يأخذ بشكل عام احد صور ثلاث وهي إيجابي Positive، ويعكس تفاؤل المؤسسة باستمرار احتمالات تحسن أداء الحكومة الائتماني واحتمالات ارتفاع تصنيفها في المستقبل، وسلبي Negative ويعكس تشاؤم المؤسسة باستمرار احتمال تراجع أداء الحكومة وتراجع التصنيف الممنوح لها في المستقبل، ومستقر Stable، ويعكس ثقة المؤسسة باستمرار التصنيف الحالي للدولة كما هو عبر المدى المتوسط.

ترجع أهمية هذه التصنيفات في الاستخدام الواسع لهذه التصنيفات للمخاطر السيادية للدول من جانب المستثمرين على اختلاف أشكالهم، حيث يؤمن المستثمرون بأن هذه التصنيفات تمثل مؤشرات مناسبة لاحتمالات التوقف عن السداد من جانب حكومات الدول المدينة، ويفترض وفقا لهذا التقييم أن تتحدد علاوة المخاطر Risk Premium التي يطلبها المستثمرون على السندات التي تقوم الدولة بإصدارها، وتعطي علاوة المخاطر المطلوبة إشارات حول الحد الأدنى من العائد الذي يطلبه المستثمرون على الاستثمار في سندات الدولة والذي يجب أن يعكس في جانب كبير منه التصنيف المعطى للمخاطر السيادية للدولة.

وتحتفظ كل مؤسسة من مؤسسات التصنيف الائتماني بسلم التصنيف الخاص بها والذي يتشابه على نحو كبير بين هذه المؤسسات مع بعض الفروق الهامشية فيما بينها، ويوضح الجدول رقم (1) درجات التصنيف الائتماني لمؤسسات التصنيف الدولية ستاندرد أند بور وفيتش وموديز، ومن الواضح من الجدول أن هذه التصنيفات هي توليفات من الحروف A حتى D. فبالنسبة لستاندرد أند بور وفيتش أعلى تصنيف ائتماني هو AAA (احتمال التوقف عن خدمة الدين السيادي للدولة صفرا)، وأدنى تصنيف ائتماني هو D (احتمال التوقف عن خدمة الدين السيادي مرتفع جدا)، بينما يتمثل أعلى تصنيف ائتماني لمؤسسة فيتش في التصنيف Aaa وأقل تصنيف ائتماني هو C. وكلما قل تصنيف الدولة ائتمانيا كلما ارتفع احتمال توقف الدولة عن الوفاء بالتزاماتها نحو حملة سندات الدين الخاص بها، ووفقا للجدول فإن هناك مرتبتين للتصنيف، التصنيفات التي تضع الدولة في مرتبة الدول المؤهلة للاستثمار في دينها السيادي، وهي الترتيبات التي تبدأ من AAA  حتى BBB- بالنسبة لستاندرد أند بور وفيتش، ومن Aaa  حتى Baa3 بالنسبة لموديز. أما المجموعة الثانية من التصنيفات فهي تلك التي تضع الدين السيادي للدولة في مرتبة المضاربة عليه لا الاستثمار فيه، وهي التصنيفات التي تبدأ من BB+ حتى D لمؤسستي ستاندرد اند بور وفيتش، ومن Ba1 حتى C بالنسبة لموديز.




بجانب المخاطر السيادية للدول، هناك أيضا نوعان من المخاطر كثيرا ما يستخدمان بشكل متبادل ويؤثران بشكل ما على التصنيف الائتماني الذي تحصل عليها الدولة، وهي المخاطر السياسية Political Risk ومخاطر الدولة Country Risk، وتشمل تأثير الأحداث السياسية مثل الحرب، والمواجهات الداخلية والخارجية للدولة، وتأثير الهجمات الإرهابية، كما تشمل أيضا تأثيرات العوامل الاجتماعية مثل عدم الاستقرار المدني نتيجة للعوامل الأيديولوجية والمواجهات العقائدية، أو عدم العدالة في توزيع الدخل. ويتمثل تأثير المخاطر السياسية في أثرها المتوقع على احتمال أن تقوم الدولة المدينة بفرض قيود على الصرف الأجنبي أو قيودا على تحركات رؤوس الأموال أو أن تقوم الدولة بفرض ضرائب إضافية على المستثمرين، أو في أسوأ الأحوال أن تقوم بتجميد الأصول المملوكة للمستثمرين أو مصادرتها، ومثل هذه التصرفات يمكن أن تحمل آثارا كارثية على العوائد المتوقعة للاستثمارات، أما مخاطر الدولة فهي احتمالات التعرض لخسائر نتيجة تحقق مخاطر محددة تقع معظمها تحت سيطرة الحكومة والتي يحتمل أن تؤثر سلبا على مناخ الاستثمار في الدولة بالنسبة للشركات العاملة فيها. 

هناك اتفاق بين المراقبين على أن مؤسسات التصنيف العالمية فشلت في التنبؤ بالأزمات العالمية، كما استندوا أيضا في ذلك إلى عمليات التصنيف التي تمت بعد الأزمة والتي خفضت التصنيفات الائتمانية للعديد من الدول والمؤسسات الدولية، بل إن بعض عمليات تخفيض التصنيفات قد أسهمت في زيادة عمق الأزمة، ومن المؤكد أن اعتمادية عمليات التصنيف تعد شرطا في غاية الأهمية للثقة في مثل هذه التصنيفات، ومع ذلك فإن الكثير من هذه التصنيفات فاقد المصداقية في الكثير من المحافل، وأعتقد أن مؤسسات التصنيف الائتماني أمامها وقت طول وتجارب عملية لا بد وأن تجتازها بنجاح حتى يمكن الثقة في مصداقية التصنيفات التي تمنحها هذه المؤسسات بصورة سنوية لاقتصاديات العالم المختلفة. اليوم تراجع مؤسسات التصنيف الائتماني معايير تقييمها، واصبح البعض منها أكثر جرأة في انتهاك محرمات عمليات التصنيف على المستوى الدولي، مثل ستاندرد أند بور التي قامت بتخفيض التصنيف السيادي للولايات المتحدة لأول مرة في التاريخ في أعقاب عمليات رفع سقف الدين السيادي للولايات المتحدة التي جرت في العام الماضي.

والآن ما الذي يحدد درجة التصنيف التي تحصل عليها الدولة، مثل المملكة؟ هذا هو موضوع المقال القادم حول الموضوع بإذن الله تعالى.

السبت، مايو 12، 2012

منطقة اليورو بين الحاجة إلى النمو وضرورة التقشف 2/2

نشر في صحيفة الاقتصادية بتاريخ الجمعة 11/5/2012

في مواجهة تصاعد أزمة الديون في أوروبا انصرف اهتمام صناع السياسة الاقتصادية في أوروبا، وكذلك وصفات العلاج المقترحة من صندوق النقد الدولي، على ضرورة انتهاج الدول المدينة في منطقة اليورو لسياسات التقشف المالي Austerity، تتمثل سياسات التقشف المالي في ضرورة خفض مستويات الإنفاق الحكومي ورفع إيرادات الضرائب بهدف السيطرة على العجز المالي أو الحد من تصاعد معدلاته إلى الناتج المحلي الإجمالي. السيناريوهات المتاحة حاليا تشير إلى أن دول المنطقة تسير بالفعل في هذا الجانب، على سبيل المثال يوضح الجدول رقم (1) نسبة عجز الميزانية إلى الناتج المحلي في دول منطقة اليورو وتوقعات نسبة العجز إلى الناتج حتى عام 2013، ومن الجدول يلاحظ ميل معدلات العجز إلى الناتج المحلي في دول منطقة اليورو نحو التراجع بصورة واضحة بصفة خاصة في دول الـ PIIGS بفعل الأثر المتوقع لهذه السياسات التقشفية.
قد تبدو سياسات التقشف جذابة من الناحية النظرية للسيطرة على النمو في الدين العام ووضع المالية العامة للدول نحو السيطرة، غير أن المشكلة هي أن تلك السياسات سوف تكون مكلفة جدا للدول المدينة، لأنها سوف تخفض مستويات الطلب الكلي، على سبيل المثال فإن رفع معدلات الضريبة سوف يخفض مستويات الدخل بعد الضريبة، كما أن خفض مستويات الإنفاق الحكومي سوف يقلل الإنفاق الكلي وكلاهما يؤديان إلى خفض معدلات النمو ومن ثم رفع معدلات البطالة. كذلك ارتفعت درجة عدم الاستقرار السياسي في الكثير من الدول المدينة نتيجة لسياسات التقشف، فالآلاف من الناس تنزل الشوارع من وقت لآخر في الدول المدينة اعتراضا على عمليات الخفض المتزايد في الإنفاق الحكومي والتي تؤثر بصولة سلبية على خدمات التعليم والصحة وغيرها من الخدمات العامة، كما لم تتمكن الأحزاب التي وقعت اتفاقيات الإنفاذ التي صاحبها تطبيق السياسات التقشفية من تشكيل حكومة أغلبية في اليونان، أكثر من ذلك فإن العزم السياسي نحو رفض خطط التقشف يتصاعد في كافة أنحاء المنطقة.


من الواضح أن الروشتة التي تتبعها منطقة اليورو حاليا ليست الروشتة المناسبة، فعلاج مشكلات المنطقة ليس في تبني سياسات تقشفية وإنما العلاج الصحيح للمشكلة الأوروبية هو في دعم النمو وليس في تعطيله، فمنذ عدة أيام نبه ماريو دراغي محافظ البنك المركزي الأوروبي إلى "أن التقشف الذي تتبعه دول المنطقة بدأ يترك آثاره الانكماشية على اقتصاديات المنطقة". فما سيحدث من الناحية الفعلية هو أن برامج التقشف ربما تقلل من عجز الميزانية على نحو أولي في البداية، غير أن تراجع النمو سوف يؤدي إلى تعقد الوضع وزيادة العجز على نحو معاكس لا حقا.
انتهاج سياسات تقشفية وتراجع معدلات النمو لا يقتصر أثره على الدول التي تطبق مثل هذه السياسات، وإنما ينتقل أثره إلى الدول الأخرى من خلال قنوات التجارة. فأخذا في الاعتبار ارتفاع مستويات التجارة البينية بين الدول الأوروبية وارتفاع نسبة القطاع الخارجي إلى الناتج المحلي، بل واعتماد النمو في جانب كبير منه في الكثير من الحالات على الصادرات، فإن السياسات التقشفية تعقد من المشكلة الأوربية وتؤدي إلى انتقالها من الدول المدينة إلى الدول الأخرى ذات الأوضاع المالية الأفضل نسبيا. ذلك أن قيام مجموعة ما من الدول باتباع سياسات تقشفية يؤثر سلبا على صادرات الدول الأخرى إليها ومن ثم معدلات النمو في الدول المصدرة. على سبيل المثال فإن النمو الألماني قائم أساسا على قطاع التصدير، ومن ثم فإن اتساع صافي صادرات ألمانيا يعكس بدرجة كبيرة ازدياد الطلب من الدول الأخرى في أوروبا، واتباع الدول المدينة لسياسات تقشفية يقلل من قدرة ألمانيا على التصدير ومن ثم على معدلات النمو المحققة فيها.
مما يعقد أوضاع منطقة اليورو هو أن الدول المدينة تواجه مشكلة صعوبة الوصول إلى الأسواق المالية وعدم القدرة على الحصول على احتياجاتها المالية بمعدلات فائدة معقولة، وارتفاع معدلات الفائدة يضر الأسواق ويضر أيضا بالنمو، المطلوب الآن لأوروبا توفير التمويل المناسب للدول المدينة بهدف رفع درجة الثقة في أداء هذه الدول، ومن ثم الحد من معدلات العائد المطلوبة على قروضها الأمر الذي يقلل من تكلفة الاقتراض وفي ذات الوقت يرفع من معدلات النمو.  
في الحالة الأوروبية حيث ترتفع معدلات العائد المطلوب على ديون هذه الدول فإن التقشف يزيد الأمور سوء ويعقد أوضاع الدول المدينة. فوفقا للنظرية الاقتصادية الكلية في مجال السياسة المالية فإن هناك علاقة بين معدل الفائدة على الدين العام ومعدل النمو الاقتصادي للدولة، إذ لا بد وان يكون معدل النمو الاقتصادي للدولة أكبر من معدل العائد على سندات الدين بصورة كافية لخفض أثر مدفوعات الفائدة على أعباء الدين العام، وفي جميع الأحوال ينبغي ألا يزيد معدل الفائدة على سندات الدين العام عن معدل النمو لأنه في هذه الحالة سوف يصبح الدين العام خارج نطاق السيطرة، ماذا يعني ذلك بالنسبة للحالة الأوروبية؟ دول اليورو كما ذكرنا في المقال السابق تواجه تراجعا حادا في معدلات النمو وبعضها يحقق معدلات نمو سالبة، في الوقت الذي تميل فيه معدلات العائد على سندات الدين العام لهذه الدول نحو التصاعد، وهو ما يعني أن مشكلة الدين العام في هذه الدول سوف تتجه نحو التفاقم من خلال السياسات التقشفية.
الجميع في منطقة اليورو متفق اليوم على ضرورة استعادة دوران عجلة النمو في المنطقة، ومعالجة البطالة التي تميل نحو الارتفاع، والأكثر من ذلك مواجهة المخاطر التي تلاحق النظام المصرفي الأوروبي، على سبيل المثال قال فرنسوا هولاند الرئيس الفرنسي المنتخب أنه سيحاول أن يتفاوض على حزمة من الإجراءات التي تهدف إلى دفع النمو وفي ذلك الوقت الدفع بمشروع الاتحاد المالي الذي يمكن الاتحاد الأوروبي من أن يفرض على الدول الأعضاء في منطقة اليورو حدودا على العجز المالي الذي يمكن أن تحققه الدول الأعضاء.
هناك أيضا إشارات توحي بأن البنك المركزي الأوروبي ربما يستعد لإطلاق دورة جديدة من السياسات النقدية المتراخية، وان كانت الملامح العامة لهذه السياسات غير واضحة بعد، فقد يلجأ البنك المركزي الأوروبي إلى زيادة عرض النقود لتحفيز معدلات النمو في المنطقة من خلال تخفيض معدلات الفائدة، أو لخفض معدلات صرف اليورو للمساعد على رفع تنافسية أوربا التجارية. شخصيا لا أعتقد أن خفض معدلات الفائدة سوف يكون ذات تأثير جوهري في دفع عجلة النمو في الاقتصاد الأوروبي، فمعدلات الفائدة في ظل الظروف الحالية تتوقف عن أداء الدور المتوقع أن تؤديه في تحفيز مستويات الطلب الكلي أخذا في الاعتبار أقصى مدى يمكن تخفيض معدلات الفائدة خلاله، والذي ربما لن يتجاوز ربع إلى نصف في المئة.
البنك المركزي الأوروبي بجانب خفض معدلات الفائدة يمكنه أيضا اللجوء إلى خيار تفعيل برنامج شراء السندات الذي توقف البنك عنه خلال الأسابيع الماضية. غير أنه ينبغي التنبيه إلى أن المشكلة الأساسية هي أن حزمة دفع النمو لا بد وان تتضمن مجموعة من التعديلات الهيكلية في هذه الاقتصاديات لجعلها أكثر ملائمة لمناخ الأعمال الذي يرفع من مستويات تنافسيتها ويعزز قدراتها التصديرية.
الخلاصة هي إن ما تحتاج إليه أوربا اليوم هو الاهتمام أساسا بالسياسات المحفزة للنمو لكي تتمكن من التعامل مع أزمة الديون السيادية فيها وترتفع قدرة الدول المدينة على خدمة تلك الديون لا أن تتقشف فينحسر النمو فيها وتتعقد أوضاع هذه الدولة على النحو الذي نراه حاليا.