الأحد، سبتمبر 30، 2012

بوادر اندلاع حرب عملات في العالم

نشر في صحيفة الاقتصادية يوم الجمعة 28/9/2012

يشهد العالم حاليا سباقا محموما نحو التسهيل النقدي في المراكز الرئيسة في العالم، حيث أعلن البنك المركزي الأوروبي بدء برنامج لشراء سندات الدول المدينة في أوروبا دون حد أقصى، بالنسبة للبنك المركزي الأوروبي، هذا لا يعني أن البنك المركزي الأوروبي سيباشر بعملية تيسير كمي، وإنما هي عملية تهدف إلى شراء السندات بكميات غير محددة وذلك لرفع فرص إنقاذ الدول التي تعاني أزمة ديون سيادية. في الأسبوع ذاته أعلن الاحتياطي الفيدرالي إطلاق موجة جديدة من التيسير الكمي والتي تناولناها بالتفصيل في مقالين قبل أسبوعين بعنوان ''تساؤلات حول خطة التيسير الكمي 3''. يكمن الفرق بين البرنامج الأوروبي وخطة الاحتياطي الفيدرالي في أن برنامج الشراء الذي سيقوم به البنك المركزي الأوروبي سيصاحبه عمليات لتعقيم تلك المشتريات من خلال امتصاص الكميات الزائدة من اليورو، لكن ذلك لن يمنع المستثمرين في أوروبا من توجيه استثماراتهم نحو أوجه الاستثمار مرتفعة المخاطرة مثل المضاربة في عملات الدول الناشئة.
في الأسبوع التالي فاجأ البنك المركزي الياباني الأسواق بإعلانه موجة أخرى من التسهيل النقدي هو الآخر، حيث قرر بنك اليابان المركزي إضافة 128 مليار دولار لبرنامجه لشراء السندات، فمع ارتفاع قيمة الين الياباني نتيجة السياسات التوسعية الأمريكية تتعقد مشكلة اليابان، حيث سيتراجع الطلب الكلي بفعل تراجع صافي صادراتها. لذلك قرر البنك المركزي الياباني عدم الانتظار واتخاذ إجراءات عاجلة لمواجهة تلك الإجراءات.
في الأسبوع ذاته أعلنت الصين خطوة مماثلة للتسهيل النقدي من خلال إعلان البنك المركزي الصيني نيته ضخ نحو 100 مليار رينمنبي، وكانت الصين قد أبدت قلقها أيضا من الإجراءات التي اتخذها الاحتياطي الفيدرالي، على أساس أن تراجع قيمة الدولار الأمريكي سيرفع من قيمة اليوان وهو ما يؤثر على سوق الصادرات الصينية، كما أن الصين قلقة أيضا على القيمة السوقية لاستثماراتها، حيث يترتب على قرارات الاحتياطي الفيدرالي تخفيض قيمة السندات الأمريكية التي تملكها الصين حاليا.
الإجراء الذي اتخذه الاحتياطي الفيدرالي بإطلاق التيسير الكمي 3 لا بد أن يؤثر على الدولار بالتراجع، فإن كان هذا التراجع جوهريا إلى الحد الذي يؤثر على تنافسية صادرات الدول المنافسة للولايات المتحدة، فإن باقي دول العالم ربما تنظر إلى التيسير الكمي على أنه وسيلة للحد من صادراتها لصالح الولايات المتحدة أو الدول المنافسة لتلك الدول، مثل هذه النتيجة، في ظل عالم يعاني تراجع النمو فيه على نحو كبير، ستغري بعض المتنافسين على القيام بإجراء انتقامي، خصوصا أن الضغوط في المرحلة الحالية تعد كبيرة للغاية، فأوروبا تواجه مشكلات حادة في النمو، والاقتصاد الصيني يواجه تراجعا واضحا بالمقاييس التاريخية، بينما تواجه الهند انحسارا في النشاط الاقتصادي، وكذلك الحال في الدول الناشئة في العالم، في الوقت الذي لا تنمو فيه اليابان حاليا.
ولكن كيف يؤدي التسهيل النقدي إلى ارتفاع عملات الدول الأخرى التي لا تقوم بعمل أي تسهيل نقدي، الإجابة هي أنه مع ازدياد موجات التسهيل النقدي من المتوقع أن يتحول جانب من هذا التوسع للمضاربة في أسواق الدول الناشئة، وهو ما يؤدي إلى ارتفاع قيمة عملاتها، ولقد كانت ردة الفعل تجاه هذه النقطة الأخيرة من جانب البرازيل يوم الجمعة الماضي هي الأكثر عنفا على الإطلاق، حيث هددت بشن حملة على رأس المال الأجنبي الذي يدخل البرازيل بهدف المضاربة، كما أصدرت تحذيرا على لسان وزير ماليتها من احتمال نشوب حرب للعملات بسبب قيام البنوك المركزية الغربية بطباعة النقود. فقد أشار وزير المالية مونتيجا إلى أن قرار الاحتياطي الفيدرالي بإطلاق موجة ثالثة من التيسير الكمي، والذي تبعه إجراء مماثل من اليابان، سيحيي الضغوط نحو حرب العملات من خلال ردود أفعال الدول لاتخاذ ما يلزم للدفاع عن عملاتها وحماية اقتصاداتها.
إنه نفس التحذير الذي سبق أن أطلقته البرازيل من احتمال حدوث حرب للعملات في 2010 على لسان وزير المالية والذي أشار هذه المرة إلى أن البرازيل لن تسمح بارتفاع قيمة عملتها كنتيجة للتحفيز النقدي الذي تقوم به الولايات المتحدة والدول المتقدمة الأخرى، وأن البرازيل في حالة الضرورة ستقوم بفرض ضرائب على رؤوس الأموال قصيرة الأجل الرامية إلى الاستثمار في السندات والأسهم في البرازيل، وذلك لحماية الريال البرازيلي من الارتفاع.
مما لا شك فيه أن هذه التصريحات تعكس تصاعد الضغوط بين البرازيل والولايات المتحدة حول سياساتها النقدية المتسيبة والتي تسبب زيادة وارداتها من الخارج بسبب ارتفاع قيمة عملتها نتيجة عمليات التسهيل النقدي الحادث في العالم حاليا، واستجابة لهذه الضغوط قام البنك المركزي البرازيلي بالتدخل في سوق النقد الأجنبي للحفاظ على المعدل المستهدف بين الريال والدولار الأمريكي عند ريالين، فقد كان الريال البرازيلي قد تجاوز هذه المستويات المستهدفة في أعقاب أخبار التيسير الكمي، من ناحية أخرى قام البنك المركزي البرازيلي بخفض معدلات الفائدة إلى أدنى مستوياتها عند 7.5 في المائة، وحذر مونتيجا من أنه لن يسمح للاقتصاد البرازيلي الذي يواجه بطئا في النمو منذ 2010 بأن يصبح غير تنافسي، مشيرا إلى أن برنامج التيسير الكمي لن يكون له سوى تأثير هامشي لأن الولايات المتحدة لا تنقصها السيولة، كما أن السيولة لا تتوجه نحو الإنتاج، ومن ثم سيترتب على المزيد من السيولة خفض قيمة الدولار لدعم صادرات الولايات المتحدة.
في باقي دول العالم نجد أن البنك المركزي السويسري ما زال يتبع سياسة التسهيل لتجنب مخاطر الانكماش، ونفس الحال بالنسبة للبنك المركزي الأسترالي والبنك المركزي السويدي، كذلك قام البنك المركزي في الفلبين وتايلاند وبيرو بشراء الدولار لإضعاف العملة المحلية. بينما خفضت جنوب إفريقيا من معدلات الفائدة فيها بخمسين نقطة، وكذلك قامت تركيا بخفض الحد الأعلى لمعدل الفائدة، كما خفضت الهند معدل الاحتياطي القانوني على المودعات في بنوكها، وأعلنت كوريا الجنوبية أنها ستخفض معدل الفائدة لخفض معدل صرف عملتها مع الدولار، في الوقت الذي أعلنت فيه تايوان ونيجيريا وإندونيسيا قلقها من التحرك الذي قام به الاحتياطي الفيدرالي الذي سيترتب عليه تدفق النقود إلى الدول الناشئة، والتي يمكن أن تهدد الاستقرار المالي لهذه الدول.
من الواضح أن العالم أصبح يسبح اليوم فوق تسونامي نقدي نتيجة سياسات التسهيل النقدي التي تأخذ أشكالا عدة حاليا. التسهيل النقدي يهدف كما سبق أن ذكرنا أكثر من مرة، يهدف إلى رفع مستوى النشاط الاقتصادي من خلال جعل تكلفة الائتمان منخفضة، أو ما يسمى سياسة النقود الرخيصة، غير أن خطورة انتشار التسهيل النقدي على هذا النطاق الواسع تتمثل في أنه يمهد الساحة العالمية أمام جولة جديدة من المنافسة بين العملات الرئيسة في العالم، وربما يؤدي ذلك إلى انطلاق حرب للعملات بين القوى الاقتصادية الكبرى في العالم، خصوصا أننا في وقت أزمة وهي بكل تأكيد تعتبر ظروفا مثالية لانطلاق هذه الحرب.
لقد أصبح من الواضح في عالم اليوم أن أي دولة لا تقدم على التسهيل النقدي سوف تجد عملتها تميل نحو الارتفاع بالنسبة للدولار والعملات الأخرى، وهو ما يؤثر على تنافسيتها، ولن تسكت دول العالم عن ذلك، المشكلة أن ذلك الأمر سوف يضع ضغوطا على الدول بأن ترد على مثل هذه السياسات لحماية عملاتها، وهو ما يمكن أن يجبر دول العالم على الدخول في سلسلة غير منضبطة من تخفيض العملات والتخفيض المضاد، ويمكن أن تنتقل هذه الموجة العالمية من تخفيض العملات من دولة إلى أخرى على نفس سياق التسابق في تخفيض قيمة العملات الذي حدث في فترة ما بين الحربين العالميتين، ومما لا شك فيه أن التحرك الذي قام به الاحتياطي الفيدرالي وردود الفعل من الكثير من البنوك المركزية في العالم تمثل جميعها إشارات لاحتمالات قيام حرب عملات بين المراكز التجارية الرئيسة في العالم.

الجمعة، سبتمبر 28، 2012

انخفاض الحوافز نحو الزواج في أمريكا

الأمريكان اصبحوا لا يفضلون الزواج، وتزايد نسب العزاب في أمريكا بصورة واضحة

 http://cafehayek.com/2012/09/changing-family-structure.html

من هم أكبر سكان العالم سنا

إشارات ضعف الاقتصاد العالمي

أربع عشرة إشارة على أن الاقتصاد العالمي يضعف

 

هل بدأ تصحيح أسعار الذهب

هل بدأت عمليات تصحيح أسعار الذهب؟؟ إقرأ هذا التقرير
http://www.minyanville.com/sectors/precious-metals/articles/gold-gold-prices-price-of-gold/9/27/2012/id/44486

حمل هذا التقرير

حمل هذا التقرير لأوكسفام عن التغير المناخي وأسعار الغذاء
http://www.oxfam.org/sites/www.oxfam.org/files/20120905-ib-extreme-weather-extreme-prices-en.pdf

أسعار الذهب بالعملات المختلفة

أسعار الذهب منذ بداية الأزمة بالعملات الرئيسة : لاحظ أن الفروق في الأسعار تعود الى تغير سعر العملات بالدولار، اي أن الين والفرنك السويسري هي أكثر العملات ارتفاعا بالنسبة للدولار، والعكس بالنسبة للاسترليني
 
 

المرحلة الثالثة من أزمة اليورو

المرحلة الثالثة من أزمة اليورو، الخلل الهيكلي بين الشمال والجنوب في الاتحاد النقدي
 
http://www.project-syndicate.org/commentary/northern-southern-europe-european-union-by-j--bradford-delong

طلبة نظرية اقتصادية كلية

طلبة نظرية اقتصادية كلية: إقرأ هذا المقال عن فجوة الناتج

http://macroblog.typepad.com/macroblog/2012/09/how-big-is-the-output-gap-more-perspectives-from-our-business-inflation-expectations-survey.html

حمل هذه الدراسة

حمل هذه الدراسة لصندوق النقد الدولي بعنوان

Gulf Cooperation Council Countries: Enhancing Economic Outcomes in an Uncertain Global Economy
على هذا الرابط:
http://www.imf.org/external/pubs/ft/dp/2011/1101mcd.pdf

رسالة صينية خطيرة إلى سوق السندات الأمريكية

نشر في صحيفة الاقتصادية يوم الثلاثاء 25/9
 
الصين لم تعد فقط دولة عملاقة اقتصاديا أو عسكريا، إنما أصبحت أيضا دولة عملاقة ماليا، حيث تعد من الناحية المالية أقوى اقتصاد في العالم من زاوية تحقيقها أكبر فائض تجاري على المستوى الدولي، وأكبر قدر من الاحتياطيات المالية في العالم، وفيما يبدو أن الصين بدأت تلوح من وقت إلى آخر باللجوء إلى الحرب الاقتصادية كأحد الأسلحة التي يمكن أن تكون فاعلة في عالم اليوم، فقد دعت الصين من قبل دول العالم إلى وقف استخدام الدولار الأمريكي كعملة لتسوية المعاملات الدولية، كما قامت بإبرام بعض الاتفاقيات مع بعض الدول من بينها اليابان لتسوية المعاملات التجارية باستخدام عملاتها الخاصة، الذي يعد خطوة عملية ضد استخدام الدولار كعملة رئيسية لتسوية المبادلات التجارية.
تمر العلاقات السياسية بين كل من الصين واليابان بمرحلة صعبة في الوقت الحالي بسبب النزاع الجاري حاليا حول الجزر الموجودة في بحر الصين الشرقي في أرخبيل دياويو التي تسيطر عليها اليابان والمملوءة بالموارد الطبيعية، التي يعتقد أنها تحوي كميات كبيرة من النفط في باطن البحر. فقد تناقلت يوم الثلاثاء الماضي بعض الوكالات أخبارا عن احتمال شن الصين حربا اقتصادية ضد اليابان، فوفقا للتليجراف نصح أحد مستشاري الحكومة الصينية بأن تستخدم الصين قوتها كأكبر مقرض لليابان كي تفرض عقوبات اقتصادية عليها حتى تركع اليابان وبحيث تطفو أزمتها المالية على السطح وترجع عن قراراتها الخاصة بالجزر المتنازع عليها بين الصين واليابان. من ناحية أخرى هناك تسريبات بأن الصين تخطط لحرمان اليابان من إمدادات المعادن النادرة التي تعد أكبر منتج لها في العالم، وإذا فعلت الصين ذلك فإنها يمكن أن تخنق عرض هذه المعادن للصناعات العالية التقنية في اليابان. ومن وجهة نظري فإن أخطر ما في توصيات المستشار الصيني هو حث الحكومة الصينية على الهجوم على سوق السندات اليابانية وبيع السندات اليابانية بحرق سعري.
من المؤكد أن الحرب الاقتصادية بين اليابان والصين ستكون سلاحا ذا حدين، حيث سيتأثر سلبا كل من الاقتصاد الصين واليابان، فاليابان تمثل ثاني أكبر مصدر للاستثمارات إلى الصين، والصين تحتاج بالطبع إلى تدفقات الاستثمارات الأجنبية المباشرة من اليابان، التي تحمل معها ليس فقط رأس المال، إنما أيضا تدفقات التكنولوجيا الحديثة التي تفتقدها الصين، في الوقت ذاته تحتاج اليابان إلى السوق الصينية لتصريف المنتجات اليابانية، ومثل هذه الاضطرابات في العلاقات بين الدولتين تؤثر بصورة سلبية في تدفقات الاستثمارات من اليابان والتجارة فيما بين البلدين مثلما حدث في الماضي، على سبيل المثال انخفضت الاستثمارات اليابانية في الصين بنسبة 30 في المائة خلال عامي 2005-2006 مع تصاعد المسيرات الشعبية الصينية ضد اليابان. كذلك تعد الصين أكبر شريك تجاري لليابان، بينما تمثل اليابان ثالث أكبر شريك تجاري للصين، حيث تقدر التجارة البينية بين البلدين بنحو 340 مليار دولار، في الوقت الذي تمثل فيه التجارة مع الصين نحو 20 في الملئة من إجمالي التجارة الخارجية اليابانية، وهو ما يمثل ضعف مستوى التجارة بين اليابان والولايات المتحدة.
من ناحية أخرى، ربما قد ينظر البعض إلى أن اشتعال الحرب الاقتصادية بين اليابان والصين قد يكون في صالح أطراف تجارية أخرى مثل أوروبا والولايات المتحدة، أو حتى بعض الدول في المنطقة، على سبيل المثال يمكن أن تتحول الواردات اليابانية من الصين إلى دول أخرى في المنطقة مثل تايوان وإندونيسيا، لكن وجهة النظر هذه لا تأخذ في الاعتبار الآثار الانكماشية للحرب على النمو في كلا البلدين وعلى العالم، وأن الوقت الحالي لا يمثل ظروفا مثالية لمثل هذه التطورات على الإطلاق.
أعتقد أن النزاع الصيني اليابان لن تقتصر آثاره في البلدين، إنما ستمتد أيضا إلى المنطقة بأكملها، وربما العالم أجمع، فالإعلان عن الحرب الاقتصادية بين الدولتين سيمثل تراجعا كبيرا عن الخطوات التي تم اتخاذها من أجل مزيد من التعاون التجاري بين الدولتين، على سبيل المثال فإن الدولتين حاليا تتبادلان الصفقات التجارية بصورة مباشرة من خلال استخدام الين واليوان حيث يمكن لليابان أن تدفع بالين وتقبل اليوان، وكذلك الحال بالنسبة للصين، وهي إحدى الخطوات الرئيسة التي اتخذتها الصين لتحرير اليوان.
غير أنني أعتقد أن أخطر ما تمت الإشارة إليه في التقارير المنشورة هو الدعوة إلى استخدام المحفظة الصينية في الهجوم على سوق السندات اليابانية. فعلى الرغم من أن الدين الياباني معظمه مصدر بالين ولمؤسسات محلية، إلا أن هناك نحو 8.3 في المائة من هذا الدين مملوك بواسطة الأجانب، وعلى رأس الدائنين الأجانب لليابان تقع الصين في المركز الأول، فالصين تحتفظ بكمية كبيرة من السندات الحكومية اليابانية، ووفقا لإحصاءات البنك المركزي الياباني، فإن كمية السندات التي تحتفظ بها الصين من السندات اليابانية بما في ذلك أذون الخزانة قصيرة الأجل بلغت أخيرا أعلى مستوياتها في التاريخ، حيث تمتلك نحو 230 مليار دولار من السندات اليابانية، بحيث أصبحت أكبر محتفظ أجنبي بالسندات اليابانية.
بما أن الصين هي أكبر مقرض خارجي لليابان، فإنها عندما تقوم ببيع هذه السندات في السوق دفعة واحدة وبحرق أسعار، ستنخفض أسعار هذه السندات بصورة كبيرة، وهو ما سيقلل من جاذبية هذه السندات بالنسبة للمستثمرين في الداخل والخارج من جهة، ويجهض السياسات الحالية للحكومة اليابانية بالتوسع النقدي لخفض معدلات الفائدة والحفاظ على قيمة منخفضة للين الياباني من جهة أخرى، وهي آثار تحمل في مجملها تداعيات خطيرة على الاقتصاد الياباني الذي يواجه مشكلات في استعادة النشاط حاليا.
لكن هل يمكن أن تقدم الصين على هذا الخيار؟ في رأيي - أن احتمال اللجوء إلى الطرق الدبلوماسية لتصفية الخلافات هو السيناريو الأقرب إلى الحدوث، ذلك أن قيام الصين في هذه المرحلة الدقيقة جدا في كلا البلدين بإعلان الحرب الاقتصادية على اليابان ستكون له تأثيرات سلبية في النمو الصيني المتراجع من ناحية، كما أنه يمكن أن يجهض الجهود التي تبذلها اليابان حاليا من خلال التوسع النقدي لدفع النشاط الاقتصادي من ناحية أخرى، بل من الممكن أن يشيع حالة من التوقعات التشاؤمية حول مسار التعافي الاقتصادي في كلا البلدين، وهو ما يمكن أن تنتشر عدواه إلى باقي دول العالم. الحرب الاقتصادية إذن ستؤدي إلى خسارة صافية للبلدين ومن ثم للعالم أجمع الذي يسعى إلى تحسين التوقعات المستقبلية حول النمو، والذي تلعب فيه كل من الصين واليابان دورا محوريا باعتبارهما ثاني وثالث أكبر اقتصاديات العالم.
لكني أنظر إلى الموضوع من زاوية أخرى، فالحديث عن ردود الأفعال الانتقامية التي قد تفكر فيها الصين من الناحية الاقتصادية توضح بجلاء مدى الخطورة التي أصبحت تمثلها الصين على المستوى الدولي كعملاق اقتصادي ومالي، فبحكم امتلاكها أكبر قدر من الاحتياطيات على المستوى الدولي، فإن الصين تمتلك قدرا كبيرا من سندات العديد من الدول وعلى رأسها الولايات المتحدة. وبالتالي فإن امتلاكها لقدر كبير من السندات لأي دولة في العالم، أصبحت الصين بعد هذه الدعوات تمثل خطرا على الدول المدينة، وإذا أخذنا في الاعتبار أن الصين هي أكبر دائن للولايات المتحدة، فإن الصين حاليا قادرة على تدمير سوق السندات الأمريكية إذا ما هجمت عليه في أي وقت، وعلى ذلك فإن مجرد التلويح أو الدعوة إلى التلويح بالهجوم على سوق السندات اليابانية يرسل رسالة في غاية الأهمية للإدارة الأمريكية، بأن الصين أكبر حائز للسندات الأمريكية يمكنها أن تلجأ إلى هذا الخيار إذا ما أرادت في وقت ما في المستقبل، وذلك إذا ما أملت الظروف ضرورة القيام بذلك، ومن ثم فإن على الولايات المتحدة أن تكون أكثر حذرا في تعاملها مع الصين، وألا تحاول إغضابها حتى لا تصب الأخيرة جام غضبها على سوق السندات الأمريكية.

حقائق قاسية بشأن النمو العالمي

مقال متميز، اقرأ المزيد

هل تخرج ألمانيا من اليورو

الحديث بدأ في التزايد هذه الأيام عن احتمالات خروج ألمانيا من الاتحاد النقدي الأوروبي، بل إن بعض الكتاب ذكر أنها ربما تخرج قبل اليونان. (رأيي لا أعتقد). اقرأ المزيد

الثلاثاء، سبتمبر 25، 2012

التيسير الكمي والوظائف

وجهة نظر، التيسير الكمي يؤدي الى فتح وظائف، ولكن هذه الوظائف في وول ستريت فقط، وليس في باقي انحاء أمريكا: إقرأ المزيد.

التسهيل النقدي العالمي

التسهيل النقدي العالمي: البنك المركزي الصيني يضخ 290 مليار رينمنبي، ليس فقط الاحتياطي الفدرالي هو الذي يتبع سياسة النقود الرخيصة، أيضا الصين واليابان. إقرأ المزيد

التحديات التي تواجه امريكا في التعامل مع دول الربيع العربي

يتناول هذا التقرير ثلاث تحديات رئيسية تواجه أمريكا في التعامل مع دول الربيع العربي، إقرأ المزيد:

التيسير الكمي3 هو سوء استخدام صارخ للسلطة.

التيسير الكمي3 هو سوء استخدام صارخ للسلطة. وجهة نظر إقرأ المزيد:

الاثنين، سبتمبر 24، 2012

فنون تجنب الضريبة

مايكروسوف تستخدم شركاتها التابعة في مراكز الأوفشور لتتجنب دفع 6.5 مليار دولارا من الضرائب، والدين الأمريكي يرتفع، اقرأ المزيد

هل الانفاق الاستهلاكي الأمريكي هو منقذ العالم؟

وجهة نظر ربما تكون صحيحة الى حد كبير: الانفاق الاستهلاكي الأمريكي هو الذي ينقذ العالم اقتصاديا. إقرأ المزيد

توقعات باستمرار تراجع النمو الصيني

 محمد العريان: النمو الصيني سينخفض الى 6.5% في العام القادم، هذا المعدل أقل من المعدل المستدام للصين، وإن حدث هذا التوقع ستزداد أوضاع العالم سوءا. إقرأ المزيد

كم سيكون حجم التيسير الكمي 3

جولدمان ساكس يتوقع أن يتراوح التيسير الكمي3 بين 1.2 الى 2 تريليون دولارا، أعتقد هذا التقدير مبالغ فيه. إقرأ المزيد

الأحد، سبتمبر 23، 2012

لقاء مع وكالة الأنباء الكويتية

خبير اقتصادي: زيادة نسبة استقطاع صندوق "الاجيال" ستحسن من كفاءة المالية العامة
 
كونا) - أكد استاذ الاقتصاد في جامعة الكويت الدكتور محمد السقا صحة قرار الحكومة بزيادة نسبة الاستقطاع من ايرادات الدولة (من 10 الى 25 بالمئة) وتحويلها الى صندوق الاجيال القادمة متوقعا ان يشجع القرار الحكومات المتعاقبة على تحسين المالية العامة للدولة ورفع كفاءة الانفاق العام.

وقال الدكتور السقا اليوم ان تخصيص ربع الايرادات العامة للدولة لمصلحة صندوق الاجيال القادمة سيجبر الحكومات في المستقبل (في حال استمر الاستقطاع بالنسبة الجديدة) على ان تتحرك في نطاق مالي اضيق "وعندها ستكون اكثر حذرا في الاستجابة لزيادات الدخول غير المبررة واكثر جدية في التحول الى الاعتماد على مصادر اخرى بديلة للايرادات العامة".

ولفت الى انه جاء الوقت لاحداث قدر من العدالة بين الاجيال في اقتسام الثروة النفطية مبينا انه وفقا للنظام المتبع في الوقت الحالي "يمكن ان يستأثر الجيل الحالي ب90 في المئة من الثروة النفطية بينما تخصص نسبة 10 في المئة فقط من هذه الثروة للاجيال القادمة ما يعد غبنا ويتنافى مع مبادئ المحاسبة العادلة بين الاجيال".

ورأى ان من دواعي تأكيده صحة قرار الحكومة بزيادة نسبة الاستقطاع هي اسراف الجيل الحالي في استخدام الثروة النفطية على نحو كبير حيث لم يبذل الجهد اللازم لتحويل هذه الثروة الى اصول انتاجية تساهم في تنويع مصادر الدخل وترسي اساسا متينا لاستدامة النمو بمعدلات دخل مرتفعة ومستويات رفاه كالتي يتمتع بها ابناء الجيل الحالي.

وذكر ان على مدى السنوات الماضية ومنذ ان تحول العجز في الميزانية العامة للدولة الى فائض بدأت معدلات الكوادر والدخل والدعم التي يحصل عليها الجيل الحالي تتزايد بمعدلات مرتفعة دون ان يصاحب ذلك نمو على نحو مماثل في حصة الاجيال القادمة من الثروة النفطية.

واضاف ان المخصصات المالية للمرتبات والدعم باتت تستهلك معظم الانفاق العام في الدولة في وقت اصبحت مخصصات الاستثمار في الدولة من اقل المعدلات في العالم كما لم تكن هنالك أية زيادة في حصة الاجيال القادمة من الايرادات.

واشار الى انه بدلا من ان تحول الثروة النفطية الناضبة الى آلات ومعدات وبنى تحتية توفر اساسا متينا لاقتصاد منتج "تبنى الجيل الحالي انماط استهلاك ترفيهية وانتشر دافع المحاكاة والتقليد على نحو واسع وتحولت الثروة النفطية الناضبة الى سيارات فارهة وسفرات الى الخارج وسلع رفاهية غالية الثمن".

وفيما يتعلق بالقيمة الفعلية التي تم ادخارها منذ انشاء صندوق الاجيال القادمة قال الدكتور السقا ان "ما تم تحويله لمصلحة الأجيال المقبلة منذ انشاء (صندوق الأجيال) الى يومنا لم تعد له قيمة كبيرة من الناحية الحقيقية بسبب زيادة حجم الانفاق العام في الدولة بالشكل الذي لم تعد فيه هذه الأموال تكفي لاستيفاء احتياجات الانفاق في المستقبل لفترة طويلة".

وضرب مثالا بما نشره المعهد الدولي لصناديق الثروة السيادية حول العالم عن تقديرات اصول صندوق الثروة السيادي للكويت والذي اشار الى ان اجمالي الاصول التي تمتلكها الكويت بما فيها صندوق الاجيال تساوي 296 مليار دولار.

واضاف انه "بمستويات الانفاق الحالية للكويت فإن هذه الاصول سوف تكفي لتغطية الانفاق العام في الدولة لمدة ثلاث سنوات وستة أشهر فقط إذا توقف تصدير النفط" مبينا ان نسبة تغطية ما يتم الاحتفاظ به في صندوق الأجيال القادمة لنفقات الاجيال المقبلة "اذا توقف النفط" لن تكفي سوى لتغطية أشهر معدودة من الانفاق للاجيال المستقبلية.

واوضح الدكتور السقا ان ما يتم تحويله لصندوق الاجيال القادمة "لم يعد كافيا لتدبير احتياجات الانفاق لأجيال المستقبل سوى لفترة قصيرة بعد نفاد النفط".

ومن خلال متابعته لأداء المالية العامة في الدولة وللسلوك الاقتصادي للمستهلكين اوضح ان أي فائض يتحقق في الميزانية يفتح "شهية المطالبين بالمطالب الشعبية بزيادة الرواتب والغاء القروض والغاء والفواتير وغيرها" ما يمثل هدرا لهذا الفائض.

وشدد على اهمية ان تحول الدولة الجانب الاكبر من فائض ميزانياتها الى صندوق الاجيال القادمة والذي من الممكن ان تكون عليه الاجيال المقبلة اكثر رشدا وقدرة على استخدام الفوائض بنحو اكثر انتاجية.


http://www.kuna.net.kw/ArticleDetails.aspx?id=2264133&Language=ar

السبت، سبتمبر 22، 2012

تساؤلات حول خطة التيسير الكمي 3 (2/2)

نشر في صحيفة الاقتصادية بتاريخ الجمعة 21/9/2012
 
تناولنا في الحلقة السابقة من هذا المقال أن الموجة الجديدة للتيسير الكمي التي أطلقها الاحتياطي الفدرالي في الولايات المتحدة غير محددة من حيث التوقيت أو من حيث القيمة التي سيتم بها شراء السندات، وهو ما يعني أنه من المتوقع أن تشهد السنوات القليلة القادمة استمرار السياسات النقدية التوسعية للاحتياطي الفدرالي التي ينتهجها منذ فترة لرفع معدلات النمو وتحفيز مستويات النشاط الاقتصادي وتخفيض ضغوط سوق العمل، ولكن هل يتوقع أن يترتب على اطلاق هذه الموجة الثالثة من التيسير الكمي تحقيق الاحتياطي الفدرالي لمستهدفاته من العملية بصفة خاصة ما يتعلق منها بسوق العمل؟
للإجابة على هذا السؤال لا بد من الإشارة إلى أن الموجتين السابقتين من التيسير الكمي قد صاحبهما تحسن مستويات النشاط الاقتصادي عند إطلاقهما في الولايات المتحدة وذلك وفقا للدراسات التطبيقية التي أجريت حول فعالية هذه السياسة، غير أنه ما إن توقف الاحتياطي الفدرالي عن التوسع النقدي بانتهاء برنامج التيسير الكمي حتى عاد النشاط الاقتصادي مرة أخرى إلى التراجع. معنى ذلك أن ضمان تحقيق مستهدفات الاحتياطي الفدرالي من موجة التيسير الكمي3 سوف يتطلب ضرورة أن  تكون دفعات التوسع النقدي قوية ومستمرة حتى بعد تحسن معدلات النمو واستعادة النشاط الاقتصادي، ولعل هذا هو السبب الذي يقف وراء قرار اللجنة الفدرالية للسوق المفتوح هذه المرة بعدم إيقاف عمليات التيسير الكمي بمجرد تحسن أوضاع سوق العمل مباشرة، وان التيسير الكمي3 سوف يستمر لفترة طويلة حتى بعد استعادة النشاط، مدلول هذا القرار يشير إلى أن الاحتياطي الفدرالي على استعداد على ما يبدو لأن يتحمل قدرا أعلى من التضخم يتجاوز المعدلات المستهدفة وذلك في سبيل رفع معدل التوظف.
بعض المراقبين يرون أن مشكلة سوق العمل الأمريكي أكثر تعقيدا من مجر النظرة المبسطة التي ينظر بها حاليا لكيفية التعامل مع معدل البطالة المرتفع، ذلك أن معدل الفائدة المنخفض ليس هو ما يشغل قطاع الأعمال الخاص حاليا ويمنعهم من اتخاذ القرارات الاستثمارية التي تساعد على رفع معدلات التوظف. من ناحية أخرى فإن هناك عناك عوائق تقف بين الباحثين عن العمل وفرص التوظف المفتوحة في سوق العمل، بصفة خاصة تشير التقارير إلى أن هناك حاليا نوع من عدم التوافق بين الاحتياجات الحالية لسوق العمل الأمريكي وهيكل المهارات المعروضة فيه، فسوق العمل يميل إلى فتح وظائف تتطلب مهارات مرتفعة، بينما المعروض من مهارات لا يتماشى مع ذلك، فبينما يزيد الطلب على الخريجين من كليات الهندسة وعلوم الحاسوب مثلا، فإن هناك أعداد كبيرة من الخريجين من تخصصات الآداب والصحافة .. الخ، ولا شك أن عدم التوافق هذا لن تحله تعديلات معدل الفائدة وزيادة حجم ميزانية الاحتياطي الفدرالي. 
ولكن أليس هناك من مخاطر في أن يترتب على برنامج التيسير الكمي غير المحدد من حيث القيمة آثارا تضخمية؟ للإجابة على هذا السؤال لابد من الإشارة إلى أن موجتي التيسير الكمي السابقتين لم يصاحبهما ارتفاع في معدلات التضخم أو تجاوزها المستويات المستهدفة بواسطة الاحتياطي الفدرالي، إلا أن الوضع يعد مختلفا هذه المرة، حيث تعد مخاطر التضخم حقيقية طالما أن عمليات التيسير الكمي سوف تتم بدون سقف أو مدى زمني محدد. فعلى أرض الواقع أخذت التوقعات التضخمية للأسعار في الولايات المتحدة في التزايد عند أعلى مستوياتها منذ عام 2005، هذا الارتفاع في التوقعات التضخمية هو حصيلة عدة عوامل على رأسها ضعف الدولار، وارتفاع الأصول مثل أسعار الذهب وأسعار الأسهم، وارتفاع أسعار السلع مثل النفط، ولا شك أن جانبا كبيرا من هذه التطورات يعود إلى الإعلان عن خطة التيسير الكمي.
فما إن انتشرت الأخبار عن خطة التيسير الكمي3 حتى اندلعت شرارة أسعار الذهب الذي تتزايد أسعاره منذ فترة على نحو مستمر في انتظار هذه الأخبار، فقد بلغ سعر الذهب وقت كتابة هذا المقال 1770 دولارا للأوقية، كذلك ارتفعت مؤشرات الأسواق في كافة أنحاء العالم، مثل هذا النتائج تعد طبيعية في ظل التوسع النقدي، فسياسة النقود الرخيصة تؤدي إلى تغذية فقاعة أسعار الأصول،  والتيسير الكمي يوفر الشروط المناسبة للتمويل الرخيص الذي يرفع من أسعار الأصول ويوفر الشروط المناسبة للمضاربين في أسعار الأصول.
من ناحية أخرى ارتفعت قيمة اليورو في مقابل الدولار، وهو ما يمكن أن يوفر مزايا إضافية تساعد على تحسين تنافسية الولايات المتحدة، بالطبع هذه التطورات سوف تثير استياء الدول الأخرى بصفة خاصة في أوروبا واليابان والتي تواجه ظروفا صعبة حاليا وتحتاج إلى تحسين تنافسيتها لرفع مستويات نشاطها الاقتصادي. فقد أعلن البنك المركزي الياباني يوم الأربعاء الماضي على نيته للقيام بعمليات تسهيل نقدي لمساعدة الاقتصاد الياباني، وأخذا في الاعتبار القرار الذي اتخذه البنك المركزي الأوروبي بإطلاق برنامج لشراء سندات الدول المدينة بلا قيود، فإن التسهيل النقدي أصبح يمارس اليوم على نطاق عالمي.
ولا شك أن مثل هذه الأوضاع تمثل شروطا مثالية لانطلاق موجات مرتفعة من التوقعات التضخمية، ومعها يرتفع احتمال أن يؤدي استمرار التيسير الكمي بدون أجل محدد أو قيمة محددة إلى أن يفلت التضخم من سيطرة الاحتياطي الفدرالي، فما إن تنطلق التوقعات التضخمية قد تصبح عملية السيطرة عليها صعبة، وليس كما يدعي الاحتياطي الفدرالي، وإذا حدث ذلك سوف يتصاعد قلق الاحتياطي الفدرالي حول معدلات التضخم قبل ذلك بوقت طويل مما قد يدفع اللجنة إلى وقف البرنامج حتى قبل أن يحقق مستهدفاته.
وأخيرا ما هي تعقيدات استمرار عمليات التحفيز النقدي للاقتصاد الأمريكي؟ كما سبقت الإشارة إلى أن عملية الشراء المفتوح يفترض أن تؤدي إلى رفع ثقة قطاع الأعمال والمستهلكين في الاقتصاد الأمريكي من خلال التأكيد على إصرار الاحتياطي الفدرالي على وقف الاتجاه التنازلي للنشاط الاقتصادي الأمريكي، وهو ما يزيد من الاتجاه نحو الاستثمار والاستهلاك، ومن ثم زيادة الطلب الكلي.
غير أن الاستمرار في عمليات التيسير الكمي سوف يترتب عليه ارتفاع حجم ميزانية الاحتياطي الفدرالي على نحو كبير مما يصعب عملية الخروج من استراتيجية التوسع النقدي التي يتبعها الاحتياطي الفدرالي منذ بداية الأزمة. فقد ذكر بن برنانكي رئيس الاحتياطي الفدرالي أكثر من مرة أن لدى الاحتياطي الفدرالي خطة للخروج من الوضع الحالي، ولكن مع تضخم ميزانية الاحتياطي الفدرالي سوف تصبح عملية الخروج واستعادة ميزانية الاحتياطي الفدرالي لمستوياتها قبل الأزمة مسألة صعبة جدا، بصفة خاصة على المدى القصير حيث سيصبح إلغاء هذه التريليونات من الدولارات المصدرة في غضون فترة زمنية قصيرة أمرا صعبا للغاية، فسوف سيتطلب ذلك التخلص من قدر هائل جدا من السندات في غضون فترة زمنية قصيرة، وسوف يترتب على ذلك اهتزاز سوق السندات نظرا للكميات الضخمة التي سيتم التخلص منها في حال رغبة الاحتياطي الفدرالي في الخروج، ويؤدي ذلك إلى تراجع أسعار السندات بصورة كبيرة، ومن ثم ارتفاع معدلات العائد على السندات إلى مستويات حرجة قد تتسبب في آثار معاكسة على النشاط الاقتصادي.
الخلاصة هي أنه أخذا في الاعتبار نتائج الدراسات التي تمت على موجتي التيسير الكمي السابقتين فإن التيسير الكمي3 سوف يساعد الاقتصاد الأمريكي على إحداث تحسن مؤقت في معدلات النمو، ولكن من المؤكد أنه لن يؤدي إلى حل مشكلاته.
 

تساؤلات حول خطة التيسير الكمي 3 (1/2)

نشر في صحيفة الاقتصادية بتاريخ الثلاثاء 18/9/2012
شهد هذا العام تراجع مؤشرات الأداء للاقتصاد الأمريكي على نحو مثير للقلق إلى الحد الذي دفع اللجنة الفدرالية للسوق المفتوح إلى الإشارة أكثر من مرة بأنها تراقب عن كثب تطورات الأوضاع الاقتصادية، خصوصا أوضاع سوق العمل، وأنها سوف تتخذ الإجراءات المناسبة للتعامل مع تراجع النمو وبطء تحسن سوق العمل، وقد كانت الأوضاع في الأشهر الأخيرة تسير من سيء إلى أسوأ، وبدا من الواضح أن الشروط التي علقها الاحتياطي الفدرالي لاتخاذ إجراءات توسعية تتراكم الواحد تلو الآخر، وقد ذكر اجتماع اللجنة الفدرالية للسوق المفتوح في أغسطس الماضي أن الاقتصاد الأمريكي استمر في النمو بمعدلات متواضعة، في الوقت الذي استمر معدل البطالة في الارتفاع نتيجة استمرار الضغوط في سوق العمل الأمريكي، بينما ظل معدل التضخم منخفضا دون المعدل المستهدف، وهو ما يوفر الشروط المناسبة للاحتياطي الفدرالي لإطلاق المرحلة الثالثة من برنامج التيسير الكمي.
كان تقرير سوق العمل الأخير هو القشة التي قصمت ظهر البعير، حيث أصبح من الواضح أن الاقتصاد الأمريكي عاجز عن فتح كمية الوظائف المناسبة لتخفيض معدلات البطالة، فقد تمت إضافة 96 ألف وظيفة فقط في أغسطس الماضي، وهو أقل مما كان متوقعا، في الوقت الذي تراجع فيه معدل البطالة من 8.3% إلى 8.1%. غير أن هذا التراجع لم يكن مرجعه إلى فتح المزيد من الوظائف التي ساعدت على خفض المعدل، وإنما نتيجة لانسحاب عدد من العاطلين من سوق العمل وتوقفهم عن البحث عن وظائف، وهم ما نطلق عليهم في الاقتصاد الكلي عبارة "العمال المحبطين"، وهؤلاء لا يحسبون من قوة العمل، مما يعني أن تحسن معدل البطالة كان راجعا لانخفاض عدد قوة العمل بشكل أساسي وليس انخفاض أعداد العاطلين، وقد قدر التقرير الأخير لسوق العمل أعداد من انسحبوا بحوالي 368 الف أمريكي، ولا شك أن انسحاب هذا العدد من سوق العمل يدل بوضوح على عمق الضغوط التي يواجهها، وأن الأمر يتطلب تدخلا مباشرة من الاحتياطي الفدرالي لتحقيق أولى مستهدفاته في رفع مستويات التوظف.
كذلك أظهرت تقارير مراجعة النمو في الاقتصاد الأمريكي تراجع معدل النمو إلى 1.7% في النصف الثاني من هذا العام، مقارنة بـ 4.1% في الربع الرابع من العام الماضي، وبالتالي فقد أصبح من الواضح انه إذا لم تتخذ اللجنة الفدرالية الإجراءات المناسبة، فإن النمو سوف ينخفض على نحو لا يساعد على تحسن سوق العمل. في اجتماع اللجنة الفدرالية للسوق المفتوح في الأسبوع الماضي قررت اللجنة إطلاق الموجة الثالثة من برنامج التيسير الكمي لتحفيز الاقتصاد الأمريكي. فما هي أهم ملامح خطة التيسير الكمي3؟ تتمثل أهم ملامح الخطة الحالية في الآتي:
أولا: سوف يقوم الاحتياطي الفدرالي بشراء سندات إضافية مغطاة بالرهون العقارية عقارية (لمؤسستي ماني فاي وفريدي ماك) بمعدل 40 مليار دولارا شهريا، وقد يبدو هذا الرقم صغيرا بالنسبة لسوق السندات الأمريكي، إلا انه في ذات الوقت سوف يواصل الاحتياطي الفدرالي خطته الحالية التي بدأها في يونيو الماضي والرامية إلى توسيع نطاق مواعيد استحقاق السندات التي يحتفظ بها في محفظته، بهدف تعديل هيكل معدلات الفائدة على السندات، وهو البرنامج الذي تناولناه بالتحليل في الاقتصادية مسبقا في مقال بعنوان "عملية لي منحنى العوائد على السندات" والمقدرة قيمته بحوالي 667 مليار دولارا. كذلك سوف يستمر الاحتياطي الفدرالي في سياسة إعادة استثمار ما يستحق من السندات التي يحتفظ بها في شراء سندات مؤسسية مغطاة بالرهون العقارية، جميع هذه العمليات سوف يترتب عليها زيادة ما يحتفظ به الاحتياطي الفدرالي من السندات شهريا بحوالي 85 مليار دولارا حتى نهاية هذا العام بصورة مرحلية.
ثانيا: تختلف خطة التيسير الكمي3 عن الخطط السابقة في أنها غير محددة المدة، فليس لها اجل زمني محدد لانتهائها، كما أنه ليس من المعلوم حاليا طبيعة الشروط  التي يتوقع معها أن تتوقف خطة التيسير الكمي3، فقد أشار بن برنانكي رئيس الاحتياطي الفدرالي بأن الخطة مربوطة بالتطورات التي ستحدث في الاقتصاد، فإذا لم تتحسن أوضاع سوق العمل على نحو جوهري فإن اللجنة سوف تستمر في عمليات شراء السندات المغطاة بالرهون العقارية وكذلك الأصول الأخرى وتطبق الأدوات المختلفة للسياسة النقدية حتى تتحسن أوضاع سوق العمل. أكثر من ذلك فإن هذه الخطة لن تتوقف بمجرد حدوث الانتعاش وإنما سوف تستمر لفترة طويلة بعد الانتعاش، أعتقد طالما أن التضخم تحت السيطرة. 
ثالثا: أن القيمة المحددة لخطة التيسير الكمي3 غير معلومة أيضا، بعكس الحال مع خطط التيسير الكمي السابقة، وهو ما يعني أن ميزانية الاحتياطي الفدرالي مرشحة للزيادة بدون حدود من حيث المبدأ، أي أن كمية الدولارات التي ستتم إضافتها غير معلومة حتى الآن، ومن المعلوم أن حجم ميزانية الاحتياطي الفدرالي في ديسمبر 2007 أي قبل انطلاق الأزمة الحالية، بلغ حوالي 900 مليار دولارا، غير أن عمليات التوسع النقدي منذ بداية الأزمة ترتب عليها ارتفاع حجم الميزانية إلى حوالي 2.85 تريليون دولارا حاليا، أي أنه تم ضخ حوالي 2 تريليون دولارا دون أن يخرج الاقتصاد الأمريكي من حالة الكساد.
رابعا: لتدعيم خطة التيسير الكمي3 سوف تستمر اللجنة في الحفاظ على معدلات الفائدة منخفضة حتى منتصف 2015، وهو ما يعني توسيع المدى الزمني لمعدل الفائدة الصفرية من 2014 إلى 2015.
ولكن كيف يعمل التيسير الكمي على تحقيق أهدافه في تحفيز الطلب الكلي في الاقتصاد؟ الإجابة هي أن التيسير الكمي يعمل على تحفيز الطلب الكلي من نواحي عدة، فعندما يقوم الاحتياطي الفدرالي بشراء السندات، سوف تتحول قيمة هذه السندات إلى حسابات البائعين في البنوك، فيتم تعلية حسابات البنوك بالقيمة لدى الاحتياطي الفدرالي، وهو ما يعني أن العملية بهذا الشكل تمثل إصدار نقود (بشكل الكتروني) من لا شيء لتستخدم في شراء أصول تضاف إلى ميزانية الاحتياطي الفدرالي، ولكن إذا استمرت البنوك التجارية في الاحتفاظ بهذه الاحتياطيات لدى الاحتياطي الفدرالي فإنها ستحصل على فائدة لا تتجاوز ربع في المئة، لذلك سوف تفكر البنوك جديا في إقراض هذه الأموال والحصول على معدلات فائدة أعلى، وهذا هو الهدف الأساسي من العملية، أي حث البنوك على منح المزيد من الائتمان، فتزيد العمليات الائتمانية للشركات وللأفراد.  
من ناحية أخرى عندما يقوم الاحتياطي الفدرالي بشراء السندات بكميات كبيرة، مثلما يفعل في حالة التيسير الكمي، ترتفع أسعار السندات، ومن ثم تميل معدلات العائد عليها نحو الانخفاض، وهو ما يؤدي إلى انخفاض معدلات الفائدة، الأمر الذي يخفض من تكاليف شراء المساكن، فينتعش الطلب على قطاع المساكن الذي يواجه مشكلات حادة حاليا، وهكذا عندما تقترض الشركات فإنها تستخدم هذا الائتمان في الاستثمار، بينما يستخدم الأفراد هذا الائتمان غالبا في شراء السلع المعمرة مثل السيارات أو المساكن، وهو ما يساعد على انعاش الطلب الكلي ومن ثم النمو وتخفيف الضغوط في سوق العمل، وهذا هو الهدف الرئيس لخطة التيسير الكمي3 الحالية.

الاثنين، سبتمبر 17، 2012

في ذكرى إفلاس بنك ليمان براذرز (2 من 2)

نشر في صحيفة الاقتصادية بتاريخ 15/9/2012
 
تعمد بعض المؤسسات المالية إلى تضخيم حجمها إما بالتوسع وإما بالدمج مع/ وإما بالاستحواذ على المؤسسات المالية الأخرى، بحيث تتمكن في النهاية من أن تكون كيانا ماليا ضخما يؤمن لها الإنقاذ المناسب وقت الأزمات المالية. على سبيل المثال تحتفظ أكبر خمسة بنوك أمريكية وهي: جي بي مورجان، بنك أوف أمريكا، سيتي جروب، ولز فارجو، وجولدمان ساكس، بأصول تصل إلى 8.5 تريليون دولار في نهاية 2011، أي ما يمثل أكثر من نصف حجم الاقتصاد الأمريكي، ومثل هذه المؤسسات الضخمة تمثل في حال تعرضها لأي مخاطر للسقوط خطرا عظيما على الاقتصاد الأمريكي.
نظرا لتمتع مثل هذه المؤسسات بدعم ضمني بأن الحكومة ستتدخل لإنقاذها في أي وقت، ولن تسمح بسقوطها، فإن هذه المؤسسات تتمتع أيضا بميزة إضافية، وهي إمكانية حصولها على احتياجاتها المالية بتكلفة أقل أو بمعدلات فائدة أقل من المعدلات السوقية، نظرا لانخفاض مخاطر إقراض مثل هذه المؤسسات نسبيا مقارنة بالمؤسسات الأخرى، وهو ما يعني بالفعل أن هذه المؤسسات تحصل على دعم خفي. على سبيل المثال تشير "البيزنس ويك" إلى أنه خلال الفترة من 2007-2010 تمكنت البنوك الأربعة الكبار في الولايات المتحدة ومؤسسة AIG للتأمين من تخفيض تكلفة اقتراضها بنحو 120 مليار دولار، منها 53 مليار دولار لبنك سيتي جروب فقط. يرجع هذا الانخفاض في تكلفة الاقتراض إلى أن من بين تكلفة الاقتراض ما يسمى تكلفة مخاطر التوقف عن السداد أو الإفلاس، وفي حالة البنوك الكبرى، فإن مثل هذه المخاطر تتلاشى بفعل وجود الدعم الحكومي الضمني عند ميل مثل هذه المؤسسات لمواجهة أي مخاطر تنذر بسقوطها.
سقوط بنك ليمان براذرز أثار جدلا مهما حول المؤسسات المالية الكبرى. فهل يجب من حيث المبدأ أن يسمح لمثل هذه المؤسسات الكبرى بالسقوط؟ أم أن مثل هذه المؤسسات هي بالفعل مؤسسات أكبر من أن تسقط Too big to fall؟ باعتبار أن سقوط مثل هذه المؤسسات سيخلف آثارا مدمرة في القطاع المالي، التي يمكن أن تسبب اضطرابا عنيفا في مستويات النشاط الاقتصادي والتوظف. المؤسسات الأكبر من أن تسقط هي الحالة التي تكون فيها المؤسسة المالية كبيرة جدا، أو مترابطة بشكل كبير مع عدد كبير من المؤسسات المالية الأخرى، بحيث يترتب على فشلها حدوث كارثة للاقتصاد، بالشكل الذي يملي على الحكومة ضرورة تقديم الدعم اللازم، أيا كان حجمه، للحيلولة دون سقوط هذه المؤسسات. الأمر بالطبع لا يقتصر على البنوك الضخمة، إنما يمتد أيضا إلى شركات التأمين وصناديق التحوط، وصناديق سوق النقد وشركات التمويل الضخمة.
بل ربما يكون السؤال الأهم: هل يجب السماح لمؤسسات مالية ضخمة مثل جولدمان ساكس وبنك أوف أمريكا، وسيتي بنك ورويال بنك أوف سكوتلاند وبي إن بي باريبا، بأن تكون موجودة من الأساس وتمارس أنشطتها المالية المعقدة والمترابطة بالشكل الذي يضع النظام المالي بأكمله تحت رحمة القرارات التي تتخذها مثل هذه الشركات التي تمارس أنشطة متعددة تتجاوز الأنشطة المصرفية الاعتيادية إلى أعمال السمسرة والتأمين والتغطية.. إلى آخر هذه السلسلة الطويلة من الأعمال التي تمارسها بنوك الظل والتي يصل بعضها إلى مرتبة المقامرة، وذلك باستخدام أموال المودعين التي من المفترض أن تستخدم في استثمارات قصيرة الأجل تتسم بالأمان والسيولة.
إن أهم الدروس المستقاة من سقوط ليمان براذرز هي أن المؤسسات المالية الكبرى ينبغي أن يتم تقسيمها حتى لا تستمر في أن تمثل خطرا على النظم المالية المحلية والدولية، فتقسيم المؤسسات المالية العملاقة ضرورة أساسية لتحمل تلك المؤسسات نتائج أعمالها والقرارات التي تتخذها حيال مستويات المخاطرة التي تسعى إلى تحملها. من الحلول التي طرحت للتعامل مع مثل هذه الحالات هو تقسيم هذه المؤسسات إلى كيانات مالية أصغر، أو فرض ضرائب على تلك المؤسسات التي يتجاوز حجمها مستوى محددا يمثل الحد الفاصل بين المؤسسة الضخمة وغير الضخمة، أو أن يفرض عليها قيودا على الحد الأدنى لحجم رؤوس أموالها كنسبة من أصولها، بحيث يصبح هذا الحد الأدنى كبيرا إلى الدرجة التي تقلل من معدلات العائد على الأسهم التي تحققها هذه المؤسسات من ناحية وتجعل مديري مثل هذه المؤسسات يفكرون بشكل جيد قبل الدخول في عمليات توسعة لحجم مؤسساتهم، أو أن يطلب من هذه المؤسسات الاحتفاظ باحتياطيات مرتفعة في مقابل كل الأصول التي يتم الاحتفاظ بها، بحيث ترتفع نسب هذه الاحتياطيات مع ارتفاع مستوى المخاطرة الكامنة في هذه الأصول، أو أن يطلب من هذه المؤسسات أن تحتفظ باحتياطيات عامة ضخمة لمواجهة أي مخاطر يمكن أن تلحق نتيجة اضطراب الأسواق أو فشلها، أو غيرها من الممارسات التي تجعل من ضخامة الحجم عبئا حقيقيا على تلك المؤسسات، وبالشكل الذي يترتب على ارتفاع الحجم تراجع معدلات الأرباح أو انخفاض مستويات الأداء وبحيث لا يشكل الحجم في هذه الحالة ميزة، إنما يشكل عبئا عليها.
من الحلول التي طرحت أيضا على نطاق البحث أن على الحكومات أن تؤكد أنه لا يوجد شيء اسمه أكبر من أن يسقط، وأن تمارس ذلك من الناحية الفعلية، وأن أي مؤسسة مهما كان حجمها قابلة للسقوط، لكن هذا الخيار في ظل كيانات مالية ضخمة يمكن أن يقال على الورق فقط، أما على أرض الواقع فإن السماح بسقوط مثل هذه المؤسسات الضخمة هو بمنزلة تناول السم بصورة اختيارية، الحل إذن في منع مثل هذه الكيانات الضخمة من أن توجد بأي صورة من الصور أو تمارس أعمالها على نطاق واسع.
لقد كان من المفترض أن يترتب على تجربة "ليمان براذرز" اتخاذ إجراءات جادة من جانب حكومات الدول الكبرى في العالم، بصفة خاصة في الولايات المتحدة للتعامل مع مثل هذه الحالات على المدى المتوسط والطويل للحد من اتجاه المؤسسات المالية نحو التوسع لتخلق لنفسها كيانات مالية ضخمة، غير أنه حتى اليوم لم يتم التعامل بجدية مع حالة المؤسسات المالية الضخمة، ولم يتم اتخاذ ما يلزم من إجراءات لتفتيت هذه المؤسسات إلى كيانات صغيرة تكون أكثر مسؤولية عن أعمالها ولا تشكل تهديدا للقطاعات المالية المحلية أو الدولية، بحث يمكن السماح لها بالسقوط بسهولة، ويبدو أنه حتى هذه اللحظة ليس هناك من هو مستعد، أو ربما قادر على تنفيذ ذلك، حتى يحدث ذلك الأمر ستظل الأسواق المالية في أنحاء العالم كافة رهينة للممارسات الخطرة المتهورة التي تقدم عليها مثل هذه المؤسسات الأكبر من أن تسقط.

الجمعة، سبتمبر 14، 2012

في ذكرى إفلاس بنك ليمان براذرز (1 من 2)


نشر في صحيفة الاقتصادية يوم الثلاثاء 11/9/2012
 
في يوم الاثنين 15/9/2008 أعلن عن إفلاس بنك ليمان براذرز أحد أكبر اللاعبين في سوق الرهن العقاري الأمريكي وأحد أكبر بنوك الاستثمار في العالم، وذلك في أكبر عملية إفلاس شهدتها الولايات المتحدة الأمريكية. فعلى مدى الفترة من 2007 إلى 2008 حاول البنك أن يقاوم الاتجاه نحو الإفلاس من خلال السعي لزيادة رأسماله، أو التفاوض على الاستحواذ عليه من جانب أحد المؤسسات المالية الكبرى في العالم، أو حتى تأمين حزمة إنقاذ حكومي للبنك، غير أنه في الوقت الذي قدمت فيه الحكومة الأمريكية مئات المليارات لإنقاذ عملاقي الرهن العقاري فاني ماي وفريدي ماك، لم يكن هناك اتجاه رسمي على ما يبدو لإنقاذ البنك.
كانت هناك أخبار حول نية بنك أوف أمريكا وبنك باركليز في الاستحواذ على البنك ذو التاريخ الطويل في السوق المصرفي الأمريكي، غير أن البنكان اكتشفا أن التكلفة التي سيتحملانها لدعم رأس مال البنك من خلال إعادة رسملته سوف تكون ضخمة أخذا في الاعتبار حجم الخسائر في المحفظة العقارية للبنك، والتي يمكن أن تشكل تهديدا مستقبليا لأي بنك يريد الاستحواذ على ليمان براذرز، خصوصا وأن التقارير الواردة من الاحتياطي الفدرالي كانت تشير إلى عدم استعداده لضمان خسائر البنك، مثلما حدث في صفقة استحواذ جي بي مورجان على بير شتيرنس، وعلى مدى الفترة من 2007 – 2008 كانت اسهم البنك قد انخفضت بنسبة 95% تقريبا، وبحلول الاثنين 15/9/2008، انخفضت قيمة الأسهم إلى الصفر تقريبا وفشلت كل محاولات إنقاذ البنك الذي كان في يوم من الأيام من أكبر بنوك الاستثمار في الولايات المتحدة والعالم، ومن هنا بدأ الذعر يدق الأسواق الأمريكية، ومنها إلى باقي الأسواق في العالم ليعلن بصورة رسمية عن ميلاد الأزمة المالية العالمية التي مازلنا نعيش آثارها حتى اليوم. 
لقد اظهر إفلاس البنك أن النظام المالي العالمي هش للغاية وأنه من الممكن أن يتعرض للاضطراب بسهولة وعلى نحو واسع النطاق وذلك على النحو الذي شهده العالم بمجرد إعلان إفلاس البنك، حيث انتشرت حالة من عدم التأكد وعدم الثقة في ذات الوقت منعت معظم المؤسسات المالية من الإقراض، ودخلت نتيجة لذلك اقتصادات معظم دول العالم في حالة كساد، واضطرت الحكومة الأمريكية على نحو خاص إلى انفاق تريليونات الدولارات من اجل إنقاذ الاقتصاد الأمريكي من الكساد ومنع الأزمة من التطور بصورة أكبر على النحو الذي شهدته في الكساد العالمي العظيم في ثلاثينيات القرن الماضي.
إفلاس بنك ليمان براذرز هو أفضل تمثيل لحالة المؤسسة المالية الكبيرة التي لا يجب أن تسقط تحت أي ظرف من الظروف نظرا للآثار المدوية التي يمكن أن تنطلق من سقوطها. غير أن حالة ليمان براذرز أعادت للأذهان أيضا صورة المؤسسات المالية الضخمة التي يمكن أن تقدم دائما على الممارسات المالية المتهورة استنادا إلى ضمان الدعم الضمني الذي سوف تحصل عليه من الحكومة في حال تعرضها لمخاطر السقوط. فقد اكتشف مديرو مثل هذه المؤسسات أن ضخامة حجم المؤسسة المالية يكفل تأمين الدعم الحكومي لها في حال تعرضها لأي مخاطر يمكن أن تتسبب في سقوطها، حيث سيكون لزاما على صانع السياسة تقديم الدعم المالي المناسب لإنقاذ هذه المؤسسات، وذلك حفاظا على النظام المالي المحلي من الاضطراب وربما مستويات النشاط الاقتصادي.