الأحد، مارس 09، 2014

جوانب مضيئة في التنافسية العالمية للسعودية

تقرير التنافسية العالمي هو أحد أهم التقارير الدولية التي يصدرها المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس كل عام، وذلك استنادا إلى مسح تتم تعبئته سنويا بواسطة المديرين التنفيذيين في القطاع الخاص، وكذلك استنادا إلى البيانات المنشورة عن الدولة، وباستخدام نتائج الاستبيان يتم حساب 12 ركنا للتنافسية وهي: المؤسسات، والبنية التحتية، واستقرار الاقتصاد الكلي، والصحة، والتعليم الابتدائي، والتعليم العالي والتدريب، وكفاءة سوق السلع، وكفاءة سوق العمل، والاستعداد التكنولوجي، وحجم السوق، ودرجة تطور قطاع الأعمال، وأخيرا ركن الابتكار.

يتكون كل ركن من هذه الأركان من مجموعة من المؤشرات التي تختلف من ركن لآخر. على سبيل المثال يتكون ركن المؤسسات من 21 مؤشرا، في الوقت الذي يقتصر فيه ركن حجم السوق على أربعة مؤشرات فقط. ويبلغ عدد المؤشرات التي تستند إليها حسابات الأركان 114 مؤشرا، تشكل الأساس الذي يتم عليه ترتيب مستوى تنافسية دول العالم، والذي احتلت فيه المملكة المركز 20 عالميا وفقا لتقرير التنافسية العالمي 2013/2014، متراجعة من المركز 17 في تقرير 2011/2012.

وبمراجعة أداء المملكة في التقرير الحالي للتنافسية نجد أن أفضل مؤشرات التنافسية للمملكة هو انخفاض معدل التضخم، فقد احتلت المملكة المركز الأول عالميا في انخفاض معدلات التغير في الأسعار. هذه النتيجة ربما تمثل صدمة للكثير من القراء الذين يعتقدون أن المملكة من الدول مرتفعة التضخم، حيث غالبا ما يربطون التضخم بمؤشر واحد تقريبا وهو أسعار العقارات، بصفة خاصة السكن الخاص، لكن معدل التضخم يحسب على أساس التغير في الرقم القياسي للأسعار والذي يعد بمثابة سلة من المجموعات المختلفة من السلع والخدمات التي يستهلكها عموم السكان، والتي بالطبع منها السكن، يعطى كل مجموعة منها وزنا، ويكون مجموع الأوزان في سنة الأساس 100، وبمرور الوقت تتغير تكلفة المجموعات السلعية في السلة ارتفاعا وانخفاضا، الأمر الذي يقاس بمعدل التضخم أو الانكماش في الأسعار، وفي الوقت الحالي يلاحظ أن معدل التضخم في المملكة المذكور في التقرير (2.9 في المائة) من أقل المعدلات في العالم.

يوم الثلاثاء الماضي نشرت "الإكونوميست" تقريرها السنوي عن تكلفة المعيشة في المدن الرئيسة في العالم، وقد جاءت كل من الرياض وجدة بين أرخص مدن العالم في تكلفة المعيشة، وهو ما أثار جدلا كبيرا على شبكات التواصل الاجتماعي. المشكلة هي أن معظم المواطنين في المملكة يستدلون بارتفاع أسعار العقار على ارتفاع معدلات التضخم، ولكن خدمات السكن هي إحدى المجموعات السلعية التي تدخل في سلة حساب الرقم القياسي للأسعار، ومن ثم فإن لها وزنا محددا داخل الرقم القياسي للأسعار الذي يشمل عددا كبيرا جدا من السلع والخدمات.

ثاني أفضل مؤشرات التنافسية للمملكة هو انخفاض نسبة الدين الحكومي إلى الناتج المحلي الإجمالي، حيث تحتل المملكة المركز الرابع عالميا بالنسبة لانخفاض نسبة الدين الحكومي إلى الناتج المحلي الإجمالي، والتي تبلغ حاليا 3.6 في المائة، والواقع أن المملكة تعد من الدول القليلة في العالم التي استطاعت إطفاء الجانب الأعظم من دينها الحكومي في غضون فترة زمنية قصيرة جدا، ساعدها في ذلك ارتفاع أسعار النفط الخام واستمرار الفوائض المالية في الميزانية. ففي عام 1998 كانت المملكة من بين أكثر الدول المدينة في العالم، حيث بلغت نسبة الدين الحكومي إلى الناتج المحلي الإجمالي في المملكة نحو 110 في المائة، وهو مستوى مرتفع جدا.

في المؤشرات المرتبطة باستقرار الاقتصاد الكلي أيضا احتلت المملكة المركز الخامس دوليا في مؤشر نسبة الادخار الوطني إلى الناتج المحلي الإجمالي والتي بلغت 51 في المائة، وهي نسبة مرتفعة جدا بالمعايير الدولية، ولكن لا بد من التنبيه إلى أن هذه النسبة تشمل أيضا الادخار الحكومي والذي يعكس ارتفاع مستويات الفوائض المالية للدولة بسبب ارتفاع أسعار النفط، كذلك احتلت المملكة المركز الخامس دوليا في انخفاض معدلات الضريبة على الأرباح، حيث يقدر معدل الضريبة على الأرباح بنحو 14.5 في المائة في المتوسط، وهي من هذا المنطلق تعد أحد أقل الأماكن في العالم من حيث فرض الضريبة على أرباح الشركات.

احتلت المملكة أيضا المركز الخامس عالميا في مؤشر عدد اشتراكات خطوط الهاتف النقال، حيث يوجد نحو 185 اشتراكا لكل 100 من السكان، وهو معدل مرتفع جدا بالمعايير الدولية. كما احتلت المملكة المركز السادس عالميا في مؤشر نسبة فائض الميزانية إلى الناتج المحلي الإجمالي، والذي بلغ 15.2 في المائة، في الوقت الذي تواجه فيه الغالبية العظمى من دول العالم عجزا ماليا كبيرا في ميزانياتها سواء من الناحية المطلقة أو كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي. كما احتلت المركز السادس أيضا في مؤشر مشتريات الحكومة من منتجات التكنولوجيا المتقدمة.

يقدر تقرير التنافسية العالمي أن المملكة تحتل المركز السابع عالميا في مؤشر انخفاض الهدر في الإنفاق الحكومي، وهو ترتيب متميز بين دول الخليج، حيث نجد مثلا أن ترتيب الكويت في مؤشر الهدر في الإنفاق الحكومي يصل إلى 102 على المستوى الدولي. من ناحية أخرى، تحتل المملكة المركز الثامن عالميا في مؤشر الاستثمار الأجنبي المباشر ونقل التكنولوجيا، وإن كان هناك بعض المراقبين الذين يرون أن المملكة لم تستفد كثيرا من التسهيلات التي قدمتها للاستثمار الأجنبي المباشر، وأن نقل التكنولوجيا من خلال هذه القناة كان محدودا للغاية.

في ركن كفاءة سوق العمل تحتل المملكة المركز التاسع عالميا بالنسبة لمؤشر مرونة تحديد الأجور، بصفة خاصة في القطاع الخاص، حيث تعتمد الأجور على قوى العرض والطلب في الدرجة الأولى ولا توجد قيود تقريبا حول الحد الأدنى للأجور، خصوصا بالنسبة للعمالة الوافدة. كما تحتل المملكة المركز التاسع عالميا فيما يتعلق بمؤشر السيطرة على عمليات التوزيع الدولي لمنتجاتها، وهو ما يعكس المركز الرائد الذي تحتله المملكة كمصدر للنفط الخام ومنتجات البتروكيماويات.

وأخيرا فإن المملكة تحتل المركز العاشر عالميا فيما يتعلق بمؤشر ثقة الجمهور بالسياسيين في الدولة، كما احتلت المملكة المركز العاشر عالميا في مؤشر أثر الضرائب في الحافز على الاستثمار، حيث لا تشكل الضرائب في المملكة عائقا أمام الاستثمار سواء المحلي أو الأجنبي، نظرا لانخفاض مستوياتها، كما أشير أعلاه.

هذه هي المؤشرات التي احتلت فيها المملكة المراكز العشرة الأولى في مجال التنافسية على المستوى العالمي، ولكن ذلك لا يعني أنه لا توجد مؤشرات كان أداء المملكة فيها سيئا، فهناك الكثير من المؤشرات التي تحتاج إلى تحسين أدائها العام فيها، وهذا ما سنتناوله في الأسبوع القادم إن أحيانا الله.

لن تصبح «البت كوين» عملة المستقبل

في الأسبوعين الماضيين ناقشنا إمكانية أن يتوافر من البت كوين كميات كافية تكفي احتياجات العالم من النقود، وكذلك جوانب التهديد التي تمثله البت كوين للسياسة النقدية إذا ما حلت محل العملات المحلية لدول العالم، اليوم نناقش الفرضية التي يروج لها مؤيدو البت كوين بأنها سوف تصبح عملة المستقبل للعالم أجمع نظرا للمزايا التي تتمتع بها، وهو الاحتمال الذي أراه مستحيل التحقيق من الناحية العملية لعدة أسباب أهمها:

- أثبتنا في الأسبوع الماضي أن السلطات النقدية في العالم ستقاوم انتشار البت كوين، بصفة خاصة عندما تبدأ عمليات استخدامها على المستوى الدولي في الاتساع على النحو الذي يهدد العملات الرئيسة في العالم، وحتى الآن لا توجد بوادر لحدوث ذلك، لذلك لا نجد السطات النقدية الرئيسة في العالم قلقة من انتشار هذه العملة، وأعتقد أن ما يوصف بأنه مزايا هذه العملة يصل بنا إلى خلاصة مفادها أنه يستحيل تصور أن تصبح هذه العملة الافتراضية العملة الرسمية لدول العالم.

- يستند مؤيدو فكرة أن البت كوين ستصبح عملة العالم إلى أنها متحررة من أي تأثير للسلطات النقدية في العالم عليها، الأمر الذي يضمن استقرار الكميات المصدرة منها، لأن هناك حدا أقصى حول الكميات التي يمكن تعدينها، فضلا عن أن كل وحدة يتم تعدينها غير قابلة للتكرار على نظام التعدين، غير أن ذلك الأمر يعكس أيضا خاصية سيئة جدا للبت كوين وهي أن فقدان أي وحدة من هذه العملة يعني فقدانها للأبد واستحالة إحلالها بوحدة أخرى، أي أن العملة تحمل في طياتها عوامل انهيارها. فمن وقت لآخر تأتينا التقارير عن فقدان كميات من البت كوين على النظام، آخرها ما أعلن عنه موقع MtGox لتداول البت كوين هذا الأسبوع أن نحو 750 ألف وحدة تم فقدانها من محافظ العملاء على الموقع، الأمر الذي ترتب عليه توقف أهم مواقع تداول العملة عن العمل نهائيا وضياع عملات الأعضاء المسجلين فيه، إن صحت هذه التقارير فإن ذلك يعني أن نحو 5.8 في المائة من الكميات المتداولة "13 مليون وحدة تم تعدينها حتى الآن"، ونحو 3.6 في المائة من الحد الأقصى للعرض المفترض لهذه العملة فقدت إلى الأبد بين عشية وضحاها، وبالطبع لا يوجد بنك مركزي لكي يعوض العالم عن هذه الكميات التي تم فقدانها منها من خلال إعادة اصدارها مرة أخرى.

-= لكي تصبح العملة مثلى يفترض أن تتمتع بقدر ما من الاستقرار النسبي، أي لا تنخفض بصورة كبيرة وكذلك لا ترتفع بصورة كبيرة أيضا، بالطبع أفضل وضع لعملة العالم هو أن تتمتع بالاستقرار المطلق، حيث لا تتغير قيمتها حتى لا تؤثر على القيمة الحقيقية للكميات التي يحتفظ بها العام منها، وأفضل مثال على ذلك هو الدولار الأمريكي في مرحلة اتفاقية بريتونوودز التي أوقف العمل بها تقريبا في أوائل السبعينيات من القرن الماضي. فعبر الفترة من 1945 إلى 1970 ظل السعر الرسمي للدولار بالنسبة للذهب ثابتا عند 35 دولارا للأوقية، ولكن هذا الثبات المطلق لقيمة الدولار استوجب تعاون العالم كله مع الولايات المتحدة للحفاظ على استقرار سعر الذهب بالنسبة للدولار، وهي مهمة فشل العالم فيها، بصفة خاصة الولايات المتحدة التي لم تحافظ على العلاقة الثابتة بين الكميات المصدرة من الدولار ومخزون الذهب لديها فكان أن انهار النظام نتيجة لذلك، البت كوين أيضا تفتقر تماما إلى هذه الخاصية، ذلك أن استمرار قدرة البت كوين على توفير الكميات اللازمة لاحتياجات المعاملات في العالم يتطلب استمرار ارتفاع قيمتها مع نمو الطلب عليها، وقد يرى البعض أن استمرار ارتفاع قيمة البت كوين يمثل ميزة لضمان استقرار القوة الشرائية لهذه العملة، غير أن لهذا الارتفاع عيوب أيضا حيث سيصاحبه آثار انكماشية كبيرة، مع انخفاض كبير في القيمة الاسمية للأصول حول العالم، بينما ترتفع القيمة الحقيقية للدخول في الوقت ذاته، على النحو الذي يقتضي ضرورة مراجعة الأجور بتخفيضها من وقت لآخر حتى لا ترتفع تكلفة عنصر العمل مع ارتفاع قيمة البت كوين على النحو الذي يهدد قدرة المنتجين على مسايرة الارتفاع في القيمة الحقيقية للأجور، وهي مسألة ليست سهلة لأن الأجور تتسم بعدم القابلية للانخفاض.

- بما إن البت كوين لا تخضع لسيطرة أية سلطة نقدية محددة في العالم، كما لا تخضع عملياتها لأية مراقبات رسمية من خلال النظم المصرفية في العالم، وبما أنها عملة رقمية، فإن هذه العملة تظل في النهاية مجرد أرقام يتم اكتنازها في محافظ رقمية على الإنترنت، الأمر الذي يفتح المجال على مصراعيه للسطو عليها من خلال اختراق المواقع الإلكترونية التي تحتفظ بهذه المحافظ وسحبها إلكترونيا دون أي تعويض يمكن أن يحصل عليه مودعها، ومن ثم تفقد هذه العملة عنصر الأمان مقارنة بالعملات التقليدية التي غالبا ما تتمتع المودعات بها بالضمان الحكومي أو المصرفي من خلال التأمين عليها.

- إن سهولة التعامل بالبت كوين خارج النظم المصرفية في العالم جعلت من السهل استخدامها في تمويل العمليات غير القانونية عبر أنحاء العالم، وحاليا كل من يحتفظ بالبت كوين يمكن أن يوجه إليه هذا الاتهام، وقد تم القبض على مجموعة من المتعاملين منهم أحد المديرين التنفيذيين لاستخدام محتفظاتهم من البت كوين في تمويل العمليات المشبوهة مثل غسيل الأموال وتجارة المخدرات وتمويل الجريمة المنظمة... إلخ، بالطبع، هذه العمليات غير القانونية يتم عمليات تمويلها حاليا بعملات العالم، بصفة خاصة الدولار، ولكن ليس على هذه الصورة السهلة وهو ما يعني أن تبني العالم للبت كوين كعملة سينعش عمليات تمويل الجريمة المنظمة عبر أنحاء العالم حيث ستصبح عمليات تمويلها والاستفادة من عوائدها أمر في غاية السهولة عبر نظم تداول البت كوين، وقد أخذت العديد من دول العالم إجراءات تستهدف أساسا الحد من استخدام مثل هذه العملات الرقمية، وعلى رأسها البت كوين، على سبيل المثال الصين وروسيا.

باختصار شديد إن تحول البت كوين إلى عملة العالم يتطلب وجود بنك مركزي عالمي مختص بها ينظم أوضاعها والتحكم في قيمتها وطرق استخدامها... إلخ حتى يمكن السيطرة على أسعارها السوقية والتأكد من أنها لا تتطور على نحو يضر بالاقتصاد العالمي، وهو شرط أعتقد أنه يصعب وجوده في الوقت الحالي أو في المستقبل، فسوف تظل الاعتبارات الوطنية في عمليات إدارة السياسة النقدية هاجسا أساسيا لدول العالم على اختلاف نظمها الاقتصادية.

هل يمكن استبدال العملات الوطنية بالبت كوين؟

في حلقة الأسبوع الماضي من هذا المقال ناقشنا إمكانية أن تتوافر للعالم كميات كافية من البت كوين تكفي لتمويل احتياجاته المختلفة من النقد لتسوية المعاملات عبر الحدود والطلب على الاحتياطيات، وتوصلنا إلى نتيجة مفادها أنه على الرغم من محدودية الكميات التي يمكن تداولها منها، فإن طريقة تقسيم وحدة البت كوين وسعرها السوقي تسمح بالفعل للكمية المحدودة من البت كوين أن تبلغ عنان السماء من حيث القيمة، إلى الحد الذي يفوق احتياجات العالم اليومية من النقد، ولكن هل يمكن بالفعل استبدال العملات الوطنية لدول العالم بالبت كوين؟ هذا هو السؤال الذي أتناول الإجابة عنه بالتحليل اليوم.

واقع الأمر أن استبدال العملات الوطنية في دول العالم بالبت كوين ستترتب عليه عدة آثار خطيرة يمكن تلخيصها في الآتي:

- إن استخدام البت كوين بدلا من العملات الوطنية سيحرم الحكومات من إيرادات إصدار عملاتها الوطنية، أو ما يطلق عليه Seignorage، فمن المعلوم أن هناك علاقة ثابتة بين نمو الناتج المحلي الإجمالي والنمو في إصدار النقود، حيث إن الطلب على النقود يزداد سنويا بسبب النمو في حجم المعاملات الناتجة عن النمو، وهو ما يقتضي ضرورة طبع نقود إضافية كل عام لتدبير السيولة اللازمة لتمويل هذه المعاملات، والتي تمثل دخلا للدولة، ومن ثم فإن استبدال العملات الوطنية بالبت كوين سيؤدي إلى حرمان دول العالم من هذا المصدر التقليدي للإيرادات.

إن استبدال العملات الوطنية بالبت كوين سيلغي الدور الذي يقوم به البنك المركزي كأحد المؤسسات الاقتصادية الحيوية في الدولة، وكذلك الدور الذي تقوم به السياسات النقدية في دول العالم في تحقيق الاستقرار الاقتصادي، حيث ستصبح أدوات السياسة النقدية التقليدية غير ذات فاعلية، لأن البنك المركزي لن يتمكن من استخدامها أساسا، حيث يصبح من الصعب على البنك المركزي فرض حدود دنيا على نسب الاحتياطي القانوني الذي يجب أن تحتفظ به البنوك طالما أن الأساس النقدي للعملة ليس تحت سيطرته، كما سيفقد البنك المركزي وظيفته التقليدية كملجأ أخير لإقراض البنوك عندما تواجه هذه البنوك أزمة سيولة طارئة طالما أنه لا يصدر العملة، وبالتالي فلا يستطيع أن يقدم قروض مخصومة للبنوك، ومن ثم استخدام سعر الخصم كأحد أدوات السياسة النقدية. أكثر من ذلك فإن أهم أدوات البنك المركزي التقليدية في التحكم في عرض النقود من خلال ما يسمى بأداة عمليات السوق المفتوحة ستنتهي تماما، لسبب بسيط هو أن عرض البت كوين لن يعتمد على الكميات التي يضخها أو يسحبها أي من البنوك المركزية في العالم من السوق النقدي، وإنما يعتمد عرض النقود على العرض الدولي من البت كوين الذي لا تتحكم فيه البنوك المركزية في العالم.

- إن استبدال العملات الوطنية بالبت كوين سيحرم البنوك المركزية، خصوصا البنوك المركزية لدول العالم المتقدم من استخدام أدوات السياسة النقدية غير التقليدية مثل التيسير الكمي، والتي كانت بالنسبة لاقتصادات مثل الولايات المتحدة واليابان أحد أهم أدوات تحقيق الاستقرار الاقتصادي، فعلى الرغم من أن الجميع يهاجم الاحتياطي الفيدرالي بأنه يدمر قيمة الدولار من خلال ضخ تريليونات جديدة منه من خلال تكثيف استخدام الأدوات غير التقليدية للسياسة النقدية، إلا أنه لا يمكن تجاهل حقيقة أن هذه السياسات قد ساعدت على استعادة النمو في الاقتصاد الأمريكي وشجعت الطلب في بعض القطاعات مثل قطاع المساكن ودعمت الطلب على السلع المعمرة، فضلا عن مساعدة سوق العمل على تخفيض حجم ونسبة البطالة، ومن دون هذه الأدوات يصبح من الصعب جدا التعامل مع إفرازات أزمة مثل الأزمة المالية العالمية الحالية على الاقتصاد الأمريكي.

- إن احلال البت كوين محل العملات الوطنية لدول العالم سيحرم دول العالم من أن تستهدف معدل الفائدة المناسب لها وفقا لمتطلبات النمو في الطلب الكلي ومعدلات نمو الناتج، على سبيل المثال فإن القواعد النقدية المستخدمة في تحقيق الاستقرار الاقتصادي مثل قاعدة تايلور التي ينتشر استخدامها على نطاق واسع بين البنوك المركزية للدول الصناعية كوسيلة لتحقيق الاستقرار الاقتصادي اللازم، وذلك عن طريق تعديل معدلات الفائدة بمستويات محددة وفقا للقاعدة المستخدمة للتأكد من أن مسار النمو الاقتصادي يسير في الاتجاه المستهدف، مثل هذه القواعد المهمة جدا في تطبيق السياسة النقدية للبنوك المركزية في العالم ستختفي باختفاء العملات الوطنية لدول العالم لكي تحل محلها عملة واحدة، التي من المتوقع أن يكون لها معدل فائدة واحد عبر أنحاء العالم، وهو ما يعني ضمنا شلل السياسات النقدية في العالم التي تقوم أساسا على استهداف معدلات الفائدة الوطنية لأغراض تحقيق الاستقرار الاقتصادي.

- إن إحلال البت كوين محل العملات الوطنية سيحرم السلطات النقدية من استهداف التضخم كأحد المستهدفات الأساسية للسياسة النقدية وذلك من خلال التحكم في الكميات المصدرة من العملة المحلية. إذ يتزايد اتجاه البنوك المركزية في دول العالم اليوم إلى استهداف معدل محدد للتضخم يكون أساس عمل السياسة النقدية، وغالبا ما يكون هذا المعدل المستهدف في حدود 2 ـــ 3 في المائة، وعندما ينخفض معدل التضخم عن هذا المستويات المستهدفة، فإن مخاطر الكساد في الاقتصاد الوطني ترتفع، الأمر الذي يدفع البنك المركزي إلى زيادة عرض النقود بهدف رفع معدلات التضخم إلى المستويات المستهدفة، وعندما يرتفع معدل التضخم عن المستوى المستهدف فإن البنك المركزي يعمد إلى تقليل كمية النقود المتداولة للحد من النمو في الأسعار ولجذب معدلات التضخم نحو المستويات المستهدفة لها مرة أخرى، ومن المعلوم أن البنوك المركزية تحرص على ضمان حد أدنى من معدل التضخم سنويا لأسباب اقتصادية عديدة لا مجال لشرحها هنا. بالطبع عندما يتم إلغاء العملات الوطنية ستفقد الدول هذه المستهدفات المهمة في السيطرة على التضخم والتأكد من مساره في الاتجاه المرسوم له.

إن العرض السابق يوضح لنا بجلاء أن العملة الوطنية ليست مجرد شعار وطني أو أداة لنقل القيمة بين المتبادلين، وإنما تؤدي أدوارا أبعد من ذلك بكثير، وعندما تتخلى الدولة عن عملتها الوطنية فإنها تفقد استقلالها النقدي وقدرتها على ضبط إيقاع النشاط الاقتصادي المحلي فيها، لذلك ليس من المستغرب اليوم أن نجد السلطات النقدية في بعض دول العالم تنقض اليوم على البت كوين والعملات الشبيهة في محاولة للحد من استخدامها كوحدة إبراء للذمة مثلما فعلت الصين وروسيا لحماية عملاتها الوطنية من هذه المخاطر التي يمكن أن تتعرض لها سياساتها النقدية.

هل يمكن أن تصبح «البت كوين» عملة العالم؟

البت كوين هي وسيط رقمي للتبادل Cryptocurrency ، أو عملة رقمية يتم إصدارها من مصدر مفتوح للتعدين لأي شخص في العالم من خلال حل مجموعة من الخوارزميات المعقدة لكي يتمكن من تعدين "إصدار" هذه العملة وتحويلها إلى أصل في محفظة مالية خاصة لتستخدم بعد ذلك عبر الإنترنت مثلها مثل أي عملة في العالم، غالبا تحت أسماء مستعارة.

تختلف البت كوين عن باقي عملات العالم في أنه لا يتم إصدارها من جانب بنك مركزي، ولا تحمل شعار دولة، وليس هناك سياسة نقدية ترتكز عليها، أو سلطات نقدية تدافع عنها، وتستغل هذه الخصائص للترويج لها على أنها لا تخضع لتأثير أي سلطة نقدية تتلاعب بكمياتها ولا تتعرض بالتالي لمخاطر تراجع قوتها الشرائية. وبالمناسبة هي ليست العملة الرقمية الوحيدة، ولكنها أشهرها في العالم، وكنت قد تناولت هذه العملة بالتحليل في مقالين متتاليين على "الاقتصادية" بعنوان "النقود الافتراضية" وذكرت أن من قام بإدخال هذه العملة يدعى "نوكاموتو ساتوشي"، وحتى اليوم لا يعرف ما إذا كانت هذه التسمية تعود لشخصية حقيقية أم لجماعة أو لمؤسسة... إلخ.

التساؤل الأساسي التي أحاول أن أناقشه اليوم هو هل يمكن أن تتحول البت كوين إلى عملة العالم لتحل محل العملات التقليدية مثل الدولار الأمريكي؟ وهل بالفعل يمكن أن تلقى عملة رقمية لا يصدرها بنك مركزي في العالم قبولا من المتعاملين فيها لتحل محل العملات التقليدية؟ وهل نحن بصدد دخول مرحلة جديدة من التاريخ النقدي للعالم تختفي فيه النقود التقليدية لتستخدم بدلا منها نقود رقمية مستقلة لا تتبع سلطة نقدية محددة في العالم؟ وهل من الممكن أن تستخدم البت كوين كعملة احتياط عالمية لدى البنوك المركزية، حيث تصبح وسيلة الدفع الأساسية في المعاملات التجارية أو المالية الدولية؟ لعل القارئ المتخصص يدرك أن هذه أسئلة في غاية الحرج، والإجابة عنها أيضا مسألة في غاية الصعوبة لتعدد العوامل التي تلعب دورا أساسيا في هذا المجال.

في هذا المقال سأحاول الإجابة عن السؤال الأول، منبها القارئ في البداية إلى أن عملات العالم هي العملات التي تلقى قبولا واسعا على المستوى الدولي، وتتوافر منها كميات كافية لتلبية احتياجات المتعاملين فيها لتسوية المعاملات التجارية والمالية عبر الحدود، فضلا عن استخدامها كأصل احتياطي لدى البنوك المركزية، ويدعم هذه العملات أسواق مال واسعة بصفة خاصة للسندات قصيرة الأجل التي تسمح باستثمار فوائض هذه العملات فيها، ولهذه الخصائص يعد الدولار واليورو أهم عملات العالم.

ما إن تم إصدار البت كوين حتى أخذت أخبارها تنتشر على نحو كبير بين وسائل الإعلام المختلفة، كما حظيت باهتمام البنوك المركزية في العالم، وبدأ الحديث عن نمط جديد من النقود الرقمية أو الافتراضية التي تنخفض رسوم استخدامها على نحو كبير مقارنة بالبطاقات الائتمانية، لدرجة أن البعض أصبح يبشر بقدوم عصر النقود الرقمية، واختفاء النقود التقليدية. شخصيا أعتقد أن انتشار البت كوين على هذا النحو الذي نراه حاليا لم يكن ليحدث لولا الأزمة المالية العالمية، وتراجع ثقة الكثير من الناس بعملات دولهم أو في العملات الدولية بصفة خاصة الدولار، وتراجع فرص الاستثمار المربح مع تراجع معدلات الفائدة إلى الصفر تقريبا في معظم دول العالم، وانتشار الدافع نحو المضاربة في أصول تحقق عوائد مرتفعة مثل الذهب، ومن ثم مثلت البت كوين بديلا أمثل للمضاربين الذين يبحثون عن العائد المرتفع ولديهم استعداد لتحمل المخاطرة.

وفقا لنظام البت كوين فإن الحد الأقصى الذي يمكن تعدينه منها يبلغ 21 مليون وحدة فقط، تم تعدين نحو 12 مليون وحدة منها حتى الآن، وحاليا يتم تعدين نحو 3600 وحدة بت كوين في اليوم حول العالم، وآخذا في الاعتبار أن هناك تسعة ملايين وحدة تقريبا هي ما تبقى منها للتعدين يمكن القول إنه بمعدلات التعدين الحالية فإن الكمية المصدرة من البت كوين ستصل إلى حدها الأقصى في غضون نحو ست سنوات من الآن. غير أن عملية خلق البت كوين لا تتم على هذا النحو، فكل عدة سنوات يتم تخفيض الكميات التي يمكن تعدينها يوميا إلى النصف، مما يعني أن المجال سيظل مفتوحا لأن تستمر عمليات التعدين لعشرات، أو ربما مئات السنين في المستقبل.

ولكن كيف يمكن لـ 21 مليون وحدة نقدية أن تصبح عملة العالم الذي يحتاج إلى كمية هائلة من النقود يوميا لتمويل معاملاته التجارية والمالية؟ على سبيل المثال تشير إحصاءات بنك التسويات الدولية أخيرا إلى أن العالم يتداول أكثر من خمسة تريليونات دولار يوميا في سوق النقد الأجنبي، فكيف يمكن أن تحل 21 مليون وحدة من هذه العملة محل الدولار مثلا؟ الإجابة تكمن في طريقة تقسيم هذه العملة، فقد تعمد من أنشأ هذه العملة إلى تقسيم وحدة البت كوين إلى جزيئات تسمى ساتوشي، حيث يسمح للقيمة الإجمالية لها بأن تصل إلى أي رقم، فكل وحدة بت كوين تحتوي على 100 مليون ساتوشي، معنى ذلك أنه إذا كان المتعاملون في هذه العملة اليوم يتعاملون أساسا بوحدة البت كوين، فإن المجال يعد مفتوحا للتعامل بوحدة الساتوشي عندما ترتفع أسعارها في المستقبل.

لو تصورنا مثلا أن البت كوين تحولت الى عملة للعالم وارتفعت قيمة الساتوشي الواحد لتبلغ دولارا واحدا، فإن وحدة البت كوين ستصبح قيمتها 100 مليون دولار، وبأخذ الحد الأقصى المسموح بتعدينه من البت كوين في الاعتبار وهو 21 مليون وحدة، فإن اجمالي العرض من الأساس النقدي Monetary Base للبت كوين سيبلغ 2100 تريليون دولار، وهو رقم خيالي يتجاوز احتياجات العالم من النقود مئات المرات.

بالطبع إذا سمحت دول العالم أن يتم فتح حسابات لدى البنوك بالبت كوين وبدأت البنوك في ممارسة نشاطها التقليدي بتحويل المودعات إلى قروض ومن ثم خلق ودائع "نقود" من هذه المودعات، فإن عرض النقود من البت كوين سيتسع على نحو كبير ويعتمد ذلك على مضاعف خلق الودائع، على النحو الذي يضمن أن عرض النقود من البت كوين على المستوى العالمي يمكن أن يصل إلى مستويات تكفي تمويل احتياجات العالم أجمع منها.

والآن إذا كانت البت كوين تسمح بتوفير حاجة العالم الكمية من النقود فهل يمكن أن تتحول البت كوين إلى عملة العالم؟ الإجابة من الناحية النظرية نعم، فطريقة تقسيم هذه العملة وتسعيرها يمكن أن تسمح بتوفير أساس نقدي يكفي احتياجات العالم كله من النقود، ولكن هناك من العوامل ما يمنعها من أن تقوم بذلك، وهذا ما سأحاول تحليله في مقالي الأسبوع القادم إن أحيانا الله.

هل هناك فقاعة جديدة لأسعار المساكن في دبي؟


في تقريرها عن التطورات في الطلب على المساكن الجديدة في العالم أشارت مؤسسة Knight Frank للاستشارات العقارية إلى أن الطلب العالمي على تلك المساكن كان الأعلى عالميا في هونج كونج ودبي، فمنذ 2009 ازداد الطلب على المساكن في هاتين البقعتين بنسبة 81 في المائة و63 في المائة على التوالي، على الرغم من الانهيار الذي شهدته أسعار المساكن في أعقاب الأزمة المالية العالمية، أكثر من ذلك ففي مسح للمؤسسة عن اتجاهات المستثمرين الدوليين في الطلب على المساكن، أشار 47 في المائة منهم إلى أنهم يبحثون دائما عن البقع الآمنة للاستثمار التي يطلق عليها الجنة الآمنة Safe Heaven، والتي من بينها دبي.

من الطبيعي أن يصاحب هذا النمو الكبير في الطلب ارتفاع أسعار المساكن في دبي الذي قدرته مؤسسة Knight Frank في مؤشرها Knight Frank Global House Price Index عن النمو في أسعار المساكن في العالم بنحو 28.5 في المائة، عن الفترة من الربع الثالث 2012 حتى الربع الثالث 2013، وفي ترتيبها لدول العالم وفقا لمعدلات الارتفاع في الأسعار جاءت دبي في المركز الأول عالميا، تليها الصين بمعدل ارتفاع 21.5 في المائة خلال الفترة ذاتها، ثم هونج كونج وتايوان وإندونيسيا.

كمركز إقليمي وعالمي للاستثمار العقاري، لا تبني دبي مساكن لمواطنيها، وإنما تبني مساكن للعالم أجمع وتطرحها لمن يرغب في الاستثمار فيها، أو بالأحرى في المضاربة عليها من المقيمين في الإقليم أو الخارج، بالطبع كلما ارتفع معدل الزيادة في أسعار المساكن داخل الإمارة ازداد الإقبال عليها وازدادت جاذبية قطاع المساكن للمستثمرين من شتى أنحاء العالم الذين يبحثون عن العائد المرتفع في غضون فترة زمنية قصيرة، وقد تعددت المشروعات الإسكانية الضخمة والفاخرة في الوقت ذاته قبل انهيار 2008، غير أن الأزمة أدت إلى ركود في سوق المساكن في الإمارة مع تراجع الأسعار لأكثر من 60 في المائة في بعض الحالات، وتوقف بعض المطورين عن رد مستحقات من قاموا بالحجز في هذه المشروعات، وفي خطوة لتعزيز مركز دبي السكني في العالم انطلقت في 2012 عدة مشروعات ضخمة على رأسها مدينة محمد بن راشد، كما عادت حمى بناء الأبراج من جديد مدفوعة بالتطور الإيجابي لدى المستثمرين في الطلب على مساكن الإمارة. ذلك أن فورة الأسعار تغري بإدخال المزيد من المشروعات للاستفادة من ارتفاع الطلب وتحقيق أرباح استثنائية من نمو الطلب، ولضمان تدبير الاحتياجات التمويلية للبناء من خلال أكبر قدر من حجوزات المساكن.

أدت عودة الارتفاعات في أسعار المساكن في دبي إلى تزايد الكتابات التي تتحدث من عودة الفقاعة السعرية للمساكن في الإمارة. ففي أوائل العام الماضي حذر صندوق النقد الدولي من أن هناك فقاعة عقارية جديدة تتكون في دبي مع ارتفاع أسعار المساكن فيها على نحو واضح، قدّرها الصندوق بنحو 16 في المائة في الربع الأول من العام الماضي، وعلى الرغم مما أثاره تحذير الصندوق من صدى في وسائل إعلام المنطقة، إلا أن ذلك لم يوقف التسابق نحو الاستثمار في سوق المساكن في دبي، خصوصا بعد فوزها بتنظيم معرض إكسبو 2020، حيث اندفع المستثمرون نحو الإمارة على نحو واضح، مع أنه ليس من المفترض أن يترتب على استضافة مثل هذا المعرض الدولي لمدة ستة أشهر أن يحدث هذا النمط من التدافع على الشراء.

يعرف روبرت شيلر عالم الاقتصاد المتخصص في هذا المجال الحائز على جائزة نوبل فقاعة المساكن على أنها "وباء اجتماعي تعززه العدوى بين الأشخاص في هذا المجتمع، وتتكون الفقاعة عندما تنتقل العدوى بين الأفراد والخاصة بوجهات النظر التي تدعم الفقاعة"، فانتشار التقليد من شخص إلى آخر مدفوعا بمعدلات العائد التي حصل عليها الآخرون، أو سعيا وراء العائد السريع الذي يمكن أن يكون الغير قد حققه، هو الذي يدفع بالقطيع إلى الهرولة نحو الأصول غير مبالين بطبيعة المخاطر التي يمكن أن يتعرضوا إليها في حال انهيار أسعارها، إنه نفس السلوك الذي يتكرر في كل مرة تتشكل فيها فقاعة سعرية لأصل محدد في العالم على اختلاف الثقافات أو الموقع الجغرافي، والعجيب أنه في كل مرة تنشأ فيها فقاعة لسعر أحد الأصول تنتشر بين المتعاملين في الأصل عبارة "الوضع هذه المرة مختلف This time is different"، وهي نفس هذه العبارة التي تتداولها الكتابات التي تتناول أوضاع مساكن دبي في الوقت الحالي، نافية احتمال أن يكون هناك تشابه بين ما يحدث حاليا وما حدث في 2008، وبالطبع هناك عشرات التبريرات لاختلاف الوضع.

بغض النظر عما يحدث للأسعار، فمن الواضح أن هناك عودة قوية للمضاربين من شتى أنحاء العالم لسوق المساكن في دبي، فالخليجيون ينظرون إلى دبي على أنها مركز آمن لتحقيق الأرباح السريعة في مناخ لا يختلف كثيرا عن أماكن إقامتهم ويسهل الوصول إليه، بل بفضل روابط بعضهم الوثيقة مع سكان الإمارة يمكن متابعة استثماراتهم هناك بصورة لصيقة، بينما تمثل دبي بالنسبة للأوروبيين جنة للاستثمار دون ضرائب تلاحقهم على ما حققوه من نمو في مستويات ثرواتهم مثلما هو الحال في دولهم، حتى الصينيون أخذ اهتمامهم بالإمارة يتزايد في الأيام الأخيرة بعد تصاعد مخاطر سوق المساكن في الصين.

وفقا للتقرير الذي نشرته الاقتصادية يوم الأربعاء الماضي فإن الأموال التي تتدفق إلى دبي تأتي أساسا من الدول المحيطة في المنطقة، بصفة خاصة من المملكة، وحسب تقرير الاقتصادية فإن المستثمرين السعوديين يتصدرون مستثمري الخليج بعد الإماراتيين، حيث بلغت استثماراتهم 4.6 مليار درهم في نهاية العام الماضي، إضافة إلى أكثر من ملياري درهم في عام 2012.

النمط السائد للمضاربة على المساكن هو امتلاك العقار ثم بيعه بعد فترة قصيرة للاستفادة من ارتفاع سعره وتحقيق عائد معقول خلال فترة زمنية قصيرة، وهو السلوك الذي يغذي الفقاعة ويزيد من مخاطر تكونها. لذلك يجب أن تعمل حكومة دبي على وقف مثل هذا النمط من المضاربة بحيث تكون الإمارة مكانا أكثر أمانا للاستثمار بعيدا عن أيدي العابثين من المضاربين، على سبيل المثال يمكن فرض "ضريبة تصاعدية على المعاملات العقارية يرتفع معدلها كلما قصر المدى الزمني بين شراء العقار وبيعه"، حتى تخف حدة التداولات في العقار على المدى القصير، والتي لا أساس لها سوى المضاربة والضغط على الأسعار نحو الارتفاع إلى مستويات تضر بالجميع على المدى الطويل.

فما لم يتم كبح جماح ارتفاع أسعار المساكن في الإمارة على النحو الذي يحد من مخاطر الفقاعة السعرية فإن سوق دبي ستظل تواجه مخاطر الانهيار السعري، وحاليا تفكر الإمارة في إدراج مجموعة من التشريعات التي تحافظ على استقرار سوق المساكن، بصفة خاصة ضد عمليات المضاربة على الأسعار، وهو تطور في غاية الأهمية للحفاظ على دبي كمركز لاستقطاب الاستثمارات الدولية في العقار، ذلك أن استمرار نجاح الإمارة في الحفاظ على هذا المركز سيعتمد على مدى نجاحها في ضبط ممارسات المضاربة، وهو سلاح ذو حدين للأسف الشديد، فمن ناحية يساعد على حفظ الوضع الذي تحتله الإمارة على المستوى الدولي كمركز آمن للاستثمار، لكنه في الوقت ذاته قد يحد من إقدام المضاربين على الاستثمار في الإمارة، والذي يعتمد أساسا على معدلات النمو المرتفعة في الأسعار، وهم من يتطلع إليهم المطورون العقاريون دائما.

ففي محاولة للحد من عمليات المضاربة على أسعار المساكن في الإمارة قامت الحكومة برفع رسوم تسجيل العقارات من 2 إلى 4 في المائة من قيمة العقار فضلا عن وضع بعض القيود على عمليات الإقراض العقاري، غير أنه طالما أن معدلات الارتفاع في أسعار المساكن تتجاوز نسب الرسوم المفروضة على المبادلات العقارية، فيمكن القول إنه ليس من المتوقع أن يترتب على فرض الرسوم وقف اتجاهات المضاربة على المساكن، إلا إذا كانت معدلات تلك الرسوم مرتفعة إلى الحد الذي يوقف الاتجاه نحو المضاربة، وهذا ما يجب أن تفكر فيه الإمارة على نحو جدي في الوقت الحالي.

والآن: هل يعني ذلك أن فقاعة أسعار المساكن في دبي مرشحة للانفجار قريبا؟ الإجابة: بالطبع لا، ففقاعة أسعار المساكن عادة ما تستغرق وقتا طويلا قبل انفجارها، على سبيل المثال لقد تطلب الأمر سنوات قبل أن تنفجر فقاعة أسعار المساكن في الولايات المتحدة، مسببة آثارا كارثية على اقتصادات العالم أجمع وما زال يعاني آثارها حتى يومنا هذا. فقط عندما تصبح أسعار المساكن خيالية وتنمو بمعدلات تفوق التوقعات في غضون فترات قصيرة، وتندلع حمى الشراء بين المضاربين بغض النظر عن مستويات الأسعار، هنا يمكن الحديث عن قرب انفجار الفقاعة السعرية، وهذا ما لا يحدث في الوقت الحالي، فعلى الرغم من التحذيرات من ارتفاع معدلات النمو في أسعار المساكن في الإمارة إلا أنها ما زالت في نطاق المستويات المعقولة عالميا، ما قد يفسح المجال أمام حكومة الإمارة لاتخاذ الترتيبات اللازمة للتعامل مع الارتفاع غير المنطقي للأسعار بحيث تظل معدلات نمو أسعار المساكن تحت السيطرة، على سبيل المثال بفرض ضريبة عقارية على الارتفاع السنوي في قيمة المساكن، خصوصا على غير المقيمين.

وأخيرا أعتقد أن انفجار فقاعة أخرى للمساكن في دبي سوف يحول سوق المساكن في الإمارة إلى سوق سيئة السمعة من الناحية الاستثمارية، وهو ما يجب أن تعمل دبي على تجنبه بشتى الطرق، حتى لا تتحول المباني الشاهقة فيها إلى مساكن للأشباح، وفي رأيي أن عودة المضاربين للإمارة تقتضي ضرورة العمل على تغيير مناخ الأعمال في سوق المساكن على النحو الذي يسمح لها بتنويع مصادر دخلها من ناحية وكبح ضغوط المضاربة من ناحية أخرى وذلك من خلال فرض ضرائب مرتفعة على عمليات التبادل العقاري في الإمارة إلى الحد الذي يحجم ممارسات المضاربة على المساكن من ناحية وفي الوقت ذاته يسمح للمالية العامة للإمارة بأن تأخذ حصتها العادلة من هذا النمو في أسعار المساكن.

احتياطيات الأرجنتين .. هل تتكرر أزمة 2002؟

في أواخر كانون الثاني (يناير) الماضي قامت الحكومة الأرجنتينية بالسماح بانخفاض قيمة البيزو بنحو 18 في المائة، فقد شهد الشهر الماضي انخفاض البيزو إلى أدنى مستوياته منذ عام 2002، وذلك عندما أعلن البنك المركزي وقف تدخله في سوق النقد الأجنبي لحماية البيزو في ظل عمليات النزوح المستمر لرأس المال، وذلك في محاولة للحفاظ على الاحتياطيات من النقد الأجنبي من التآكل نتيجة عمليات التدخل المستمر التي قام بها في سوق النقد الأجنبي، خصوصا بعد أن انخفضت الاحتياطيات إلى الثلثين تقريبا هذا العام مقارنة بالعام الماضي، وهو ما أعاد حكايات الماضي مرة أخرى بين الأرجنتينيين والمستثمرين في العالم، حينما أعلنت الحكومة في عام 2002 توقفها عن سداد دينها المقدر بنحو 100 مليار دولار، الأمر الذي أحدث زلزالا في الأسواق المالية في العالم.

الأرجنتين تصنف على أنها ثالث أكبر اقتصاد في أمريكا اللاتينية، ومع ذلك تعد من أكثر اقتصادات العالم عرضة للأزمات في الوقت الحالي، فعبر نصف القرن الماضي والأرجنتين تعاني ارتفاع معدلات التضخم، ويعتقد حاليا أن الأرجنتين تواجه أعلى معدلات التضخم في أمريكا اللاتينية بعد فنزويلا، ففي السنة الماضية ارتفع معدل التضخم لأكثر من 25 في المائة، ويتوقع ألا يقل عن 30 في المائة في السنة الحالية، بينما تظهر البيانات الحكومية أن معدل التضخم أقل من نحو 11 في المائة فقط خلال العام، حيث اعتادت الحكومة أن تلعب ببيانات التضخم نظرا لأن العوائد على جانب من سنداتها مربوط بالتضخم.

الشهر الماضي عرضت الأرجنتين على المستثمرين استبدال سندات مستحقة بنحو 17.5 مليار بيزو بسندات أخرى تستحق عام 2019، وذلك بهدف خفض معدلات الفائدة وإطالة أمد استحقاق السندات لكي تتجنب زيادة عرض النقود، فمن دون الاستبدال لن يكون هناك أمام الحكومة من مفر سوى طباعة نقود مقابل هذه السندات المستحقة، وهو ما يرفع من عرض النقود ويؤدي إلى تغذية التضخم المرتفع الذي تعانيه الأرجنتين.

أخيرا أصبحت الأرجنتين تفقد نحو مليار دولار من احتياطياتها من النقد الأجنبي شهريا في الدفاع عن عملتها "البيزو"، ففي أواخر عام 2011 بلغت احتياطيات الأرجنتين من النقد الأجنبي نحو 52 مليار دولار، وقد ترتب على التدخل المستمر في سوق النقد الأجنبي إلى تراجع هذه الاحتياطيات إلى 25 مليار دولارا الشهر الماضي، وهو ما دفع الحكومة إلى فرض قيود على التعامل في العملات الأجنبية، حيث حدت الحكومة من القدرة على سحب المودعات بالدولار، وهو ما أدى إلى خلق المزيد من الاختناقات في سوق الصرف الأجنبي، وانتعاش السوق السوداء للعملة مرة أخرى، حيث يمكن للمتعاملين بيع الدولار بضعف السعر الرسمي تقريبا.

لكي تمنع التدهور في عملتها وتوقف احتمالات نشوب أزمة مالية كتلك التي تعرضت لها في 2002، سمحت الحكومة للمواطنين بتحويل جانب من مودعاتهم بالبيزو إلى دولارات، ففي الشهر الماضي أيضا أعلنت الحكومة عن السماح للمواطنين بشراء الدولار لأول مرة منذ سنوات، حيث يمكن للأرجنتينيين الذين يزيد راتبهم على 900 دولار شهريا شراء الدولار بحد أقصى 2000 دولار في الشهر. على أن يتم الاحتفاظ بها في البنوك، كما تم تخفيض الضريبة على سحب الدولار من 35 إلى 20 في المائة خلال شهر، والتي يمكن تجنبها إذا ما تم الاحتفاظ بالدولارات في البنوك لمدة عام، الأمر الذي يستهدف وقف تراجع قيمة البيزو وتوفير حوافز نحو زيادة الادخار بالنقد الأجنبي ووقف عمليات خروج رؤوس الأموال إلى الخارج.

أكثر من ذلك أعلنت الحكومة عن فرض قيود على عمليات الشراء من الخارج من خلال الإنترنت لكي توقف من تدفق الدولارات إلى الخارج، حيث يمكن للأرجنتينيين عمل مشتريات لمرتين فقط في السنة وحيث لا تتجاوز قيمة المشتريات في المرة الواحدة 25 دولارا، وإلا يتم فرض ضرائب عليها بنسبة 50 في المائة.

التجربة الأرجنتينية توحي بأنه كلما ازدادت القيود الرقابية على السوق السوداء تباعد الفرق بين معدل الصرف فيها وبين المعدل في السوق الرسمي، وهو ما يدفع الحكومة من وقت إلى آخر للتدخل في سوق النقد الأجنبي للدفاع عن العملة ولحمايتها من التراجع، وبالطبع كلما زادت القيود قلت ثقة الأفراد والمستثمرين الدوليين بالعملة، الأمر الذي يعقد الأمور على نحو أكبر. ونتيجة للتجربة السابقة في الحالات المماثلة يميل المواطنون إلى الاحتفاظ بالدولار، وذلك لمواجهة استمرار تراجع قيمة البيزو في سوق النقد الأجنبي، بصفة خاصة في السوق السوداء، وحتى الآن ساعد التدخل من جانب البنك المركزي على الحفاظ على السعر الرسمي في حدود ثمانية بيزو للدولار، في الوقت الذي بلغ فيه معدل صرف السوق السوداء 13 بيزو للدولار.

أهم المخاطر التي تواجه الأرجنتين على عملتها في الوقت الحالي هي عمليات هروب رؤوس الأموال، التي تؤدي إلى تزايد عجز ميزان المدفوعات وتآكل الاحتياطيات من النقد الأجنبي، في الوقت الذي تنخفض فيه قدراتها على الوصول إلى أسواق الدين بالنقد الأجنبي، نظرا لانخفاض تصنيفها الائتماني. فلفترات طويلة تصنف CMA سندات الدين الأرجنتيني على أنها واحدة من أخطر ديون العالم.

الحكومة الأرجنتينية تواجه تراجع الثقة بقدراتها على الحفاظ على العملة، في الوقت الذي تفقد فيه الدولة جانبا كبيرا من احتياطيات النقد الأجنبي، وفي ظل الاحتياطيات المتراجعة فإن استمرار التراجع في قيمة العملة يصبح أمرا مؤكدا، وإن كان حجم ونطاق والنتائج المترتبة على تخفيض قيمة العملة ستعتمد على ما إذا استطاعت الحكومة اقناع الجمهور بأنها قادرة على حماية العملة من التدهور.

الأرجنتين تتبع أيضا نظاما مكثفا للدعم وهو ما يفرض ضغوطا على الميزانية، مسببا المزيد من العجز المالي الذي أدى إلى ارتفاع أسعار المستهلك ما دفع الحكومة لفرض قيود سعرية على 190 سلعة، وبالتالي فما لم تتخذ الحكومة إجراءات لخفض الإنفاق الحكومي والحد من الدعم وتحسين معدلات الفائدة، حيث تصبح معدلات الفائدة الحقيقية موجبة، فإن الفروق بين معدل الصرف الرسمي ومعدل صرف السوق السوداء ستستمر، وسيستمر الأرجنتينيون في التحول من البيزو نحو الدولار مهما بلغت تكلفته.

التوقعات المستقبلية ليست مطمئنة، فالمراقبون يتوقعون أن يستمر انخفاض البيزو ليصل السعر الرسمي إلى 12 بيزو للدولار بنهاية العام وأن يستمر معدل التضخم في الارتفاع واستمرار تراجع معدل الصرف في السوق السوداء وتزايد الضغوط على معدل الصرف الرسمي نحو التراجع. ولكن هل يعود إلى الساحة شبح أزمة 2002؟ على الرغم من كل هذه الضغوط ما زال المراقبون يتوقعون أن الأرجنتين ستخرج من أزمتها بصورة أسهل عما حدث في 2002.

محاولات مستميتة لإنقاذ الليرة التركية

يعتبر الاقتصاد التركي واحدا من الاقتصادات التي يطلق عليها العالم اليوم عبارة "الخمس الهشةThe Fragile Five" أي الاقتصادات الأكثر عرضة لأي تقلبات تحدث في الأسواق العالمية، التي تشمل تركيا والبرازيل والهند وجنوب إفريقيا وإندونيسيا. هذه الدول تواجه عمليات خروج ضخمة من جانب المستثمرين الدوليين والذين حولوا استثماراتهم من عملات هذه الدول إلى عملات دول أكثر استقرارا على المدى الطويل مثل الدولار الأمريكي، خصوصا بعد أن أخذت العملات الدولية الرئيسة في الارتفاع وأصبحت أكثر أمانا عن ذلك قبل، حيث ينظر اليوم إلى السندات الأمريكية على أنها تقدم بديلا أفضل من السندات الخطرة ذات معدلات العائد المرتفع للدول الهشة ماليا.

منذ فترة والعملة التركية تفقد جانبا من قيمتها بسبب تراجع معدلات صرف الليرة بالنسبة للعملات الأجنبية، وعلى رأسها الدولار، وخلال الشهرين الماضيين فقط فقدت نحو 15 في المائة من قيمتها، وفي يوم الإثنين الماضي ارتفع معدل صرف الدولار إلى مستويات قياسية جديدة عندما بلغ 2.39 ليرة للدولار، وأصبح من الواضح أنه لا بد من اتخاذ إجراءات استثنائية في تركيا للحد من الاتجاه النزولي لليرة ودعم مستويات الثقة بها من جانب المستثمرين الدوليين.

معظم المراقبين ينظرون إلى الانخفاض في الليرة على أنه نتيجة تصاعد الأزمة السياسية حول فضيحة الفساد المرتبطة بأعوان رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان، وكذلك تصاعد القلق حول أداء الاقتصاد التركي، في الوقت الذي تنظر فيه الحكومة إلى أثر الأزمة السياسية في الاقتصاد على أنه مؤقت، لذلك حاول البنك المركزي تجنب رفع معدلات الفائدة لدعم الليرة وذلك أخذا في الاعتبار أن رفع معدلات الفائدة يؤدي إلى التأثير السلبي في مستهدفات النمو، خاصة بعد تراجع معدلات النمو من نحو 9 في المائة تقريبا في عامي 2010-2011 وفقا لتقديرات صندوق النقد الدولي، إلى نحو 2.2 في المائة فقط في 2012، كما أن التقديرات المتوقعة في 2013 ليست براقة، حيث يقدرها صندوق النقد الدولي بنحو 3.6 في المائة في 2013.

لقد صرح رئيس الوزراء رجب طيب أردوغان، قبل اجتماع البنك المركزي يوم الثلاثاء الماضي بأنه لا يريد التعليق حول الموضوع حتى لا يقال إنه يتدخل في أعمال البنك المركزي، كما أنه ضد أي ارتفاع في معدلات الفائدة هذه الأيام، وأنه ليس لديه سلطة التدخل في أعمال البنك المركزي وأن المسؤولية في هذا الجانب تقع عليهم.

غير أن البنك المركزي التركي كان واقعا تحت تأثير الأسواق التي كانت دائما ما تطالب برفع معدلات الفائدة على الليرة، وفي خطوة وصفها المراقبون بالعنيفة قام البنك المركزي التركي برفع معدلات الفائدة على الليرة التركية في اجتماع طارئ يوم الثلاثاء الماضي بهدف رفع قيمة الليرة، حيث أعلن عن رفع معدل الفائدة على الإقراض اليومي بنسبة من 7.75 في المائة إلى 12 في المائة، أي بنحو 4.25 في المائة دفعة واحدة، كذلك تم رفع معدل الاقتراض لمدة ليلة من 3.5 في المائة إلى 8 في المائة.

لم يكن أحد يتوقع أن يقوم البنك المركزي التركي برفع معدلات الفائدة بهذا القدر، كانت هناك توقعات برفع معدلات الفائدة، ولكن ليس بأكثر من 4 في المائة، وفي رأيي أن الزيادات المرتفعة لمعدلات الفائدة التركية أشبه بالمحاولات اليائسة لإنقاذ الليرة من التدهور ولتجنب أزمة كامنة لليرة في الأسواق المالية الدولية، التي أخذت ملامحها تتسع في الأيام السابقة على اجتماع البنك المركزي، فضلا عن تعزيز ثقة الأسواق بقدرة البنك المركزي التركي على السيطرة على الانخفاض في قيمة الليرة، وتعزيز سمعته في هذا الجانب.

ليس هناك من خلاف على أنه لم يكن هناك خيار أمام البنك المركزي سوى اتخاذ إجراء في هذا المجال، ولكن حجم الرفع في معدلات الفائدة كان كبيرا إلى الحد الذي تزداد معه المخاوف من أنه ستكون له تأثيرات سلبية في النمو الاقتصادي الذي يواجه مشكلات في الوقت الحالي كما ذكرنا. أكثر من ذلك فإنه ليس من الواضح ما إذا كان رفع معدلات الفائدة سيؤدي إلى تعزيز قيمة الليرة التركية في الأسواق على المديين القصير والمتوسط أم لا.

لقد نظر المراقبون إلى الارتفاع في معدلات الفائدة على أنه سيعطي الليرة بعض الدفع المؤقت، إلا أنه لن يؤدي إلى إنهاء التقلب الشديد الذي تواجهه في الأسواق، ذلك أن استخدام معدلات الفائدة للدفاع عن العملة غالبا ما تكون عواقبه وخيمة، إذ يمكن استخدامه مرة أو لمرات محدودة جدا، ولكن لا يمكن تكرار استخدامه كسياسة للدفاع عن العملة، خصوصا على هذا النحو الكبير، فضلا عن أنه في الحالات الهشة غالبا ما يكون تأثيره محدودا، وهذا ما حدث مع الليرة التركية، فقد ارتفعت قيمة الليرة التركية صباح الأربعاء إلى 2.229 للدولار مستفيدة من القرار، ولكن لم يمر ظهر اليوم حتى تراجعت مرة أخرى إلى 2.3 للدولار تقريبا، وحتى الانتهاء من كتابة هذا التحليل لم تفلح الخطوة التي اتخذها البنك المركزي التركي في رفع قيمة الليرة، وظلت قيمة العملة التركية منخفضة ولم تستعِد العملة مستوياتها السابقة قبل رفع معدلات الفائدة.

كانت معدلات الفائدة قبل الرفع تقترب من 8 في المائة التي تعد مرتفعة بالمقاييس الدولية، إلا أنها تقترب بشكل كبير من معدل التضخم، ومن ثم فإن هذا الارتفاع الكبير في معدلات الفائدة سيؤدي إلى زيادة العوائد الحقيقية على الأصول المقومة بالليرة التركية وبالطبع يهدف إلى استعادة ثقة المستثمرين بالأصول المقومة بالليرة، وبأن البنك المركزي مستعد لاتخاذ أي إجراء للحفاظ على قيمتها، ومن المفترض أن يساعد رفع معدلات الفائدة على خفض الضغوط التضخمية من خلال التأثير السلبي في نمو الطلب الكلي في الاقتصاد، لكن المشكلة الأخطر في وجهة نظري هي آثار ذلك على المدى المتوسط في النمو، خصوصا أن الاقتصاد التركي يواجه صعوبات في الوقت الحالي، الأمر الذي قد يعقد من مشكلة الحزب الحاكم في الانتخابات المقبلة، وقد أكد البنك المركزي أنه سيستخدم كل ما في جعبته لمواجهة الآثار المعاكسة في التضخم والاستقرار الاقتصادي، كما أعلن أيضا أن أي معلومات أو بيانات جديدة ربما تدفعه لإعادة تغيير موقفه.

على الرغم من انخفاض الدين الخارجي للحكومة التركية كنسبة من الناتج، إلا أن التزامات الشركات التركية بالنقد الأجنبي ترتفع على نحو واضح، التي تختلف حسب القطاع الذي تعمل فيه الشركات الخاصة، ويراوح هذا الالتزام بين 50 في المائة بالنسبة للشركات الخاصة العاملة في القطاع الصناعي إلى 70 في المائة بالنسبة للشركات العاملة في قطاع البناء. لذلك يتوقع المراقبون أن تركيا قد تحتاج إلى تكثيف عمليات الاقتراض هذا العام بصفة خاصة من جانب شركاتها والبنوك العاملة فيها حتى تتجنب مشكلة سيولة، وحتى تتجنب اللجوء إلى المؤسسات الدولية مثل صندوق النقد الدولي، وهو ما قد يؤدي إلى استمرار الضغوط مرتفعة على الليرة.

إن تجربة العالم في أثناء أزمة العملات الآسيوية في التسعينيات من القرن الماضي أظهرت أن هيكلا للالتزامات للشركات الخاصة على هذا النحو كان له دور مهم في الأزمة، ذلك أن ارتفاع التزامات الشركات بالنقد الأجنبي سيعني انخفاض قيمة أصول الشركات بالعملة المحلية عندما تتراجع قيمة العملة.

اليوم تراقب السلطات النقدية في الدول الناشئة الأخرى عن كثب نتائج الخطوة التركية وذلك لتقييم مضامين مثل هذه الخطوة، وما إذا كان من الممكن أن تستخدم سلاح معدل الفائدة للدفاع عن عملاتها، ولكي تحول دون هبوطها مسببة موجة من التراجع في أدائها الاقتصادي في سبيل استقرار عملاتها.

ماذا يحدث لحصان العملات الكندي؟

بلغ معدل صرف الدولار الكندي، أو ما يطلق عليه أحيانا اللوني Loonie، بالدولار الأمريكي في عام 2004 نحو 75 سنتا أمريكيا، ومنذ ذلك الحين أخذ معدل صرف اللوني في التزايد مستفيدا من الأزمة المالية العالمية والتي انعكست في صورة تراجع معدل صرف الدولار الأمريكي نتيجة للسياسات النقدية التوسعية للولايات المتحدة، وتفضيل سياسة الدولار الضعيف لتشجيع القطاع الخارجي الأمريكي، الأمر الذي أدى إلى تفضيل المستثمرين للعملات الأخرى في العالم، وقد كانت أهم العملات التي تزايد الطلب عليها هو اللوني الكندي، ولم يقتصر هذا النمو في الطلب على المستثمرين من القطاع الخاص، وإنما شمل أيضا البنوك المركزية في العالم بسبب استمرار أسعاره في الارتفاع حتى بلغ نحو 1.1 دولار.

لقد بدأ اللوني في الظهور كعملة مستقلة ضمن توليفة الاحتياطيات الدولية من العملات الأجنبية في الربع الرابع من عام 2012، حيث قدر صندوق النقد الدولي احتياطيات البنوك المركزية في دول العالم من اللوني بنحو 91 مليار دولار أمريكي، ارتفعت إلى نحو 112.5 مليار في الربع الثالث من 2013.

في الأسبوع الماضي تراجع اللوني لأدنى مستوياته مقابل الدولار منذ 2009، ولكن ما طبيعة العوامل المسؤولة عن تراجع قيمة اللوني لكي تتدهور إلى هذا الحد وتتقلب قيمته اليوم بصورة عنيفة مقارنة بالوضع الذي كان عليه في الماضي؟ لعل أهم وأخطر هذه العوامل هو انعكاس اتجاه العوامل التي أدت إلى انتعاش الطلب العالمي على اللوني مع تراجع قيمة الدولار الأمريكي، فمثله مثل باقي عملات الدول الناشئة، يؤدي ازدياد التوقعات أن يتوقف الاحتياطي الفيدرالي عن عمليات شراء السندات إلى ارتفاع قيمة الدولار الأمريكي، وعندما يرتفع الدولار الأمريكي تتراجع العملات الأخرى التي أصبحت منافسة له على صعيد الاحتياطيات الدولية من النقد الأجنبي، وعلى رأسها اللوني، وفي أثناء كتابة هذا المقال أعلن الاحتياطي الفيدرالي في اجتماعه يوم الأربعاء الماضي عن استمراره في سياسة التخفيض المتتالي لبرنامج شراء السندات بعشرة مليارات دولار إضافية، حيث ينخفض إجمالي المشتريات الشهرية إلى 65 مليار دولار، وهو ما يعكس تزايد الثقة في استعادة النشاط الاقتصادي في الولايات المتحدة، ومن ثم زيادة الطلب على الدولار الأمريكي، وتزايد الضغوط على اللوني وغيره من العملات.

عندما تتراجع قيمة العملة فإن رفع معدلات الفائدة يصبح خط الدفاع الأول لزيادة الطلب عليها وتحسين معدل صرفها بالنسبة للعملات الأخرى، ومع بدء تراجع قيمة اللوني وجد البنك المركزي الكندي نفسه بين خيارين، الأول هو رفع معدلات الفائدة، حيث يزداد طلب المستثمرين على السندات الكندية، ومن ثم ارتفاع أسعار اللوني، والثاني هو السماح لمعدلات النمو الاقتصادي في التراجع نتيجة للآثار السلبية التي تتركها عمليات رفع معدلات الفائدة على المستوى الكلي، وقد اختار بنك كندا المركزي الاستمرار في الحفاظ على معدلات الفائدة عند 1 في المائة، معلنا أنه ليس هناك تفكير حاليا في رفع معدلات الفائدة ربما قبل حلول 2015، لذلك يتوقع بعض المراقبين أن يستمر الانخفاض في قيمة اللوني نتيجة لذلك.

أخيرا أعلنت الصين، أكبر دول العالم احتفاظا بالاحتياطيات من النقد الأجنبي، بأنها لا تفكر حاليا في زيادة احتياطياتها، وهو ما يعني انخفاض الطلب على عملات الاحتياط الدولية كافة، والتي برز منها في الفترة الأخيرة اللوني. ولقد مثل إعلان البنك المركزي الصيني ضربة إضافية للوني، حيث يتوقع أن يؤدي إلى استمرار الضغوط على العملة الكندية.

يتسم الاقتصاد الكندي بأنه اقتصاد يعتمد على الصادرات سواء الصناعية أو من الموارد الطبيعية، حيث يأتي نحو 45 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في كندا من الصادرات، ونحو 80 في المائة من هذه الصادرات تذهب إلى الولايات المتحدة، ومن ثم فإن التغيرات التي تحدث في الاقتصاد الأمريكي تؤثر بصورة مباشرة في اللوني، على رأس هذه السلع يأتي النفط، وحيث إن التوقعات الحالية حول مستقبل أسعار النفط ليست جذابة، خصوصا أن النفط الكندي من النوع الثقيل "بصفة خاصة النفط الرملي" وسعر هذا النوع من النفط منخفض عن النفط التقليدي، يتوقع أن يؤثر ذلك في حصيلة الصادرات الكندية. أكثر من ذلك فإن كندا تصدر الكثير من المعادن وعلى رأسها الذهب، حيث تعاني مناجم الذهب في العالم في الوقت الحالي، بصفة خاصة المناجم ذات التكلفة المرتفعة، من تراجع أسعار الذهب، أكثر من ذلك فإن الطلب على الذهب يتوقع أن يميل نحو التراجع مع استعادة النشاط الاقتصادي في الاقتصاد العالمي، وهو ما يضع ضغوطا أكبر على أسعار الذهب في المستقبل، ومن ثم تراجع أسعار اللوني.

ولكن إذا كان انخفاض اللوني يحمل أخبارا سيئة للمستثمرين الدوليين والبنوك المركزية في العالم التي تحتفظ بجانب من احتياطياتها منه، فهل يحمل انخفاض اللوني أخبارا سيئة لكندا؟ واقع الأمر هو أن خفض قيمة اللوني الكندي ستكون له آثار إيجابية وسلبية في الوقت ذاته في الأجل القصير والمتوسط، سواء بالنسبة لتنافسية كندا، ومن ثم لميزان المدفوعات أو رفع معدلات النمو الاقتصادي المتوقع.

إذ يرحب المصدرون للمنتجات الصناعية في كندا بهذا التراجع في قيمة اللوني، حيث إن انخفاض قيمته يعني أن الصادرات الصناعية الكندية أصبحت أقل من حيث التكلفة بالنسبة للأجانب، وفي الوقت ذاته تصبح المنتجات الصناعية الأجنبية المنافسة للصناعات الكندية أقل جذبا للمستهلك المحلي نظرا لارتفاع أسعارها.

من ناحية أخرى، سيتسبب اللوني المنخفض في انخفاض أسعار الصادرات الكندية من الموارد الطبيعية كالمعادن، الأمر الذي يمنح الصادرات الكندية ميزة تنافسية في سوق المواد الخام أيضا، ومن ثم رفع القدرة التنافسية للاقتصاد الكندي في مواجهة منافسيه. أكثر من ذلك فإن انخفاض قيمة اللوني سيشجع على تزايد الاستثمارات الأجنبية في كندا، مما يساعد على زيادة معدلات الاستثمار والنمو، فضلا عن تزايد تدفقات السياحة إلى كندا.

أما أهم الجوانب السلبية لتراجع اللوني فتتمثل في تأثر إنتاج الصناعات التي تعتمد على المدخلات المستوردة، حيث سترتفع أسعار المدخلات المستوردة، مما يؤدي إلى تقليص النمو الناتج عن خفض الواردات من الخارج، كما أن انخفاض اللوني سيؤدي إلى ارتفاع الأسعار، ومن ثم خفض الأجور الحقيقية للعمال مسببا خفضا في مستويات الإنفاق الاستهلاكي المحلي.

والسؤال الذي يطرح نفسه الآن هو إلى أي مدى سيستمر اللوني في الانخفاض؟ وفقا للخبراء يتوقع أن يستمر معدل صرف اللوني في التراجع حتى يصل إلى 85 سنتا فقط قبل أن تتوقف عمليات انخفاضه.

هل أدت رسوم العمالة إلى زيادة معدلات التضخم في السعودية؟


منذ أكثر من سنة من الآن تم إصدار قرار بفرض رسوم على العمالة الوافدة في السعودية بواقع 2400 ريال في السنة، وقد ثار جدل كبير حول القرار بين مؤيد ورافض له، بصفة خاصة من جانب قطاع الأعمال الخاص ممثلا في مجلس الغرف التجارية، والذي حرص على التأكيد عدة مرات على التأثيرات السلبية المتوقعة للقرار في المملكة، بصفة خاصة تم ادعاء أن القرار سيؤدي إلى ارتفاع في تكلفة المنشآت في القطاع الخاص دون فائدة ترجى منه في رفع نسب السعودة في سوق العمل الوطني، وأن الأثر الأساسي للقرار سينصب على مستويات الأسعار، حيث توقع مجلس الغرف التجارية أن يرفع القرار من معدلات التضخم في المملكة بسبب ارتفاع تكلفة إنتاج السلع والخدمات المنتجة والمقدمة من جانب القطاع الخاص.

عبر أربعة مقالات تم نشرها في "الاقتصادية" تناولت بالتحليل مختلف الجوانب المتوقع أن تحدث مع تطبيق القرار، كان آخرها حول تحليل الآثار المتوقعة للقرار على معدلات التضخم في المملكة، وقد توصلت من التحليل إلى أنه استنادا إلى بيانات مصلحة الإحصاءات العامة في المملكة حول مساهمة القطاع الخاص في الناتج المحلي الإجمالي، وإجمالي الرسوم المتوقع تحصيلها من تطبيق القرار، أن التأثير الفعلي للقرار في معدلات التضخم في المملكة سيكون محدودا للغاية، نظرا لأن هناك قيودا على قدرة القطاع الخاص على تحميل المستهلكين بكل زيادة تحدث في التكاليف التي يتحملونها، ولأن إجمالي الرسوم المحصلة لن تمثل سوى نسبة ضئيلة من القيمة المضافة في القطاع الخاص، فضلا عن تأثر معدلات التضخم في المملكة بشكل أساسي بأسعار السلع المستوردة.

اليوم، وبعد مضي أكثر من سنة على القرار، أعود مجددا لتحليل الآثار الفعلية لتطبيق القرار على معدلات التضخم في المملكة، لبيان ما إذا كان تطبيق القرار قد ترتب عليه بالفعل ارتفاعا في الأسعار مثلما توقع مجلس الغرف التجارية؟ أم أن الأثر الفعلي لفرض الرسوم على المستويات العامة للأسعار محدود، كما توقعت في تحليلي عن الآثار المتوقعة للقرار على معدلات التضخم في المملكة؟

لتحليل الأثر الفعلي للرسوم على المستوى العام للأسعار ومعدلات التضخم سنستخدم أحدث البيانات المتاحة من مصلحة الإحصاءات العامة والمعلومات، والمعروضة في الجدول التالي الذي يوضح التطورات الشهرية للأسعار ومعدلات التضخم في المملكة خلال الفترة من كانون الثاني (يناير) 2011 حتى كانون الأول (ديسمبر) 2013.

يتضح من الجدول المرفق أن معدلات التضخم الشهري في المملكة لم تتأثر نتيجة تطبيق قرار الرسوم، بل على العكس، لقد تراجع معدل التضخم في أشهر آذار (مارس) وأيار (مايو) وحزيران (يونيو) وآب (أغسطس) وأيلول (سبتمبر) وتشرين الأول (أكتوبر) وكانون الأول (ديسمبر) في 2013، مقارنة بالأشهر ذاتها في عام 2012، بينما لم يرتفع معدل التضخم سوى في كانون الثاني (يناير) وتموز (يوليو) من العام نفسه وبصورة هامشية. أما متوسط معدل التضخم الشهري في عام 2013 فقد بلغ 0.25 في المائة فقط، والذي انخفض هو الآخر مقارنة بمتوسط معدل التضخم الشهري في عام 2012 والذي بلغ 0.36 في المائة، ونتيجة لذلك مال معدل التضخم السنوي في 2013 نحو التراجع مسجلا 3.3 في المائة، مقارنة بـ 4.3 في المائة في العام السابق.

من ناحية أخرى، فإن مقارنة معدلات التضخم الشهري في 2013 مع معدلات التضخم الشهري في 2011 لم تظهر أيضا أي تحول جوهري في سلوك معدلات التضخم بعد تطبيق الرسوم على العمالة الوافدة، حيث بلغ متوسط معدل التضخم الشهري 0.28 في المائة في عام 2011، في الوقت الذي بلغ فيه معدل التضخم السنوي 3.1 في المائة في العام ذاته.

يتضح من التحليل السابق أن تطبيق قرار فرض الرسوم على العمالة الوافدة في القطاع الخاص لم يؤد إلى رفع المستوى العام للأسعار أو معدلات التضخم، كما ادعت بعض الأطراف في القطاع الخاص، بل على العكس فقد تراجعت معدلات التضخم الشهرية في عام 2013 في معظم أشهر العام، كما لم يترتب على تطبيق القرار أدنى تأثير في معدل التضخم السنوي في 2013، فما حدث جاء على العكس تماما من التوقعات، حيث تراجع معدل التضخم السنوي مقارنة بمعدل التضخم في 2012.

مما سبق يمكن القول بأن التحليل الذي قدمناه في العدد 6990 الذي نشر في 30/11/2012 بعنوان "رسوم العمالة الوافدة في المملكة.. هل تؤدي إلى التضخم؟" والذي كانت خلاصته "أنه ليس من المتوقع أن يؤدي فرض الرسوم على العمالة الوافدة إلى رفع كبير في أسعار السلع والخدمات المقدمة في المملكة" كان صحيحا، وأن آثار فرض الرسوم على تكاليف القطاع الخاص كانت محدودة، لأن إجمالي الرسوم المتوقع تحصيلها وفقا للقرار لا يمثل سوى نسبة ضئيلة من القيمة المضافة للقطاع الخاص، ومن ثم لم يحدث ارتفاع ملموس في أسعار السلع والخدمات المقدمة من جانب هذا القطاع.

ولكن ماذا تعني الخلاصات التي توصلنا إليها في هذا المقال؟ إن هذه الخلاصات تؤكد أنه من الممكن أن تستمر الدولة في رفع معدلات الرسوم على العمالة الوافدة بصورة أكبر، وعلى النحو الذي يجبر المؤسسات المخالفة لقرارات السعودة في القطاع الخاص بأن تلتزم بهذه النسب، إذا ما كانت الرسوم مرتفعة إلى هذا الحد، ذلك أن الرسوم الحالية، كما سبق أن نبهنا إلى ذلك في حينه، تعد محدودة بشكل عام، وليس من المتوقع أن يترتب عليها تغير جوهري في نسب السعودة في سوق العمل السعودي، أو نسبة العاملين من المواطنين في القطاع الخاص، لأن هذه الرسوم يمكن تحملها بسهولة من جانب القطاع الخاص، حيث لا تتجاوز 200 ريال للعامل الواحد شهريا، وهو مبلغ ضئيل جدا كما هو واضح.

الأثرياء يظلون أثرياء.. عوامل استمرار الثروات



تعد عملية تكوين وتراكم الثروة ومن ثم نقلها داخل الأسرة من جيل إلى جيل، أحد الهموم الأساسية للأسر في دول العالم كافة. حيث تسعى الأسر الثرية إلى أن تتأكد من استخدام الوسائل الآمنة لنقل أكبر قدر من الثروة إلى الورثة بالأساليب المناسبة، في الوقت المناسب، والتي تقلل من الاستقطاعات من هذه الثروة إلى أدنى مستوى ممكن.

غالبا ما تتوارث الأسر الغنية أصولها جيلا بعد جيل وتظل تتناقل هذه الثروة لعقود طويلة من الزمن قد تمتد لمئات السنين، فبعد أن يتمكن الجيل الأول من الأسرة من تحقيق اختراق يمكنه من تكوين ثروة ضخمة، فإنه يعمل على وضع أسس استمرار بقاء هذه الأصول داخل نطاق الأسرة وعلى النحو الذي يضمن استمرار تركزها وعدم تفتيتها بين أفراد الأسرة من بعده، بصفة خاصة قد يلجأ الجيل الأول إلى ترك ثروته في صورة أراض زراعية تظل تستغل بواسطة الأسرة وتوزع عوائد الاستثمار بين أفرادها، مع بقاء الأصل ذاته دون توزيع، أو أن يترك ثروته في صورة مجمعات عقارية تدر دخلا سنويا يتم توزيعه على جميع أفراد الأسرة كل بحسب أسهمه في أصل الثروة... إلخ. لذلك هناك اتفاق على أن إبقاء الثروة في الأسرة يتطلب عملية تخطيط مثلى لتوقيت نقل الثروة من جيل إلى جيل سواء عند وفاة المورث أو أثناء حياته، وكيفية نقل هذه الثروة بالسبل المختلفة.

بالنسبة للكثير من الأسر تعد عملية نقل الثروة المتراكمة مسألة مهمة لضمان استمرار المكانة التجارية للأسرة، فبالنظر لعدم التساوي الكبير بين الأسر في حجم الثروة التي تتمتع بها كل أسرة، فإن عملية نقل الثروة بين الأجيال المختلفة للأسرة تعد إحدى الوسائل الأساسية للحفاظ على المكانة الاجتماعية للأسرة، ولذلك غالبا ما ينظر إلى عملية تحويل الثروات بين الأجيال المختلفة للأسرة على أنها أحد الأسباب الأساسية لاستمرار سوء توزيع الدخول والثروة بين أفراد المجتمع، وما يتبعه من انخفاض درجة الحراك الاجتماعي بين الأسر، ولعل هذا أحد الحجج الأساسية وراء ضرورة فرض معدلات مرتفعة للضريبة على المواريث، حيث تقل عملية تركز الثروات بين الفئات الاجتماعية المختلفة في المجتمع، بصفة خاصة وأن بعض الأصول تتسم بأن أسعارها تميل نحو الارتفاع بمرور الوقت مثل المساكن، وهو ما يؤدي إلى تراكم ثروات الأسرة الغنية بمرور الوقت نتيجة ارتفاع أسعار مثل هذه الأصول، الأمر الذي يرفع من قدرة الأسر الغنية على نقل الثروات بين الأجيال مستفيدة من الارتفاعات الكبيرة التي تحدث في أسعار هذه الأصول، بينما يحدث العكس تماما بالنسبة للأسر محدودة الدخل وذلك لتزايد صعوبة امتلاكها لمثل هذه الأصول مع ارتفاع أسعارها، ومن ثم ضعف قدرتها على تحويل الثروة بين أجيالها.

من العوامل التي تساعد على استمرار الثروات داخل الأسرة هو أن أفراد الأسرة لا يرثون أصولا فقط، وإنما أيضا يرثون مهارات وفنون تحقيق عوائد أكبر واقتناص فرص أفضل للاستثمار. الأسر الغنية تؤثر أيضا في أسلوب سلوك وتفضيلات وطموحات وتوقعات أفراد الأسرة، أكثر من ذلك فإن المكانة الاجتماعية للأسرة تمكن أعضاءها من الدخول على شبكة العلاقات الاجتماعية التي تسهل لها أمورها، ومن ثم صفقاتها ورخصها، وأعمالها بشكل عام، وهي بلا شك عوامل مهمة جدا في عملية استبقاء الثروات مرتفعة.

في دراسة لهما عن انتقال الثروات عبر الأجيال توصل Gregory Clark وNeil Cummins إلى أن هناك ارتباطا قويا بين ثروات الأسر عبر خمسة أجيال متتالية في بريطانيا خلال الفترة من 1858 ـــ 2012، أكثر من ذلك وجد أن هناك علاقة ارتباط قوية بين ثروة الأسر الحالية وثروات آبائها وأجدادها، أي أنه إذا كان الجد غنيا، فإن احتمال أن يستمر المنتمون إلى أسرته ضمن الأسر الغنية يصبح كبيرا.

من ناحية أخرى، تكشف الدراسات عن أن استمرار ثروة الأسرة عبر الأجيال يعكس حقيقة ثانية ربما تكون أكثر إثارة من الوضع المادي للأسر، وهو رغبة الأسرة في الحفاظ على مكانتها الاجتماعية ضمن النسيج الاجتماعي للسكان في المجتمع.

ميل الأسر إلى ضمان تركز الثروة واستمرار انتقالها بأمان من جيل لآخر داخل الأسرة يعكس حقيقة مهمة وهي أنه إذا لم تعمل الأسر على ضمان ذلك فإن ثروة الأسرة تميل إلى التراجع بمرور الوقت من جيل إلى آخر بسبب تفتت الثروة بين عدد أكبر من الورثة، وانحسار الآليات التي من خلالها تضمن الأسر استمرار تركز الثروة في الأسرة وللأسرة دون تفتت، لكي تضمن الأسرة انتقال أصولها بأمان إلى الأجيال اللاحقة، وغني عن البيان أن تفتت الثروة بين عدد أكبر من الورثة يؤدي إلى فقدان الأسرة أهم المزايا التي يمكن أن تتمتع بها عند الاستثمار على نطاق واسع، والتي تسلبها فرصة تحقيق عوائد ضخمة ناجمة عن الاستثمار الضخم مستفيدة من وفورات الحجم عند الاستثمار.

إن الأسر التي لا تخطط بشكل جيد لاستبقاء ثروتها ستفقد هذه الثروة سريعا، على سبيل المثال تشير الدراسات إلى أن نحو 60 في المائة من الأسر الغنية تستنزف جانبا كبيرا من عقاراتها بحلول الجيل الثاني، بينما تفقد 10 في المائة من الأسر ثروتها تماما بحلول الجيل الثالث. أكثر من ذلك فمن الممكن أن تستنزف الثروة سريعا بسبب تراخي الرقابة على هذه الأصول، أو نشوء أحفاد مبذرين في الأسرة، أو التوسع السريع في الإنفاق، أو تزايد الاتجاه بين أفراد الأسرة للاستقلال بنصيبهم من ثروة الأسرة أو ما قد تسببه الثروة من تصاعد الخلاف بين أفراد الأسرة بدلا من أن تكون عنصرا لاتحادهم، إلى آخر هذه العناصر، ولكنها في جميع الأحوال تعكس افتقاد الأسرة لقواعد النظام التي تحكم استمرارية تسيير الثروة داخل الأسرة.

بشكل عام فإن أحد أهم العوائق التي تقف دون التحويل الناجح للثروة بين الأجيال هي تفتيت الثروة بين ورثة الأسرة، أما أهم العناصر الخارجية فتتمثل في الضرائب، خصوصا على المواريث والتي قد ترتفع في بعض الحالات لتلتهم جانبا كبيرا من الثروة، أما أسوأ الحالات فتتمثل في تعرض الأسرة لحالات التأميم أو المصادرة من جانب الحكومة.

غير أن استمرار ارتفاع مستويات ثروة الأسرة على الرغم من مرور عدة أجيال عليها مثل أسرة روتشيلد على سبيل المثال، يوحي بأنه غالبا ما يكون لدى الأسر الثرية كود عائلي متفق عليه حول كيفية استثمار ثروة الأسرة، وكيفية استثمار هذه الأصول لمصلحة الجميع.

لماذا تتراجع الليرة التركية؟

تراجعت الليرة التركية في الأسابيع الأخيرة بصورة أكبر مما كان متوقعا، سواء من جانب الأسواق أو من جانب البنك المركزي التركي، والذي حدد القيمة المستهدفة لليرة بنهاية العام الماضي عند 1.98 ليرة للدولار، غير أن معدل صرف الدولار يبلغ نحو 2.0 ليرة لكل دولار، والليرة التركية حاليا عند أدنى مستوياتها في مقابل الدولار منذ 17 شهرا، حيث خسرت أكثر من 6 في المائة من قيمتها منذ حزيران (يونيو) الماضي، وهو ما جعل منها واحدة من أسوأ العملات أداء في سوق العملات الدولية.

تراجع الليرة يحدث على الرغم من أنه على المستوى الكلي تعد تركيا من أكثر الدول نموا في الدول الناشئة، حيث تحقق معدلات مرتفعة للنمو تلي الصين في المرتبة، وهي نتيجة غريبة نسبيا. فما العوامل التي أدت إلى تراجع الليرة على هذا النحو؟ يمكن تحديد مجموعتين من العوامل المسؤولة عن هذا التراجع في قيمة الليرة وهي العوامل الاقتصادية والعوامل السياسية.

بالنسبة للعوامل الاقتصادية من المعلوم أن قيمة أي عملة تتحدد بالطلب عليها والعرض منها، وقد واجهت الليرة التركية في السنوات الأخيرة طلبا كبيرا من جانب المستثمرين في العالم. فعندما بدأت البنوك المركزية الرئيسة في ضخ كميات هائلة من النقود بهدف تخفيض معدلات الفائدة إلى مستويات دنيا تساعد على تشجيع الطلب الكلي، أخذت عملات هذه الدول في التراجع مع تزايد التوقعات بارتفاع معدلات التضخم، وهو ما أدى إلى هروب المدخرات إلى الخارج بحثا عن عملات بديلة توفر معدلات عائد أعلى ودرجة أكبر من الأمان ضد مخاطر تراجع قيمة الاستثمارات، وقد كانت عملات الدول الناشئة هي أفضل البدائل المتاحة للاستثمار في الدولار واليورو والجنيه الاسترليني، وقد كانت الليرة التركية واحدة من أكثر العملات التي استفادت من ضعف العملات الرئيسة في العالم.

كان لتحسن الأداء الاقتصادي في الأشهر الأخيرة، بصفة خاصة في الاقتصاد الأمريكي والبريطاني، أكبر الأثر في رفع مستويات الثقة حول آفاق النمو في الاقتصاد العالمي، وبدأت البنوك المركزية تراجع سياساتها النقدية التوسعية، والقيام بخفض عمليات التيسير الكمي مما أدى إلى تصاعد الثقة بالعملات الرئيسة في العالم، وهو ما دعا المستثمرين إلى العودة مرة أخرى إلى عملاتهم الأساسية، والتوقف عن البحث عن فروقات معدلات الفائدة الأكثر مخاطرة في الخارج، وبدأت العملات الناشئة في التراجع، نظرا لتراجع جاذبيتها بالنسبة للمستثمرين في العملات في العالم، وقد أدى اتجاه المستثمرين نحو بيع السندات التركية إلى تراجع أسعارها، الأمر الذي ترتب عليه ارتفاع معدلات العائد عليها من نحو 4.6 إلى نحو 6 في المائة.

من جانب آخر، يميل الميزان التجاري التركي حاليا نحو تسجيل عجز أكبر مما كان متوقعا، وهو ما يقلل من شهية المستثمرين نحو الليرة التركية، وبالتالي تأثر تدفقات رؤوس الأموال إلى الداخل في الوقت الذي تحتاج فيه تركيا إلى هذه التدفقات. أكثر من ذلك أدى تراجع قيمة الليرة التركية أمام الدولار واليورو إلى ارتفاع قيمة الواردات ومن ثم تغذية التضخم، وهو ما يسمى بأثر الـ Pass through، والذي يعكس أثر انتقال انخفاض قيمة العملة في أسعار الواردات، الأمر الذي يؤدي إلى أثرين؛ الأول زيادة العجز في الميزان التجاري والذي يقدر حاليا بنحو 60 مليار دولار، والثاني ارتفاع المستوى العام للأسعار بصفة خاصة الوقود، حيث تستورد تركيا نحو 90 في المائة من احتياجاتها من النفط والغاز من الخارج، وتقترب معدلات التضخم حاليا من 9 في المائة، ويتوقع مع استمرار تراجع الليرة أن تدخل حاجز الرقمين.

المشكلة الأساسية هي أن هذه التطورات تحدث في وقت يعاني فيه البنك المركزي التركي شحا في الاحتياطيات الدولية، حيث يقدر صافي الاحتياطيات من النقد الأجنبي المتاح حاليا بنحو 42 مليار دولار، وهو ما يغطي شهرين من الواردات فقط، وهو معدل منخفض جدا، ولا شك أن مثل هذا الوضع يثير الشكوك حول قدرة البنك المركزي على الدفاع عن الليرة. ذلك أن تدفقات رؤوس الأموال إلى الخارج تؤدي إلى الضغط على موارد النقد الأجنبي للدولة، في الوقت الذي يحتاج فيه البنك المركزي التركي لهذه التدفقات لتمويل العجز في ميزان المدفوعات ولأغراض التدخل في سوق الصرف الأجنبي للدفاع عن الليرة التركية. هذا الوضع الحرج لاحتياطيات النقد الأجنبي يجعل من تركيا واحدة من أكثر الدول تأثرا بانخفاض تدفقات النقد الأجنبي إلى الداخل.

مع تراجع قيمة الليرة فإن التضخم سيميل نحو الارتفاع، كما أن ارتفاع معدلات العائد السوقية على السندات التركية يؤدي إلى زيادة معدلات الفائدة، وهو ما بدأت بوادره في الظهور بالفعل، وعلى الرغم من أن ارتفاع معدلات الفائدة يسهم في الحد من الاتجاهات التضخمية، إلا أن رفع معدلات الفائدة سيؤثر سلبا في اتجاهات النمو الأمر الذي يعني مزيدا من التراجع للعملة التركية.

من ناحية ثالثة، فإن ديون تركيا الخارجية كبيرة والتي تزيد حاليا على 420 مليار دولار، والتي مع العجز في ميزان المدفوعات تجعل العملة أكثر حساسية لمثل هذه التطورات.

على الجانب السياسي فإن تصاعد الاحتجاجات ضد الحكومة التركية، والتي بدأت باحتجاجات حديقة "جيزي" حتى فضائح الفساد الأخيرة والتي اتهم فيها الكثير من المسؤولين المحسوبين على الحكومة، الأمر الذي دعا أردوغان إلى التخلص من مئات من ضباط البوليس، ووعد باجتثاث جذور الفساد في تركيا، ويرى بعض المراقبين أن 2014 سيشهد متاعب سياسية أكبر للحكومة الحالية، خصوصا بعد تحول الأزمة في تركيا من صراع بسبب الفساد إلى صراع على السلطة، حيث طالب البعض باستقالة أردوغان نفسه مع تغيير بعض الوزراء في حكومته. تركيا أيضا مقدمة على سلسلة من الانتخابات في الفترة المقبلة، وهي بكل تأكيد تمثل التوقيت الخطأ بالنسبة للحزب الحاكم، حيث ستعقد الانتخابات البلدية في آذار (مارس) القادم، والانتخابات الرئاسية في حزيران (يونيو) 2014، والانتخابات العامة في 2015.

من العوامل السياسية أيضا استمرار تدهور الأوضاع في سورية الأمر الذي يؤثر في الدول المحيطة بها كافة، فعلى الرغم من أن احتمالات التدخل العسكري في سورية ما زالت خارج نطاق الخيارات الحالية للتعامل مع المشكلة، إلا أن استمرار الصراع في سورية لا يوفر المناخ المناسب لاستقرار عملات الدول المحيطة، وعلى رأسها تركيا. بالطبع عندما يتوقف الصراع الدائر في سورية، فإن ذلك سيؤدي إلى المزيد من الاستقرار في المنطقة، وهو ما سيساعد على استعادة النمو لمستوياته الطبيعية في تركيا وفي الدول المحيطة.

وأخيرا لا شك في أن حالة الاقتصاد التركي ستؤثر في شعبية حزب العدالة والتنمية، وهو ما قد يتطلب من الحكومة الحالية اتخاذ إجراءات لتنشيط الاقتصاد ورفع معدلات النمو ومواجهة التضخم وتراجع قيمة العملة في الوقت ذاته، وتحقيق كل هذه المستهدفات في الوقت ذاته تعتبر مهمة مستحيلة من الناحية الاقتصادية.

تحسن أداء الاقتصاد الأمريكي في 2014

لعل أهم ما يميز هذا العام عن الأعوام السابقة منذ بداية أزمة سوق المساكن في 2007، هو أن الاقتصاد الأمريكي يدخل العام الجديد ومعظم التوقعات تشير إلى أنه سيشهد في 2014 نموا مختلفا عن معدلات النمو التي حققها في الماضي، ذلك أن معظم الإشارات توحي بأن التعافي هذه المرة سيكون قويا، وتتعدد هذه الإشارات حاليا بصورة لافتة للنظر، ولنبدأ بأهم هذه الإشارات على الإطلاق وهو معدلات النمو الحقيقي، فوفقا لآخر التقارير عن معدلات النمو ربع السنوي في 2013، يشير تقرير مكتب التحليل الاقتصادي إلى أن التقديرات النهائية لمعدل النمو في الربع الثالث بلغت 4.1 في المائة على أساس سنوي، مقارنة بالتقديرات الأولية التي تساوي 2.8 في المائة. التوقعات المتاحة حاليا تؤكد أن الاقتصاد الأمريكي ربما يحقق معدلات نمو تقارب 3 في المائة، أو أكثر قليلا، وهذا بالطبع أعلى من التقديرات السابقة التي كانت تدور حول 2 في المائة، بينما تشير التوقعات المعدلة لصندوق النقد الدولي إلى أن الاقتصاد الأمريكي سينمو بمعدل 2.6 في المائة في العام المقبل مقارنة بمعدل متوقع 1.6 في المائة في 2013، في الوقت الذي يتوقع فيه بن برنانكي أن يحقق الاقتصاد الأمريكي معدل نمو يراوح بين 2.8 و 3.2 في المائة في 2014.

من ناحية أخرى، تميل مؤشرات سوق العمل نحو التحسن، صحيح أنه تحسن بطيء، ولكنه لا يتراجع، وهذا هو الأهم، فقد أشار تقرير سوق العمل الأخير إلى حدوث تحسن واضح في معدلات البطالة التي انخفضت من 7.3 إلى 7 في المائة، في الوقت الذي بدأت معدلات فتح الوظائف الجديدة في التوسع. فقد تم فتح 203 آلاف وظيفة جديدة في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي، وبهذا يكون الاقتصاد الأمريكي قد أضاف 2.1 مليون وظيفة جديدة هذا العام. بعض المراقبين يقدر أن تسارع معدلات النمو الحقيقي نحو 3 في المائة سنويا كفيل بفتح نحو 250 ألف وظيفة شهريا في المتوسط، مقارنة بمتوسط نحو 180 ألف وظيفة خلال السنة الماضية، بينما يتوقع المتفائلون منهم أن تنخفض معدلات البطالة في سوق العمل الأمريكي إلى 6 في المائة لأول مرة في العام القادم، مما يعني اقتراب الاقتصاد الأمريكي من التوظف الكامل تقريبا مرة أخرى، وإن كنت أعتقد أن بلوغ هذا المعدل في 2014 ربما يكون غير ممكن.

من الواضح أن ثقة المستهلكين ترتفع على نحو واضح، فقد مثل الطلب الاستهلاكي أهم مصادر النمو في الربع الثالث من العام الماضي، ويتوقع أن ينمو الإنفاق الاستهلاكي في الربع الرابع من العام الماضي بنحو 4 في المائة، ولقد جعل هذا النمو في الإنفاق الاستهلاكي المراقبين يعدلون من توقعاتهم حول النمو في الفترة المقبلة، حيث يلعب الإنفاق الاستهلاكي دورا مهما في الإنفاق الكلي الأمريكي. أحد مؤشرات ارتفاع ثقة المستهلك هي مبيعات السيارات، والتي تشير التقديرات المتاحة لها إلى أن طلب المستهلكين في 2013 ربما يزيد على 15.6 مليون سيارة، بما يمثل زيادة بنحو 8 في المائة على مبيعات عام 2012، كذلك يتوقع أن ترتفع مبيعات السيارات إلى 16.3 مليون في 2014، وهو مستوى يقارب مبيعات السيارات فيما قبل بدء الكساد الكبير في 2007.

أما بالنسبة لسوق المساكن فقد ارتفعت مبيعات المساكن في 2013 إلى أعلى مستوياتها خلال السنوات الثماني الماضية مقتربة من نحو نصف مليون مسكن، بينما تتوقع شركات البناء أن تنتهي من بناء 900 ألف مسكن جديد بنهاية 2013، في الوقت الذي يتوقع أن ترتفع معدلات البناء إلى 1.1 مليون مسكن في 2014. بالطبع هذا المعدل يعتبر أقل من مستوياته قبل الأزمة، ولكنه أفضل من السنوات الماضية بشكل عام، ولقد ترتب على نمو الطلب في هذا القطاع ومعدلات الفائدة على القروض العقارية تميل نحو الارتفاع بما يعكس نمو الطلب، حيث تبلغ حاليا 4.56 في المائة، ويتوقع أن ترتفع إلى نحو 5 في المائة في 2014.

أسعار المساكن تزداد يوما بعد يوم، كما أن مؤشرات البورصة الأمريكية في أعلى مستوياتها من الناحية التاريخية، ووفقا للاحتياطي الفيدرالي فإن الأمريكيين قد استعادوا الخسارة التي تحققت في ثرواتهم بشكل كلي أثناء الكساد الكبير.

من جانب آخر، فإن القطاع الصناعي يتوقع تزايد الطلب والمبيعات في العام المقبل، حيث يتوقع أن تنمو الصادرات الأمريكية في 2014 مستفيدة من التطورات الإيجابية في الاقتصاد العالمي، فتراجع النمو الصيني آخذ في الانعكاس، وسيناريوهات الأداء السيئ للاقتصاد العالمي لا تتحقق على أرض الواقع، واليابان تحقق نموا غير مسبوق بفضل السياسات الجديدة لرئيس الوزراء، والنمو في الاقتصاد الأوروبي توقف عن التراجع الذي استمر لنحو عامين بسبب أزمة الديون السيادية لدول منطقة اليورو، ويتوقع أن يبدأ رحلة مختلفة للنمو، وهذا ما تؤكده مؤشرات الأداء المركب التي تصدرها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، والتي تقيس نقاط التحول في الأداء عن الاتجاه العام للنشاط الاقتصادي في 33 من أكبر اقتصادات العالم تشير إلى وجود تحسن مطرد في أداء معظم الاقتصادات الرئيسة في العالم، في اليابان، وفي الولايات المتحدة وفي المملكة المتحدة، وفي كندا، وفي منطقة اليورو يتعزز النمو في فرنسا وإيطاليا، ويرتفع في ألمانيا، وفي الاقتصادات الناشئة تتحسن معدلات النمو في البرازيل والصين وروسيا والهند.

في ضوء هذه الإشارات صرح الرئيس أوباما بأن 2014 سيكون عام الاختراق للاقتصاد الأمريكي، كما قام صندوق النقد الدولي بتعديل توقعاته حول آفاق النمو المتوقع في الولايات المتحدة خصوصا مع ورود أنباء التوصل إلى الاتفاق حول الميزانية الأمريكية للعامين الماضيين وتلافي احتمالات خفض الإنفاق التي صحبت مفاوضات تجنب الهاوية المالية للولايات المتحدة، وخطط الاحتياطي الفيدرالي نحو برنامج خفض شراء السندات، وقد دعت كريستين لاجارد رئيسة صندوق النقد الدولي الكونجرس الأمريكي إلى عدم تعمد الإضرار بعملية استعادة النشاط الاقتصادي الأمريكي بنشوب خلاف آخر في المستقبل، وخصوصا أن سقف الدين الحالي سيصل إلى أقصاه في نهاية شباط (فبراير) القادم ويتطلب الأمر أن تتم عملية الرفع بليونة أكثر حتى لا تتأثر الأسواق نتيجة لذلك.

بالطبع بعض المراقبين لديه وجهة نظر مختلفة وإن كان فيها قدر من المغالاة في التشاؤم، وأهم ما يستندون إليه مشكلة الدين الأمريكي الذي تصاعد من 9.2 تريليون دولار في 2008 إلى أكثر من 17 تريليون دولار حاليا، وهو ما قد يؤدي إلى عبء ثقيل للدين مع أي تصاعد، ولو قليل في معدلات الفائدة في المستقبل، ولكن مشكلة الدين كما سبق أن ذكرنا، ليست في قيمته المطلقة، وإنما في نسبته إلى الناتج، وطالما أن الناتج المحلي يتزايد، فإن نسبة الدين إلى الناتج ستتراجع، ومن ثم ترتفع قدرة الاقتصاد المحلي على مواجهة أعباء الدين.

محاربة الاقتصاد الخفي في السعودية

نشرت ''الاقتصادية'' تقريرا بعنوان ''33 ألف حالة اشتباه غسل أموال شهريا في مصرف سعودي''، كشف عن تقديرات حجم الاقتصاد الخفي، أو ما قد يطلق عليه الاقتصاد السفلي في المملكة، الذي يقدر بنحو 300 مليار ريال في 2011، أو ما يمثل نحو 30 في المائة من الاقتصاد غير النفطي في السنة ذاتها.

الاقتصاد الخفي ظاهرة تحدث في كل دول العالم، الغنية والفقيرة على السواء، ولا تخلو دولة في العالم من الأنشطة التي تتم في هذا الاقتصاد، ونظرا لخطورة معظم تلك الأنشطة، فإن جميع دول العالم تسعى إلى مقاومة هذا الاقتصاد وتجفيف منابعه. ولا شك أن بلوغ الاقتصاد الخفي في المملكة هذه المستويات المرتفعة يتطلب وقفة لتعزيز قدرات الدولة على مكافحة هذا الاقتصاد.

المملكة من الدول الأعضاء في FATF، وهي منظمة تضع معايير للتنفيذ الفاعل لقوانين مكافحة غسل الأموال ومكافحة تمويل الإرهاب والتهديدات الأخرى للنظام المالي الدولي، ولا شك أنها تتخذ كثيرا من الإجراءات لمحاصرة الاقتصاد الخفي، غير أن هذه النسبة الكبيرة تشير إلى ضرورة زيادة فاعلية برامج مواجهة الأنشطة غير المشروعة، وعلى عدة أصعدة؛ أمنيا، وقضائيا، ومصرفيا، وجمركيا... إلخ. بالطبع لا يمكن بأي حال من الأحوال القضاء على المعاملات التي تتم في الاقتصاد الخفي، فذلك أمر شبه مستحيل، ومن ثم فإن عملية تقليل تلك المعاملات إلى أدنى حد ممكن ينبغي أن تحتل الأولوية في مكافحة العمليات غير المشروعة التي تتم في هذا الاقتصاد.

التمييز ضد المعوقين

نشرت "الاقتصادية" تقريرا عن أن مجموعة من منتسبي جمعية "حركية" خاطبت إحدى الوزارات من أجل توظيفهم، لكن الوزارة رفضت ذلك، وعقب رئيس جمعية المعوقين بأن الجمعية ستكون لها وقفة حول هذا الموضوع، إن كان صحيحا.

المعوق هو مواطن له كل الحقوق والصلاحيات ولا تختلف قدراته العقلية عن قدرات الشخص السليم بدنيا، وراعت قوانين العمل في دول العالم أحقية هذه الفئة أن تكون مستقلة ماديا من ناحية، وأن تمارس عملا تحقق من خلاله ذاتها، وتستغل قدراتها من ناحية أخرى، وتميل قوانين العمل إلى أن تفرض نسبا معينة لتوظيف هذه الفئة من الناس، كما يعاقب القانون أيضا على التمييز ضدهم.

أن يرفض إعطاء هؤلاء الحق في الحصول على العمل مع قدرتهم على أدائه، فهذا تعطيل لجزء من قوة العمل التي يمكن أن تكون لها قيمة مضافة في الناتج المحلي، وقد تكون كفاءتها في أداء العمل أعلى، ثم ما المشكلة في أن تتحمل الدولة نسبة من الوظائف لهؤلاء، حتى لو كانت إنتاجيتهم ضعيفة نسبيا، فكم من الأصحاء الذين يضيعون أوقاتهم في العمل، وكم من الأصحاء الذين تصل إنتاجيتهم إلى الصفر تقريبا في يوم العمل، هذه الفئة من الناس لديها قدرات، وتشغيلها ليس منة من الدولة، إنما هو حق لهم مثلما هو لغيرهم، وعلى الدولة أن تتأكد من استيفاء حقوقهم مراعاة لظروفهم، التي لا دخل لهم أساسا فيها، كما أننا جميعا معرضون لأن نكون مثلهم.

ملاحظات على الميزانية السعودية (1)

أشار بيان وزارة المالية عن النتائج الفعلية للميزانية العامة للسنة المالية الحالية، إلى أن الإيرادات الفعلية يتوقع أن تصل إلى 1131 مليار ريال، بزيادة نسبتها 36 في المائة على القيمة المقدرة لها، وهذه بلا شك أخبار سارة تعكس بشكل أساسي حقيقة أن التوقعات حول الإيرادات بنيت على أسعار للنفط تقل عن الأسعار الفعلية له.

الأخبار السيئة هي أن 90 في المائة من هذه الإيرادات تمثل إيرادات نفطية، أي أن الإيرادات غير النفطية اقتصرت على 10 في المائة فقط من إجمالي الإيرادات. هذه النتائج توضح مدى حرج وضع الميزانية السعودية، حيث لم تفلح حتى اليوم جهود تنويع إيرادات الدولة في خفض درجة اعتماد الميزانية على النفط، وذلك لتحقيق ثلاثة أهداف مهمة هي: الأول: ضمان قدر أكبر من استقرار تدفقات الإيرادات المالية الدولة، حيث لا تكون الميزانية تحت رحمة الأوضاع الاقتصادية الدولية، وتطورات الطلب العالمي على النفط الخام وأسعاره.

الثاني: أن تعتمد الأوضاع المالية من إيرادات وعجز وفائض ودين عام أساسا على مستويات النشاط الاقتصادي المحلي وترتبط بها، وليس على أساس مستوى النشاط الاقتصادي في الخارج، وهو متغير خارجي Exogenous، لا تملك المملكة أي سيطرة عليه.

والثالث: تمكين صانع السياسة الاقتصادية من استخدام السياسة المالية على نحو فاعل في ضبط توازن الاقتصاد المحلي ومعالجة التقلبات التي يتعرض لها، من خلال تعديل مستويات الإيرادات أو تغيير حجم الإنفاق حسب الحاجة، بدلا من الوضع الحالي، حيث يعد استخدام السياسة المالية كأداة للاستقرار الاقتصادي محدودا للغاية.

مضامين التحول في السياسة النقدية الأمريكية

خطف الاحتياطي الفيدرالي أنظار العالم يوم الأربعاء قبل الماضي، عندما أعلن عن سياسته الجديدة حول برنامج شراء السندات والمعروف بالتيسير الكمي3، حيث بدأ في تخفيض المشتريات التي يقوم بها شهريا بمعدل عشرة مليارات دولار، وهو ما يعكس بداية التحول عن سياسات التوسع النقدي التي انتهجها منذ بداية الأزمة، فوفقا لإعلان الاحتياطي الفيدرالي سيتم خفض مشتريات سندات الخزانة بخمسة مليارات دولار، حيث تقتصر المشتريات الشهرية على 40 مليارا، بينما سيتم خفض مشتريات السندات المغطاة بالرهون العقارية بخمسة مليارات، حيث تقتصر المشتريات الشهرية على 35 مليار دولار، وقد تم هذا التحرك في الأيام الأخيرة من رئاسة بن برنانكي للاحتياطي الفيدرالي مهندس الاستراتيجية الحالية، وقبل أيام من تسلم الرئيس الجديد السيدة جانيت يلين التي أعلنت تأييدها الكامل للخطوات التي اتخذها الاحتياطي الفيدرالي. من ناحية أخرى، فإن تفاصيل الجدول الزمني للانتهاء من برنامج شراء السندات لم تحدد بعد، وربما يتم تحديدها في اجتماع الاحتياطي الفيدرالي القادم برئاسة الرئيس الجديدة السيدة يلين.

منذ بداية تطبيق سياسة التيسير الكمي وهي تتعرض لهجوم الكثير من المراقبين، الذين يرون أنها سياسة غير فعالة في مساعدة الاقتصاد الأمريكي على الخروج من الأزمة، وأن هذه السياسة ذات آثار خطيرة، خصوصا فيما يتعلق بالآثار التضخمية المتوقعة من هذا التوسع النقدي الكبير الذي ينتج عنها. في المقابل يدافع الاحتياطي الفيدرالي عن سياساته النقدية التوسعية، بأن عمليات شراء السندات قد ساعدت على تخفيض تكلفة الاقتراض، ومن ثم ساهمت في زيادة مبيعات السيارات والمساكن، فضلا عن تشجيع المستثمرين على زيادة إنفاقهم الاستثماري. على سبيل المثال أشار بن برنانكي في مؤتمر الأسبوع الماضي إلى أن السياسة كانت تحقق أهدافها في تعزيز قدرة الاقتصاد الأمريكي على مواجهة الكساد وتحقق تقدما ملحوظا، خصوصا في سوق العمل، وأيا كان الحال، فلا شك أن الفترة القادمة ستشهد دراسات مكثفة لتقييم مدى فعالية هذه السياسة في مساعدة الاقتصاد الأمريكي على الخروج من الكساد الكبير الذي تلى الأزمة المالية العالمية.

بمجرد الإعلان عن تفاصيل اجتماع اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة FOMC، ارتفعت أسعار الأسهم في البورصة الأمريكية إلى مستويات قياسية جديدة، حيث بات من الواضح أن الخروج من السياسة الحالية لن يكون سريعا، وأن عمليات تخفيض الشراء ستتم على نطاق محدود، وبشكل متدرج، وأن معدلات الفائدة قصيرة الأجل ستستمر منخفضة حتى نهاية 2015، وهو ما طمأن الأسواق حول مسار معدلات الفائدة، فارتفع مؤشر ستاندارد آند بورز بنسبة 1.7 في المائة ومؤشر داو جونزبنسبة 1.8 في المائة، كذلك ارتفع مؤشر ناسداك بنسبة 1.2 في المائة، ويعكس ارتفاع أسعار الأسهم النظرة التفاؤلية للأسواق حول اتجاهات النمو والاستقرار في الاقتصاد الأمريكي. من ناحية أخرى، فإن أسعار الذهب أخذت مسارا مخالفا، ولكن ماذا تعني هذه التحولات الأخيرة في مسار السياسة النقدية الأمريكية؟ الإجابة هي أن مضامين هذه الخطوة التي اتخذها الاحتياطي الفيدرالي تتعدد على نحو واضح والتي يمكن تلخيصها في الآتي:

أولا: أن الخطوة التي قام بها الاحتياطي الفيدرالي تعكس تصاعد الثقة بأداء الاقتصاد الأمريكي وتحسن مؤشراته، بصفة خاصة في سوق العمل ومعدلات النمو الاقتصادي، التي تشهد تحسنا واضحا قياسا بالأداء العام خلال الفترة السابقة، فقد أشادت اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة باستقرار الاقتصاد الأمريكي، وبأن سوق العمل قد أخذ في التحسن على النحو الذي يسمح ببدء عملية تخفيض عرض الدولار، حيث انخفض معدل البطالة إلى 7 في المائة في الشهر الماضي، وهو أقل معدلات البطالة المحققة خلال الأعوام الخمسة السابقة، كما يزداد حاليا الإنفاق الاستهلاكي، وترتفع مبيعات السيارات، ويرتفع الإنتاج الصناعي، وتتزايد معدلات الاستثمار الثابت، وهي جميعها مؤشرات إيجابية.

ثانيا: أن التغيرات ستشمل خفضا أوليا في مشتريات السندات مع استمرار الخفض المتتالي حتى نهاية العام القادم، والذي يتوقع عنده أن يكون الاحتياطي الفيدرالي قد توقف تماما عن شراء السندات وزيادة عرض الدولار، وهو ما يزيل القلق الذي يمكن أن يسود نتيجة الانسحاب بسرعة من السياسة الحالية للتوسع النقدي.

ثالثا: أكد الاحتياطي الفيدرالي على استمرار استهداف معدلات الفائدة الصفرية، حيث سيظل معدل الفائدة المستهدف على الأموال الفيدرالية بين صفر وربع في المائة، الأمر الذي يعني استمرار التأكيد على سياسة الائتمان الرخيص الهادف لرفع مستويات الاقتراض وزيادة مستويات الإنفاق الاستثماري، حتى نهاية 2015.

رابعا جدد الاحتياطي الفيدرالي أيضا التزامه بالاستمرار في دعم سوق العمل، طالما أن معدلات البطالة ما زالت أعلى من 6.5 في المائة، ومكافحة التضخم إذا ما تجاوز 2.5 في المائة، فإذا انخفضت البطالة عن هذه النسبة أو تجاوز التضخم 2.5 في المائة، فإن الاحتياطي الفيدرالي سيقوم بالتخلي عن معدلات الفائدة الصفرية، وحاليا يتوقع الاحتياطي الفيدرالي أن يراوح معدل البطالة بين 6.4 ـــ 6.8 في المائة بنهاية 2014.

خامسا: أن أهم المؤشرات التي ما زالت تسير عكس التوقعات هي معدلات التضخم، حيث ما زال الاقتصاد الأمريكي يحقق معدلات منخفضة بلغت في تشرين الأول (أكتوبر) الماضي 0.7 في المائة على أساس سنوي، الأمر الذي يعكس حقيقة أن الاقتصاد الأمريكي ما زال يعمل عند مستويات تقل عن المعدلات الكامنة، بل إن التوقعات المنشورة للاحتياطي الفيدرالي تشير إلى أنه لا يتوقع أن يتجاوز معدل التضخم نسبة 2 في المائة خلال السنوات الثلاث القادمة، وهذا أحد مصادر القلق الحالي. يذكر أن مستهدفات السياسة النقدية للتضخم هي أن يكون عند 2 في المائة، ومع التزام الاحتياطي الفيدرالي برفع معدلات الفائدة لمحاربة التضخم، فإنه يؤكد التزامه بالحفاظ على التضخم ضمن نطاق محدد لا يتسم بالارتفاع أو الانخفاض.

وأخيرا فإن عملية الخروج من الاستراتيجية التوسعية الحالية هي عملية دقيقة للغاية ولابد أن تخطط بعناية، حتى لا تترتب على ارتفاعات معدلات الفائدة المصاحبة لانحسار عرض النقود آثار سلبية في استعادة النشاط الاقتصادي والخروج الآمن من الكساد، ولكن هل يعني ذلك أن حقبة التوسع النقدي في الولايات المتحدة قد قاربت على الانتهاء؟ يمكن الإجابة بقدر كبير من الثقة بنعم، إلا إذا تحولت اتجاهات النمو في الاقتصاد الأمريكي على نحو مفاجئ، عندها سيعاود الاحتياطي الفيدرالي الكرة، ويبدأ من جديد برنامجه لشراء السندات، وهو أمر غير متوقع، على الأقل في الوقت الحالي.

لا شك أن هذا التحول يعني انطلاق حقبة جديدة في السياسة النقدية الأمريكية، وأن سياسة الدولار الرخيص ربما تكون قد قاربت على الانتهاء، لتبدأ الخطوات الأولى في تنفيذ ما يسمى استراتيجية الخروج من السياسة الحالية، التي من الواضح أنها ستستغرق وقتا حتى يستعيد عرض الدولار مستوياته قبل الأزمة.

مشروع الميزانية السعودية نحو التوازن

نشرت ''الاقتصادية'' تقريرا حول مشروع الميزانية العامة للمملكة في 2014، الذي أشارت فيه إلى أن النفقات المتوقعة للمملكة في العام المقبل تبلغ 855 مليار ريال، بنمو نحو 4 في المائة عن اعتمادات الإنفاق في العام الماضي، في الوقت ذاته يتوقع أن تبلغ الإيرادات المبلغ نفسه أيضا، مما يعني أنه من المتوقع أن تحقق الميزانية توازنا بين جانبي الإيرادات والنفقات في السنة المالية المقبلة.

في رأيي أن توازن الميزانية، في ظل المستويات الحالية للإنفاق العام، يدق باب الخطر، ذلك أن التقارير المتاحة والسيناريوهات الموضوعة لسوق النفط الخام لا ترسم صورة ناصعة لهذه السوق في العام القادم، حيث تشير إلى أن أسعار النفط الخام ربما تميل نحو التراجع بفعل عدة عوامل مرتبطة بجانب العرض، والمتوقع أن يحدث فيه توسع ملموس نتيجة للنمو المتوقع في صادرات العراق، واحتمالات ارتفاع صادرات إيران من النفط مع تسوية خلافاتها مع الغرب بشأن برنامجها النووي، في الوقت ذاته يتوقع زيادة صادرات النفط الليبي مع استقرار الأوضاع السياسية والأمنية هناك، فضلا عن استمرار التوسع في إنتاج النفط الصخري في الولايات المتحدة.

فإذا ما أخذنا في الاعتبار آفاق النمو المتوقع في الاقتصاد العالمي في 2014، فإنه ليس من المتوقع أن يشهد الطلب على النفط نموا ملموسا ومن ثم فإن السوق النفطية ربما تشهد ضغوطا على أسعار النفط الخام، الأمر الذي سينعكس على الإيرادات النفطية، وفي ظل هذا الانفاق الضخم فإن شبح العجز ليس بعيدا.

التأمين ضد البطالة

نشرت ''الاقتصادية'' خبرا عن محافظ المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية، أشار فيه إلى أن مشروع التأمين ضد البطالة في المملكة أصبح في طوره النهائي وفي انتظار إقراره من مجلس الوزراء.

يعكس التأمين ضد البطالة في الدول التي يطبق فيها إيمان الدولة بأهمية إنشاء منظومة للتأمين الاجتماعي تضم تحت لوائها جميع الفئات، لحماية العاملين فيها وضمان تأمين سبل العيش الكريم للجميع، ولا شك أن مشروع التأمين ضد البطالة أتى في توقيت متميز، حيث أصبحت البطالة، خصوصا بين الخريجين الجدد من الشباب، هاجسا لا يمكن إهماله أو التقليل من آثاره المتعددة على الفرد والمجتمع.

إذ ربما يعد مشروع التأمين ضد البطالة أحد أهم الإجراءات التي تم اتخاذها، لضمان استقرار سوق العمل الخاص في المملكة في الفترة الأخيرة، فلا شك أنه يعزز مستويات الأمان الوظيفي ومستويات الرفاه التي يتمتع بها المواطن، فضلا عن أنه يمثل صمام أمان مادي بالنسبة للعاطلين عن العمل وذويهم، حيث يساعد العاطل عن العمل على مواجهة جانب من احتياجاته الحياتية لفترة زمنية محددة حتى يتمكن من الحصول على عمل آخر، بدلا من الاضطرار إلى اللجوء إلى مصادر أخرى لتمويل احتياجاته بعضها قد يكون غير قانوني، وهو ما يسبب كثيرh من المشكلات الأمنية في الدولة عندما ترتفع معدلات البطالة، فضلا عن أن التأمين ضد البطالة يضمن مناخا سياسيا مستقرا، إذ غالبا ما يكون العاطلون عن العمل وقود الاضطرابات السياسية في الدولة.

شركات الاستثمار الوهمية

نشرت ''الاقتصادية'' تقريرا عن أن وزارة التجارة والصناعة أكدت أنها ستضع الشركات التي تغري الأفراد بتحقيق أرباح عالية على استثماراتهم تحت طائلة القانون، وذلك بعد ظهور دعايات من هذا النوع بهدف النصب والاحتيال على المغرر بهم.

شركات الاستثمار الوهمي تستهدف أساسا طبقة محددة من الناس الذين يحلمون بالثراء السريع وتحقيق عوائد غير اعتيادية على مدخراتهم، وهذا ما تفعله هذه الشركات عندما تتعمد دفع عوائد مرتفعة للغاية للمستثمرين فيها في البداية، وذلك من رؤوس الأموال التي تجمعها، حتى تدفع القاعدة التي تستثمر لديها إلى إقناع مزيد من المستثمرين بالاستثمار لديها، في ضوء النتائج التي حققها المستثمرون الحاليون. بهذا الشكل تتمكن شركة الاستثمار الوهمية من جمع مبالغ طائلة في غضون فترات زمنية قصيرة ثم تبدأ في الذوبان من السوق، أو تعلن عجزها عن سداد التزاماتها، ليفاجأ المستثمرون فيها بالحقيقة المرة وهي ضياع أموالهم.

حماية الأفراد من التأثير الخطير لمثل هذه الشركات يجب أن يحتل أولوية لدى الجهات الحكومة المختصة، ولا يكفي أن تقوم وزارة التجارة والصناعة بملاحقة مثل هذه الشركات، وإنما الأهم من ذلك أن تقوم بتوعية الأفراد في المجتمع بمخاطر مثل هذه الشركات، ومن أنه لا يوجد على أرض الواقع استثمارات تحقق هذه المستويات من الأرباح غير الاعتيادية، فضلا عن حظر نشر مثل هذا النوع من الإعلانات، حتى لا يقع الناس فريسة أطماعهم الشخصية استنادا إلى الحافز على الثراء السهل والسريع.

ضريبة الطرق في دول الخليج

نشرت "الاقتصادية" تقارير عدة عن اعتزام الإمارات فرض ضريبة على استخدام الطرق لديها، سواء من جانب الشاحنات أو ناقلات الركاب، التي تلاها إعلان عمان اتخاذها الخطوة نفسها، في الوقت الذي أشارت فيه "الاقتصادية" إلى أن الكويت ستفرض ضريبة طرق على السيارات الإماراتية. أعتقد أنه لا ضير من فرض ضريبة الطرق في الخليج، بل على العكس فإن تنويع مصادر الدخول أمر مطلوب، لكن عندما يتعلق الأمر بفرض ضرائب تطول مصالح الدول الأخرى في المجلس، فإن مثل هذه القرارات لا بد أن تتم بنوع من التنسيق بين دول الخليج تلافيا لاحتمالات ردود الفعل الانتقامية، التي بلا شك تؤثر سلبا في درجة التعاون بين الأعضاء في المجلس.

ذلك أن فرض الضرائب من طرف واحد، على الرغم من أحقية العضو في ذلك، من دون التشاور مع باقي الدول الأعضاء يفتح المجال أمام الإجراءات الانتقامية من الدول الأعضاء الأخرى التي لا تفرض رسوما على الناقلات الإماراتية، فعندما يقوم تكتل اقتصادي بين دول الخليج يفترض أن يكون هناك نوع من التنسيق في مثل هذه السياسات، بحيث تخرج في صورة سياسة واحدة تطبقها دول المجلس مجتمعة، لكن أن تنفرد دولة ما بتطبيق سياسة تؤثر في باقي دول المجلس، التي يفترض اليوم أنها أعضاء في سوق مشتركة، حيث تتوحد السياسات الاقتصادية والإجراءات والنظم التجارية في السوق، فلا شك أن ذلك يؤثر في درجة التعاون المفترضة بين الدول الأعضاء.

حان الوقت لإيداع من يتلاعبون بالبورصة خلف القضبان

نشرت "وول ستريت جورنال" خبرا عن أن الاتحاد الأوروبي وافق يوم الجمعة الماضي على جعل التلاعب بالأسواق مثل أسواق الأوراق المالية أو أسواق السلع، من الجرائم التي يعاقب عليها بالسجن.

من المفترض أن أسعار الأوراق المالية في السوق تتحدد بالطلب والعرض، في ظل توافر المعلومات بشكل حر لجميع المتعاملين في السوق، هنا تكون الأسعار السوقية حرة وتعكس فقط العرض والطلب والعوامل المؤثرة فيهما. التلاعب بالسوق يحدث عندما يستخدم أحد المتعاملين معلومات خاصة، وصل إليها بطريقته الخاصة وليست متاحة لباقي المتعاملين في السوق، أو يعمد إلى المتلاعب بتضليل السوق من خلال تنفيذ عمليات طلب أو عرض لأوراق مالية محددة، بهدف إيصال إشارة زائفة لباقي المتعاملين في السوق، فترتفع الأسعار أو تنخفض، ليبدأ هؤلاء في تنفيذ مخططهم الأساسي بالبيع أو الشراء لتحقيق عوائد غير اعتيادية.

حالات التلاعب بالأسواق تتزايد على نحو مقلق في دول العالم كافة، حيث أصبحت مؤشرات الأسعار تتقلب على نحو شديد، وفي بعض الأحيان بصورة غير مفهومة. أعتقد أنه قد حان الوقت كي نشرع التشريعات ذاتها في الخليج، وذلك لإبعاد المستثمرين ذوي الاستراتيجيات القذرة عن السوق، فالمتلاعبون بالسوق هم في حقيقة الأمر لصوص يسرقون أموال المتعاملين الآخرين في السوق بأساليب ناعمة، وبما أن السرقة تعد جريمة يعاقب عليها القانون في دول العالم كافة، فمن الطبيعي إيداع هؤلاء في مكانهم الطبيعي خلف القضبان.

أليس من الأفضل السماح لها بالقيادة؟

نشرت ''الاقتصادية'' تقريرا عن أن وزارة العمل أصدرت تعميما تأكيديا لجميع مديري مكاتب العمل لتسهيل إجراءات استخراج تأشيرة سائق خاص وخادمة لسيدات الأعمال والموظفات، حسب الحاجة والقدرة المالية، وعدم ربط منح التأشيرة بالحالة الاجتماعية لهن، وذلك بعد ادعاءات برفض طلب سيدات الأعمال لاستقدام سائق خاص بسبب عدم الزواج. بهذه التعليمات سيتم تسهيل استقدام أي موظفة غير متزوجة تستوفي شرط القدرة المالية أو سيدة أعمال سائقا خاصا لها، ولا شك أن وزارة العمل تستهدف هنا تسهيل الأمور على مثل هذه الحالات، وهو سعي تشكر عليه، ولكن السؤال الأهم هنا، كم سائق سيتم استقدامه وفقا لهذه التعليمات الآن، وفي المستقبل؟ ألا يتعارض ذلك مع السياسات الحالية التي تستهدف خفض عمليات استقدام العمالة الوافدة من الخارج؟

ربما يعيدنا هذا السؤال إلى الموضوع الذي ما زال يثور حوله الجدل إلى يومنا هذا، أليس من الأفضل السماح لهن بالقيادة بدلا من استقدام سائق أجنبي يقود لهن سياراتهن؟ ألن يترتب على هذه التسهيلات زيادة أعداد السيارات على الطرق، بإقدام هؤلاء على شراء سياراتهن الخاصة واستقدام سائقين لقيادتها، وهو أحد الحجج التي يحتج بها معارضو السماح للأنثى بالقيادة؟ أليس في ذلك حرمة، أن يتم استقدام رجل أجنبي ليقوم بقيادة السيارة لسيدة الأعمال أو لموظفة ويختلي بها معظم الوقت؟ أليس من الأفضل تجاوز كل هذا والسماح للإناث بالقيادة مثلما تقود إناث المسلمين في كل دول العالم سياراتهن؟

اقتصاديات المخدرات

في سنة 2100 قبل الميلاد تقريبا كان الإنسان في أمريكا الجنوبية يمضغ أوراق نبات الكوكا، غير أنه في 1859 استطاع كيميائي أوروبي أن يفصل المكونات الفعالة لأوراق الكوكا، الأمر الذي مهد السبيل أمام اتساع نطاق التجارة فيها، لتأخذ بعدا جديدا على المستوى الدولي، وفي الولايات المتحدة على وجه الخصوص، ولتبدأ مأساة العالم مع تجارة المخدرات في صورها الحديثة.

غالبا ما تتم صفقات التجارة في المخدرات بالنقود السائلة (كاش)، حيث يستحيل أن تتم تسوية معاملاتها من خلال المؤسسات المالية للدولة كالبنوك، لأن ذلك يفتح المجال أمام الدولة لكي تتمكن من كشف مثل هذه الصفقات ومعاقبة من يقوم بها. بالطبع مع تراكم الكاش لدى العصابات التي تشترك في التجارة تبدأ عمليات أخرى لتنظيف هذه الأموال وتحويلها من أموال غير قانونية إلى أموال قانونية، أو ما يطلق عليه ''غسيل الأموال''، التي تتم أيضا من خلال مؤسسات دولية متخصصة لديها أذرعة قانونية قادرة على محو أثر هذه الأموال لتصبح في النهاية نقودا قانونية لا غبار عليها.

أكثر من ذلك فإن التجارة في هذا النوع من السلع تتسم بالتنوع الكبير، حيث إن ارتفاع تكلفة أو أسعار مخدر معين يفتح المجال أمام انتشار مخدر آخر أقل تكلفة ويقدم المنفعة نفسها تقريبا للمستهلك، على سبيل المثال عندما ترتفع تكلفة الهيروين ينتشر استخدام مخدرات أخرى أكثر ضررا بمستهلكيها مثل الكوكايين، ولكنها أقل تكلفة للمستهلك.

تتسم تجارة المخدرات بأنها تجارة تتم في أسواق شبه احتكارية، حيث يصعب أن يكون للمخدرات سوق تنافسية، ذلك أنه مع اتساع عمليات مكافحة تجارة المخدرات، ترتفع تكاليف نقل وتداول وتسويق المخدرات، وتتحول الصناعة إلى صناعة تتطلب رأسمالا ضخما لتسييرها، وهو ما يجعل من رأس المال اللازم أحد أهم العقبات في وجه الكيانات صغيرة الحجم لولوج هذه السوق، فقط الكيانات المنظمة ذات الحجم الكبير هي التي تستطيع أن تستمر في السوق وتتمكن من تمويل عملية نقل وتسويق المخدرات وتكوين العصابات اللازمة للتوزيع، وتأديب المخالفين ومواجهة العصابات الأخرى. لذلك تقع تجارة المخدرات عالميا في الوقت الحالي في قبضة المافيا الدولية. أكثر من ذلك فإنه مع تشديد القيود على تجارة المخدرات ترتفع عمليات ضبط المخدرات، التي تمثل بالنسبة للكيانات التي تتولى عمليات التسويق خسارة كبيرة صافية، بالطبع لا تستطيع سوى الكيانات الضخمة التي تعمل في هذه التجارة تحمل هذه الخسائر والاستمرار في مجال الصناعة.

أكثر من ذلك فإن التجارة في المخدرات تتم في سوق يستحيل تنظيمها أو السيطرة عليها. نحن نتحدث عن سلعة وسوق إذا حاولت الدولة التشدد وحظر المعاملات التي تتم فيها أو السيطرة عليها، فإن التجارة في السوق تنشط على نحو أكبر وتتسع صور التحايل في السوق بصورة أوسع، ومن ثم فإن تشديد الرقابة على تجارة المخدرات يكون دائما بتكلفة كبيرة تتحملها الدولة، الأمر الذي يؤثر في الأموال المتبقية من الإيرادات العامة للدولة للإنفاق على خدماتها الأساسية، أو مشروعات البنية التحتية اللازمة لها أو مشروعاتها الحيوية مثل بناء المستشفيات والمدارس. على سبيل المثال يقدر أن الولايات المتحدة أنفقت 18 مليار دولار في عام 2007 في حربها ضد المخدرات.

يرى البعض أنه لا فائدة ترجى من عمليات منع المخدرات، وبما أنها تأتي دائما بنتائج معاكسة، فقد نادوا بتقنين تجارة المخدرات لتتحول التجارة من السوق السفلية إلى السطح تحت أعين الدولة ورقابتها. بالطبع مثل هذه الدعوات تتجاهل تماما ما يمكن أن يترتب على تحرير تجارة المخدرات من آثار في الأفراد وفي الأسر وفي المجتمع ككل، مع اتساع نطاق العنف والجريمة فيه، وهي مشكلات أخرى تتطلب تكلفة كبيرة مماثلة لتكلفة محاصرة تجارة المخدرات، إن لم تكن أكثر، وهنا المعضلة الأساسية، أي أن ترك السوق حرة أمر مكلف، ومحاولة السيطرة عليها أمر مكلف أيضا.

في دراسة له عن آثار حظر المخدرات في الميزانية الأمريكية يقدر جيفري ميرون أنه لو تم تقنين تجارة المخدرات، فإن الحكومة الفيدرالية الأمريكية يمكن أن توفر نحو 44 مليار دولار سنويا من تكلفة مكافحة التجارة غير القانونية في المخدرات، أكثر من ذلك فإن تقنين تجارة المخدرات سيسمح للدولة بأن تقوم بفرض ضرائب على المعاملات التي تتم فيها والأرباح الناجمة عنها، ويقدر ميرون أن الولايات المتحدة ستتمكن من جمع 32 مليار دولار ضرائب على مبيعات الماريوانا والكوكايين والهيروين وغيرها من المخدرات.

مع انتشار تجارة المخدرات وارتفاع أسعارها تنتشر الجرائم التي لا ترتبط بتجارة المخدرات ذاتها، حيث يلجأ مدمنو المخدرات إلى ممارسة الجريمة للحصول على السيولة اللازمة لتمويل شراء المخدرات لإطفاء الحاجة إلى المخدر، فترتفع جرائم السرقة بين مدمني المخدرات والاعتداءات للحصول على المال، وبالطبع تتحول أموال الجريمة هذه إلى عصابات الاتجار في المخدرات في النهاية.

وعندما ندقق في طبيعة وخصائص الدول التي تتولى عملية زراعة أو نقل المخدرات، نجد أنها بشكل عام تتسم بضعف مستويات الدخل فيها، وهو ما يلجئ السكان في هذه الدول إلى تجارة المخدرات. على سبيل المثال ترتب على الكساد الحالي انتشار خطوط نقل المخدرات في أماكن عدة في العالم، فقد تحولت جزر الكاريبي إلى معبر للمخدرات من مناطق إنتاجها إلى الولايات المتحدة مع ارتفاع المشكلات الاقتصادية لهذه المناطق، وتقدر الولايات المتحدة أن نحو 14 في المائة من الكوكايين المهرب إليها في النصف الأول من هذا العام يأتي عن طريق جزر الكاريبي، وهو ضعف معدل التهريب من هذه المناطق في العام الماضي، وإن كانت هذه المعدلات أقل بكثير من الوضع في الثمانينيات حيث كان نحو 75 في المائة من الكوكايين المهرب إلى الولايات المتحدة يمر عبر الكاريبي. وتحاول الولايات المتحدة حاليا تقديم المساعدات للمنطقة لتحسين قدراتها الأمنية، للحد من عمليات تدفق المخدرات من تلك المناطق إليها.

جميع المؤشرات المتاحة عن معدلات نمو تجارة المخدرات أو حجمها أو معدلات الارتفاع في أسعارها تشير إلى أن الحرب ضد المخدرات هي حرب خسرها العالم حتى اليوم. فبمرور الوقت تزداد أعداد السكان في العالم، الأمر الذي يؤدي إلى زيادة الطلب على المخدرات، ومع كل حملة تتم لمحاربة تلك التجارة، تختفي المخدرات من السوق السطحية إلى السوق السفلية، ما ينعكس في صعوبة الحصول عليها، الأمر الذي يؤدي إلى ارتفاع أسعارها، نظرا لارتفاع الطلب عليها وتراجع العرض منها، لعدم قدرة مدمنيها على تركها بسهولة.

الشرطة البيئية

نشرت ''الاقتصادية'' تقريرا عن ملتقى بيئي تستضيفه جدة لتفعيل إنشاء جهاز للشرطة البيئية، وذلك في ضوء ضعف الأداء الواضح للجهات الحكومية المختصة في الحفاظ على البيئة.

مشكلة الجرائم البيئية تتمثل في اتساع تأثيراتها السلبية في الإنسان والحيوان والنبات، فعندما ينتشر التلوث البيئي من خلال التخلص من النفايات الصلبة أو الخطرة بصورة غير مناسبة، أو عند تلويث الهواء أو المياه، أو استخدام المواد الكيماوية الخطرة وغير ذلك، فإن التأثير السلبي لهذه المخالفات لا يقتصر على المتسبب فيها، إنما يدفع ثمنها الجميع من صحتهم وسلامتهم. هنا يأتي دور جهاز الشرطة البيئية في مراقبة الالتزام بالشروط البيئية وتطبيق القوانين المرتبطة بحماية البيئة والموارد الطبيعية، حيث تتولى مهام التقصي وجمع القرائن وتحويل المتسببين في الإضرار بالبيئة إلى القضاء الذي يطبق العقوبات المناسبة من خلال دوائر قضائية خاصة.

بهذا الشكل يرتفع أداء المملكة في مكافحة التلوث البيئي والحد من الأنشطة المختلفة الضارة بالبيئة، فمثل هذا الجهاز المتخصص سيكون أقدر على كشف الأنشطة التي تخالف الشروط البيئية، وتحديد مقدار الضرر البيئي الناتج عن هذه المخالفات، كي يمكن فرض العقوبات التي تتناسب مع فداحة الضرر البيئي الناجم عن تلك الأنشطة. الشرطة البيئية ستساعد على حماية البيئة البرية والبحرية وضمان استدامة الشروط البيئية في المملكة على نحو مناسب، وتمتع الجميع ببيئة نظيفة خالية من الملوثات التي تتسبب في الكثير من الأمراض الخطيرة للإنسان بشكل عام، فضلا عن الحفاظ على الشروط البيئية للأجيال القادمة.

جدل حول الاستثمار الأجنبي في السعودية

نشرت ''الاقتصادية'' تقريرا عن أن جدلا قد ثار في مجلس الشورى، تمخض عن رفض تعديل بعض مواد نظام الاستثمار الأجنبي، قبل أن تتم عملية تقييم فاعلية نظام الاستثمار الأجنبي الحالي، استنادا إلى أن استفادة المملكة من الاستثمار الأجنبي في جوانب مثل نقل التقنية أو التنمية المستدامة شبه منعدمة، وأن نظام الاستثمار في المملكة يجب أن يركز على جذب رؤوس الأموال الوطنية المهاجرة ووقف منافسة رأس المال الأجنبي للمستثمر السعودي.

لا شك أن هذه النظرة السلبية للاستثمار الأجنبي المباشر تعكس أداء الاستثمارات الأجنبية التي دخلت المملكة، غير أن هناك اتفاقا، على الأقل من الناحية النظرية، على أن الاستثمار الأجنبي المباشر يجلب معه التكنولوجيا ووسائل الإنتاج الحديثة ونظم الإدارة والتسويق وحرية الوصول إلى الأسواق العالمية، إلى آخر هذه القائمة الطويلة من المنافع المفترض أن تستفيد منها الدول المضيفة. من الناحية العملية دائما ما يحاول المستثمر الأجنبي حجب التقنيات التي يمتلكها وأسرار الصناعة الخاصة به، أو الحد من استخدام ابتكاراته الخاصة، أو قصر عمليات تسويق الإنتاج في السوق المحلية دون الدولية، وغير ذلك لتستمر درجة سيطرته على صناعته.

لمواجهة ذلك لا بد أن تستعد المملكة بنظام فاعل للاستثمار الأجنبي بقوة تفاوضية قادرة على مواجهة هذه الممارسات، بحيث ترتبط التسهيلات المقدمة للاستثمار الأجنبي المباشر بتحقيق أهداف المملكة، مثل نقل التكنولوجيا بنسب متفق عليها، أو توظيف العمالة الوطنية وتدريبها.. وغير ذلك من العوائد من استقطاب الاستثمار الأجنبي المباشر.

التكلفة الاقتصادية للحوادث المرورية في السعودية

نشرت ''الاقتصادية'' تقريرا عن أن مسؤولا في هيئة الهلال الأحمر، أشار إلى أن هناك تسعة أشخاص يموتون يوميا في الرياض بسبب الحوادث المرورية، فضلا عن الإصابات الأخرى، وأن هناك ارتفاعا في أعداد الحوادث مقارنة بالأعوام السابقة.

حوادث المرور ظاهرة عالمية، خصوصا في المدن التي يشتد فيها الازدحام المروري، ويقدر أن العالم يخسر تقريبا نحو 3 في المائة من ناتجه المحلي الإجمالي سنويا نتيجة للحوادث المرورية، وهي كما يبدو تكلفة فادحة. غير أننا يجب ألا نهمل حقيقة أن وراء كل حادثة مرورية من هذا النوع مأساة إنسانية تعيشها أسرة، أبوان أو زوجة، ربما يكونون قد فقدوا راعيهم الوحيد، أو أطفال سوف تتغير مسيرة حياتهم تماما بسبب قصور مواردهم المادية نتيجة فقدان عائلهم الوحيد.

فداحة تكلفة الحوادث المرورية ينبغي أن ينظر إليها من منظور التكلفة والعائد على المستوى الاجتماعي، وأن توضع برامج مناسبة للاستثمار في الطرق في المدن الرئيسة، تهدف إلى إعادة تخطيط الطرق وبناء الحواجز والعلامات المرورية وأماكن العبور والإشارات المرورية واللوحات الإرشادية وغيرها، وفوق كل ذلك الاستثمار في توعية قائدي السيارات والمارة بقواعد القيادة الآمنة، وكيفية القيادة في المدن، والقواعد التي يجب أن تتبع في أوقات الازدحام المروري، في ضوء استراتيجية تضع مستهدفات واضحة لتقليل أعداد الحوادث بمعدلات محددة سنويا، تنشر نتائجها ويشرك الجمهور في تتبع معدلات نجاحها، ويطلع قادة السيارات على عدد الأرواح التي تم إنقاذها سنويا نتيجة الالتزام بقواعد القيادة الآمنة.