الجمعة، أكتوبر 23، 2015

ماذا يحدث للجنيه المصري؟

في نهاية ديسمبر 2010 عندما شارفت ثورة يناير على الانطلاق كان معدل الصرف الرسمي للدولار الأمريكي يساوي 5.8 جنيها. اليوم الدولار الأمريكي يساوي أكثر من 8 جنيهات، أي تراجع بمعدل 38% خلال الخمس سنوات الماضية، ولا شك أن تراجع الجنيه بهذه النسبة المرتفعة له انعكاسات جوهرية على المستوى العام للأسعار، وعلى مستوى معيشة المصريين، فضلا عن آثاره الأخرى، بصفة خاصة انعكاساته المالية من خلال استمرار الحاجة الى رفع مرتبات العاملين في الدولة على نحو أكبر لتعويضهم، ولو بصورة جزئية، عن ارتفاع تكلفة المعيشة، وزيادة الانفاق على الدعم ..الخ.
تاريخيا مصر دولة تعاني من خلل هيكلي في ميزان مدفوعاتها يتمثل في وجود فجوة واضحة بين صادراتها ووارداتها، الأمر الذي يؤدي الى وجود عجز تجاري، يتفاقم بصورة مستمرة عاما بعد الآخر، دون أن يصاحب ذلك سياسات لتخفيف اعتماد مصر على الخارج، أو لتعزيز تنافسيتها ورفع قدرتها على ولوج الأسواق الخارجية. فمصر تعتمد على الخارج في استيفاء معظم احتياجاتها السلعية، في الوقت الذي تتراجع قدرتها على انتاج ما تحتاج اليه من الخارج بعد نبذ سياسات الإحلال محل الواردات، وتراجع الصناعة المصرية في الكثير من المجالات، بعد ان كانت تنتج معظم ما تحتاجه من الخارج، وتحول نمط الاستثمار محليا بحيث أصبح الجانب الأكبر من الاستثمارات الجديدة يتوجه إلى مجالات غير منتجة، مثل التطوير العقاري.
موطن الخلل الرئيس في ميزان المدفوعات المصري يكمن في الميزان التجاري، حيث توجد فجوة كبيرة بين صادرات مصر ووارداتها، على سبيل المثال فقد استوردت مصر من الخارج في العام الماضي بحوالي 61 مليار دولار، في حين اقتصرت صادراتها السلعية على حوالي 22 مليار دولار، مما يعني وجود عجز تجاري يقدر بحوالي 39 مليار دولار. ساعد على تزايد هذه الفجوة تراجع صادرات مصر من البترول بحوالي 4 مليار دولار نتيجة لانخفاض أسعاره.
تعتمد مصر في تمويل الجانب الأكبر من هذا العجز على التحويلات سواء الخاصة (تحويلات العاملين بالخارج) والتي بلغت العام الماضي 19.2 مليار دولار، أو الرسمية والتي بلغت العام الماضي 2.7 مليار دولار متراجعة من حوالي 12 مليار دولار في العام قبل الماضي، وإيرادات السياحة التي بلغت 7.4 مليار دولار العام الماضي، وكذلك إيرادات قناة السويس والتي بلغت في العام الماضي 5.4 مليار دولار، فضلا عن الاقتراض من الخارج.
في مقابل هذا الهيكل لسوق النقد الأجنبي في مصر، لا تتخذ مصر الإجراءات المناسبة للحد من تدفقات العملة الأجنبية إلى الخارج، كما أن جهود تعبئة موارد النقد الأجنبي إلى الداخل لا تتناسب مع خطورة ما تواجهه من قيود. فمثل هذا الهيكل لميزان المدفوعات يجعل موارد مصر من النقد الأجنبي تتسم بالتقلب، مع ميل الفجوة في ميزان المعاملات الجارية إلى الاتساع بمرور الوقت، لذلك ليس من المستغرب أن تتراجع احتياطيات مصر من النقد الأجنبي، خط الدفاع الأول عن الجنيه المصري.
للإنصاف لا بد من الإشارة إلى أن مصر قد واجهت منذ خمسة أعوام ظروفا استثنائية نتيجة عدم الاستقرار السياسي الذي صاحب ثورة يناير التي أدت إلى تأثير جوهري على تدفقات النقد الأجنبي من الخارج، أدى إلى تراجع احتياطيات مصر من النقد الأجنبي من حوالي 36 مليار دولار في 2011 إلى حوالي 16 مليار دولار فقط في سبتمبر الماضي، فقدتها مصر في سبيل تغطية فجوة الطلب في سوق النقد الأجنبي وللدفاع عن قيمة الجنيه.
صاحب ذلك اتخاذ السلطات النقدية لبعض الإجراءات التي ساعدت على الحد من عرض النقد الأجنبي، مثل وضع حدود على قيمة النقد الأجنبي بصحبة القادمين إلى مصر، ووضع قيود على عمليات الإيداع النقدي سواء اليومي أو الشهري بالعملات الأجنبية في البنوك. بالتأكيد هذه الإجراءات تهدف الى محاصرة عمليات الحصول على العملة من مصادر غير قانونية مثل السوق السوداء، لكن ليس كل ما يأتي بصحبة القادمين لهذا الغرض، وليس كل ما يودع نقدا في البنوك من نقد أجنبي مصدره أيضا غير قانوني، والأهم من ذلك كله هو أن الوقت غير مناسب لمثل هذه القرارات.
في عام 2014 قدم صندوق النقد الدولي نصيحة غبية لمصر، مدعيا أن مصر سوف تستفيد بشكل أكبر من تبني نظام أكثر مرونة لمعدل صرف عملتها والذي سوف يساعد مصر على استقطاب المزيد من الاستثمارات من الخارج وتشجيع السياحة، والمساعدة في خلق المزيد من الوظائف. خبراء صندوق النقد الدولي يتنقلون بين بلدان العالم بروشتات معيارية ينصحون بها أي اقتصاد، بغض النظر على طبيعة القيود التي يواجهها، لذلك فإن سمعة الصندوق ليست براقة في الكثير من دول العالم، خصوصا العالم النامي.
ما تحتاجه مصر بالفعل هو عكس ما يوصي به الصندوق تماما، فمصر تمر بظروف استثنائية، والتي تتطلب أيضا إجراءات استثنائية حتى تتمكن مصر من السيطرة على تراجع عملتها، وإلى أن تستقر أوضاعها السياسية والأمنية بصورة مستدامة، وتستعيد قدرتها على جذب الاستثمارات الأجنبية، وتكون قادرة على توجيه تلك الاستثمارات إلى النواحي التي هي بالفعل في حاجة إليها. على سبيل المثال فإن تحرير الجنيه يقتضي جدلا أن تكون مصر قادرة على زيادة صادراتها للخارج وتعبئة النقد الأجنبي من مصادر حقيقية تستند الى تنافسية قوية للاقتصاد المصري، وهذا غير متاح حاليا لمصر. في ظل هذه الأوضاع عندما تحرر مصر الجنيه، فإنها تعرض اقتصادها لمخاطر جوهرية، باختصار لأن البنك المركزي لا يملك الآليات التي تمكنه من التحرير الآمن للعملة.
كانت مصر في 2012 قد قامت باتباع آلية إجراء مزادات على العملة للتحكم في تراجع قيمة الجنية، وهي خطوة قد تكون مناسبة في الظروف العادية، أما عندما يتزايد الطلب على العملة وتنشط السوق السوداء لها، فإن اتجاهات السوق السوداء هي التي ستتحكم إلى حد كبير في المعدلات التي سيتم الطرح على أساسها في تلك المزادات، وفي الواقع، ومن خلال مراقبتي الطويلة لاتجاهات معدل صرف الدولار لاحظت أن السوق السوداء دائما ما تكون هي الموجه للتغيرات التي تحدث في سياسة معدل الصرف الأجنبي. أكثر من ذلك فقد قام البنك المركزي في يناير الماضي بالسماح للبنوك التجارية بتوسيع نطاق الهامش على السعر الرسمي بعشرة قروش ارتفاعا وانخفاضا، كذلك وفي هذا الشهر قام البنك المركزي بتخفيض قيمة الجنيه لمرتين متتاليتين في أسبوع واحد، وهي إجراءات تعكس اضطراب البنك المركزي وغياب الرؤية الصحيحة لديه.
في مايو الماضي وجه محافظ البنك المركزي رسالة للمصريين بالحد من استيراد سلع الاستهلاك الرفاهي لتخفيف الضغوط على احتياطيات البنك المركزي، ولكن الحد من استيراد هذه السلع لا يتأتى عبر النداءات، وإنما عبر سياسة تجارية صارمة. في رأيي أن حل مشكلة تراجع قيمة الجنيه في مصر لن يتأتى من خلال تعديل سياسات النقد الأجنبي، أو تخفيض قيمة العملة، وإنما سيأتي الحل بصورة أساسية من خلال سياسات التجارة والاستثمار، التي تعزز قدرة الاقتصاد الوطني تعبئة مصادر النقد الأجنبي.
مصر في حاجة الى التدخل على نحو أكثر صرامة في السيطرة على وارداتها من الخارج، وتشجيع للصناعات التي تحل محل الواردات لفترة مؤقتة، حتى تخفف من الطلب على العملات الأجنبية، في ذات الوقت مصر تحتاج الى تبني استراتيجيات ترخي قيود العرض من النقد الأجنبي من مصادره المختلفة، سواء السلعية او الخدمية أو غير ذلك من مصادر، وتحد من الطلب على النقد الأجنبي، خصوصا الدولار، وفوق كل هذا، مصر في حاجة الى المزيد من الاستقرار السياسي والأمني لخلق بيئة مناسبة لجذب الاستثمار، والحد من عمليات خروج رأس المال. حتى تستطيع أن تستعيد المستويات الآمنة لاحتياطياتها من النقد الأجنبي على النحو الذي يمكنها من احداث استقرار مناسب في سوق النقد الأجنبي. 


تعمق الكساد في البرازيل

البرازيل هي أكبر اقتصادات أمريكا اللاتينية، وإحدى دول مجموعة البريكس، التي تمثل تجمع أهم وأكبر الدول الناشئة في العالم، وهي إحدى دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، أو ما يطلق عليه نادي الأغنياء في العالم. فقد بلغ الناتج المحلي الإجمالي للبرازيل في 2014 نحو 2.4 تريليون دولار، وهي بهذا الناتج تحتل المركز السابع بين اقتصادات العالم، ومع ذلك يعاني سكان البرازيل سوء توزيع الدخل والثروة، حيث تشير التقديرات إلى أن أغنى 1 في المائة من السكان يسيطرون على نحو 13 في المائة من الدخل، وهي حصة نحو 50 في المائة من السكان تقريبا، كما أن نحو 9 في المائة من سكانها يعيشون بدخل أقل من 1.3 دولار يوميا (أي أقل من خط الفقر العالمي)، أكثر من ذلك فإن نحو 40 في المائة من السكان ليس لديهم حرية الوصول إلى الخدمات الصحية العامة، وتنتشر في البرازيل معدلات الجريمة بصورة واضحة، وتتساوى في ذلك تقريبا مع المكسيك. بالطبع في ظل هذا المناخ لا بد أن تكون البيئة السياسية غير مستقرة، حتى في واحد من أغنى اقتصادات العالم.
البرازيل تواجه اليوم كسادا حادا، حيث يتراجع النمو بمعدل يتوقع أن يصل إلى 3 في المائة هذا العام، وكذلك يتوقع أن يتراجع النمو بمعدل 2 في المائة في 2016. فالبرازيل أيضا أحد ضحايا تراجع النمو في الصين التي تمثل أكبر أسواق صادرات البرازيل. كذلك فإن تراجع النمو في مجموعة الدول الناشئة يزيد المخاوف من أن ينعكس ذلك على النمو في الولايات المتحدة، بل ربما الاقتصاد العالمي برمته، حيث لعبت هذه الدولة دور محرك النمو في العالم في فترة الأزمة الاقتصادية العالمية.
أخطر مشكلات تراجع النمو هو ارتفاع معدلات البطالة التي ارتفعت بالفعل إلى 7.5 في المائة في تموز (يوليو) الماضي مقارنة بـ 4.9 في المائة فقط في العام الماضي، ويتوقع أن تواصل التصاعد إلى 10 في المائة في نهاية العام.
من جانب آخر، من المتوقع أن تسجل المالية العامة للبرازيل عجزا، حتى قبل دفع فوائد الدين (العجز المبدئي)، يصل إلى نحو 9 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، وهو معدل مرتفع جدا. ارتفاع معدلات البطالة مع ارتفاع العجز المالي يعقد المشكلة، باعتبار أن البرازيل تحتاج إلى أن تنفذ عديدا من الاستثمارات التي تفتح المزيد من فرص العمل. ما يحدث غالبا هو أن الحكومة في ظل هذه الظروف تتبنى برنامجا للتقشف الاقتصادي، وهو ما يجعل من مسألة مواجهة البطالة المتصاعدة أمرا صعبا.
في عام 2011 كان الدولار الأمريكي يساوي نحو 1.6 ريال برازيلي، اليوم الدولار الأمريكي يساوي نحو أربعة ريالات تقريبا، حيث فقدت العملة البرازيلية جانبا كبيرا من قيمتها خلال هذه الفترة القصيرة، ووفقا لمعدلات الصرف لهذا العام فقد الريال نحو 60 في المائة من قيمته أمام الدولار، ومع تزايد الضغوط على العملة، أعلن محافظ البنك المركزي أن احتياطيات البرازيل من العملات الأجنبية تصل إلى 370 مليار دولار، وأنه مستعد لاستخدامها في التوقيت المناسب، وهو ما أعاد الهدوء للأسواق، وانخفض الدولار إلى أقل من أربعة ريالات للدولار. غير أن بعض المراقبين يتشككون في إمكان استمرار هذا التحسن، بل يتوقع البعض الآخر أن يصل الدولار إلى نحو 4.5 ريال. بالطبع يترتب على انخفاض الريال زيادة الضغوط التضخمية في الدولة، ومن المتوقع أن يكون معدل التضخم المحقق الذي يصل إلى نحو 10 في المائة أعلى من المعدلات المستهدفة للتضخم (4.5 في المائة).
كان من المفترض أن يترتب على هذا التراجع في قيمة العملة تحسن الحساب التجاري للبرازيل، لكن المشكلة أن أسواق المواد الأولية، أحد أهم صادرات البرازيل، يتراجع الطلب عليها.
هذا الشهر ظهرت أيضا المؤشرات التي تؤكد تراجع أداء القطاع الصناعي، حيث مازال الرقم القياسي لمديري الشراء في القطاع الصناعي الذي تصدره Markit أقل من 50 منذ شباط (فبراير) الماضي، وهو ما يعكس استمرار التراجع في القطاع الصناعي.
يتكون الرقم القياسي لمديري الشراء في القطاع الصناعي من خمسة مؤشرات هي الطلبات الجديدة، ومستويات المخزون، ومستويات الإنتاج، ومؤشرات تسليم الموردين، وأخيرا مناخ التوظف. عندما تتحسن هذه المؤشرات فإن الرقم القياسي لمديري الشراء يتجاوز حد الـ 50، والعكس عندما تتدهور هذه المؤشرات.
منذ كانون الثاني (يناير) الماضي والمؤشر يتراجع بشكل مستمر من نحو 51 إلى 47 في الشهر الماضي، ووفقا لـ Markit، فإن مؤشرات الطلبات الجديدة والإنتاج في تراجع، كما استمرت أعداد العاملين في التراجع، حيث يقع مديرو المؤسسات الصناعية تحت ضغط الرغبة في ضغط التكاليف نتيجة تراجع الطلب فيلجأون إلى التخلص من العمال، ما يخفض معدلات التوظف في القطاع الصناعي.
ما زاد الطين بلة هو إقدام مؤسسة ستاندارد آند بورز على تخفيض التصنيف الائتماني للدين البرازيلي إلى مستوى السندات غير المرغوب في الاستثمار فيها، أو ما يطلق عليه سندات الخردة Junk Bonds، وهو ما فتح الباب أمام عديد من السيناريوهات المزعجة بالنسبة لاستقرار نمو البرازيل. كان من أسباب التخفيض حدوث نوع من عدم الاتفاق حول مدى حاجة البرازيل إلى برنامج للتقشف، وهو ما أدى إلى القرار المفاجئ للوكالة. المشكلة التي تواجهها البرازيل هي أن هذه المؤسسة للتصنيف الائتماني هي الوحيدة التي صنفت الدين البرازيلي على هذا النحو في الوقت الحالي. بالطبع عندما تقوم مؤسسة أخرى بذلك فإن عمليات التخلص من الدين البرازيلي ستأخذ دفعة قوية. ذلك أن تراجع التصنيف يصحبه ارتفاع علاوة مخاطر الإقراض للدولة، الأمر الذي يجعل عملية اقتراضها مكلفة للغاية، سواء بالنسبة للقطاع العام أو للقطاع الخاص، وبهذا الشكل يكون قد تم إحكام القبضة على الاستثمار الخاص وارتفاع معدلات البطالة. وما يضاعف من تأثير أي خفض إضافي للتصنيف الائتماني لدين البرازيل هو أن نحو خمس هذا الدين مملوك للأجانب.
لقد كانت هناك تكهنات أخيرا أن تقوم مؤسسة موديز بخفض تصنيف الدين البرازيلي هي الأخرى، لكن موديز أعلنت أنها ليست متعجلة في قرارها بتخفيض تصنيف الدين.
في أعقاب قيام ستاندارد آند بورز بتخفيض التصنيف السيادي للسندات البرازيلية تم الإعلان عن برنامج للتقشف في صورة حزمة لخفض الميزانيات وزيادة الضرائب بنحو 65 مليار ريال. البرنامج المالي أدى إلى رفع قيمة العملة بنحو 1.5 في المائة أي إلى 3.8154 ريال للدولار، في الوقت الذي ارتفع فيه سوق الأسهم. ذلك أنه من المتوقع بعد القيام بتطبيق الحزمة أن يتحول العجز إلى فائض أولي بنحو 0.7 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، قبل دفع الفوائد على الديون، بدلا من عجز في الميزانية يحدث بعد تطبيق المستهدفات المالية للمقترح الثاني للميزانية لـ 2016.
غير أن هذا الخفض في الميزانيات يتطلب أيضا موافقة الكونجرس، وهو أمر ربما قد يصعب تمريره أخذا في الاعتبار العلاقة المضطربة بين الرئيسة والبرلمان. فقد حاولت الرئيسة تمرير حزمة الإصلاح المالي من خلال رفع الضرائب، لكن المقترح رفض في البرلمان. تجدر الإشارة إلى أن هذه هي المرة الثالثة التي تعيد فيها الرئيسة ووزير المالية مستهدفاتهما حول الميزانية لعام 2016.
وأخيرا فإن الجذور الحقيقية لمشكلات البرازيل الاقتصادية تكمن أساسا في واقعها السياسي، فهناك عدم قبول بشكل عام للرئيسة الحالية للبرازيل، وهو ما يقيد من قدرتها على الاستجابة للضغوط الاقتصادية على النحو المناسب. التوقعات تدور حاليا حول أن روسيف رئيسة البرازيل ربما لا تتمكن من إكمال فترتها الثانية في كرسي الرئاسة، التي تنتهي في 2018. بل لقد ألمح بعض المعلقين حتى إلى احتمال محاكمة رئيسة البرازيل على خلفية فضيحة بتروبراس، وهو الموضوع الذي سبق أن تناولته هنا في "الاقتصادية".

السبت، أكتوبر 03، 2015

بيئة الأعمال أهم مشاكل تنافسية السعودية


صدر أول أمس الأربعاء التقرير العالمي للتنافسية الذي يقوم المنتدى الاقتصادي العالمي 1979 في دافوس في سويسرا بإعداده بشكل سنوي، والذي يعتبر أهم تقارير قياس التنافسية لدول العالم، وهذا هو التقرير رقم 36 في سلسلة التقارير التي بدأ صدورها في 1979، ويقوم التقرير بترتيب دول العالم تنازليا في خريطة التنافسية العالمية، ويعتمد هذا الترتيب على نوعين من البيانات؛ الأول هو وجهات نظر رجال الأعمال والمديرين التنفيذيين في قطاع الأعمال في الدولة، التي يتم جمعها من خلال استبانة مكثفة للغاية، كذلك يتم تدعيم نتائج هذه الاستبانات من خلال تحليل البيانات الإحصائية المنشورة عن الدولة في المصادر المختلفة، المحلية والعالمية، وقد بلغ عدد الدول التي تمت تغطيتها في تقرير هذا العام 140 دولة، مقارنة بـ 144 دولة في العام السابق، وبذلك يعد أكثر التقارير كثافة في العالم.
أبرزت نتائج تقرير هذا العام أن سويسرا قد حافظت للسنة الخامسة على التوالي على المركز الأول كأكثر دول العالم تنافسية. كذلك حافظت كل من سنغافورة على المركز الثاني والولايات المتحدة على المركز الثالث، في الوقت الذي تقدمت فيه ألمانيا من المركز الخامس إلى المركز الرابع، وكذلك هولندا من المركز الثامن إلى المركز الخامس، بينما حافظت اليابان وهونج كونج على المركزين السادس والسابع على التوالي، وتراجع ترتيب فنلندا من المركز الرابع إلى المركز الثامن، وتحسن ترتيب السويد بمركز واحد من العاشر إلى التاسع، وأخيرا تراجعت المملكة المتحدة من المركز التاسع إلى المركز العاشر، وبهذا الترتيب تصبح هولندا الأفضل أداء بين مجموعة الدول العشر الأولى، بينما تعد فنلندا الأسوأ أداء.
إعلان
تتضمن عينة تقرير اللجنة الوطنية للتنافسية 12 دولة عربية فقط لهذا العام، بعد غياب كل من ليبيا واليمن، بسبب عدم توافر بيانات عنهما للظروف السياسية التي يمر بها البلدان، وتحتل دول مجلس التعاون المراكز الستة الأولى عربيا. وفي هذا العام احتلت قطر المركز الأول عربيا وكذلك المركز الثاني عشر عالميا، متقدمة بأربعة مراكز عن ترتيبها في العام الماضي (16)، بينما تراجعت الإمارات إلى المركز الثاني عربيا لهذا العام وكذلك إلى المركز السابع عشر عالميا، متراجعة بخمسة مراكز عن ترتيبها في العام الماضي (12).
أما بالنسبة للسعودية فقد كشف تقرير هذا العام عن استمرار تراجع ترتيب المملكة في مؤشر التنافسية العالمية للعام الرابع على التوالي، فقد حققت المملكة أفضل ترتيب عالمي لها في السنة 2011/ 2012، حيث احتلت المركز السابع عشر عالميا، ومنذ ذلك العام وترتيب المملكة يتراجع بشكل مستمر حتى احتلت المركز 25 عالميا في تقرير هذا العام، أما على الصعيد العربي فقد استمرت تحتل المركز الثالث للسنة الرابعة على التوالي.
استمرت الكويت في المركز الرابع عربيا، بينما تحسن ترتيبها العالمي بستة مراكز من المركز 40 إلى المركز 34. كذلك استمرت البحرين في المركز الخامس عربيا، وتحسن ترتيبها العالمي من المركز 44 إلى المركز 39، وأخيرا فقد استمرت عمان في المركز السادس عربيا، في الوقت الذي استمر فيه تراجع ترتيبها العالمي للسنة الثالثة على التوالي من المركز 46 إلى المركز 62، وبذلك تعتبر الدولة الأسوأ أداء بين دول مجلس التعاون.
يتكون المؤشر العالمي للتنافسية من ثلاثة مؤشرات فرعية في غاية الأهمية لتنافسية دول العالم وهي مؤشر المتطلبات الأساسية الذي يقيس كفاءة المؤسسات في الدولة والبنية التحتية والاقتصاد الكلي والصحة وكفاءة نظام التعليم الابتدائي، وقد تراجع الترتيب العالمي للمملكة في هذا المؤشر للسنة الثالثة على التوالي من المركز 13 في 2011 / 2012 إلى المركز 17 في 2015/ 2016، والمؤشر الفرعي الثاني هو مؤشر محفزات الكفاءة الذي يقيس أداء الدولة في كفاءة مستويات التعليم العالي والتدريب، وكفاءة أسواق المال والعمل والسلع، ومدى الاستعداد التكنولوجي، وتشير النتائج إلى أنه باستثناء 2014 / 2115، حيث حصلت المملكة على الترتيب 23 عالميا، فقد استمر ترتيب المملكة في التراجع من المركز 24 في 2011 /2012 إلى الترتيب 30 عالميا في 2015 /2016. أما المؤشر الأخير فهو مؤشر عوامل الابتكار والتطور، الذي يقيس مدى تطور عمليات مؤسسات الأعمال في الدولة والقدرة على الابتكار، فقد تحسن ترتيب المملكة لهذا العام من المركز 33 في العام الماضي إلى الترتيب 29 هذا العام، وكان ترتيب المملكة في هذا المؤشر الفرعي يتراجع منذ 2011 / 2012.
من جانب آخر تتكون هذه المؤشرات الفرعية من 12 ركنا، يحتوي مؤشر المتطلبات الأساسية على أربعة أركان، هي ركن كفاءة المؤسسات في الدولة، وقد حققت المملكة تحسنا طفيفا في ترتيبها العالمي من المركز 25 في العام الماضي إلى المركز 24 هذا العام، وكان ترتيب المملكة يتراجع بشكل متواصل منذ 2011/ 2012. الركن الثاني هو ركن كفاءة البنية التحتية في الدولة، وقد استمرت المملكة في الترتيب الذي حصلت عليه العام الماضي وهو 30 عالميا، والجدير بالذكر أيضا أن المملكة حتى العام الماضي كان ترتيبها يتراجع في هذا الركن منذ 2011/ 2012. أما الركن الثالث والخاص بالاقتصاد الكلي، فهو أنصع جوانب تنافسية المملكة، إذ يتحسن ترتيب المملكة عالميا بشكل مستمر منذ 2010/ 2011، حيث حصلت على الترتيب 22، ومنذ 2013/ 2014 والمملكة تحتل المركز الرابع عالميا، حيث ساعدت أسعار النفط المرتفعة في تحسين وضع المالية العامة ونسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي، وأخيرا فإنه بالنسبة لكفاءة الخدمات الصحية والتعليم الابتدائي فقد استمر ترتيب المملكة في التحسن بشكل مستمر منذ 2010 /2011، حيث احتلت المركز 74 عالميا، وهذا العام بلغ الترتيب العالمي للمملكة 49.
بالنسبة لأركان المؤشر الفرعي الثاني الخاص بمحفزات الكفاءة فقد تحسن ترتيب المملكة في ركن كفاءة التعليم العالي والتدريب إلى المركز 49، و يتقلب ترتيب المملكة في هذا الركن على نحو واضح، كذلك تحسن ترتيب المملكة في كفاءة أسواق السلع هذا العام، حيث حصلت على المركز 29 عالميا، وكان ترتيبها في هذا الركن يتراجع منذ 2011 / 2012، وكذلك الحال في كفاءة سوق العمل، حيث بلغ ترتيبها هذا العام في المركز 60 عالميا. أما بالنسبة لركن تنمية سوق المال، فقد استمر الترتيب في التراجع من المركز 16 في 2011 / 2012 إلى المركز 42 في 2015 / 2016، وبشكل عام يتقلب ترتيب المملكة في ركن الاستعداد التكنولوجي من عام إلى آخر، وقد حصلت هذا العام على الترتيب 42، وأخيرا بالنسبة لحجم السوق تحسن ترتيب المملكة منذ 2012 / 2013، حيث كان ترتيبها 24 إلى المركز 17 هذا العام. أما بالنسبة لأركان المؤشر الفرعي عوامل الابتكار، فقد حدث تحسن هامشي في ترتيب المملكة في ركن تطور الأعمال هذا العام إلى المركز 29، بعد أن كان ترتيبها يتراجع بصورة مستمرة منذ 2011 /2012. أما بالنسبة لركن الابتكار فإن ترتيب المملكة ظل يتراجع منذ 2011 / 2012، حيث حصلت على المركز 26 عالميا. تجدر الإشارة إلى أن تنافسية المملكة تتراجع لأن الجانب الأكبر من عناصر هذه الأركان التي تشمل 114 عنصرا تعد نقاط ضعف في تنافسية المملكة، والقليل منها الذي يعد نقاط قوة. من جانب آخر ينشر تقرير التنافسية العالمي ترتيب قطاع الأعمال لأهم المشكلات التي تواجهه في بيئة الأعمال في الدولة وهذا ما سأتناوله الأسبوع القادم ـــ إن شاء الله.

هل تربح «أوبك» الحرب ضد النفط الصخري؟


في الأسبوع الماضي تناولت في الجزء الأول من هذا الموضوع الاستراتيجية الجديدة لـ"أوبك" والأهداف التي تسعى إليها والنتائج التي حققتها حتى الآن، وطرحت تساؤلا أساسيا بعنوان: هل تنجح "أوبك" بالفعل في حربها ضد النفط الصخري على المدى الطويل؟ واليوم أتناول الإجابة عن هذا السؤال.
تنبغي الإشارة أولا إلى تواتر التحليلات هذه الأيام حول تراجع إنتاج النفط الصخري وآفاق هذا التراجع في المستقبل، على سبيل المثال في تقريرها عن سوق النفط العالمي لأيلول (سبتمبر) ذكرت هيئة الطاقة الدولية أن الإنتاج من خارج "أوبك" يتراجع، وأن الجانب الأكبر من تراجع العرض من النفط يعود إلى انخفاض إنتاج النفط الصخري، بل إن الهيئة تتوقع أنه في 2016 سينخفض إنتاج النفط الصخري بنحو 400 ألف برميل يوميا، بحيث يمثل نحو 80 في المائة من إجمالي التراجع في الإنتاج العالمي للنفط في هذا العام المقدر بنحو نصف مليون برميل يوميا.
في 11 أيلول (سبتمبر) الماضي التقطت بلومبرج هذه النتائج من التقرير ونشرت تحليلا بعنوان Saudis Are Winning the War on Shale ترجم أيضا إلى اللغة العربية وخلاصته باختصار أن الحرب على النفط الصخري قد نجحت استنادا إلى النتائج التي نشرتها هيئة الطاقة الدولية في تقريرها، على الرغم من الثمن الفادح الذي يدفع في هذه الحرب. واقع الحال أنني أختلف تماما مع هذه الخلاصة لأسباب عديدة سأحاول أن ألخصها في هذا المقال. من المؤكد أن النفط الصخري يواجه ظروفا صعبة هذه الأيام، خصوصا أن الولايات المتحدة لا تتخذ أية إجراءات لحماية صناعة النفط الصخري فيها، على غير العادة، مثلما تفعل مع سلع أخرى مثل السلع الزراعية، مثال ذلك أن تفرض قيود كمية على واردات النفط إلى الولايات المتحدة أو أية قيود تجارية أخرى لحماية الصناعة. ربما لأن الأسعار المنخفضة للنفط تخدم سياساتها ضد روسيا، فهل تبرز أهمية حماية صناعة النفط الصخري إلى السطح في وقت ما في المستقبل عندما تتراجع مستويات الإنتاج من النفط الصخري إلى مستويات حرجة تهدد استراتيجية الولايات المتحدة بتحقيق الاكتفاء الذاتي من النفط؟ سؤال لا يمكن الإجابة عنه في الوقت الحالي.
لكن لكي نجيب عن التساؤل الذي يطرحه هذا المقال بصورة علمية لا بد أن نجيب على ثلاثة أسئلة أساسية، الأول هو عندما ينخفض إنتاج النفط الصخري أين يذهب هذا النفط؟ وأين تذهب تسهيلات الإنتاج للنفط الصخري مع إغلاق مواقع الإنتاج؟ الإجابة ببساطة شديدة هي أن النفط سيظل في باطن الصخور منتظرا الإذن باستخراجه مرة أخرى، وبالتالي فعندما تنتهي "أوبك" من تنفيذ استراتيجيتها الحالية بإغراق الأسواق لخفض الأسعار وإخراج المنتجين الهامشيين من السوق، ستبدأ "أوبك" في تقليص الإنتاج ومن ثم تعاود الأسعار الارتفاع، وفي اليوم التالي سوف تبدأ الاستعدادات بإعادة افتتاح مراكز الإنتاج التي تم إغلاقها مجددا.
ليس من المنتظر إذن أن يبقى الوضع على ما هو عليه، وتتوقف قرارات متابعة الإنفاق لتطوير حقول النفط الصخري بانتهاء استراتيجية "أوبك"، أي أن تتوقف خطط إنتاج النفط الصخري للأبد. بالتأكيد من أغلقوا مواقع الإنتاج من منتجي النفط الصخري خسروا أرباحهم وظل النفط الصخري كما هو في باطن الصخور منتظرا عودتهم لاستخراجه مرة أخرى، ومن استمروا خسروا بيع النفط بأسعار منخفضة مشتركين مع "أوبك" في الخسارة ذاتها، وعلى ذلك فإن خروج منتجي النفط الصخري من مجال الصناعة هو خروج مؤقت، أو مجرد استراحة محارب، سرعان ما سيعود بمجرد أن تضع الحرب أوزارها وتتوقف "أوبك" عن إغراق السوق وترتفع الأسعار ليعود الإنتاج مرة أخرى مجديا من الناحية الاقتصادية فيعود الضجيج إلى المواقع مرة أخرى.
السؤال الثاني: ما أثر التقدم التقني على تكلفة استخراج النفط الصخري؟ معظم التقارير المتاحة اليوم تشير إلى أن الجانب الأكبر من حقول الإنتاج تحتاج إلى أسعار ما بين 40 إلى 60 دولارا؛ لكي تحقق التعادل مع تكلفة الإنتاج. ماذا يعني ذلك؟ إن ذلك يعني أنه على الرغم من تراجع إنتاج النفط الصخري، إلا أن الإنتاج لن يصل إلى الصفر، بل ستستمر تسهيلات الإنتاج طالما أن تكلفتها الحدية عند هذه المستويات من الأسعار، ومما لا شك فيه أن الضغوط السعرية على النفط الصخري تزيد من الحوافز نحو تطوير تقنيات تعزيز عمليات استخلاص النفط Enhanced Oil Recovery، التي تركز على رفع الإنتاجية بهدف تخفيض التكاليف، ما يمكنها من تحقيق التعادل عند مستويات أقل للأسعار.
بالطبع مع أي ارتفاع يحدث في الأسعار ترتفع نقطة التعادل وتتكثف تسهيلات الإنتاج بسبب ارتفاع مرونة العرض السعرية، وهو ما تشير إليها هيئة الطاقة الدولية أن منتجي النفط الصخري سيكونون أول من يستجيب إذا ما تحسنت ظروف السوق، أي بعودة الأسعار بالارتفاع مرة أخرى. باختصار فإن نجاح "أوبك" في وقف بعض تسهيلات إنتاج النفط الصخري هو نجاح مؤقت سرعان ما ستزول آثاره بمجرد ارتفاع الأسعار. إلا إذا كنا نتحدث عن عصر جديد من النفط الرخيص، حيث السعر السوقي أقل من التكلفة الحدية لإنتاج برميل النفط الصخري في معظم حقول إنتاج النفط الصخري، وهذا أمر غير متصور لأنه يعني ببساطة مخاطر مالية ضخمة لـ"أوبك" لا تستطيع أن تتحملها، ومن المؤكد أن هذه ليست أهدافا استراتيجية لـ "أوبك" الجديدة.
السؤال الثالث: ما المدى الزمني الذي يمكن أن تصمد فيه الدول المنتجة بأسعار نفط منخفضة؟ لقد أدت الأسعار المرتفعة للنفط خلال الـ 15 سنة الماضية إلى دخول دول "أوبك" مصيدة الإنفاق الجاري الضخم، فكانت ترفع سنويا إنفاقها الجاري بمعدلات مرتفعة استنادا إلى أن أسعار النفط المرتفعة أصبحت إحدى المسلمات الجديدة في السوق العالمية للنفط الخام. حيث أصبحت ميزانيات معظم المنتجين اليوم تتطلب أسعارا مرتفعة للنفط لكي تحقق التوازن، وبالتالي فإن تراجع أسعار النفط يعرض هذه الدول لعجوزات مالية ضخمة.
على سبيل المثال لقد جاء مشروع ميزانية المملكة لهذا العام يحمل عجزا ضخما على غير المتوقع، ووفقا لتقديرات صندوق النقد الدولي يتوقع أن يصل عجز ميزانية المملكة في 2015 إلى نحو 20 في المائة من ناتجها المحلي الإجمالي، وربما يكون أعلى قليلا في الكويت، وهكذا تحولت دول "أوبك" من دول تحقق فوائض إلى دول تعاني عجزا ماليا يعد من أعلى معدلات العجز إلى الناتج في العالم في الوقت الحالي، بما يحمله ذلك من مخاطر مرتبطة بحجم الدين العام، وكنت قد تناولت في مقال سابق في "الاقتصادية" مشكلة عودة شبح الديون مرة أخرى إلى المملكة، وحاليا يبدو أن الكويت تسير على الخط ذاته.
نعم انخفض إنتاج النفط الصخري، لكنه انخفاض محدود جدا بالنسبة للعرض العالمي من النفط الخام، في المقابل خسرت "أوبك" نفطها الذي باعته بأسعار منخفضة، وخسرت جانبا من احتياطياتها التي كونتها عبر السنوات التي ارتفعت فيها الأسعار، وخسرت تراجع النشاط الاقتصادي فيها، وخسرت انخفاض معدلات النمو الاقتصادي بها، وخسرت ارتفاع ديونها ومن ثم تكلفة خدمتها، وهي في رأيي خسارة غير مبررة. فإذا كان النفط الصخري حتما سيعود إلى الساحة مرة أخرى، فلماذا قامت الحرب ضد النفط الصخري إذن؟
باختصار ستنجح "أوبك" في حربها ضد النفط الصخري في حالة واحدة فقط، وهي أن تتبنى استراتيجيات تضمن استدامة أسعار النفط عند مستويات أقل من التكاليف الحدية لإنتاج حقول النفط الصخري في المتوسط على المدى الطويل، لكن ذلك سيؤدي حتما إلى دمار مالي لا تستطيع "أوبك" أن تتحمله على المدى الطويل. فـ "أوبك" حاليا لا تستطيع الاستمرار في الصمود عند هذه الأسعار المنخفضة لمدة طويلة، أخذا في الاعتبار المستويات الجديدة لإنفاقها العام، وليس قياسا على تجربتها في الماضي، وبالتالي فإن التفكير المنطقي يشير إلى أن "أوبك" ستجد نفسها في النهاية في الموقف الأضعف، ومن ثم ستسارع بتخفيض حجم الإنتاج والتخلي عما يسمى باستراتيجية حماية الحصص.

استراتيجية أوبك الجديدة .. ماذا تحقق؟


أوبك هي اتحاد للمنتجين، الذي يهدف في الأساس إلى الدفاع عن مصالح الدول الأعضاء في التكتل من خلال التدخل المستمر في السوق لضمان توازن السوق على النحو الذي يعظم عوائد المنتجين. لفترة طويلة من الزمن لعبت أوبك هذا الدور بصورة فعالة أحيانا وببعض الإخفاقات في أحيان أخرى. غير أن العام الماضي شهد تحولا واضحا في استراتيجيات أوبك التي توقفت على ما يبدو عن لعب دورها التقليدي كتكتل يوازن السوق ويحافظ على الأسعار في الوقت ذاته.
الاستراتيجية الجديدة لأوبك تتلخص ببساطة في إغراق السوق وخلق تخمة عرض متعمدة في السوق بهدف تحقيق هدفين؛ الأول هو الحفاظ على الحصص السوقية للدول الأعضاء من جانب وحصة المنظمة من السوق العالمي من جانب آخر، وليس الدفاع عن الأسعار كما هو مفترض. حجة أوبك في هذا الصدد تستند إلى بعض دروس الماضي عندما حاولت الدفاع عن الأسعار في الثمانينيات فكانت النتيجة فقدانها حصتها السوقية لصالح المنتجين الآخرين من خارج أوبك. استنادا إلى هذه الخبرة السابقة تقوم أوبك بإنتاج كميات أكبر من النفط لتبيعه بأسعار بخسة، وبالحسابات البسيطة أصبحت أوبك تبيع اليوم كميات أكبر (أي بحصة أعلى) ولكن بإيرادات أقل. في المقابل لم يقم أحد بعقد مقارنة علمية دقيقة بين الظروف التي سادت في الثمانينيات والأوضاع الحالية للسوق العالمي للنفط الخام، واحتمالات تكرار السيناريو ذاته حتى يمكن الحكم بدقة على مدى جدوى الاستراتيجية الحالية القائمة على الحفاظ على الحصص.
أما الهدف الثاني، حسب ما هو معلن، فهو الضغط على الأسعار لإخراج المنتجين الهامشيين من السوق، حيث تساعد الأسعار المرتفعة على تشجيعهم على إنتاج النفط من المصادر مرتفعة التكلفة بشكل تجاري، بصفة خاصة النفط الصخري، الذي يتزايد العرض منه بصورة واضحة لدرجة أنه قد يمكن الولايات المتحدة من تحقيق الاكتفاء الذاتي لبعض الوقت.
النتائج المباشرة لاستراتيجية أوبك الجديدة هي تزايد تخمة العرض في السوق على النحو الذي يعزز سيناريو حرب الأسعار بين الأوبك والمنتجين من خارج الأوبك، وكذلك بين المنتجين داخل أوبك. بالطبع إذا كان الهدف هو الحفاظ على الحصة السوقية أيا كان سعر السوق، فمن المتوقع أن يتهافت الجميع على زيادة الإنتاج بانتهاج سياسات الحرق السعري بتقديم الخصومات لضمان استمرار طلبات العملاء في مراكز الاستهلاك.
وفقا لتقديرات هيئة الطاقة الدولية فإن إنتاج الأوبك عند أقصى مستوياته، إذ تقدر هيئة الطاقة الدولية إنتاج المنظمة في آب (أغسطس) بنحو 31.5 م.ب/ي. وهو من أعلى مستويات الإنتاج للمنظمة من الناحية التاريخية، الأمر الذي يعني أن أوبك تحقق الهدف الأول بالحفاظ على الحصص.
غير أنه من جانب آخر فإن إنتاج الدول من خارج أوبك يتزايد أيضا، على سبيل المثال فإن إنتاج روسيا أيضا عند أقصى مستوياته، بل لم تزد استراتيجية أوبك الجديدة روسيا إلا تصميما على زيادة إنتاجها إلى حدوده القصوى، الذي يقدر اليوم بنحو 10.6 م.ب/ي الأمر الذي يجعلها أكبر منتج للنفط في العالم حاليا.
كذلك بلغ إنتاج الولايات المتحدة نحو 9.6 م.ب/ي، قبل أن يتراجع لاحقا، ومما يعقد الأوضاع أن هناك بعض الانفراجات التي سوف يترتب عليها مزيد من التخمة في العرض، فالتهافت على الحصص أيضا جر إيران إلى المعمعة فقد أعلنت أنها تخطط لإنتاج مليون برميل يوميا إنتاجا إضافيا يوميا، مع رفع الحظر الاقتصادي عليها لتسترد حصتها السوقية. ومما لا شك فيه أن أي انفراجة للأوضاع في ليبيا والعراق سوف تدفع هذه الدول إلى الإنتاج بطاقتها القصوى ما يصب مزيدا من النار على عملية حرق الأسعار التي تتم حاليا.
من جانب آخر فإن بيانات المخزون الأمريكي أخذت في الارتفاع بصورة واضحة أخيرا مستفيدة من النفط الرخيص، على سبيل المثال تشير بعض التقديرات إلى أن الولايات المتحدة قامت بتخزين نحو 100 مليون برميل إضافية خلال الأشهر الماضية، أي أننا أمام عملية تحويل للنفط من آباره في دول المنتجة إلى مخازنه في أمريكا استفادة بأسعاره المنخفضة.
الدافع إلى زيادة الإنتاج وإغراق السوق قد يختلف، على الأقل حسب ما هو معلن، على سبيل المثال بالنسبة لدول مثل روسيا وفنزويلا فهي في حاجة ماسة إلى الإيرادات، وبالتالي مع تراجع الأسعار تحتاج إلى ضخ كميات أكبر من النفط لتعويض النقص في الإيرادات، بينما تنتج أوبك عند أقصى طاقتها لأنها كما هو معلن في حاجة إلى الإبقاء على الحصص وحمايتها من أن تتحول إلى منتجين آخرين خارج أوبك.
المشكلة الأساسية تتمثل في أن الاستراتيجية الجديدة لأوبك تطبق في التوقيت الخطأ، أي في الوقت الذي يتراجع فيه الطلب على النفط نتيجة الأوضاع الاقتصادية غير المواتية في مراكز الاستهلاك الرئيسة في العالم، مثل الصين وأوروبا، وهو ما يحدث تخمة عرض في السوق وينتج بالتالي أسوأ سيناريوهات للأسعار، وهو ما حدث بالفعل.
فقد دخلت صناعة النفط الخام مرحلة جديدة من الأسعار المنخفضة، التي تقل منذ فترة عن 50 دولارا. بل إن الحديث قد بدأ عن أسعار منخفضة جدا للنفط في العام القادم، على سبيل المثال كان بنك جولدمان ساكس قد توقع أن تكون أسعار برنت في 2016 نحو 57 دولارا، غير أنه في ظل الأوضاع السائدة في السوق حاليا خفض توقعاته إلى 45 دولارا. بل إن البنك يتوقع أنه باستمرار سياسات أوبك الحالية فإن سعر النفط من الممكن أن ينخفض إلى 20 دولارا للبرميل.
شخصيا لا أتوقع هبوط سعر النفط إلى هذه المستويات المتدنية، لكن المستويات الحالية للأسعار تشكل تهديدا خطيرا لدول أوبك، بما فيها الدول التي كونت احتياطيات ضخمة في السنوات السابقة. فلم تعد مستويات الإنفاق العام، خصوصا الجاري، تتماشى مع الأسعار المنخفضة للنفط، فقد توسعت هذه الدول في الماضي في الإنفاق استنادا إلى ارتفاع الإيرادات النفطية الناتجة عن ارتفاع الأسعار، ونتيجة لذلك أصبحت ميزانيات معظم المنتجين اليوم تتطلب أسعارا مرتفعة للنفط، فإن لم تتحقق هذه الأسعار على المدى المتوسط فمن المؤكد أن احتياطيات منتجي أوبك الكبار لا بد أن تتآكل في غضون فترة زمنية قصيرة، أو في المقابل يرتفع دينها العام إلى الناتج إلى مستويات عالية.
من المؤكد أنه في مقابل هذه الارتفاعات في العرض، فإن الضغوط السعرية تؤدي إلى إيذاء المنتجين الهامشيين. فوفقا لبيانات هيئة الطاقة الدولية فقد تراجع إنتاج الولايات المتحدة في 2015 من 9.61 م.ب/ي إلى 9.13 م.ب/ي. من جانب آخر تتوقع الهيئة أن ينخفض إنتاج النفط الصخري في 2016 بنحو 400 ألف برميل يوميا، غير أنه في أفضل الأحوال يتوقع انخفاض الإنتاج من خارج أوبك بما لا يزيد على 900 ألف برميل يوميا في 2016، وهو ما يعني أن حسابات أوبك في إخراج المنتجين الهامشيين من السوق ربما تكون خطأ.
لكن إلى أي مدى ستصمد أوبك؟ الواقع أن البيانات المتاحة حاليا تشير إلى أنه حتى أكبر دولها من حيث الاحتياطيات تواجه حاليا عجزا واضحا في ميزانياتها العامة، وكنسبة من الناتج يعد هذا العجز من أعلى المستويات عالميا، ولا شك أن تمويل هذه العجوزات سوف يترتب عليه إما استنزاف الاحتياطيات سريعا، أو ارتفاع نسب الدين إلى ناتجها المحلي بمعدلات سريعة أيضا، ومع ذلك فإن أوبك ما زالت مستمرة في زيادة الإنتاج حتى في ظل تراجع الأسعار، وهو ما يعني أن أوبك مستعدة لتحمل الآثار المالية للتراجع السعري، لكن السؤال الأهم هو إلى متى؟ وهل من الممكن أن يتغير هيكل السوق على الأجل المتوسط أو الطويل نتيجة لاستراتيجيات أوبك. وأخيرا هل تنجح أوبك بالفعل في حربها ضد النفط الصخري على المدى الطويل، لا القصير؟ هذا ما سنتناوله في الأسبوع القادم إن شاء الله.

أكبر احتياطيات نفطية في العالم مصحوبة بفشل اقتصادي


فنزويلا أحد عمالقة مصادر الطاقة في العالم، فلديها أكبر احتياطي مؤكد من النفط يقدر بنحو 298 مليار برميل، ومع ذلك فهي لا تنتج أكثر من 2.5 مليون برميل يوميا، وبينما تحتل السعودية المركز الثاني خلفها في حجم الاحتياطيات المؤكدة، إلا أن الأخيرة تنتج نحو أربعة أضعاف ما تنتجه فنزويلا، وبذلك تتمتع بثقل كبير في السوق العالمي للنفط الخام. فنزويلا أيضا لديها كميات كبيرة من الغاز، حيث تحتل المركز الثامن عالميا في احتياطيات الغاز، ورغم هذه الإمكانات الهائلة نجد أن فنزويلا تواجه حالة الفشل الاقتصادي.
صحيح أن الموارد النفطية في العالم لا يتم استغلالها على النحو المناسب في معظم الدول المنتجة، إلا أن الوضع في فنزويلا يعد استثنائيا. فقد كان من المفترض في دولة تقبع فوق أكبر احتياطي للنفط في العالم، أن نرى فيها آثار الثروة النفطية واضحة للعيان كما نراها في دول الخليج، حيث متوسط الدخل المرتفع ومستويات الرفاهية المرتفعة والبنية التحتية الجيدة التي هي جميعا حصيلة الإيرادات النفطية الكبيرة والعدد القليل نسبيا من السكان. لكننا لا نرى أيا من هذه المظاهر في فنزويلا. على العكس ما نراه هو سكان تسوء مستويات معيشتهم يوما بعد آخر، وترتفع مستويات الفقر فيهم على نحو واضح، بالشكل الذي يعكس أسوأ حالة استغلال للموارد النفطية في العالم.
نفط فنزويلا وإنتاجه وإيراداته هي بالفعل ضحية حكامها الاشتراكيين الثوريين، حيث غالبا ما يصبح المجد الشخصي هو الهدف، ولتذهب موارد الاقتصاد وكفاءته إلى الجحيم. فقد استخدم شافيز إيرادات النفط لخدمة حركته اليسارية التي أعلنت معارضتها الصريحة للولايات المتحدة وسياساتها، وقد أدى كرم شافيز المبالغ فيه في الاهتمام بالفقراء إلى زيادة شعبيته، خصوصا أن الدولة في عهده لم تتعرض لمشكلات اقتصادية حادة على النحو الذي يزعزع ثقة الناس به، لذلك ظل محبوب الجماهير والمدافع الأول عن الفقراء، على الرغم من أن هؤلاء الفقراء لم يدركوا أن الرجل كان يهدر مستقبلهم ومواردهم بسياساته الخرقاء.
أعتقد أن شافيز كان محبوبا لأنه كان محظوظا، فعندما انتخب في نهاية التسعينيات كانت أسعار النفط تستعد لدخول حقبة جديدة من النفط المرتفع الثمن، وبمساعدة الإيرادات النفطية تمكن شافيز من تعزيز نفوذه السياسي بدلا من أن يحاول أن يرسي أسس اقتصاد كفء وفعال وتنافسي يقوم على توجيه الإيرادات النفطية نحو تعزيز قدرة الاقتصاد على تنويع مصادر دخله وذلك للحد من الاعتماد المفرط للناس على الحكومة. فقد اتبع شافيز سياسات اشتراكية تهدف إلى تحسين مستوى معيشة الفقراء، كما لجأ إلى سياسات التأميم لتسهيلات الإنتاج للكثير من السلع لتحقيق أهداف الحكومة في الحصول على دعم الناس وحبهم. غير أن تجربة العالم تثبت أن المشروع العام الذي لا يسير على أسس اقتصادية سرعان ما تتدهور كفاءته وتتحول مثل هذه التسهيلات الإنتاجية إلى عبء كبير على الدولة بدلا من أن تكون مصدرا لتخفيف الضغوط في الأسواق.
الروشتة التي غالبا ما تستعمل من جانب القادة أمثال شافيز هي الدعم الكبير وتثبيت معدلات الصرف، أو فرض أكثر من معدل للصرف للسيطرة على تقلبات العملة في السوق الرسمية.
في 2003 فرضت فنزويلا قيودا على معدلات الصرف الأجنبي، بهدف الحد من خروج رؤوس الأموال للخارج، وللسيطرة على أسعار السلع الأساسية مثل الغذاء.
غير أن الوضع اختلف مع خليفة شافيز نيكولاس مادورو، حيث يميل الاقتصاد الآن إلى أن يفلت خارج نطاق السيطرة، فمع تراجع صادرات النفط وأسعاره ارتفع العجز المالي لفنزويلا حتى بلغ نحو 15 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. من ناحية أخرى استمر إنفاق حكومة فنزويلا يفوق إيراداتها العامة، لذلك ترتفع نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي.
عندما انخفضت العائدات النفطية وجدت فنزويلا نفسها بين خيارين أحلاهما مر، الأول هو طباعة النقود، وتحمل معدل مرتفع للتضخم، والثاني وهو الاقتراض من الخارج وتحمل دين سيادي مرتفع، وقد سلكت فنزويلا السبيلين، وهي اليوم تجني ثمارهما الخبيثة، فالتضخم في أعلى مستوياته عالميا، ومخاطر التوقف عن خدمة الدين أصبحت مرتفعة للغاية في الوقت الحالي. حيث أدت السياسات الاشتراكية إلى حدوث اختناقات في العرض ومن ثم المزيد من التضخم وضعف العملة وهدر موارد الدولة من النفط.
اختناقات العرض تعني أن الحصول على السلع التي يحتاج إليها الناس يمثل مشكلة كبيرة بالنسبة لهم حيث يقضون وقتا طويلا في الطوابير، أو في البحث عن منافذ تبيع احتياجاتهم بالأسعار الرسمية بدلا من السوق السوداء حيث الأسعار مضاعفة. أكثر من ذلك فإن قائمة السلع التي تواجه الأسواق فيها نقصا شديدا طويلة جدا مثل السكر، الدقيق، الدواجن، زيت الطعام، وحتى أوراق التواليت، وقطع غيار السيارات والآلات، والأدوية... إلخ. في ضوء هذه الظروف فإن الناس تقف طوابير أمام المحال للحصول على أكبر قدر من السلع لتخزينها تجنبا للتعرض لخسائر نتيجة الارتفاع السريع في الأسعار، لذلك تخلو المحال من البضائع مقارنة بالطوابير الطويلة للحصول على السلع.
ردة الفعل على مثل هذه التشوهات كانت أسوأ من تبعاتها، فقد أصدر الرئيس عدة قوانين للسيطرة على الأسواق ولتوجيه الاقتصاد، منها على سبيل المثال وضع حد أقصى على الأرباح، وتحديد أسعار السلع الاستهلاكية، بالطبع هذه الإجراءات قد تحدث تأثيرا قصير الأجل، غير أنها دائما ما تفشل في الأجل الطويل. ذلك أن الأثر المباشر لمثل هذه الإجراءات هو المزيد من الاختناقات في الأسواق، وبالتالي المزيد من التضخم.من الطبيعي أن نجد الحكومة الفنزويلية تعلق فشلها على ما يسمى بالحرب الاقتصادية على فنزويلا التي تقودها المخابرات المركزية الأمريكية "سي آي إيه" بالاتفاق مع عملائها في الداخل، وغيرها من الادعاءات التي تنفي تهم الفشل عن الحكومة. لكن ما تغفل عنه الحكومات هي أن هذا كله هو نتاج سياساتها.
على سبيل المثال تتبع فنزويلا نظام معدل الصرف ثلاثي الأبعاد، يعمل جنبا إلى جنب مع سوق سوداء نشطة للعملات الأجنبية. ويفرض النظام الرسمي معدلات صرف منخفضة لعمليات استيراد السلع الضرورية، وبالطبع هذا السعر المنخفض للعملات الأجنبية هدفه الأساسي هو توفير الواردات من الغذاء والسلع الأساسية بأسعار منخفضة بالعملة المحلية للمستهلكين. غير أن الفارق الكبير بين السعر الرسمي للعملة وسعر السوق السوداء يمثل فرصة للفساد والتحكم من جانب المستوردين وذلك من خلال لجوئهم إلى المغالاة في قيمة احتياجاتهم من النقد الأجنبي والحصول عليها من الموارد الرسمية لدى البنك المركزي، وعدم الاستيراد، ثم التصرف فيها في السوق السوداء.
مشكلة السوق السوداء أنها تؤدي إلى التشوه الاقتصادي وتخلق اقتصادا مزدوجا، حيث يتمتع من يحصلون على إيرادات بالعملة الأجنبية بمركز أفضل، نظرا للفارق الهائل بين الأسعار الرسمية والأسعار في السوق السوداء للعملة. كما أن السوق السوداء توجد اختناقات في الأسواق وترفع الأسعار، وبالتالي فإنه على الرغم من قيام الدولة بزيادة الأجور، إلا أن ذلك لا يؤدي إلى تحسين مستويات المعيشة مع تزايد الأسعار.
المشكلة أيضا أنه في ظل السياسات الحكومية الحالية فإن أي عمليات للتحرير الاقتصادي ومعالجة آثار السياسات الحالية، ستكون بمثابة كارثة سياسية للتيار اليساري الحالي، لأنها بلا شك ستدفع بالناس إلى الشوارع محتجين على تدهور أوضاعهم نتيجة سياسات الإصلاح القاسية. الخلاصة هي أنه قد تلعب السياسات الاشتراكية في دغدغة الناس لبعض الوقت، ولكنها لا يمكن أن تستمر في ذلك لكل الوقت، وهذا ما يحدث في فنزويلا حاليا.

خرافة الشيميتا .. هل هناك كارثة عالمية في سبتمبر 2015؟

تنتشر في العالم نبوءة مفادها أن هناك كارثة سوف تحدث في هذا الشهر في الولايات المتحدة. صاحب النبوءة شخص اسمه جيف برويك، الذي حاول الترويج لها من خلال فيلم على موقع يوتيوب حصد أكثر من مليون و300 ألف مشاهدة حتى كتابة هذا المقال. مقدمة الفيلم تحاول إقناع المشاهد بأن هناك حدثا له مضامين عميقة في سبتمبر 2015، وأنه نتاج سر غامض عمره 3000 سنة يسمى الشيميتا، اهتدى إليه برويك من خلال قراءته قصة The Harbinger التي نشرت في 2012 لمؤلف يهودي اسمه جوناثان كان، الذي يحاول في القصة المقارنة بين الانهيار القادم للولايات المتحدة، بدءا من هجمات الحادي عشر من سبتمبر، ودمار مملكة إسرائيل.

الشيميتا هي العام السابع من الدورة الزراعية السباعية المذكورة في التوراة، وكلمة شيميتا وفقا لرواية جوناثان كانت تعني الراحة أو الغفران، التي تستخدم كما سنرى في مواقف مغايرة تماما للمعنى المطلق لها، ويفترض أن كل سبع دورات للشيميتا يحدث اليوبيل، الذي سيكون في هذا الشهر الذي نحن فيه.
إعلان
يبدأ برويك بالتدليل على صحة الشيميتا من بداية القرن العشرين، حيث يقفز إلى سنة 1917 كسنة شيميتا بأنها السنة التي دخلت فيها أمريكا الحرب، مع أن الحرب بدأت من 1914 وطوال سنوات الحرب التي سبقت 1917 حدثت أهوال، يبدو أن الشيميتا تجاوزتها. ثم يقفز إلى سنة 1931-1930 باعتبارها عام شيميتا ليظهر لنا أن الأسهم الأمريكية تراجعت بشدة خلال هذه الشيميتا، مع أن الأسهم كانت تتراجع على النحو نفسه قبلها وبعدها، وهو أمر كان سيحدث سواء كنا في شيميتا أم لم نكن، فقد كانت أمريكا تعاني كسادا عظيما.
لكن ما أثار انتباهي أنه لم يتناول ما حدث في سنة الشيميتا بين 1931-1917، فلم يكن هناك دليل على صحة الشيميتا خلال هذه الفترة. ثم يلوي عنق التاريخ بأن شيميتا 1938 شهدت بداية الحرب العالمية الثانية بعدوان الألمان على النمسا، مع أن التاريخ الرسمي للحرب كان في 1939. أما شيميتا 1945 فقد شهدت خروج دول العالم مدمرة من الحرب، مع أن تدميرها الحقيقي كان أثناء الحرب وليس بعدها، ولا أدري لماذا نسيت الشيميتا أن تشهد ضرب اليابان بالقنبلة النووية، باعتباره أخطر حوادث الدمار في العالم.
لكن برويك يقفز من 1945 إلى 1973، محاولا تناسي أثر سنوات الشيميتا خلال هذه الفترة (عدا شيميتا 1967 كما سيرد أدناه)، فمثلا في 1948 حدثت حرب فلسطين التي انتهت بقيام دولة إسرائيل، التي كان من المفترض أن تكون أكبر يوبيل للشيميتا اليهودية، ومع ذلك لم تحدث في سنة شيميتا. سنة 50 شهدت الحرب الكورية، وفي 56 حدثت حرب السويس التي أنهت النفوذ البريطاني في العالم، كما تعرضت الولايات المتحدة خلال هذه الفترة لخمس حالات من الكساد لم تقع في أعوام شيميتا، بل إن هناك قائمة طويلة جدا من الأحداث في العالم في شتى المجالات، لماذا لم يكن هناك أثر للشيميتا خلال هذه الأعوام الطويلة؟ فهل قررت الشيميتا أن تأخذ هدنة خلالها؟
يقول برويك في شيميتا 1973 انهار النظام النقدي العالمي القائم على اتفاقية بريتون وودز، مع أن الانهيار الحقيقي حدث في 1971 عندما أعلن نيكسون وقف صرف الدولار بالذهب، ومع ذلك فإن الشيميتا تخطت صعود النفط وكساد السبعينيات وتضخمه الركودي، لتشهد شيميتا 1980 نهاية صعود الذهب، ولكن كان هذا الحدث كارثة؟ أم أنه لي لعنق الأحداث كي يرتبط شيء ما بالشيميتا.
شيميتا 1987 شهدت يوم الثلاثاء الأسود في سوق نيويورك وشيميتا 1994 شهدت تراجع أسعار السندات لكن كساد 1990 أهملته الشيميتا. في شيميتا 2001 حدثت أحداث الحادي عشر من سبتمبر التي اتخذ منها جوناثان كان أساسا لروايته عن انهيار أمريكا، ويوم انتهاء عام شيميتا في 2008 لم يدق جرس سوق الأوراق المالية، ولا أدري ما الكارثة التي يمكن أن تحدث إن لم يدق الجرس بسبب عطل ما، فقد تابع السوق معاملاته مباشرة بعد ذلك.
أما لي العنق الأكبر فهو الحديث عما يحدث في أعوام اليوبيل، أي كل 49 سنة (سبع شيميتات)، ومنها اليوبيل المقبل في 2015، ووفقا للديانة اليهودية فإنه في عام اليوبيل يعيد الله لليهود جزء من الأرض المسلوبة منهم، وفي يوبيل 1967 هزم اليهود العرب وسيطروا على القدس، أما في اليوبيل الذي سبقه في 1918 فقد أعاد الله الأرض لليهود باستعمار الإنجليز للقدس، ولكن لماذا لم يقع قيام دولة إسرائيل 1948 في يوبيل شيميتا، وهو أهم حدث في تاريخ اليهود في العصر الحديث؟ ثم ماذا أعاد الله لليهود في اليوبيل الأسبق في 1869، أو اليوبيل الذي قبله في 1820، بل ماذا سيعيد الله لليهود من الأرض التي سلبت منهم في يوبيل 2015.
يستعرض برويك مهاراته في التنبؤ مشيرا إلى أنه تنبأ في عام 2000 بانهيار الدولار، وأن هذه النبوءة تحققت مدللا على ذلك بجبال الديون التي تحملها الولايات المتحدة، غير أن ما يصفع برويك على وجهه هو حقيقة أن الدولار اليوم هو أقوى عملات العالم بلا منازع، وأن المخاوف من أثر الديون في الاقتصاد الأمريكي آخذة في التراجع، وأن الاقتصاد الأمريكي هو الاقتصاد شبه الوحيد الذي يحقق نموا بخطى ثابتة، مقارنة بالاقتصادات العملاقة الأخرى في العالم مثل الاقتصاد الأوروبي أو الصيني أو الياباني، أو حتى باقي الدول الناشئة مثل مجموعة بريكس.
لخلفيته الضحلة يعيب برويك على الاحتياطي الفيدرالي بأن كل ما فعله في مواجهة أزمة 2008 هو طباعة المزيد من النقود، ولأنه لا يفقه شيئا في سياسات الاستقرار الاقتصادي لم يدرك أن علاج الأزمة العميقة كان في طباعة النقود للحفاظ على معدلات الفائدة منخفضة لتحفيز نمو الطلب الكلي والخروج من الأزمة نهائيا، وهو ما حدث بالفعل، حيث تستعد أمريكا اليوم لسحب تريليونات الدولارات التي أصدرها الاحتياطي الفيدرالي حتى ترفع معدلات الفائدة مرة أخرى.
يدلل برويك على صحة وجهة نظره بأن عمليات التيسير الكمي أدت إلى تحول الكثير من الدول عن الدولار، ومنها الصين التي أنشأت نظام المدفوعات الخاص بها، وأن هناك تحولا عالميا عن الدولار، وهذا ادعاء غير مدعم بالإحصاءات التي تشير إلى أن الطلب على الدولار يتزايد. أما نبوءة أن التحول عن الدولار سوف يصل أقصاه في 15 سبتمبر 2015، فهي نبوءة تأتي في التوقيت الخطأ، فلم يبق على هذا التاريخ سوى أسبوعين والدولار يحلق عاليا في كل أسواق العملات في العالم. أما باقي الدلائل التي يسوقها للبرهان على صحة النبوءة مثل اجتماع الأمم المتحدة، وحضور البابا الاجتماع وتحركات الجيش الأمريكي ... إلخ، فمثيرة للشفقة بالفعل.
مع الأسف الشديد ما يحاول برويك أن يقنعنا به عن صحة خرافة الشيميتا هو مجرد سرد دلائل انتقائية يمكن أن تحدث لأية توليفة من السنوات، حيث يستطيع الفرد أن يحصر كوارث أكثر من هذه لو تتبعنا شيميتا طولها ثماني سنوات أو ست سنوات، ذلك أن هذا التوافق الزمني مع الشيميتا قائم أساسا على الصدفة لا أكثر ولا أقل.
لكن الأفّاق يتدارك الأمر قائلا في نهاية الفيلم "إذا كنت أنا مخطئا تماما، وإذا لم يحدث شيء في سبتمبر 2015، فإن ذلك سوف يكون شيئا عظيما"، لكنه يرى مع ذلك أن الاستعداد لهذا اليوم لن يكلف الشخص شيئا، أما الروشتة التي ينصح بها فهي شراء الذهب، وترك الدولار، وتخزين الطعام، وحمل السلاح، وإن أمكن مغادرة الولايات المتحدة كليا، هل قرأتم نصائح أكثر سذاجة من هذه؟ والآن لماذا يطلق هذا الأفّاق هذه التحذيرات؟ الإجابة نجدها جاهزة في نهاية الفيلم وهي زيارة موقعه بعنوان كيف تتجنب الشيميتا؟ وكي تعرف الإجابة عليك دفع اشتراك قدره نحو 40 دولارا، أي بالعملة التي يتوقع انهيارها ويدعو الناس إلى تركها.
أتصور أن الأسباب التي دفعت هذا البونزي إلى تصوير الفيلم وضحت الآن، وأنه لا كارثة في الأفق في سبتمبر 2015 كما يشاع حاليا، وأن الشيميتا هي مجرد خرافة، مهما توافقت معها بعض الأحداث بالمصادفة البحتة.

الصين فوق سطح ساخن

شهد العقد الأخير تطورا ملحوظا في هيكل مراكز الثقل الاقتصادي في العالم بتحول جانب مهم من القوة الاقتصادية في العالم نحو الشرق، حيث احتلت الصين المركز الثاني كأكبر اقتصاد في العالم، وعندما انتشرت الأزمة الاقتصادية العالمية تعددت مداخل التعامل مع الأزمة بين أقطاب العالم، وهو ما ترتب عليه تحقيق نتائج متباينة في دفع النشاط الاقتصادي بعيدا عن حالة الكساد الكبير الذي ضرب العالم.

مركز صناعة الأزمات الاقتصادية الكبرى في العالم، وهي الولايات المتحدة، اتبعت سياسات متسقة منذ البداية، بعضها في الجانب المالي، والبعض الآخر في الجانب النقدي، وابتكرت ما ابتكرته من وسائل غير تقليدية للتعامل مع الأزمة، وظلت جهودها في مكافحتها تتسم بالثبات والاستدامة، حتى تمكنت بالفعل من تحسين أوضاعها الاقتصادية على نحو واضح، وعلى ما يبدو أنها فقط تتحين الوقت المناسب لإيقاف ما تتبعه من استراتيجيات لإنهاء حالة التوسع الاقتصادي المصطنع، والدخول في حالة دفع النمو الذاتي لاقتصادها الكبير.
أوروبا من جانب آخر تشكل كيانا غير منتظم وغير متسق في سياساته وخصائصه، ونادرا ما اتبعت سياسة موحدة في التعامل مع مشكلات القارة، بصفة خاصة منطقة اليورو، حيث تتعدد بؤر القلق على نحو واضح اليوم، والتي سيظل بعضها يطفو على السطح من وقت لآخر مهما حاولت أن تعالج مواطن الخلل فيها مثل الحالة اليونانية.
على الجانب الآخر الصين تحصد اليوم ثمار النمو المنفلت، والاستثمارات الضخمة غير الكفؤة أو غير المجدية، وبطء القرار في تحويل استراتيجيات النمو التي بنت عليها اقتصادها الضخم لعقود، ومن الواضح أن الصين ستضع العالم هي الأخرى على سطح ساخن في المستقبل. فلقد أصبح حجم الاقتصاد الصيني أكبر من أن يهمل العالم ما يحدث فيه من تطورات إيجابية أو سلبية، ومثلما هو الحال بالنسبة للولايات المتحدة، تلعب مؤشرات الاقتصاد الصيني دورا مهما في تحديد اتجاه التوقعات حول النمو الاقتصادي في العالم.
لم يمض وقت طويل على قرار الحكومة المفاجئ بتخفيض قيمة الرينمنبي الصيني في محاولة لدفع النمو الاقتصادي المتراجع، حتى انتقلت شرارته إلى سوق الأوراق المالية في شنغهاي، فقد تسبب تزايد القلق حول أوضاع النمو في موجة بيع كبيرة أدت إلى تراجع مؤشر الأسهم بنسبة 8.56 في المائة يوم الإثنين الماضي، وقد تراجع نحو ألفي سهم بنسبة 10 في المائة أي الحد الأقصى المفروض حول تراجع سعر السهم الواحد في السوق، وهو الأمر الذي تسبب في موجة ذعر حول الوضع الاقتصادي للصين، تبعته موجة تراجع في كل أسواق العالم، لدرجة أنه أطلق على هذا اليوم "يوم الإثنين الأسود".
استجابة لانهيار البورصة في الصين حدثت أكبر موجة تراجعات في أوروبا منذ الأزمة المالية العالمية، كما تراجعت مؤشرات الأسهم الأمريكية واليابانية والآسيوية، وباقي الدول النامية في العالم. باختصار لم يسلم سوق للأوراق المالية من آثار التراجع. مع الأسف استمرت أسعار الأسهم في التراجع في اليوم الثاني عندما تراجعت الأسهم الصينية بنسبة 7.6 في المائة.
لم يقتصر الأثر على أسواق الأسهم بل امتد أيضا إلى سوق السندات الأمريكية والألمانية والتي غالبا ما ينظر إليها على أنها الملاذ الآمن في العالم. كما امتد الأثر للسلع التجارية الرئيسة، بصفة خاصة النفط الذي تراجعت أسعاره بصورة واضحة، حيث فقد برميل برنت نحو 4 في المائة من قيمته، وأصبح اليوم تحت سعر 45 دولارا، بينما انخفض سعر الخام الأمريكي لأقل من 40 دولارا للبرميل، وأصبح من المؤكد أن المالية العامة لدول الخليج ستشهد عجزا قياسيا في هذا العام.
كان من المفترض أن يرتفع سعر الذهب في ظل هذه الأزمة، باعتبار أن الذهب هو معدن الأزمات، غير أن الذهب قد انخفض على عكس ما هو متوقع في ظروف مثل هذه، وقبل هذه الأزمة بأيام كان الذهب قد استرد بعض خسائره خلال أسبوع حيث بلغ سعر الأوقية 1160 دولارا تقريبا. غير أن للصين والذهب علاقة مختلفة منذ عدة سنوات، ذلك أن الصين هي أكبر المستهلكين للذهب، والبنك المركزي من البنوك المركزية القليلة في العالم التي تضيف الذهب إلى احتياطياتها بشكل سنوي، وبالتالي فإن إشارات تراجع الاقتصاد الصيني تعني أساسا تراجع الطلب على الذهب.
كرد فعل لما حدث في السوق أعلن بنك الصين المركزي أن النمو الاقتصادي في الصين ما زال يواجه ضغوطا نحو التراجع، وأن مهمة تثبيت النمو في الصين وإجراء تعديلات مؤسساتية هيكلية واقتراح السبل الملائمة للإصلاح الاقتصادي، لتحسين مستويات معيشة الناس ما زالت تواجه صعوبات كبيرة، وأن الصين تبحث حاليا عن استخدام أدوات أكثر مرونة للسياسة النقدية بهدف إيجاد مناخ مناسب لعمليات إعادة الهيكلة التي تقوم بها الصين حاليا، وعليه فقد قام بنك الصين المركزي بخفض معدل الفائدة الأساسي للإقراض والاقتراض بـ 0.25 في المائة، كما خفض معدل الاحتياطيات المطلوبة من المصارف التجارية بـ 0.5 في المائة إلى 18 في المائة، وكذلك الأمر بالنسبة للمصارف الزراعية، كما أزال معظم الأسقف على ودائع المصارف، والتي هدفت إلى ضخ المزيد من السيولة في المصارف بهدف تحفيزها على الإقراض.
لم تكن هذه المرة هي الأولى التي يتخذ فيها البنك المركزي هذه الإجراءات، فهذه هي المرة الخامسة التي يتم فيها خفض معدلات الفائدة، خلال سنة تقريبا، كما أن هذه هي المرة الثالثة التي يتم فيها خفض معدلات الاحتياطي القانوني في المصارف في 2015، ومع ذلك لم يستجب الاقتصاد، وهو ما يعني أن الصين تحتاج إلى أكثر من مجرد استخدام للأدوات التقليدية للسياسة النقدية بقدر ما تحتاج إلى تحرير قطاعها المالي بصفة أساسية.
ولكن هل ستساعد هذه الإجراءات على استعادة الثقة بالسوق الصينية في الوقت الذي يستمر فيه ضعف الاقتصاد؟ الإجابة هي لا، فالاضطرابات الاقتصادية التي تواجهها الصين ستستمر، وستؤثر بالتبعية في النمو الاقتصادي في كثير من دول العالم، باعتبار أن الصين أحد المستوردين الكبار للسلع التجارية في العالم. أكثر من ذلك فإن المصارف ببساطة لن تقرض طالما استمرت مخاطر عدم الاستقرار الاقتصادي مرتفعة، وستظل مخاطر توقف العملاء عن خدمة ديونهم مرتفعة.
ما سيحدث نتيجة هذه الإجراءات هو ضخ مزيد من السيولة ليزيد الطلب على الأسهم وترتفع بالتالي أسعارها، على النحو الذي يزيد من مخاطر التقلب الشديد في أوضاع سوق الأسهم، فمما لا شك فيه أن سوق الأسهم في الصين قد شهد ارتفاعات كبيرة غير مبررة كان وقودها الأساسي هو السيولة المفرطة التي ترتبت على السياسات النقدية التوسعية التي اتبعها البنك المركزي الصيني فيما سبق، وما زال يتبعها إلى اليوم.
في ظل هذه الأحوال سيظل الخروج من المشكلات الاقتصادية التي تواجهها الصين من الناحية الحقيقية هو الضمانة الأساسية لقيام المصارف بالاستجابة لإجراءات التوسع النقدي التي يقوم بها البنك المركزي الصيني، ولن يحقق ارتفاع هنا أو هناك في مؤشرات الأسواق المالية، العزم اللازم لمواجهة المشكلات الاقتصادية للصين.
إن مشكلات الصين الاقتصادية عميقة، وحل هذه المشكلات لن يتم سوى من خلال خطة طويلة الأجل لإعادة التوازن في الاقتصاد الوطني، والتحول من اقتصاد موجه أساسا نحو الخارج إلى اقتصاد يتجه أساسا نحو الاستهلاك المحلي. فلم يعد التصدير كمحرك للنمو يناسب الاقتصاد الصيني الذي يمثل نحو 15 في المائة من الاقتصاد العالمي في الوقت الحالي، وأعتقد أن على الصين أن تمضي قدما في إصلاحاتها الاقتصادية الهيكلية بشكل أساسي ولا تعطي أوضاع السوق الأولوية الأولى، ذلك أن عملية الإصلاح لها تكلفتها والتي يجب أن تتحملها الصين حتى تصل إلى بر الأمان في ظل وضع اقتصادي جديد، ودور مختلف في التقسيم الدولي للعمل.

الاقتصاد الياباني يعاود الانحسار


منذ أن تسلّم زمام القيادة في البلاد أخذ رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي منحى مختلفا عمن سبقه لانتشال اليابان من مصيدة الانكماش التي تعيش فيها منذ فترة طويلة، محاولا وضع الاقتصاد الياباني على مسار النمو المستدام وذلك باستخدام مزيج من سياسات التحفيز المالي والنقدي، خصوصا برنامج التيسير الكمي الضخم الذي بمقتضاه يشتري البنك المركزي الياباني نحو ثمانية تريليونات ين (64.5 مليار دولار) من السندات شهريا منذ أكثر من سنتين، بهدف رفع معدلات التضخم لتحفيز قطاع الأعمال على الاستثمار، وبالفعل استجاب النمو في اليابان للتحفيز، واستطاع آبي تحقيق نجاحات جوهرية، حيث ارتفع الأداء الاقتصادي على نحو لم تشهده اليابان منذ الأزمة الآسيوية، وهو ما عرف لاحقا باقتصاديات آبي Abenomics. غير أن عزم النمو أغرى آبي بالتسريع بإدخال ضريبة المبيعات، التي كانت، فيما يبدو حتى الآن، أحد الأخطاء المرحلية التي دفعت النمو الياباني نحو التراجع، الأمر الذي تسبب في رابع كساد تمر به اليابان خلال عقد من الزمان، وبشكل عام على الرغم من التحول الواضح في السياسة الاقتصادية اليابانية إلا أن النمو الاقتصادي اتسم بالتقلب على المدى القصير بين نمو وانحسار من وقت إلى آخر.
كان رفع ضريبة المبيعات من 5 إلى 8 في المائة في نيسان (أبريل) 2014 بمثابة ضربة قاصمة للإنفاق الاستهلاكي في اليابان، حيث تبعها تراجع كبير في النمو بلغ 7.7 في المائة، أدخل الاقتصاد الياباني في حالة كساد، حتى الربع الثاني من 2014، ثم عاود الاقتصاد النمو، خصوصا في الربع الأول من هذا العام، حيث بلغ معدل النمو 4.5 في المائة على أساس سنوي وذلك بعد نمو لا يتجاوز 1.4 في المائة في الربع الرابع، وقد ساعد تراجع الين في الربع الأول على تشجيع الصادرات، ومن جانب آخر أدت أرباح الشركات إلى زيادة الإنفاق الرأسمالي وكذلك إلى قيام الشركات برفع الأجور الاسمية، وهو ما أدى إلى دفع النمو في الربع الأول، وقد نظر إلى هذا النمو على أنه يمثل عودة لعزم النمو وتعافي الاقتصاد الياباني من آثار ضريبة المبيعات.
غير أن النمو المحقق في الربع الأول لم يكن مبهرا، بالعكس فلقد كانت هناك بعض الإشارات على أن هذا النمو يحجب نقاطا عديدة للضعف الاقتصادي في اليابان، بصفة خاصة فقد أشارت بيانات الربع الأول إلى تزايد تراكم مخزون في قطاع الأعمال على نحو أكبر من المتوقع، ويعكس هذا المخزون حجم الناتج الذي لم يبع، وعندما يتراكم المخزون لدى قطاع الأعمال فإن ذلك يعطي إشارة إلى أن النمو في الإنفاق الاستهلاكي لا يتماشى مع النمو في الناتج، ولقد جاءت بيانات النمو في الربع الثاني من هذا العام بمثابة لطمة لاقتصاديات آبي، حيث أشارت التقارير إلى تراجع نمو الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 1.6 في المائة.
المشكلة الأساسية هي أن جانبا كبيرا من هذا التراجع في النمو يعود أساسا إلى ظروف خارجة عن اليابان، بصفة خاصة تراجع النمو في أوروبا وتعقد مشكلات اقتصادات الأسواق الناشئة في العالم، فضلا عن تقلب معدلات النمو في الولايات المتحدة. بمعنى آخر، فإن الظروف الاقتصادية الخارجية اللازمة لدعم النمو الياباني غير متوافرة في الوقت الحالي، وهو ما يعني فقدان الاقتصاد أحد أهم المصادر الأساسية للنمو خارجيا.
لقد كان تراجع الصادرات أكبر العوامل التي أدت بالاقتصاد الياباني نحو التراجع، حيث انخفضت الصادرات بنسبة 16.5 في المائة في الربع الثاني، وقد أسهم تراجع الاقتصاد الصيني في هذا التراجع، حيث انخفضت الصادرات إلى الصين بنسبة 11 في المائة، في النصف الأول من 2015، بصفة خاص فقد انخفض الطلب الصيني على السيارات اليابانية بنسبة 30 في المائة، كما تراجع الطلب على قطع غيار السيارات بنسبة 20 في المائة. والحقيقة أن المتتبع لمسار النمو في العالم يجد أن التأثير نفسه يواجهه شركاء الصين في التجارة مثل روسيا وغيرها من الاقتصادات الناشئة، ومن الواضح أن الأوضاع الاقتصادية السيئة في الصين تلقي بظلالها السلبية على النمو الاقتصادي في العالم، حيث أصبح الاقتصاد الصيني كما يبدو أحد مفاتيح النشاط الاقتصادي فيه.
لم تنخفض الصادرات اليابانية إلى الصين فقط، وإنما انخفضت أيضا إلى الدول الآسيوية الأخرى وكذلك إلى أسواق أوروبا والولايات المتحدة، ومما يعقد التوقعات المستقبلية لليابان قيام الصين بخفض قيمة عملتها، الأمر الذي يضع ضغوطا على الين مع تراجع القدرات التنافسية النسبية في مقابل الصين. أكثر من ذلك فإن استمرار تراجع أسعار النفط يضغط على معدلات التضخم في اليابان نحو التراجع، وهو ما يتناقض مع الأهداف الحالية لبنك اليابان المركزي برفع معدلات التضخم إلى مستواها المستهدف الذي يساوي 2 في المائة.
داخليا كان انخفاض الإنفاق الاستهلاكي الخاص أهم العوامل في ضعف النمو. فقد تراجع الاستهلاك الخاص بنسبة 3 في المائة على أساس سنوي في الربع الثاني، ويمثل الإنفاق الاستهلاكي أكبر مكونات الإنفاق على المستوى الكلي في اليابان "نحو 60 في المائة من الإنفاق على الناتج المحلي الإجمالي"، ويرجع هذا التراجع في الاستهلاك إلى عوامل عدة أهمها ارتفاع الأسعار مع ضعف الين وبطء نمو الدخول مقارنة بالنمو في الأسعار، فالأجور تتراجع من الناحية الحقيقية منذ نحو سنتين تقريبا، بسبب الفجوة بين نمو الأجور وارتفاع الأسعار، بل إن بعض المصادر تشير إلى أنه خلال العام الماضي تراجعت الأجور من الناحية الحقيقية بنسبة 2.9 في المائة، وهو ما جعل القوة الشرائية للمستهلكين تتراجع، وبالتالي خطط الإنفاق الاستهلاكي الخاص.
حاليا هناك توقعات باستعادة النمو عزمه في اليابان في النصف الثاني من هذا العام وهو ما دعا البعض إلى المناداة بضرورة أن تقدم الحكومة المزيد من جرعات التحفيز لمساعدة الاقتصاد على الحفاظ على استدامة عزم النمو. حيث يقترح بعض مستشاري آبي حزمة تحفيز استنادا إلى ارتفاع الإيرادات الحكومية الناتج عن زيادة الإيرادات الضريبية بسبب تزايد أرباح الشركات في الفترة الأخيرة. غير أن هناك مشكلة خطيرة في التحفيز المالي، وهي أنه سيؤدي إلى تزايد العجز المالي وبالتالي رفع مستوى الدين إلى الناتج، وهو المؤشر الذي تحتل اليابان فيه المركز الأول بين دول العالم الصناعي في ثقل حجم الدين بالنسبة للناتج المحلي الإجمالي، كما أنه يمثل أحد أكبر مصادر القلق في الوقت الحالي حول الاقتصاد الياباني، وبالتالي فليس أمام اليابان سوى زيادة جرعة التيسير الكمي التي يقوم بها البنك المركزي الياباني حاليا.
الحقيقة أن انحسار النمو في اليابان يعكس طبيعة المخاطر التي يواجهها الاقتصاد العالمي في الوقت الحالي، فتراجع النمو لا يقتصر فقط على اليابان، حيث أظهرت أحدث تقارير اليوروستات ضعف معدلات النمو الاقتصادي في أوروبا في الربع الثاني من 2015، على الرغم من خطط التيسير الكمي الضخمة التي يمارسها البنك المركزي الأوروبي وانخفاض أسعار الطاقة مع استمرار تراجع أسعار النفط، فقد اقتصر النمو في منطقة اليورو (19 دولة) على 0.3 في المائة، وهو نمو أقل من المعدل المتوقع، حيث اقتصر النمو في ألمانيا على 0.4 في المائة، بينما لم تحقق فرنسا أي نمو، وكذلك هولندا والنمسا، بينما انخفض النمو في فنلندا. أما في دول الاتحاد الأوروبي (28 دولة) فقد اقتصر النمو على 0.4 في المائة، ولا شك أن ضعف تطورات النمو في العالم يحمل العديد من المخاطر التي تهدد التعافي الاقتصادي للعالم من الركود الذي يعانيه حاليا.

هل تشعل الصين حربا للعملات في العالم؟

فاجأت الصين العالم يوم الثلاثاء الماضي بخفض قيمة عملتها "الرينمنبي" من 6.1162 إلى 6.2298 للدولار، أي بنسبة 1.9 في المائة، ووفقا لبيان بنك الصين المركزي عن الخفض، فقد تم التأكيد على أن هذا الخفض هو خفض لمرة واحدة، وأنه تم استجابة من السلطات لتطورات قوى السوق في تحديد معدل الصرف. وقد أحدثت الخطوة الصينية ردودا عنيفة في العالم، إذ إنه على الرغم من ضآلة نسبة التخفيض إلا أنه يعد أكبر خفض يقوم به البنك المركزي منذ أكثر من 20 عاما. كذلك تراجعت أسواق الأسهم، وتراجعت أسعار السلع التجارية وعلى رأسها النفط، في الوقت الذي ارتفع فيه سعر الذهب، وذلك على خلفية القلق من طبيعة الأوضاع الاقتصادية التي دفعت بالسلطات إلى خفض قيمة العملة. كما تراجعت معظم العملات الرئيسة أمام الدولار، وهو ما يمكن أن يؤثر في قرار الاحتياطي الفيدرالي برفع سعر الفائدة في ظل استمرار تصاعد الدولار، حتى لا تتعقد أوضاع ميزان المدفوعات الأمريكي.

تقوم سياسة معدل الصرف الصينية على قيام البنك المركزي بتحديد سعر متوسط كل يوم قبل بدء التعامل على الرينمنبي، ويحاط هذه السعر بنطاق للتقلب في حدود 1 في المائة ارتفاعا، و1 في المائة انخفاضا، وقد استطاعت الصين الحفاظ على استقرار معدل صرفها لمدة طويلة في نطاق محدود جدا للتقلب قدر بنحو 0.06 في المائة، وعليه فإن إقدام الصين على خفض عملتها بمعدل 1.9 في المائة مرة واحدة يعد تجاوزا للحد الأدنى لمعدل الصرف الذي تعمل في نطاقه سياسة معدل صرف الرينمنبي.
إن المتتبع لردة الفعل العنيفة عالميا تجاه الخفض يصل إلى نتيجة مؤداها أن هناك مبالغة واضحة في وصف التحرك الذي قامت به الصين والموصوف بأنه بمثابة الطلقة الأولى في حرب العملات العالمية، وهو ما يعكس أهمية الدور الذي أصبحت الصين تلعبه اليوم في الاقتصاد العالمي، والثقل الذي تمثله الصادرات الصينية في التجارة العالمية في عالم اليوم. حيث يصف بعض المراقبين قرار تخفيض قيمة الرينمنبي بأنه يعد بمثابة إعلان لحرب عملات في العالم، باعتبار أن القرار سيجر الدول الأخرى إلى اتخاذ إجراءات مماثلة للحفاظ على تنافسية صادراتها، أو للسيطرة على وارداتها من الصين التي من المتوقع أن تتزايد بعد التخفيض. فلماذا لجأت الصين إلى هذا الإجراء غير الاعتيادي، وهل بالفعل سيترتب على هذه الخطوة قيام حرب للعملات في العالم؟
يواجه الاقتصاد الصيني منذ فترة مصاعب في تحقيق مستهدفاته حول النمو، بصفة خاصة صانع السياسة في الصين ملتزم بتوفير ما بين 10 و15 مليون وظيفة جديدة سنويا لكي يواجه الطلب على الوظائف من جانب الداخلين الجدد لسوق العمل، وهذا يتطلب من الصين معدلا للنمو لا يقل عن 7 إلى 8 في المائة سنويا. مشكلة استراتيجية النمو الحالية في الصين هي أنها تعتمد أساسا على التصدير، ومن ثم فإن ضمان استمرار ارتفاع معدل النمو يقتضي استمرار نمو عمليات التصدير إلى الخارج. منذ فترة وقيمة الرينمنبي ترتفع بالنسبة للعملات الرئيسة في العالم، ونتيجة لذلك فإن النمو في الصادرات يواجه بعض العقبات الراجعة لارتفاع قيمة الرينمنبي من ناحية، وتراجع الطلب من ناحية أخرى بسبب الأوضاع الاقتصادية السائدة لدى شركاء الصين التجاريين. غير أن بيانات التجارة الخارجية للصين عن حزيران (يوليو) جاءت صادمة بكل المقاييس، حيث تراجعت الصادرات لأول مرة منذ فترة طويلة بنحو 8.3 في المائة، ورغم أن الصين حققت فائضا 43 مليار دولار في هذا الشهر، إلا أن الفائض تراجع بنسبة 10 في المائة.
لطالما اتهمت الصين بأنها تتلاعب بقيمة عملتها لدعم تنافسيتها على المستوى الدولي، غير أن التحرك الأخير يوضح أن الصين بعد أن استنفدت وسائل التحفيز النقدي لتشجيع النمو، لجأت إلى تخفيض قيمة العملة كوسيلة لتحفيز النمو الضعيف الذي تعانيه حاليا، ولكن هل يؤدي هذا التحرك إلى نشوب حرب للعملات في العالم؟
بعض المراقبين يرى أن الخفض سيكون له أثر انتشاري يتحقق نتيجة قيام شركاء الصين التجاريين بخفض قيمة عملاتهم وذلك لمواجهة الأثر المترتب على خفض العملة الصينية. غير أنني لا أعتقد أن هذه الخطوة تعد بمثابة إعلان عن حرب للعملات في العالم للأسباب الآتية:
- أن عملات الدول الناشئة في العالم تتراجع بصورة واضحة أمام الدولار لأسباب تتعلق بالتعافي الاقتصادي الأمريكي مقارنة بالمراكز الاقتصادية الأخرى في العالم، ونتيجة لذلك فقد ارتفع الرينمنبي هذا العام بالنسبة لعديد من العملات في العالم، وعلى رأسها الدولار، وهو ما أدى إلى إضعاف الصادرات الصينية. في تقريرها نصف السنوي الصادر في إبريل الماضي عن معدلات الصرف في العالم، أشادت الخزانة الأمريكية باتجاه الحكومة الصينية السماح للرينمنبي بالارتفاع، وإن كان ما زال مقيَّما بأقل من قيمته الحقيقية. من هذا المنطلق لا يجب النظر إلى قرار البنك المركزي الصيني بخفض قيمة العملة على أنه بمثابة إعلان لحرب للعملات، إلا إذا ما سلَّمنا أنها قائمة بالفعل، وفي الواقع لا توجد دلالات على وجود هذه الحرب، على الأقل على السطح، وذلك إذا ما نظرنا إلى مسار معدلات صرف عملات العالم، ومسار موازين المدفوعات فيه.
- أن خفض العملة بنسبة أقل من 2 في المائة لا يعد تحولا جوهريا في سياسة النقد الأجنبي لدولة ما، فما زال المعدل منخفضا جدا، ومثل هذا التحرك لا يمكن النظر إليه على أنها مقدمة لحرب عملات، وبالتالي فلا أعتقد أن الصين تخوض حربا للعملات، ولو كانت تفعل ذلك بالفعل لشهدنا خفضا جوهريا في قيمة العملة. الأمر لا يعدو أكثر من خطة للدفاع في مواجهة النمو المتراجع، والأوضاع الاقتصادية السيئة التي يبدو أنها خارج سيطرة الحكومة في الوقت الحالي.
- ليس من المتوقع أن تقوم الصين بانتهاج خفض قيمة العملة كسياسة لمواجهة التراجع في صادراتها لأسباب كثيرة، أهمها الخوف من ردة الفعل الانتقامية من دول أخرى، بصفة خاصة الدول المستوردة ذات الأسواق الكبيرة والتي يمكن أن تتأثر موازين مدفوعاتها بانتهاج سياسة خفض قيمة الرينمنبي بشكل منهجي، مثل الولايات المتحدة وأوروبا.
- من ناحية أخرى، الصين تحاول هذه الأيام تشجيع عمليات استخدام الرينمنبي كعملة دولية، سواء كوحدة تبادل أو كعملة احتياط، ولا شك أن هذا الأمر سيمنع الصين من تخفيض قيمة عملتها بصورة منهجية حتى تهيئ الفرصة لاستخدام الرينمنبي كعملة دولية، والتي في مقدمة شروطها السيطرة على تقلبات قيمة العملة.
- أن الصين أيضا تنتظر تطبيق قرار صندوق النقد الدولي بإدراج الرينمنبي ضمن سلة العملات الدولية التي يستخدمها في تحديد قيمة عملته وهي وحدة حقوق السحب الخاصة. فمن المقرر أن يقوم الصندوق في نهاية هذا العام باتخاذ قرار حول ما إذا كان سيدرج الرينمنبي في سلة العملات التي على أساسها يتم تقييم وحدات حقوق السحب الخاصة "عملة الصندوق" أم لا، ولا شك أن الاستمرار في التخفيض لن يكون في مصلحة قرار إدراج الرينمنبي في السلة. ولا شك أن الصين تتطلع إلى هذا اليوم باعتباره خطوة مهمة على طريق تدويل استخدام عملتها.
- أن لجوء الصين إلى التخفيض المستمر للعملة سيؤدي إلى حركات خروج سريع للرساميل من الصين، في وقت هي في حاجة إلى تشجيع هذه التدفقات بصفة خاصة الاستثمار المباشر، بعد أن شهدت الصين زيادة في عمليات خروج رساميل هذا العام.
لكل هذه الأسباب يمكن القول إنه لا يتوقع أن يؤدي قرار البنك المركزي الصيني إلى نشوب حرب للعملات، أكثر منه تحولا في سياسة تحديد معدل الصرف واستخدامها كإحدى أدوات السياسة للحفاظ على عزم النمو في الاقتصاد الصيني.

هل يعود الدين العام السعودي للارتفاع مجددا؟


في مقال سابق لي بمناسبة صدور بيان وزارة المالية عن مشروع الميزانية الجديدة بعنوان "مفاجأة ميزانية 1437/1436"، أشرت إلى أن بيان وزارة المالية تضمن إشارة مهمة والمتمثلة في استمرار تراجع الدين العام السعودي إلى أدنى مستوياته هذا العام، حيث بلغ 44.3 مليار ريال، وهو ما يضع السعودية على رأس قائمة أقل الدول المدينة في العالم، غير أنني نبهت إلى أنه إذا ما تحققت السيناريوهات المفترضة في الميزانية، فستبدأ المملكة من العام المقبل في السحب من احتياطياتها، التي تراكمت خلال السنوات الماضية، أو العودة للاقتراض مرة أخرى، أي أن هذا المسار المتناقص للدين العام سوف ينعكس في السنة المالية المقبلة، وذلك بفعل العجز الكبير المتوقع في الميزانية، حيث يبلغ العجز المتوقع 241 في المائة من الدين القائم على المملكة في هذه السنة، وبمعنى آخر، لو تصورنا اقتراض المملكة لتمويل هذا العجز، فإن الدين العام سيرتفع بنسبة تتجاوز 250 في المائة، أخذا في الاعتبار أنه لو استمر سعر النفط على ما هو متوقع في الميزانية، فإن العجز المحقق سيكون أكبر من العجز المعلن، نظرا لاحتمالات تزايد الإنفاق الفعلي عن المستوى المخطط، وقد تحقق بالفعل كل ما توقعته.
أخيرا نشرت "الاقتصادية" تحقيقا مفاده أن الدكتور فهد المبارك محافظ مؤسسة النقد العربي السعودي أشار إلى أن العجز المتوقع لهذه السنة المالية في المملكة سوف يتجاوز المستوى المعلن في مشروع الميزانية لسببين؛ الأول هو تزايد الإنفاق على المشروعات العامة، والثاني هو استمرار هبوط أسعار النفط عن مستوى السعر الذي تم تقدير إيرادات الدولة على أساسه في مشروع ميزانية السنة المالية الحالية. ما يترتب على ذلك هو أن صافي إيرادات الدولة يصبح سالبا، ويتطلب الأمر لاستيفاء احتياجات الدولة على الإنفاق أن تبحث المملكة عن طرق لتمويل الفجوة بين الإيرادات والنفقات.
الخيارات المتاحة أمام السعودية لتمويل العجز متعددة، وبالطبع أولها أن تبدأ في السحب من احتياطياتها المتراكمة أثناء سنوات الفائض، التي تمثل خط الدفاع الأول في مواجهة تراجع الإيرادات النفطية، وهو ما حدث على ما يتضح من تصريح محافظ المؤسسة، الذي أشار إلى أن ودائع واحتياطيات الدولة قد تراجعت بنسبة 4.9 في المائة حتى نهاية مايو الماضي، وهي نسبة تراجع مرتفعة.
الاختيار الثاني هو أن تقترض الحكومة من خلال إصدار سندات محلية تشترك في شرائها مؤسسات التمويل المحلية على اختلاف أشكالها وذلك بالريال السعودي، أو أن تلجأ إلى الاقتراض الخارجي من مؤسسات التمويل خارج المملكة يساعدها في ذلك التصنيف الائتماني السيادي القوي الذي تتمتع به المملكة استنادا إلى انخفاض نسبة دينها العام إلى إجمالي الناتج، حيث تقف المملكة في الوقت الحالي على قائمة أقل دول العالم من حيث نسبة الدين العام إلى الناتج، وكذلك ضخامة حجم احتياطياتها، حيث يحتل أيضا صندوق الثروة السيادي السعودي رأس قائمة أضخم صناديق الثروة السيادية في العالم.
من الواضح لي حتى اليوم أن التوليفة التي اختارتها المملكة للتعامل مع العجز هي السحب من الاحتياطيات المتراكمة، واللجوء إلى الاقتراض المحلي، حيث تضمن تصريح محافظ مؤسسة النقد العربي السعودي أن وزارة المالية اقترضت حتى تاريخه 15 مليار ريال من خلال إصدار سندات لتمويل الميزانية، وأن الاقتراض سوف يستمر في المستقبل لتمويل العجز. معنى ذلك هو أنه بدءا من هذا العام فإن الدين العام السعودي سوف يبدأ في التزايد مرة أخرى، لترتفع نتيجة لذلك نسبة الدين العام إلى الناتج بعد فترة قصيرة للغاية من تعافي الاقتصاد السعودي من مشكلة الديون، إلى الحد الذي أصبحت فيه المملكة ثالث أقل دولة في العالم من حيث نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي.
واقع الحال يشير إلى أنه على الرغم من متانة الوضع المالي للمملكة، فإن ذلك لم يمنع من حدوث ظاهرة في اقتصاد نفطي وهي تراكم الدين العام إلى مستويات تعد بين الأعلى في العالم على الإطلاق. ففي بداية التسعينيات من القرن الماضي لم تتجاوز نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي 48 في المائة وذلك في عام 1991. ثم أخذت هذه النسبة في التصاعد على نحو مستمر حتى تجاوزت حاجز الـ60 في المائة في عام 1993، التي تعد الحد الخطر لنسبة للدين العام إلى الناتج. ثم استمر الدين العام في التزايد بعد ذلك حتى بلغ نسبة 109 في المائة تقريبا من الناتج في عام 1998، وهي من أعلى المعدلات المسجلة في العالم في هذا العام.
ظلت نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي عند مستويات مقلقة حتى عام 2004، حيث تمكنت المملكة من إطفاء كمية هائلة من الدين العام في غضون فترة زمنية قياسية، بالطبع نتيجة عودة أسعار النفط نحو الارتفاع في بداية الألفية الثالثة، وهو ما مكن الحكومة من تحقيق فوائض مالية ساعدتها على تخفيض الدين العام القائم، وبدءا من عام 2005 أخذت عمليات إطفاء الدين العام في التسارع لدرجة أنه في عام 2011 لم تزد نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي على 7 في المائة تقريبا، وهي من أقل المستويات عالميا حاليا. في تقرير حديث لمعهد الملك عبدالله للبحوث والدراسات الاستشارية في جامعة الملك سعود قامت "الاقتصادية" بنشره، أشار إلى أن المملكة مع استمرار تناقص دينها العام بنهاية 2012 أصبحت ثالث أقل دولة مدينة في العالم، حيث تمكنت من إطفاء الجانب الأعظم من دينها العام في غضون فترة زمنية قياسية بسبب الفوائض الاستثنائية التي تحققت مع ارتفاع أسعار النفط.
غير أن هذا التطور الإيجابي يجب ألا ينسينا حقيقة أن الدين العام السعودي يمكن أن ينعكس في أي لحظة وبسرعة أكبر مما نتصور، ومخاطر عودة الدين العام إلى مستويات مرتفعة مرة أخرى ليست بعيدة، فالمستويات الحالية للإنفاق العام، خصوصا الإنفاق الجاري، أصبحت خطيرة جدا على المالية العامة للدولة، في ظل التركز الشديد للإيرادات العامة، كما أن الفوائض الكبيرة التي تراكمت عبر السنوات الماضية يمكن أن تتآكل بسهولة إذا ما استمرت أسعار النفط منخفضة كما هي عليه الآن واستمر مسار الإنفاق على ما هو حاليا.
واقع الحال أن صانع السياسة المالية في السعودية أصبح اليوم في موقف لا يحسد عليه، حيث لا يبدو أن هناك خططا احتياطية تم بناؤها من قبل لمواجهة أي سيناريو لتراجع الإيرادات على نمط المسار الحالي، وهي صفة مشتركة تقريبا بين دول مجلس التعاون، غير أن المملكة تنفرد بين دول المجلس بالمستويات الضخمة للإنفاق العام، سواء الجاري أو غير الجاري، وحيث أصبح من المؤكد أن الدين العام سوف يعود للتزايد بسرعة مرة أخرى، مع ما يحمله من مخاطر.
إن الإصلاح المالي في المملكة مطلوب اليوم، وذلك لمواجهة تصاعد عجز الميزانية والسيطرة على نمو الدين العام، وأن إجراءات مثل إعادة تسعير السلع والخدمات العامة، ورفع الرسوم المختلفة، فضلا عن مراجعة السياسات الضريبية، بصفة خاصة على الأرباح أصبحت ضرورة، حتى يمكن أن تسيطر المملكة على النمو المحتمل في دينها العام، وحتى تضمن الدولة سلامة أوضاعها المالية على المدى الطويل.