الأحد، مارس 01، 2015

محمد السقا: الحديث عن ضرائب على دخل الأفراد.. فزّاعة لنسف فكرة فرض الضريبة

كتب علي إبراهيم:
قال استاذ الاقتصاد في جامعة الكويت د.محمد السقا إن فرض الضرائب يعد حلا حقيقيا للأوضاع المختلة للمالية العامة في الدولة، ولكنه ليس حلا حقيقيا لوضع الاقتصاد، بل من المفترض ان الضرائب ستكون احدى نتائج تعديل هذا الوضع وليست المسببة لهذا الحل.
واضاف في تصريح خاص ل«الوطن» ان الحل الحقيقي للوضع الاقتصادي في الكويت هو حل هيكلي، أي يرتكز أساسا على معالجة الاختلالات الهيكلية التي يعاني منها الاقتصاد منذ اكتشاف النفط حتى اليوم، حيث لم تستطع الكويت الفكاك من القيد النفطي حتى اليوم، ولم تتمكن من توجيه مواردها المالية الضخمة التي نتجت عن الثروة النفطية بصورة بكفاءة لتعديل هذه الاختلالات، على النحو الذي يضمن استقرار الدخول ونموها بما يضمن استمرار مستويات الرفاه المرتفعة في الدولة.
وبدلا من ذلك تم استخدام الجانب الأعظم من هذه الموارد في رفع مستويات دخول الناس وتوفير الخدمات الأساسية لهم بصورة مجانية، أو شبه مجانية، والانفاق على الدعومات المختلفة لهم، مع الاحتفاظ بقدر منها للأجيال القادمة في صورة صندوق سيادي للثروة، وهذه الانماط من استغلال الثروة، على الرغم من أهميتها، لا تمثل الاستخدام الامثل لها، وهو ما يعد في جانب كبير منه تبديدا لهذه الثروة في أوجه غير مجدية للانفاق، من منظور تعزيز استدامة النمو.

الحل الحقيقي

واستطرد بالقول: الحل الحقيقي للاقتصاد اذن هو في التنويع الهيكلي، والحد من تدخل الدولة في النشاط الاقتصادي، وتدنية الدور الذي تقوم به الى أدنى مستوى، لرفع كفاءة استغلال الموارد، وتعظيم العائد المحقق منها، وحتى يتم ذلك ستظل الضرائب أهم الوسائل التي يمكن ان تحصل منها الدولة على حصة عادلة من دخول القطاع الخاص.

التنويع الهيكلي

وعن رأيه في المقترحات التي تطالب بفرض الضرائب كأحد أنظمة تنويع الدخل بعيد عن النفط قال السقا: عندما نتحدث عن تنويع مصادر الدخل علينا ان نفرق بين نوعين من التنويع، على الرغم من ان هناك درجة كبيرة من الارتباط بينهما، الأول هو التنويع الهيكلي، والمقصود به تنويع هيكل الناتج المحلي بحيث لا يتركز الناتج في القطاع النفطي، وبما يضمن مساهمة قطاعات كثيرة ومتنوعة في الاقتصاد الوطني في عمليات الانتاج والتوظيف واستغلال الموارد، وهذا يقتضي وضع رؤية واضحة وواقعية وصحيحة لمستقبل الاقتصاد الكويتي، ترتكز بالفعل على القدرات الكامنة فيه، وعلى النحو الذي يعزز الأدوار المختلفة التي تؤديها القطاعات المختلفة في الاقتصاد الوطني.
يعزز هذه الرؤية استراتيجيات واضحة لبلوغ مستهدفاتها في التنويع الاقتصادي المطلوب لتحقيق هذه الرؤية، وبرامج تفصيلية تطبق وفق خطط زمنية واضحة ومحددة، وبآليات سليمة تأخذ في الاعتبار الطاقة الاستيعابية الكامنة، وليس القائمة، للاقتصاد الكويتي، وقدراته الكامنة على الانتاج والتنافسية. هذا الدور من المفترض ان يكون منوطا بالمجلس الأعلى للتخطيط والأمانة العليا للمجلس الأعلى للتخطيط، مدعوما بالأدوار المختلفة للحكومة، ومؤسسات المجتمع المدني.

التنويع المالي

النوع الثاني من التنويع وهو التنويع المالي، أي المرتبط بمالية الدولة، وذلك من خلال العمل على تنويع المصادر التي تحصل منها الدولة على ايراداتها العامة لتستخدمها في الانفاق العام على السلع والخدمات العامة ومشروعات البنى التحتية وغيرها من المشروعات، فضلا عن استهلاكها من السلع والخدمات، ومن المفترض ان ايرادات الدولة تعتمد أساسا على مستويات النشاط الاقتصادي المحلي، تزيد مع تزايده وتنخفض مع انخفاض مستوياته، وقد تستخدم الدولة ايراداتها كوسيلة لتوجيه النشاط الاقتصادي وضبط توازنه.
وتعد الضرائب أهم مصادر الايرادات بالنسبة لحكومات دول العالم قاطبة، ربما تمثل دول الخليج حالة استثنائية لاعتماد الدول في توليد ايراداتها على ما تحصل عليه من صادرات النفط الخام، الا ان التجربة السابقة والحالية أثبتت ان هذا المصدر من مصادر الدخل، على الرغم من كثافته، غير مستقر ولا يضمن استدامة الأوضاع المالية للدول عند مستويات آمنة، لذلك فان الاعتماد على النفط كمصدر شبه وحيد للايرادات الحكومية يعرض المالية العامة للدول النفطية للتقلب الشديد من وقت لآخر، نظرا لتقلب أسعار النفط الخام في السوق العالمي لعوامل خارج نطاق سيطرة هذه الدول، ويقع فرض الضرائب ضمن نطاق النوع الثاني من التنويع بعيدا عن النفط الخام.

ضرائب الأفراد

المشكلة الأساسية هي ان فرض الضرائب على دخول الأفراد يستخدم دائما كفزاعة ضد فكرة فرض الضرائب، من قال ان فرض الضرائب يقتضي بالضرورة ان يتم فرض ضرائب على دخول الأفراد؟ ان الميزة الأساسية للضرائب، كمصدر من مصادر التمويل التقليدي للحكومات في تدبير احتياجاتها المالية، يتمثل في تنوع هياكل الضرائب وتعدد صورها وكثافة حصيلتها، سواء أكانت مباشرة أو غير مباشرة.
ومن المؤكد ان عدم وجود هيكل ضريبي في الدولة يحد من قدرتها على توجيه النشاط الاقتصادي فيها الوجهة الصحيحة لتحقيق ما تسعى اليها من مستهدفات مرتبطة بتنويع النشاط الاقتصادي، على سبيل المثال فان ضعف قدرة الدول على توجيه القطاع الخاص نحو انشطة محددة، أو دفعه لتوظيف قوة العمل الوطنية يعود في جانب منه الى غياب الضرائب. ذلك ان دول العالم تستخدم سلاح الضرائب من وقت لآخر لتوجيه انشطة الأعمال لوجهة محددة، أو تضيق النشاط في قطاعات أخرى من خلال تعديل معدلات الضريبة بخفضها على أنشطة ورفعها على أنشطة.

إضافة حقيقية

وفيما اذا كانت الضرائب تمثل أي اضافة حقيقية للدخل القومي والناتج القومي والدخل الحقيقي للمواطن قال السقا: بالطبع لا، الضرائب لا تمثل اضافة حقيقية مباشرة للدخل والناتج القومي، الا عندما تتحول الى انفاق يعزز الخدمات العامة والبنى التحتية للدولة وكافة جوانب الانفاق العام الأخرى، ولكنها كما سبق القول احدى الأدوات المهمة التي يمكن من خلالها للدولة توجيه النشاط الاقتصادي وضبط توازنه.

ضرائب الدخل

وعن انواع الضرائب التي تتناسب والمجتمع الكويتي وآليات تطبيقها قال السقا: غالبا ما يروج خطأ للضرائب على أنها سوف تفرض على دخول المواطنين، وهذا غير صحيح، فالضرائب على الدخول هي آخر أولويات السياسة الضريبية في الكويت، وفيما عدا ذلك فهناك أنواع كثيرة من الضرائب التي يمكن ان تفرض مكن دون تأثير على المواطن تقريبا. أما أهم الضرائب التي يمكن ان تفرض في الكويت في الوقت الحالي فهي الضرائب على أرباح الشركات، وذلك من خلال الغاء التمييز الحالي بين الشركات الوطنية والشركات الأجنبية، والذي بمقتضاه يتم اعفاء الشركات الوطنية من الضريبة على الأرباح، بينما تفرض ضريبة على الشركات الأجنبية بمعدل %15 سنويا، فمثل هذا التمييز في فرض الضريبة لا يوفر بيئة أعمال صحيحة أو سليمة أو مشجعة، لذلك لا تأتي الاستثمارات الأجنبية الى الكويت، مع حاجتنا الماسة اليها.
قد ينظر البعض الى الاستثمار الأجنبي على أنه نقل رؤوس أموال، وأن هذه الأموال لا تحتاجها الكويت، فنحن دولة نستثمر مئات المليارات في الخارج، لماذا نسعى لاستقطاب رؤوس الأموال ونحن لدينا فائض منها اذن؟ وهو سوء فهم خطير للدور الذي يمكن ان تلعبه الاستثمارات الاجنبية المباشرة في تنويع مصادر الدخل في الكويت وتعزيز طاقاتها الانتاجية، ورفع مساهمة قطاع الاعمال الخاص في الناتج المحلي غير النفطي.

الشركات التجارية

لا يمكن ان تستمر الشركات التجارية في الكويت على هذا النحو دون ان تشارك في تكلفة الخدمات العامة التي تقدمها الدولة للجميع، فهذه الشركات تستهلك مدخلات عديدة بتكاليف زهيدة تدفع الحكومة الجانب الأكبر من تكلفتها مثل الكهرباء والمياه، وخدمات البنى التحتية، فضلا عن الدعومات التي تقدمها للعمالة الوافدة العاملة فيها على النحو الذي يمكن هذه الشركات من تدبير احتياجاتها من العمالة الوافدة بتكاليف زهيدة نظرا لانخفاض تكلفة هذه العمالة بالنسبة لها.
ولو عقدنا مقارنة بسيطة بين أحد فروع السلاسل التجارية العالمية العاملة في الكويت وفرع تلك السلسلة في لندن مثلا، سوف نجد ان هناك فارقا شاسعا بين الأرباح التي يحققها الفرعان، ففي لندن يدفع الفرع تكلفة ايجارية مرتفعة عن الكويت، ويستهلك كهرباء بالأسعار العالمية، ويدفع أجور مرتفعة جدا للعمالة به، وفوق ذلك كله يدفع ضرائب على أرباحه للدولة، بينما تضاف هذه الفروق لأرباح الفرع العامل في الكويت، ولا تستفيد منها الدولة على أي نحو.
من أنواع الضرائب التي يمكن تطبيقها في الكويت بسهولة أيضا ضرائب الاستهلاك المنتقاة على مجموعة محددة من السلع الكمالية، أو سلع الاستهلاك التفاخري التي تضمن الحد من أنماط الاستهلاك الضار، وتعزز موارد الحكومة منه، أو ضريبة القيمة المضافة، التي تفكر دول مجلس التعاون في ادخالها في الوقت الحالي، الى آخر هذه السلسلة الطويلة من الضرائب المنتقاة بعناية والتي لا تطال المواطن متوسط أو محدود الدخل.
أما تأثيرات هذه الضرائب على المواطنين فشبه معدومة، وكذلك الأمر بالنسبة للعمالة الوافدة، بينما ستلزم الشركات بالمشاركة اللازمة في تحمل نصيبها من تكلفة تقديم السلع والخدمات العامة في المجتمع، أما الأثر على الميزانية فهو بلا شك ايجابي لأنه سيضمن مصدرا مستقرا وآمنا للتمويل. بقي ان نشير الى ان فرض الضريبة على الشركات، يفرض التزامات على الحكومة حيث سيتطلب على الجانب الآخر ان ترتفع كفاءة الانفاق العام للحكومة، والقضاء على الهدر في الجوانب المختلفة منه، فضلا عن تعزير الحوكمة ومستويات الشفافية والمساءلة، والقضاء على الفساد
.