الثلاثاء، أكتوبر ١٨، ٢٠١١

نحو آلية واضحة لربط الأجور في دولة الكويت


نشر في صحيفة القبس الكويتية بتاريخ الثلاثاء 18/10/2011

إن المراقب للساحة الكويتية يلاحظ أن الشغل الشاغل لكافة موظفي الدولة حاليا هو كيفية تحقيق أقصى زيادة ممكنة في رواتبهم وباقي التعويضات التي يحصلون عليها، بغض النظر عن مدى مناسبة تلك الزيادات للتطورات التي تحدث في تكلفة المعيشة، أو بمدى استحقاقهم لها، وأن ذلك يتم اما من خلال اقرار كادر خاص، أو السعي لزيادة المرتبات عن طريق المفاوضات الناعمة مع المسئولين، أو عمل لوبي مع من يمكنهم استمالته منهم، أو من خلال الضغط الخشن، عن طريق الاضراب عن العمل وتعطيل المصالح الحكومية، بصفة خاصة اذا كانت تلك المصالح تمس المتطلبات اليومية الأساسية للجمهور، وذلك لإجبار الحكومة على الاستجابة لمطالب العاملين بزيادة الأجور، وبشكل عام فإن كل فئة من فئات العاملين في الدولة تستخدم الآلية التي تراها اكثر ملائمة للتوصل الى مبتغاها في هذا المجال.

الذي يتتبع تطور باب الأجور والمرتبات في الميزانية العامة للدولة يصل الى نتيجة مفادها، أن هناك حالة فوضى عارمة في هذا الباب، وأن اي سيناريو مستقبلي لهذا الباب في ظل الأوضاع الحالية لا يحمل سوى نتيجة واحدة وهي استحالة استدامة أوضاع المالية العامة لدولة الكويت في نطاق آمن في ظل الضغط الذي ستمثله أعباء الأجور على الميزانية العامة للدولة، وأن خيارات الدولة للتعامل مع الضغوط المالية لاعتمادات الرواتب ربما تكون قاسية للغاية في المستقبل، بحيث قد تضطر الدولة الى التركيز على زيادة المرتبات من الناحية الإسمية فقط، مع السماح لقيمة الدينار الكويتي في التراجع بعد ان كان واحدا من أكثر العملات في العالم استقرارا، وذلك حتى تتمكن الدولة من استيفاء التزاماتها نحو جيش العاملين فيها بكافة فئاتهم وكوادرهم.

لقد اثبتت دراسة اتحاد مصارف الكويت بعنوان " الموازنة العامة لدولة الكويت: تقييم الوضع المالي الحالي واستشراف التحديات المستقبلية" أن النمو المتزايد في باب الاجور في الميزانية العامة للدولة يتم بصورة عشوائية ولا يستند الى أي أساس علمي. إذ يفترض من الناحية العلمية أن زيادة المرتبات إما أن تستهدف مجاراة الزيادة الحادثة في الاسعار، وذلك حتى تحافظ الدولة على مستوى معيشة العاملين فيها، أو أن تصاحب النمو في انتاجية العاملين، فمع زيادة الانتاجية لا بد من زيادة التعويضات التي يحصل عليها العاملين في قطاعات الانتاج للسلع وتقديم الخدمات، وقد اتضح من الدراسة أن النمو في الأجور خلال فترة الدراسة كان ضعف معدلات التضخم، كما أن النمو في باب الأجور كان أقل قليلا من معدل النمو في الناتج الإسمي، إلا أنه واخذا في الاعتبار أن النمو في الناتج المحلي الإجمالي كان الجانب الأكبر منه نموا اسميا، حيث يرجع أساسا الى ارتفاع اسعار النفط، وليس الى نمو الانتاجية الكلية للاقتصاد المحلي، فإن النمو في الأجور يصبح، مرة أخرى، غير متوافق مع النمو في الانتاجية. 

وقد خلصت دراسة اتحاد مصارف الكويت إلى أن الاتجاه الحالي نحو زيادة المرتبات واقرار الكوادر يؤدي الى آثار متعددة على المديين القصير والبعيد، وتتمثل أهم الآثار في الاجل القصير في:

-         تزايد الضغوط على الإيرادات العامة للدولة من حيث كفايتها لمواجهة المصروفات الثابتة.

-         رفع تكلفة القطاع الخاص وانخفاض تنافسيته.

-         تراجع الإنفاق الاستثماري للدولة.

-         الهجرة العكسية للعمالة الوطنية من قطاع الأعمال الخاص والتوجه نحو القطاع العام.

أما على المدى الطويل فإن هذه الآثار تتمثل في:

-         تحجيم قدرة القطاع الخاص على خلق فرص عمل جديدة ومناسبة لاستيعاب العمالة الوطنية.

-         إجهاض خطط الحكومة نحو إحلال العمالة الوطنية محل العمالة الأجنبية.

-         تزايد الضغوط على تسييل استثمارات الدولة والسحب من صندوق الاحتياطي العام.

-         ارتفاع متوسط سعر النفط المطلوب لتوازن الميزانية العامة للدولة.

-         تزايد معدلات البطالة المقنعة في القطاع الحكومي وتردي مستوى الانتاجية.

مما لاشك فيه أن هذه الآثار من الخطورة بمكان بحيث تتطلب ضرورة البحث عن حل لهذه المشكلة من خلال التوصل الى آلية مناسبة يحتكم اليها في زيادة اجور العاملين في الدولة، خصوصا بعد اعتماد معظم العاملين لاسلوب الاضراب عن العمل كوسيلة ضغط أساسية لتحقيق مطالبهم بزيادة اجورهم أو اقرار كوادرهم في كافة مجالات العمل التي ينطبق عليها توصيف الكادر أو التي لا ينطبق عليها ذلك.

المتتبع لاستجابة الحكومة لمطالب العاملين بزيادة الأجور أو اقرار الكوادر من خلال الاضرابات يلاحظ أن بعض هذه الاضرابات ووجه بالاستجابة السريعة لها من جانب الحكومة، وهو اتجاه أقل ما يوصف بأنه خطير لأن نتائجة سوف تكون في غاية الخطورة على القوة التفاوضية للحكومة على المدى الطويل في مواجهة العاملين فيها، خصوصا وأنه لا يوجد أي حائل يقف امام عملية اعادة الكرة مرة ومرات لتحقيق زيادات جوهرية في الأجور الحالية للعاملين، طالما انهم سيتمكنون من فرض ذلك على أرض الواقع.

ويرى اتحاد مصارف الكويت أن اعتماد اسلوب الاضراب عن العمل كوسيلة للضغط، خصوصا في المجالات التي تقدم خدمات أساسية وحيوية للجمهور يقتضي اتباع إحدى آليتين في التعامل مع هذه الظاهرة:  

-         الأولى وهي مواجهة الاضرابات بصورة اكثر حزما، خصوصا اذا كان الامر يتعلق بالخدمات التي تؤدي للجمهور، حتى لا يساء استخدام هذه الأداة، وهي آلية لها مخاطرها، خصوصا إذا كانت القوة التفاوضية للعاملين أقوى من القوة التفاوضية للحكومة، أو كانت الحكومة في وضع سيئ من الناحية السياسية.

-         الثانية وهي الأسلم والأكثر أمانا على المدى الطويل وتتمثل في ضرورة تبني طريقة عملية واضحة للنمو في الأجور السنوية للعاملين في الدولة بحيث تحقق الهدف الاساسي المفترض من زيادة الأجور، وهو الحفاظ على مستويات المعيشة للعاملين في الدولة وحماية القوة الشرائية لدخولهم، بما يحقق العدالة المطلوبة وفي ذات الوقت لا يرهق كاهل الميزانية العامة بالزيادات السخية في الأجور.

لذلك سوف يتم التركيز على الآلية الثانية، بغرض البحث عن حل طويل الأجل لهذه المشكلة من خلال اقتراح آلية علمية واضحة ومعتمدة لزيادة الأجور للعاملين في الدولة، تهدف الى الحفاظ على القوة الشرائية لدخولهم، وتقلل من اتجاههم نحو الاضراب من وقت لآخر، وهو ما يدخل في علم الاقتصاد في اطار ما يسمى بربط الاجور Wage indexation.

ربط الأجور.

يعد ربط الاجور من الموضوعات التي ظهرت على الساحة بقوة في السبعينيات من القرن الماضي عندما تم اقتراح ان تتم عملية ربط الأجور Indexation في الكثير من الدول، خصوصا في دول امريكا اللاتينية، ويهدف ربط الأجور الى التأكد من ثبات القيمة الحقيقية لأجور العاملين وعدم تدهور القوة الشرائية لدخولهم عبر الزمن، وهي سياسة تلجأ اليها الدول لكي تتأكد من وجود آلية واضحة لتحديد مقدار الزيادات التي يمكن اقرارها في الأجور بحيث تكون تلك الزيادات عادلة بالنسبة للعاملين وغير مغالى فيها وألا تكون مكلفة للدولة في الوقت ذاته. على أن انتهاج اسلوب الربط يقتضي ضرورة وضوح والاعلان عن الآلية التي يتم بمقتضاه الربط، حتى يكون كل من العاملين وجهات العمل على علم باسلوب ربط الأجور والآلية التي على أساسها تتم عملية رفع الأجور أو تعديلها.

مزايا ربط الأجور:

تتمثل أهم مزايا ربط الأجور في الآتي:

-         بدون هذه الآلية للربط، فإن عمليات تعديل الاجور تتم على أساس عملية التفاوض بين نقابات العمال والحكومة، والقوة التفاوضية للطرفين، وقد يترتب على القوة التفاوضية للعاملين المغالاة في فرض معدلات الزيادة في أجورهم، أو ربما يترتب على ضعف القوة التفاوضية لنقابات العمل التقليل من اللجوء الى مثل هذه المفاوضات مع الحكومة لتعديل مستويات الأجور، وهو ما قد يترتب عليه تراجع مستويات معيشتهم.

-         ان عملية ربط الأجور تضمن تحقيق العدالة الاجتماعية والتأكد من عدالة عملية توزيع الدخل بالنسبة للعمال، حيث يؤدي الربط الى الحفاظ على القوة الشرائية للأجور، لأن الربط يترتب عليه الحفاظ على مستويات القوة الشرائية لأجورهم من التدهور بفعل التضخم.

-         ان الاتفاق على آلية محددة وواضحة لربط الأجور يمكن أن يسهم في دعم السلام الاجتماعي واستقرار العلاقات الصناعية داخل الدولة.

-         أن الاتفاق على آلية محددة للربط يقلل من الخلاف حول مدى الزيادة المطلوب في الاجور، خصوصا اذا كانت الآلية المقترحة لحساب النمو في الأجور واضحة ومحددة.

-         أن الربط يقلل من حالات الاضراب التي يقوم بها العمال من وقت لآخر، بصفة خاصة في اماكن العمل الحيوية التي تقدم الخدمات الأساسية للجمهور، لأن الأجور الحقيقية للعمال سوف يتم الحفاظ عليها بصورة اتوماتيكية، ومن ثم تنصرف اهتمامات نقابات العمال نحو امور أخرى غير الاضراب للمطالبة برفع مستويات الأجور والدخول في مفاوضات طويلة مع الحكومة حول مستويات الزيادة المطلوبة، مثل الاهتمام بالعاملين المنتسبين لها والعلاقات الاجتماعية فيما بينهم .. الخ.

-         أن ربط الأجور سوف يجبر البنك المركزي للدولة على الاهتمام بصورة أكبر بعملية صياغة وتنفيذ سياساته النقدية، حيث سيتركز اهتمام البنك المركزي في الحفاظ على معدل التضخم في حدود مناسبة، أو تبني معدل مستهدف للتضخم بحيث تتم صياغة السياسة النقدية لأغراض الحفاظ على هذا المعدل حتى لا يكون له آثار مالية Fiscal على الميزانية العامة للدولة.

عيوب ربط الأجور:

تتمثل أهم عيوب ربط الأجور في الآتي:  

-         يترتب على عملية الربط ارتفاع مستمر في تكلفة الانتاج للسلع وتقديم الخدمات، بصفة خاصة عندما يكون معدل التضخم مرتفعا.

-         أن جهود مكافحة التضخم ربما تواجه مصاعب في ظل استمرار ارتفاع الأجور بشكل اتوماتيكي مع ارتفاع معدلات التضخم، طالما أنه يتم تغذية التضخم بالزيادات في الأجور.

-         أن الربط الأتوماتيكي من الممكن ان يؤدي الى التأثير السلبي على تنافسية الشركات التي يعمل بها العمال نظرا للارتفاع المستمر في تكاليف الانتاج نتيجة عملية الربط.

غير أنه بمقارنة مزايا وعيوب الربط، نجد، على الأقل من الناحية النظرية، أن مزايا ربط الأجور تتفوق علي عيوبه.

تجارب بعض الدول في ربط الأجور:

لجأ الكثير من دول العالم الى ربط الأجور كوسيلة للحفاظ على القوة الشرائية لدخول العاملين وضمان استقرار الاوضاع المعيشية لهم. على سبيل المثال تتبنى لوكسمبورج اسلوب الربط الخلفي Backward، أي تعديل الأجور بالعودة الى ارقام التضخم في الفترات الزمنية الماضية، ويتم ذلك بصورة اتوماتيكية، حيث تنص قاعدة الربط على اساس زيادة كل الاجور والمعاشات بمتوسط متحرك طوله ستة أشهر لمعدلات الزيادة في المستوى العام للأسعار (أسعار المستهلك)، إلا اذا تجاوز معدل التضخم التراكمي 2.5%، هنا لا يتم الانتظار حتى تنقضي الستة أشهر للنظر في تعديل الاجور، وانما يتم تعديل الأجور بصورة مباشرة، وتتم عملية التعديل بالنسبة للأجور والتعويضات الاجتماعية الأخرى.

أما في بلجيكا فيتم ربط الأجور من خلال استخدام مؤشر خاص للأسعار يطلق عليه المؤشر الصحي، وهو الرقم القياسي للأسعار، مطروحا منه زيادات اسعار الكحوليات والدخان والوقود، وعادة ما يتم تعديل المرتبات على أساس سنوي، وتتم عملية التعديل بالنسبة للأجور والتعويضات الاجتماعية الأخرى (مثل علاوة الأولاد)، وفي قبرص يتم ربط الأجور من خلال استخدام الرقم القياسي للأسعار، بحيث يتم تعديل الأجور كل ستة أشهر، غير أن عملية التعديل تشمل فقط الأجور الاساسية دون التعويضات الأخرى. أما في مالطة فتتم عملية التعديل على أساس سنوي، ولكن معدل التضخم المستخدم هو الرقم القياسي لأسعار التجزئة، وتشمل أيضا الأجور والتعويضات المالية الأخرى، وفي البرازيل يتم الربط حاليا على أساس معدل التضخم المتوقع، وذلك بعد تبني البنك المركزي لمعدل تضخم مستهدف، يحاول من خلال سياساته النقدية الحفاظ عليه.

من ناحية أخرى فإن هناك دولا أخرى في العالم استخدمت عملية الربط بمعدلات التضخم ولكنها توقفت عن التعديل الاتوماتيكي للأجور مثل الدنمارك، وفرنسا، وفي ايطاليا كان النظام يقضي بحدوث زيادة متساوية في الرواتب للجميع بغض النظر عن مستوى الأجر الأساسي، وهو النظام الذي كان عرضة للانتقاد على أساس أنه يؤدي الى زيادة الضغوط التضخمية، الأمر الذي أدى الى إلغاء النظام، وحاليا تنظر نقابات العمال الى معدل التضخم المتوقع على انه مؤشر مناسب لرفع مستويات الأجور. أما في هولندا فقد كان نظام الربط ينص على التعديل الاتوماتيكي للأجور تحت نظام يسمى الحفاظ على تكلفة المعيشة، والذي الغي لاحقا في 1982.

كيفية ربط الأجور

على الرغم من تعدد صيغ ربط الأجور من الناحية النظرية، إلا أنه من الناحية العملية جرت العادة على ربط الأجور بمعدل التضخم وفقا لتعريفات مختلفة لمعدل التضخم ودرجة شمول هذا المعدل للمجموعات السلعية المختلفة التي يتكون منها، وتميل معظم الدول الى ربط الأجور بتطورات معدل التضخم في الفترة الزمنية السابقة (أي بفترات تأخير في الربط)، وليس بمعدل التضخم في الفترة الحالية، ويرجع السبب في الربط بالتضخم في الفترة الزمنية السابقة إلى عدم توافر المعلومات الكافية عن معدل التضخم في الفترة الحالية، على الرغم من أنه من الممكن تعديل الاجور من خلال استخدام التوقعات التضخمية عن الفترة الحالية، إلا أنه ليس هناك ما يضمن أن تتحقق مثل هذه التوقعات على أرض الواقع، اذ يعتمد ذلك بصورة اساسية على دقة عملية صياغة التوقعات ودرجة الوثوق في مستهدفات البنك المركزي حول التضخم Central Bank Credibility، والتي تؤثر بشكل كبير في درجة اتساق التوقعات التضخمية مع المستويات المحققة منها.

غير ان  ربط الأجور بمعدلات التضخم في الماضي يترتب عليه بعض الآثار أهمها ان عقود التوظيف عادة ما تكون لفترات زمنية طويلة، سنة فأكثر، وبالتالي فإن ارتفاع معدل التضخم الحالي سوف يحدث آثارا آنية على القوة الشرائية لدخول العاملين، ومن ثم مستويات معيشتهم، والتي لن يتم تعديلها الا في نهاية السنة الحالية او حين يتم تجديد العقود، وهو ما قد يحمل العاملين بخسائر تلحق بهم نتيجة لذلك ولن يتم تعويضهم عنها، خصوصا اذا كان معدل التضخم مرتفعا.

على أن عملية تعديل الاجور من خلال نظام الربط بالتضخم قد تتم إما بصورة كاملة أو بصور جزئية، حيث يفترض من الناحية النظرية أن يتم الربط بالمستوى العام للأسعار وفقا لوزن محدد "و"، وتتراوح قيمة هذا الوزن بين الصفر والواحد الصحيح، وبين هاتين القيمتين للوزن فإن عملية الربط تتم بشكل جزئي، وتعني قيمة الوزن صفرا، أن الأجور لا يتم تعديلها على الاطلاق للتقلبات في المستوى العام للأسعار وفقا للآلية المستخدمة في عملية الربط، وبالطبع كلما ارتفعت قيمة الوزن "و" كلما ازدادت استجابة الاجور للتغيرات التي تحدث في المستوى العام للأسعار، وعندما تصل قيمة الوزن الى الواحد الصحيح فإن ذلك يعني أن عملية الربط بين المرتبات ومعدل التضخم كاملة.

من ناحية أخرى فإن عملية ربط الاجور بالتضخم غالبا ما تتم على أساس سنوي، مثلما يتم في معظم الدول التي تربط الأجور بالتضخم، أو قد تتم على فترات أقل من سنة، وهو نظام أفضل بالنسبة للعاملين لانه يقلل من التكلفة التي يمكن ان يتحملونها نتيجة ارتفاع معدلات التضخم، أو من الممكن ان يتم الاتفاق على أنه عندما يتجاوز معدل التضخم مستوى محدد يتفق عليه، فإن عملية اعادة تقييم الاجور لا بد وان تبدأ في حال توافر معلومات عن تجاوز معدل التضخم المتراكم خلال الفترات السابقة من السنة هذا الحد المتفق عليه، علي سبيل المثال أذا تجاوز معدل التضخم المتراكم خلال السنة نسبة 2% في اي وقت من السنة فإن عملية تعديل الاجور تبدا على الفور رغبة في الحفاظ على القوة الشرائية لدخول العاملين في الدولة، ويتسم هذا الأسلوب في الربط بأنه يساعد على المحافظة على القوة الشرائية للأجور من التدهور بسرعة خلال السنة إذا كانت تطورات معدل التضخم سريعة.

وعلى ذلك يقترح اتحاد مصارف الكويت الآلية الآتية لربط الزيادات في الأجور في الكويت:

1-    أن يتم استخدام معدل التضخم كأساس لربط الزيادات التي تحدث في الاجور وذلك استنادا الى البيانات الرسمية التي ينشرها بنك الكويت المركزي.

2-    أن يتم اعتماد الأساس السنوي في تعديل الاجور وذلك وفقا لما هو متبع حاليا في زيادة مرتبات العاملين في الدولة.

3-    أن يتم الغاء العلاوات الدورية التي تصرف للعاملين في الدولة بصفة دورية كل سنة، على أن تستبدل بالزيادة المقطوعة والمحسوبة على أساس معدل التضخم المحسوب في السنة السابقة.

4-    إذا حدث أن تجاوز المعدل المتراكم للتضخم في أي فترة زمنية خلال السنة معدل التضخم المستهدف من جانب بنك الكويت المركزي، أي مستوى 2%، تبدأ على الفور عملية تعديل أجور العاملين في الدولة بصورة اتوماتيكية دون الانتظار لنهاية العام للتعديل بمعدل التضخم.

5-    مع الأخذ في الاعتبار أي عمليات تعديل تمت للأجور خلال السنة، في حال تجاوز المعدل المتراكم للتضخم نسبة 2%، يتم اعادة تعديل أجور العاملين في نهاية السنة أخذا في الاعتبار أية زيادات تمت خلال السنة.

6-    أن الصيغة المقترحة لتعديل الأجور سوف تأخذ الشكل التالي:



الأجر في السنة القادمة = الأجر في السنة الماضية × (1+معدل التضخم السنوي وفقا لبيانات بنك الكويت المركزي).



7-    في حال اجراء أي تعديلات على الأجور خلال السنة، في حال تجاوز المعدل التراكمي للتضخم نسبة 2%، فإن الصيغة المقترحة لتعديل الأجور سوف تأخذ الشكل التالي:



الأجر في السنة القادمة = الأجر في السنة الماضية × (1+(معدل التضخم في السنة الماضية-معدل التضخم المتراكم عند تعديل الأجور خلال السنة)).

السبت، أكتوبر ١٥، ٢٠١١

سوق المساكن في المملكة العربية السعودية ليس سوق مشترين


نشر في صحيفة الاقتصادية السعودية بتاريخ الجمعة 14/10/2011

استعرضنا في الأسبوع الماضي قضية فرض ضرائب على الأرض الفضاء في المملكة، باعتبارها أحد المقترحات الساعية إلى الضغط على ملاك الأراضي لتحريرها وعرضها للبيع، وذلك تحت ضغط الضريبة السنوية المفروضة على الأرض الفضاء المعدة لأغراض السكن، والواقع أن التفكير في اللجوء إلى مثل هذا الإجراء غير التقليدي، في المملكة، إنما يعكس خروج أسعار الأرض عن النطاق المعقول لها بحيث أصبحت تؤثر على تكلفة الحصول على المسكن شراء أو إيجار، وقد استعرضنا في الجمعة الماضية متوسط أسعار الأراضي في المملكة ومعدلات النمو في سعر المتر في مختلف المناطق، وتوصلنا إلى أن معدلات النمو في أسعار الأراضي تعد مرتفعة بشكل عام، وتساءلنا عن أثر استمرار هذه الأوضاع على المواطن السعودي وقدرته على تملك المساكن، والقدرة الفعلية للمواطن على تملك المسكن مقارنة بباقي دول العالم؟
من المؤكد انه في ظل هذه الظروف حيث ترتفع أسعار العقارات على نحو كبير يظل يسأل الفرد نفسه دائما، هل اشتري المسكن أم أؤجره؟، وهو سؤال كثيرا ما يشغل بال الكثيرين الذين دائما ما يطلبون النصيحة والمساعدة في اتخاذ هذا القرار الحرج. فمما لا شك فيه أن حلم شراء وتملك المسكن هو حلم يراود الملايين ممن يسعون للحصول على هذا الأصل الحيوي لحياة الإنسان باعتباره أحد أهم الأصول التي تملكها الأسرة، لما لتملك المسكن من منافع عديدة، ولذلك يظل حلم تملك المسكن أهم الأحلام التي تراود الإنسان والتي يصعب أن ينفك الفرد عن أن يتعلق بها، ولتملك المساكن مزايا عديدة على المستوى الشخصي والأسري والمجتمعي.
فقد أكدت الدراسات الاجتماعية في الكثير من دول العالم على فوائد نشر تملك المساكن بين القاطنين في المجتمع، وذلك نظرا للآثار الإيجابية الاجتماعية المتعددة التي تتحقق نتيجة لذلك وأهمها الاستقرار الأسري وما يصحبه من استقرار اجتماعي، وتقوية العلاقات الاجتماعية بين الجيران في المناطق السكنية المستقرة، وتطوير المجتمع المدني، وتقليل معدلات الجريمة، وتعزيز مستويات الرفاه للسكان، فضلا عن تحقيق الأهداف الأساسية للدولة في المساواة والعدالة الاجتماعية. فمالكي المساكن هم في النهاية أشخاص يملكون ثروة، وهذه الثروة تتزايد قيمتها بمرور الوقت، كما أنهم غالبا ما يتمتعون بظروف معيشية أفضل، وتشير الدراسات إلى أن أبناء مالكي المساكن عادة ما يكون أداءهم في المدارس افضل من أداء أبناء شاغري المساكن المؤجرة، كما تشير الدراسات في الخارج إلى أن معدلات الجريمة بين مالكي المساكن تقل بشكل عام بالنسبة لغيرهم، ومما لا شك فيه أن جميع هذه الجوانب تحدث أثارا إيجابية على المجتمع، بما يوحي بان تملك الفرد لمسكنه هو أحد الضرورات ليس فقط للفرد وإنما للمجتمع أيضا.
في مقال اليوم أستعرض أحد المؤشرات الهامة في تقييم قرار الفرد بالشراء أو الاستئجار استنادا إلى معدل سعر المسكن إلى إيجاره السنوي Price/rent ratio، لكي نحدد درجة ارتفاع أسعار المساكن أو انخفاضها، ومن ثم الحكم على ماذا كان يجب على الفرد في المملكة الشراء أم الاستئجار.
مثلما هو الحال بالنسبة للأسهم، حيث يقاس مضاعف سعر السهم بالنسبة لعائده لحساب القيمة النسبية له، فإن المساكن لها أيضا مؤشر مضاعف السعر إلى الإيجار السنوي لحساب قيمتها النسبية. حيث ينظر إلى الإيجار على انه الدخل أو العوائد الكامنة التي يمكن أن تترتب على الاستثمار في المسكن، وبما أن مالكي الأسهم يفضلون دائما الحصول على معدل مرتفع للعائد على السهم، فإن مالكي المساكن يفضلون الشيء نفسه أيضا. من ناحية أخرى فإن معدل سعر المسكن إلى إيجاره السنوي يعد من المؤشرات التي يحكم من خلالها على ما إذا كانت أسعار المساكن ترتفع أم تنخفض، كما يقدم دلائل على ما اذا كانت أسعار المساكن منتفخة أم لا، تماما مثل سعر السهم إلى عائدة الذي يستخدم للحكم على ما اذا كانت الأسهم مقومة بأعلى من قيمته الحقيقية أم لا، وبالنسبة لمضاعف سعر المسكن إلى أيجاره فإنه يمثل أداة تساعد على الاختيار بين ما إذا كان من الأفضل شراء المسكن أم تأجيره.
الجدول رقم (1) يلخص أسعار المساكن في مختلف مناطق المملكة العربية السعودية للشقق السكنية التي تتراوح مساحاتها بين 135 مترا إلى 190 مترا، والفلل السكنية التي تتراوح مساحاتها بين 400 مترا إلى 700 مترا وإيجارات هذه المساكن السنوية بالألف ريال سعودي، ووفقا للجدول يتضح أن أسعار الشقق السكنية في المملكة تراوحت خلال الفترة ما بين النصف الثاني من عام 2008 إلى النصف الأول من عام 2011 ما بين 290 ألف ريال في مدينة الدمام إلى 783 ألف ريال في شمال مدينة جدة. أما إيجارات هذه الشقق السنوية فقد تراوحت بين 21 الف ريال في مدينتي الدمام والظهران إلى 50 ألف ريال شمال مدينة جدة.
أما بالنسبة للفلل السكنية التي تتراوح مساحاتها بين 400-700 مترا فقد تراوحت أسعارها خلال نفس الفترة بين 792 ألف ريال في جنوب مدينة الرياض حتى ثلاث ملايين و600 ألف ريال في شمال مدينة جدة، من ناحية أخرى فقد تراوحت إيجاراتها السنوية خلال الفترة بين 39 ألف ريال في مدينة الدمام إلى 128 ألفا في شمال مدينة جدة.

وباستخدام هذه البيانات يمكن حساب مضاعف سعر المسكن بالنسبة لإيجاره السنوي في المملكة، ويوضح الجدول رقم (2) حسابات مضاعف أسعار المساكن إلى إيجاراتها السنوية مختلف مناطق المملكة سواء بالنسبة للشقق أو الفيلات، وحسب أفضل المعلومات المتاحة لي، فإن الحسابات المعروضة في هذا الجدول لم تحسب أو تنشر من قبل في المملكة، ووفقا للنتائج المعروضة في الجدول رقم (2) فإن مؤشر مضاعف سعر المسكن إلى إيجاره السنوي يتراوح بين 12.2 بالنسبة للشقق السكنية جنوب مدينة الرياض إلى 18 وسط مدينة جدة. أما بالنسبة للفلل السكنية فقد تراوح هذا المؤشر بين 13.6 جنوب مدينة جدة إلى 38.7 شمال مدينة الرياض أ.  

والآن كيف نستخدم هذه المؤشرات المعروضة في الجدول، لقد جرى العرف على اعتبار انه اذا كان مضاعف سعر المسكن إلي إيجاره السنوي يتراوح بين 1 – 15 ضعفا، فإنه يكون من الأرخص للمستأجر أن يشتري هذا المسكن بدلا من أن يؤجره، لأن ذلك سوف يكون أوفر بالنسبة له من الناحية الاقتصادية على المدى الطويل.
أما إذا كان مضاعف سعر المسكن بالنسبة لإيجاره السنوي يتراوح بين 16 – 20 ضعفا فإن ذلك يعني أن شراء المسكن يعتبر أمر مكلفا بالنسبة لتأجير هذا المسكن، ومع ذلك فربما يكون قرار الشراء أفضل من قرار الاستئجار أخذا في الاعتبار العوامل الشخصية المرتبطة بالإقامة في مسكن مملوك، فضلا عن العوائد الأخرى التي تتحقق على المدى الطويل.
أما اذا كان سعر المسكن بالنسبة لإيجاره السنوي أكثر من 20 ضعفا، فإن ذلك يعني أن المساكن مقيمة بأسعار مرتفعة جدا، وأنه من الأفضل بالنسبة للفرد التأجير بدلا من الشراء لثقل التكلفة المالية التي ستقع عليه من جراء عملية شراء مثل هذا المسكن.  في مثل هذا الوضع يكون من الأفضل للفرد التأجير باعتبار أن سعر المسكن يعد عاملا مانعا لاتخاذ القرار بالشراء، بصفة خاصة اذا ما كانت فرص الحصول على التمويل صعبة أو مكلفة، وبالعودة إلى الجدول رقم (2) مرة أخرى يتضح لنا أنه يفضل بالنسبة للأفراد الذين يرغبون في شراء مسكن أن يتجهون إلى تملك الشقق، حيث يميل مضاعف سعر الشقة إلى إيجارها السنوي إلى أن يكون أقل من 15 في عدد كبير من مناطق المملكة، وأقل من 20 في معظم هذه المناطق، بينما لم يتجاوز مضاعف سعر الشقق إلى إيجارها السنوي مؤشر 21.
أما بالنسبة لمضاعف سعر الفلل لإيجاراتها السنوية فإن الجدول رقم (2) يشير إلى أنه فيما عدا مناطق غرب وجنوب مدينة الرياض وجنوب مدينة جدة، فإن مضاعف سعر الفلل السكنية يتجاوز حاجز الـ 21 بصورة كبيرة، وهو ما يشير إلى أن أسعار الفلل السكنية في المملكة متضخمة على نحو كبير، وأنه من الناحية الاقتصادية لا يفضل تملك هذه النوعية من المساكن وإنما استئجارها، حيث يصبح استئجار تلك المساكن ارخص تكلفة من امتلاكها وذلك لانتفاخ أسعارها السوقية.  
بقي أن أشير إلى أنه بما إن هذه الحسابات هي متوسطات لمضاعف سعر المسكن بالنسبة لإيجاره السنوي فإنها تخفي فروقا كبيرة بين المناطق المختلفة للمملكة، ومن ثم فإن الأمر يعتمد في النهاية على السعر الحقيقي للمسكن وإيجاره في المنطقة، فقد تختلف الأسعار والإيجارات بصورة كبيرة جدا بين المناطق المختلفة بالمدينة الواحدة استنادا إلى تصنيف المنطقة وطبيعة من يسكنون فيها ومدى قربها أو بعدها عن مركز المدينة.. الخ. غير أن الخلاصة التي يمكن التوصل اليها هي أن هناك فقاعة سعرية في أسعار المساكن التي تأخذ صورة الفلل وأن سوق هذا النوع من المساكن ليس سوق مشترين، وإنما سوق بائعين حيث تكثر أعداد المشترين وترتفع الأسعار بصورة واضحة.
في الأسبوع القادم، إن أحيانا الله سبحانه وتعالى، أتناول الموضع من زاوية أخرى، وهي سهولة الحصول على مسكن في المملكة مقارنة بباقي الدول، سواء في المنطقة أو في باقي دول العالم.

الثلاثاء، أكتوبر ١١، ٢٠١١

الصين تهدد بالحرب التجارية ضد أمريكا اذا تم اقرار أنها تتلاعب باليوان

صرح نائب  وزير الخارجية الصيني اليوم بأن الصين سوف تعلن الحرب التجارية على الولايات المتحدة اذا ما تم التصويت اليوم الثلاثاء على مقترح اعلان الصين كدولة تتلاعب بعملتها اليوان الصيني، وأن هذه الحرب سوف يخسر فيها الدولتان، الصين والولايات المتحدة. التهديد الصيني هذه المرة لابد وأن يؤخذ على محمل الجد من الولايات المتحدة لأن الصين يبدو انها تعرف متى تضرب، فالاقتصاد الامريكي في أسوأ حالاته على الاطلاق، وأي تراجع في العلاقات التجارية بين الدولتين، صحيح أنه سيضر بالصين، إلا أن تعقيدا الوضع الاقتصادي الامريكي تجعل الولايات المتحدة غير جاهزة على الاطلاق لمثل هذه الحرب.
لا أعقتد أن الولايات المتحدة سوف تقر اعلان الصين دولة متلاعبة بعملتها اليوان الصيني، لأنه حتى ول تم التصديق على القرار اليوم أمام مجلس الشيوخ، فإن ذلك لا يعطي الحق للخزانة الامريكية ببدء معاقبة الصين من خلال فرض تعريقات جمركية انتقامية نظير تعمد الصين اللعب بعملتها وتخفيضها للاضرار بصادرات العالم الى الصين بما في ذلك الولايات المتحدة، حيث لابد وأن يصدق الكونجرس الأمريكي أيضا على القرار، وهو احتمال ضغيف حاليا.
منذ فترة طويلة والولايات المتحدة تحاول الضغط على الصين لرفع قيمة اليوان الصيني المقيم بأقل من قيمته بنسبة كبيرة تقدر بأكثر من 40%، إلا أن كل ما تقدمه الصين هو المزيد من الوعود بالرفع في الوقت المناسب، ويبدو أن هذا الوقت المناسب لن يأتي أبدا، وهو ما أدى الى نفاد صبر عدد كبير من أعضاء مجلس الشيوخ الأمريكي الذين تقدم بعضهم في اكثر من مناسبة باقتراح اعلان الصين دولة متلاعبة بعملتها.

الاثنين، أكتوبر ١٠، ٢٠١١

بدء الحديث عن انفجار فقاعة الذهب

هذا المقال على فانانشيال تايمز الذي ترجمته صحيفة  الاقتصادية ورابطه هو :


يتناول بوادر انفجار فقاعة الذهب حاليا، المقال مكتوب بصورة احترافية، واتفق مع كل ما جاء فيه عدا ان الفقاعة بدأت تنفجر، فما زلت أؤمن بأن أوان انفجار الفقاعة لم يحدث بعد، بل إن هناك المزيد من المجال أمام الذهب لللارتفاع بصورة أكبر وكسر حاجز الـ 2000 دولارا في ظل الجو الملبد الذي يحيط بالاقتصاد العالمي اليوم، كما أنني أؤمن بأن صناديق المضاربة في الذهب سوف تستخدم كل امكانياتها للحيلولة دون تراجع الذهب في ظل هذه الظروف.
لعبة الذهب لم تنته بعد، وفي وجهة نظري مازال هناك بعض الوقت الاضافي للمبارة لتمكين اللاعبين من ضخ المزيد من الضغط داخل فقاعة الذهب، قبل حدوث الانفجار الكبير الذي سيكون كارثي على كل من آمن بالذهب وصدق خرافات المضاربين فيه وعليه والذين ملأوا الدنيا صراخا وعويلا حول الدولار والتضخم والقيمة العادلة للذهب... الى آخر هذه الترهات التي توسدوا بها لاخفاء حقيقة أن الذهب بالفعل أصل يعاني من فقاعة سعرية كبيرة، وللأسف الشديد ردد ببغاوات المضاربين الصغار هذا الكلام دون أن يفهموه.
موقفي المعلن نحو الذهب جعل البعض يتهمني بالغباء وعدم الفهم والسطحية وأنني لا أفهم في الاقتصاد الذي أدعي أنه فني، بل وأنني للأسف الشديد من وجهة نظرهم أحمل درجة دكتوراه. لهؤلاء جميعا أقول فصبر جميل، ومن يضحك أخيرا يضحك كثيرا. وكما وعدت القراء هنا وفي صحيفة الاقتصادية بأنني سوف أكتب الحلقة رقم 14 من سلسلة "عالم لا يتعلم من أزماتة"، لكي أقيم فيها أزمة اخرى من أزمات العالم وهي أزمة انفجار اسعار الذهب، وأكشف فيها الحيل والمغالطات التي تروج لها صناديق المضاربة في المعدن لجذب المغفلين من كل أنحاء العالم نحو الذهب، ومازلت في انتظار الوقت المناسب لكي أكتب هذه الحلقة إذا أحيانا الله سبحانه وتعالى.
المثير في المقال بالنسبة لي أنه يتوقع نفس القيمة التي أتوقعها للذهب عند انفجاره (700 دولار للأوقية)، أنا أتوقع ما بين 700-800 دولارا. عندما يسالني البعض عن توقعاتي لسعر الذهب عند انفجاره وأذكر له الرقم اجده يضحك، وربما يقول لنفسه، "عن ماذا يهذي هذا المجنون"، ولكن هذه  القيمة الحقيقية العادلة للذهب، كيف يباع أصل تكلفة استخراجة ما بين 500 - 600 دولار بـ 1900 دولارا، إن هذه اشارة إلى أن السوق لا يعمل بشكل صحيح، وأن قوى التركز في السوق من القوة بحيث تلوي عنق قوى العرض والطلب فيه لتدفع الاسعار على هذا النحو المجنون.

الجمعة، أكتوبر ٠٧، ٢٠١١

هل فرض ضريبة على الأراضي السكنية في المملكة يخفض أسعارها؟

نشر في صحيفة الاقتصادية السعودية بتاريخ الجمعة 7/10/2011.
لاشك أن مشكلة الحصول على مسكن مناسب أصبحت من أكثر القضايا التي تؤرق المواطن في المملكة، خصوصا صغار السن منهم، وقد كثر الحديث في الآونة الأخيرة حول قضية ارتفاع أسعار الأراضي في المملكة وضرورة العمل على وقف هذا التزايد المستمر في الأسعار لتخفيض تكلفة الحصول على المسكن المناسب للمواطن، والذي يلعب سعر الأرض فيه دورا محوريا.

إن الضغط على أسعار الأراضي نحو الانخفاض يكمن أساسا في تحفيز العرض من الأراضي المخصصة لبناء المساكن بالوسائل المختلفة، سواء بتهيئة وتجهيز المزيد من الأراضي ثم عرضها للبيع بسعر التكلفة، أو من خلال تحفيز، أو ربما إجبار مالكي الأراضي غير المستغلة على عرضها ووقف الاتجاه نحو "تخزين الأراضي" لأغراض الاحتكار، حتى يرتفع العرض منها مما يساعد الأسعار نحو التراجع، ومن القضايا التي ثار حولها الجدل مؤخرا هو خيار فرض ضرائب على الأراضي الفضاء الغير مستغلة كسبيل لخفض أسعار الأراضي.

من الناحية النظرية تميل الدراسات إلى الإشارة إلى أن فرض ضريبة على الأراضي يؤدي إلى انخفاض فوري في أسعارها السوقية، حيث تؤدي الضريبة إلى خفض القيمة الحالية للأراضي (محسوبة من خلال خصم التدفقات النقدية المستقبلية للأرض)، كما أن ذلك سوف يؤدي إلى دفع بعض ملاك تلك الأراضي إلى التخلص منها وذلك بهدف التخلص من عبء الضريبة، الأمر الذي يؤدي إلى زيادة عرض الأرض ومن ثم انخفاض أسعارها السوقية.

هذا التحليل قد يبدو منطقيا من الناحية النظرية، ولكن هل بالفعل سيؤدي فرض الضرائب على الأراضي الفضاء إلى خفض أسعارها؟ لا يمكن الإجابة على هذا السؤال بصورة مباشرة أو بالاستناد إلى تجارب الدول الأخرى التي تشير الدراسات فيها إلى أن أسعار الأراضي قد تنخفض مع فرض الضرائب عليها، لأن المسألة في حالة الأراضي التي تجري عليها عمليات المضاربة بالذات أعقد من ذلك، ذلك أن هناك مجموعة من الشروط الواجب توافرها لتحقق هذه النتيجة، وأهم هذه الشروط هي ارتفاع مرونة عرض الأرض بالنسبة للضريبة، وارتفاع مرونة الطلب السعرية للأرض، أي أن المرونات تلعب دورا حاسما في هذه القضية.

لتبسيط العرض على القارئ غير المتخصص، فإن المرونة هي درجة الاستجابة، فإذا كانت درجة الاستجابة مرتفعة نقول بأن المرونة مرتفعة والعكس، وعلى ذلك فإن ارتفاع مرونة عرض الأرض بالنسبة للضريبة، يعني أن فرض أو رفع الضرائب على الأراضي سوف يؤدي إلى زيادة الكميات المعروضة منها ومن ثم انخفاض أسعارها، وانخفاض مرونة عرض الأرض بالنسبة للضريبة يعني أن فرض أو رفع معدلات الضريبة لن يحدث تأثيرا جوهريا على الكميات المعروضة منها.

من ناحية أخرى فإن إقدام ملاك الأراضي على الاحتفاظ أو التخلص من الأراضي بعد فرض الضريبة سوف يعتمد على قدرتهم على تحميل المشترين بعبء الضريبة. هذا الموضوع يقودنا إلى أحد الدروس الهامة التي ندرسها للطلبة في مبادئ علم الاقتصاد، وهي قدرة المنتج أو البائع على تحميل، أو نقل عبء الضريبة على كاهل، المستهلك، ووفقا لمبادئ علم الاقتصاد فإن قدرة البائع على تحميل المشتري بالضريبة سوف تعتمد على مرونة الطلب السعرية. فكلما انخفضت مرونة الطلب السعرية كلما ازدادت قدرة البائع على تحميل المشتري بالضريبة، وكلما ارتفعت مرونة الطلب السعرية كلما قلت قدرة البائع على نقل عبء الضريبة على كاهل المشتري.

من المعلوم أن من بين محددات مرونة الطلب السعرية توافر البدائل للسلعة، ومدى ضرورة السلعة بالنسبة للمستهلك، فكلما توافرت البدائل للسلعة كلما ارتفعت مرونة الطلب السعرية لها والعكس صحيح. من ناحية أخرى كلما ارتفعت درجة ضرورة السلعة بالنسبة للمستهلك كلما قلت مرونة الطلب السعرية لها والعكس صحيح، وبما أن الأراضي السكنية ليس لها بديل، كما أن الأراضي السكنية تعد من السلع الضرورية لأنها تستخدم لتوفير أحد الخدمات الأساسية في الحياة وهي خدمة السكن، حيث يتزايد الطلب على الأراضي السكنية على المدى الطويل بفعل تزايد أعداد السكان، فإنه من المتوقع أن تنخفض مرونة الطلب السعرية للأراضي.

إذا فرضنا أن المملكة تقوم بفرض ضريبة على الأراضي الفضاء المخصصة للإسكان، فإن ملاك تلك الأراضي سوف يواجهون واحد من ثلاثة أوضاع على الأقل هي:

·         استمرار ارتفاع أسعار الأراضي بمعدل أكبر من معدل الضريبة، وفي مثل هذا الوضع يسهل على ملاك الأراضي تحمل عبء الضريبة طالما أن الأرض تحقق معدلات عائد رأسمالي يفوق قيمة الضريبة، وبالتالي يؤمن معدل الارتفاع في أسعار الأراضي للمضاربين التغطية اللازمة لنفقات الضريبة.

·         استمرار ارتفاع أسعار الأراضي بمعدل أقل من معدل الضريبة في الوقت الذي يسهل فيه لملاك الأراضي تحميل المشترين المحتملين للأرض بقيمة الضريبة أو بالجزء الأكبر منها.

·         استمرار ارتفاع أسعار الأراضي بمعدل أقل من معدل الضريبة، أو ميل أسعار الأراضي نحو الانخفاض في الوقت الذي يصعب فيه على ملاك الأراضي نقل عبء الضريبة على المشترين المحتملين لها.

من الواضح أنه في الحالتين الأولى والثانية ليس من المتوقع أن يترتب على فرض الضريبة حدوث تزايد في عرض الأراضي كاستجابة لفرض الضريبة، وهو ما يعني أنه لكي يتحقق الهدف من فرض الضريبة على اتجاه أسعار الأراضي نحو النزول لا بد أن تسود الحالة الثالثة على أي وضع، فهل يمكن بالفعل أن تتحقق الشروط التي تسود في ظلها هذه الحالة الأخيرة؟

للإجابة على هذا السؤال لا بد وان نتعرف على نمط اتجاه أسعار الأراضي في المملكة خلال السنوات السابقة. للأسف الشديد يلاحظ أن توافر سلاسل زمنية متسقة حول أسعار الأراضي في المناطق المختلفة في المملكة يعد محدودا نسبيا حتى يمكن تقييم الاتجاه العام لأسعار الأراضي بصورة دقيقة.



مؤخرا بدأ البنك السعودي الفرنسي في إصدار تقارير دورية عن قطاع العقار في المملكة متضمنة إحصاءات عن أسعار الأراضي والمساكن في المناطق الرئيسة في المملكة، ويوضح الجدول رقم (1) متوسط سعر متر الأراضي السكنية في تلك المناطق خلال الفترة من النصف الثاني من عام 2008 إلى النصف الأول من عام 2011، وتجب ملاحظة أن الأرقام المعروضة هي متوسط لسعر المتر في المناطق المختلفة لكل جهة، وهو ما قد يخفي تباينا واضحا لسعر المتر في كل منطقة على حده، غير أنه تنبغي الإشارة إلى أن الهدف الأساسي هنا ليس القيمة المطلقة لسعر المتر وإنما معدل النمو فيها، وهو ما يعرضه الجدول رقم (2)، ومن الجدول يتضح أنه على مدى هذه الفترة الزمنية القصيرة، وباستثناء عام 2009، حيث ألقت الأزمة المالية العالمية بظلالها على أسعار الأراضي التي مالت نحو الانخفاض بشكل عام، فإن معدلات النمو في أسعار الأراضي تعد مرتفعة بشكل عام، وهو ما يعني أنه لكي تحدث الضريبة تأثيرها المأمول على أسعار الأراضي فلا بد وأن يكون معدل الضريبة مرتفعا جدا، أخذا في الاعتبار معدلات الارتفاع الكامن في أسعار الأراضي على المدى الطويل. بالطبع لا يمكننا تحديد هذا المعدل حاليا في ضوء نقص البيانات المتاحة عن أسعار والكميات المعروضة من الأرض وكذلك الكميات المطلوبة منها عند الأسعار المختلفة حتى يمكن حساب المرونات الفعلية للعرض والطلب ومن ثم المعدل الأنسب للضريبة.



والآن ما هي العوامل المؤثرة على الطلب على الأراضي السكنية على المدى الطويل؟ لا شك أن هناك الكثير من العوامل لعل أهمها هو مستوى الدخول (الذي يحدد مستويات الادخار ومن ثم الطلب على الأصول والتي منها الأرض) وعدد السكان، والأهم معدل نموهم، والذي يحدد مستوى الضغوط التي سيتعرض لها قطاع الإسكان في المستقبل في المملكة.

إن استعراض معدلات النمو في متوسط نصيب الفرد من الناتج خلال الفترات السابقة يوحي بوجود قوة شرائية مناسبة ومتنامية لدى المستهلك المحتمل، من ناحية أخرى فإن المملكة تعد واحدة من أكثر دول العالم نموا في السكان، ومع النمو السكاني تتزايد الضغوط على قطاع العقار طلبا لخدمات السكن، وللتعرف على هذا الضغط تم القيام بالتنبؤ بأعداد السكان في المملكة حتى عام 2030 كما هو موضح في الجدول رقم (3)، في ظل سيناريوهين للنمو السكاني في المستقبل، السيناريو الأول هو سيناريو النمو حسب الاتجاه العام خلال الفترة من 2003-2010، ووفقا لهذا السيناريو يتوقع أن يتزايد عدد السكان من السعوديين من 19.25 مليون نسمة في 2011 إلى 26.78 مليون نسمة في عام 2030، في الوقت الذي يتوقع أن يزداد عدد السكان غير السعوديين من 8.78 مليون نسمة إلى 15.84 مليون نسمة على التوالي، وهو ما يعني أنه يتوقع وفقا لهذا السيناريو أن ينمو إجمالي عدد سكان المملكة من 28 مليون نسمة في 2011 إلى 42.6 مليون نسمة في 2030.



غير أنه من الواضح أن هذا السيناريو للتنبؤ بأعداد السكان في المملكة ربما يغالي في تقديرات أعداد السكان غير السعوديين، والذين يتوقع أن تتضاعف أعدادهم تقريبا في المملكة خلال العشرين عاما القادمة وفقا لهذا السيناريو، وهو ما يعني أن عداد السكان الوافدين سوف ينمو بمعدلات أعلى من معدلات نمو السكان السعوديين في المستقبل، الأمر الذي قد يتعارض مع ما يتم حاليا من سياسات للإحلال وتوطين سوق العمل السعودي. من ناحية أخرى فإنه ربما يعاب على هذا السيناريو أنه لا يأخذ في الاعتبار ظاهرة التحول الديموغرافي التي تحدث حاليا في المملكة، والتي يتوقع أن يكون لها تأثير واضح على معدلات النمو السكاني في المستقبل، والمقصود بظاهرة التحول الديموغرافي تحول المجتمع من مجتمع ترتفع فيه معدلات المواليد والوفيات إلى مجتمع تنخفض فيه معدلات المواليد والوفيات.

تشير البيانات المتاحة من مصلحة الإحصاءات العامة والمعلومات في المملكة بأن معدلات المواليد الخام (عدد المواليد لكل الف نسمة من السكان)، تميل نحو التراجع بشكل مستمر حتى بلغت 27.2 مولودا لكل ألف من السكان في 2010، في الوقت الذي يبلغ فيه معدل الوفيات الخام (عدد الوفيات لكل ألف من السكان) 3.3 حالة وفاة لكل ألف من السكان سنويا، أي أن صافي معدل النمو السكاني في المملكة بلغ 23.1 فردا لكل ألف من السكان سنويا في 2010، ووفقا للبيانات التاريخية المتاحة من المصلحة فإن معدل المواليد في المملكة يتراجع سنويا بحوالي 4 في الألف، واستنادا إلى هذه المعطيات فإن صافي معدل النمو السكاني بين المواطنين يتوقع أن يتراجع إلى 15.1 في الألف في عام 2030، من ناحية أخرى تم افتراض نمو أعداد السكان غير السعوديين على أساس آخر صافي معدل للنمو الطبيعي بينهم والذي يبلغ 11.1 في الألف سنويا، ووفقا لنتائج التقدير لهذا السيناريو يتوقع أن يتزايد عدد السكان من السعوديين من 19.13 مليون نسمة في 2011 إلى 27.21 مليون نسمة في عام 2030، في الوقت الذي يتوقع أن يزداد عدد السكان غير السعوديين من 8.52 مليون نسمة إلى 10.49 مليون نسمة على التوالي، وهو ما يعني أنه يتوقع وفقا لهذا السيناريو أن ينمو إجمالي عدد سكان المملكة من 27.66 مليون نسمة في 2011 إلى 37.70 مليون نسمة في 2030.



إن التقديرات المقدمة أعلاه توحي بأن الكتلة السكانية في المملكة من المتوقع أن تنمو على نحو كبير خلال العقدين القادمين، ومما لا شك فيه أن النمو السكاني الكبير لمجتمع صغير السن مثل المجتمع السعودي، أي الذي تشكل فيه الشرائح السكانية ذات الفئات العمرية الصغيرة "أقل من 20 سنة" النسبة الأكبر، سوف يولد ضغوطا ضخمة على قطاع المساكن في المملكة في المستقبل وهو ما يصب في نمو الطلب على المساكن بكافة أنواعها في المستقبل، وبالطبع الطلب على أراضي البناء ومن ثم أسعارها. في ظل هذه الظروف يتوقع أن تكون مرونة الطلب السعرية على الأراضي منخفضة بشكل عام، ومن ثم ارتفاع قدرة المضاربين في الأراضي على تحميل المشترين للأرض بكامل أو بالجزء الأكبر من ضريبة الأراضي.

والآن وفي ضوء التحليل السابق دعونا نعود إلى التساؤل الأساسي المطروح هنا وهو، هل يعد فرض الضريبة على الأراضي الأسلوب الأمثل لتحرير الأرض الفضاء لأغراض الإسكان؟ يتضح مما سبق أن الإجابة هي لا، لأن فرض ضريبة على الأراضي سوف يترتب عليه ارتفاع  أسعار الأراضي طالما أن ضغوط الطلب عليها (الدخل وعدد السكان) مستمرة، حيث من المتوقع أن الضريبة سوف تضاف إلى سعر الأرض في النهاية ومن ثم يتحملها المشتري النهائي للأرض بشكل ما، وأن فرض الضريبة على الأراضي سوف يعقد أوضاع سوق المساكن بصورة أكبر، لا تيسيرها، وبناء على ما سبق لا ينصح بفرض ضرائب على الأرض الفضاء، إلا إذا كان فرض الضريبة لأغراض مالية مثل تعزيز الإيرادات العامة للدولة أو تنويعها، أما اذا كان الهدف من الضريبة هو خفض سعر الأرض فإن هذا قد لا يتحقق للأسباب التي تمت الإشارة إليها، والتي توحي بأنه في ظل هذه الظروف فإن فرض الضرائب على الأراضي الفضاء لا يجب أن يكون لتحقيق أهداف سعرية، وإنما لتحقيق أهداف مالية Fiscal، مثل تنويع مصادر الإيرادات العامة للدولة، أو تمكين الدولة من مشاركة ملاك الأراضي، سواء الحاليين أو المستقبليين في جانب من الزيادة التي تحدث في أسعار الأرض.

إن حل مشكلة ارتفاع أسعار الأراضي لا يكون بالضريبة أساسا وإنما بالعمل على تأهيل المساحات الشاسعة من الأراضي الفضاء الغير مؤهلة حاليا للبناء، لكي تضاف إلى رصيد الأراضي الصالحة للبناء في المملكة، وهو ما يقتضي ضرورة تخصيص الميزانيات اللازمة للبنى التحتية الأساسية لهذه المناطق، والتي يمكن تحميلها على سعر الأرض حتى تتمكن الدولة من تحرير كميات كبيرة من هذه الأراضي، والآن ما هو أثر استمرار هذه الأوضاع على المواطن السعودي وقدرته على تملك المساكن، وما هي القدرة الفعلية للمواطن على تملك المسكن مقارنة بباقي دول العالم، هذا هو موضوع مقالي في الجمعة القادمة إن أحيانا الله سبحانه وتعالى.

الاثنين، أكتوبر ٠٣، ٢٠١١

هل عزيز مصر هو مبارك؟

نشر في صحيفة القبس بتاريخ الاثنين 3/10/2011.
هذا هو ردي على مقال "عزيز مصر مبارك" الذي نشر في صحيفة القبس - انظر الرابط http://www.alqabas.com.kw/Article.aspx?)id=738058&date=30092011

نشرت القبس اليوم الجمعة 30 سبتمبر مقالا للكاتب السيد فيصل عبدالرحمن البيدان، بعنوان "عزيز مصر مبارك"، وطوال قراءتي للمقال لم استطع ان اغلق فاهي أثناء القراءة لأن المقال لم يحتوي على معلومة واحدة صحيحة، وهذه هي ردودي على ما أورده الكاتب من نقاط:
النقطة الأولى "قبل الثورة السلع التموينية مدعومة، بعد الثورة الحكومة تفكر جدا في إلغاء الدعم"، والحقيقة هي أن مبالغ الدعم في الميزانية الحالية زادت عن السنوات السابقة، أما ما تفكر فيه الحكومة فليس إلغاء الدعم وإنما ترشيد الدعم، وتوفيره بصورة أكبر للفقراء يعني بدلا من ان يشتري المليونير أسطوانة الغاز بـ 125 فلس، يدفع ثمنها الحقيقي.
النقطة الثانية "قبل الثورة توجد بطالة، لكن موظفي الدولة يتسلمون رواتبهم، بعد الثورة الحكومة غير قادرة على دفع رواتب موظفيها" والحقيقة هي أننا لم نسمع عن ان الحكومة المصرية توقفت عن دفع الرواتب، وما حدث بالفعل هو أن الحكومة المصرية رفع الحد الأدنى للرواتب اكثر من أربعة أضعاف مستواه أثناء حكم المخلوع، كما تم زيادة معاشات المتقاعدين.
النقطة الثالثة "قبل الثورة كيلو اللحم بـ 60 جنيها، بعد الثورة وصل إلى 100 جنيه" والحقيقة هي لا يوجد في مصر لحم يباع بـ 100 جنيه، صحيح أسعار اللحم ارتفعت، ولكن عدة جنيهات، وليس الضعف، ولا أدري من أين تم التوصل إلى المعلومة، وبالمناسبة الشعب المصري لا يشتري اللحم من "ماركس أند سبنسر"، وإنما من الجزارين المنتشرين في الشوارع، وهؤلاء لا يبيعون اللحم بأكثر من 60-65 جنيها.
النقطة الرابعة "قبل الثورة الاقتصاد المصري بحالة جيدة وقادر على توفير ميزانية للدولة، بعد الثورة أصبح راقداً في العناية المركزة ينتظر الموت.. أو معجزة تعيده إلى الحياة"، وهذا غير صحيح قبل الثورة كانت الميزانية المصرية تعاني من عجز كبيرة جدا ترتب عليه أن بلغ الدين الداخلي اكثر من تريليون جنيه، وهو يهدد الاقتصاد المصري حاليا، لأن الدولة لم تكن تجمع ضرائب بسبب الفساد، بالطبع بعد الثورة الميزانية تعاني من نفس المشاكل، ولكن هناك خطط للتعامل معها بصورة جادة. الاقتصاد المصري ليس راقدا في العناية المركزة، الاقتصاد المصري يعاني من اضطرابات ما بعد الثورة، وهذا أمر طبيعي لأننا نعيش حالة ثورة ولم تستقر أوضاعنا بعد، ولا يوجد لدينا حاليا رئيس أو برلمان أو حكومة منتخبة.
النقطة الخامسة "قبل الثورة الجميع يستطيع انتقاد مبارك ونظامه، بعد الثورة من ينتقد الثوار تتم مهاجمته ووصفه بأنه أحد فلول النظام السابق!" والحقيقة هي أن الكاتب ربما لا يقرأ الصحف المصرية وما فيها من انتقاد علني لكل شيء بما في ذلك المجلس العسكري ورئيسه، أما قبل الثورة فقد نشر إبراهيم عيسى مقالا ذكر فيه ان الرئيس مريض، فحكم عليه بالسجن سنة، قبل الثورة من كان ينتقد مبارك كان لا يرى هو وأسرته الشمس بعد ذلك.
أما بالنسبة لإنجازات مبارك فيذكر الكاتب
1-  انه قام بوضع البنية التحتية لمصر، يبدو ان الكاتب يتحدث عن مصر شرم الشيخ أو مصر مارينا، حيث تم بالفعل إرساء البنى التحتية ولكن للمناطق التي يسكنها علية القوم، أما اذا ما ذهبت إلى القرى المصري سوف تجد أن الناس تشرب مياه الشرب مخلوطة بمياه الصرف الصحي حتى يومنا هذا.
2-  قام بتوفير الرعاية التعليمية والصحية بالمجان لـ 80 مليون مصري، أي رعاية مجانية التي يتم الحديث عنها، يبدو أيضا ان الكاتب لم يدخل مستشفى عام مصري، حيث كان يطلب من المريض شراء القطن والشاش والأدوية بما في ذلك المخدر قبل إجراء العملية، الشيء الوحيد المجاني هو خدمات الطبيب "وما ادراك ما هو طبيب المستشفى العالم، "، أما التعليم المجاني في مصر فالجميع يعلم أنه أكذوبة كبيرة، والجميع يعلم ان ما ينفقه الشعب المصري على الدروس الخصوصية يفوق ميزانية وزارة التربية والتعليم بأكملها.
3 -  قام بتوفير خدمة العلاج في الخارج على نفقة الدولة لأبناء مصر، والحقيقة ان علاج المصريين في الخارج للمصرين هي أحدث نكتة سمعتها، أما من سافر بالفعل للعلاج في الخارج فالجميع يعلم من هم وكيف سافروا ولو دققت في قائمة من يسافرون للعلاج في الخارج.
4-  قام بوضع قانون إسكان الشباب، وهو قانون يمنح لكل شاب وفتاة الحق في الحصول على وحدة سكنية في كل محافظة من محافظات مصر، بسعر أقل من سعر التكلفة وبالأقساط. والحقيقة هي أن مصر لم تشهد في تاريخها أزمة إسكان مثل تلك التي شهدتها في عهد المخلوع، حيث انتشرت العشوائيات ومدن الصفيح في كل مكان وتضاعفت أعداد سكان القبور، أي قانون إسكان الذي نتحدث عنه، ومعدلات العنوسة في مصر أصبحت من أعلى المعدلات في العالم، وسن الزواج أصبح يجاوز الأربعين عاما حاليا، بسبب مشكلة السكن. أما عملية توزيع المساكن التي يشار إليها، فالجميع يعلم كيف كانت تتم ولمن كانت تتم.  
ويختتم الكاتب مقاله قائلا "الكثيرون من أبناء الشعب المصري يتمنون عودة أيام حكم مبارك، لكن مبارك لا يتمنى سوى أن يموت بسلام واحترام"، نعم هناك من الشعب المصري من يتمنون عودة مبارك إلى الحكم، ويترحمون على أيامه حيث انتشر الفساد إلى النخاع وخسر الكثيرون مع قيام الثورة لسوء حظوظهم مراكزهم التي كانوا يتمتعون بها ومصادر دخولهم التي كانت تأتيهم بالراحة، وحيث كان من السهل ان تستولي على أي شيء تحت أنظار الدولة، طالما انك تدفع، بالطبع لا بد وأن يحزن هؤلاء ويترحمون على . أما أقصى أمنيات مبارك حاليا فليست أن يموت بسلام، وإنما أن يحصل على حكم مخفف عن جرائمه التي ارتكبها في حق الثوار وفي حق الشعب المصري، وان تتوقف عمليات جلبه على سرير متحرك ليدخل ذليلا الى قاعة المحاكمات على مرأى ومسمع العالم أجمع.