السبت، أبريل 26، 2014

إيجابيات تقليد العلامات التجارية

في البداية لا بد من التأكيد على أن ما أكتبه هنا ليس دعوى لتقليد العلامات التجارية، أو أنني أوافق على عمليات التقليد، فمما لا شك فيه أن تقليد العلامات التجارية له كثير من الأضرار وهو عمل غير قانوني في كل دول العالم تقريبا، ولذلك غالبا ما تتم عمليات التقليد في ظل غياب القانون أو بعيدا عن أعين السلطات، حتى في الدول التي تتم فيها عمليات التقليد على نطاق واسع مثل الصين، غير أنه على الرغم من تعدد السلبيات المصاحبة لعمليات تقليد العلامات التجارية، فإن عمليات التقليد ليست كلها شرا، فالتجربة تشير إلى استفادة قطاعات عريضة من البشرية من عمليات التقليد على النحو الذي لا يمكن فيه التقليل من أهمية الآثار الإيجابية على مستويات الرفاه التي ينعم بها البشر من جراء عمليات التقليد، خصوصا بين الفئات ذات الدخل المحدود.
فمن خلال التقليد تمكنت فئات عريضة من سكان العالم من الوصول إلى بعض المنتجات التي لم يكن من الممكن تحت أي ظرف من الظروف أن تصل إليها لولا عمليات التقليد، على سبيل المثال تمكن مئات الملايين من البشر في الدول الفقيرة في آسيا وإفريقيا وأمريكا اللاتينية من حمل الهواتف النقالة أو امتلاك الكثير من الأجهزة الإلكترونية من خلال شراء الأجهزة ذات العلامات التجارية المقلدة والرخيصة الثمن، خصوصا تلك المصنعة في الصين، حيث تتم عمليات التقليد على نطاق واسع، حتى من خلال منافذ تصنيع العلامات الأصلية، وذلك كوسيلة لزيادة إيرادات تلك المصانع من خلال عمليات التقليد. على سبيل المثال يذكر Neuwirth أن المصانع التي تقوم بتصنيع الملابس الرياضية ذات العلامات الشهيرة في الصين مثل "بوما" تقوم بتصنيع النسخ الأصلية منها في أوقات الدوام الرسمي، أما في المساء أو في العطلات فإنها تقوم بتصنيع النسخ المقلدة منها، وبعض هذه النسخ المقلدة عالية الجودة لدرجة أنه يصعب اكتشاف عملية التقليد حتى من جانب أصحاب العلامات الأصلية.
تقليد العلامات التجارية أو قرصنة حقوق الملكية لا يعد أمرا جديدا على البشر، وآثار عمليات التقليد واضحة في الكثير من الأحيان، على سبيل المثال يشير Neuwirth في كتابه Stealth of Nations: The Global Rise of the Informal Economy إلى انتشار عمليات تقليد الطبعات الأصلية للكتب في أوروبا في القرن السابع والثامن عشر لدرجة أن أكثر عمليات بيع الكتب كانت تتم أساسا من خلال النسخ المقلدة منها، الأمر الذي ساعد على انتشار الثقافة في المناطق الريفية في أوروبا من خلال تمكين ملايين الفقراء من الاطلاع على هذه الكتب المنخفضة الثمن مقارنة بثمنها الأصلي، إلى الحد الذي دعا المطابع التي تملك حقوق نشر النسخ الأصلية من تلك الكتب إلى طباعة نسخ مخصصة لبائعي الكتب الجوالين في أوروبا كوسيلة لرفع درجة توزيع هذه الكتب لديهم وزيادة دخولها، غير أن الأثر الناتج عن هذه العمليات كان واضحا في ذلك الوقت، وذلك من خلال انتشار الثقافة المصاحبة لقراءة هذه الكتب بفضل المقلدين لهذه النسخ. مثل هذه التجربة التاريخية تدفع بعض الفرق الموسيقية في الوقت الحالي إلى السماح للجمهور بتنزيل أسطواناتهم بصورة مجانية عن طريق الإنترنت وذلك بهدف تحقيق الانتشار الواسع بين الجماهير لأسطواناتهم، ومن ثم تعويض خسائر عمليات البيع من خلال إيرادات الحفلات الحية التي يقيمونها من وقت إلى آخر.
أكثر من ذلك فإن عمليات تقليد النسخ الأصلية من الكتب أسهمت في شهرة كتابها وانتشار عمليات القراءة لهم، ففي القرن الثامن عشر، بعد قرن تقريبا من وفاته تقريبا، كانت قصص ويليام شكسبير قد أشرفت على الاختفاء من أرفف دور بيع الكتب، كما أن الكثير منها أجري عليه الكثير من التعديلات، غير أن طبع النسخة الأصلية لقصصه بصورة غير قانونية، وأحيانا تقسيمها إلى أجزاء وبيع كل جزء ببنس واحد فقط، ساعد على انتشار الأعمال الأصلية لويليام شكسبير، كما أدت زيادة الطلب على تلك الكتب إلى تكثيف عمليات البحث عن القصص التي اختفت ولم تعد تطبع، وتمت إعادة طباعتها بصورة غير قانونية وهو ما أدى إلى الانتشار الهائل للكاتب وأعماله، أكثر من ذلك فقد أسهمت عمليات الطبع غير القانوني لقصص شكسبير إلى توقف عمليات تعديل القصص الأصلية وأصبح ويليام شكسبير من أشهر الروائيين في العالم بفضل عمليات التقليد التي تمت للنسخ الأصلية لرواياته، ولكن الأهم أنه مع انتشار هذه العمليات ارتفعت مستويات الثقافة لقطاع واسع جدا من سكان بريطانيا لم تكن لهم أي فرصة في الوصول إلى هذه المطبوعات لولا عمليات الطباعة غير القانونية لتلك الكتب.
بالطبع مثل هذه العمليات تؤدي إلى خسائر تلحق بالمالكين لحقوق الطبع أو العلامات التجارية، على سبيل المثال قدرت خسائر الشركات المنتجة لاسطوانات برمجيات الحاسوب في 2008 فقط بنحو 53 مليار دولار، كما يقدر أن أكثر من 40 في المائة من البرامج المثبتة على أجهزة الحاسوب في العالم مسروقة، بالطبع لقد كان من الممكن تعويض جانب كبير من هذه الخسائر لو أن عمليات تسعير هذه المنتجات تتم بصورة أكثر عدالة ومراعاة لدخول المستهلكين لهذه البرامج، فمما لا شك فيه أن من يشتري النسخ المقلدة من هذه البرامج سيكون أكثر استعدادا لشراء النسخ الأصلية منها لو أن أسعارها كانت في متناول يده، ولكن حرص منتجي هذه البرامج على تعظيم أرباحهم يدفعهم إلى فرض أسعار مرتفعة نسبيا لها مما يحفز عمليات التقليد ويحفز المستهلكين على المخاطرة بشراء النسخ المقلدة منها، فما معنى أن يصبح بيل جيتس أغنى رجل في العالم بفضل الأرباح التي تحققها مايكروسوفت المنتجة للبرمجيات ليعود ليتبرع بجانب كبير منها مرة أخرى للأغراض الخيرية، ألم يكن من الأولى في الأساس أن يحقق أرباحا معتدلة بتخفيض أسعار البرمجيات لتكون في متناول الفقراء من المستهلكين في العالم.
إن عمليات التقليد تمكن المنتج الأصلي من الإعلان على نطاق واسع عن منتجاته على النحو الذي يساعد على انتشار هذه المنتجات وارتفاع مستويات شهرتها، وأخيرا فإن عمليات التقليد تدفع المنتج الأصلي نحو المزيد من الابتكار وإدخال نسخ جديدة من السلعة التي ينتشر تقليدها، حتى تتوقف عمليات التقليد ويستطيع أن يتابع بيع النسخ الأصلية الجديدة غير المقلدة، فعندما يتم إدخال النسخ الجديدة من المنتج تتسع مبيعات الشركات المنتجة للموديل الجديد، إلى أن يتمكن المقلدون من تقليده وإنتاجه وتوزيعه على نطاق واسع، وهو ما يقلل من مبيعات الشركة من النسخ الأصلية، ورغبة منها في ضمان استمرار الطلب مرتفعا على منتجاتها لا بد من أن تستمر في عمليات الابتكار والتجديد على نحو مستمر، وهو ما يضمن استمرار نجاح هذه الشركات، وبمعنى آخر فإن عمليات التقليد أحد العوامل المحفزة للنجاح للشركات المالية للعلامات الأصلية.

الجمعة، أبريل 25، 2014

BOOK REVIEW


انتهيت من كتاب
STEALTH OF NATIONS: The Global Rise of the Informal Economy 
للمؤلف
Robert Neuwirth 
الكتاب في فصولة الاولى ممتع جدا، لأنه يتناول مفهوم "سيستم دي"، أي النظام الذي يعمل به القطاع غير الرسمي في العالم، والذي بالطبع يشتمل على أعمال كثيرة بعضها قانوني والآخر ليس كذلك، ولكنها تشترك جميعا في خاصية واحدة وهي أنها تتم إما بدون ترخيص أو بدون موافقات حكومية عليها أو أنها تخالف القانون أو أن الرشوة تمثل المحرك الأساسي لها، أو انها تمثل اختراقا للقانون أو حقوق الملكية .. الخ.
يقدم الكتاب في البداية مجموعة من الاحصاءات المدهشة عن حجم "سيستم دي" في العالم بصفة خاصة حول عدد العمال في العالم الذين يعملون في هذا القطاع حيث يقدرهم الكتاب بنصف عمال العالم، كما تختلف نسبة تقديرات حجم المعاملات التي تتم في هذا القطاع أو حجم القيمة المضافة التي يقدمها بالنسبة للناتج المحلي الإجمالي من دولة الى أخرى، ولكن المثير للاهتمام هو أن جميع دول العالم أيا كان درجة تقدمها أو تخلفها تشترك في أنها تضم "سيستم دي" بصورة أو أخرى.
الكتاب هو حصيلة ما جمعه الكاتب من معلومات أثناء تنقله من دولة لأخرى ساعيا نحو دراسة القطاع غير الرسمي في العالم، بصفة خاصة في نيجيريا، أكثر دول العالم فسادا، وأوسعها انتشارا في الأعمال غير الرسمية التي تتم في سيستم دي، وكذلك في الصين حيث تتم أكبر عمليات التقليد على مستوى العالم ويجتمع المتعاملون في "سيستم دي" ساعين نحو ابرام صفقات لسلع ومواد مقلدة بهدف تحقيق أرباح مرتفعة ناتجة عن اختلاف تكلفة الانتاج بين الصين والمصنعين الرسميين لهذه السلع، وكذلك أمريكا الجنوبية، خصوصا البرازيل.
شخصيا أهتم دائما بالقضايا الكلية والمعلومات المصاحبة لها، وهو ما كنت أطمح اليه من اقتناء هذا الكتاب، ولكن خاب أملي بأن الجانب الأعظم من الكتاب يتناول الحديث عن قضايا فردية وقصص شخصية  باستعراض تجارب أفراد التقى معهم الكاتب في هذه الدولة أو تلك ، ليسرد من خلالها قصصا كثيرة عن "سيستم دي" بالطبع أنا لا أقلل من أهمية هذا الجهد، ولكن الكتاب لم يستوف طموحاتي التي كنت أتوقعها من كتاب بهذا العنوان، وفي رأيي تظل هذه القصص الشخصية تجارب فردية لا يمكن استقاء اتجاهات عامة استنادا اليها.
على الرغم من أن سيستم دي شائع جدا في دولنا العربية إلا أن المؤلف لم يسع الى تناول سيستم دي في العالم العربي بالتحليل، وان كنت اتوقع أنه كان من الممكن أن يجد مادة خصبة للغاية حول سيستم دي في هذا الجزء من العالم.

بدءا من نصف الكتاب تقريبا بدأت أشعر بالملل، ما أثار اهتمامي في نهاية الكتاب حديث الكاتب عن سيستم دي في البرازيل وكيف أن المافيا العربية ممثلة في اللبنانيين المهاجرين الى البرازيل تدير أسواقا هناك تستخدم عوائدها لتمويل حزب الله في لبنان وحماس في غزة، وكذلك القاعدة، وإن لم تثبت عمليات التحقيق عن صحة هذه الادعاءات. 

قصة أغلى عملة في التاريخ



قطعة العشرين دولار الذهبية التي تحمل صورة النسر الأمريكي صنعت في 1850 حيث تم سك 445,000 قطعة منها، وفي عام 1937 تم سحقها بالكامل عدا قطعتان تركتا للذكري، اكتشفت المخابرات الأمريكية أن المشرف على عملية سك هذه العملة George McCann  قد سرق 10 قطع منها، وتم استعادة 9 منها، وبقيت قطعة واحدة لم يعثر عليها، لذلك تم حظر امتلاك أو تداول هذه العملة بواسطة الحكومة الأمريكية.  

في عام 1944 تقدم الملك فاروق (ملك مصر السابق الذي أطاح به الضباط في انقلاب 1952) بإذن لتصدير هذه العملة الى مصر، وكان الملك فاروق يهوى اقتناء الطوابع البريدية وزجاجات الأسبرين وأمواس الحلاقة القديمة والعملات، ويعد واحد من أكبر هواة جمع العملات في العالم، وبالفعل حصل بالخطأ على الترخيص بالتصدير، من الخزانة الأمريكية وبأن يضيف هذه العملة الى مقتنياته الخاصة، وبعد عدة اسابيع تم اكتشاف الخطأ بأن اقتناء هذه العملة محظورا أصلا بواسطة القانون. حاولت الولايات المتحدة استعادة هذه العملة لكن مناخ الحرب في 1944 حال دون ذلك.

بعد انقلاب 1952 تم عمل مزاد لبيع مقتنيات الملك فاروق في عام 1954، وكانت وحدة العشرين دولارا الذهبية من بينها، اكتشفت الحكومة الأمريكية وجود العملة بين مفردات المزاد، فطلبت من الحكومة المصرية سحبها من المزاد لأن اقتناءها بشكل خاص غير قانوني، وتم بالفعل سحب العملة، ولكنها لم تعاد الى خزينة الدولة المصرية واختفت لمدة 45 عاما.

في عام 1996 قام بائع العملات البريطاني Stephen Fentonbrought بإحضارها في فندق Waldorf Astoria في نيويورك لبيعها لأحد مقتني العملات الأمريكيين إسمه  Fenton، ولكنه تم القبض عليه ووضع في السجن وتمت مصادرة العملة، وقامت السلطات الأمريكية بوضع العملة في خزانة آمنة في مبني مركز التجارة العالمية، وقبل تدمير مركز التجارة العالمي في 11 سبتمبر 2001 بواسطة القاعدة بعدة أسابيع تم سحب وحدة العملة، وكان Fenton قد خرج من السجن ورفع قضية على الحكومة الأمريكية لاثبات ملكيته للعملة والتي حكمت بأنه على الرغم من أن العملة تم سكها بصورة قانونية وأن ملكيتها محظورة إلا انها منحت حق امتلاكها بصورة خاصة.

في 30 يوليو 2002 تم طرح العملة في صالة سوثبي للمزادات وبيعت ب 7590020 دولارا (أكثر من سبعة ملايين ونصف الدولارا)، وخسرت مصر هذه القيمة، بسبب من سرق هذه العملة من قائمة المعروضات لمزاد 1954 في مصر، أيام ما أطلق عليه فوضى المصادرات، عندما أطلق ضباط الانقلاب أيديهم في مصادرة ممتلكات الأثرياء في مصر

أنظر المصدر: 

الجمعة، أبريل 18، 2014

العملات الافتراضية حاليا 225 عملة


عدد العملات الافتراضية مثل #البت_كوين يرتفع من 207 الى 225 عملة في اسبوعين والأغبياء يقولون أنها المستقبل
أي مستقبل? 
http://coinmarketcap.com/all.html

اقتصاديات القرصنة

عدد السفن التي اوقفها القراصنة الصوماليين بين 2005-2012
شاهذ هذا العرض الشيق بعنوان اقتصاد القرصنة 
http://www.theatlantic.com/magazine/archive/2014/05/the-pirate-economy/359817

الفحم هو وقود المستقبل

مرة أخرى 
الاكونوميست: الفحم هو وقود المستقبل للأسف الشديد

مخاطر الكساد السعري Deflation تتعمق في الاتحاد الأوروبي

أسوأ الكوارث البحرية الأخيرة في العالم



15 من أسوأ الكوارث البحرية في العالم منها عبارة السلام المصرية 

http://online.wsj.com/news/interactive/maritimedisasters?ref=SB10001424052702303887804579504373992846340%3Fmod%3De2tw

كارثة السفينة الكورية في صور

اقتصاديات تقليد العلامات التجارية

تمثل حقوق الملكية الفكرية في عالم اليوم مصدرا مهما للدخل والناتج، وذلك في الاقتصادات التي تهتم بالبحث والتطوير، وتخصص لها ميزانيات ضخمة سنويا، سواء على المستوى الكلي Macro من خلال ما تخصصه الدول من ميزانياتها العامة لأغراض تمويل عمليات البحث والتطوير في اقتصادها، أو على المستوى الجزئي Micro وذلك من خلال مراكز البحوث والتطوير الخاصة بالشركات وما تخصصه لها سنويا من ميزانيات لهذا الهدف.
مثل هذا النوع من الإنفاق له مردود مهم على المديين المتوسط والطويل في صورة ابتكارات وتقنيات ومنتجات جديدة تحدث آثارا انتشارية في الاقتصاد المحلي لتستفيد منها الصناعات الأخرى أو القطاعات الأخرى في الاقتصاد، وبعضها بالطبع يكون له آثار انتشارية على المستوى العالمي، في حالة الابتكارات الرئيسة، ولذلك تقاس أهم مواطن تنافسية اقتصادات العالم اليوم من خلال القدرة الابتكارية للاقتصاد، والتي تضمن استدامة تفوق شركاته على المستوى الدولي سواء في القطاعات المدنية أو العسكرية.
يشير مكتب المحاسبة الحكومي GAO في الولايات المتحدة إلى أن حقوق الملكية الفكرية تلعب دورا مهما كأحد مكونات الاقتصاد الأمريكي، سواء من حيث مساهمتها في الناتج المحلي الإجمالي، أو في دخول الأمريكيين أو مستويات رفاهيتهم، ولذلك يتوقع أن أي تراجع يحدث في معدل نمو الابتكارات في هذا الاقتصاد، سيترتب عليه تراجع في مستويات التجارة الخارجية الأمريكية مع باقي دول العالم. أكثر من ذلك فإن تراجع معدلات الابتكار يؤدي إلى تقليل معدلات التوظف وارتفاع معدلات البطالة.
وفقا لتقديرات GAO فإن الصناعات كثيفة حقوق الملكية الفكرية تعد حيوية للغاية بالنسبة للاقتصاد الأمريكي، ففي عام 2010 ساهمت هذه الصناعات بأكثر من خمسة تريليونات دولار من الناتج المحلي الإجمالي، أو ما يمثل نحو 35 في المائة منه، وهي نسبة مرتفعة جدا. من ناحية أخرى، وفقا لتقديرات غرفة التجارة الأمريكية فإن الولايات المتحدة قامت بتصدير أكثر من تريليون دولار من منتجات الصناعات كثيفة حقوق الملكية الفكرية للعالم، أو ما يمثل نحو 74 في المائة من إجمالي الصادرات الأمريكية في ذلك العام. أكثر من ذلك فإن هذه الصناعات توفر وظائف لنحو40 مليون عاملا أي أكثر من ربع قوة العمل في القطاع الخاص الأمريكي.
مع تركز عمليات الابتكار في دول محددة وارتفاع تكلفة رسوم حقوق الملكية لهذه الابتكارات بالنسبة لمستخدمي تلك الحقوق في الدول الأخرى، أو ارتفاع أسعار المنتجات ذات العلامات التجارية المعروفة بالنسبة للمستويات الداخلية للمستهلكين، خصوصا في الدول الفقيرة، تحدث عمليات تقليد وقرصنة على نطاق واسع على المستوى الدولي، ويوما بعد يوم تتسع عمليات التقليد للعلامات التجارية وينتشر نطاقها بين دول العالم المختلفة سواء من حيث عدد أو نوعية السلع التي يتم تقليدها أو عدد الدول التي يتم فيها هذا النشاط عبر الوقت. على سبيل المثال، تشير غرفة التجارة الدولية إلى أن عمليات التقليد تؤثر في كل المنتجات في العالم تقريبا هذه الأيام، لتشمل الكتب والأفلام والأغاني والطعام والمشروبات المقلدة والأدوية والإلكترونيات والمعدات الكهربائية وقطع غيار السيارات والمنتجات الاستهلاكية بشكل عام، وبالطبع حقوق الملكية الفكرية في تقليد أسطوانات الموسيقى والأفلام وبرمجيات الحاسوب.
نظرا لارتفاع تكلفة عمليات البحث والتطوير، ولأهمية النتائج الاقتصادية المترتبة على الابتكار فقد حرصت دول العالم التي تلعب حقوق الملكية دورا مهما في اقتصاداتها على ضمان حماية ابتكاراتها وعلاماتها التجارية ومنتجاتها من التقليد أو القرصنة لما لتلك العمليات من آثار سلبية متعددة. على المستوى الاقتصادي تؤدي عمليات التقليد والقرصنة إلى التأثير السلبي في اتجاه الشركات نحو الابتكار الأمر الذي يؤدي إلى تراجع معدلات نموها، ومن ثم معدلات النمو على المستوى الكلي. من ناحية أخرى، فإن هذه العمليات تؤدي إلى فقدان الحكومات الإيرادات الضريبية المختلفة التي تحصل عليها في مراحل عمليات إنتاج وبيع وتصدير المنتجات في مواطن إنتاجها الرسمية.
الواقع أنه يصعب من الناحية الفعلية تقدير تكلفة تقليد العلامات التجارية أو تحديد حجم الخسائر الناجمة عن قرصنة حقوق الملكية الفكرية على المستوى العالمي، لسبب بسيط وهو أن أنشطة التقليد غالبا ما تتم في الخفاء بعيدا عن أعين السلطات، كما أن السلع المقلدة غالبا ما يتم تهريبها عبر الحدود، للتهرب من المواصفات والمقاييس التي يجب استيفاؤها في المنتجات المماثلة، ومن ثم فغالبا لا تسجل ضمن بيانات التجارة الخارجية الرسمية للدول، وفي الغالب تتم عمليات التجارة في هذه السلع من خلال التهريب لتفادي الجمارك.
تقف الصين في قلب عمليات تقليد العلامات التجارية في العالم، ففي دراسة لمركز التجارة الدولي أشار إلى أن انتهاك الصين لحقوق الملكية الأمريكية كلف الاقتصاد الأمريكي في عام 2009 فقط نحو مليون وظيفة وخسارة نحو 48.2 مليار دولار في صورة نقص في المبيعات من السلع المقلدة وخسائر حقول الملكية ورسوم التراخيص، وفي دراسة حديثة للجنة حقوق الملكية الفكرية الأمريكية قدرت هذه الخسائر بنحو 320 مليار دولار سنويا. نحن إذن نتحدث عن خسائر ضخمة لعمليات تقليد العلامات التجارية تلحق بالاقتصادات التي تلعب فيه حقوق الملكية دورا مهما، مثل الولايات المتحدة.
ولكن لماذا لا تقوم دول مثل الصين بإيقاف هذه الأنشطة غير القانونية؟ والتي بقليل من الجهد المخابراتي يمكن اكتشاف أماكنها والهجوم عليها لإيقاف هذه الأنشطة؟ الإجابة في غاية البساطة وهي أن الحكومات قد تغض البصر عن مثل هذه الأنشطة على المستوى العالمي لأسباب عديدة، أهمها أن هذه الأنشطة يعمل فيها مئات الآلاف من العمال، ومن ثم فإن إغلاق مراكز التقليد سينتج عنه ارتفاع في معدلات البطالة، وفي دولة مثل الصين حيث توجد أكثف كتلة سكانية في العالم، فإن توفير وظائف بديلة لهذا العدد الهائل من العمال من خلال المنافذ الرسمية قد يمثل عبئا هائلا على الدولة. في المقابل فإن إغلاق هذه المراكز يؤدي إلى تزايد الضغط الاجتماعي الناتج عن ارتفاع معدلات البطالة بين السكان.
وتقليد العلامات التجارية له العديد من الآثار السلبية أهمها أثره السلبي في الحافز على الابتكار، طالما أن هذه الجهود ستذهب هباء في النهاية ليستفيد منها طرف آخر، كما يؤثر في إيرادات الدول من الضرائب التي تفرض في المراحل المختلفة لعمليات إنتاج ونقل وتوزيع هذه السلع إن كانت تتم من خلال قنوات رسمية، وآثار أخرى كثيرة، ولكن هل من آثار إيجابية لتقليد العلامات التجارية؟ هذا ما سنتناوله في الأسبوع القادم ـــ إن شاء الله.

السبت، أبريل 12، 2014

مقلدة بجودة عالية جدا Super high quality fake

مع وجود دولة مثل الصين لم يعد هناك ثقة في أن يكون أي منتج في العالم مهما كانت ماركته منتجا أصليا.
يحكي  Robert Neuwirth أنه أثناء زيارته للصين رغب في شراء ساعة ماركة رادوRADO  مقلدة Fake ، وبالفعل عرضت عليه البائع ساعة رادو مقلدة وطلبت ثمنا لها 40 دولارا، وكان معه صديق صيني يرتدي ساعة رولكس ROLEX اشتراها له أبواه على أنها أصلية من موزع في الولايات المتحدة بثمن كبير، على أنها ساعة أصلية وليست تقليد.
فطلبت منه البائعة ان تطلع على الساعة، وأخذت تقلب فيها يمينا وشمالا وتقلبها وتحركها وتهزها، وبعد برهة من الزمن وضعت الساعة على رسغ ذراعه و قالت له، هذه مقلدة بجودة عالية جدا Super high quality fake.
اين نذهب إذن، وما الدليل على أن أي شيء نشتريه ليس مقلدا؟؟
ملاحظات من كتاب Stealth of Nations: The Global Rise of the Informal Economy للمؤلف Robert Neuwirth

الهواتف المقلدة


كاش أونلي Cash Only

في أسواق سيستم دي دائما ما تتم العاملات بالكاش فقط، وذلك لضمان التهرب من المساءلة عن نوعية الصفقات وحجمها والضرائب المفترض ان تجمع عنها، ولتسهيل عمليات تهريب هذه السلع.. الخ.
في الصين حيث أن أكبر عملة هي 100 يوان، والتي تعادل حوالي 14 دولارا، فإن عمليات السداد بالكاش تمثل مشكلة لكل من البائعين والمشترين، حيث يحتاج المشتري عند تحويل دولاراته الى يوان الى حقائب كبيرة لنقل النقود، خصوصا بالنسبة للصفقات كبيرة الحجم، ولذلك يحتفظ البائعون في أسواق سيستم دي في الصين عادة بماكينات تعمل بالبطارية لعد النقود تجنبا لأي أخطاء يمكن أن تحدث أثناء العد اليدوي لهذه الكمية الضخمة من الأوراق النقدية، كما أن لديه العديد من الخزائن الحديدية للاحتفاظ بالكاش الذي يتم البيع به. بمعنى آخر فإن عمليات سيستم دي تنم عن كميات ضخمة من الكاش الذي لا تتم عملية الابلاغ عنه للسلطات لتجنب دفع الضريبة عن تلك المعاملات.
في الولايات المتحدة فطن المشرع مبكرا إلى هذه المشكلة، الناشئة عن سيستم دي في أسواق المخدرات، حيث أن المخدرات تباع دائما كاش، ففرض المشرع على كل مودع للأموال في البنوك الأمريكية أن يقدم ما يثبت المصدر الشرعي لهذه الأموال اذا زاد ما يودعه المودع عن 10 آلاف دولارا. ومع ذلك لم تتوقف أعمال سيستم دي في المخدرات في أمريكا، فما زال السوق فعالا جدا، وما زال البائعون يجدون طريقهم للتخلص من الكاش الذي تتم به عمليات البيع.

ملاحظات من كتاب Stealth of Nations: The Global Rise of the Informal Economy للمؤلف Robert Neuwirth


غوان جو

مدينة "غوان جو" الصينية والتي كانت تسمى "كانتون" سابقا تعد أفضل مثال لسيستم دي في العالم، وتعج المدينة بالأفارقة الذين يأتون من دول إفريقية مثل نيجيريا لاستيراد السلع المقلدة، أو حتى تصنيعها تحت ماركات خاصة بهم. وفقا للتقديرات فإن هناك حوالي 100 ألف افريقي يقيمون بصفة دائمة في هذه المدينة، وإن كانت بعض التقديرات ترفع هذه الرقم الى 300 ألف افريقي، ويتركز جانب كبيرا منهم في ضاحية "سان يوان لي" لدرجة أن البعض يطلق عليها مدينة الشوكولاتة Chocolate City نسبة الى لون معظم من يقطنونها من الأفارقة. بل إن المدينة كيفت نفسها لتتعامل مع هذه الفئة من الناس، حيث توجد المطاعم التي تقدم الوجبات الإفريقية، ويوجد المترجمين المتخصصين في التعامل مع هذه الفئة، والصرافين، ودور الاقامة المتخصصة في ذلك.. الخ. 
ولكن غوان جو لا تستقطب الأفارقة فقط، فهي أيضا تستقطب العرب والارجنتينيين والفلبينيين والأتراك وغيرهم من رعايا الدول الذين أتوا إلى الصين بحثا عن صفقات لتوريد السلع الرخيصة والمقلدة. غير أن الأفارقة يتسمون بأنهم  أكثر من أوجد لهم كيانا دائما في المدينة، ومعظمهم يقيمون بصورة غير شرعية. وهم يعترفون بأنه لو توقف الأفارقة عن الذهاب للصين لإجراء هذه المعاملات فإن الاقتصاد الصيني سوف يتأثر كثيرا بذلك.
ولا يمكن الاعتماد على الاحصاءات الرسمية لصادرات الصين الى افريقيا، حيث أن عدد كبيرا من الحاويات يغادر الصين الى افريقيا دون ان يتم تسجيله، وبالطبع تخرج هذه الحاويات من خلال سيستم دي. غير أن الاحصاءات الرسمية الصينية تقول بأن التجارة المتبادلة بين الصين وافريقيا تجاوزت في 2009 ما قيمته 100 مليار دولارا، غير أن عمليات تصدير السلع المقلدة والتي يتم قرصنتها لا تسجل غالبا ضمن هذه الاحصاءات.
ملاحظات من كتاب Stealth of Nations: The Global Rise of the Informal Economy للمؤلف Robert Neuwirth


الصين أكبر قراصنة العالم

تلعب الصين دورا محوريا في سيستم دي في العالم من خلال عمليات التقليد والقرصنة والتي تعتبر مصدرا هاما للدخل بالنسبة لآلاف الشركات الصينية والمتعاملين معها من دول العالم الأخرى، خصوصا من إفريقيا حيث ينتشر الفساد وتقل سيطرة الحكومات على الموانئ والأسواق، وحيث تعتبر السلع المقلدة هي الوسيلة الوحيدة أمام مئات الملايين من الناس للوصول إلى سلع لم يكونوا يحلمون في وقت من الاوقات باقتنائها لولا عمليات التقليد والقرصنة للنسخ الأصلية من تلك السلع والتي تتم على نطاق واسع في الصين.
ولكن لماذا لا توقف الصين من جانبها هذه العمليات؟
يجيب Robert Neuwirth في كتابه Stealth of Nations: The Global Rise of the Informal Economy  عن أن الصين لا تقوم بذلك حتى تستمر في المحافظة على معدلات عالية من التوظف لمئات الملايين من الصينيين الذين يعملون في مجالات القرصنة، وحتى يقل الاضطراب الاجتماعي الناشئ عن تحول عدد كبير من هؤلاء الى عاطلين عن العمل، وبمعنى آخر، فإن القرصنة هي أحد السبل التي تسلكها الصين لرفع معدلات التوظف فيها وتقليل معدلات البطالة، وبالطبع زيادة معدلات النمو والدخل.

ملاحظات من كتاب Stealth of Nations: The Global Rise of the Informal Economy للمؤلف Robert Neuwirth


سيستم دي System D

لم أسمع عن "سيستم دي" قبل أن أقتني كتاب Stealth of Nations، والذي يتناول موضوع من الموضوعات المثيرة للاهتمام بالنسبة لي بشكل عام وهو نمو الاقتصاد غير الرسمي أو الاقتصاد الخفي في العالم. وتعني كلمة Stealth العمل في الخفاء أو التسلل في الخفاء، وتم توظيفها في عنوان الكتاب للتعبير عن كيفية عمل الاقتصادات غير الرسمية في العالم. سبق أن كتبت كتاب عن الاقتصاد الخفي في مصر، تناولت فيه بعض الدراسات التطبيقية على بعض جوانب الاقتصاد الخفي في مصر، ومنذ ذلك الوقت انقطعت علاقتي بالاقتصاد غير الرسمي.
تعرفت على معنى "سيستم دي" من خلال هذا الكتاب وأصل عبارة سيستم دي هو اللغة الفرنسية Système D، وحرف ال دي هو اختصار للفعل se débrouiller في اللغة الفرنسية، ويقصد بسيستم دي النظام الذي يتسم بأنه يواجه تحديات تتطلب القدرة على التفكير السريع والتصرف على نفس النحو من خلال تبني حلول ذكية للتعامل مع تلك التحديات بأعلى مستويات الكفاءة، وهذا بالفعل ما يحتاجه العمل في السوق غير الرسمية.
المثير في الكتاب أنه كتب بواسطة كاتب زار عددا كبيرا من دول العالم التي تنتعش فيها الاقتصادات غير الرسمية بدءا من البرازيل الى نيجيريا مرورا بالصين... الخ، ليصف بدقة آليات عمل الأسواق غير الرسمية في العالم. السوق غير الرسمي هو السوق الذي يعمل فيه أشخاص غير مسجلين، وغير مصرح لهم بالعمل فيه وغير حاصلين على رخص لمزاولة ما يقومون به من أعمال، وبذلك فهم لا يكشفون عن الدخول التي يحققونها من العمل في السوق غير الرسمي، وكذلك لا يدفعون ضرائب عنها... الخ، وهكذا تمثل القطاعات غير الرسمية في الاقتصاد ما يمكن أن نطلق عليه الاقتصاد غير الرسمي. وكنت قد قرأت تقديرات لهذا الاقتصاد في بعض بلدان العالم، ولكن على ما يبدو، بعدما اطلعت على هذا الكتاب، أنها غير دقيقة، وأن الاقتصاد غير الرسمي بالفعل حجمه ضخم على عكس ما نتصور.
يقدر الكتاب المعاملات في الاقتصاد غير الرسمي في العالم في عام 2011 بحوالي 10 تريليون دولارا، ومن هذا المنطلق يصبح الاقتصاد غير الرسمي هو ثاني اقتصاد في العالم من حيث الحجم بعد الاقتصاد الأمريكي، غير أنه يتسم بأن معدلات النمو فيه تتجاوز معدلات النمو في الاقتصادات الرسمية. فهذا الاقتصاد يتسم بديناميكية غير عادية تجعله بعيد عن الأزمات، على سبيل المثال لقد أثرت الأزمة المالية العالمية على كل دول العالم، بينما ظل الاقتصاد غير الرسمي في العالم ينمو ويتسع وتزداد أعداد العاملين فيه، على الرغم من ارتفاع معدلات البطالة في الاقتصادات الرسمية.
ولكن ما هو دور سيستم دي في الاقتصاد غير الرسمي، ما فهمته من الكتاب أنه الآلية التي يعمل بها هذا السوق والتي تسهل كل أعماله، على سبيل المثال تباع في السوق غير الرسمي عدد هائل جدا من السلع المهربة أو المقلدة أو التي لا تستوفي المواصفات مثل الأفلام التي تتم عملية قرصنتها، واسطوانات البلاي ستيشن أو ال Xbox المقلدة، والسلع التي تحمل الماركات الشهيرة ... الخ.، والسؤال المحير هو كيف تدخل هذه السلع حدود الدول من أماكن تصنيعها في العالم، بصفة خاصة في الصين، والتي تلعب دور المورد الرئيس للسلع التي يتم التعامل عليها في الأسواق غير الرسمية في العالم؟
الإجابة هي في سيستم دي، فمن خلال سيستم دي يتم اخراج هذه السلع من السفن، ليكون هناك سيستم دي آخر في الجمارك ليكتب شهادة بمطابقتها للمواصفات، وسيستم دي ثالث لكتابة شهادة افراج جمركي لها، وسيستم دي رابع ليتولى مرافقتها من الجمارك حتى تصل الى مخازن المستوردين... الخ. سيستم دي بالطبع دائما جاهز لتكميم أفواه الجميع بدءا من حارس الجمرك حتى ضابط التفتيش، مرورا بالمسئول الحكومي الخاص بالمخالفات ومندوب مصلحة الضرائب وموظفي البلدية ... الخ، قائمة طويلة جدا من المسئولين الذين يتعامل معهم سيستم دي. سيستم دي إذن هو أكفأ النظم في العالم على الاطلاق، وهو بهذا الشكل المسئول الأول عن الفساد في العالم.
استنادا الى كتاب Stealth of Nations: The Global Rise of the Informal Economy  للمؤلف Robert Neuwirth 
            

الفحم النظيف هو أمل العالم في المستقبل



طبقا لتقديرات وكالة الطاقة الدولية تطلق الصين وحدها نحو ربع الغازات الضارة بالبيئة لكثافة استخدامها للفحم، ويعتقد أنه بحلول 2020 سوف تضاعف محطات توليد الطاقة بواسطة الفحم، عندها ستتضاعف كمية ثاني اكسيد الكربون المنبعث من الصين بين مرتين الى ثلاث مرات. مما يعني أن اعتماد الصين على الفحم ليس مشكلة صينية، وإنما مشكلة عالمية، حيث يتأثر بها كل شخص في العالم تقريبا. لكن تزايد الاعتماد على الفحم لا يحدث في الصين فقط، فهناك شواهد على أن دولا أخرى تزيد من اعتمادها في توليد الطاقة على الفحم، مما يعكس تضاعف المخاوف المستقبلية على البيئة نتيجة لذلك.

اليوم تجري محاولات في العالم لتجربة طريقة جديدة لتوليد الطاقة من خلال ما يسمى بالفحم النظيف، وهو نفس الفحم ولكن بعد ازالة الملوثات منه. إذا حدث ذلك سوف يكون مستقبل الطاقة في العالم للفحم النظيف.
لمزيد من التفصيل إقرأ هذا المقال الممتعhttp://www.wired.com/2014/03/clean-coal

روسيا تستعد للهجوم على البترو - دولار.. فهل تنجح؟

نشر موقع صوت روسيا Voice of Russia يوم الجمعة الماضي الرابع من نيسان (أبريل) مقالا بعنوان "روسيا تستعد للهجوم على البترو- دولار" تحدث فيه عن أن استخدام الدولار الأمريكي كعملة أساسية في تجارة الطاقة العالمية يعطي الولايات المتحدة العديد من المزايا، حيث إن تسعير البترول بالدولار يضمن استمرار الطلب مرتفعا عليه، الأمر الذي يسمح للولايات المتحدة بأن يتراكم لديها حجم ضخم من الديون دون أن تضطر إلى التوقف عن خدمة دينها أو أن تتعرض للإفلاس، وأنه من الواضح أن روسيا تستعد حاليا للقضاء على هذه المزايا.

يشير الموقع إلى أن وزير الاقتصاد الروسي أخبر قناة أخبار روسيا بأن شركات الطاقة الروسية ينبغي أن تبعد أعمالها عن الدولار، وذلك من خلال إبرام عقود تصدير الطاقة بالروبل الروسي أو بعملات الدول الشريكة لروسيا في التجارة. وفي أعقاب تصريح الوزير أعلنت بعض الشركات الرئيسة المصدرة للسلاح أنها لا تمانع من أن تبدأ عملية تصدير السلاح بالروبل الروسي، غير أنها في حاجة فقط للآلية التي يمكن أن تقوم من خلالها بذلك، وأعتقد أنها على حق في هذا، فالسؤال الأساسي هنا هو من أين ستدبر الدول المستوردة للسلاح الروسي الروبل، وهو ليس عملة دولية كالدولار، أو كيف ستتصرف روسيا في عملات الدول الشريكة لها والتي لا يوجد عليها طلب عالمي كالدولار.

تجدر الإشارة إلى أن روسيا كانت قد دعت في تشرين الأول (أكتوبر) الماضي إلى إنشاء آلية دولية للتجارة في الغاز، بالصورة التي تسمح بتصديره بعملات إقليمية أخرى غير الدولار الأمريكي، ولم تلق الدعوى صدى حتى اليوم، كذلك حاولت الصين في أعقاب الأزمة المالية العالمية قيادة تحرك داخل مجموعة دول البريكس BRICS لإحلال عملة أخرى محل الدولار كعملة دولية، حيث تم اقتراح استخدام حقوق السحب الخاصة التي يصدرها صندوق النقد الدولي، ولم تنجح المحاولة أيضا.

من الواضح أن الصراع الدائر اليوم بين روسيا والولايات المتحدة حول أوضاع أوكرانيا يعطي الدافع لروسيا لبدء استخدام ما يسمى "بالبترو-روبل"، وذلك من خلال بيع النفط الروسي بالروبل، وقد بدأت روسيا بالفعل في توقيع اتفاقيات لبيع النفط الروسي مع الصين والهند، دون استخدام الدولار، كما تجري الاستعدادات حاليا بين روسيا وإيران لتوقيع صفقة لتصدير سلع روسية في مقابل النفط الإيراني، وهو ما سيسمح لروسيا بالحصول على ما بين 300 ألف إلى نصف مليون برميل يوميا، لتبيعها في السوق العالمية للنفط الخام، فإن تمكنت روسيا أيضا من بيع هذه الكمية بالروبل فإن ذلك سيمثل فرصة كبيرة "للبترو- روبل".

كانت أمريكا قد حذرت من أنها ستفرض عقوبات على الدولتين في حال إبرام الصفقة، ولقد تم تفسير رد الفعل الأمريكي على أنه يعكس قلق أمريكا على المركز الدولي للدولار، مثلما أشارت صوت روسيا، ولكن هؤلاء تناسوا أن ردة الفعل الأمريكية تعكس أساسا الأثر المتوقع للاتفاق على العقوبات الغربية على إيران، الأمر الذي يقوي مركز إيران التفاوضي حول القضايا العالقة مع الغرب، بصفة خاصة الولايات المتحدة.

الخلاصة أن موقع صوت روسيا يصف هذه الخطوات بأنها تمثل انتقاما روسيا من أمريكا في مقابل العقوبات التي تفرضها حاليا واشنطن على روسيا، وأن الانتقام الروسي سيكون غير سار لأمريكا.

إن المدقق في مثل هذا الكلام ومحاولة مقارنته بالأوضاع على الأرض في العالم سيصل مثلي إلى نتيجة مفادها أن كل هذا الكلام لا يعدو أن يكون سوى مادة للاستهلاك المحلي، وأن المحاولة الروسية لفرض تسعير صادراتها من النفط والغاز بالروبل لن تحقق ما تعتقد روسيا أنه سيكون ضربة موجعة للبترو- دولار، فهناك العديد من الأخطاء في مثل هذا التحليل يمكن تلخيصها في أن نسبة البترو- دولار السنوية لا تمثل نسبة ذات أهمية من إجمالي الطلب العالمي على الدولار الأمريكي، وأن هناك مغالاة في التأثير المتوقع لتسعير النفط الروسي أو حتى إجمالي النفط العالمي بعملة أخرى غير الدولار على الموقف الدولي للدولار الأمريكي. لتوضيح ذلك دعونا نجري بعض الحسابات لإثبات ذلك من واقع الإحصاءات المنشورة.

تقدر وكالة المخابرات المركزية الأمريكية CIA صادرات النفط الخام في العالم بنحو 43 مليون برميل يوميا. بالنسبة لي ربما يكون الرقم الفعلي أعلى من ذلك، لو افترضنا أن الصادرات اليومية للنفط الخام هي 50 مليون برميل يوميا، وأن سعر البرميل في المتوسط هو 100 دولار، فإن ذلك يعني أن إجمالي الصادرات اليومية للنفط نحو خمسة مليارات دولار، أو ما يعادل 1.8 تريليون دولار في العام. فكم تمثل قيمة هذه المعاملات بالنسبة لإجمالي الطلب على الدولار دوليا؟

للإجابة على هذا السؤال لا بد أن يكون لدينا تقديرات عن إجمالي المعاملات التي تتم في العالم بالدولار، ووفقا لآخر تقرير أصدره بنك التسويات الدولية عن حجم المعاملات اليومية في السوق العالمية للنقد الاجنبي، والذي يصدر كل ثلاث سنوات بناء على استبانة يتم توزيعها على البنوك المركزية في العالم، فإن حجم المعاملات في السوق العالمية للنقد الأجنبي يقدر بنحو 5.344 تريليون دولار يوميا، أي نحو 1950 تريليون دولار في السنة. من هذه المعاملات يتم نحو 4.652 تريليون دولار يوميا بالدولار الأمريكي، أو ما يمثل نحو 87.1 في المائة من إجمالي المعاملات اليومية بالنقد الأجنبي في العالم، أي نحو 1698 تريليون دولار سنويا.

والآن ما نسبة إيرادات الصادرات النفطية في العالم إلى إجمالي الطلب العالمي على الدولار يوميا وسنويا؟ وفقا للبيانات أعلاه فإن نسبة إيرادات الصادرات العالمية للنفط الخام يوميا وسنويا تمثل0.107 في المائة فقط من الطلب اليومي والسنوي على الدولار الأمريكي في العالم، وهي نسبة كما هو واضح أقل بكثير من 1 في المائة.

دعونا الآن نضيق نطاق التحليل، حيث ينصب أساسا على صادرات روسيا وإيران، لنحسب نسبة إيرادات الصادرات النفطية الروسية والإيرانية مجتمعة من النفط بالنسبة للطلب العالمي اليومي والسنوي على الدولار الأمريكي، وفقا لتقديرات وكالة المخابرات المركزية الأمريكية فإن إجمالي الصادرات من النفط الإيراني والروسي مجتمعين تقدر بنحو 7.2 مليون برميل يوميا، لنقل عشرة ملايين برميل يوميا، أي أن إجمالي الإيرادات اليومية للدولتين من صادرات النفط تمثل نحو مليار دولار يوميا، أو ما يعادل 365 مليار دولار سنويا، وعلى ذلك تبلغ نسبة قيمة هذه الصادرات إلى الطلب اليومي والسنوي على الدولار الأمريكي في العالم فقط 0.0215 في المائة، وبمعنى آخر فإن نسبة إجمالي صادرات هاتين الدولتين من النفط تعادل صفر في المائة تقريبا من الطلب اليومي أو السنوي على الدولار الأمريكي، فكيف يمكن الادعاء بأن التحركات الروسية بإعادة تسعير النفط الروسي بالروبل، أو النفط الروسي الإيراني بعملة أخرى غير الدولار ستهدد مركز الدولار في العالم؟

السبت، أبريل 05، 2014

قراءة في خطاب رئيس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي

ألقت جانيت يلين الرئيس الجديد للاحتياطي الفيدرالي خطابا مهما أمام مؤتمر إعادة الاستثمار الذي عقد في شيكاغو يوم 31 آذار (مارس) الماضي، حيث نبهت إلى أهم خصائص سوق العمل الأمريكي في الوقت الحالي، ومبررات عدم تحسن معدلات البطالة، والدور المرتقب للاحتياطي الفيدرالي للتعامل مع هذه القضية، وأنه رغم كل الجهود التي بذلها الاحتياطي الفيدرالي فما زال هناك هدفان أساسيان بعيدي المنال وهما تعظيم معدلات التوظف في الاقتصاد الأمريكي، والحفاظ على معدل مناسب للتضخم.

تحدثت يلين في البداية عن الدور الذي لعبه الاحتياطي الفيدرالي في مساعدة الاقتصاد الأمريكي على مواجهة نتائج الأزمة المالية، وعلى التعافي من الكساد العظيم الذي حل به في أعقاب الأزمة لضمان حد أدنى من معدلات النمو من خلال خفض معدلات الفائدة لضمان سهولة الحصول على التمويل اللازم لشراء المساكن، ومساعدة مؤسسات الأعمال على التوسع في الاستثمار بتكلفة اقتراض أرخص، ولمساعدة المستهلكين على تمويل شراء سياراتهم بتكلفة أقل لمساعدة صناعة السيارات في أمريكا... إلخ، وذلك بهدف مساعدة سوق العمل على فتح فرص عمل كافية لاستيعاب الأعداد الكبيرة من العاطلين.

وعلى الرغم من أن أي رئيس للاحتياطي الفيدرالي سيستخدم إحصاءات تراجع البطالة من أكثر من 10 في المائة في 2009 "التعريف 3 لمعدل البطالة" إلى 6.7 في المائة حاليا، في التأكيد على أن السياسات النقدية هي المسؤولة عن هذا التراجع، وأن الـ 7.5 مليون وظيفة التي تم فتحها في سوق العمل هي نتاج السياسات التوسعية التي انتهجها، وذلك تنفيذا لالتزامه أمام الكونجرس برفع معدلات التوظف لضمان الحفاظ على مستويات رفاهية الشعب الأمريكي، إلا أن يلين تناولت واقع سوق العمل بشجاعة مؤكدة أنه لم يستعد حتى اليوم أوضاعه الطبيعية، وأن غالبية الأمريكيين ينظرون حاليا إلى التعافي الذي يحققه الاقتصاد الأمريكي على أنه لا يختلف عن حالة الكساد التي عاشوها منذ بداية الأزمة، وذلك نتيجة لضعف استفادتهم من هذا التعافي في مستويات النشاط الاقتصادي.

إن أسوأ الخصائص الحالية لسوق العمل الأمريكي في الوقت الحالي هي ارتفاع أعداد العاطلين المصنفين ضمن قائمة البطالة طويل الأجل "أكثر من 26 أسبوعا"، فلم يسجل التاريخ الأمريكي أعداد العاطلين الذين يعانون البطالة طويلة الأجل مثل تلك التي يواجهها الاقتصاد الأمريكي في الوقت الحالي، وأن هؤلاء لا يستفيدون من التعافي الاقتصادي الحالي، حيث إن الوظائف الجديدة التي يتم فتحها تحجب عن هؤلاء، نظرا لأن مؤسسات الأعمال لا توظف العاطلين الذين قضوا وقتا طويلا في حالة بطالة، الأمر الذي يؤدي الى زيادة المعاناة لهذه الفئة من العاطلين.

تلفت يلين الانتباه إلى أن الاقتصاد الأمريكي يتغير على نحو سريع، إلى حد أن العمال الذين يبحثون عن العمل لا تتوافر لديهم المهارات التي يحتاج إليها أصحاب العمل، وبمعنى آخر فإن جانبا من البطالة التي يعانيها الاقتصاد الأمريكي في الوقت الحالي يصنف ضمن البطالة الهيكلية، وهي نوع من البطالة يصعب إيجاد حل له، لأنها تعني وجود عاطلين لديهم مهارات لم يعد يطلبها سوق العمل، أو أن سوق العمل يطلب مهارات لا تتوافر لديهم، بسبب سرعة التغير في هيكلة الاقتصاد، حيث تواجه أمريكا في الوقت الحالي تحديات كبيرة متصلة بقدرة النظام التعليمي على إعداد الطلاب لمتطلبات المنافسة في ظل اقتصاد عولمي، وأن معالجة مثل هذا النوع من البطالة تقتضي أن يكون نظام التعليم قادرا على تخريج المهارات التي يحتاج إليها سوق العمل، وهو أمر مكلف ويحتاج الى وقت، الأمر الذي يجعل مشكلة البطالة أعقد من مجرد عدم توافر وظائف.

الرسالة التي تريد يلين إيصالها ببساطة هي أن طبيعة البطالة التي يواجهها الاحتياطي الفيدرالي في الوقت الحالي أكثر تعقيدا من تلك التي غالبا ما يعهد الكونجرس إليه باستهدافها من خلال أدوات السياسة النقدية التوسعية، حيث لا يملك الأدوات المناسبة للتعامل مع بعض أشكال البطالة الحالية، فإذا كانت البطالة معظمها هيكلي، فإن ارتفاع معدل البطالة يعكس حقيقة أن العمال يفتقدون مؤهلات أداء الوظائف، وليس لأن الطلب الكلي في الاقتصاد أقل من المستويات التي تؤمن الحد الأدنى لخلق وظائف تستوعب الباحثين عن العمل، وبالتالي فإن التحفيز النقدي للاقتصاد في ظل هذه الظروف سيحمل مخاطر تضخمية. وتؤكد يلين أنها ستعمل في الفترة القادمة على تقييم المدى الذي تنتشر فيه البطالة الهيكلية في سوق العمل الأمريكي، ومن ثم صياغة قرارات السياسة النقدية على هذا الأساس، حتى لا تخاطر بتغذية الضغوط التضخمية من استمرار السياسات التوسعية دون فعالية.

غير أن يلين تؤكد أنه ما زال هناك ما ينبغي أن يقوم به الاحتياطي الفيدرالي لتحسين أوضاع سوق العمل لعدة أسباب، الأول هو أن بيانات سوق العمل تشير إلى أن هناك نحو سبعة ملايين مليون عامل يعملون لبعض الوقت Part time، ولديهم رغبة في العمل كل الوقت، ولكن الأوضاع لا تسمح لهم بذلك، مما يعني أن اوضاع سوق العمل اسوأ بكثير مما يوحي به معدل البطالة الحالي عن 6.7 في المائة.

السبب الثاني هو أن الأجور لم ترتفع كما ينبغي مع انخفاض معدلات البطالة، حيث يميل العمال في أوقات الكساد إلى عدم طلب زيادات في الرواتب مع ارتفاع الطلب عليهم، الأمر الذي يعني أنه ما زال هناك ما يمكن عمله من جانب الاحتياطي الفيدرالي للتخفيف من حدة البطالة في الاقتصاد الأمريكي.

السبب الثالث هو ارتفاع نسبة العمال في حالة البطالة طويلة الأجل، والذين غالبا ما يتركون قوة العمل نتيجة الشعور بالإحباط لعدم الحصول على فرصة عمل، تقول يلين أن الإحصاءات تشير إلى أن هؤلاء لديهم خصائص العاطلين نفسهم الذين يقضون وقتا اقصر للحصول على العمل، أي أن العيب الأساسي فيهم هو أنهم فقط قضوا وقتا أطول من اللازم في سوق العمل في حالة بطالة، لأن سوق العمل لا يقدم فرص عمل كافية.

وأخيرا فإن تراجع نسبة مساهمة العمال بعد الكساد العظيم، من 66 في المائة في 2007 إلى 63 في المائة حاليا يعود إلى لخروج أعداد كبيرة من العمال من سوق العمل بعد فشلهم في الحصول على فرصة عمل، وهو ما يعني أن الاحتياطي الفيدرالي ما زال أمامه الكثير لكي يفعله لتحسين ظروف سوق العمل على نحو أفضل.

باختصار لقد حللت يلين أوضاع سوق العمل الأمريكي بشكل دقيق وأكدت على أن التطورات الحالية في السياسة النقدية لا تعني تحلل الاحتياطي الفيدرالي من التزاماته نحو متابعة أوضاع سوق العمل على نحو لصيق ومن ثم اتخاذ ما يلزم لتحسين أوضاعه.

عوامل تعقد بيئة الأعمال في السعودية 2

تناولنا في الأسبوع الماضي بالتحليل العامل الأول الأكثر تعقيدا لبيئة الأعمال في السعودية، وهو نظم العمل المقيدة لأرباب الأعمال في القطاع الخاص حول استخدام العمالة، في حلقة اليوم من هذا المقال نتناول باقي العوامل التي يعتقد رجال الأعمال في القطاع الخاص السعودي أنها تعقِّد ممارسة أنشطة الأعمال الخاصة في المملكة.

وفقا للتقرير الحالي للتنافسية العالمية يحتل عامل ضعف التأهيل التعليمي لقوة العمل العنصر الثاني الذي يعقد من ممارسة أنشطة الأعمال الخاصة في المملكة، وهو ما يعكس شعور رجال الأعمال أن النظام التعليمي في المملكة يسير على نحو لا يتوافق مع احتياجات سوق العمل الخاص، وعلى النحو الذي يؤدي إما إلى تخريج تخصصات لا يحتاج إليها سوق العمل، أو إلى تخريج خريجين غير مؤهلين على النحو الذي يتوافق مع احتياجات مؤسسات الأعمال الخاصة. بالطبع هذا العامل يعكس حقيقة أن المهارات التي يفترض أن تغرسها البرامج التعليمية المختلفة في الطلاب لا يتم بناؤها على النحو الصحيح، أو لا يتم الاهتمام بها أساسا، فتكون النتيجة أن يتم تخريج خريجين يفتقدون المهارات الأساسية للانخراط بسهولة في سوق العمل الخاص، حيث يفترض أن تلعب المنافسة دورا مهما في الحصول على الوظيفة.

وواقع الأمر أن القطاع الخاص في المملكة ليس هو الوحيد الذي يعاني هذا العائق، حيث إنه وفقا للتقرير يعد ضعف التأهيل التعليمي لقوة العمل أحد أهم العوائق في ممارسة الأعمال في دول مجلس التعاون الأخرى، حيث يحتل هذا العامل المرتبة الثانية بين العوامل المقيدة لممارسة أنشطة الأعمال في عمان والمركز الثالث في قطر والإمارات، بينما احتل هذا العامل المركز الخامس في البحرين والسادس في الكويت.

معنى ذلك أن النظم التعليمية في الخليج بشكل عام لا تمد سوق العمل الخاص بخريجين يتمتعون بالمهارات اللازمة لأداء الأعمال على نحو كفء، الأمر الذي يتطلب مراجعة هياكل البرامج التعليمية في الجامعات ومعاهد التعليم الفني للتأكد من مواءمة التخصصات التي يتم طرحها في هذه المؤسسات مع احتياجات سوق العمل، والتأكد من أن البرامج التعليمية للتخصصات المختلفة تمد الطالب بمجموعة المهارات الأساسية التي يحتاج إليها سوق العمل الخاص.

العامل الثالث الأكثر تعقيدا لممارسة أنشطة الأعمال الخاصة في المملكة هو النظم البيروقراطية الحكومية غير الكفوءة الأمر، الأمر الذي يعكس شعور قطاع الأعمال الخاص بأن الروتين الحكومي يعقد بيئة الأعمال في المملكة ويعطل نشاط القطاع الخاص بشكل عام.

الحقيقة أن المتتبع لأداء المملكة في تقرير أداء أنشطة الأعمال الذي يصدره البنك الدولي يلاحظ أن المملكة تتقدم بشكل واضح في هذا المجال، غير أن هذه النتيجة تعكس الحاجة نحو المزيد من مراجعة القوانين والإجراءات والنظم الحكومية التي تحكم أنشطة الأعمال الخاصة، وإعادة هيكلتها على النحو الذي يحسِّن من بيئة الأعمال في المملكة، وخصوصا أن التجارب العالمية تعكس حقيقة أن تعقد النظم البيروقراطية الحكومية يفتح المجال واسعا أمام انتشار الفساد في الجهاز الحكومي نتيجة رغبة بعض أرباب الأعمال في القفز على الأنظمة والإجراءات المقيدة لتسهيل أنشطتهم.

أما العامل الرابع فيتمثل في صعوبة الحصول على التمويل المناسب لمؤسسات الأعمال الخاصة، إما من حيث الحجم أو من حيث الشروط.

الواقع أن المتتبع لنتائج تقارير التنافسية في دول الخليج، يلاحظ أن هذا العامل لم يكن يحتل أهمية ضمن العوامل المقيدة لممارسة أنشطة الأعمال الخاصة في الخليج قبل انطلاق الأزمة المالية العالمية، غير أنه من الواضح أنه بعد الأزمة أخذت مؤسسات التمويل في التشدد في منح الائتمان للشركات الخاصة، سواء من حيث حجم التمويل أو شروطه، وذلك بسبب ارتفاع المخاطر المصاحبة لانخفاض جودة أصول مؤسسات التمويل مع توقف بعض المقترضين الكبار عن خدمة ديونهم، وتحول الكثير من أصول المؤسسات المالية إلى أصول مسمومة، ومن ثم أخذت المؤسسات المالية في التشدد في منح الائتمان لمؤسسات القطاع الخاص، على نحو معاكس لاتجاهاتها قبل الأزمة.

لم يكن هذا هو سلوك المؤسسات المالية في السعودية فقط، فقد تحول هذا العامل إلى واحد من أهم العوامل التي تعقد بيئة الأعمال في الدول الخليجية الأخرى التي تعرضت لهزات قوية في أعقاب الأزمة المالية، على سبيل المثال تحتل صعوبة الحصول على التمويل المناسب المرتبة الأولى في قائمة العوامل المعقدة لبيئة الأعمال في قطر، والعامل الثاني في الإمارات، والعامل الثالث في الكويت.

اليوم تتحسن هياكل ميزانيات المؤسسات المالية في معظم دول الخليج بشكل عام، بما فيها المملكة، نتيجة للإجراءات التي اتخذتها هذه المؤسسات للتعامل مع تبعات الأزمة، ومن ناحية أخرى تراجعت المخاطر التي تتعرض لها مؤسسات الأعمال في القطاع الخاص مع تحسن مستويات النشاط الاقتصادي، الأمر الذي يتوقع معه أن ينخفض تأثير هذا العامل على بيئة الأعمال مع اتجاه مؤسسات التمويل للتخفيف من شروط الإقراض والذي بدأت بوادره تظهر على السطح في الوقت الحالي.

العامل الخامس الأكثر تأثيرا في بيئة الأعمال هو ضعف أخلاقيات العمل لدى قوة العمل الوطنية العاملة في القطاع الخاص، الأمر الذي يعكس ضعف التزام قوة العمل الوطنية بنظم العمل في القطاع الخاص أو ضعف الالتزام بالقواعد المهنية المتعارف عليها فيه، فكما هو معلوم أن العمل في القطاع الخاص يفرض تحديات على العاملين فيه من نواح عدة، لا مجال للخوض فيها هنا، لذلك نجد هناك اتجاها سائدا بين قوة العمل الوطنية نحو تفضيل العمل في القطاع الحكومي، وهي إحدى الخصائص التي تشترك فيها دول الخليج.

لا شك أن هذا العامل يعكس ضعف هياكل البرامج التعليمية في المؤسسات الأكاديمية، حيث يفترض أن تلك البرامج تغرس في الخريج مجموعة من المهارات التي تؤهله للانخراط في سوق العمل الخاص بسهولة، وعلى رأسها أخلاقيات العمل، الأمر الذي يقتضي ضرورة مراعاة هذا الجانب عند إعادة هيكلة تلك البرامج لتتوافق مخرجات القطاع التعليمي مع متطلبات سوق العمل، بصفة خاصة سوق العمل الخاص، ومرة أخرى فإن هذا العامل يقع بين أهم العوامل التي تؤثر في بيئة الأعمال في باقي دول الخليج. على سبيل المثال يحتل هذا العامل المركز الثالث في البحرين وعمان والمركز السابع في الكويت والإمارات، والمركز الثامن في قطر.

هذه هي أهم خمسة عوامل تعقد من ممارسة أنشطة الأعمال في المملكة، بالطبع هناك مجموعة أخرى من العوامل التي تؤثر سلبا في ممارسة الأنشطة المختلفة للأعمال في المملكة، ولكن تأثيرها بشكل عام أقل مثل معدل الضريبة على الدخل، وضعف القدرة على الابتكار في الاقتصاد بشكل عام، وانتشار الفساد. هذه العوامل ينبغي أن تلقى اهتماما من صانع القرار لتحسين بيئة الأعمال ورفع تنافسية الاقتصاد السعودي.

عوامل تعقد بيئة الأعمال في السعودية 1


يحتوي التقرير العالمي للتنافسية ضمن أجزائه المختلفة قائمة بالعوامل الأكثر تعقيدا في بيئة الأعمال في الدولة، حيث يطلب من المشاركين في الاستبيان من مسؤولي الشركات في قطاعات العمل الخاص تحديد أكثر خمسة عوامل تعقيدا في أداء الأعمال في الدولة من بين قائمة تضم 16 عاملا، ثم ترتيب هذه العوامل تنازليا وفقا لدرجة تعقيدها مناخ الأعمال في الدولة، واستنادا إلى إجابات مسؤولي الشركات يتم ترتيب الـ 16 عاملا تنازليا وفقا لنسبة تأثيرها في بيئة الأعمال في الدولة.

تمثلت قائمة العوامل الأقل تأثيرا في أداء الأعمال في المملكة لهذا العام من حيث الترتيب تنازليا في نظم الضرائب على الأرباح، حيث تنخفض بصورة واضحة في المملكة، ودرجة ملاءمة البنية التحتية، حيث يعتقد قطاع العمل الخاص بأن البنية التحتية جيدة بشكل عام، وانخفاض معدلات التضخم، وعدم استقرار السياسات، حيث يرى قطاع الأعمال الخاص أن السياسات الحكومية مستقرة، وضعف الصحة العامة، ونظم النقد الأجنبي، ودرجة انتشار الجريمة والسرقات، ودرجة عدم استقرار الحكومات لا تشكل تهديدا لأداء الأعمال، حيث يبلغ الأثر الإجمالي لهذه العوامل مجتمعة 11.7 في المائة تقريبا فقط من إجمالي العوامل ذات التأثير السلبي في أداء الأعمال.

أما أكثر العوامل تعقيدا لأداء الأعمال في المملكة من وجهة نظر مسؤولي الشركات فقد كانت نظم العمل المقيدة، أي التي تقيد استخدام العمال بواسطة شركات القطاع الخاص، ومن الواضح أن هذا العامل يعكس تذمر القطاع الخاص من القوانين والإجراءات المختلفة التي أصدرتها وزارة العمل في المملكة في السنوات الأخيرة لضبط إيقاع سوق العمل الوطني ولرفع مستويات توظيف قوة العمل الوطنية في سوق العمل الخاص من ناحية ورفع مساهمة النساء في قوة العمل من ناحية أخرى.

والواقع أنه بمراجعة تطور أهمية هذا العامل عبر السنوات الخمس الماضية يلاحظ أنه في تقرير التنافسية العالمية لعام 2009/2008 كان هذا العامل يحتل الترتيب الثالث بين العوامل الأكثر تعقيدا لأداء الأعمال في المملكة، غير أنه بدءا من تقرير التنافسية العالمية 2010/2009 أخذ هذا العامل يحتل المركز الأول بين مجموعة العوامل الأكثر تعقيدا على أداء الأعمال، كما أخذت أهميته النسبية في التزايد بمرور الوقت، فقد كان يمثل 14.5 في المائة فقط من إجمالي العوامل المقيدة للأعمال في 2009/2008 غير أن وزن هذا العامل أخذ في التزايد من ذلك الحين، وفي تقرير هذا العام بلغ وزنه 25.6 في المائة من إجمالي العوامل المؤثرة في أداء الأعمال في المملكة، ما يدل على تزايد شعور رؤساء الشركات بتأثير نظم العمل في أعمالهم.

وواقع الأمر لا بد أن نكون منصفين عندما نقيم تأثير هذا العامل في بيئة الأعمال في المملكة، فالقطاع الخاص يحاول دائما تعظيم ربحيته وتدني تكاليفه إلى أدنى مستوى ممكن، بغض النظر عن الاعتبارات المرتبطة بالمصلحة القومية في غالب الأحوال، على الجانب الآخر فإن وزارة العمل لديها رؤية أعمق وأشمل، تحاول أن تضمن بها استقرار سوق العمل الوطني من خلال محاولة ضمان توظيف قوة العمل الوطنية وخفض معدلات البطالة فيما بينها إلى أدنى مستوى ممكن، وذلك لتجنب الآثار السلبية التي يمكن أن تنجم عن ذلك، والتي يمكن أيضا أن تنعكس سلبا على أداء الأعمال وبيئتها في المملكة، لكن مسؤولي الشركات يتجاهلون هذه المخاطر الكامنة، أو قد لا يقدرون آثارها. ومن ثم فإن حرص وزارة العمل على ضمان أن يتم توجيه الجانب الأعظم من الوظائف التي يتم فتحها في القطاع الخاص للعمالة الوطنية، لا ينبغي أن ينظر إليه على أنه من العوامل المقيدة لأداء الأعمال في المملكة، إنما من العوامل المساعدة على ضمان الاستقرار الاجتماعي والسياسي على المستوى الكلي.

وكي نكون منصفين أيضا لا بد من الإشارة إلى أن جميع مؤسسات قطاع الأعمال الخاص في الخليج تنظر إلى هذا العامل على أنه من أهم العوامل المقيدة في بيئة الأعمال، حيث يحتل هذا العامل المركز الأول في قائمة العوامل المقيدة للأعمال في عمان والإمارات، بينما احتل المركز الثاني في قائمة العوامل المقيدة للأعمال في الكويت، والمركز الخامس في قطر، والمركز السادس في البحرين. معنى ذلك أن قطاع الأعمال الخاص السعودي ليس الوحيد الذي يواجه التأثيرات السلبية لنظم تشغيل قوة العمل في الدولة، فحكومات دول الخليج الأخرى لديها الهموم نفسها فيما يتعلق بسيطرة قوة العمل الوافدة على أسواق العمل الوطنية، وتفضيل المواطنين للعمل في القطاع الحكومي.

أكثر من ذلك فإن حكومات دول الخليج بدأت تستشعر الخطر القادم الذي يحمله المستقبل على أسواق العمل فيها، نظرا لتركيبة هيكل السكان الذي يتسم بالفتوة، حيث يمثل صغار السن أكثر من 40 في المائة من السكان في معظم الحالات، الأمر الذي يعكس ارتفاع أعداد الداخلين الجدد سنويا إلى سوق العمل، وهو ما يتطلب ضرورة العمل على فتح وظائف جديدة لاستيعاب هذه الأعداد الكبيرة من خريجي النظام التعليمي والفني فيها، وبما أن مجالات فتح هذه الوظائف في القطاعات الحكومية بلغت مستوياتها القصوى تقريبا في معظم هذه الدول، فإن المجال الوحيد حاليا لتوظيف العمالة الوطنية يعتمد على دفع القطاع الخاص على استيعاب الجانب الأكبر من الخريجين من قوة العمل الوطنية وتقليل الاعتماد على العمال الأجانب، ولأن قطاع الأعمال الخاص يفضل استجلاب العمالة الرخيصة من الخارج لتقليل تكلفته وتعظيم هوامش الأرباح التي يحققها، فإن مثل هذه النظم والإجراءات لا بد أن تلقى مقاومة.

مشكلة وزارة العمل في المملكة هي أنها قد تملك العصا، لكن لا يوجد لديها القدر الكافي من "الجزر" لمكافأة قطاع الأعمال الخاص على توظيف العمالة الوطنية، نظرا لغياب أهم العوامل التي يمكن أن تشجع القطاع الخاص على توظيف العمالة الوطنية وهي الضرائب على الأرباح، ولقد حاولت وزارة العمل دفع مؤسسات القطاع الخاص على توظيف العمالة الوطنية من خلال فرض رسوم سنوية على كل عامل وافد يعمل في المؤسسات التي لا تستوفي شروط السعودة، لكن هذه الرسوم جاءت صغيرة من حيث القيمة على النحو الذي يسهل معه تحملها من دون أن يكون لها تأثير جوهري في معدلات الأرباح، أو تقاسم هذه الرسوم مع العمال الأجانب بتحميلهم جزءا منها في صورة تخفيض الأجور، بحيث تتمكن مؤسسات القطاع الخاص من التنصل من مثل هذه النظم بسهولة. من الطبيعي في ظل هذه الأوضاع أن يزداد شعور قطاع الأعمال الخاص بعبء النظم والقواعد المنظمة لسوق العمل الوطني.

في الأسبوع القادم نتناول بقية العوامل المقيدة لأداء الأعمال في المملكة - إن شاء الله.