الخميس، يناير ١٠، ٢٠١٣

لماذا لا تتبنى السعودية مشروعاً للقطار عالي السرعة؟

نشرت "الاقتصادية"، يوم الأحد الماضي، تصريحاً لوزير المالية أكّد فيه أن السعودية ستخصّص 200 مليار ريال إضافية، بعيداً عن الموازنة العامة للمملكة، لمشاريع النقل داخل المدن، وهو ما يعكس اهتمام الحكومة بحل مشكلة انسياب المرور داخل المدن الكبرى، غير أنه من الواضح أن الحلول التي يتم تقديمها لمشكلة النقل في المملكة تتسم بأنها منخفضة الكفاءة، فضلاً عن ارتفاع تكلفتها المباشرة وغير المباشرة.
أعتقد أن المملكة تحتاج إلى تبني استراتيجيات مختلفة لحل مشكلة النقل الداخلي في ظل المساحة مترامية الأطراف للسعودية، ففي ظل غياب الوسائل السريعة والرخيصة للنقل بين المدن يجد المواطن نفسه أمام خياريْن لا ثالث لهما تقريباً، الأول هو أن يستخدم الطيران الداخلي أو أن يستخدم وسيلة النقل الخاصّة به، وكلتا الوسيلتين مكلفة وغير كفؤة خصوصاً في المسافات الطويلة. في رأيي أن المملكة تحتاج إلى إعادة توجيه الاستثمارات في مجال النقل نحو خطوط السكك الحديدية داخل المدن وخارجها.
القطار عالي السرعة Supersonic، والذي تصل سرعته إلى نحو 600 كيلو متر في الساعة، يمثل الخيار الأمثل لحل مشكلة الانتقال بين مدن المملكة، حيث تمكّن هذه الوسيلة من ربط المدن الرئيسة في المملكة بوسيلة نقل فائقة السرعة وقادرة على استيعاب أعداد ضخمة من الركاب في الرحلة الواحدة، فضلاً عن توفير وسيلة انتقال رخيصة وسريعة وآمنة، فهل تتحوّل سياسة الاستثمار في النقل السعودية نحو مثل هذه الخيارات الاستراتيجية؟

الهاوية المالية الأمريكية سحابة صيف ومرت

تم أمس التوصل إلى اتفاق تتجنب بمقتضاه الإدارة الأمريكية تطبيق الهاوية المالية. كنت قد تناولت الموضوع في أكثر من مقال هنا على ''الاقتصادية''، وأوضحت أن الهاوية المالية هي مجرد برنامج للإصلاح المالي يهدف إلى السيطرة على عجز الميزانية ونمو الدين العام. بالطبع مثل هذا البرنامج لا شك يؤدي إلى بعض الآثار الانكماشية، تم تضخيم آثارها المتوقعة على الاقتصاد الأمريكي على نحو غير مسبوق، بل إن بعض الأصوات تعالت هنا محذرة من الآثار المدمرة للهاوية المالية على الاقتصاد السعودي، وكنت قد تناولت الموضوع أيضا وأكدت أن المملكة ليست عرضة للهاوية المالية على النحو الذي يصوره البعض، وقد توقعت في كتاباتي أن الحزبين سيتوصلان إلى اتفاق اللحظة الأخيرة لتجنب البرنامج.
الحزبان الديمقراطي والجمهوري مثل القطط، يعلو صراخها عندما تتشاجر، ولكنها تنسحب من الشجار عندما تقيم مخاطره. أهم ملامح الاتفاق هو زيادة الضرائب على الأسر ذات الدخل الذي يزيد على 450 ألف دولار، والأفراد الذين تزيد دخولهم على 400 ألف دولار. هذا لا يعني انتهاء الصراع بين الحزبين على القضايا المالية، فللأسف بلغ الدين الأمريكي سقفه الأقصى هذا الأسبوع، مما يعني أننا سنشهد موجة جديدة من الصراع بين الحزبين حول رفع جديد لسقف الدين الأمريكي لتمكين الخزانة الأمريكية من إصدار سندات جديدة، حتى لا يتأثر الإنفاق العام الأمريكي في هذه المرحلة الدقيقة.

«فيسبوك» و«تويتر» من مهام العمل اليومي للموظف الحكومي


نشرت "الاقتصادية" يوم الخميس الماضي تحقيقا حول استخدام الموظفين الحاسوب في التسلية والتواصل مع الآخرين أثناء فترة العمل. معظم المصالح الحكومية التي أدخلها أجد كثيرا من الموظفين واضعين الهاتف الذكي أو الحاسوب على أحد برامج التواصل الاجتماعي يتواصلون مع الآخرين.
برامج التواصل الاجتماعي لا شك تحسن من طبيعة حياتنا وتمنحنا فرصا مثلى للتواصل لم يكن يحلم بها مَن سبقونا، ولكنها في الوقت ذاته أصبح يساء استخدامها بصورة واضحة أثناء تأدية العمل الرسمي، فكثير من الموظفين لا يفصل بين مهام وظيفته وبين رغبته في التفاعل على برامج التواصل الاجتماعي، مثل هذا السلوك لا شك يخفض من إنتاجية العاملين، خصوصا عندما تضعف الرقابة على أداء الموظف في العمل، وهو ما تتصف به المصالح الحكومية في دولنا.
أهم التحديات في هذا الخصوص في وجهة نظري هي كيفية منع العاملين من استخدام هذه البرامج أثناء العمل، فلم تعد تجدي محاولات حظر استخدام هذه البرامج على الحاسوب، نظرا لانتشار الهواتف الذكية التي تقدم هذه البرامج على نحو متميز. لم يعد هناك من سبيل سوى أن يكون ضمن تصميم برامج التواصل الاجتماعي خاصية تتيح لجهة العمل فرصة التعرف على ما إذا كان العاملون لديها يستخدمون تلك البرامج أثناء العمل أم لا، وهي خاصية قد تكون صعبة التطبيق لتداخلها مع الخصوصية التي يجب أن تتصف بها مثل هذه البرامج.

هل تسيطر العمالة الوافدة على الأنشطة التجارية في السعودية ؟

نشرت "الاقتصادية" يوم الأربعاء الماضي، تحقيقاً مفاده أن العمالة الوافدة تسيطر على 90 في المائة من النشاط التجاري في السعودية. وبغض النظر عن مدى صحة أو دقة هذه التقديرات، خصوصاً إذا علمنا أن العامل الوافد ليس من حقه ممارسة أي نشاط تجاري سوى من خلال كفيل مواطن، حيث يمثل العامل الوافد مجرد واجهة للنشاط في هذه الحالة.
ما المشكلة إذن؟ المشكلة هي في طبيعة هذا الجانب من سوق العمل السعودي غير المنظم، أو الذي يُراد له أن يكون غير منظم، وهو ما يُطلق عليه أحياناً الاقتصاد غير الرسمي. يستوعب هذا القطاع غير الرسمي في المملكة أعداداً كبيرة من العمالة الوافدة والتي تؤدي في معظم الحالات مهامّ هامشية، تنخفض مستويات إنتاجيتها ومن ثم قيمتها المضافة إلى الاقتصاد السعودي.
في المقابل، تستهلك هذه العمالة قدراً لا بأس به من الدعم الذي تقدمه المملكة للسلع والخدمات والبنى التحتية وتمثل مصدراً لاستنزاف العملة الأجنبية، حيث تحتل السعودية قائمة دول العالم المرسلة للتحويلات في العالم. السيطرة على سوق العمل غير الرسمي هي إذن السبيل الأمثل للحد من أعداد العمالة الهامشية، أو السائبة، في المملكة، والتي تضر الاقتصاد السعودي أكثر مما تفيده، وهي مهمة لا أعتقد أنها مستحيلة، فقط تحتاج المملكة إلى العمل على وضع وتطبيق آلية مناسبة ومحكمة لمنع هذه العمالة من مزاولة النشاط بالتستر أو سواه.

تسارع سيناريوهات نفاد المخزون النفطي السعودي

حذرت تقارير لصندوق النقد الدولي لعام 2011 ودار تشاتمان في ديسمبر 2011، وسيتي جروب في سبتمبر 2012، وكذلك تقرير حديث لمركز السياسات النفطية والتوقعات الاستراتيجية من أن استمرار المملكة في الاستهلاك النفطي بالمعدلات الحالية سيترتب عليه نفاد المخزون النفطي السعودي في غضون عقدين من الزمان. مغزى هذه التقارير، لو صحت، في منتهى الخطورة، لأنه يعني توقف المصدر الرئيس للدخل في المملكة.
شخصيا أؤمن بأن النتيجة التي توصلت إليها جميع هذه التقارير غير صحيحة، لأنها تنطلق في تقدير سيناريوهات المخزون المستقبلي على معدلات نمو الاستهلاك في الماضي المرتفعة أصلا، ونمو الاستهلاك بهذه المعدلات في الماضي لا يعني استمرارها على هذا النحو في المستقبل، فلا بد من دراسة طبيعة العوامل المسؤولة عن هذا النمو المرتفع في الاستهلاك بهذه المعدلات، وما إذا كانت هذه العوامل مستدامة، ومدى تأثير سياسة التسعير على هذا الاستهلاك، والتأثير المتوقع على الاستهلاك إذا تمت عملية إعادة تسعير المنتجات النفطية على نحو يقترب من التكاليف الحقيقية، إلى آخر هذه العوامل. قبل ذلك لا يمكن الجزم بأن المخزون النفطي لأكبر دولة نفطية في العالم سينفد في غضون عقدين فقط. لا شك عندي أن السيناريوهات الأكثر واقعية في دراسة محددات الاستهلاك النفطي للمملكة ستنتهي إلى خلاصات مختلفة، لكن ذلك لا ينفي حقيقة أن استهلاك المملكة بلغ مستويات حرجة وأن السيطرة عليه أصبحت حتمية.

جدة «عروس البحر الأحمر» لمن تتزين؟

نشرت ''الاقتصادية'' يوم الأربعاء الماضي أن مدينة جدة تشهد حركة إنشاء العديد من ناطحات السحاب العملاقة في حركة غير مسبوقة للإنشاء، بلغ إجمالي الاستثمارات فيها حتى نشر التقرير 64 مليار ريال. لا شك هذه أخبارا جيدة، لكن السؤال الأساسي هو ما هي الرؤية التي تقف وراء هذه الحركة الإنشائية الكبيرة ؟.
شخصيا أعتقد أن الموقع الجغرافي المتميز لجدة لم يتم استثماره بعد، وأن مثل هذا الموقع الفريد لابد أن يطور بحيث لا تصبح جدة مجرد ميناء للمملكة، وإنما ينبغي أن تضع جدة لنفسها رؤية أن تتحول إلى مركز أعمال الشاطئين الشرقي والغربي للبحر الأحمر في قارتي آسيا وإفريقيا، لتتحول إلى مركز الجذب الأساسي للوكالات والشركات والمؤسسات المالية ومؤسسات الخدمات كالشحن البحري والتأمين الدولي، وغيرها من مؤسسات الأعمال التي يمكن أن تخدم القارتين.
لا شك أيضا أن حركة التحول في جدة لا بد أن يصاحبها تغير في مناخ الأعمال في المملكة وإجراءاته التشريعية وبيروقراطية الأعمال فيه لكي تتمكن جدة من أن تضطلع بهذا الدور. جدة تحتاج إلى بلورة هذه الرؤية في ظل إدارة ديناميكية تعمل على مثل هذه التحول الذي يمكن المدينة من أن تلعب دورا أساسيا في تنمية المملكة وكذلك المناطق التي حولها، ولأجل ذلك ينبغي أن تكون تلك الناطحات سكنا إداريا، فعروس البحر الأحمر ينبغي أن تتزين لما يليق بوضعها المأمول في المحيط الآفرو-آسيوي.

ملامح السياسة النقدية الأمريكية في 2013 (2 من 2)

استعرضنا في الأسبوع الماضي تطورات السياسة النقدية الأمريكية منذ أن بدأت الأزمة، والإجراءات التي اتخذتها الولايات المتحدة في إطار سياسة التسهيل النقدي التي اتبعتها حتى اليوم، كما سبق أن ذكرنا أن الاجتماع الأخير للجنة الفيدرالية للسوق المفتوح، انطوى على تغير واضح في اتجاه السياسة النقدية الأمريكية، فمن وقت إلى آخر كانت اللجنة تقوم بمراجعة توقعاتها حول اتجاهات النمو والبطالة والتضخم في المديين القصير والطويل، ثم تحدد اتجاهات السياسة النقدية حتى تاريخ محدد في المستقبل يتم تعديله من وقت إلى آخر.
تمثلت أهم التطورات الأخيرة في السياسة النقدية الأمريكية في أنها لم تعد مرتبطة بتوقيت محدد، وإنما بتحقق مستهدفات محددة في الاقتصاد الأمريكي، أي أن الاحتياطي الفيدرالي سيستمر في اتباع مدخل التركيز على النتائج، وذلك باستمرار تبني معدلات الفائدة الصفرية، حتى تتحسن الأوضاع الاقتصادية بمستوى أسعار مستقر. الجديد هذه المرة في السياسة النقدية الأمريكية هو أنها قامت بتحديد بدقة ماذا تعني عملية تحسن الأوضاع الاقتصادية. فقد أعلنت لجنة السوق المفتوح أنها ستستمر في دعم هدفيها في تعظيم مستويات التشغيل والاستقرار السعري خلال 2013، كما أنها تتوقع استمرار سياساتها النقدية التوسعية لفترة زمنية طويلة بعد انتهاء برنامج شراء الأصول الذي تمارسه حاليا وكذلك بعد تعزز عملية تحسن مستويات النشاط الاقتصادي، وقد وضعت اللجنة شروط هذا التحسن في الآتي:
- أعلنت اللجنة أنها ستستمر في مراقبة التطورات في سوق العمل الأمريكي في الأشهر المقبلة، فإذا لم يحدث تحسن جوهري، فإن اللجنة ستستمر في عمليات شرائها لسندات الخزانة والسندات المغطاة برهون عقارية، وكذلك أدواتها الأخرى حتى يتحسن وضع سوق العمل في ظل استقرار الأسعار، وقد تم تعريف تحسن سوق العمل بأنه الحالة التي تنخفض فيها البطالة إلى معدل 6.5 في المائة. معنى ذلك أنه إذا لم يتحسن أداء سوق العمل في 2013 بحيث تنخفض معدلات البطالة نحو هذا المستوى أو أقل، فمن المتوقع أن نشهد تحولا في اتجاه السياسة النقدية الأمريكية لتصبح أكثر هجومية، وأن نشهد مزيدا من التسهيل النقدي.
- أخذا في الاعتبار أن الضغوط التضخمية التي صاحبت كل هذه الإجراءات للتسهيل النقدي لم تؤد إلى الضغط على الأسعار نحو الارتفاع أو أن يخرج معدل التضخم الأمريكي عن نطاق السيطرة حتى اليوم، أو حتى عن المستويات التي يستهدفها الاحتياطي الفيدرالي بشكل دائم، فإن الاحتياطي الفيدرالي سيستمر في اتباع سياسة معدلات الفائدة الصفرية حتى يرتفع التضخم عن 2.5 في المائة، وهو مستوى أعلى من المستوى المستهدف للنمو من الاحتياطي الفيدرالي الذي يساوي 2 في المائة بنصف في المائة.
من الواضح أنه لأول مرة منذ بداية الأزمة سيتبنى الاحتياطي الفيدرالي مؤشرات كمية حول مستهدفات السياسة النقدية في الفترة القادمة، وعندما تصل تلك المستهدفات إلى حد معين، سيوقف الاحتياطي الفيدرالي مستهدفاته حول معدلات الفائدة وسيسمح بالتالي بزيادة معدلات الفائدة سواء بين المصارف أو معدلات الفائدة طويلة الأجل بالزيادة عن المستويات شبه الصفرية حاليا، وبهذا الشكل فإن السياسة النقدية للاحتياطي الفيدرالي أصبحت أكثر شفافية في نقل المعلومات الخاصة بالسياسة النقدية للجمهور، بما فيهم قطاع الأعمال الخاص، الذي سيكون أكثر وعيا بتطورات السياسة النقدية، ومن ثم يكون أكثر استعدادا لتقبل ما سوف تترتب عنه من نتائج، وهو ما يحسن من طريقة اتصال الاحتياطي الفيدرالي مع الجمهور من خلال تحديد مستويات البطالة والتضخم، التي عندها سيبدأ بالسماح بزيادة معدلات الفائدة قصيرة الأجل.
أما بالنسبة للملامح العامة للسياسة النقدية في 2013 فإنها سوف تتمثل في الآتي:
- إن السياسة النقدية سوف تتخذ مدخلا متوازنا عندما تتحقق تلك المستهدفات المعلنة حاليا حول النمو والبطالة والتضخم بما يتوافق مع تلك الأهداف.
- ستظل التوقعات طويلة الأجل حول التضخم المستهدف عند مستوى 2 في المائة سنويا في المتوسط.
- سيستمر الاحتياطي الفيدرالي في سياسته النقدية التوسعية بدون تحديد سقف محدد لهذه السياسة، حيث ستستمر عمليات شراء السندات طويلة الأجل، وكذلك السندات المغطاة برهونات عقارية لتعديل هيكل معدلات الفائدة بهدف تخفيض معدلات الفائدة طويلة الأجل، وهو ما يحفز الطلب الاستهلاكي والاستثماري والطلب على المساكن.
- سيختار الاحتياطي الفيدرالي معدلا للبطالة هذه المرة أعلى من المعدل الطبيعي للبطالة Natural Unemployment Rate، ومع ذلك فإن هناك من بين المراقبين من يتوقع أن استعادة سوق العمل معدل بطالة 6.5 في المائة سيأخذ وقتا طويلا للغاية، ومن ثم من المتوقع أن تظل سياسات التسهيل النقدي غير المحددة النهاية مستمرة حتى هذا التوقيت.
- سيتبنى الاحتياطي الفيدرالي موجة جديدة من التيسير الكمي 4، التي ستنشأ من عمليات شراء 45 مليارا من السندات طويلة الأجل شهريا كما كان يفعل في ظل عملية لي منحنى العائد على السندات Operation Twist، ولكن دون تعقيم لأثر هذه العمليات على عرض النقود من خلال بيع سندات قصيرة الأجل هذه المرة. فبمقتضى السياسة الجديدة سيشتري الاحتياطي الفيدرالي 45 مليار دولار سندات خزانة طويلة الأجل دون أن يصاحب ذلك أي عمليات للبيع، وهو ما يعني أن هذه العملية سيترتب عليها زيادة صافية في العرض النقدي بالقيمة نفسها، وبالتالي زيادة حجم ميزانية الاحتياطي الفيدرالي، من خلال تركيز عمليات الشراء على السندات طويلة الأجل لاستمرار الضغط على منحنى العائد من طرفه طويل الأجل.
- سيترتب على هذه الموجة الجديدة من التيسير الكمي نمو حجم ميزانية الاحتياطي الفيدرالي، وهناك بعض التوقعات المبالغ فيها أنه بمعدل الشراء الشهري لـ 85 مليار دولار من السندات، فمن المتوقع أن تصل ميزانية الاحتياطي الفيدرالي إلى نحو أربعة تريليونات دولار بنهاية 2013، وهي بكل المقاييس كمية ضخمة جدا من عرض الدولار.
- سيستمر الاحتياطي الفيدرالي في توسيع نطاق تواريخ استحقاق الأوراق المالية التي يحتفظ بها نحو آجال زمنية أطول برفع متوسط آجال استحقاق هذه الأدوات، حيث من المتوقع أن يكون متوسط تاريخ الاستحقاق للسندات طويلة الأجل تسع سنوات. يفترض أن يترتب على هذه الإجراءات استمرار الضغوط على معدلات الفائدة طويلة الأجل، ويدعم سوق الرهن العقاري ومن ثم تحسين سوق المساكن.
- سيستمر الاحتياطي الفيدرالي في اتباع السياسة المعلنة حاليا بإعادة استثمار ما سيتم استحقاقه من سندات، تستحق على مؤسسات الإقراض وكذلك السندات المغطاة برهون عقارية، في سندات طويل الأجل.
هذه هي أهم الملامح المتوقعة للسياسة النقدية في الولايات المتحدة في عام 2013، غير أنه تنبغي الإشارة إلى أنه وفقا لتقديرات اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوح حول اتجاهات النمو في الاقتصاد الأمريكي، فإنه ليس من المتوقع أن تصل الولايات المتحدة إلى هذه المستهدفات الكمية قبل عام 2015. معنى ذلك أننا نتحدث عن سياسة نقدية تمارس التسهيل النقدي على نطاق واسع حتى 2015 عندما تقترب المؤشرات المحققة في الاقتصاد الأمريكي من المستهدفات الجديدة المعلنة للسياسة النقدية الأمريكية.

مَن يحمي المستهلك الخليجي من الغش والتقليد؟

نشرت ''الاقتصادية''، يوم الإثنين، خبراً مفاده بأن الدول الخليجية تتكبّد خسائر تقدر بنحو 700 مليون ريال سنوياً من جرّاء السلع المقلّدة. الأسواق في الخليج تتسم بشكل عام بأنها مفتوحة ولا تخضع لتطبيق حاسم للمواصفات ومعايير الجودة، نظراً لغياب هيئاتها، وهو ما يغري بعض المستوردين بجلب السلع المقلّدة من أماكن تصنيعها في العالم، بصفة خاصة من آسيا، وإعادة بيعها، إما على أنها سلعٌ أصلية أو على أنها سلعٌ تجارية، وفي كلتا الحالتين يحقق المستورد أرباحاً كبيرة على حساب المستهلك، نظراً لانخفاض تكاليف استيراد السلع المقلّدة أو المغشوشة. بالتأكيد السماح بتدفق مثل هذه السلع فيه إضرارٌ بالمستهلك يصل أحياناً إلى تهديد حياته، إذا كانت السلع المقلّدة تدخل في نظامه الغذائي بأي صورة أو في وسائل النقل التي يستخدمها كالسيارات.
في رأيي، إن الخسائر الحقيقية للغش والتقليد أضعاف هذه الأرقام المقدّرة، خصوصاً إذا ما أخذنا في الحسبان الآثار غير المباشرة لدخول مثل هذه السلع الأسواق الخليجية. هناك مثلث أضلاعه مسؤولة عن تدفق السلع المقلّدة أو المغشوشة، وهي المستورد الذي يحاول تعظيم أرباحه من خلال الاستفادة من ثغرات السوق الخليجية، والجمارك التي لا تطبق معايير الجودة والتقييس على السلع المستوردة من الخارج، ومنظمات الرقابة على الجودة والتقييس الغائبة على أرض الواقع، وبين هذه الزوايا الثلاث سيظل السؤال الأساسي ''مَن يحمي المستهلك من الغش والتقليد؟'' دون إجابة مع الأسف الشديد.

متى توضع السياحة في أولويات الخيارات الاستراتيجية السعودية؟

يعد قطاع السياحة أحد المصادر المهمة للنمو الاقتصادي في كثير من البلدان في العالم، حيث أصبح قطاعا رئيسا في الاقتصاد العالمي وإحدى أهم الصناعات الدولية، التي تستوعب أعدادا ضخمة من العمالة في مجالات متنوعة، سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة، على سبيل المثال، في الفنادق، وفي مناطق الجذب السياحي وفي المطاعم وفي مجال النقل السياحي، والإرشاد السياحي وهلم جرا، وبشكل غير مباشر من خلال توفير عديد من السلع والخدمات التي تعد من المدخلات الأساسية لقطاع السياحة.
المملكة تمتلك كافة المقومات التي تمكنها من أن تصبح بلدا سياحيا، فإضافة إلى النشاط القائم في مجال السياحة الدينية يمكن أن تسهم أشكال السياحة الأخرى بدور فعال في توليد الدخل وفرص العمل، غير أن وضع استراتيجية متكاملة لهذا القطاع هو ما يغيب حاليا في المملكة، وفي رأيي أن سيادة القطاع النفطي هي أهم العقبات، حيث لا يشعر صانع السياسة بأهمية هذا القطاع في توليد مصادر إضافية للدخل، طالما أن المصدر الرئيس يسير على النحو المأمول. إن استراتيجيات تنويع الدخل تقتضي التخطيط السليم لهذا القطاع وهي مهمة تتطلب تحقيق التكامل بين القطاعات المختلفة في الاقتصاد ومعالجة فعالة لوضع السياسة السياحية في مكانها المناسب جنبا إلى جنب مع السياسات والقضايا الحيوية الأخرى، بما في ذلك الاعتبارات البيئية والخصوصية الثقافية والدينية للمملكة، وهي مسألة أراها في غاية الأهمية.

6 ملايين معتمر فقط!

كشفت ''الاقتصادية'' السبت الماضي عن أن عدد من قدموا إلى المملكة بتأشيرة عمرة في العام الماضي بلغ ستة ملايين زائر، مقارنة بـ 5.1 مليون في العام الذي سبقه، وعلى الرغم من هذا التطور الواضح في أعداد المعتمرين من الناحية التاريخية، إلا أن العدد ما زال أقل بكثير جدا مما يمكن أن تجتذبه المملكة من زوار لبيت الله الحرام، وذلك إذا ما أخذنا في الاعتبار أن هناك أكثر من 1400 مليون مسلم يمثلون رصيدا كامنا لزائري المملكة.
زيارة بيت الله الحرام يمكن أن تشكل مصدرا مهما للدخل، خصوصا إذا ما تمت عملية تنظيمها وهيكلتها على النحو الذي يعظم عوائد المملكة من الزيارة، بما تتركه من آثار مباشرة وغير مباشرة على الإنفاق الكلي.
أن تجتذب الأماكن المقدسة ستة ملايين معتمر فقط، فهذا يعني أن التخطيط للنشاط السياحي من خلال العمرة لا يتم على نحو سليم، وأن هناك المزيد من الجهد الذي يجب أن يبذل في سبيل زيادة أعدادهم، بما في ذلك تسهيلات تأشيرات الدخول والمدى الزمني الذي يسمح فيه بالزيارة، وأن برنامجا احترافيا ينبغي أن يوضع للمعتمر لا يقتصر على الشعائر فقط، وإنما يشمل أيضا زيارات إلى أهم المعالم السياحية في الدولة، وأن شبكة فعالة من التسهيلات يجب أن تنشأ بين المملكة وكافة المكاتب المختصة في العالم لتحفيز هذا النشاط كي يلعب دوره المأمول في اقتصاديات السعودية.

«سامسونج» و«أبل»

سوق الهواتف النقالة، أفضل مثال للمنافسة الجديدة في السوق العالمية القائمة على الابتكار والبحوث والتطوير، انطلاقاً من خلق الحاجة لدى المستهلك، والاستجابة السريعة لتطلعات المستهلكين نحو خصائص أرقى ومواصفات أفضل. السوق العالمية للكثير من السلع اليوم لم تعد تتسم بالاستقرار الذي كانت تتصف به في الماضي، حيث كانت تسيطر على صناعات العالم مجموعة من الشركات الغربية ذات العلامات المعروفة استناداً إلى تفوقها التقني وأسرار الصناعة التي تمتلكها.
لم يكن أحد يعتقد أن دولة ناشئة مثل كوريا الجنوبية يمكن أن تحقق هذا الاختراق للأسواق العالمية للسلع التي تحتاج إلى تكنولوجيا رفيعة والتي كانت حكراً في الماضي على الدول الغربية، اعتبارات المنافسة دفعت ''أبل'' إلى اللجوء للقضاء متهمة ''سامسونج'' بسرقة بعض ابتكاراتها، وقد حكم بالفعل لصالح ''أبل'' في بعض هذه القضايا، غير أن ''سامسونج'' لم تلتفت إلى ما حدث، واستمرت في انتهاج سياساتها نفسها في تطويع منتجاتها لتوافق متطلبات عملائها.
اليوم تجلس ''سامسونج'' على عرش صناعة الهواتف النقالة في العالم متفوقة بذلك على كل منافسيها بما فيها ''أبل''، فأصبحت أكبر مصنع للهواتف في العالم، وذلك من خلال التفوق تقنياً والتوسُّع في تشكيلة المنتجات لتتوافق مع أذواق الجميع، في الوقت الذي أخذت فيه حصة ''أبل'' تتراجع بسبب الفروق في معدلات الابتكار التي تقوم بها كلتا الشركتين، والمنافسة في السوق العالمية اليوم يمكن أن تجرف في طريقها أي علامة مهما بلغ حجمها.

حول سياسة الطاقة الرخيصة في السعودية

نشرت "الاقتصادية" يوم الجمعة تحقيقاً عن أن السعودية قد ترفع أسعار الغاز العام المقبل بهدف خفض الدعم والسيطرة على الهدر في الطاقة. عندما تكون للسلعة التي تنتجها الدولة سوق عالمية وسعر عالمي، فإن تسعير تلك السلعة محلياً بسعر أقل عن السعر العالمي يعني تحميل المالية العامة للدولة بدعم مستتر يتمثل في الفرق بين السعر المحلي والسعر العالمي، أكثر من ذلك فإنه عندما تتم إتاحة السلع بالأسعار المدعمة للجميع، سواء أكان قادراً أم غير قادر، فإن الإفراط في استهلاك هذه السلع يتزايد وبالتالي يتزايد الهدر في المال العام، فمن المعلوم أن القادرين هم الأكثر استهلاكاً للسلع والخدمات، وبالتالي هم الأكثر استفادة من أي دعم عام تقدمه الدولة، وهذا ما يتنافى مع الهدف الأساسي من الدعم.
السعودية منتج رئيس للنفط والغاز، لكنها تقع في الخطأ ذاته الذي تقع فيه الدول التي لا يتسم فيها الإنفاق العام بالكفاءة، حيث يتم تسعير الطاقة بأسعار متدنية للغاية مقارنة بأسعارها العالمية، وهو ما يترتب عليه تحميل الميزانية العامة للدولة بمبالغ ضخمة سنوياً لضمان أن تصل هذه المنتجات لجميع المستهلكين بالأسعار المدعمة بغض النظر عن دخولهم. لقد حان الوقت لأن تقوم المملكة بتعديل سياسة الطاقة الرخيصة بما يحقق قدراً أكبر من العدالة بين المستهلكين من خلال التمييز في الدعم حسب مستوى الدخل، وبما يضمن وصول الدعم لمستحقيه الحقيقيين.

عندما يصدّر الدعم السعودي إلى الخارج

تحدث ظاهرة غريبة حالياً في المملكة أشارت إليها ''الاقتصادية'' يوم الإثنين الماضي، في تحقيق حول دراسة حظر تصدير السلع المدعومة للخارج، أصبت بدهشة شديدة بعد قراءة التحقيق، فكيف تسمح الدولة بأن يقوم التجار فيها بتصدير السلع الاستهلاكية التي تقوم بتدعيمها لصالح المستهلك المحلي إلى الخارج، لكي يتحول هذا الدعم من المالية العامة للدولة إما لصالح المستهلك الأجنبي، وذلك عندما تصدر السلعة إلى الخارج بالسعر نفسه المدعم الذي تباع به داخل المملكة، أو أن يذهب الدعم لجيب التجار على حساب ميزانية الدولة مرة أخرى، وذلك عندما تصدّر السلعة إلى الخارج بالسعر الدولي لها.

في كلتا الحالتين فإن ذلك يعني أن جانباً من الدعم السعودي لا يذهب إلى المستحقين في المملكة، وأن المالية العامة السعودية تدعم المستهلكين خارج الحدود، مع أن الهدف الأساسي من الدعم هو المستهلك المحلي.

السماح بتصدير السلع الاستهلاكية التي تدعمها الدولة هو سوء توجيه للدعم، وهدر كبير للموارد المالية للدولة والذي ينبغي أن يوقف تحت أي ظرف من الظروف، لأنه في حقيقة الأمر يعتبر بمنزلة عملية تصدير للفوائض المالية للدولة للغير دون مقابل، ولا شك أن ذلك ليس هو الهدف من عملية تدعيم السلع الاستهلاكية في المملكة والذي يستحوذ على نسبة كبيرة من الإنفاق العام، وتتزايد نسبته عاماً بعد آخر مهدّداً الميزانية العامة في حال تراجعت الإيرادات النفطية بصورة جوهرية.

ملامح السياسة النقدية الأمريكية في 2013 (1 من 2)

التحديات التي تواجهها السياسة النقدية الأمريكية في الوقت الحالي ما زالت كبيرة ومعقدة، فالمستهدفات الأساسية للسياسة النقدية للاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، التي تتمثل في تعظيم معدلات التشغيل في الاقتصاد الأمريكي، وفي ذات الوقت السيطرة على التضخم ضمن نطاق مستهدفات محددة، لا تتحقق حاليا في الاقتصاد الأمريكي، على الرغم من عمليات التدخل المكثف التي انتهجها الاحتياطي الفيدرالي بكل أدوات السياسة النقدية التقليدية (للحفاظ على معدل الفائدة قصير الأجل منخفضا)، أو غير التقليدية مثل التيسير الكمي (للتأثير على هيكل معدلات الفائدة على الأوراق المالية ذات الاستحقاق طويل الأجل). فالوضع الاقتصادي في الولايات المتحدة لا يسير على نحو مرض بالنسبة لصانع السياسة النقدية، حيث لا يسير النمو الاقتصادي، خصوصا في 2012، على نحو مناسب، فلقد تراجعت معدلات النمو في هذا العام بصورة واضحة أعادت للأذهان سيناريوهات الكساد المزدوج طوال النصف الأول من العام، وذلك قبل أن تتحسن معدلات النمو نسبيا في النصف الثاني من هذا العام، كذلك شهد سوق العمل الأمريكي خلال 2012 تراجعا في معدلات البطالة غير أن هذا التراجع صاحبه عدم استقرار في معدل البطالة، والذي مال نحو التصاعد لفترة من الزمن خلال هذا العام أيضا.
من ناحية أخرى، فإن التطورات في معدل التضخم الأمريكي لا تسير وفقا لتوقعات لجنة السوق المفتوح، وهي بشكل عام أقل من المستويات المتوقعة في ظل سياسات التسهيل النقدي التي يتبناها الاحتياطي الفيدرالي أخذا في الاعتبار حجم عمليات التوسع النقدي التي اتبعها الاحتياطي الفيدرالي. فقد ظل معدل التضخم عند مستويات أقل من المعدل المستهدف (2% على المدى الطويل)، وفي بعض الحالات كان معدل التضخم سالبا، ما زاد مخاوف سقوط الاقتصاد الأمريكي في مصيدة الانكماش السعري، وعلى الرغم من كل عمليات التوسع النقدي الذي تقوم بها الولايات المتحدة، فإن اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوح ما زالت تتوقع حاليا أن يستمر معدل التضخم في الأجل المتوسط أقل من المستوى المستهدف.
مما يعقد من مهمة الاحتياطي الفيدرالي أن المخاطر المالية، التي تنتشر في الأسواق المالية في العالم، بصفة خاصة في أوروبا، تؤدي إلى تزايد الضغوط السلبية على اتجاهات النمو في الاقتصاد الأمريكي، وقد بدا ذلك واضحا في بداية 2012، باختصار شديد النمو الاقتصادي الأمريكي حاليا ليس قويا إلى الحد الذي يمكن معه فتح كميات كافية من الوظائف في سوق العمل بما يساعد على مواجهة المستويات المرتفعة لمعدلات البطالة، وتتمثل أهم التحديات، التي تواجه السياسة النقدية حاليا في تباطؤ معدلات نمو الإنفاق الاستثماري الثابت لقطاع الأعمال، التي تلعب دورا مهما في فتح الوظائف الجديدة في سوق العمل.
لقد نجحت الإدارة الأمريكية من خلال الاستخدام الكثيف للسياسة المالية والنقدية الأمريكية في إخراج الاقتصاد الأمريكي سريعا من حالة الكساد (أي تحقيق معدلات نمو سالب) بنهاية 2009، لتبدأ بعد ذلك مهمة استعادة النشاط الاقتصادي لمستوياتها قبل الأزمة، بصفة خاصة في سوق العمل الأمريكي، التي ثبت بعد ذلك أنها مهمة شاقة جدا اقتضت اللعب بأدوات السياسة النقدية الأمريكية حتى حدودها القصوى، فطوال السنوات الماضية استنفد الاحتياطي الفيدرالي كل السبل تقريبا لمحاولة رفع مستويات النشاط الاقتصادي إلى مستويات ما قبل الأزمة، غير أنه من الواضح أن هذه المهمة حتى الآن يبدو أنها صعبة للغاية على الأقل في الأجل المتوسط، ومع ذلك ما زال الاحتياطي الفيدرالي عند رؤيته الأولية بأنه بدون التطبيق المكثف لسياسات النقود السهلة، فإن النمو الاقتصادي الأمريكي لن يكون قويا في المستقبل بالصورة التي تساعد على ضمان استدامة التحسن في سوق العمل، خصوصا في ظل استمرار التأثيرات السلبية التي تترتب على ارتفاع المخاطر في الأسواق المالية الدولية على اتجاهات النشاط الاقتصادي الأمريكي.
حتى الاجتماع الأخير للجنة الفيدرالية للسوق المفتوح FOMC، كانت ملامح السياسة النقدية الأمريكية تتمثل في تبني مستوى مستهدف لمعدل الفائدة قصيرة الأجل يقترب من الصفر، وهو أن يتراوح معدل الفائدة بين المصارف Federal funds rate بين الصفر إلى ربع في المائة. بالإضافة إلى الحفاظ على معدل الفائدة قصيرة الأجل عند هذه المستويات المتدنية، تبنى الاحتياطي الفيدرالي ثلاث خطط للتيسير الكمي هدفت إلى تعديل هيكل معدلات الفائدة على الأوراق المالية برفع معدلات الفائدة على السندات طويلة الأجل.
كما تبنى الاحتياطي الفيدرالي برامج لشراء السندات الأمريكية كان بمقتضاها يقوم الاحتياطي الفيدرالي بشراء سندات طويلة الأجل، سواء أكانت سندات خزانة أو سندات مؤسسات لمؤسسات مالية مغطاة بالرهون العقارية، أي السندات التي تصدرها مؤسستا ''فاني ماي وفريدي ماك''، هذه السندات يتم إضافتها إلى رصيد الأصول في ميزانية الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي، في مقابل تعلية حسابات المصارف والمؤسسات التي تم شراء هذه السندات منها لدى الاحتياطي الفيدرالي، وهو ما يعني زيادة عرض النقود مع كل عملية شراء للسندات، وهو ما أطلق عليه عمليات التيسير الكمي، وقد ترتب على عمليات التيسير الكمي ارتفاع ميزانية الاحتياطي الفيدرالي إلى 2.861 تريليون دولار في الأسبوع الماضي، وذلك مقارنة بنحو 0.9 تريليون دولار عشية انطلاق الأزمة.
كذلك تبنى الاحتياطي الفيدرالي برنامجا للي منحنى العائد على السندات Operation Twist، بمقتضاه كان الاحتياطي الفيدرالي يقوم ببيع السندات قصيرة الأجل، ثم يشتري بالقيمة سندات خزانة طويلة الأجل بهدف الضغط على معدلات الفائدة طويلة الأجل لخفضها، وهي العملية التي تختلف عن عمليات التيسير الكمي في أنه لا يترتب عليها زيادة في عرض النقود، حيث لا تؤثر في حجم ميزانية الاحتياطي الفيدرالي، لأنها ببساطة عملية استبدال أوراق مالية ذات آجال استحقاق معينة بأوراق مالية أخرى ذات آجال استحقاق مختلفة، وطالما أن العملية لا يترتب عليها تغيير حجم الميزانية، فإن عرض النقود الأمريكي يظل ثابتا، والجدير بالذكر أن هذه العملية ستنتهي في نهاية كانون الأول (ديسمبر) 2012.
بالإضافة إلى ذلك كان الاحتياطي الفيدرالي يقوم بشراء السندات من خلال إعادة استثمار Reinvestment ما يستحق من سندات بشراء سندات جديدة، غير أنه لوحظ في الفترة الأخيرة أن حجم ميزانية الاحتياطي الفيدرالي قد أخذ في التراجع، حيث كانت عمليات شراء السندات الجديدة أقل من حصيلة السندات التي حل موعد استحقاقها، فتراجعت أصول والتزامات الاحتياطي الفيدرالي، أي انخفضت ميزانية الاحتياطي الفيدرالي وتراجع معها عرض النقود بشكل محدود.
عبر اجتماعات لجنة السوق المفتوح المتتالية في السنوات الأخيرة، تم التأكيد على أن سياسة النقود السهلة سوف تستمر حتى تتعزز معدلات نمو النشاط الاقتصادي وتتحسن أوضاع سوق العمل الأمريكي بانخفاض معدلات البطالة. على سبيل المثال أكدت اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوح مرارا بأنها ستستمر في تبني معدل الفائدة قصير الأجل Federal funds rate عند مستوى صفري، وأنها ستستمر في برنامج شراء الأوراق المالية حتى تتحسن أوضاع سوق العمل في ظل الاستقرار السعري، وفي كل مرة لم تقم لجنة السوق المفتوح بتحديد نهاية محددة لبرنامج شراء الأصول، واقتصرت بالإفادة على أنه سينتهي بتحسن الأوضاع الاقتصادية وتراجع معدلات البطالة، بمعنى آخر كانت سياسة الاحتياطي الفيدرالي تقوم على أساس أنه سيتوقف عن تبني مستهدفات معدل الفائدة المنخفضة، وسيسمح لمعدل الفائدة بالارتفاع عندما تتحسن الأوضاع الاقتصادية بشكل عام ويتحسن أداء سوق العمل بتراجع معدلات البطالة، دون أن يحدد طبيعة هذا التحسن وكيف يمكن الحكم عليه.
حمل الاجتماع الأخير للجنة الفيدرالية للسوق المفتوح مفاجأة للمتابعين لتطورات السياسة النقدية الأمريكية، حيث حدث تحول هيكلي في كيفية إدارة السياسة النقدية الأمريكية، وهذا هو موضوع الجزء الثاني من هذا المقال - بإذن الله تعالى.

السيارة الكهربائية .. هل هي بداية النهاية للحقبة النفطية؟

نشرت صحيفة ''الاقتصادية''، يوم الثلاثاء الماضي، خبراً مفاده أن وزارة اقتصاد المعرفة الكورية الجنوبية طرحت نموذجاً جديداً من السيارات الكهربائية عالية السرعة. السيارة الكهربائية منتجٌ يتزايد الاهتمام به دولياً، وهي كمنتج جديد غير منتشرة نظراً للقيود الحالية على استخدامها، بصفة خاصّة طول فترة إعادة شحن بطارياتها وقصر طول الرحلة التي تقضيها السيارة مع كل عملية شحن، فضلاً عن القيود على سرعتها، وكلها قيودٌ كما تبدو فنية، والقيود الفنية قد تكون قيوداً في الوقت الحالي، لكنها في المستقبل تصبح من التاريخ، لأن عمليات البحث والتطوير سرعان ما يترتب عليها حدوث اختراق تقني يقضي على هذه القيود.
دول العالم الكبرى اليوم لديها خططٌ لوضع السيارة الكهربائية على طرقها في وقت ما في المستقبل القريب، وهي ترصد الميزانيات لدعم عملية إنتاج السيارات الكهربائية، والعالم يقترب بشكل سريع من هذا اليوم الذي تصبح فيه هذه السيارة وسيلة النقل الأساسية، وهو ما يحمل أخباراً سيئة لنا هنا في الخليج. إذا حدث ذلك فستكون بداية النهاية للحقبة النفطية، وبداية السيناريو المرعب الذي طالما حذّرنا منه الدول النفطية مراراً، وهو لا تضيعوا إيرادات النفط في الإنفاق على الناس في الأجل القصير، فهذا أكبر الأخطاء التي تمارسها دول الخليج حالياً، وإنما استخدموها في تنويع مصادر الدخل لتكونوا قادرين على الإنفاق عليهم بشكل مستدام في المستقبل.

وسائل النقل العام تحمي الثروة النفطية للسعودية

معدلات استهلاك النفط محليا في السعودية تتزايد على نحو مثير للقلق، لدرجة أن بعض السيناريوهات تتوقع أن تتحول المملكة من أكبر مصدر للنفط في العالم، إلى مستورد للنفط في 2030، وبغض النظر عن مدى معقولية هذه السيناريوهات، فإن السبب الرئيس في تزايد الاستهلاك المحلي للنفط هو انخفاض أسعار الوقود بشكل عام، وارتفاع مستويات الدعم التي تقدمها المملكة لمستهلكيه. اليوم أصبحت حصة جوهرية من النفط المستخرج يوميا تذهب لإنتاج وقود السيارات على اختلاف أنواعها، ليتم بيعه بأسعار زهيدة مقارنة بالسعر العالمي لتلك المنتجات. النتيجة الطبيعية لانخفاض أسعار الوقود هي الإسراف في استهلاكه. أحد الحلول الأساسية لخفض استهلاك الوقود والحفاظ على الثروة النفطية السعودية هو تبني خطط لنشر وسائل النقل العام في مدن المملكة، حيث يعد الاستثمار في وسائل النقل العام استثمارا مردوده كبير على المدى الطويل. صحيح أن تكلفة الاستثمارات في مشروعات النقل العام مثل مترو الأنفاق ستكون ضخمة على المدى القصير، غير أنه لا بد أن يؤخذ في الاعتبار المردود الإيجابي لهذه الاستثمارات على المدى الطويل، فضلا عن الآثار الخارجية الإيجابية Externalities لها، بصفة خاصة الحفاظ على الثروة النفطية من الهدر في الاستهلاك المحلي للطاقة بأسعار رخيصة، وخفض الدعم المقدم للوقود في المملكة، وهي عوائد لا يمكن إهمال أثرها في المدى الطويل.

متى تقف المضاربة في قطاع العقار؟

نشرت الاقتصادية يوم الأربعاء الماضي تحقيقا عن السوق العقارية في المملكة، والذي أشار إلى اتجاه أسعار الأراضي نحو الانخفاض نسبيا في الفترة الأخيرة. لا خلاف على أن قطاع العقار يعيش حالة فقاعة سعرية ضخمة، فتطورات أسعار الأراضي تجعل حلم تملك المسكن المناسب صعب المنال بالنسبة لكثير من الأسر المكونة حديثا اليوم. تنشأ الإشكالية الأساسية من عدم تلاؤم توزيع عرض الأراضي بين التجمعات السكانية المختلفة في المملكة والحاجات الحقيقية لها، فضلا عن انتشار المراكز الاحتكارية في سوق الأراضي والتي كلما اتسعت ساعدت على تغذية الاتجاهات نحو المضاربة في قطاع العقار، والمضاربة التي تعمل على رفع الأسعار تغذي التوقعات باستمرار ارتفاع الأسعار فتزداد المضاربة وهكذا.
لكي تتوقف المضاربة على الأراضي لا بد من وقف اتجاه الأسعار نحو الارتفاع، بل دفعها نحو الانخفاض، وسعر الأراضي لن يتراجع إلا إذا تكثفت الاستثمارات في البنية التحتية بالشكل الذي يساعد على تأهيل مساحات ضخمة من الأراضي لكي تكون مؤهلة للبناء وضمها إلى المساحات القائمة حاليا، ولخفض تكلفة هذه الأراضي يقترح تحميل الأراضي الجديدة بتكلفة البنى التحتية فقط، ولتعزيز هذا الاتجاه يقترح أيضا تبني خطط واسعة للاستثمار في المجمعات السكنية القائمة على التوسع الرأسي بما يساعد على اتجاه قطاع العقار نحو التوازن عند أسعار معقولة للمساكن.

الحالة الصحية لخادم الحرمين الشريفين

تابعت وسائل الإعلام في المملكة تطورات الحالة الصحية لخادم الحرمين الشريفين بصورة لصيقة منذ الإعلان عن دخوله المستشفى لإجراء عملية جراحية حتى خروجه رعاه الله. أن يتناول الصحافيون والصحافة الحالة الصحية للملك، وأن تتابع بدقة تطورات حالته وتوقيت إجراء العملية الجراحية التي ستجرى له ونتائجها، وتوقيت خروجه .. إلخ، لهو انعكاس للمساحة الكبيرة من الحرية التي منحها خادم الحرمين الشريفين للصحافة السعودية.
فبعيدا عن المملكة، تعتبر صحة القائد من أسرار الدولة العليا لدرجة أن من تسول له نفسه من الصحافيين مجرد الخوض فيها، قد تترتب عليه نتائج كارثية له ولصحيفته. على سبيل المثال لقد صدر حكم بالسجن على أحد الصحافيين في مصر لأنه تجرأ بكتابة مقال تناول فيه الحالة المرضية للرئيس المصري السابق، ثم شعر المصريون بعد ذلك باختفاء الرئيس من الساحة لفترة ليكتشف الجميع أنه كان مريضا بالفعل وأنه أجرى عملية في ألمانيا.
لا شك أن صحة الملك ليست شأنا خاصا به فقط، وإنما أيضا هي من أخص شؤون الشعب، وأن إطلاع الشعب على الحقيقة نوع من الشفافية التي قل أن نجدها في دول العالم الأخرى، فكم قائد في العالم الإسلامي يسمح للصحافة أن تتناول حالته الصحية على هذا النحو الذي شهدناه في الفترة الأخيرة في المملكة، وحده خادم الحرمين الشريفين من يسمح بذلك، نسأل الله أن يتم عليه نعمة الشفاء.

حتى لا تعمل رؤوس الأموال الوطنية في غير صالح الوطن

نشرت ''الاقتصادية'' يوم الأربعاء الماضي تحقيقا حول اجتذاب صناعة الغاز الصخري الأمريكي أكثر من 140 مليار دولار من الأموال السعودية، التي هاجرت من المملكة سعيا وراء الحوافز التي قدمتها أمريكا، في الوقت الذي يحتاج فيه مثل هذا القطاع في المملكة إلى رؤوس الأموال الوطنية هذه في قطاع البتروكيماويات، الذي أصبحت تحتل فيه المملكة مكانة دولية، مثل هذه الأخبار السيئة تثير القلق حول تطورات مناخ الأعمال، الذي تحقق فيه المملكة تحسنا واضحا في السنوات الأخيرة وفقا لتقارير البنك الدولي عن أداء الأعمال في العالم.
هروب رؤوس الأموال الوطنية الخاصة سعيا وراء الاستثمار في الخارج في الوقت الذي يحتاج فيه الوطن إلى مثل هذه الموارد لا بد أن يدق ناقوس الخطر لدى صانع السياسة، بأن هناك خللا خطيرا في القواعد التي تحكم بيئة الأعمال في المملكة، سواء من حيث طبيعة المؤسسات التي تهيمن عليها، أو التشريعات التي توجهها، أو الإجراءات الروتينية التي تعمل في ظلها، وأن بيئة الأعمال أصبحت طاردة لرؤوس الأموال الوطنية، وأن الأمر يتطلب ضرورة التدخل السريع لنسف كل هذا، والعمل على خلق بيئة أعمال مناسبة تعمل أساسا لمصلحة الموارد الوطنية وتوجيهها نحو وجهتها الصحيحة، حتى لا تدفع البيروقراطية رؤوس الأموال الوطنية لأن تعمل في غير مصلحة الوطن.

مجرد تعليق.. صُنع في السعودية

نشرت ''الاقتصادية'' يوم الإثنين الماضي خبرا مفاده أن مصنعا لشركة جاكوار لاندروفر سيقام في المملكة، وكتب سلمان الدوسري مقالا عَدَّد فيه مزايا مثل هذا المشروع للاقتصاد الوطني، ولا شك أن مثل هذه المقاربات التي تتم من جانب الشركات الدولية للسعودية اليوم، تعكس تزايد الأهمية المستقبلية للمملكة كقوة اقتصادية وكسوق وكموقع جغرافي استراتيجي يمكن أن يوفر في نفقات نقل السلع المصنعة، ولا شك أن مثل هذه المشروعات تمثل نقلة نوعية في مسار عملية التصنيع وتنويع مصادر الدخل في المملكة، غير أن ما نريد التأكيد عليه هو أن مثل هذه المشروعات لا بد أن تصاحبها استراتيجية تصنيع ملائمة تضمن توطين هذه الصناعات في المملكة.
فنحن لا نريد أن نرى عبارة منتج صُنع في السعودية شعارا، إنما كواقع حقيقي ملموس ومستدام، بمعنى لا نريد منتج صُنع في السعودية بمفهوم تم تجميعه في السعودية كمكان، لكن بأيد عاملة غير سعودية، فليس هناك إضافة حقيقية للاقتصاد الوطني من مشروع كهذا، إنما نريد منتجا صنع في السعودية بمفهوم، تم ابتكاره في مراكز الأبحاث السعودية، وتم تطويره في المصانع السعودية، وتم تصنيعه بأيد عاملة سعودية، بل يحمل علامة سعودية، هنا فقط تكتمل منظومة التصنيع في المملكة، ولا شك أن ذلك تحد هائل ينبغي أن تستعد له المملكة وتعمل على أن تراه واقعا حقيقيا.

مصيدة الفقر

الفقراء فقراء لأنهم فقراء، هذه باختصار أهم خلاصات النظريات التي تحاول أن تفسر لنا أسباب انتشار الفقر في أجزاء مختلفة من العالم، حيث يجد الفقراء أنفسهم يدورون في حلقة خبيثة لا يستطيعون الفكاك منها، لا هم ولا أبناؤهم أو أسرهم في الغالب، خصوصا إذا كانت المؤسسات القائمة في الدولة لا تحارب الفقر، أو ليست لديها الإمكانية المادية اللازمة لمحاربته، أو تلك التي توجه جهود محاربة الفقر في الاتجاه الخطأ.
الفقراء يتواجدون في معظم أنحاء العالم الغني منها والفقير، ولكنهم يتركزون أساسا في آسيا وإفريقيا، خصوصا تلك الدول التي ترتفع فيها مستويات الكثافة السكانية مثل الهند. الفقراء في مثل هذه الدول يجدون أنفسهم يدورون في مصيدة تسمى مصيدة الفقر. فالفقير في هذه الدول فقير لأن دخله المحدود لا يمكنه من أن يتناول الكميات الكافية من الطعام، ولا يحصل بالتالي على الحصة الكافية للجسم من السعرات الحرارية، ونتيجة لذلك يشعر دائما بالضعف والهزال، ويكون أكثر عرضة للمرض، بالطبع في ظل هذه الظروف لا يجد الفقير نفسه قادرا على العمل، أو لا يستطيع سوى أداء المهام البسيطة التي تتطلب جهدا بدنيا محدودا، فتكون النتيجة أنه يحصل على دخل منخفض لا يمكنه من الحصول على احتياجاته المناسبة من السعرات الحرارية، وهكذا يجد الفقير نفسه يدور في هذه الحلقة التي لا نهاية لها.
غالبا ما ينظر إلى الطفل في الأسرة الفقيرة على أنه أحد الأصول التي تمتلكها الأسرة وأحد المصادر الكامنة للحصول على دخل إضافي، فضلا عن كونه وثيقة تأمين للآباء عندما يعينون الآباء على مواجهة متطلبات الحياة عند الكبر، ولذلك تحرص الأسرة الفقيرة على انخراط أبنائها في سوق العمل في سن مبكرة جدا حتى قبل أن تتم تهيئتهم بصورة سليمة للتوافق مع احتياجات العمل، وذلك نظرا لحاجة الأسرة لجهود أبنائه العمل في الحقول أو في المصانع أو في المتاجر، أو في أداء الحرف البسيطة كمسح الأحذية أو جمع القمامة أو غير ذلك من الوظائف التي لا تتطلب أية مهارات تقريبا.
وغالب أما تنتشر الأمية في المجتمعات الفقيرة، وبسبب الأمية ينتشر الفقر، فالأمي شخص غير كفء تنخفض مستويات إنتاجيته ويقل الطلب عليه غالبا في أسواق العمل، وكلما انتشر الفقر المدقع في مجتمع ما كلما تراجعت مستويات التعليم فيرتفع مستوى الفقر بالتبعية. أكثر من ذلك فإن الفقر لا يمكن أبناء الأسر الفقيرة من أن يتعرفوا على قدراتهم الحقيقية ولا أن يستغلوها في الاتجاه الصحيح، فالطفل الذي ينشأ في أسرة فقيرة لا يتوقع له أن يدخل المدرسة، وحتى إذا دخل المدرسة لا يتوقع له أن يبقى فيها لفترة طويلة؛ حيث غالبا ما يقضي فيها عدة سنوات ليخرج بعدها لا يعرف كيف يقرأ الجمل الأساسية، على الرغم من أنه ربما يكون ذكيا بل ولديه قدرات عقلية خارقة.
الأسرة الفقيرة بالطبع لن تتمكن من إرسال أبنائها إلى المدارس، أو تحمل تكلفة تعليهم بمستوى مناسب يؤهلهم لأن يخرجوا إلى سوق العمل مسلحين بالمهارات المناسبة للانخراط في سوق العمل بسهولة، والطفل الذي ينتمي إلى الأسرة الفقيرة يخرج من هذه الأسرة الفقيرة فقيرا لأن الفقر الذي تعيش فيه الأسرة لم يمكنها من أن تعده الإعداد المناسب لكي يحصل على عمل مناسب في سوق العمل.
مثل هذا الطفل يمكن أن يمتلك مهارات استثنائية إذا ما أحسن تنميتها وإذا ما أتيحت له الفرصة الكاملة في التعليم والابتكار والبحث العلمي قد يصبح مفيدا للعالم بأسره، على سبيل المثال عندما يخترع للعالم علاجا لمرض الزهايمر مثلا أو أن يطور نظرية جديدة تعارض نظرية النسبية لألبرت آينشتاين. فآينشتاين لم يكن العقلية الاستثنائية الوحيدة التي مرت على هذا العالم، فهناك المئات في العالم مثل آينشتاين، الكثير منهم ربما يكون يعمل اليوم في الحقول في إفريقيا أو آسيا، لهم قدرات آينشتاين، وربما أكثر، ولكنهم للأسف الشديد لم يستكملوا فرصهم في التعليم أو ربما لم يحصلوا على حقهم فيه أصلا، وهم بهذا الشكل لا يمثلون خسارة لمجتمعاتهم التي لم تتمكن من الاستفادة من الطاقات الكامنة فيهم فقط، وإنما يشكلون خسارة للبشرية جمعاء.
أكثر من ذلك فإنه بسبب جهل هؤلاء يمكن أن يتحولوا إلى مصدر خطر على هذا المجتمع، على سبيل المثال قد يتحول هذا الطفل إلى مصدر كامن للعدوى بمرض السل القاتل، عندما يتطور هذا المرض داخل رئتيه نظرا لعدم معرفته بالمرض أو بسبل الوقاية والعلاج منه، أو بالتوقيت المناسب للتدخل الطبي لمنع انتشار المرض، أو كيفية انتقال المرض إلى الآخرين عندما يختلط بهم. أو ربما تضطره ظروفه الصعبة إلى أن يستخدم ذكاءه ضد المجتمع الذي حرمه من أن يحصل على احتياجاته الأساسية، فيتحول إلى لص أو محتال، وهكذا يحول الفقر الطاقات الكامنة للمجتمع إلى مصدر للخطر عليه.
يعرف البنك الدولي اليوم الشخص الذي يعيش تحت خط الفقر بأنه الشخص الذي لا يتمكن من كسب دولارين في اليوم، ولا شك أن هذا مستوى متدن للغاية للدخل، غير أن واقع الحال يشير إلى أنه في كثير من مناطق العالم حتى هذا المستوى المنخفض من الدخل، قد لا يتمكن الكثيرون من تأمينه. ففي الهند على سبيل المثال، مثلما يشيرBanerjee and Duflo في كتابهما الذي نشر أخيرا بعنوان اقتصاديات الفقر، يعتبر الشخص تحت خط الفقر إذا ما كان يتسلم 16 روبية يوميا، أي نحو ثلث دولار أو ريال سعودي تقريبا يقضي بها يومه. بالطبع هذا المستوى من الدخل لا يمكن صاحبه من الحصول على حد الكفاف من السلع والخدمات، أي الحد الأدنى اللازم للبقاء على قيد الحياة.
كذلك فإن هذه المستويات المتدنية من الدخل لا تمكن أصحابها من الوصول إلى قائمة طويلة جدا من السلع والخدمات التي أصبحنا ننظر إليها اليوم على أنها إحدى الضرورات الأساسية للحياة، حيث تصبح هذه السلع والخدمات خارج نطاق القدرات الدخلية للفقراء، على سبيل المثال لن يتمكن أمثال هؤلاء من أن يكون لهم وصول إلى خدمات الإنترنت أو خدمات الهاتف النقال، أو شراء الصحف أو اقتناء بعض أجهزة الترفيه الأساسية في العالم اليوم، ومن الطبيعي أن نجد أن أمثال هؤلاء قد تغيب عنهم حقائق بدهية يعلمها الجميع نظرا لعدم وصولهم إلى مثل هذه الخدمات الأساسية، على سبيل المثال قد لا يعلم هؤلاء كيفية حماية الأطفال الرضع في الأسرة من الأمراض الفتاكة مثل شلل الأطفال من خلال التطعيم المناسب في التوقيت المناسب.
هذه المستويات المتدنية للدخل لا تنحصر فقط في الهند، فهناك تقريبا نحو مليار شخص في العالم دخلهم اليومي لا يتجاوز ثلث دولارا، أي ما يعادل سدس المستوى الذي حدده البنك الدولي لخط الفقر وهو دولاران في اليوم، يعيش هؤلاء من غير المحظوظين في 50 دولة في العالم معظمهم في إفريقيا وآسيا في مستويات معيشة متدنية. إنها بالفعل مأساة حقيقية يعيشها قطاع عريض من السكان في العالم.
معالجة الفقر تعد إذن خطوة أساسية في سبيل النهوض والتقدم، ومكافحة الفقر يجب أن تحتل أولوية أساسية أمام أي حكومة في العالم لما للفقر من آثار مدمرة وتهديد للنمو الاقتصادي على المدى الطويل، بل لقد أصبح ينظر اليوم إلى أن معالجة الفقر يجب أن تكون مسؤولية العالم أجمع، غنيه وفقيره، للحيلولة دون سقوط الفقراء في مصيدة الفقر.

عقبات في طريق النهوض الاقتصادي في مصر الثورة

يوما بعد يوم تزداد قناعاتي بأن احتمالات أن تعبر مصر أزمتها الاقتصادية في وسط هذا العالم التنافسي الذي نعيش فيه اليوم، ربما تكون ضعيفة، وأن الآمال العريضة التي انبعثت في نفوس قطاع كبير من المصريين بعد قيام ثورة 25 كانون الثاني (يناير) بانفكاك القيود التي وقفت لعقود طوال أمام انضمام مصر إلى قائمة الدول الناشئة في العالم مثل تركيا وماليزيا تصطدم بعقبات كؤود على أرض الواقع، وتجعل من النهوض الاقتصادي حلما قد يكون صعب المنال.
فالنخب السياسية الموجودة على الساحة حاليا، سواء تلك الحاكم منها أو المعارض، لا تملك الرؤية التي يمكن أن تنهض بمصر لتضعها على سلم التنافسية العالمية بين مجموعة الدول الناشئة في عالم اليوم، والأحزاب الموجودة حاليا، على الرغم من تعددها، ضعيفة ولا تملك قوة التأثير في الشارع بالصورة التي يمكن من خلالها أن تسوق لرؤية متكاملة تجمع خلفها كافة القوى الوطنية للنهوض بالاقتصاد المصري، ويعزز ذلك الاحتمال من ناحية أخرى طبيعة المؤسسات القائمة حاليا في مصر والتي لا يمكنها أن توفر العزم اللازم للخروج من حالة الركود الحاد الذي تجد مصر نفسها فيه بمقاييس العالم الذي نعيش فيه.
هذه الخلطة إذا ما اقترنت بانتشار الفساد تكون الصورة أكثر سوءا، والتحديات أصعب وأعقد، فالجهاز التنفيذي للدولة، حتى بعد قيام الثورة، ما زال غارقا في الفساد الذي يحكم قبضته على مفاصل الأجهزة الحكومية في طول الدولة وعرضها، يدفعه إلى ذلك مستويات الدخول المتدنية التي يحصل عليها غالبية العاملين في الدولة، واستمرار ارتفاع تكلفة المعيشة دون أن يواجهها تعويض مناسب يحافظ على القوة الشرائية لدخول قطاعات عريضة من الموظفين.
من الطبيعي أن ترتفع مستويات الرشوة مع تراجع دخول الموظفين، وأن يتعمق الفساد إذا لم يصاحب ذلك تحسين في أوضاع الناس، فبالنسبة لقطاع لا بأس به في الجهاز الحكومي تمثل الرشوة حاليا مصدر الدخل الأساسي الذي يعيشون عليه، لا المرتب الشهري، ويصعب تمرير بعض المعاملات دون دفع الرشوة المناسبة التي لها كوادرها القادرة على تحديد مستوياتها طبقا لطبيعة صاحب المعاملة وأهمية المعاملة وتوقيتها وغير ذلك من الاعتبارات الفنية التي تؤخذ في الاعتبار عند تحديد مبلغ الرشوة.
كان من المفترض أن يترتب على قيام الثورة تراجع مستويات الفساد في مصر، فالوضع الطبيعي المفترض هو أن يصاحب قيام الثورة ارتفاع مستويات الشفافية والمسؤولية ورفع درجات المساءلة على كافة المستويات والسلطات، غير أن النتائج التي بين أيدينا والتي تنشرها منظمة الشفافية الدولية محبطة بصورة كبيرة في هذا المجال. حيث تشير تقارير السنوات الثلاث السابقة إلى أنه في عام 2010 كان ترتيب مصر في سلم الفساد العالمي مقاسا بمؤشر مدركات الفساد Corruption Perception Index هو المركز 98 من بين 178 دولة، وفي 2011 تراجع ترتيب مصر إلى المركز 112 من بين 182 دولة، وفي 2012 استمر تراجع ترتيب مصر إلى المركز 118 من بين 174 دولة في العالم، وخلاصة ذلك هي أن أحد المسببات الرئيسة لقيام الثورة، وهو انتشار الفساد، لم يتراجع بعد الثورة، بل استمر في التزايد، وأن أمام مصر سنوات طوال قادمة من الصدام مع مراكز الفساد، إذا كان عليها أن تحسن ترتيبها الدولي في هذا المجال، وحتى يحدث ذلك سوف تظل جهود النمو عرضة للإجهاض بصورة مستمرة.
لقد تجذر الفساد في مصر في ظل النظام السابق الذي سهل لأساطينه مهمة امتصاص موارد الدولة وتوجيهها لصالحها، وفقا للقوة التي يتمتع بها كل طرف ومدى قربه من النظام. فعلى مدى الثلاثين عاما الماضية حدث تحول جوهري في طبيعة الرأسمالية المصرية وهيكلها وتقسيمة الأعمال التي تمارسها، وتمت هندسة عمليات خصخصة مؤسسات القطاع العام في الدولة على النحو الذي يعمق المراكز الاحتكارية للرأسمالية المصرية الحديثة، بحيث أصبحت قطاعات الأعمال الخاصة مقسمة بين أسر بعينها تهيمن عليها بصورة شبه كاملة، في الوقت الذي حرصت فيه تلك المراكز على تدعيم قوتها الاحتكارية في مجالات الأعمال الرئيسة الخاصة بها مثل السياحة والاتصالات وصناعات الأسمنت والسينما والمشروبات .. إلى آخر هذه القائمة الطويلة من المجالات التي تمت خصخصتها ونقلها إلى القطاع الخاص في قصص مثيرة للغرابة، والتي غالبا ما تنتهي بنهاية واحدة وهي تحول المستحوذ إلى محتكر، على عكس ما هو متوقع من برنامج مكثف للخصخصة، يهدف أساسا إلى دعم وتفعيل قوى السوق والمنافسة.
إن المراكز الرأسمالية التي تكونت في مصر في ظل الفساد لا تصلح لتكوين قواعد أعمال تنافسية، لأنها ببساطة لا تفهم فيها ولا تمارسها، ولا يمكن أن تنمو إلا في ظل مناخ احتكاري يغلق السوق عليها بسياج منيع من العوائق الإدارية والجمركية وغيرها من القيود بالشكل الذي يضمن لها الهيمنة على معطيات السوق، والحيلولة دون فتح مجالات الأعمال أمام الداخلين الجدد سواء من الداخل أو من الخارج.
مثل هذه القوى لا تصلح للانطلاق بمصر نحو النهضة الاقتصادية التي تنشدها، ومصر بحاجة إلى رأسمالية جديدة، وقطاع أعمال مختلف عن قطاع الأعمال الخاص القائم حاليا، قطاع أعمال مكون من رأسمالية وطنية ومطعم بالاستثمار الأجنبي المباشر لنشر مفاهيم الكفاءة والتنافسية، ورفع القدرة على المنافسة وزيادة درجة الوصول إلى الأسواق الدولية بعيدا عن الدعم المحلي للمشروعات، سواء المباشر أو غير المباشر.
غير أن نشوء مثل هذا القطاع للأعمال سوف يصطدم بالعديد من القيود الخطيرة التي تحول دول تطوره بصورة مباشرة، بصفة خاصة في مجالات البني التحتية كالكهرباء والطرق والسكك الحديدية والموانئ والنقل البري والجوي.. إلخ، حيث البني التحتية الحالية مهترئة حاليا. لقد أدركت الدول الناشئة في العالم، عندما بدأت في رحلة انطلاقها، أهمية توسيع الطاقة الاستيعابية لاقتصاداتها المحلية من خلال تأمين شبكة مناسبة من البني التحتية لكي تساعد على امتصاص الاستثمارات الجديدة المحلية والخارجية في هيكل اقتصاداتها المحلية بسهولة، وتؤمن استدامة عملية النمو.
إن الكتابات المتاحة أمامنا تشير إلى أنه لكي تصبح الدولة عملاقا ناشئا لا بد أن تؤمن بنية تحتية قوية تعظم الاستفادة من الاستثمار المحلي، وهو ما يتطلب قدرا هائلا من الإنفاق الرأسمالي العام على نحو مستمر، والذي لا تملك مصر القيام به في الوقت الحالي للأسف الشديد، خصوصا أن اتجاهات الإنفاق العام بعد الثورة تحولت بصورة أساسية نحو تعزيز برامج الدعم ورفع مستويات الدخول والمعيشة، وهو ما يرفع نسبة الإنفاق الجاري على حساب الإنفاق الرأسمالي للدولة. من ناحية أخرى فإن رفع مستويات الدخول والمعيشة على نحو جوهري لا يمكن أن يعتمد أساسا على استمرار توسيع الإنفاق على برامج الدعم لمدى زمني طويل، وإنما يتطلب بصفة أساسية من الاقتصاد المصري تحقيق نسب مرتفعة من النمو الاقتصادي الحقيقي سنويا ولفترة طويلة من الزمن، لتأمين استمرار ارتفاع مستويات الدخل الفردي، ولكن تأمين استمرار تحقيق معدلات مرتفعة من النمو الحقيقي سنويا يتطلب قوة عمل متعلمة تعليما جيدا وماهرة، وهذه للأسف الشديد يعجز نظام التعليم المصري حاليا عن توفيرها نظرا لضعف كفاءته على نحو واضح.
الخلاصة هي أن الاقتصاد المصري يواجه سلسلة معقدة ومتشابكة من المتطلبات التي قد تحول في ظل هيكل المؤسسات الحالي دون تحقيق مصر مستويات النمو التي تسعي إليها أو تلك التي تحلم بها جموع الناس بعد الثورة، وأقول لمن يحلمون مثلي باقتصاد مصري ناشئ، للأسف الشديد لا نملك مقومات ذلك.

هل السعودية أكثر دول العالم انكشافا على الهاوية المالية الأمريكية؟ (2)


تناولنا في الحلقة السابقة من هذا المقال تحليل الآثار المتوقعة للمنحدر المالي الأمريكي وتقديرات الأصول الخارجية للمملكة، وأنه حتى على افتراض حدوث المنحدر المالي الأمريكي فإن الآثار المتوقعة له على المملكة لن تكون على هذا النحو الجوهري المشار إليه مسبقا، والآن هل صحيح أن كل المستثمرين الدوليين شرعوا في التحوط من المأزق الذي يمكن أن تقع فيه الولايات المتحدة بالتحول عن الأصول المالية الأمريكية أو الدولار؟ إجابتي عن هذا السؤال هي أنه غير صحيح أن دول العالم قد تحولت عن السندات الأمريكية أو عن الدولار، بل على العكس نجد أن دول العالم التي تتزايد احتياطياتها الدولارية مثل المملكة، تجد في تزايد عجز الميزانية الأمريكية ومن ثم في الدين العام الأمريكي الملجأ المناسب لتوظيف هذه الاحتياطيات، حيث تجد مزادات الاكتتاب في السندات الأمريكية طلبا كبيرا يغطي الكميات المطروحة من السندات في كل مرة، بل إنه في بعض الحالات، ونظرا لارتفاع مستويات المخاطر المحيطة بأدوات الاستثمار السيادي الأخرى في العالم، تحولت معدلات الفائدة المطروحة على أذون الخزانة الأمريكية إلى معدلات اسمية سالبة، بمعنى أن المقرض للولايات المتحدة يدفع لها فائدة في مقابل شراء السندات الأمريكية، هذا بالطبع لا يحدث سوى في الأحوال غير الطبيعية التي ترتفع فيها معدلات المخاطر وتقصر فيها تواريخ الاستحقاق، فيضطر الدائن للولايات المتحدة أن يدفع لها فائدة في مقابل تأمين استثماراته.



من ناحية أخرى فقد أدى تراجع معدلات الفائدة على السندات الأمريكية بعد الأزمة إلى تحول العائد الحقيقي على هذه السندات (معدل الفائدة مطروحا منه معدل التضخم) إلى مستويات سالبة، بمعنى آخر فإن المقرض للولايات المتحدة يخسر في هذه الاستثمارات من الناحية الحقيقية، ومع ذلك فإن الطلب على السندات الأمريكية من كافة دول العالم ما زال مرتفعا.
وللتدليل على ذلك فإن الجدول رقم 1 يوضح تطور الملكية الأجنبية للدين العام الأمريكي منذ بداية هذا العام، وأن الملكية الأجنبية للدين العام الأمريكي في تزايد مستمر، وأن أكبر دول العالم إقراضا للولايات المتحدة قد زادت من حجم مشترياتها من السندات الأمريكية خلال السنة، حيث تزايد ما تحتفظ به دول العالم من سندات أمريكية من 5064 مليار دولار في كانون الثاني (يناير) الماضي إلى 5455 مليار دولارا في أيلول (سبتمبر) الماضي، أي قبل شهرين فقط من الآن. لاحظ أيضا أن هناك مبالغة في وصف الدور الذي تلعبه المملكة ودول الخليج في شراء السندات الأمريكية، فمن الجدول يتضح أن إجمالي أصول الدين الأمريكي التي تحتفظ بها الدول النفطية (وتشمل هذه الدول المملكة العربية السعودية وفنزويلا وليبيا وإيران والعراق والإمارات والبحرين والكويت وعمان وقطر والإكوادور وإندونيسيا والجابون والجزائر) بلغ 268 مليار دولار في كانون الثاني (يناير) 2012 وظل على نفس مستوياته تقريبا في أيلول (سبتمبر) من نفس العام، حيث بلغ 267 مليار دولار، وهو ما يمثل نحو 4.9 في المائة فقط من إجمالي الملكية الأجنبية للدين العام الأمريكي، أما مساهمة الدول النفطية في إجمالي الدين العام الأمريكي فلا تزيد على 1.6 في المائة.
أما القول إن الولايات المتحدة قد تعيد هيكلة دينها العام أو أن يطلب الأمريكيون من دائني الولايات المتحدة المشاركة في سد العجز الأمريكي الهائل فهو أمر غير صحيح على الإطلاق، حيث لا يفعل ذلك سوى الدول المفلسة، والولايات المتحدة، على الرغم من المستويات الهائلة للدين العام الأمريكي حاليا لا يمكن أن نطلق عليها لقب دولة تواجه مخاطر الإفلاس، ببساطة شديدة لأن الدين العام الأمريكي مقوم بالدولار، أي بالعملة المحلية للدولة المدينة، وأنه في حال تعرضها لمخاطر الإفلاس يمكنها تجنب ذلك من خلال طبع الدولار لخدمة الدين في مقابل تحمل بعض التضخم كتكلفة لدفع مخاطر الإفلاس.
بالطبع لا يتوقع أن تلجأ الولايات المتحدة إلى ذلك في المدى الزمني المنظور. فعلى الرغم من هذا النمو الكبير في الدين، فإن الاقتصاد الأمريكي ما زال قادرا على خدمته، وكما سبق أن أشرنا مرارا إلى أن مشكلة الدين العام ليست في حجمه من الناحية المطلقة، وإنما في نسبته إلى الناتج ومعدلات خدمة هذا الدين كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي، وعلى الرغم من أن الدين العام الأمريكي يمثل حاليا نحو 100 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، فإن تكلفة خدمته كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي تعتبر محدودة، وهي نقطة في غاية الأهمية. فمن المعلوم، وفقا للنظرية الاقتصادية، أنه إذا كانت معدلات خدمة الدين إلى الناتج أكبر من معدلات النمو الاقتصادي الذي تحققه الدولة، فإن الدين العام للدولة سوف يميل إلى التزايد على نحو غير مستدام، خصوصا إذا كانت الدولة تحقق عجزا في ميزانيتها، والولايات المتحدة لم تصل بعد إلى هذه الحالة، على العكس فإن معدلات خدمة الدين العام الأمريكي إلى الناتج المحلي ما زالت عند مستويات منخفضة جدا قياسا إلى حجم الدين بسبب انخفاض معدلات الفائدة عليه، وكذلك بمعدل النمو الحقيقي المحقق في الناتج المحلي الإجمالي، ومن ثم لا خطر يذكر على الاستثمارات السعودية في الدين العام الأمريكي.
الخلاصة التي يمكن التوصل إليها هي أن المنحدر المالي الأمريكي، على الرغم من أنه ربما يبدأ بشكل أتوماتيكي في كانون الثاني (يناير) القادم، إلا أن احتمال حدوثه ضعيف، وأنه حتى ولو افترضنا عدم التوصل إلى اتفاق بشأنه فإن الآثار الناجمة عن تطبيقه على الاقتصاد الأمريكي لن تكون جوهرية، فكيف بالاقتصاد السعودي، وبالتالي ليس من المتوقع أن يكون الأثر في الاقتصاد السعودي جوهريا، وأن المملكة ليست منكشفة على المنحدر المالي الأمريكي على النحو الذي قد يظنه الكثيرون.

هل السعودية أكثر دول العالم انكشافا على الهاوية المالية الأمريكية؟ (1)

طالعتنا صحيفة ''الاقتصادية'' يوم السبت الماضي بتحقيق بعنوان ''السعودية أكثر دول العالم انكشافا على الهاوية المالية الأمريكية''، الذي حذر من تداعيات سقوط الولايات المتحدة في فخ الهاوية المالية على المملكة وعلى دول الخليج بشكل عام، مؤكدا أن السعودية تعد أكثر دول العالم انكشافاً على السوق الأمريكية لما تملكه من استثمارات واحتياطيات في السندات والعملة الأمريكية تزيد على تريليوني دولار، ومشيرا إلى أن ذهاب الأمريكيين إلى ''الهاوية'' سوف يعني ذهاب الاستثمارات السعودية والخليجية معها إلى ''الهاوية'' أيضا، منوها إلى أن كل المستثمرين الدوليين شرعوا في التحوط من هذا ''المخاض الصعب''، حيث عملت الصين أخيرا على خفض محفظتها من السندات الأمريكية بواقع 29 في المائة وأن المملكة قد تواجه مخاطر قيام واشنطن بإعادة هيكلة ديونها الخارجية، أو أن تصبح مسألة تسييل السندات الأمريكية أكثر تعقيدا، ولقد علقت على التقرير باختصار بأن ''جانبا كبيرا من التحليل غير صحيح''، اليوم أتناول هذا الموضوع بالتفصيل للإجابة عن السؤال الأساسي وهو، هل السعودية هي أكثر دول العالم انكشافا على الهاوية الأمريكية؟ وهل بالفعل إذا قررت الولايات المتحدة الأمريكية تطبيق برنامج الهاوية المالية سوف يتعرض الاقتصاد السعودي لكل هذه المخاطر التي أشار إليها التقرير؟
بداية لقد تناولت موضوع الهاوية الأمريكية في مقالين هنا على ''الاقتصادية'' تحت عنوان المنحدر المالي الأمريكي، أوضحت فيهما أن المنحدر المالي الأمريكي هو ببساطة شديدة برنامج للإصلاح المالي، يهدف إلى خفض عجز الميزانية الأمريكية وذلك للسيطرة على نمو الدين العام الأمريكي من خلال قانون أصدره الكونجرس إبان الخلاف على تسوية مشكلة رفع سقف الدين الأمريكي، والذي يقضي بخفض النفقات من جانب، وزيادة الضرائب من جانب آخر بشكل أوتوماتيكي، وذلك إذا لم يتفق الحزبان الديمقراطي والجمهوري على خلطة أخرى مقبولة من الطرفين للسيطرة على عجز الميزانية. الأمر الأساسي الواجب التنبيه له هو أنه من المؤكد أن الحزبين سوف يجدان طريقة للالتفاف حول المنحدر المالي، فجميع التجارب السابقة تقريبا للحزبين تشير إلى حدوث ارتفاع في درجة التجاذب بين الحزبين حول الموقف المالي للدولة، ولكنهما في النهاية يصلان إلى اتفاق.



فهل ذهاب الأمريكيين إلى الهاوية سوف يعني ذهاب الاستثمارات السعودية معها إلى الهاوية؟ للإجابة عن هذا السؤال دعونا نفترض عدم التوصل إلى اتفاق بين الحزبين، وبأن المنحدر المالي سوف يعمل بصورة أتوماتيكية في يناير القادم، فما هي آثاره المرتقبة في الاقتصاد الأمريكي؟ لقد ذكرت في مقالي عن المنحدر الأمريكي أنه حتى ولو لم يتفق الحزبان، وتم بالفعل تطبيق المنحدر المالي الأمريكي، فإن الآثار المتوقعة من التطبيق على النمو وفقا لتقديرات مكتب الميزانية في الكونجرس سوف تتمثل في خفض معدل نمو الناتج في 2013م بنحو نصف في المائة. بعض المراقبين يبالغ في تأثير انخفاض معدل النمو بنصف في المائة، باعتبار أنه من الممكن أن يؤدي إلى عودة الاقتصاد الأمريكي مرة أخرى إلى الكساد، شخصيا أعتقد أن هذا الرأي فيه قدر كبير من المبالغة، فانخفاض النمو بنصف في المائة لا يرسل الاقتصاد الأمريكي إلى مربع الكساد مرة أخرى، خصوصا أن آخر التقديرات المتاحة حاليا تشير إلى عودة معدلات النمو التي يحققها الاقتصاد الأمريكي إلى الارتفاع أخيرا، فوفقا للمراجعة الثانية لمعدلات نمو الناتج في الربع الثالث من 2012م حقق الاقتصاد الأمريكي معدل نمو 2.7 في المائة، وهو معدل أعلى بكثير مما كان متوقعا، وتراجعت بالتالي نبرة الحديث عن عودة الكساد.
من ناحية أخرى يتوقع مكتب الميزانية في الكونجرس أن تطبيق المنحدر المالي سوف يؤدي إلى ارتفاع معدل البطالة بنسبة 1 في المائة، ليصل إلى 9.1 في المائة بحلول الربع الرابع من 2013م، وذلك نتيجة لفقدان سوق العمل الأمريكي نحو مليوني وظيفة، ومرة أخرى لا يتوقع أن يترتب على ارتفاع معدلات البطالة بنسبة 1 في المائة هذه الآثار الكارثية التي يشير إليها التقرير، فمنذ بداية الأزمة المالية العالمية في 2008م، والاقتصاد الأمريكي يعيش مع معدلات بطالة مرتفعة، ولم تنخفض معدلات البطالة عن معدل 9 في المائة إلا أخيرا، معنى ذلك أنه حتى ولو لم يتفق الحزبان على إيقاف العمل بالمنحدر المالي الأمريكي فإن الآثار المتوقعة لن تكون خطيرة على هذا النحو الذي قد يفهم من التحليل الذي قدم في التقرير.
يشير التقرير أيضا إلى أنه ووفق تقديرات شبه رسمية فإن حجم الاستثمارات السعودية بما في ذلك استثمارات الحكومة والمؤسسات شبه الحكومية والقطاع المصرفي في السندات والأصول الدولارية الأمريكية يصل إلى نحو تريليوني دولار، وهذه تقديرات في نظري مبالغ فيها جدا، فوفقا لآخر تقرير أصدرته مؤسسة النقد السعودي عن صافي وضع الاستثمار الدولي للمملكة تم تقدير تلك الاستثمارات بنحو 1813 مليار ريال، وهو ما يعادل 484 مليار دولار تقريبا في عام 2010م.
نظرا لأنه لم يتم تحديث تقارير الاستثمار الدولي من جانب مؤسسة النقد السعودي، فإننا سنلجأ إلى تقديرات المعهد الدولي لصناديق الثروة السيادية، والذي يوضح الجدول المرفق تقديراته للأصول الخارجية لدول مجلس التعاون وفقا لآخر التقديرات المتاحة. ومن الجدول يتضح أن معهد صناديق الثروة السيادية الدولي يقدر أصول صندوق الثروة السيادي السعودي بنحو 538 مليار دولار، هذا هو إجمالي الأصول الخارجية الرسمية للمملكة، والذي من المتوقع أن يتأثر نتيجة تدهور أوضاع الاقتصاد الأمريكي، مصدر الخطر الرئيس على هذه الأصول هو من احتمال تراجع قيمة الدولار، ومرة أخرى الدولار الأمريكي يتراجع منذ بداية الأزمة، وتراجع قيمة الدولار ليس شيئا جديدا، ومع ذلك وعلى الرغم من تراجع قيمة الدولار فإن دول العالم التي لديها فوائض دولارية مثل المملكة لا تجد سبيلا أفضل للاحتفاظ بهذه الاحتياطيات سوى بشراء سندات الدين الأمريكي، فهي أكثر الأدوات المالية أمانا في العالم اليوم، وأن المملكة عندما تشتري السندات الأمريكية فإنها تفعل ذلك من منطلق الحفاظ على الاحتياطيات الدولارية في أكثر مواضع استثمارها أمانا، وهو الدين الأمريكي، على عكس ما يعتقد الكثيرون.
الخلاصة هي أن الآثار المتوقعة للمنحدر المالي الأمريكي ليست بهذا القدر من الضخامة الذي يمكن أن يؤثر في الاقتصاد السعودي على النحو الذي يشير إليه التقرير، وأن المملكة لا تفعل شيئا مختلفا عما تفعله دول العالم التي لديها فوائض دولارية عند الاستثمار في السوق المالي الأمريكي.

الاثنين، نوفمبر ٢٦، ٢٠١٢

الهند أكبر دول العالم نموا هذا العقد

تتفق جميع السيناريوهات المتاحة حاليا على أن الهند سوف تكون أكثر دول العالم نموا هذا العقد، أخذا في الاعتبار التحديات التي أصبحت الصين تواجهها في الوقت الحالي واحتمالات عدم قدرة الصين على استعادة معدلات النمو التي حققتها في العقد الأول من هذا القرن قبل انطلاق الأزمة المالية العالمية.
هذه السيناريوهات يتم تداولها على الرغم من المخاطر التي تواجه النمو الهندي، بصفة
 خاصة ارتفاع حجم الدين العام الذي يصل حاليا إلى حوالي 70% من الناتج المحلي الإجمالي في الهند، بسبب السياسات الكريمة التي تتبعها الهند في الدعم والإعانات، والتي أدت إلى رفع نسبة عجز الميزانية العامة إلى الناتج من 6% إلى 9% حاليا، وهو مستوى مرتفع جدا.
الخطر الثاني الذي يواجه النمو الهندي هو انتشار الفساد، فعلى الرغم من أن الهند تعتبر دولة ديمقراطية، حيث تمثل أكبر ديمقراطيات العالم، إلا أن هذا لم يحل دون انتشار الفساد على نطاق واسع في الهند، ولسوء الحظ فإن أداء الهند في مكافحة الفساد مازال دول المستوى المطلوب لدولة ناشئة تستعد للانطلاق.
الخطر الثالث الذي يواجه الهند هو العوامل الديموغرافية، بصفة خاصة النمو السكان السريع الذي ينظر اليه على أنه الخطر الذي يمكن ان يلتهم ثمار النمو، غير أن بعض المراقبين اصبحوا ينظرون إلى النمو السكاني اليوم على أنه نعمة وليس نقمة، وانه من الممكن أن يمثل أقوى أساس يمكن أن يرتكز عليه النمو الاقتصادي السريع في عالم اليوم، ويستشهدون في ذلك بالتجربة الصينية. غير أنه لكي تنجح الهند في الاستفادة من البعد السكاني لا بد وأن يصاحب ذلك جهود حثيثة لنقل السكان من المزارع حيث تنخفض مستويات الإنتاجية على نحو واضح، إلى تولي وظائف ذات إنتاجية مرتفعة عن تلك التي يؤدونها في الريف الهندي، وهو اتجاه إن حدث سوف ينقل الهند نقلة كبرى في صف الدول الناشئة في عالم اليوم.
شخصيا أميل إلى الاتفاق مع هذه السيناريوهات، وأنه ربما يكون هذا العقد هو العقد الهندي شريطة ان يصاحب ذلك استراتيجيات مشجعة لهذا الاتجاه من جانب الحكومة الهندية، والتي من الواضح أن لديها مثل هذا الاتجاه.
لا أدرى متى ستبدأ مصر في الاستفادة من البعد السكاني الذي تتمتع به حاليا لتنتقل من مصاف الدول الفقيرة إلى مصاف الدول الناشئة.
من خلاصة قراءتي في كتاب Breakout Nations