الأحد، يوليو 27، 2014

قانون الالتزام الضريبي «الفاتكا» .. نهاية السرية المصرفية في العالم


أ.د. محمد إبراهيم السقا
يوما بعد يوم تزداد درجة تدخل الولايات المتحدة في النظام المالي الدولي ساعية إلى ضبط هذا النظام، سواء بالتحكم في عمليات التهرب الضريبي للأمريكيين، أو التأكد من التزام المؤسسات المالية في العالم بقوانين المقاطعة، التي تفرضها على الدول الأخرى، أو غيرها، وعلى مدى سنوات طوال حاولت الولايات المتحدة الأمريكية ضبط عمليات جمع الضرائب ممن يحملون جنسيتها والمقيمين في الخارج، الذين يتعمدون تجنب دفع المستحقات الضريبية على دخولهم إلى الحكومة الفيدرالية بصورة غير قانونية، ومن أهم الطرق التي يلجأ إليها دافعو الضرائب هي فتح حسابات في دول تحافظ على السرية المصرفية لعملائها مثل سويسرا، أو اللجوء إلى فتح حسابات في مراكز لا تفرض ضرائب على الدخول، أو ما يسمى بجنة الضرائب Tax heaven، وجنة الضرائب هي المركز الذي يفرض ضرائب منخفضة للغاية على الدخول أو لا يفرض ضرائب على الإطلاق، والتي تنشأ أساسا لتلبية الطلب العالمي على تجنب دفع الضرائب للسلطات المالية في دول الأصل، وهذا بالطبع على حساب المالية العامة للدول التي يتبعونها.
على الرغم من شدة العقوبة التي يتم تطبيقها على المخالفين، فما زال التهرب الضريبي ظاهرة واسعة الانتشار في الولايات المتحدة، حيث تكلف هذه العمليات الخزانة الأمريكية أموالا طائلة. على سبيل المثال تشير التقديرات إلى أنه خلال الفترة من 2001 - 2010 فقدت الحكومة الأمريكية إيرادات ضريبية تقدر بنحو 3.4 تريليون دولار، كان من المفترض أن تذهب إلى الخزانة الأمريكية، ولكنها لم تحصل نظرا لتهرب دافعي الضرائب من الالتزام بدفعها، كان من المفترض أن هذه المبالغ الضخمة تخفض عجز الميزانية ونمو حجم الدين العام الأمريكي على نحو جوهري.
يتسم النظام الضريبي في الولايات المتحدة بأن الضرائب على الدخل تتبع الجنسية، ولا تتبع مكان توليد الدخل، وبناء على ذلك يلتزم كل من يحمل الجنسية الأمريكية بتوفير كل المعلومات عن دخله من مصادره المختلفة، داخل وخارج الولايات المتحدة، لإدارة الضرائب الأمريكية لأغراض فرض الضريبة.
مع تزايد عجز الميزانية الأمريكية واتساع حجم الدين العام، أخذت تظهر خطورة تأثيرات عمليات التهرب الضريبي في المالية العامة الأمريكية، وقد حاولت الإدارة الأمريكية عبثا تعقب دخول الأمريكيين في الخارج، حيث تنتشر البنوك التي تلتزم بأقصى درجات السرية حول حسابات عملائها لديها، على النحو الذي يجعل عملية تعقب دخول الأمريكيين في الخارج أمرا مرهقا، والأكثر من ذلك مكلفا للغاية، على النحو الذي لو حاولت فيه الولايات المتحدة تعقب دخول مواطنيها في الخارج، فإن تكلفة ذلك سوف تكون أضعاف ما ستحصله منهم من ضرائب، المشكلة أن المراكز المالية التي تلتزم بأقصى درجات السرية المصرفية تنتشر في العالم على نحو واسع، على سبيل المثال أصدرت مؤسسة Tax Justice Network تقريرا حول الأرقام القياسية للسرية المالية في العالم شمل 82 مركزا ماليا، وقد أتت على رأس هذه المراكز، سويسرا، ولوكسمبورج، وهونج كونج، وجزر كايمان، وسنغافورة، باعتبارها أكثر خمسة مراكز في العالم سرية في نظمها المصرفية.
في عام 2008 صدرت دراسة لمكتب المحاسبة الحكومي الأمريكي بعنوان " ”INTERNATIONAL TAXATION: Large U.S. Corporations and Federal Contractors with Subsidiaries in Jurisdictions Listed as Tax Havens or Financial Privacy Jurisdictions”، وقد توصلت الدراسة إلى أنه من بين أكبر 100 شركة أمريكية تحقق إيرادات في 2007، كان لـ 83 منها شركات تابعة في المراكز المصنفة على أنها جنة ضرائب العالم، وفي دراسة لمؤسسة Tax Justice Network في عام 2012 بعنوان "The Price of Offshore"، قدرت أن أغنياء العالم يحتفظون بأصول تقدر بنحو 11.5 تريليون دولار في مراكز الأوفشور، ويقدر الدخل السنوي عليها بنحو 860 مليار دولار سنويا، بينما تقدر الضرائب التي لا تدفع على هذه الدخول بنحو 255 مليار دولار سنويا.
في عام 2010، وفي إطار محاولة رفع مستويات التوظيف للعمالة الأمريكية، صدر قانون Hiring Incentives to Restore Act Employment ، والذي قدم بعض أشكال الحوافز والإعفاءات الضريبية لتشجيع قطاع الأعمال على توفير فرص عمل للعاطلين من الأمريكيين، وقد كان قانون الالتزام الضريبي على الحسابات الأجنبية التي يملكها الأمريكيون المقيمون في الخارج أحد أجزاء هذا القانون والمعروف باسم الفاتكا (Foreign Account Tax Compliance Act (FATCA، حيث يلزم القانون المؤسسات المالية في الخارج بضرورة الكشف عن الحسابات، التي يملكها من يحملون الجنسية الأمريكية من أفراد أو شركات أو غيرها، سواء أكان هؤلاء مقيمون داخل الولايات المتحدة أو خارجها، لإدارة الضرائب الأمريكية إذا كانت هذه الحسابات تتجاوز 50 ألف دولار، بهذا الشكل يجبر القانون دول العالم على تغيير نظمها المصرفية والضريبية من طرف واحد.
بمقتضى القانون تصبح معاقل سرية النظم المصرفية في العالم مثل سويسرا ولوكسمبورج وهونج كونج في أزمة حقيقية، حيث أصبح يتوجب الآن على المؤسسات المالية الأجنبية، سواء أكانت بنوكا، أو شركات تأمين، أو صناديق للاستثمار، أو غيرها أن تسجل لدى إدارة الضرائب الأمريكية، وتلتزم بتوفير البيانات الشخصية لكل العملاء الأمريكيين لديها، ووفقا لنظام الفاتكا، يتم تسجيل المؤسسات المالية وفقا لنموذجين، الأول تقوم بمقتضاه المؤسسات المالية في الدولة بتوفير المعلومات عن حسابات الأمريكيين للإدارة الضريبية في الدولة، التي تتبعها، التي تتولى بدورها نقل هذه المعلومات إلى الولايات المتحدة، وهناك نسخة معدلة من هذا النموذج والتي تسمح للإدارة الأمريكية بنقل المعلومات حول دافعي الضرائب في البنوك الأمريكية، الذين يحملون جنسية الدولة، الذين يخضعون لنظامها الضريبي. أما بالنسبة للنموذج الثاني، فإن المؤسسات المالية في الدولة الأجنبية تتولى بشكل عام مهمة نقل المعلومات بصورة مباشرة إلى إدارة الضريبة الأمريكية.
ولكن هل تملك المؤسسات المالية خيارا حول الالتزام من عدمه؟ الإجابة هي للأسف الشديد لا، لأن المؤسسات المالية التي سترفض مسايرة القانون ستحرم من حرية الوصول إلى السوق العالمي للدولار الأمريكي، والذي يشكل 87 في المائة من المعاملات اليومية بالنقد الأجنبي في العالم، وبمعنى آخر لن تتمكن هذه المؤسسات المالية من تسوية أية معاملات مالية تتم بالدولار الأمريكي حول العالم، وهو ما يعني ببساطة شديدة شلل هذه المؤسسات على النطاق الدولي، فضلا عن ذلك فإن أية تحويلات مالية تتم لصالح هذه المؤسسات ستتعرض لخصم 30 في المائة من قيمتها داخل الولايات المتحدة.
السرية المصرفية بهذا الشكل في العالم أصبحت في خطر، حيث ستنهي الفاتكا قرونا من السرية المصرفية في كثير من دول العالم، خصوصا سويسرا، التي ستفقد هي والنظم المصرفية الأخرى في العالم أهم مزاياها النسبية المتمثلة في السرية المطلقة أو شبه المطلقة لمصارفها. أعتقد على المدى الطويل، إذا كانت الفاتكا ستمكن الولايات المتحدة من فتح حسابات مواطنيها في مصارف العالم، فإن الدول الأخرى سيصبح من حقها بالتبعية أن تتفاوض على كشف الحسابات المصرفية للعملاء من مواطنيها، يعتمد ذلك على قوتها التفاوضية في مواجهة مراكز السرية المصرفية، وربما ينتهي الأمر بشبكة مصرفية مفتوحة الأطراف من الناحية الرسمية للمؤسسات الضريبية في العالم.

10 تعليقات


  1. فيصل الرسلاني(1) 2014-07-25 06:04:00
    هذه فرصه ممتازه للدول الناميه والفقيره ان تعطي الجنسية للاغنياء من الامريكان واخذ عليهم ضرائب منخفضه وبالتالي سوف يتنازل الكثير من الاغنياء عن الجنسية الامريكيه وكذالك الدول التي علی عداء مع امريكا مثل كوريا الجنوبيه وكذلك الدول ذات السياده القويه مثل الصين وروسيا وبريطانيا وفرنسا والتي تعتبر نفسها دول لاتتبع لأحد طبعا عندنا ماعندك احد تلقاهم اول ناس وقعوا علی الافصاح مايقدرون يتنفسون
  2. سلمان العسيري(2) 2014-07-25 11:09:00
    اعتقد ان مفهوم السرية المصرفية خاص بالحفاظ على المعلومات التي يجب على المنشأة المصرفية الحفاظ عليها وعدم افشاءها بموجب القانون. الإفشاء عن الحسابات المسجلة باسم المواطنين لدولتهم في سبيل تقدير الضرائب وتحصيلها ليس مخالفة للسرية المصرفية بل هو واجب قانوني في حال مواطني الولايات المتحدة.
  3. د محمد ابراهيم السقا (مسجل)(3) 2014-07-25 11:51:00
    بالفعل فيصل
    عندما صدر هذا القانون أخذ بعض من يحملون الجنسية الأمريكية ويقيمون خارج الولايات المتحدة في التنازل عنها، لتجنب الضرائب التي يمكن أن تفرض عليهم خارج الولايات المتحدة باعتبارهم يحملون الجنسية الأمريكية.
  4. د محمد ابراهيم السقا (مسجل)(4) 2014-07-25 12:20:00
    سليمان
    أتفق أن السرية أمر ضار بالعالم، خصوصا النامي، ولكن ممارسات السرية المصرفية وفقا للمراكز التي تعتمد في نشاطها المصرفي على هذا المبدأ هي عدم إفشاء أية أسرار من أي نوع عن عملاءها، وهذه هي الميزة الأساسية التي تتسم بها، وقد حدثت أزمة بين الولايات المتحدة وسويسرا عندما رفضت البنوك السويسرية مد الولايات المتحدة بالمعلومات التي تريدها عن حسابات الأمريكان لديها، وقد اضطرت البنوك السويسرية للانصياع تحت تهديد الولايات المتحدة بمعاقبة هذه البنوك ومنعها من الوصول الى سوق الدولار الأمريكي.
  5. خالد الخليوي(5) 2014-07-25 14:03:00
    هل سيحفز هذا القانون التوجه الى العملات الافتراضية مثل البتكوين؟
  6. د محمد ابراهيم السقا (مسجل)(6) 2014-07-25 14:38:00
    العملات الافتراضية ليس لها مستقبل في العالم خالد
    على الرغم من الضجة الكبيرة المثارة حولها
    فبعيدا عن البت كوين باقي العملات الافتراضية وعددها كبير جدا ليس لها قيمة تقريبا، كما أنها تتقلب بشكل خطير لدرجة أنه من الممكن أن يفقد الانسان ثروته عندما يضعها فيها.
    أعتقد أن القانون سيحفز وسائل التهرب الضريبي من خلال اقبال الأمريكيون على الاحتفاظ بالثروات خارج البنوك
  7. خبير اقتصادي(7) 2014-07-25 17:32:00
    ستتسرب رؤؤس الاموال من البنوك على شكل نقد او اصول معادن نفيسة او عقارات خارج امريكا وتتخذ وضعية سلبية فتجمد .. مما يساعد في هبوط حركة راس المال في الاقتصاد وتتوقف التنمية الاقتصادية ..
    امريكا تحفر قبرها بيدها .. كما فعلت مع خطط التيسير الكمي اللانهائية ..
  8. خالد الخليوي(8) 2014-07-25 18:14:00
    شكرا. ينصح دوق كايسي CASEY RESEARCH الامريكيين الى حفظ الاصول بالخروج من النظام المصرفي بامتلاك العقار وسبائك الذهب بجواز سفر ثانٍ في دولة ثالثة. مالذي في وسع السلطات للفيديرالية عمله حيال ذلك؟
  9. د محمد ابراهيم السقا (مسجل)(9) 2014-07-25 19:47:00
    خبير اقتصادي
    أمريكا تنمو وتستثمر وحركة رأس المال فيها طبيعية في ظل تهرب الأمريكان خارج الولايات المتحدة في الوقت الحالي،
    اصدار القانون على العكس سوف يرفع من مستويات الضرائب لإدارة الضرائب الأمريكية ويقلل من حجم العجز والدين ويرفع من معدلات النمو وليس العكس
    والتيسير الكمي سياسة نقدية غير تقليدية كان من الضروري اللجوء اليها حتى تخرج أمريكا من الأزمة، وعندما تخرج امريكا من أزمتها سوف تسحب هذه النقود التي اصدرتها مرة أخرى
  10. د محمد ابراهيم السقا (مسجل)(10) 2014-07-25 19:49:00
    خالد
    نصيحة كايسي مرتبطة بظروف الأزمة نظرا لانخفاض معدلات الفائدة وتراجع قيمة الدولار،
    عند انتهاء الأزمة ستعود معدلات الفائدة نحو الارتفاع وتعود المودعات لأن تكون جذابة
    والذهب حاليا فقد عزمه وبريقه ويستعد لموجة التصحيح الكبرى عند انتهاء الأزمة بالعودة الى مستويات اقل من 1000 دولارا للأوقية
    ومازالت أمريكا افضل بكثير من غيرها من دول العالم من الناحية الاستثمارية

السبت، يوليو 26، 2014

معدل صرف الدولار أهم عامل يتحكم في سعر الذهب



على مدى التاريخ الإنساني ظل الذهب هو الأصل شبه المطلق للاحتفاظ بالثروة، وقد استخدم الذهب كنقود باعتباره أهم وسيط للتبادل وأداة الحساب الأساسية عبر التاريخ.

ورغم اختفاء الذهب كعملة نقدية اليوم، إلا أنه كمعدن نفيس ظل عبر التاريخ الإنساني كله الملجأ الأخير لتخزين القيمة، خصوصا عندما ترتفع مستويات المخاطر المختلفة سواء أكانت اقتصادية أم سياسية.

فالذهب يتسم بخاصيتين في غاية الأهمية له كمعدن، وهما الندرة والأهمية الكبيرة التي اكتسبها كمعدن عبر تاريخ البشرية، لذلك يعد أحد أهم أصول الثروة في العالم، وهو المعدن شبه الوحيد المقبول من جميع الناس وعلى بقاع البسيطة كافة في أي وقت وتحت أي ظروف.

لتحركات سعر الذهب تأثيرات عديدة، على المستويين المحلي والدولي ليس هذا مجال التفصيل فيها، حيث ينصب تحليلنا اليوم على المحددات الأساسية لأسعار الذهب في العالم.

تشير الدراسات التطبيقية التي تمت على محددات سعر الذهب في العالم، إلى أن أهم العوامل التي تحدد سعر الذهب هو معدل صرف الدولار الأمريكي، ذلك أن الذهب، مثله مثل أي سلعة تجارية في العالم كالنفط والنحاس والألومنيوم.. إلخ، يتم تسعيره على المستوى العالمي بعملة العالم، أي بالدولار.

ويفترض من الناحية النظرية أن هناك علاقة عكسية بين قيمة الدولار والذهب، وهذه العلاقة العكسية لا تنطبق على الذهب فقط، وإنما أيضا على السلع التجارية كافة في العالم، مثل النفط. فالزيادة في سعر الذهب تعكس الانخفاض في قيمة الدولار، والعكس.

هذه العلاقة العكسية بين الدولار والذهب تنبع من حقيقة أن الذهب أحد أهم أدوات التحوط ضد مخاطر تغيرات معدل الصرف للعملات، حيث يمكن للمستثمرين والمتعاملين في سوق النقد الأجنبي شراء الذهب لتغطية المخاطر الناتجة من ضعف الدولار، وبالتبعية أية عملات أخرى.

غير أن قيمة الدولار تتحدد أساسا من خلال معدل صرفه بالعملات الأخرى، ففي الوقت الذي تتراجع فيه قيمة الدولار، فإنه ينخفض بالنسبة للعملات الرئيسة الأخرى في العالم كالين الياباني مثلا.

ويعني ذلك أن الدولار الضعيف بالنسبة للين يخفض سعر الذهب بالين الياباني فيزيد الطلب عليه، لكن لفترة زمنية قصيرة، ذلك أن زيادة الطلب على الذهب في اليابان ستؤدي إلى ارتفاع سعر الذهب بالين الياباني أيضا، وهكذا بالنسبة لباقي العملات في العالم.

وبشكل عام يزداد الطلب على الذهب خارج الولايات المتحدة لأن المشترين يعتقدون أن الذهب سيستمر في الارتفاع بالنسبة للعملة التي اشتروا بها سواء أكانت ينا أو ريالا أو غير ذلك، فعادة ما يصبح الذهب استثمارا جيدا في الدول التي تواجه عملاتها حالات تراجع مستمر في القيمة.

وهناك اعتقاد أساسي بين المتعاملين في الذهب في العالم اليوم أن الدولار لا بد أن ينخفض في القيمة، وأن على العالم أن يستعد لهذه النقطة الزمنية التي سينهار فيها الدولار، وأن الذهب هو أصل التحوط الأساسي ضد تراجع قيمة الدولار، رغم أن أحدا لم يقل لنا متى سينهار الدولار من الناحية الواقعية.

من ناحية أخرى، فإنه مع انخفاض قيمة الدولار يرتفع سعر الذهب نظرا لأن المستثمرين لن يستثمروا في الدولار عندما تنخفض قيمته، وإنما يستثمرون فيه عندما يعتقدون أن قيمته تميل نحو الارتفاع.

فعندما تأخذ قيمة الدولار في الارتفاع فإن رؤوس الأموال تتدفق من الدول التي ترتفع فيها مستويات المخاطرة إلى الأصول المقومة بالدولار وكذلك التحول عن الذهب، مثلما حدث أخيرا عندما أخذت رؤوس الأموال في التحرك من العملات الناشئة نحو الدولار مع ارتفاع قيمته، وانخفض سعر الذهب نتيجة لذلك.

بشكل عام يفترض أن تتحقق هذه العلاقة العكسية بين قيمة الدولار وسعر الذهب في الظروف العادية، غير أنه في أوقات الأزمات ليس هناك ضمانا بالضرورة أن تتحقق هذه العلاقة العكسية، خصوصا في أوقات الأزمات الحادة.

فخلال الأزمة الحالية على سبيل المثال، مالت قيمة الدولار نحو الانخفاض في أوقات كثيرة ومع ذلك انخفض سعر الذهب، وفي أوقات كثيرة ارتفعت قيمة الدولار الأمريكي، ومع ذلك استمر سعر الذهب في الارتفاع.

هذا الاضطراب في العلاقة بين قيمة الدولار وسعر الذهب منبعه الأساسي هو اتجاهات المضاربة على الذهب في أوقات الأزمة؛ ذلك أن الطلب على الذهب في الوقت الحالي ينبع جانب كبير منه لأغراض المضاربة المرتبطة بالمخاطر الاقتصادية في العالم، التي تعد العامل الأساسي في الطلب على الذهب في الوقت الحالي.

وبالتالي فإنه حالما تنتهي الأزمة، وتعود الأوضاع الاقتصادية في العالم إلى طبيعتها، ستستقر هذه العلاقة العكسية بين قيمة الدولار وسعر الذهب.

من أهم العوامل التي تؤثر على سعر الذهب في الأجل القصير أيضا معدل التضخم في الولايات المتحدة. وقد أثبتت الدراسات التطبيقية أن هناك علاقة موجبة بين التغير في سعر الذهب ومعدل التضخم الأمريكي.

وتنبع هذه العلاقة الطردية بين التضخم وسعر الذهب من أثر التضخم على القوة الشرائية للدولار، ذلك أن ارتفاع معدل التضخم الأمريكي يعني تراجع القوة الشرائية للدولار، ما يتطلب ضرورة ارتفاع سعر الذهب بسبب تزايد الطلب بدافع التحوط ضد مخاطر التضخم، الذي يمثل أحد أهم دوافع الطلب على الذهب.

غير أن البيانات المتاحة تشير إلى أن الذهب ليس أصلا جيدا للتحوط ضد التضخم، أي أن من يشتري الذهب للاحتفاظ به لفترة طويلة فإنه يخسر من الناحية الحقيقية لأن التغيرات في سعر الذهب لا تماشي التغيرات في معدل التضخم.

وقد أثبت ذلك في أحد المقالات عن الذهب هنا في صحيفة "الاقتصادية" بعنوان: "جدل حول الذهب (3): هل يوفر الذهب حماية ضد التضخم؟".

كذلك هناك علاقة في الأجل الطويل بين سعر الذهب والمستوى العام للأسعار في الولايات المتحدة، حيث يتغير سعر الذهب بصورة طردية مع تغيرات المستوى العام للأسعار في الولايات المتحدة.

ففي دراسة لمجلس الذهب العالمي تم التوصل إلى أن ارتفاع المستوى العام للأسعار في الولايات المتحدة في الأجل الطويل يؤدي إلى زيادة سعر الذهب بالنسبة نفسها، وهو ما نظر إليه على أنه يؤكد فرضية أن الطلب على الذهب يتم أساسا لأغراض التحوط ضد مخاطر التضخم.

يتأثر الذهب أيضا في الأجل القصير بطبيعة المخاطر بأشكالها المختلفة، لذلك ليس من المستغرب أن نجد أن أسعار الذهب تميل نحو الارتفاع عندما تبدو في الأفق أية تطورات معاكسة ترفع من مستويات المخاطر الاقتصادية أو السياسية سواء في المستوى الإقليمي أو الدولي.

حيث يزداد الطلب على الذهب بدافع الاحتياط، وتأخذ أسعاره في الارتفاع بالتبعية، وقد شهدت الأزمة الحالية تقلبات عنيفة في سعر الذهب مع تدفق المعلومات عن الأداء الاقتصادي الأمريكي.

فعندما تأتي التقارير الأمريكية بأخبار سيئة حول أداء الاقتصاد الأمريكي فإن الطلب على الذهب يرتفع على خلفية تزايد المخاطر الاقتصادية ويزداد سعر الذهب تبعا لذلك، لكن هذا الطلب لا يستمر في الارتفاع لكل الوقت.

فعندما تصبح الأوضاع عادية يقل الطلب على الذهب لهذا الغرض ويقتصر الطلب عليه للأغراض الأساسية مثل الصناعة والزينة.

كذلك يتأثر سعر الذهب باتجاهات السياسة النقدية الأمريكية، وبصفة خاصة فيما يتعلق بمعدلات التغير في عرض الدولار، فعندما يرتفع عرض الدولار يرتفع سعر الذهب.

ذلك أن الطلب على الذهب يستند في جانب منه إلى حقيقة أن النقود تصدر في مقابل ديون حكومية، وبالتالي تعتمد الثقة فيها على الثقة في ديون الدول التي تصدرها ومدى الثقة في قوة اقتصادها. وعلى عكس النقود الورقية، فإن الذهب معدن له وجود مادي وينظر إليه على أنه المخزن المطلق للقيمة، وبالتالي فإنه يمثل أحد أهم الأصول في قائمة الثروة.

يعتمد سعر الذهب أيضا على معدل الفائدة الحقيقي (معدل الفائدة الاسمي مطروحا منه معدل التضخم)، حيث يمثل معدل الفائدة الحقيقي تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ بالذهب، ولذلك يتوقع أن تكون هناك علاقة عكسية بين معدل الفائدة الحقيقي وسعر الذهب.

فعندما ترتفع معدلات الفائدة الحقيقية، يزداد الطلب على الأصول المالية المدرة للفائدة، ويقل الطلب بالتبعية على الذهب، أي أنه يتوقع في الفترات التي تكون فيها أسعار الفائدة منخفضة مثل الوقت الحالي أن يزداد سعر الذهب نظرا لتزايد الإقبال عليه وانخفاض جاذبية الأصول المدرة لعوائد من الفائدة.

ونظرا لأن معدلات الفائدة الاسمية في الولايات المتحدة حاليا شبه صفرية، فإنه بأخذ معدل التضخم في الاعتبار، تصبح معدلات الفائدة الحقيقية في الولايات المتحدة حاليا سالبة، لذلك يستمر سعر الذهب في أن يكون مرتفعا.

وعلى ذلك، من المتوقع أن ينخفض سعر الذهب عالميا عندما ترتفع معدلات الفائدة الحقيقية في الولايات المتحدة، حيث تصبح الأدوات التي تدر فائدة مثل السندات الأمريكية أكثر جاذبية من الذهب.

ويرجع ذلك إلى أن الذهب معدن عقيم، فالذهب لا يولد أرباحا ذاتية كمعدن لأنه لا ينمو من الناحية المادية بمرور الوقت، بينما تقدم الأصول المالية البديلة تلك الميزة.

وأخيرا، فإن هناك علاقة بين سعر الذهب وسعر السلع التجارية الأخرى في العالم، بصفة خاصة النفط، فمع ارتفاع أسعار النفط ترتفع أسعار الذهب والعكس، وبشكل عام من المفترض أن ترتفع السلع التجارية سويا.

الجمعة، يوليو 18، 2014

تناطح الرؤوس .. هل تنهي مجموعة البريكس الهيمنة الاقتصادية الأمريكية؟

تستعد دول مجموعة البريكس BRICS والتي تتكون من خمس دول ناشئة في العالم وهي بالترتيب البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب إفريقيا، لإرساء الأسس التي تؤهلها لأن تصبح كيانا اقتصاديا مؤثرا على المستوى الدولي. فمنذ إنشائها كتجمع اقتصادي لمواجهة النفوذ الغربي، بصفة خاصة الأمريكي، لم تستطع مجموعة البريكس أن تترك لمسة واضحة على الصعيد الاقتصادي العالمي، على الرغم من أن هذه المجموعة تمثل نحو خمس حجم الاقتصاد العالمي، كما أنها مسؤولة عن نحو 50 في المائة من النمو الحالي فيه تقريبا، ويتعزز دور هذه الدول في التجارة العالمية بقيادة الصين.

تحاول مجموعة البريكس أن تحول العالم الذي نعيش فيه في الوقت الحالي، والذي يتسم بأنه أحادي القطب، الى عالم تتكافأ فيه مواطن التأثير على المستوى الدولي، بعد أن سئم العالم الهيمنة الأمريكية وسيطرتها على كل محاور صناعة القرار على المستوى العالمي، سواء على الصعيد السياسي أو الاقتصادي، فعبر سنوات منذ إنشائها تحاول مجموعة البريكس إصلاح المؤسسات الاقتصادية الدولية متعددة الأطراف، ممثلة في صندوق النقد الدولي، وكذلك البنك الدولي لكي تحصل الدول الناشئة على مزيد من التأثير، بصفة خاصة فيما يتعلق بإصلاح نظم التصويت في هذه المؤسسات، على النحو الذي يتوافق مع نمو وضعها في الاقتصاد العالمي والتجارة العالمية، ولكن مقاومة الولايات المتحدة حالت دون أن تحقق هذه الدول تقدما يذكر في إعادة هيكلة هذه المؤسسات العالمية لكي تعكس التطورات الفعلية في الأهمية النسبية للمجموعات الاقتصادية المختلفة على الصعيد العالمي.

فقد استمرت الولايات المتحدة وعدد قليل من الدول الغربية تسيطر على إدارة هذه المؤسسات متعددة الأطراف، وتوجه سياساتها وفقا لرؤيتها، في الوقت الذي لا تتمتع المجموعة، على الرغم من ثقلها الدولي، بدور يذكر في هذه المؤسسات، بل وللتأكد من استمرارية هيمنتها عالميا، غالبا ما تحاول الولايات المتحدة صرف الكتل المختلفة عن إنشاء المؤسسات التي قد تعزز من درجة استقلاليتها، حيث ينظر إلى مثل هذه المحاولات على أنها تهدد الهيمنة الأمريكية، مثلما حدث عندما حاولت الدول الناشئة في آسيا بقيادة اليابان إنشاء صندوق على نسق صندوق النقد الدولي لتدبير التمويل اللازم للدول الأعضاء في حال مواجهتها مصاعب مالية.

اجتمع هذا الأسبوع رؤساء دول مجموعة البريكس في البرازيل لاتخاذ القرار النهائي بإنشاء مؤسستين في غاية الأهمية، الأولى هي إنشاء بنك التنمية الخاص بالمجموعة تحت اسم "بنك التنمية الجديد"، برأسمال 100 مليار دولار، والذي سيتخصص في تمويل مشروعات البنية التحتية في دول المجموعة وكذلك في الاقتصادات الأخرى في العالم، وهو الدور الذي يلعبه البنك الدولي للتعمير والتنمية نفسه، بالطبع دول البريكس بما لديها من احتياطيات ضخمة تمكنها من تمويل رأس المال اللازم للمصرف بسهولة نسبيا، وبشكل عام فإن المصارف سيعزز الدور الذي تلعبه المجموعة على النطاق العالمي، خصوصا في تمويل الاحتياجات المالية للدول الناشئة، حيث سيوفر مصدرا إضافيا للتمويل، وهو ما يعطي هذه الدول سيطرة أكبر على قرارات التمويل التي يمكن أن تؤثر فيها بشكل مباشر. يقول فلاديمير بوتن "أن المصرف سيمكننا من أن ننفذ خططا مشتركة خاصة بالتنمية"، وسيبدأ البنك برأسمال 50 مليارا يتم تقسيمها بالتساوي بين الدول الأعضاء، على أن ينمو رأسمال المصرف في النهاية الى 100 مليار دولار، وفقا لمذكرة الاتفاق التي تمت بين الدول الأعضاء.

اتفق رؤساء مجموعة البريكس هذا الأسبوع على ينشأ المصرف في الصين، في مدينة شنغهاي، يتولى رئاسته رئيس من الهند، بينما يكون رئيس مجلس المحافظين من روسيا، ورئيس المديرين التنفيذيين من البرازيل، في الوقت الذي سيتم فيه إنشاء أول فرع للمصرف في جنوب إفريقيا، وينتظر أن ينقل بنك التنمية دول البريكس نقلة مختلفة على صعيد الوضع الاقتصادي الدولي، حيث يعزز قوى التعاون فيما بينها ويزيد من الأهمية الحيوية التي تلعبها هذه المجموعة في الاقتصاد العالمي.

مع قرارها بإنشاء بنك التنمية الجديد نادت المجموعة بضرورة الإسراع بتنفيذ الإصلاحات المتفق عليها في صندوق النقد الدولي التي تستهدف زيادة رأسمال الصندوق ومن ثم رفع قدرته على تدبير التسهيلات الائتمانية اللازمة لدول العالم، والمصحوبة بخطة إصلاح لتعديل الحصص والقوة التصويتية للأعضاء في الصندوق والتي ما زال الكونجرس الأمريكي رافضا لإقرارها حتى الآن.

من ناحية أخرى، وبموجب اتفاق البريكس سيتم إنشاء ما يسمى صندوق الترتيبات الاحتياطية المشروطة Contingent Reserve Arrangement والذي يسمح بتخصيص 100 مليار دولار تسهم فيها الصين بـ 41 مليارا وجنوب إفريقيا بخمسة مليارات دولار، أما باقي قيمة المساهمات فتوزع بالتساوي بين باقي الدول. ويهدف الصندوق إلى تخفيض تقلبات العملات ولمواجهة تأثير السياسات النقدية التوسعية للولايات المتحدة في عملات هذه الدول، والمساهمة في إحداث الاستقرار المناسب لمعدلات الصرف في الدول الأعضاء، حيث سيعمل الصندوق على مواجهة آثار خروج رؤوس الأموال المفاجئ من هذه الدول حتى تتجنب مخاطر تخفيض قيمة عملاتها، من خلال عمليات تبادل العملات مع الصندوق كإجراء احترازي لمساعدة هذه الدول في التعامل مع الأزمات التي يمكن أن تواجه عملاتها، وهي المهمة التي يضطلع بها أساسا صندوق النقد الدولي، غير أن الدور الذي يلعبه الصندوق كملجأ أخير مربوط إلى حد كبير بشروط قاسية، حيث تواجه الدول المضطربة ماليا صعوبات عديدة في الحصول على التمويل الذي تحتاج إليه من الصندوق بسبب الشروط المعقدة التي يضعها، خصوصا فيما يتعلق بربط عمليات التمويل ببرنامج نمطية للإصلاح غالبا ما تكون غير شعبية وتسبب الكثير من الاضطرابات في الدول المقترضة.

بشكل عام ينظر إلى هاتين المؤسستين على أنهما سيلعبان دور المنافس لكل من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي مجتمعين، حيث تهيمن الإدارة الأمريكية على كل صغيرة وكبيرة فيهما، وينظر المراقبون إلى إنشاء مثل هذه المؤسسات على أنها ستمثل نقطة تحول نوعية في كيان المجموعة، حيث ستساعد على تعميق إطار التعاون بين دول المجموعة، كذلك تنظر البريكس إلى هذه الخطوة على أنها تمثل مبادرة ذاتية لإصلاح النظام الاقتصادي العالمي متعدد الأطراف الذي تسيطر عليه الولايات المتحدة من خلال قوتها التصويتية المسيطرة في صندوق النقد الدولي والبنك الدولي.

لا شك أن أكثر السعداء بهذه التطورات هي روسيا والتي تحاول أن تجمع أكبر قدر من التحالفات في مواجهة الغرب نتيجة صراعها مع الغرب القائم حول أوكرانيا، والتي تواجه حاليا موجات من المقاطعة التي تفرضها الولايات المتحدة وحلفاؤها من الاتحاد الأوروبي لثني روسيا عن خططها المرتبطة بأوكرانيا. فهل يمكن بالفعل أن تقيم دول البريكس نظاما عالميا جديدا، ربما تحمل السنوات المقبلة الإجابة عن هذا السؤال.

الجمعة، يوليو 11، 2014

سياسات غير شعبية للإصلاح المالي في مصر

سياسات الدعم المعمم Generalized التي تتبعها دول مثل مصر دائما ما تؤدي إلى نتائج عكسية على المدى الطويل، وغالبا ما يترتب عليها نوع من عدم العدالة في الاستفادة من الدعم، مع اتجاه الدعم نحو غير المستحقين له بصورة أساسية، مع ارتفاع درجة استفادة الأغنياء منه بصورة أكبر من استفادة الفقراء، الذين من المفترض أن يتجه الدعم لهم أساسا. غير أن أسوأ نتائج الدعم المعمم تتمثل في تزايد الحاجة إلى رصد المزيد من الميزانيات له، نظرا لتزايد الاستهلاك من السلع المدعمة بمرور الوقت، لعدة عوامل أهمها زيادة عدد السكان، وارتفاع مستويات الدخول، مما يتسبب في زيادة الإنفاق العام، وعندما تقصر الإيرادات العامة للدولة عن النمو بمعدلات موازية للنمو في الإنفاق العام، فإن عجز الميزانية العامة للدولة يأخذ في التزايد، وهو ما يترتب عليه ارتفاع مستويات الدين العام، خصوصا مع تردد الحكومات في معالجة الآثار السلبية للدعم والتوقف عن التدخل في قوى السوق بفرض أسعار محددة للسلع المدعمة.

هذه الصورة تنطبق تماما على الحالة المصرية، فعلى مدى السنوات الماضية أصبح واضحا للعيان أن الوضع المالي لمصر أصبح غير مستدام تحت أي سيناريو من السيناريوهات، وأن استمرار الأوضاع الحالية على ما هي عليه سيترتب عليه نتيجة واحدة، وهي أن تتحول مصر إلى دولة فاشلة، غير قادرة على سداد التزاماتها، سواء الداخلية أو الخارجية، نظرا لتزايد العجز المالي بها إلى مستويات مرتفعة للغاية كنسبة من الناتج، تتجاوز بشكل كبير الحدود الآمنة، مما يؤدي إلى تراكم ديونها، سواء الداخلية أو الخارجية وارتفاعها كنسبة من الناتج على النحو الذي يؤدي إلى آثار سلبية متعددة.

فحاليا يصل عجز الميزانية المصرية إلى الناتج المحلي الإجمالي إلى نحو 14 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، وهي نسبة مرعبة، تصل إلى أكثر من أربعة أضعاف الحدود شبه الآمنة للعجز "3 في المائة من الناتج تقريبا"، ولا شك أن الآثار التي تترتب على عجز بهذه المستويات هي انفجار الدين العام في المستقبل، نظرا لأن مدفوعات الفوائد على الدين ستميل إلى أن تكون أعلى من معدلات النمو في الناتج الحقيقي، خصوصا وأن نسبة الدين العام تجاوزت الناتج المحلي الإجمالي المصري.

من أهم وأخطر أشكال الدعم في مصر هو دعم الوقود والذي يمثل جانبا جوهريا من الإنفاق العام للحكومة المصرية، فأسعار المشتقات النفطية في مصر من بين الأقل في العالم، حيث تحتل مصر المركز الثامن في قائمة أرخص الدول في العالم من حيث أسعار المشتقات النفطية، مع أنها ليست دولة نفطية، بالطبع مثل هذا الوضح تكون آثاره على الميزانية وعلى الدين العام الخارجي خطيرة، ويقدر دعم أسعار الطاقة حاليا بنحو 20 مليار دولار "140 مليار جنيه مصري تقريبا"، تشكل نحو 20 في المائة من الإنفاق العام للدولة.

هذا الأسبوع طالعتنا وسائل الإعلام عن اتخاذ مصر حزمة من الإجراءات تهدف إلى تعديل أسعار بعض السلع المدعمة للحد من الضغوط على الميزانية العامة، والتي تركزت أساسا في تعديل أسعار الطاقة، حيث تم رفع سعر البنزين 95 من 5.85 جنيه إلى 6.26 جنيه، أي بنسبة 7 في المائة، والبنزين 92 من 1.85 جنيه إلى 2.60 جنيه، أي بنسبة 40 في المائة، والبنزين 80 من 0.90 إلى 1.60 جنيه، أي بنسبة 78 في المائة، وهي أعلى نسبة بين مختلف أنواع الوقود. أما بالنسبة للسولار فقد تم رفع سعر اللتر من 1.10 جنيه، إلى 1.80 جنيه، أي بنسبة 63 في المائة.

من المتوقع أيضا أن يتم في إطار هذه الإصلاحات مضاعفة أسعار الكهرباء، حيث يتم رفع الدعم عنها تماما بنهاية السنوات الخمس المقبلة. فوفقا للدراسات التي أجريت على القطاع وجد أن أحد أسباب تدهور قطاع الكهرباء هو الدعم وبيع الكهرباء بأسعار بخسة مقارنة بالتكلفة الحقيقية لها، فكانت النتيجة أن تدهورت مستويات الصيانة في محطات التوليد، وتعطلت خطط التوسع لمواجهة الطلب المتزايد على الكهرباء في الدولة، الأمر الذي ترتب عليه نشوء أزمة في امدادات الكهرباء حاليا. أكثر من ذلك فقد تم إقرار بعض الإصلاحات الضريبية بهدف زيادة الإيرادات العامة للدولة.

مما لا شك أن هذه الزيادات في الأسعار تعد مرتفعة للغاية، خصوصا في اقتصاد ترتفع فيه مستويات الفقر، حيث يعيش أكثر من ربع السكان على دولارين يوميا، ولكنها للأسف الشديد تعكس خطأ الحكومات السابقة، والتي طالما أجلت التعامل مع ملف الدعم، خشية المخاطر السياسية والأمنية التي يمكن أن تصاحب معالجته، حتى استفحلت تكاليفه وأصبح الإنفاق عليه بمستوياته الحالية أمرا غير مستدام في ظل أي سيناريو للميزانية.

وفقا للتقديرات يتوقع أن يترتب على رفع أسعار الطاقة انخفاض دعم الوقود بنحو ستة مليارات دولار (42 مليار جنيه)، وأخذا في الاعتبار أثر السياسات الأخرى، يفترض أن تتراجع نسبة عجز الميزانية إلى الناتج من 14 في المائة في السنة المالية 2013/2014 إلى 10 في المائة فقط في السنة المالية 2015/2016.

من المتوقع بالطبع أن يكون للقرارات الأخيرة انعكاسات سياسية سلبية على الحكومة الحالية، خصوصا وأن هذه القرارات تأتي في وقت غير مناسب، حيث يواجه الاقتصاد المصري تراجعا واضحا في معدلات نموه مقارنة بمتوسط معدل النمو قبل الثورة، فضلا عن ارتفاع الأسعار وتراجع قيمة الجنيه، وهو ما يضع رجل الشارع تحت مطرقة ارتفاع تكاليف المعيشة على النحو الذي لا يقابله نمو موازٍ في مستويات الدخول، ويمكن القول إنه قد تم اختيار هذا التوقيت بذكاء لتمرير هذه السياسات دون مقاومة، وذلك تفاديا للتعقيدات التي كان من الممكن مواجهتها لو كان هناك برلمان يتولى مناقشة هذه التعديلات وإقرارها.

حتى الآن لا يمكن تحديد الآثار التضخمية لخفض الدعم عن هذه السلع الأساسية بدقة، ولا يمكن أيضا معرفة آثارها الانكماشية على الاقتصاد المصري، ولكن من المؤكد أن خفض دعم هذه المدخلات الأساسية سيتسبب في ارتفاع مستويات الأسعار للكثير من السلع بصورة مباشرة بصفة خاصة أسعار الغذاء، أو بصورة غير مباشرة نتيجة ارتفاع تكاليف النقل وارتفاع تكاليف الإنتاج بشكل عام نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة.

لقد أدى التأخر في معالجة ملف الدعم إلى تراكم الضغوط للإصلاح في مناخ غير موائم تماما، فمصر الآن ينتشر فيها الفقر بصورة أكثر من أي وقت مضى، كما ترتفع فيها معدلات التضخم على نحو واضح وتتراجع فيها قيمة العملة بصورة سريعة، وتنخفض القوة الشرائية للدخول بالتبعية نتيجة لذلك، مما يعقد من الآثار السلبية لهذه السياسات. أكثر من ذلك فإن هذه الاصلاحات غالبا ما ستكون من طرف واحد، أي قد لا تقابلها زيادات موازية في مستويات الدخول أو تعويض مباشر للفئات الأكثر تضررا، وهي بلا شك تكلفة سيدفع ثمنها الكثيرون من الشعب المصري، ومع ذلك تظل هذه الإصلاحات أمرا حتميا، وأن أي تأخير في معالجتها ستترتب عليه آثار سلبية أوسع على المدى الطويل.

الأربعاء، يوليو 09، 2014

أرخص دول العالم من حيث أسعار البنزين




كفاءة الربحية لأكبر 100 شركة سعودية



كفاءة الربحية لأكبر 100 شركة سعودية


يهدف هذا التحليل إلى قياس كفاءة الربحية لأكبر 100 شركة سعودية، وذلك باستخدام أساليب البرمجة الخطية من خلال مدخل التحليل التطويقي للبياناتData Envelopment Analysis DEA، حيث نستخدم دالة للأرباح للشركات السعودية تمثل فيها أرباح الشركات عنصر المخرجات، بينما تمثل متغيرات رأس المال والأصول والإيرادات مدخلات في هذه الدالة. ويهدف التحليل إلى ترتيب الشركات السعودية وفقا لدرجة كفاءتها في تحقيق الأرباح، وتراوح درجة كفاءة الربحية بين 100 في المائة، وتمثل حالة الشركات التي تحقق كفاءة تامة في تحقيق الأرباح، وصفر في المائة وتمثل حالة الشركات التي لا تتمتع بأي كفاءة على الإطلاق في تحقيق الأرباح باستخدام مدخلاتها المختلفة.
من الناحية الفنية ينظر إلى الشركات التي تحقق مستويات كفاءة 100 في المائة على أنها تمثل الطوق الحدودي للكفاءة أو ببساطة طوق الكفاءة، بينما تقع بقية الشركات الأخرى التي تحقق مستويات أقل للكفاءة داخل هذا الطوق، وتتمثل المسافة بين موقع كل شركة داخل الطوق الحدودي للبيانات وذلك الطوق في درجة ضعف الكفاءة النسبية الذي تعانيه هذه الشركة مقارنة بالشركات التي تحقق مستويات الكفاءة التامة، ولذلك ينظر إلى هذه الشركات التي تقع على طوق الكفاءة الحدودي على أنها تمثل الشركات ذات الأداء الأفضل Best Practice، التي يقاس أداء الشركات الأخرى عليها؛ فكلما اقتربت المسافة بين موقع الشركة والمنحنى الطوقي للكفاءة، قلت درجة ضعف كفاءة الربحية، بينما كلما بعدت المسافة بين موقع الشركة والمنحنى الطوقي الذي تمثله الشركات التي تحقق الكفاءة التامة، زادت درجة ضعف كفاءة الربحية للشركة.
ولأغراض المقارنة غالبا ما تستخدم مجموعة الشركات التي تقع على المنحنى الحدودي للكفاءة أو الأداء كدليل في تحديد مستويات التغيير اللازمة في المدخلات، كي تتمكن الشركات التي تقع داخل المنحنى الحدودي للكفاءة من أن تحقق كفاءة تامة في تحقيق الأرباح، وبمعنى آخر فإن هذه الشركات تمثل وحدات المناظرة Peer التي على أساسها يتم قياس درجة ضعف أو جودة الكفاءة. هذا بالطبع لا يعني أن الشركات التي تحقق الكفاءة التامة هي صاحبة الأداء الأمثل بالمفهوم النظري، وإنما تمثل أفضل الشركات من بين العينة المستخدمة في عمليات التحليل من حيث الأداء، ومن ثم أيضا تمثل وحدات المناظرة لهذه العينة فقط من الشركات.
في البداية يوضح الجدول رقم (1) قائمة أكبر عشر شركات في السعودية من حيث حجم الأصول. ووفقا للجدول يقع على رأس هذه الشركات البنك الأهلي التجاري بأصول تصل إلى 377 مليار ريال، بينما تحتل شركة الاتصالات السعودية المركز العاشر بأصول تصل إلى 87 مليار ريال تقريبا.
وفقا لنتائج أعمال الشركات هذا العام فقد تم حساب معدلات العائد على حقوق الملكية وهو المؤشر الذي يحسب بقسمة الأرباح على إجمالي حقوق الملكية وهو ما يعبر عن نصيب كل ريال من حقوق الملكية في الشركة من الأرباح والموضحة في الجدول رقم (2) ومن الجدول يلاحظ أن أفضل خمس شركات من حيث معدلات العائد على حقوق الملكية هي شركة الحفر العربية وشركة عبد الخالق سعيد للتجارة والصناعة المحدودة ومجموعة شركات عصام خير قباني وشركاه وشركة الأسمدة العربية السعودية وشركة اتحاد اتصالات أما أسوأ خمس شركات من حيث الأداء وفقا لهذا المؤشر فهي شركة الاتصالات المتنقلة السعودية وشركة المتوسط والخليج للتأمين وإعادة التأمين التعاوني والشركة المتحدة للتأمين التعاوني وشركة الكابلات السعودية وشركة التعاونية للتأمين.
أما بالنسبة لمعدل العائد على الأصول والذي يحسب من خلال قسمة الأرباح على قيمة أصول الشركة والذي يعبر عن الأرباح لكل ريال مستثمر في أصول الشركة، وهو من أكثر المعايير استخداما في قياس معدلات العائد وأشهرها في الوقت ذاته ويوضح الجدول رقم (3) أن أفضل خمس شركات من حيث العائد على الأصول وهي شركة الخطوط السعودية للتموين وشركة الأسمدة العربية السعودية وشركة أسمنت المنطقة الجنوبية وشركة عبد الخالق سعيد للتجارة والصناعة المحدودة وشركة جرير للتسويق، أما أسوأ خمس شركات فكانت شركة المتوسط والخليج للتأمين وإعادة التأمين التعاوني وشركة التعاونية للتأمين والشركة المتحدة للتأمين التعاوني وشركة الاتصالات المتنقلة السعودية وشركة الكابلات السعودية.
لحساب كفاءة الربحية للشركات السعودية تم استبعاد الشركات الخاسرة لأن المخرجات هنا لا يجب أن تكون سالبة وينبغي النظر إلى نتائج هذه الحسابات في ظل القيود المتاحة عن البيانات المتوافرة عن الشركات حيث وفقا لدالة الربحية تتمثل المدخلات في الدالة في ثلاثة متغيرات فقط هي رأس المال والأصول والإيرادات التي حققتها الشركات ووفقا للتحليل التطويقي للبيانات تم استخدام 89 شركة وهي الشركات الرابحة أو التي تتوافر عنها بيانات كاملة وفقا لقاعدة البيانات التي جمعتها الاقتصادية ويوضح الجدول رقم (4) نتائج قياسات الكفاءة للشركات مرتبة وفقا لدرجات الكفاءة المحققة ووفقا للنتائج فقد حصلت أربع شركات على مستويات كفاءة تامة وهذه الشركات هي ما يمثل المنحنى التطويقي للكفاءة لأكبر الشركات السعودية، بينما تقع باقي الشركات الـ 85 أسفل منحنى طوق البيانات لكفاءة الربحية أما الشركات التي حققت مستويات الكفاءة الربحية التامة فهي شركة الخطوط السعودية للتموين وشركة مكة للإنشاء والتعمير وشركة الفوزان للتجارة والمقاولات العامة وبنك البلاد، أما بالنسبة لأسماء باقي الشركات فقد تم اخفاء أسماء الشركات عمدا، ولكن يمكن التعرف على أسماء الشركات من الاقتصادية وذلك بالرجوع الى تصنيفها للشركات وفقا لقاعدة البيانات المتاحة لديها.
هذا ويوضح الشكل رقم (1) التوزيع التكراري للشركات السعودية وفقا لمستوى كفاءة الربحية ومن الشكل يتضح أن أعداد الشركات السعودية التي ترتفع درجات كفاءة الربحية بالنسبة لها تعد محدودة نسبيا حيث حققت 16 شركة فقط درجات للكفاءة من 71 في المائة فما أعلى، بينما تميل الشركات السعودية إلى التركز في الشركات ذات درجات الكفاءة المنخفضة في الربحية فوفقا للرسم حققت 46 شركة من أصل 89 شركة درجات متدنية لكفاءة الربحية أقل من 40 في المائة.
الشكل رقم 1: التوزيع التكراري للشركات السعودية وفقا لمستويات الكفاءة.

وأخيرا فبقياس معاملات الارتباط بين مستويات الربح والمدخلات المختلفة المحددة للربح وهي الأصول والإيرادات ورأس المال وجد أن أقوى علاقات الارتباط توجد بين الأرباح وحقوق الملكية، حيث بلغ معامل الارتباط 0.95 يليه الأرباح والإيرادات حيث بلغ معامل الارتباط 0.89 وأخيرا فقد بلغ معامل الارتباط بين الأرباح والأصول 0.74.

الجمعة، يوليو 04، 2014

أزمة سيولة في البنوك البلغارية

تنص قوانين الرقابة المصرفية في جميع النظم على أن تحتفظ البنوك بحد أدنى من السيولة، وذلك حتى تتجنب المخاطر التي تصاحب زيادة إقبال المودعين على سحب مودعاتهم من البنوك Bank runs، ذلك أن النظام المصرفي في أي دولة في العالم يقوم على أساس واحد، وهو الثقة، إذا انهارت ثقة المودعين في أي بنك، فإن هذا البنك لا محالة سينهار، ومن الممكن أن يتسبب في انهيار النظام المصرفي كله، فتراجع الثقة مثل الوباء، لا يقتصر تأثيره فقط على البنك الذي يعاني أزمة سيولة، وإنما يمتد حتى إلى أفضل البنوك من حيث متانة مستويات السيولة لديها، فإذا تراجعت الثقة في قدرة بنك ما على سداد مودعات الناس، فإن المودعين في البنوك الأخرى يصيبهم ما يسمى بالذعر المالي Financial Panic، فيهرعون الى بنوكهم لتأمين احتياجاتهم من السيولة خشية أن تتوقف البنوك عن سداد احتياجات المودعين في وقت ما.

خلال الأسبوعين الماضيين تعرض بنكين في بلغاريا لحالات سحب غير عادية من المودعين مما أدى إلى تبخر السيولة لديهما، وهما بنكCorporate Commercial Bank (Corpbank وبنكFirst Investment Bank (FIB)، الأمر الذي اشاع حالة من عدم الثقة لدى المحللين في العالم، بل إن البعض تنبأ بقرب انهيار النظام المصرفي في بلغاريا نتيجة لذلك.

تبدأ قصة Corpbank، والذي يعتبر رابع أكبر بنك مقرض في بلغاريا، بعد عدة تقارير غير مواتية نشرتها وسائل الإعلام عن وجود حالة خلاف بين اثنين من كبار المساهمين الذين لهم روابط وثيقة بالتجمعات السياسية في الدولة، واللذين يمتلكان حصصا مؤثرة في أسهم البنك، ويدعي أحدهما أن الآخر حاول اغتياله، مما ترتب عليها تعرض البنك لحالات سحب غير اعتيادية للمودعات من جانب عملاء البنك تسببت في عدم قدرته على مواجهة طلبات العملاء بالسحب، مما اضطر البنك إلى وقف عمليات السحب.

لقد أشار البنك ذاته خلال الأسبوع الماضي إلى أنه تعرض لحملة غير مسبوقة ضده من وسائل الإعلام، مما تسبب في انهيار ثقة المودعين في قدرة البنك على الوفاء بالتزاماته نحوهم، ولا شك أن مثل هذه التقارير تعد في غاية الخطورة نظرا لأنها تشيع حالة من الذعر بين عملاء البنك حول درجة متانة البنك ومدى قدرته على الحفاظ على مودعاتهم بأمان، وواقع الأمر أن التقارير السلبية عن البنك لم يتوقف نشرها على وسائل الإعلام المحلية، وإنما امتدت أيضا إلى وسائل الإعلام في العالم، وبالفعل كان من الممكن أن ينهار النظام المصرفي البلغاري إذا لم يتم التعامل مع مشكلة Corpbank بالحكمة والحصافة المناسبين.

ووفقا لتصريحات مدير البنك المركزي البلغاري فإن Corpbank لا يواجه حالة إفلاس، وأن البنك المركزي سيتحرك على النحو المناسب للحيلولة دون انهياره، وذلك لتجنب الآثار السلبية التي يمكن أن تترتب انهيار هذا البنك على البنوك الأخرى بل وعلى النظام المالي في الدولة كله، أو ما يسمى بحالة العدوى المالية Contagion.

لإنقاذ البنك من الانهيار قام البنك المركزي في بلغاريا بوضع البنك تحت إدارته، وأعلن السيطرة على عمليات البنك لمدة ثلاثة أشهر وقام بإبعاد إدارته، أكثر من ذلك شرع البنك المركزي في إعداد خطة لعملية تأميمه من خلال إعادة رسملته من خلال بنك التنمية الحكومي وصندوق تأمين المودعات.

يوم الجمعة الماضي تعرض بنكFirst Investment Bank ، وهو ثالث أكبر البنوك في البلاد، لعمليات سحب غير اعتيادية، وهو ما عزز المخاوف من احتمالات أن تواجه البنوك البلغارية مشكلة واسعة النطاق عندما تفتح البنوك أبوابها في أول أيام هذا الأسبوع، هذه المرة كانت الحملة على البنك منظمة من جانب أطراف تريد لهذا البنك الانهيار، وذلك من خلال قيامها بإرسال رسائل هاتفية للمودعين تحذرهم فيها من أن البنك سيتعرض للإفلاس، الأمر الذي دفع بالمودعين إلى الاصطفاف أمام فروع البنك طالبين سحب أموالهم، وهو ما كاد أن ينتهي بانهيار البنك، وقد عبر مدير البنك المركزي عن هذه الحادثة بأن البنوك البلغارية تتعرض لحملة اجرامية منظمة. يوم الإثنين الماضي أعلنت وكالة الأمن الوطني أنها قامت بالفعل بالقبض على عدد من الأشخاص ذوي العلاقة بنشر المعلومات الخاطئة وذلك من خلال تتبع الرسائل الإلكترونية المرسلة من حواسيبهم.

مما يعزز من أثر الذعر المالي الذعر المالي بين المودعين ارتفاع درجة حساسية المودعين لأية أخبار غير مواتية عن البنوك التي يتعاملون معها نتيجة لعدة عوامل أهمها، أن هناك أزمة سياسية أصلا في بلغاريا، حيث تتصاعد الضغوط بين الأحزاب السياسية الرئيسة في البلاد مما ترتب عليه تقرير إجراء انتخابات برلمانية مبكرة في اكتوبر القادم، ساعد على تعقيدها ضعف معدلات النمو الاقتصادي في واحد من أفقر اقتصادات الاتحاد الأوروبي، من ناحية أخرى، فإن هذه هي أزمة السيولة الثانية التي تتعرض لها البنوك البلغارية في العقدين الماضيين، وكانت البنوك البلغارية قد تعرضت لأزمة كبيرة في أوقات التضخم الجامح الذي اجتاح البلاد، مما أدى إلى انهيار 12 بنكا، وقد خسر معظم المودعين ما بين 60 إلى 70 في المائة من مودعاتهم في الأزمة الأولى عام 1996، والتي ما زالت أثارها عالقة في الأذهان حتى اليوم، وأخيرا يجب ألا ننسى أن العالم يمر بحالة أزمة اقتصادية عميقة، بصفة خاصة في أوروبا، والتي تمثل مناخا مثاليا لحالات الذعر المالي.

لمنع تكرار أزمة 1996، أعلن البنك المركزي عن سلسلة من الإجراءات تهدف جميعها إلى تدبير احتياجات السيولة اللازمة للبنوك لمواجهة طلبات المودعين بالسحب عند أي مستوى، فتم فتح خطوط السيولة أمام بنك FIB والبنوك الأخرى لمواجهة نقص السيولة، حيث قامت الحكومة بإصدار سندات خاصة لجمع 1.3 مليار ليف "العملة البلغارية" لمواجهة احتياجات السيولة للبنوك، كما أعلنت اللجنة الأوروبية يوم الإثنين الماضي عن موافقتها على مد السلطات البلغارية بما يعادل 3.3 مليار ليف، أي نحو 2.3 مليار دولار، وذلك لدعم قدرة السلطات على تدبير احتياجات السيولة للبنوك البلغارية.

وفقا لأدبيات البنوك المركزية فإن أهم ما يمكن عمله في مثل هذه اللحظة هو تعزيز الثقة، والروشتة التي توصف دائما في مثل هذه الأوضاع هي أن يقوم البنك المركزي بالتأكيد على أنه جاهز في أي وقت لتوفير أي قدر من السيولة تحتاجها البنوك، وذلك حتى يبث الثقة بين الناس، لأن الناس في النهاية لا ترغب في الاحتفاظ بأموالها في صورة سائلة إلا في الأحوال الكارثية، فيما عدا ذلك فإن الناس تفضل الاحتفاظ بأموالها في البنوك، وهذا ما قامت به السلطات البلغارية بالفعل.