الجمعة، سبتمبر ٣٠، ٢٠١١

كبح جماح الفرنك السويسري

نشر في صحيفة الاقتصادية السعودية بتاريخ الجمعة 30/11/2011
ذكرنا في الحلقة السابقة من هذا المقال أن الطلب الدولي على الفرنك السويسري تزايد بسبب الأداء الاستثنائي للاقتصاد السويسري خلال سنوات الأزمة، والذي جعل من الفرنك أحد الملاذات الآمنة للقيمة في العالم، في ظل تصاعد مستويات المخاطر المحيطة بالعملات الرئيسة، وخلو الساحة من عملات ممتازة يمكن أن يركن إليها المضاربون باعتبارها مخزن جيد للقيمة، ومن المعلوم أن البحث عن الملاذ الآمن يرتبط دائما بانخفاض درجة المخاطر المرتبطة به وتوافر السيولة اللازمة للمستثمرين في ظل ظروف عدم التأكد. فقد ترتب على تزايد المخاطر المحيطة بالدولار واليورو أن تحول المضاربون إلى عملات أخرى، على رأسها الفرنك السويسري، مما أدى إلى تزايد تدفقات رؤوس الأموال إلى سويسرا، كذلك ساهم ارتفاع المخاطر المصاحبة للاستثمار في الأصول المالية البديلة، وانتشار التوقعات التضخمية المصاحبة للسياسات النقدية التوسعية للكثير من دول العالم، في تغذية الطلب على الفرنك.

تجدر الإشارة إلى أنه من الناحية التاريخية كان الفرنك السويسري أحد العملات الجذابة للمستثمرين على المستوى الدولي في الأوقات التي ترتفع فيها درجة عدم التأكد، على سبيل المثال تزايد الطلب على الفرنك السويسري في السبعينيات من القرن الماضي مما دفع الحكومة السويسرية إلى استخدام معدلات الفائدة السالبة كوسيلة لمنع الأجانب من الإيداع في البنوك السويسرية.

أخذت قيمة الفرنك السويسري في الارتفاع مؤخرا على نحو مقلق مع تزايد الطلب عليه، حيث انخفض معدل صرف اليورو والدولار بالفرنك إلى مستويات قياسية، ففي 9 أغسطس الماضي انخفض معدل صرف الدولار إلى 0.71  فرنكا للدولار، وإلى 1.01 فرنكا لليورو. عندما يواجه اقتصاد صغير مثل الاقتصاد السويسري ارتفاعا في قيمة عملته فإن مخاطر ارتفاع قيمة العملة على تنافسية هذا الاقتصاد تتعمق، نظرا للمخاطر العديدة التي تتسبب عن ذلك بما فيها ارتفاع أسعار الصادرات وانخفاض أسعار الواردات، والضغوط (السالبة) التي تنتج على التضخم في أوقات الكساد.

مع ارتفاع قيمة الفرنك بدأت سويسرا تعاني من لعنة العملة المرتفعة القيمة حيث يؤدي الفرنك المرتفع إلى جعل السلع السويسرية أقل جاذبية لشركاء سويسرا في التجارة ويؤثر سلبا على قطاع السياحة. فقد تراجعت أرباح الشركات السويسرية، كذلك فقد تأثرت أعداد السائحين إلى سويسرا مع ارتفاع قيمة الفرنك، ومن ثم النشاط السياحي في الدولة وهو من الأنشطة الأساسية في سويسرا وتمثل الإيرادات السياحية جانبا هاما في الناتج المحلي، حيث ارتفعت تكلفة المعيشة بالنسبة للأجانب مع ارتفاع قيمة الفرنك، وهو ما دفع السلطات النقدية إلى اتخاذ بعض الإجراءات لتخفيف الضغط على العملة.

من الإجراءات التي اتخذها البنك المركزي السويسري تخفيض معدلات الفائدة على المودعات إلى مستويات صفرية، وسالبة في بعض الأحيان، في محاولة لخفض جاذبية الأصول السويسرية بالنسبة للأجانب ووقف تدفقات رؤوس الأموال إليها. بصفة خاصة عندما يتحول معدل الفائدة إلى مستويات سالبة فإن استمرار الطلب على الفرنك سوف يترتب عليه تحمل المحتفظين به لعبء متمثل في معدل الفائدة السالب، والذي سيمثل في هذه الحالة تراجعا في القيمة الاسمية للمودعات بالفرنك، وإذا ما تم تحديد معدل الفائدة السالب بصورة تفوق متوسط معدل الارتفاع في قيمة الفرنك، فإن ذلك يضمن تراجع الطلب على المودعات بالفرنك السويسري.

من ناحية أخرى قام البنك المركزي السويسري بضخ مزيد من السيولة في النظام المصرفي من خلال زيادة الودائع الجارية بصورة ضخمة جدا. كذلك كان البنك المركزي مترددا في التدخل المباشر في سوق النقد الأجنبي نظرا للخسائر الكبيرة التي مني بها سابقا ما بين مارس ويونيو 2010، ولكن في مواجهة استمرار صعود الفرنك قرر البنك المركزي السويسري شراء اليورو بكميات غير محددة بهدف حماية تنافسية الاقتصاد السويسري، على سبيل المثال في 10 أغسطس أعلن البنك المركزي السويسري عن زيادة عرض السيولة من الفرنكات السويسرية.

لما فشلت كافة المحاولات التي قام بها البنك المركزي لكبح جماح الفرنك في أسواق العملات، نظرا للطلب الضخم على الفرنك، لجأ البنك المركزي السويسري إلى تعديل سياسة معدل صرف الفرنك من سياسة معدل الصرف الحر إلى سياسة معدل الصرف الثابت، وذلك من خلال تثبيت الفرنك باليورو عند أرضية سعرية تساوي 1.2 فرنكا لليورو، وهو ما يعد أقسى الإجراءات التي اتخذها البنك المركزي السويسري في تاريخه لكي يتحكم في ارتفاع قيمة الفرنك، بهدف تقليل الاهتمام بالمضاربة في الفرنك وتقليل جاذبيته كملاذ آمن.

يقصد بأرضية معدل الصرف السماح لمعدل الصرف أن يصل إلى أي مستوى أعلى من هذا المعدل (الأرضية)، وعندما تتزايد الضغوط على معدل الصرف للانخفاض عن هذا المعدل (ارتفاع قيمة الفرنك) فإن البنك المركزي يتدخل لرفع معدل الصرف (خفض قيمة الفرنك)، بحيث يكون أعلى من هذا المعدل أو عند مستواه. معنى ذلك أن معدل صرف اليورو يمكن ان يرتفع عن 1.2 فرنكا (خفض قيمة الفرنك)، ولكنه لا يجب ان ينخفض عن هذا الحد (رفع قيمة الفرنك). أي أنه من الناحية الفعلية قام البنك المركزي السويسري بتحديد حد اقصى لقيمة الفرنك بالنسبة لليورو لا يجب ان يتعداه، واذا مال معدل الصرف نحو الانخفاض في سوق النقد الأجنبي، فإن البنك المركزي السويسري يتدخل لدفع هذا المعدل نحو الارتفاع مستخدما أدواته المختلفة مثل شراء اليورو، وخفض معدلات الفائدة على الفرنك، وطبع المزيد منه.

لقد أعلن البنك المركزي السويسري عن أنه سوف يستخدم كافة الأدوات للحفاظ على هذا المعدل بما في ذلك التوسع غير المحدود في عرض النقود، كما أعلن عن الاشتراك في ترتيبات متبادلة في سوق النقد الأجنبي بهدف زيادة السيولة، وقد قام البنك المركزي بالبيع الآجل لكميات غير محددة من الفرنك السويسري بهدف الحفاظ على معدل التثبيت للفرنك عند الحدود التي تم تحديدها، وتجب الإشارة إلى أن هذه المرة ليست هي الأولى التي يقوم بها البنك المركزي السويسري بتثبيت معدل صرف الفرنك، فقد تم ذلك أيضا في عام 1978، غير ان التثبيت هذه المرة يحمل طابعا أكثر احترافية. فقد كان أثر التثبيت على معدل صرف الفرنك مزدوجا، فمن ناحية تم تثبيت معدل صرف الفرنك باليورو عند سعر منخفض، ومن ناحية أخرى أدى تراجع اليورو (عملة التثبيت) إلى مزيد من الخفض في قيمة الفرنك، والآن هل ينجح البنك المركزي السويسري في كبح جماح الفرنك أمام العملات الأخرى؟

الإجابة على هذه السؤال تعتمد على متغيرات عدة أهمها، المدى الزمني للتحليل، واتجاهات العائد على الأصول البديلة للفرنك، وتطورات الأزمة على المستوى العالمي، ففي المدى القصير ربما ينجح البنك المركزي في مسعاه حول تثبيت قيمة الفرنك، فطالما وقف البنك المركزي مستعدا لشراء اليورو عند أي كمية كلما تطلب الأمر وبالكميات المناسبة، كما أعلن، فإنه من الممكن الحفاظ على الحد الأعلى لقيمة الفرنك، ومن الناحية الفعلية يستطيع البنك المركزي السويسري القيام بذلك من خلال طباعة كميات إضافية من الفرنك، فمعدلات التضخم تقترب حاليا من الصفر تقريبا، مما يعني أن البنك المركزي يمكنه طباعة أي كميات منه وعلى النحو الذي يريد، ثم بيع هذه الكميات في سوق النقد الأجنبي لمواجهة أي محاولات لإدخال رؤوس أموال أجنبية إلى سويسرا، وبذلك يحاول البنك أن يزرع الشك في نفوس كل من يحاولون تغطية مخاطرهم من خلال الفرنك، بأنه ليس العملة المناسبة لذلك.

غير أن اتجاهات الفرنك على الأجل الطويل ربما تكون غير مضمونة وخارج نطاق سيطرة البنك المركزي، حيث سوف يعتمد الأمر في جانب كبير منه على اتجاهات الأزمة وتطورات مشكلة الديون الأوروبية، ومدى نجاح المستثمرين الدوليين في إيجاد أصول بديلة للفرنك كملاذ آمن، ومع تزايد ضغوط النمو في الولايات المتحدة وأوروبا، فإنه من الممكن ان تأخذ معدلات صرف الفرنك في الانخفاض وهو ما يرفع قيمته، ومن المؤكد أن فرص نجاح سياسة البنك المركزي بالتدخل سوف تعتمد على ضغوط الطلب على الفرنك، فإذا ما استمر الطلب مرتفعا ولفترة زمنية طويلة فإن التدخل يمكن أن يترتب عليه خسائر كبيرة تلحق بالبنك المركزي، وقد يضطر البنك في نقطة زمنية ما أن يخرج من السوق ويتوقف عن التدخل، بصفة خاصة عندما يأخذ اليورو في التراجع على نحو حاد.

المخاطر المحيطة بسياسات التثبيت على المدى الطويل تعتبر إذن كبيرة، بالنظر إلى صغر حجم الاقتصاد السويسري وعدم قدرته على تثبيت الأسواق المالية التي تهيم فيها تريليونات الدولارات بحثا عن معدلات العائد الأعلى، فمن الممكن أن تسهم عمليات التدخل عن ضخ كميات هائلة من الفرنك وبالتالي تحقيق البنك المركزي لخسائر ضخمة دون جدوى في سوق النقد الأجنبي.

من ناحية أخرى فإن أرضية معدل الصرف مع اليورو هدفها التأكد من أن الفرنك لن يتهدد مع محاولات المستثمرين الاستثمار في الأصول السويسرية كملاذ آمن في ظل ضعف العملات الرئيسة. غير أن أثر هذه السياسة على النطاق الدولي هي أنها تقلل من عدد الأصول التي يمكن ان ينظر إليها المستثمرون على أنها ملاذات آمنة، فبالإضافة إلى الدولار واليورو والين ربما نجد الدولارين الأسترالي والكندي، وكذلك الكورونة السويدية والنرويجية، مرشحة للعب دور في سلة الملاذات الآمنة للمستثمرين، وكما نرى فإن الدولار الأمريكي يقع تحت ضغوط شديدة منذ بداية الأزمة بعضها مرتبط بالنمو والآخر مرتبط  بسياسات النقود السهلة التي تتبعها الولايات المتحدة.

اليورو يعاني أيضا من نفس المشكلات وإن كانت ضغوط أزمة الدين تمثل تحديا هائلا له، كذلك فإن الين الياباني يواجه نفس السياسات التي تتبعها سويسرا للتأثير على قيمته بالانخفاض للحفاظ على تنافسية اليابان، يتبقى إذن أمام المستثمرين هذه العملات الثانوية، غير أن المشكلة هي أن الاقتصادات التي تتبعها هذه العملات تتشابه مع الاقتصاد السويسري في ضيق نطاق سوق الأصول على النحو الذي لا يمكن المستثمرين في كافة أنحاء العالم من القيام بالتنويع اللازم لهم.

وأخيرا فإن ضيق نطاق هذه الخيارات أمام المستثمرين على المستوى الدولي يسبب مشكلة إضافية للذهب، حيث لا يتسم سوق الذهب بهذه القيود التي تواجه الطلب على العملات البديلة، كما أنه ليس هناك أي سقف لسعره، والذي يمكن ان يبلغ عنان السماء، طالما أن ضغوط الطلب تدفع بسعر الذهب نحو الارتفاع، ومن الناحية العملية كان أداء الذهب هذا العام استثنائي حيث كسر العديد من الأرقام القياسية التي لم تتحقق من قبل، ومثل هذه الأوضاع تجعل الذهب في موقف لا يحسد عليه كأصل استثماري حيث ترتفع حدة المخاطر المحيطة به وتتزايد شدة التقلبات التي يتعرض لها ويتسع نطاقها، على سبيل المثال ما حدث هذا الشهر من تقلب سعر الذهب من أكثر من 1900 دولارا للأوقية إلى 1535 دولار في أدنى مستوى سجله سعر الذهب يوم الاثنين الماضي، أي أنه في غضون عدة أيام فقد الذهب عند هذا السعر حوالي 370 دولارا، وهو تطور خطير جدا يجعل من الذهب أخطر الأصول الاستثمارية على الإطلاق من وجهة نظري.

الخلاصة هي إن محاولات البنك المركزي السويسري كبح جماح الفرنك تتسبب في بعض الاختلال في سوق الأصول على المستوى العالمي، نظرا لضيق قاعدة الأصول التي ينظر إليها المستثمرون على المستوى الدولي على أنها أصول تعد ملاذا آمنا ضد تقلبات العملات وارتفاع مستويات التضخم.

الاثنين، سبتمبر ٢٦، ٢٠١١

مزيد من الأخبار السيئة للمضاربين في الذهب

Property التي تمتلكها في كندا، وتعتقد الشركة بأن Blackwater Property يضم أكبر الاحتياطيات الغير مكتشف من الذهب في كندا. الشركة تشير أيضا الى أن هذا هو غيض من فيض، وأن المزيد من الاكتشافات ما زلت كامنة ولم يتم بالفعل تقييمها.
العالم اليوم ينتج كميات هائلة من الذهب مدفوعا بالأسعار الاستثنائية للمعدن، يضاف الجزء الأكبر من الانتاج الجديد منها الى رصيد السبائك الذهبية التي يحتفظ بها العالم لأغراض المضاربة، وهو وضع خطير جدا، نظرا لأن الذهب بحد ذاته أصل عقيم، أي اصل لا يولد أي عوائد، وانما يكلف الاحتفاظ به مبالغ طائلة، ولذلك يعتمد الاقبال على الذهب على العائد الحدي من الذهب (الارتفاع في سعر الذهب) مقارنة بالتكاليف الحدية له (تكلفة التخزين)، وعندما يتوقف سعر الذهب عن الارتفاع فإن عمليات التخلص من الذهب سوف تتم على نطاق هائل جدا على المستوى العالمي (لأن المعدن مرة أخرى لا يدر أي عوائد، سوى ارتفاع سعره)، ومن ثم انهيار فقاعة الذهب الحالية.
الاعلان المزيد من الاكتشافات في مجال الذهب مثل ذلك الإعلان الذي ورد من شركة New Gold Inc يعني أن الضغوط السعرية على المعدن سوف تتزايد في المستقبل، ومع ارتفاع معدلات الفائدة التي تساوي صفر حاليا تقريبا، وخروج العالم من الأزمة سوف تتكسر كل القواعد التي تقوم عليها عمليات المضاربة الحالية على الذهب. لتبدأ رحلة انهياره.
ملحوظة أخيرة، مع افتتاح سوق الذهب اليوم واصل سعره الانخفاض، وقت كتابة هذا المقال بلغ سعر الذهب 1620 دولارا للأوقية، ربما يستمر الذهب في التراجع، ولكن ذلك لا يعني انتهاء الفقاعة، الذهب مرشح للارتفاع مرة اخرى مع الوقت، لأن شروط الفقاعة كما ذكرت من قبل ما زالت قائمة.  

أيهما أفضل في رفع مستويات دخول الأمريكيين: الحزب الديمقراطي أم الجمهوري؟

في ورقة لـ Larry M. Bartels بعنوان Partisan Politics and the U.S. Income Distribution سياسات الحزبين (الديمقراطي والجمهوري) وتوزيع الدخول في الولايات المتحدة لتنزيل نسخة من الورقة اضغط على الرابط http://www.princeton.edu/~bartels/income.pdf تحلل أثر سياسات الحزبين على توزيع الدخل في الولايات المتحدة. الشكل التالي يلخص النتائج التي توصل اليها Larry M. Bartels حول اداء الاسر الأمريكية في المجموعات الدخلية المختلة، حيث يمثل المحور الرأسي معدلات النمو في الدخل للفئات الدخلي المختلفة والمحور الأفقي الفئات الدخلية المختلفة في الولايات المتحدة. أما المنحنى المنقط فيمثل النمو في الدخل في ظل حكم الديمقراطيين للفئات الدخلية المختلفة، بينما المنحنى المصمت يمثل النمو في الدخل في ظل حكم الجمهوريين.



الشكل يوضح ان الأمريكيين كانوا في وضع افضل في ظل حكم الديمقراطيين، حيث يحققون معدلات نمو اكبر في دخولهم مقارنة بالأوضاع في ظل حكم الجمهوريين، بصفة خاصة الفئات الفقيرة والمنخفضة الدخول.
على سبيل المثال حققت الفئات التي تمثل الـ 20% الأدنى في مستويات الدخل نموا بـ 2.6% سنويا تقريبا في ظل حكم الديمقراطيين بينما اقتصرت الزيادات في دخولها على نصف في المائة فقط سنويا تقريبا في ظل حكم الجمهوريين. من ناحية أخرى فإن الفئات التي تمثل شريحة أعلى 5% في مستويات الدخول حققت نموا بحوالي 2.1% سنويا تقريبا في ظل حكم الحزبين.
الشكل يوضح أيضا أن الأداء السيء للجمهوريين في تحسين مستويات الدخول للفئات الفقيرة، مقارنة بالفئات الغنية، حيث تحقق الفئات ذات الدخول المرتفعة في ظل حكم الجمهوريين معدلات نمو في دخولها تفوق تلك التي تحققها الفئات منخفضة الدخول، وهو ما يساعد على إساءة توزيع الدخل بين الأمريكيين في كل مرة يحكم فيها الحزب الجمهوري.
خلاصة الورقة هي أن الحزب الجمهوري يحابي الفئات مرتفعة الدخول على الفئات منخفض الدخول والتي تعاني من تراجع حصتها في الدخول في ظل حكم الجمهوريين بينما تتمكن الفئات مرتفعة الدخول من زيادة نصيبها من الدخل في ظل حكم الحزب الجمهوري. ليس هناك غرابة إذن من رفض الجمهوريين حاليا لمقترحات الرئيس أوباما برفع معدلات الضرائب على الأغنياء والفئات مرتفعة الدخول للتخفيف من الضغط المالي الذي تعاني منه الولايات المتحدة ولوقف النمو في الدين العام.


الأحد، سبتمبر ٢٥، ٢٠١١

هل ارتفاع معدلات الطلاق علامة على الانتعاش الاقتصادي


بعض الاقتصاديين ينظر إلى ارتفاع معدلات الطلاق على أنها إشارة إلى تحسن الأداء الاقتصادي في الدولة. يوم الخميس الماضي اصدر مكتب التعداد الأمريكي 2010 American Community Survey (ACS),، والذي أشار إلى أن عدد عد المطلقين والمنفصلين من الرجال والنساء فوق سن 15 سنة من الأمريكيين تزايد بأكثر من 930 ألف حالة إلى حوالي 27 ميونا في 2010، وهو ما يعني أن معدلات الطلاق وأعداد المطلقين تزيد عن أدنى مستوى بلغته في 2008. هذا الارتفاع في معدلات الطلاق ينظر إليه على أنه إشارة جيدة وأن الاقتصاد (في عام 2010) يتعافى من أزمته.
الفكرة الأساسية وراء هذا التفسير هي أن الطلاق مكلف جدا للأسرة، بصفة خاصة للرجل (في الخارج حيث يتقاسم الزوجان الأصول التي تملكها الأسرة)، وعندما يدخل الاقتصاد في حالة كساد يصعب التخلص من أصول الأسرة لاقتسامها، مثل المنزل، حيث يصعب في أوقات الكساد بيع المسكن بسهولة أو بالسعر المناسب ومن ثم اقتسام قيمته، وبالتالي عندما يدب الخلاف بين الزوجين في أوقات الكساد فإنهما غالبا ما يتفقان على أن الوقت غير مناسب للانفصال نظرا لصعوبة التصرف في المسكن في الوقت الحالي، وأنه من الأفضل بالنسبة لكليهما تأجيل قرار الانفصال.
البيانات المتاحة عن الولايات المتحدة تشير إلى أنه ما بين 2006-2009 انخفضت معدلات الطلاق بنسبة 7%، بينما خلال عام 2010 ارتفعت معدلات الطلاق بنسبة 20-25%. البعض يفسر ذلك بأنه مع تحسن الأوضاع الاقتصادية وميل البنوك إلى منح المزيد من الائتمان فإن الأزواج يميلون الى الحصول على قروض لتسديد حصة الطرف الآخر في أصول الأسرة. أكثر من ذلك فإنه مع تحسن الأوضاع الاقتصادية يشعر الأفراد بأنهم أكثر أمانا من الناحية الاقتصادية وبالتالي يمكنهم العيش بصفة مستقلة بعيدا عن الطرف الآخر.
خلاصة التحليل هي أن الانتعاش الاقتصادي يؤدي إلى تحسين عمليات تسوية الخلافات الزوجية والتسريع بالانفصال بين الأزواج الراغبين في الطلاق، وأن ارتفاع معدلات الطلاق أحد علامات الانتعاش الاقتصادي.

السبت، سبتمبر ٢٤، ٢٠١١

هل اقترب موعد إعلان إفلاس اليونان؟


يبدو أن هناك سيناريو يعد حاليا للتمهيد لإعلان إفلاس اليونان وتقييم السيناريوهات التي يمكن ان تترتب على إفلاس اليونان، هكذا أشارت شبكة سكاي نيوز، غير أنه وفقا للشبكة ليس من المتوقع ان يتم إعلان الإفلاس قبل الاجتماع القادم لمجموعة العشرين في أوائل نوفمبر القادم، وحتى يتم وضع خطط المواجهة.
أخطر النتائج المتوقعة للإفلاس هي تعرض البنوك المقرضة لليونان لصدمة انخفاض أصولها نتيجة تحول السندات اليونانية إلى ديون معدومة، وهو ما يقتضي ضرورة إعادة رسملة البنوك الأوروبية المقرضة لليونان لإصلاح الخلل الذي سينشأ عن الإفلاس في ميزانيات هذه البنوك.
في رأيي سيناريو الإفلاس ربما يكون الأقرب إلى الواقع اليوم أكثر من أي وقت مضى، إذ ليس من المتوقع ان يترتب على سياسات التقشف التي تتبعها اليونان حاليا إصلاح هياكلها المالية نظرا لآثارها السلبية على النمو، والذي تتعزز التوقعات حاليا بأنه سوف يكون اقل من المتوقع، حيث لا يتوقع أن يعود الناتج المحلي الإجمالي لليونان إلى مستويات ما قبل الأزمة قبل 2013 وفقا لتوقعات صندوق النقد الدولي.
كما أن السياسات الاقتصادية اليونانية مقيدة بحكم كونها عضوا في اليورو، وأهم هذه السياسات المطلوبة حاليا هو خفض قيمة العملة، واليونان ليس لديها عملة حاليا، باعتبارها احد دول الاتحاد النقدي الأوروبي. كذلك فإن جز الميزانية لن يكون في الاطار المخطط له، حيث لن تتمكن اليونان من جمع الضرائب المتوقع تحصيلها وذلك نتيجة تراجع معدلات النمو، كما أنه ليس من المتوقع ان يختفي العجز في الميزانية حتى عام 2016.
إن هذه السيناريوهات حول الاقتصاد اليوناني تؤدي إلى نتيجة واحدة وهي استمرار تزايد الديون اليونانية وليس تراجعها. مخاطر الدين اليوناني سوف تظل تطفو على السطح حتى يتم اتخاذ هذا القرار بالسماح لليونان بالإفلاس، ولكن متي سيتم ذلك؟ من المؤكد أن الوقت الحالي ليس هو الوقت الأنسب أو الأمثل لذلك، حيث ترتفع درجة المخاطر المحيطة بالاقتصاد العالمي.

ليس انفجارا لفقاعة الذهب

شهدت الأيام الماضية عمليات تسييل مكثف لعقود المستقبليات في الذهب على نحو كبير، كما أدى ارتفاع قيمة الدولار في الايام الأخيرة الى تراجع اسعار الذهب على نحو غير مسبوق منذ بداية الأزمة المالية العالمية. أمس أغلق سوق الذهب على تراجع لسعر الأوقية الى 1657 دولارا، وهو ما يعني أن الذهب قد فقد خلال هذا الشهر ما يناهز الـ 250 دولارا للأوقية.
المتلاعبون بالمعدن في سوق الذهب لم يشهدوا انهياره بعد، فاللعبة الكبرى التي تتم في سوق الذهب على أيدي مجموعة من المضاربين الكبار الذين للأسف الشديد يخدعون صغار المضاربين في كافة انحاء العالم لكي يجروهم لشراء المعدن حتى يضمنوا استمرار تيار الطلب على الكميات الجديدة التي يتم انتاجها في العالم لكي يتمكن السوق من امتصاص السبائك الجديدة دون أن يؤثر ذلك على اسعار الذهب في السوق العالمي ولكي يضمنوا بالتالي اضافة المليارات من الدولارات الى قيمة اصولهم من المعدن بشكل مستمر.
في تقديري ان ما يحدث هو احد اشكال الاضطراب المؤقت للسوق، وسرعان ما سيعيد اساطين السوق ترتيب اوراقهم لضمان استمرار اللعبة القذرة، وأن السوق في الاسبوع القادم سوف يشهد تحركات منسقة لاستعادة المعدن لبعض خسائرة واعادة الثقة في نفوس من تابعوا هؤلاء المضللين واشتروا الذهب عند هذه المستويات الخيالية لسعره على أمل أن يقفز السعر الى خمسة آلاف وعشرة آلاف دولار للأوقية كما يعدهم أفاقي المضاربة على المستوى الدولي.
الشروط الضرورية لانفجار فقاعة الذهب لم تتحقق بعد، بل إن ما يحدث على الأرض يوحي بأنه ما زال أمام الذهب مزيدا من الوقت لكي يتلاعب به المضاربون على المستوى الدولي، وان اسعار الذهب ما زالت مرشحة للارتفاع بصورة أكبر وأكبر، خصوصا مع اي تدفق للمعلومات السيئة من هنا او هناك في العالم، وأن فقاعة الذهب لم تصل بعد الى النقطة الحرجة التي يعقبها الانفجار الكبير، لأن عزم الضغط داخل الفقاعة ما زال يستمد الدعم من الأوضاع الاقتصادية السيئة على أرض الواقع. 
لكن المؤكد هو أن سعر الذهب سعر مغالى فيه جدا، ولا يعبر بأي صورة من الصور عن السعر العادل لهذه السلعة، وأن هذا السعر مشبع بضغوط المضاربة على المستوى الدولي وضغوط السيولة الهائلة والهائمة التي تبحث عن ملجأ آمن ضد تقلبات العملات الرئيسة في العالم وكذلك تبحث عن اصل يقدم عوائد مناسبة في ظل معدلات للفائدة تقترب من الصفر.   

الجمعة، سبتمبر ٢٣، ٢٠١١

عندما يتعلق الأمر بالفلسطينيين يتحول أوباما الى رئيس أعور

عندما تم انتخاب الرئيس أوباما كأول رئيس أسود للولايات المتحدة، وأخذ يخطب ود العالم الإسلامي، عندما حضر إلى القاهرة لكي يوجه أول خطاب إلى المسلمين من هناك، استبشر الجميع خيرا بأننا أمام أول رئيس أمريكي ربما يكون أكثر اعتدالا في الحكم في القضايا العربية وأن التأييد الأمريكي الأعور لإسرائيل ربما يجد عينا أخرى تنظر خارج نطاق المنظور الإسرائيلي وتلاحظ أن الصراع في فلسطين فيه طرفان: الطرف اليهودي والطرف الفلسطيني، وأن القضية الفلسطينية سوف تشهد تطورات هامة في أثناء فترة حكم هذا الرجل الذي، بحكم لونه، ربما يكون قد تعرض للتمييز الأعمى في مرحلة ما من مراحل حياته، وأنه بالتأكيد يكره الظلم ويحب العدل كما كان يتشدق بدعوته لفتح صفحة جديدة مع المسلمين في العالم.
غير أنه بعد أن أقلعت طائرة أوباما من القاهرة ويوما بعد آخر يأتينا من الأخبار ما يخيب من آمالنا في الرجل إلى الحد الذي دفع بعض الكتاب إلى وصف الرجل بأنه "بوش آخر، ولكن لونه اسود"، غير أن هذا الأسبوع شهد أسوأ مواقف الرجل تجاه القضية الفلسطينية وذلك بما احتواه خطابه في الأمم المتحدة بمناسبة تقدم الفلسطينيين بطلب الانضمام إلى الأمم المتحدة كدولة عضو. لقد احدث الخطاب صدمة في العالم الإسلامي الذي أيقن أن أوباما ما هو إلا مجرد رئيس أمريكي آخر لا يرى إلا بعين واحدة تتجه فقط نحو إسرائيل، وأن خوف الرجل من اللوبي اليهودي الذي يمكن ان يعكر صفو عملية إعادة انتخابه جعله يدوس على كل قيم العدل التي يتشدق بها.


لماذا أصبح الفرنك السويسري حصان العملات العالمية الأسود؟

نشر في صحيفة الاقتصادية السعودية يوم الجمعة 23/9/2011.
الفرنك السويسري، أو حصان العملات الأسود كما أفضل أن أسميه، يتعرض لتطورات عنيفة في الأسابيع القليلة الماضية، حيث تحول من عملة تتحدد وفقا لقوى العرض والطلب إلى عملة مثبتة باليورو عند حد أدنى لوقف الارتفاع المستمر في قيمته، وهي ذات السياسات التي تتبعها الدول النامية عندما تحدد قيمة عملاتها. على مدى أسبوعين أتناول تطورات معدل صرف الفرنك السويسري وتحليل العوامل المسببة لهذه التطورات في معدل صرف الفرنك، وذلك من خلال استعراض أداء الاقتصاد السويسري على المستوى الكلي، والمقارنة ما أمكن مع الدول الكبرى في العالم، ثم في الأسبوع القادم (إن شاء الله) أتناول الإجراءات التي اتخذها البنك المركزي السويسري لوقف جماح الفرنك نحو الصعود.

لقد اصبح يطلق مؤخرا على الفرنك السويسري عبارة "المارك الألماني الجديد"، في إشارة إلى تحول الفرنك السويسر إلى أقوى عملة في العالم، مثلما هو الحال بالنسبة للمارك الألماني قبل انضمام ألمانيا إلى اليورو، حيث كان الطلب على المارك الألماني مرتفعا عالميا، خلال الثمانينيات والتسعينيات، وذلك بعد تراجع مركز الين الياباني على المستوى الدولي، وتصاعد الدور الذي يلعبه الاقتصاد الألماني على المستوى الدولي.

مؤخرا تزايد الطلب على الفرنك السويسري على المستوى الدولي حيث أصبح ينظر إليه حاليا على أنه حصن أمان إضافي مثل الذهب، ونتيجة لذلك أخذت معدلات صرف الفرنك بالنسبة للعملات الرئيسية في الانخفاض (ارتفاع قيمة الفرنك)، بصفة خاصة بالنسبة لليورو والدولار الأمريكي، كما هو موضع في الشكل رقم (1)، الذي يوضح معدل صرف الفرنك بالدولار الأمريكي واليورو والين الياباني. فخلال الفترة من أول يناير 2008 حتى منتصف أغسطس 2011، تراجع معدل صرف اليورو بالنسبة للفرنك بنسبة 59% تقريبا، بينما تراجع معدل صرف الدولار الأمريكي بالنسبة للفرنك بنسبة 55% تقريبا، في الوقت الذي كان معدل صرف الفرنك بالنسبة للين الياباني أكثر استقرارا، حيث تراجع معدل صرف الين بالنسبة للفرنك بحوالي 8% تقريبا خلال نفس الفترة.

أدى استمرار ارتفاع الفرنك إلى تزايد الثقة فيه على المستوى العالمي، خصوصا في ظل ظروف الأزمة، مما أدى إلى استمرار الطلب عليه مرتفعا من جانب المستثمرين الدوليين، بالطبع ارتفاع قيمة العملة له آثار إيجابية وأخرى سلبية على الدولة، غير أنه بالنسبة لاقتصاد صغير مثل الاقتصادي السويسري الذي ترتفع درجة انفتاحه على العالم الخارجي، فإنه مع ارتفاع قيمة العملة تأخذ تنافسية الاقتصاد السويسري في التراجع.

مع بدء تأثر الاقتصاد السويسري سلبا بارتفاع قيمة عملته، أخذت السلطات النقدية في التدخل على نحو كثيف في سوق النقد الأجنبي للضغط على قيمة الفرنك حتى تتراجع، غير أن كافة الجهود التي تم اتخاذها ذهبت هباء واستمر الفرنك في الارتفاع على النحو الموضح بالشكل تحت ضغط الطلب المتزايد عالميا عليه، ولكن لماذا يتزايد هذا الطلب العالمي على الفرنك السويسري على هذا النحو؟ وما هي العوامل التي تفسر هذا الأداء الاستثنائي للفرك؟

 الإجابة على هذا السؤال تكمن بالتأكيد في الأداء الاقتصادي الاستثنائي للاقتصاد السويسري، على النحو الذي يؤدي إلى تزايد الثقة في الفرنك. فمن بين دول العالم خرجت سويسرا من الأزمة بسهولة، كما هو واضح من الشكل رقم (2) الذي يوضح معدلات النمو ربع السنوي للناتج المحلي الإجمالي الحقيقي في سويسرا مقارنة بالاقتصادات الرئيسة خلال فترة الأزمة حتى الربع الأول من 2011، ومن الشكل يلاحظ أن الأزمة المالية لم يترتب عليها تراجع كبير في معدل النمو في الناتج الحقيقي السويسري (المنحنى الأسود)، وذلك مقارنة بالدول الأخرى، حيث تمكنت سويسرا من الخروج من الكساد بسرعة ليس هذا فقط، وإنما تميز خروج الاقتصاد السويسري من الأزمة بالاستقرار النسبي في معدلات النمو مقارنة بباقي الدول. ففي الوقت الذي اتسمت فيه معدلات النمو الاقتصادي في ألمانيا واليابان والولايات المتحدة بالتقلب الشديد، مع ميلها نحو التراجع مؤخرا على النحو الذي يوحي باحتمال دخول اقتصادات هذه الدول في الكساد مرة أخرى، حافظ الاقتصاد السويسري على معدلات نموه على نحو أكثر استدامة واستقرارا.


هذا النمو المستقر كان مدعما بمعدلات تضخم منخفضة مقارنة بباقي الدول حيث اتسم معدل التضخم في سويسرا بالانخفاض بشكل عام وكذلك بالاستقرار النسبي، حيث لم يزد معدل التضخم خلال السنة الماضية عن 1% تقريبا، مستفيدا من الارتفاع في قيمة الفرنك، وهو ما يساعد على الحفاظ على القوة الشرائية للفرنك.

أما أهم الأمور الملفتة للنظر فهي أداء سوق العمل السويسري أثناء الأزمة، فقد عانت أسواق العمل في كافة دول العالم من ارتفاع في معدلات البطالة على نحو كبير من ناحية، ومن ضعف استجابة سوق العمل لجهود توفير الوظائف في تلك الأسواق من خلال استخدام سياسات التحفيز المختلفة من ناحية أخرى. فوفقا للشكل رقم (3) الذي يوضح معدلات البطالة الشهرية خلال الفترة من يناير 2008 حتى يونيو 2011، فإن معدلات البطالة في الاقتصاد السويسري ظلت منخفضة حتى أثناء سنوات الأزمة، وقد بلغ أعلى معدل للبطالة في سويسرا مؤخرا في يناير 2010، ومع ذلك ظل هذا المعدل اقل من 4.5% تقريبا، قبل ان تميل معدلات البطالة نحو التراجع إلى 2.8% في يونيو 2011، وهو بجميع المقاييس يعد واحدا من أقل معدلات البطالة في العالم.


من ناحية أخرى فقد اتسمت المالية العامة لسويسرا بالاستقرار الكبير مقارنة بدول العالم الرئيسة، ففي الوقت الذي تعاني منه دول العالم من عجز في ميزانياتها العامة وتزايد مستويات الدين العام وخروج الدين عن نطاق السيطرة في العديد من دول العالم بما فيها الولايات المتحدة والعديد من الدول الأوروبية، حيث ترتفع نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي على نحو يثير قلق المستثمرين في العالم، يتسم الاقتصاد السويسري بمالية عامة في منتهى القوة، فوفقا للجدول رقم (1) والذي يوضح أوضاع المالية العامة لسويسرا خلال العقد الماضي، لم تحقق سويسرا عجزا في ميزانيتها منذ عام 2005، بما في ذلك أثناء فترة الأزمة، وبدلا من ذلك كانت سويسرا من الدول القليلة في العالم التي تحقق فائضا في ميزانيتها العامة، على الرغم من محدودية الفائض كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي، بينما مالت نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي نحو التراجع من 25.6% في عام 2000 إلى 20% فقط في عام 2010، وذلك بفعل الفوائض المحققة في الميزانية، وهي نسبة منخفضة للغاية بالمقاييس الدولية حاليا.
 
وأخيرا يلاحظ أن الاقتصاد السويسري قد استفاد من النمو في التجارة الدولية بعد الأزمة، حيث تحقق سويسرا فائضا في الحساب الجاري لميزان مدفوعاتها، ومن ثم تتراكم الاحتياطيات الدولية للبنك المركزي السويسري بصورة تدعم الثقة فيه كعملة مطلوبة على المستوى العالمي. بهذا الشكل تكونت الظروف الملائمة لأن يتحول الفرنك السويسري إلى حصان العملات العالمية الأسود، وأصبح أحد الملاذات الآمنة في العالم بعد الذهب.
غير أننا قرأنا مؤخرا بأن البنك المركزي السويسري قد ترك سياسة التحديد الحر لمعدل صرف الفرنك وفقا لقوى العرض والطلب، وتبنى سياسة جديدة لمعدل صرف الفرنك تقوم على تثبيت قيمة الفرنك بالنسبة لليورو الأوروبي. فما هي هذه السياسة الجديدة لمعدل صرف الفرنك وماهي آثارها؟ هذا ما سوف نتناوله الأسبوع القادم إن أحيانا الله سبحانه وتعالى.

الجمعة، سبتمبر ١٦، ٢٠١١

هل يتوقف السيرك السياسي في الولايات المتحدة؟

نشر في صحيفة الاقتصادية السعودية بتاريخ الجمعة 16/9/2011
شهد الاقتصاد الامريكي في الشهر الماضي تطورات سلبية على نحو يثير القلق، فقد أخذت معدلات النمو في التراجع، حيث تتسم عملية استعادة النشاط الاقتصادي من الكساد الحالي بأنها الأسوأ في التاريخ الأمريكي، وبالصورة التي تنبئ باحتمال انزلاق الاقتصاد الأمريكي مرة أخرى الى الكساد، كما جاءت بيانات تقرير سوق العمل لشهر أغسطس مخيبة للآمال، حيث لم يوفر سوق العمل أي وظائف اضافية، وأصبح من الواضح أن البطالة تستعصي على الحل، حيث ظل معدل البطالة عند مستويات مرتفعة، في الوقت الذي تراجع فيه تصنيف الولايات المتحدة الائتماني بعد أن اتسعت هوة الخلاف بين الحزبين الرئيسيين حول رفع سقف الدين الامريكي، وأظهرت استطلاعات الرأي أن شعبية الرئيس أوباما بلغت أدنى مستوى لها، وأصبح من الواضح أن استمرار الأوضاع على هذا النحو سوف يؤدي إلى نتيجة واحدة وهي وضع رئيس جديد مكان الرئيس أوباما في الانتخابات القادمة بعد 14 شهرا تقريبا.
في محاولة يائسة لإنقاذ الوضع كشف الرئيس أوباما في الأسبوع الماضي النقاب عن خطته التي أطلق عليها لاحقا "قانون الوظائف الأمريكية" والتي حملت الكثير من التفاصيل حول آفاق رفع مستويات التوظف في الاقتصاد الأمريكي. الخطة التي قدمها الرئيس أوباما أربكت الجمهوريين بصورة شديدة، فمن ناحية هم لا يستطيعون رفضها في ظل الجمود الواضح لمعدلات البطالة نحو التراجع حاليا، ومن ناحية أخرى فقد حملت الخطة الكثير من الافكار التي سبق أن رددوها لمعالجة الأوضاع الاقتصادية. الرئيس الأمريكي حمل الجمهوريين المسئولية في حال رفض الخطة متهما إياهم بأنهم المسئولين عن ضعف أداء الاقتصاد الامريكي حاليا، ومنبها أعضاء الكونجرس بأن خلافات الحزبين أصبحت عميقة الى الدرجة التي تحتاج الى صناديق التصويت لكي تفصل فيها، ولكن ذلك لن يتم الا بعد 14 شهرا من الآن، والرئيس لا يستطيع الانتظار لهذه الفترة الطويلة، ولذلك هدد الرئيس الأمريكي بأنه سوف يوصل القضية الى الشعب الأمريكي في كافة أنحاء الولايات المتحدة.
كان رد فعل الجمهوريين على الخطة متحفظا بصورة شديدة هذه المرة، حتى يتمكنوا من بحث كيفية يمكن توجيه السهام القاتلة لها دون ان يؤدي ذلك الى تدمير سمعتهم أمام الناخب الأمريكي، ولكن ما هي خطة الرئيس أوباما لتوفير المزيد من الوظائف للأمريكيين؟ وما هي الآثار المحتملة لتنفيذ هذه الخطة؟ بل وما هي فرص تنفيذها؟ هذا ما سنحاول أن نتناوله بالتحليل في هذا المقال.
احتوت خطة الرئيس أوباما لتوفير الوظائف على عدة مكونات ما بين زيادة في الإنفاق وتخفيضات في الضريبية ومنح أرصدة ضريبية لتحفيز المشروعات على توفير الوظائف، يقدر اجمالي تكلفتها بحوالي 447 مليار دولارا، وتفاصيلها كالتالي:
·         اقتراح تخفيضات ضريبية تبلغ تكلفتها 175 مليار دولارا وتشمل توسيع نطاق التخفيضات الضريبية التي تم اقرارها العام الماضي، بما يحقق خفض الضرائب على العاملين بحوالي 160 مليار دولارا، وهو ما يضمن أن تحصل كل أسرة على حوالي 1500 دولارا تخفيضات ضريبية، والسماح للمزيد من الأمريكيين بإعادة تمويل قروضهم العقارية على أساس معدل 4% وهو ما سوف يوفر على كل أسرة حوالي 2000 دولارا. بالطبع تفترض الخطة أن هذه التخفيضات الضريبية سوف تضاف إلى جيوب المستهلكين وتتحول بالتالي إلى إنفاق استهلاكي.
·         توفير المزيد من الوظائف بتكلفة 140 مليار دولارا، وذلك من خلال منح المشروعات الخاصة رصيدا ضريبيا إضافيا Tax credit بمبلغ 4000 دولار في مقابل تشغيل كل محارب من المحاربين القدامى، وذلك برفع الرصيد الضريبي من 5600 الى 9600 دولارا، لتشجيع قطاع الاعمال على تشغيل الجنود المسرحين من الجيش، كما سوف تمنح المشروعات التي توظف عاطلا قضى أكثر من 6 أشهر في حالة بطالة رصيدا ضريبيا بمبلغ 4000 دولارا، كذلك تقديم مساعدات لحكومات الولايات والمحليات للاستمرار في الاحتفاظ بالعمال المحليين والحيلولة دون التخلص من 280000 مدرس من وظائفهم في المدارس العامة، واعادة تأهيل 35000 مدرسة عامة ودعم المختبرات وتحديث فصول الانترنت في أمريكا، وتوجيه المزيد من الاستثمارات المباشرة في البنى التحتية من خلال صيانة الطرق وخطوط السكة الحديد والمطارات والأنهار.
·         تقديم تخفيضات ضريبية للمشروعات الصغيرة بحوالي 70 مليار دولارا، وذلك من خلال خفض الضرائب على المرتبات لحوالي 98% من المشروعات الى النصف، ومنح إعفاء ضريبي كامل للموظفين الجدد، وكذلك على الزيادات التي تحدث في مرتبات للعاملين الحاليين.
·         فتح مسارات العودة للعاطلين بتكلفة 62 مليار دولارا، وذلك كجزء من خطة مد تأمين البطالة لمنع حوالي 5 مليون أمريكي من فقدان الدعم، حيث تشمل الخطة إصلاحات مبتكرة لمنع عملية التخلص من العمال ومنح الولايات مرونة أكبر في استخدام صناديق تأمين البطالة لدعم الباحثين عن الوظائف، ومنع المشروعات من التمييز ضد العاطلين عند التعيين، وتوسيع فرص التوظف للعمال منخفضي الدخول من خلال صناديق دعم التوظيف وبرامج التدريب والوظائف الصيفية وعلى مدار العام للشباب.
فور الاعلان عن الخطة تباينت توقعات المحللين حول آثار تنفيذها على مستويات البطالة في أمريكا، وأن هذه الترتيبات المقترحة أضعف من أن تحل مشكلة البطالة على مستوى الولايات المتحدة وبالطبع من مساعدة الاقتصاد على استعادة نشاطه على نطاق واسع مرة أخرى. حيث تشير التوقعات الى أنه في حال تعاون الجمهوريين مع الرئيس لتنفيذ الخطة، يمكن أن تنتج ما بين مليون الى مليون ونصف فرصة عمل جديدة في السنة القادمة، معنى ذلك أن الأثر المتوقع على معدل البطالة ربما لا يكون كبيرا مثلما هو متوقع، ومن ثم ربما تنخفض البطالة بمعدل 1% - 1.8% فقط. غير أن هذا الخفض، إن حدث، سوف يعد تطورا هاما في حلحلة معدل البطالة ليخترق حاجز الـ 9% نزولا، وهو ما قد يعني أن الحزب الجمهوري سوف يقدم على طبق من ذهب الفرصة كاملة لإعادة انتخاب الرئيس. ذلك أن تراجع معدلات البطالة سوف يمنح أوباما الفرصة لمواجهة ناخبيه ببعض المؤشرات الناصعة عن أداء الاقتصاد الأمريكي في أثناء فترة حكمه ونتيجة لسياساته الاقتصادية الناجعة، من ناحية أخرى فإن موافقة الجمهوريين على الخطة سوف تعني أن الحزب الذي وقف ضد المزيد من الإنفاق للسيطرة على العجز في الميزانية ومن ثم نمو الدين العام كانت مواقفه السابقة مجرد ألاعيب سياسية ولا تعكس مبدأ أصيلا يتبناه الحزب في هذه القضية، وأن ما أثاره بعض أعضاء الحزب من صراخ حول السياسات الاقتصادية لأوباما هو نوع من النفاق سياسي، ولكن يبقى السؤال الحرج وهو، من سيسمح لأوباما بتنفيذ الخطة بأكملها؟
ردود الفعل حتى الآن تشير إلى أن قادة الحزب الجمهوري لا يدعمون الخطة، بل إن البعض كان أكثر حدة في انتقاده لها، كما أبدى البعض تحفظه عليها مشيرا الى أن الكونجرس لا يمكن أن يتحمل أعباءها، وهو ما يثير الكثير من علامات الاستفهام حول مدى استعداد الجمهوريين للتعاون مع الرئيس في هذا الوقت الحرج بالنسبة له، غير أن رفض الخطة سوف يحمل أخبارا سيئة للجمهوريين لأن مضمون هذا الرفض سوف يعني الآتي:
·         أن الحزب يقف في وجه توفير المزيد من فرص العمل أمام الامريكيين، وأنه بالفعل المسئول عن استمرار معدلات البطالة مرتفع على النحو الحالي كما يدعي الرئيس أوباما.
·         أن رفض الخطة من جانب الجمهوريين سوف يضع الحزب في مأزق أمام الجمهور الأمريكي، لأن جانبا كبيرا من المقترحات التي قدمها اوباما سبق تقديمها من جانبهم في الماضي.
·         أن رفض الخطة يمكن أوباما من ان يدعي بأنه يحاول التوصل الى حلول وسط بينما يصر خصومه على الألاعيب السياسية مما قد يضعف موقفهم في الانتخابات القادمة.
يوم الاثنين الماضي أرسل أوباما خطته الى الكونجرس مصحوبة برسالة قوية يدعوهم فيها إلى أن يدعوا السياسة جانبا، منوها في كلمته من الحديقة الوردية في البيت الأبيض الى أن الشيء الوحيد الذي يمكن ان يوقف الخطة هو ألاعيب السياسة، وأن أمريكا لا تستطيع أن تتحمل المزيد منها مجددا، وأن هذا هو الوقت اللازم لإعادة الاقتصاد الأمريكي الى العمل مرة أخرى، وأن الوقت قد حان لفعل شيء وليس مجرد الحديث عنه.
كما أوضح الرئيس أن لديه خطة لخفض الإنفاق وذلك في إطار خطة رفع سقف الدين، كما يخطط الرئيس لإجراء تعديلات بسيطة في الرعاية والدعم الصحي، كما أنه سيطلب إجراء إصلاحات ضريبية للتأكد من أن الأغنياء والشركات الكبرى تدفع حصتها العادلة من الضرائب. على الجانب الآخر وعد أوباما بأنه سوف يقدم خطة طموحة لمعالجة عجز الميزانية لتغطية تكاليف مقترحاته وتحقيق استقرار الدين العام على الأجل الطويل.
أوجه الاعتراض الحالية على الخطة تتمثل في أن معالجة مشكلة البطالة تحتاج إلى برنامج إنفاق حكومي ضخم وليس تخفيضا في نفقات الرعاية والاعانات الصحية، وأن خفض الرعاية الصحية والدعم الصحي لن يحل المشكلة، وقد يجد معارضة بين الديمقراطيين الذين ينظرون الى أن هذه الخدمات لا تلقى التمويل المناسب، فكيف يتم خفض تمويلها. من الواضح أن خطة الرئيس ستواجه معارضة الجمهوريين الذين يحاولون سد الطرق أمام الادارة الحالية. فقد صرح جون بونر أن الجمهوريين يقدرون جهود الرئيس وأن الكونجرس سوف يراجع بنود الخطة الأساسية بالنظر الى التكلفة الحقيقية التي ستتكلفها، ولكن الجمهوريين ينظرون إلى الخطة ببعض الشك، بل إن هناك من يرفض المقترحات التي تقدم بها أوباما، رغم أن بعضها منتقى أساسا من مقترحاتهم هم في الماضي، وهو ما يعني أن من قدموا هذه المقترحات في الماضي لا يؤيدونها اليوم لأنها قدمت من جانب خصومهم هذه المرة.
في خطاب الى الرئيس أوباما ذكر قادة الجمهوريين بأنهم سوف يدرسون الآثار الاقتصادية قصيرة وطويلة الأجل للمقترحات، وأن الكونجرس سوف ينظر إلى التعديلات والأفكار الجديدة التي يمكن أن تحقق النمو الاقتصادي وفتح الوظائف بصورة فعالة، وذكروا أنه ربما يكون لديهم رؤية مختلفة حول ما هو مطلوب لرفع مستوى التوظف في القطاع الخاص في الولايات المتحدة، على الرغم من إيمانهم بأن الافكار التي طرحها أوباما تستحق أن تؤخذ في الاعتبار، في إشارة إلى أنه في حالة موافقة الجمهوريين على الخطة فإن ذلك ربما يقتصر على عدد قليل من المقترحات التي طرحها أوباما.
حرص أوباما على أن يرسل رسالة واضحة الى الجمهوريين بأنه في حال رفض خطته فإنه سوف ينقل هذه الرسالة الى كافة أنحاء امريكا، ولدعم موقفه أطلق الرئيس حملة تحت اسم "قانون وظائف الامريكيين"، والتي تم إنشاء موقع الكتروني لها، كما أن الخطة الاعلامية للخطة سوف ترتكز على أن خطة أوباما مدفوعة بالكامل ولا تكلف الميزانية أعباء اضافية، وذلك اذا ما تم اغلاق ثغرات قانون الضرائب الحالي ومطالبة الأمريكيين الأغنياء بدفع حصتهم العادلة من الضرائب وأن الاقتصاد الأمريكي كان ضحية الرئيس بوش الابن، وأن الجمهوريين كحزب غير حريصين على مصلحة الولايات المتحدة، وفي المقابل التأكيد على أن أوباما شخص متفائل معتدل التفكير إصلاحي ومتواضع ماليا، والتحذير من أن وقت اللعب السياسي انتهى، وأن الوقت الحالي هو التوقيت المناسب لإقرار هذه الخطة، وأنه ما إن يتم اقرارها سوف يعود الامريكيون الى العمل.
المشكلة الاساسية هي أن أوباما ومعارضيه ينظرون من نفس المنظار وهو الانتخابات القادمة، فهل سينتهي هذا السيرك السياسي الذي تشهده أمريكا منذ فترة؟ الاجابة هي لا، وأن الأعداء التقليديين سوف يستخدم كل منهم كافة أوراق التصعيد لكي يؤمن مقعد الرئاسة القادم لحزبه.

الجمعة، سبتمبر ٠٩، ٢٠١١

الدين اليوناني خارج السيطرة

نشر في صحيفة الاقتصادية بتاريخ الجمعة 9/9/2011
الدين اليوناني خارج السيطرة، هذا هو ما توصل إليه تقرير للمكتب البرلماني المستقل للميزانية في اليونان، وهو مكتب تم انشاؤه حديثا في اليونان. خلاصة التقرير هي أن ديناميكيات الدين اليوناني اخذت في الانحراف عما هو متصور بحيث اصبح خارج السيطرة، فالفائض الاولي (الفرق بين الايرادات العامة والنفقات العامة في الميزانية) في الميزانية لم يتحقق بعد، بل العكس هو ما حدث، حيث تفاقم العجز الأولي في الميزانية، وأن اليونان لن تتمكن من استيفاء التزاماتها حول نسبة عجز الميزانية إلى الناتج لهذا العام، الأمر الذي سيؤدي إلى تأخير تنفيذ برنامج التعديل الهيكلي الموقع من جانب الحكومة مع صندوق النقد الدولي.
ما إن نشر التقرير حتى اثار غضب وزير المالية اليوناني الذي وصف بدوره المكتب بأنه لا يملك القدرات المهنية التي تمكنه من اصدار مثل هذا التقرير، وانه لا يملك المعرفة اللازمة أو الخبرة او المسئولية المناسبة لذلك، وبغض النظر عن رد فعل وزير المالية، فإن الامور على الارض تشير إلى ان اليوناني اصبح في غاية الخطورة وأن أوضاع   الدين اصبحت غير قابلة للاستدامة بدون تعديل هيكل هذه الديون، ويقصد بإعادة تعديل هيكل الدين تخفيض معدلات الفائدة او اطالة امد الدين او الغاء جانب من الدين،  وهو ما يرفضه دائنو اليونان. اليونان إذن أمام وضع حرج للغاية، فما هي حقيقة أوضاع   الديون اليونانية، وما هي الأثار المترتبة على استمرار نسبة الدين اليوناني إلى الناتج المحلي عند مستويات مرتفعة، يتوقع ان تصل إلى 150% هذا العام، وما هي آفاق هذا الوضع، هذا ما سنحاول مناقشته في هذا المقال.
سبق وأن تناولت موضوع الدين اليوناني والآثار التي يمكن ان تحدث في العالم اذا افلست اليونان في أكثر من موضع، ومن وقت لآخر تطفو مشكلة اليونان على السطح، مع تأكيد الكثير المراقبين بأنه طال الزمن ام قصر ليس هناك امام اليونان من خيار سوى اعلان الافلاس، فهي من وجهة نظرهم دولة لا تملك امكانية دفع ما عليها من التزامات على المدى الطويل.
في الفترة الأخيرة عاد موضوع ازمة الدين اليونانية إلى الواجهة مرة أخرى، ولكن بصورة مقلقة جدا هذه المرة، وذلك عندما قطعت اللجنة الثلاثية المشكلة من دائني اليونان وهم صندوق النقد الدولي والبنك المركزي الأوروبي والاتحاد الاوروبي محادثاتهم مع الحكومة اليونانية لإقرار الدفعة الثانية من المساعدات التي تم اقرارها لإنقاذ اليونان، وقد اصدر صندوق النقد الدولي والبنك المركزي الأوروبي تقريرا مقتضبا في وقت واحد، مثير للشكوك، أوضحا فيه أن اللجنة سوف تعود إلى اليونان في منتصف هذا الشهر لاستكمال المباحثات، على امل ان تقوم السلطات اليونانية باستكمال اعمالها الفنية اللازمة لإتمام المناقشات حول السياسات المطلوبة لإعداد التقييم النهائي للوضع اليوناني، في اشارة إلى عدم رضاء اللجنة عن الأوضاع الحالية لليونان.
من جانبه حذر رئيس البنك المركزي الأوروبي من مغبة ترك الأمور على حالها بدون تدخل سريع في الحالة اليونانية، وطلب بسرعة تطبيق الاجراءات التي تم الاتفاق عليها لمعالجة ازمة ديون اليونان، وكذلك بالإسراع بتقديم حزمة الانقاذ التي تم اقرارها لها مناديا في الوقت ذاته أيضا إلى متابعة أوضاع   الاقتصاديات الاوروبية على نحو لصيق بصفة خاصة الميزانيات العامة لها.
أدت المخاوف من تعقد ازمة الديون اليونانية إلى تزايد الشكوك بحدوث أزمة ديون سيادية في اوروبا، ذلك أن هناك شعور قوي سائد حاليا بين المستثمرين بأن اليونان على وشك الافلاس، على سبيل المثال قامت مؤخرا مؤسسة ستاندرد أند بور بتخفيض التصنيف الائتماني للدين اليوناني من BB- إلى B-، وهي التصنيفات التي تعطى للسندات غير المرغوب فيها أو ما يسمى بسندات الخردة Junk Bonds، وقد اشارت المؤسسة إلى احتمال حدوث المزيد من التخفيض للتصنيف بسبب المخاطر التي يمكن ان تصاحب الاجراءات التي ستتخذها الحكومة اليونانية لإعادة هيكلة شروط ديونها. هذا التدهور في تصنيف الديون اليونانية أدى إلى ارتفاع معدلات العائد على السندات اليونانية إلى مستويات فلكية. فقد ارتفع معدل العائد على السندات استحقاق سنة إلى حوالي 70%، والسندات ذات الاستحقاق سنتين إلى أكثر  من 50%، وهي، بكل المستويات، تعكس حقيقة ان السندات اليونانية لم تعد تساوي شيئا تقريبا، وان احتمالات الافلاس وفقا لتوقعات السوق هذه تعد مرتفعة جدا.
الأسباب المعلومة لهذه التطورات السيئة متعددة أولها أن معدل النمو المتوقع للناتج المحلي الاجمالي في اليونان في هذا العام سوف يكون اقل مما كان مخططا له. إذ أن الكساد الذي تعيشه اليونان آخذ في التعمق، بسبب تراجع تنافسية الاقتصاد اليوناني في السنوات الأخيرة، وقد أدى هذا الوضع إلى اثارة قلق دائني اليونان، ذلك أن اتساع احتمالات تعمق الكساد بصورة اكبر مما هو متوقع، يجعل استيفاء متطلبات تخفيض العجز مسألة صعبة. ذلك أن التراجع في النشاط الاقتصادي سوف يحمل انعكاسات خطيرة بالنسبة لالتزامات اليونان قبل دائنيها، وتشير التوقعات إلى احتمالات ان يتراجع نمو الاقتصاد اليوناني في عام 2011 بين 4.5% - 5.3% مقارنة بالتوقعات السابقة التي وضعت معدل التراجع في النمو عند 3.9% فقط، أكثر من ذلك فإن الحكومة اليونانية اقرت بأن الكساد ربما يمتد إلى العام القادم ايضا.
السبب الثاني هو أن هناك شكوكا حول قدرة اليونان على الوفاء بالتزاماتها حول تخفيض العجز في الميزانية العامة المستهدف لهذا العام، والذي تم وضعه بواسطة المقرضين الاجانب، فقد أعلنت الحكومة اليونانية بأن نسبة عجز الميزانية إلى الناتج سوف تتزايد بصورة أكبر مما كان متوقعا، وربما تكون في حدود 8.5% أو أكثر العام القادم بدلا من المستوى المستهدف لهذا العام وهو 7.6%، وذلك نتيجة تراجع الايرادات العامة للدولة، حيث تواجه الايرادات من الضرائب مشكلة حاليا بسبب ظروف الكساد التي تمت الإشارة اليها، فالكثير ممن يجب ان يدفعوا الضرائب ليس لديهم الأموال الكافية لذلك، ومشكلة إجراءات التقشف التي اجبرت الحكومة اليونانية عليها هي انها لا تساعد الاقتصاد على النمو وانما تعمل على تراجع نموه. العجز في الميزانية يعني إذن  أن الاقتصاد اليوناني يواجه أوضاع اصعب مما كان يتوقع، وأن بعض الاجراءات التقشفية المتفق عليها لا بد من تأجيلها أو عدم تطبيقها من الأساس، وان ما تم الاتفاق عليه من اجراءات سابقا لا يعمل كما كان متوقعا في البداية.
السبب الثالث هو أن هناك بعض الشك في قدرة المستشارة الالمانية انجيلا مركل على الحصول على الموافقات اللازمة في البرلمان الألماني لزيادة صندوق الانقاذ الاوروبي الاسبوع القادم، وذلك نتيجة التطورات التي حدثت في انتخابات المحليات حيث حقق حزب مركل هزيمة في الانتخابات. هزيمة ميركل تعني ان مساعدة الدول المدينة الاخرى في المنطقة، على الرغم من أهميتها لتماسك الاتحاد الاوروبي، أصبح لها انعكاسات خطيرة على المستوى المحلي، وبالتالي اصبح من غير المؤكد اذا كانت خطة انقاذ اليونان سوف تمر، وهو ما يبشر باحتمال انطلاق ازمة مالية أخرى في اوروبا.
السبب الرابع وهو أنه في ظل هذه الظروف لا يتوقع انخفاض نسبة الدين إلى الناتج المحلي الاجمالي في الاجل القريب، فهناك تكهنات بأنه بالرغم من كل ما سوف تتخذه الحكومة من اجراءات، فسوف ترتفع نسبة الدين إلى الناتج إلى 150%، وهي نسبة غير مستدامة، وتعني أن خطة الانقاذ الحالية لن تكون هي الأخيرة وأن اليونان سوف تحتاج إلى خطة انقاذ جديدة في المستقبل القريب.
السبب الخامس هو أن الاجراءات التقشفية التي يطالب دائنو اليونان الحكومة اليونانية بتطبيقها أصبحت خطيرة جدا من الناحية السياسية، وهناك شكوك في قدرة الحكومة على القيام بهذه الاجراءات، كما أن هناك شكوكا أيضا حول قدرة الحكومة اليونانية على تدبير مبلغ الـ 40 مليار دولار المفترض تحصيلها من عمليات الخصخصة التي اتفق عليها وذلك خلال فترة زمنية قصيرة، حيث أن ذلك يعني ان الحكومة لن تكون قادرة على تنفيذ هذا البرنامج بدون اللجوء إلى حرق اسعار للأصول العامة، وهو ما يعني صعوبة تحقيق الحصيلة المستهدفة من الخصخصة خصوصا في ظل الأوضاع الاقتصادية السيئة التي يمر بها الاقتصاد اليوناني حاليا.
حتى هذه اللحظة ما زالت جهود انقاذ اليونان مهددة، بعد ان فشلت اليونان في اقناع المقرضين الدوليين بقدرتها على السيطرة على العجز في الميزانية وبلوغ المستوى المستهدف لها في 2011، وقد حذر صندوق النقد الدولي من أنه اصبح من الصعب ان يتم تقديم تقرير ايجابي حاليا عن اليونان، لان التزامات اليونان حول خفض الانفاق وخطة الخصخصة لم يتم استيفاءها، الأمر الذي يعكس عدم قدرة اليونان على تحقيق مستهدفاتها وهو ما سوف يثير الجدل بين مقرضيها حول امكانية استمرار تقديم المساعدة لإنقاذ اليونان. غير ان الخطورة في عدم تقديم المساعدة اللازمة للإنقاذ هي أنها يمكن ان تتسبب في نتيجة واحدة وهي افلاس اليونان، واذا افلست اليونان، على صغرها، فإنها يمكن ان تعرض الاسواق المالية في العالم، وبالذات الاوروبية إلى اضطراب عظيم.
لقد بدأت آثار المخاوف من خروج الدين اليوناني عن نطاق السيطرة في الظهور بالفعل على أرض الواقع. فقد شهد هذا الاسبوع انخفاضا كبيرا في اسهم البنوك الاوروبية، بسبب القلق من تعرضها للديون السيادية الاوروبية. بعض البنوك التي انخفضت اسهمها داخلة في نطاق مجموعة البنوك التي ستقاضيها الحكومة الامريكية بتهمة بيع سندات عقارية مرتفعة المخاطر بحوالي 196 مليار دولارا بدون الافصاح عن مكونات غطاءها، وهو ما تسبب في خسارة مؤسستي التمويل العقاري ماني فاي وفريدي ماك حوالي 30 مليار دولارا. هذه الادعاءات زادت أيضا من مخاطر البنوك الاوربية المنكشفة على الديون السيادية بصفة خاصة على اليونان، ويقدر بأن البنوك الاوروبية منكشفة بحوالي 94 مليار يورو في الدين اليوناني، وفي حال حدوث صدمة للديون اليونانية فإن البنوك الاوروبية لن تكون قادرة على تحمل هذه الصدمة، بدون عملية اعادة رسملة ضخمة.
من ناحية أخرى فقد اليورو الكثير من قيمته هذا الاسبوع مع تصاعد التكهنات حول مدى قدرة السلطات الاوروبية على ايجاد حل مستدام لهذه المشكلة، وتوفير التمويل اللازم لميزانيتها، ولقد أصحبت الضغوط على الساسة في الدول الاوربية المدينة ضخمة وتهدد مستقبلهم السياسي، وهو ما قد يعطل من تنفيذ خطط التقشف على النحو المطلوب لتخفيض ضغوط الدين، مما يعني أن الحاجة سوف تبدو بصورة اكبر إلى المزيد من الانقاذ في المستقبل، وان استمرار الخلل المالي في الدول الأوروبية سوف يعني ان عملية الاقتراض المستقبلية سوف تكون مكلفة للغاية حيث سيطالب المستثمرون بمعدلات عائد اعلى وهو ما سوف يجعل من الصعب على هذه الدول  استمرار التعامل مع الازمة.
تجدر الاشارة إلى أنه على الرغم من تخصيص المنطقة الاوروبية لتريليون دولار لأغراض الانقاذ الا ان انتشار عدوى الديون السيادية يعني أن هذه المبالغ ربما لا تكون كافية للتعامل مع ازمة الديون الاوروبية في حال انطلاقها، بصفة خاصة اذا لحقت ايطاليا وأسبانيا في ركب الدول المعرضة للإفلاس، بعض التقديرات تضع حجم الأموال اللازمة للتعامل مع أزمة الديون الاوروبية بحوالي 3 تريليون دولارا، لكي تتم عملية انقاذ آمنة للدول المدينة في المنطقة، وحتى اليوم لم تتوصل المنطقة الأوروبية إلى صيغة شاملة للتعامل مع ازمة الدين، وان ما يتم حاليا هو التعامل مع كل حالة على حدة، كما أن ما يطبق حاليا من اجراءات هو مزيج من توفير السيولة واجراءات للتقشف، ولكن اعتبارات النمو المصاحبة للبرامج بصفة خاصة الاستثمار لم يتم التعامل معها بصورة جادة وهو ما يعقد من أوضاع   الدول المدينة، اذا لم يتم التعامل مع القيود الهيكلية التي تعاني منها هذه الدول. 
الخلاصة تتمثل في أن اليونان مطلوب منها حاليا ان تصحح اخطاء ارتكبتها عبر عقود طويلة من الزمن وفي غضون فترة زمنية قصيرة جدا، وهذا لا يمكن ان يتم بصورة سهلة كما يتصور البعض، وان اليونان سوف تتحمل تكلفة ضخمة في اطار عملية الانقاذ. من ناحية أخرى فإن هذه التطورات المخيفة التي تمر بالأزمة اليونانية حاليا أدت إلى تصاعد التوقعات باحتمالات انتقال العدوى لباقي الدول الأوربية ذات الديون الثقيلة، وهو ما يمكن أن يترتب عليه ازمة مالية طاحنة العالم ليس مستعد لها على الإطلاق.

السبت، سبتمبر ٠٣، ٢٠١١

تقرير سوق العمل الأمريكي عن شهر اغسطس

صدر اليوم تقرير سوق العمل الامريكي عن شهر اغسطس الماضي والذي اشار الى عدم تغير نسبة التوظف في القطاع غير الريفي، وأن معدل البطالة نتيجة لذلك لم يتغير عن الشهر الماضي، حيث استمر معدل البطالة للشهر الثاني على التوالي عند 9.1%. كما يتضح من الشكل التالي.

بلغ عدد العاطين خلال هذه الشهر 14 مليون عاطل، بما يمثل 9.1% من اجمالي قوة العمل. هذا المعدل بالطبع يخفي فروقا واسعة بين المجموعات المختلفة من العاملين، فمعدل البطالة بين الذكور 8.9%، وبين الاناث 8%، وبين صغار السن (تحت العشرين) 25.4%، بينما يبلع 8% بين البيض، و16.7% بين السود، و11.3% بين العاطلين من اصول لا تينية، وبين العاملين من اصول اسيوية 7.1%، كما يتضح من الجدول التالي:

الأمر المثير للقلق في هذه الارقام هو نسبة العاطلين لأجل طويل (أكثر من 26 أسبوعا)، حيث يوجد حوالي 6 مليون عامل في حالة بطالة طويلة الاجل، يمثلون 42% من اجمالي العاطلين عن العمل.

ما ان تم الاعلان عن نتائج التقرير حتى تراجعت مؤشرات الاسهم بشكل واضح، وكذلك أخذت اسعار الذهب في الارتفاع. اليوم اغلق سوق الذهب التعامل على 1885 دولارا للأوقية.
تقرير سوق العمل لهذا الشهر جاء محبطا للآمال بصورة واضحة، اذ كان من المتوقع ان يتراجع معدل البطالة ولو بصورة هامشية، ولكن ذلك لم يحدث. اوضاع سوق العمل الامريكي محل قلق شديد للرئيس اوباما، لأن معدل البطالة من المؤشرات الهامة جدا في الانتخابات الامريكية، ولذلك وللتعامل مع هذه القضية طلب الرئيس الامريكي اجتماعا مشتركا في الكونجرس يوم الخميس القادم حيث سيقدم بعض المقترحات الجادة (من وجهة نظره) للتعامل مع مشكلة البطالة ولخلق وظائف للأمريكيين.

الجمعة، سبتمبر ٠٢، ٢٠١١

خطاب بن برنانكي.. الجعبة خاوية والتكهنات تسقط

نشر في صحيفة الاقتصادية السعودية بتاريخ الجمعة 2/9/2011.
حبس العالم أنفاسه يوم الجمعة الماضي 26 أغسطس، انتظارا لما سوف يسفر عنه خطاب بن برنانكي رئيس الاحتياطي الفدرالي الأمريكي في الاجتماع السنوي في قاعة جاكسون، بمقر الاحتياطي الفدرالي في كانساس سيتي بالولايات المتحدة. حيث يأتي الاجتماع في ظل ظروف اقتصادية غاية في الدقة، فالنمو الأوروبي يتراجع على نحو مثير للقلق، وكذلك جاءت معدلات النمو في النصف الأول من هذا العام في الولايات المتحدة مخيبة للآمال، في الوقت الذي فقد فيه الدين الامريكي تصنيفه الممتاز وفقا لمؤسسة ستاندرد أند بور لأول مرة في التاريخ، نتيجة لما حدث من مهاترات بين الحزبين الرئيسيين في البلاد حول رفع سقف الدين العام، واستجابة لهذه التطورات أخذت أسواق المال في العالم أجمع في التراجع على نحو مقلق يذكر العالم بما حدث في بدايات الأزمة الحالية في 2008.
سبق الخطاب تكهنات عديدة عما سوف يحتويه، وإن كان معظمها يدور حول قرب انطلاق خطة التيسير الكمي الثالثة QE3، في الوقت الذي كانت تنتظر فيه الأسواق، بصفة خاصة سوق الذهب، نتائج الخطاب. بعد أن فرغ بن برنانكي من خطابه اكتشف العالم أن جعبة بن برنانكي كانت خاوية من كل ما تحدث عنه المراقبون، وسقطت جميع التكهنات حول مسار السياسة النقدية الأمريكية في الفترة القادمة.
لقد كان كل ما فعله برنانكي هو تشخيص الوضع الاقتصادي في الولايات المتحدة، وطبيعة التحديات التي تواجه الاقتصاد الأمريكي حاليا، ورسم بعض ملامح السياسات اللازمة للتعامل مع بطئ النمو الاقتصادي الامريكي واستمرار معدلات البطالة مرتفعة، واختتم برنانكي خطابه بالإعلان عن أن الحل لم يعد في يديه، إذ أن ما في حوزة السياسات النقدية من أدوات للتعامل مع عقبات النمو والبطالة طويلة الأجل تعد محدودة جدا، ومن ثم يجب على أعضاء الكونجرس أن يتحملوا مسئولياتهم تجاه الاقتصاد الأمريكي، وذلك بدعم الانفاق لخلق المزيد من الوظائف. إلا أن برنانكي لم يغلق الباب أمام استخدام المزيد من أدوات السياسة النقدية لدعم النمو طويل الأجل في ظل مناخ من استقرار الاسعار. من هذا المنطلق نظر كثير من المراقبين إلى خطاب برنانكي بأنه جاءا محبطا، كونه لم يقم بالإعلان عن أي خطط لتحفيز النمو الامريكي في الفترة القادمة. غير أن الخطاب قد احتوى على الكثير من النقاط المهمة التي أريد ان الفت انتباه قارئ الاقتصادية الكريم لها.
لقد كان موضوع الاجتماع السنوي هو النمو الاقتصادي في الأجل الطويل، وقد تحدث برنانكي عن صعوبة الوضع الذي يواجهه النمو الامريكي حاليا، وأنه يدرك طبيعة التحديات التي تواجه التعافي من الكساد، إلا أنه في أعلن في ذات الوقت أنه متفاءل حول افاق النمو الاقتصادي طويل الأجل في الولايات المتحدة، ذلك أن المحددات الاساسية لهذا النمو لا يبدو انها تغيرت نتيجة الصدمات التي تعرض لها خلال الأربع سنوات الماضية. صحيح أن تأثير هذه الصدمات على الاقتصاد الامريكي ربما يأخذ بعض الوقت، إلا أنه يتوقع أن يعود الاقتصاد الامريكي لتحقيق المعدلات الطبيعية للنمو والتوظف في الأجل الطويل، وأكد على أن صانع السياسة الاقتصادية في الولايات المتحدة يواجه حاليا تحديان أساسيان، الأول هو مساعدة الاقتصاد الأمريكي لكي يتعافى من الأزمة والكساد الذي تلاها، والثاني هو أن يقوم بذلك بالشكل الذي يسمح للاقتصاد الأمريكي بأن يطلق قوى النمو الاقتصادي الكامنة في الأجل الطويل.
استعرض برنانكي أهم التطورات الإيجابية التي حققها الاقتصاد الأمريكي منذ بداية الأزمة، قائلا بأنه منذ أن انطلقت الازمة المالية في 2008، أدرك العالم خطورة ما يمكن ان تسببه من انهيار اقتصادي على المستوى العالمي، وأخذت حكومات العالم وبنوكه المركزية الرئيسة في العمل، وبقدر كبير من التنسيق، من أجل تفادي الانهيار الاقتصادي التام على المستوى الدولي، وقد تم ذلك في إطار سياسات نقدية ومالية تهدف إلى تحفيز الاقتصاد العالمي، وأنه بدون هذه الجهود فإن الاقتصاد العالمي كان سيتعرض لأضرار حادة لا يمكن تجنبها، ونتيجة لهذه الجهود حدث الكثير من التطورات الايجابية في السنوات الأخيرة، إذا ما أخذنا مدى عمق الازمة التي يمر بها العالم في الاعتبار.
فبشكل عام يحقق الاقتصاد العالمي معدلات نمو جيدة، بقيادة اقتصاديات الدول الناشئة. أما في الولايات المتحدة فإن الاقتصاد الامريكي في حالة استعادة للنشاط، للربع التاسع على التوالي، على الرغم من أن هذا التعافي يعد ضعيفا بالمقاييس التاريخية. أما من الناحية المالية، فإن البنوك الامريكية تعد في وضع أفضل الآن، وانها تحتفظ برأس مال أكبر، كما تقدم ائتمان أكثر، على الرغم من أنه ما زال محدودا بالنسبة لبعض القطاعات، بصفة خاصة المشروعات الصغيرة، أما الشركات التي تتوافر لها حرية الوصول إلى أسواق السندات فلا تجد صعوبة في الحصول على التمويل اللازم لها، بشروط مناسبة.
من ناحية أخرى تزايد الإنتاج الصناعي الامريكي بنسبة 15% تقريبا مقارنة بأدنى مستوياته بعد الأزمة، كذلك تراجع العجز التجاري الأمريكي لأقل من مستوياته قبل الأزمة، بما يعكس تزايد تنافسية الاقتصاد الامريكي في مجال تجارة السلع والخدمات، كما تزايدت معدلات الاستثمار، وتحسنت مستويات الإنتاجية في السنوات الأخيرة، بل وحدث تحول كبير في سلوك الأمريكيين الذين أصبحوا يدخرون أكثر حاليا ويقترضون بصورة أقل.
غير أن برنانكي يشير إلى أنه بالرغم من هذه التطورات الايجابية، الا أن التعافي من الأزمة كان أقل مما كان مأمولا، خصوصا ما حققته الولايات المتحدة من ضعف في معدلات النمو في النصف الاول من هذا العام، وهو ما يشير إلى أن انحسار النشاط الاقتصادي ربما أصبح أعمق وان التعافي من الأزمة كان ضعيفا. إذ لم يستعد الناتج الكلي مستويات ما قبل الأزمة،  كما أن النمو الاقتصادي في معظمه لم يكن كافيا لتخفيض مستويات البطالة على نحو مستدام والتي ظلت تتأرجح مؤخرا حول معدل 9%. ويعزو برنانكي ضعف النمو في النصف الأول من هذا العام إلى الارتفاع غير العادي في اسعار السلع التجارية وأثر زلزال اليابان على الناتج العالمي، ولذلك يتوقع برنانكي ان يتحسن معدل النمو في النصف الثاني من هذا العام، مع تراجع تأثير هذين العاملين.
ولكن لماذا كان التعافي من الأزمة بطيئا وغير مستقر؟ يشير برنانكي إلى أن الكساد الحالي كان حادا جدا سواء في الولايات المتحدة أو على المستوى العالمي، كما أنه كان مصحوبا بركود عميق في سوق المساكن وأزمة مالية تاريخية، وقد عمل هذين العاملين على تباطؤ عملية النمو في الاقتصاد الامريكي، ويلفت برنانكي الانتباه إلى أنه من الناحية التاريخية لعب قطاع المساكن في الولايات المتحدة دورا أساسيا في التعافي من حالات الكساد التي مر بها الاقتصاد الامريكي بعد الحرب العالمية الثانية. غير أن قطاع المساكن هذه المرة يواجه العديد من القيود، أهمها تراجع الائتمان الذي تحصل عليه شركات البناء وكذلك المشترين للمساكن، كما أن هناك قلق من جانب كل من المقترضين والمقرضين حول اتجاهات اسعار المساكن جعل عملية بناء المساكن الجديدة عند مستويات تقل عن ثلث مستوياتها قبل الأزمة.
هذا المستوى المنخفض من عمليات البناء له آثار كبيرة، ليس فقط على البنائين، ولكن أيضا على الموردين للعديد من السلع والخدمات المرتبطة بالمساكن وعمليات بناءها. أكثر من ذلك فأن تراجع الائتمان كان أحد العوامل المقيدة لاستعادة قطاع المساكن لنشاطه، كذلك فإن ضعف قطاع المساكن كان له من ناحية أخرى آثار معاكسة على أسواق المال وتدفق الائتمان في الاقتصاد، حيث ترتب على هذه التطورات في قطاع المساكن ارتفاع درجة الحذر عند تقديم الائتمان بصورة أكبر، وهو ما أدى إلى التأثير بصورة واضحة على الإنفاق الاستهلاكي، وقد أدى الضغط المالي إلى جر التعافي من الازمة في الولايات المتحدة وفي الخارج إلى الوراء. بصفة خاصة عاد اشتداد حدة التقلبات في الاسواق وكذلك الرغبة في تجنب المخاطرة، من جانب المتعاملين، مرة أخرى في الأسواق استجابة للقلق حول الديون السيادية والتطورات المصاحبة للحالة المالية للولايات المتحدة، بما في ذلك خفض التصنيف الاخير للدين الامريكي.
لقد أشارت نتائج النمو في النصف الأول من هذا العام إلى تحقيق الاقتصاد الامريكي معدلات نمو تقل بشكل كبير عن توقعات اللجنة الفدرالية للسوق المفتوح في الاحتياطي الفدرالي، ولكن اللجنة تتوقع أن يظل التعافي متواضعا ثم يتعزز بعد ذلك بمرور الوقت، وأن يكون النمو اقل في الفترة القادمة مما كان متوقعا، بينما تستمر معدلات التضخم والتوقعات التضخمية طويلة الأجل مستقر حول معدل 2%، أو ربما أقل.
أما عن توجهات السياسة النقدية في الولايات المتحدة في الفترة القادمة فقد أشار برنانكي إلى أن اللجنة الفدرالية للسوق المفتوح قد قررت تثبيت معدل الأموال الفدرالية، حتى منتصف 2013، أي استمرار معدلات الفائدة الصفرية لمدة سنتين إضافيتين. غير أن برنانكي يؤكد ان الاحتياطي الفدرالي لديه عدد من الأدوات التي يمكن استخدامها لتوفير المزيد من التحفيز النقدي للاقتصاد الأمريكي، وان اللجنة الفدرالية سوف تستمر في تقييم الأوضاع الاقتصادية في ضوء المعلومات التي تتدفق من الاقتصاد، وسوف تستخدم ادواتها بالصورة المناسبة لتشجيع التعافي الاقتصادي في ظل استقرار الأسعار.
بالنسبة لآفاق النمو طويل الاجل لا يعتقد برنانكي أن النمو الكامن طويل الأجل للاقتصاد الأمريكي سوف يتأثر، إذا  تم اتخاذ الاجراءات المناسبة لضمان هذه النتيجة. ففي الأجل المتوسط سوف يميل قطاع المساكن نحو الاستقرار وينمو مرة أخرى، من ناحية أخرى فإن أسواق المال والمؤسسات المالية عادت إلى حد كبير لأوضاعها الطبيعية، وأن قطاع الأعمال سوف يستمر في الاستثمار في رأس المال الجديد والتكنولوجيا الجديدة ويبني على ارتفاع الانتاجية المحقق في السنوات الماضية، وأن التعافي الاقتصادي ربما يستغرق بعض الوقت، وربما يواجه بعض المشاكل في طريقه، وهو ما يقتضى أن تكون السلطات النقدية مستيقظة لمخاطر التعافي بما في ذلك المخاطر المالية. فما زال الاقتصاد الامريكي يحتفظ بمزاياه التقليدية من الاعتماد على نظام السوق، وثقافة المبادرة، وأسواق رأس مال وعمل تتسم بالمرونة، وأن الولايات المتحدة ما زالت الرائدة تكنولوجيا في العالم وفيها الجامعات الرائدة في العالم في البحث العلمي، وكذلك مستوى انفاق على البحوث والتطوير أكثر من أي دولة أخرى في العالم.  
غير أن برنانكي يعدد التحديات التي تواجه النمو الاقتصادي طويل الاجل في الولايات المتحدة، والتي منها شيخوخة السكان، كما هو الحال في الكثير من الدول المتقدمة الأخرى، وأن المجتمع لا بد وأن يتعود مع مرور الوقت على قوة عمل كبيرة في السن، كما أن نظام التعليم الأساسي، على الرغم من قوته، لا يخدم قطاعا عريضا من السكان بصورة مناسبة، وأن تكلفة الرعاية الصحية في أمريكا هي الأعلى عالميا، ولكن هذه المشكلات كانت قائمة من قبل الأزمة وسوف تستمر، وان الولايات المتحدة تعمل على بذل الجهود للتعامل معها، ولتمكين الاقتصاد من أن ينمو على نحو يتوافق مع طاقاته الكامنة، ويؤكد برنانكي على أنه لا بد من العمل على دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي، وتبني سياسات ضريبية وتجارية كفئة، وتنمية مهارات قوة العمل، وتشجيع الاستثمار الانتاجي في كل من القطاعين العام والخاص وتوفير الدعم المناسب للبحوث والتطوير وتبني التكنولوجيا الجديدة.
لدعم النمو طويل الاجل فإن الاحتياطي الفدرالي سوف يتأكد من أن معدل التضخم منخفض ومستقر عبر الزمن، فمعدل التضخم المنخفض والمستقر يحسن من أداء الأسواق ويجعلها أكثر كفاءة في تخصيص الموارد، ويمكن الأفراد وقطاع الأعمال من التخطيط للمستقبل بدون أن يتأثروا بالتقلبات غير المتوقعة في المستوى العام للأسعار، كما سيستمر الاحتياطي الفدرالي في مراقبة الاستقرار المالي من منطلق دوره كمنظم مالي وكملجأ أخير للسيولة، ويؤكد برنانكي أن معظم السياسات الاقتصادية التي تدعم النمو الاقتصادي في الأجل الطويل تقع خارج نطاق البنك المركزي، ولذلك يختتم برنانكي حديثه ببعض الأفكار حول دور السياسة المالية الفدرالية في تشجيع الاستقرار الاقتصادي والنمو، مشيرا بأنه لكي يتحقق الاستقرار المالي، فإن السياسة المالية الامريكية لا بد وأن تصاغ في إطار يؤمن استقرار نسبة الدين إلى الناتج المحلي، أو أن يقللها بمرور الوقت، وأنه بدون تغيرات جوهرية في السياسة المالية فإن تمويل الإنفاق الحكومي سوف يخرج عن نطاق السيطرة وهو ما يرفع مخاطر التعرض لأضرار اقتصادية ومالية حادة. حيث سوف يتزايد العبء المالي مع تزايد اعداد الشيوخ من السكان وارتفاع تكلفة الرعاية الصحية، وهو ما يقتضي ضرورة اتخاذ قرارات حاسمة في هذا المجال، ومن وجهة نظر برنانكي فإن صانعي السياسة المالية يمكنهم أن يشجعوا الأداء الاقتصادي القوى من خلال تصميم برامج سياسات الضريبة وبرامج الإنفاق، بما يشجع الافراد على العمل وعلى الادخار ويشجع الاستثمار في مهارات قوة العمل وتحفيز تكوين رأس المال الخاص وتشجيع البحث والتطوير وتوفير البنى التحتية المناسبة.
لم يفت برنانكي أن يذكر في آخر خطابه إلى أنه ربما يكون أخطر التحديات للولايات المتحدة وهو أنها تحتاج إلى أن يتم اتخاذ القرارات المالية بصورة افضل. فقد أدت المفاوضات التي تمت لرفع سقف الدين إلى اضطراب الأسواق المالية، وربما الاقتصاد، ومن الممكن أن يترتب على الأحداث المماثلة في المستقبل تهديد رغبة المستثمرين في أنحاء العالم في الاحتفاظ بالأصول المالية الامريكية، أو رغبتهم في القيام باستثمار مباشر فيها لخلق الوظائف، ومن ثم فإن على صانعي السياسة المالية أن يضعوا أهداف واضحة للميزانية واليات لتحقيق هذه الأهداف، وقد اختتم برنانكي خطابه مشيرا إلى أن الاحتياطي الفدرالي سوف يقوم بكل ما يمكنه للمساعدة على استعادة معدلات النمو والتوظف في اطار من استقرار الاسعار.