الاثنين، يناير ٢٨، ٢٠١٣

دبي عاصمة التمويل الإسلامي في العالم.. أين السعودية؟

منذ توليه مقاليد البلاد، أعلن أمير الكويت عن رؤيته لتحويل الكويت إلى مركز مالي وتجاري، وكنت قد تقدمت في ذلك الوقت بورقة إلى مركز دراسات الخليج والجزيرة العربية، أثبت فيها أن تحويل الكويت لمركز مالي تقليدي، أمر يحيط به عديد من المخاطر، وأنه ربما يكون من الأفضل للكويت أن تتحول إلى مركز مالي إسلامي للعالم، خصوصا أنه لم تكن توجد في ذلك الوقت دولة تدعي أنها مركز مالي إسلامي للعالم. ذهبت نداءاتي سدى، وعلمت أن دبي التقطت الفكرة، وها هي اليوم تعلن أنها تستعد لتتحول إلى مركز مالي إسلامي أول في العالم.
في المقابل، أعلنت المملكة عن إنشاء مركز الملك عبد الله المالي، الذي يفترض أن يكون أضخم مركز مالي في الشرق الأوسط، أعتقد أن الرؤية المناسبة لمركز الملك عبد الله المالي، هي أن يكون رائد صناعة التمويل الإسلامي في العالم، والسعودية تمتلك من الإمكانات في هذا المجال ما يفوق دبي، وأعتقد أن مشروع دبي قد لا يصمد في المنافسة مع مركز الملك عبد الله المالي، إذا تمت صياغة رؤية صحيحة للمركز، فإنشاء مركز مالي ليس مجرد إنشاء مجموعة من ناطحات السحاب لهذا الغرض، فهذا آخر ما يحتاج إليه المركز المالي. المركز المالي يحتاج إلى بيروقراطية محدودة، وبيئة أعمال مشجعة، وبنى تحتية ومؤسساتية مناسبة، وذلك حتى يمكن أن تتحول الرياض إلى عاصمة التمويل الإسلامي في العالم.

الطاقة البديلة ومخزون النفط السعودي

نشرت «الاقتصادية» تحقيقا بعنوان: "ضرورة الاعتماد على الطاقة البديلة لتخفيف الاستهلاك المحلي من النفط"، حيث يقدر بعض الخبراء أن معدلات الاستخراج من النفط تتجاوز معدلات الاكتشافات الجديدة منه حاليا، وهو ما يعني (إن صحت هذه التقديرات) أن المملكة قد دخلت بالفعل مرحلة الذروة النفطية Peak oil، حيث يأخذ المخزون النفطي في التناقص بمرور الوقت، لذلك يطالب الخبراء بضرورة التوجه نحو مصادر الطاقة البديلة، لكي تخف الضغوط على المخزون الاستراتيجي من النفط.
أهم مصادر الطاقة البديلة في المملكة هي الطاقة الشمسية، ولوقت طويل ظلت تكلفة توليد الطاقة الكهربائية من الخلايا الشمسية مرتفعة جدا، غير أن التطور التقني في مجال تصنيع هذه الألواح مكن الصين أخيرا من تصنيع ألواح شمسية قادرة على توليد الكهرباء بتكلفة أقل، وخلال السنوات الخمس الماضية، انخفضت أسعار الألواح الشمسية بنسبة 80 في المائة تقريبا، إلا أن استخدام الألواح الشمسية في مناخ صحراوي، حيث ينتشر الغبار ربما يخفض من كفاءة عملية توليد الكهرباء باستخدام هذه الألواح، غير أن مثل هذه القيود غالبا ما تسقط أمام الحلول التقنية الجديدة.
آفاق توليد الكهرباء باستخدام الطاقة الشمسية في المملكة واسعة وواعدة، لذلك ينبغي أن يضع صانع السياسة السعودي ضمن أولوياته الأولى ضرورة توجيه استثمارات متزايدة نحو مجالات الطاقة البديلة، وذلك لحماية المخزون النفطي السعودي من النضوب سريعا، وللحفاظ على البيئة، وتعظيم الاستفادة من الموارد الطبيعية التي حبا الله - سبحانه وتعالى - المملكة بها.

الثلاثاء، يناير ٢٢، ٢٠١٣

التكلفة الاقتصادية للحوادث المرورية في السعودية

نشرت "الاقتصادية" تقريرا حول الحوادث المرورية في المملكة، أشار إلى أن خبراء في الخطة الوطنية للسلامة المرورية، يتوقعون في غضون ثماني سنوات أن تبلغ أعداد الحوادث المرورية مليون حادث مروري، تصل تكلفتها الاقتصادية إلى نحو 650 مليار ريال.
الحوادث المرورية ظاهرة عالمية، تخلف خسائر إنتاجية وبشرية، وكذلك في الممتلكات، وغالبا ما يعزى الجانب الأكبر من الحوادث المرورية في الدول الصناعية، إلى القيادة تحت تأثير الكحول، على سبيل المثال، فإن 80 في المائة من الحوادث المرورية في أمريكا تعود لهذا السبب، فماذا عن المملكة؟ من المؤكد أن السبب الرئيس هنا مرتبط بعدم مراعاة قواعد السلامة المرورية وأسس القيادة السليمة، وعوامل أخرى مرتبطة بدرجة متانة السيارات والتسهيلات اللوجستية على الطرق السريعة.. إلخ.
إن معالجة هذه الظاهرة تقتضي منا أولا، أن نفهمها على نحو جيد، بصفة خاصة أين تقع الحوادث المرورية أساسا؟ ومن يقوم بها؟ ومتى تتم في أغلب الأحوال؟ وكيف تتم؟ إلى آخر هذه القائمة من العوامل الأساسية التي تشكل هذه الظاهرة، وذلك حتى يمكن صياغة استراتيجية محكمة يحدد فيها بشكل دقيق، الدور الذي ستلعبه الأطراف المختلفة لمواجهة الظاهرة. فمما لا شك فيه أن آثار الرفاه للحوادث المرورية على المستوى الكلي ستكون ضخمة جدا، فضلا عن أن كل حادث غالبا ما ينتهي بمأساة تلحق بقائد السيارة، أو ذويه، والوعي بهذه الآثار وسبل تجنبها مهم جدا في التعامل مع الظاهرة

متى تنشأ الحركة التعاونية في السعودية؟

في الكويت تجربة رائعة بدأت في عام 1962 بعد إقرار القانون رقم (20) لسنة 1962 الخاص بالجمعيات التعاونية، فتم إنشاء جمعية "كيفان" كأول جمعية تعاونية رسمية في الكويت. الجمعية التعاونية الاستهلاكية هي شركة مساهمة، يشترك في رأسمالها المقيمون في كل منطقة سكنية، ويستخدم رأسمالها في إنشاء سوبر ماركت ضخم لخدمة المنطقة السكنية، تباع فيه السلع الاستهلاكية كافة تقريبا بسعر التكلفة، مع إضافة هامش محدود لتغطية نفقات الجمعية، وتحقيق ربح محدود لحملة الأسهم، حيث لا تهدف هذه المؤسسات التجارية أساسا إلى الربح، ثم تطورت أعمال هذه الجمعيات، فأنشأت محال لوازم العائلة (النسخة الكويتية من محال DIY) لتبيع كل ما تحتاج إليه الأسرة بأسعار تعاونية، ثم فروع الجزارة والسمك والدواجن والحلاقة والكي ... إلخ، عبر عقود طويلة، انتشرت الجمعيات التعاونية في أنحاء الكويت كافة، وخدمت الأجيال المتعاقبة التي مرت عليها من المواطنين والمقيمين بإخلاص وأمانة شهد لها القاصي والداني.
متى تكرر المملكة تجربة الكويت لحماية المستهلك السعودي من براثن التجار؟ وترى من يقف ضد تطور الحركة التعاونية في المملكة؟ هل هم كبار التجار وأصحاب سلسلة محال التجزئة، الذين سيواجهون منافسة حادة من جانب هذه المؤسسات التجارية غير الربحية؟ أم أنه نقص الوعي لدى المواطن بأهمية مثل هذه المؤسسات التعاونية؟ أم أنها الحكومة التي لا تسعى إلى نشر مثل هذه المؤسسات لخدمة المواطن؟ أسئلة مهمة تحتاج إلى إجابة.

الأحد، يناير ٢٠، ٢٠١٣

حمل هذه الدراسة

Sovereign Debt Sustainability in Italy and Spain: A Probabilistic Approach
William R. Cline
http://www.piie.com/publications/wp/wp12-12.pdf

حمل هذه الورقة

 Tracking Global Demand for Advanced Economy Sovereign Debt
Serkan Arslanalp and Takahiro Tsuda
http://www.imf.org/external/pubs/ft/wp/2012/wp12284.pdf 

أزمة حطب في السعودية

نشرت «الاقتصادية» يوم الجمعة الماضي، تحقيقا حول نقص عرض الحطب في السعودية، وارتفاع أسعاره إلى الضعف، بعد منع بيع الحطب المحلي، يشير التحقيق إلى أن المملكة تستورد حاليا الحطب من الصومال والبرازيل، التحقيق مثير للدهشة بالفعل، فكيف يواجه البلد النفطي الأول في العالم أزمة حطب؟ وكيف يواجه البلد الذي يوفر الدفء للعالم مشكلة في التدفئة؟
أسباب زيادة الإقبال على شراء الحطب يعرفها الجميع، بعد أن تراجعت درجات الحرارة في الأيام الماضية إلى مستويات منخفضة جدا ألجأت السكان إلى زيادة الإقبال على التدفئة، إلا أن عملية حرق الحطب، سواء المحلي منها أو المستورد، لها آثار سلبية واضحة، فحرق الحطب المحلي يؤدي إلى تآكل الغطاء النباتي الشجري في المملكة، وهو أمر خطير للغاية، خصوصا في بيئة شبه صحراوية مثل البيئة السعودية، كما أن حرق كافة أنواع الحطب يضر بشكل كبير بالبيئة، نظرا للانبعاثات الغازية التي تترتب على حرق الحطب، وتتسبب في ارتفاع درجة سخونة الأرض، فضلا عن آثارها الضارة على صحة من يستدفئون بالحطب.
الحملة التي تقوم بها وزارة الزراعة حاليا لمنع بيع الحطب المحلي حفاظا على الغطاء الشجري في المملكة، لا بد أن تتوسع أهدافها لتشمل رفع درجة وعي المواطنين بأضرار حرق الحطب على صحتهم وعلى البيئة في المملكة والعالم، وأن اللجوء إلى وسائل التدفئة الحديثة هو أمر أكثر أمنا وسلامة لتحسين الشروط البيئية في المملكة والعالم.

«بدل البطالة» قد يشجع على البطالة

الهدف الأساسي من بدل البطالة هو مساعدة العاطلين عن العمل، بصفة خاصة الذين يملكون أسرا وأطفالا، على مواجهة احتياجات الإنفاق عندما تفشل سوق العمل في فتح فرص العمل المناسبة، غير أنه من الآثار السلبية لبدل البطالة، أنه يشجع بعض العاطلين على الاستمرار بدون عمل لأطول فترة ممكنة، طالما أن نظام بدل البطالة يسمح بذلك.
عندما تؤمِّن الدولة بدل البطالة للعاطل، فإن المقارنة بين الفوائد، التي تعود عليه من البقاء بدون عمل مقارنة بالتكاليف الناتجة عن الالتزام بالعمل، قد ترجح كفة خيار البقاء في حالة بطالة لكثير من العاطلين. فعندما يعمل الشخص يضطر للاستيقاظ مبكرا، ويدفع تكاليف الانتقال إلى جهة العمل، ويتحمل أعباء القيام بوظيفته وفي بعض الأحوال سخافات بعض زملائه، أو ما قد يضعه فيه رئيسه في العمل من مواقف، وقد لا يستطيع أداء بعض المهام التي تحتاجها أسرته .. إلخ.
عندما لا يعمل الشخص، فإنه يحصل على عديد من المنافع أهمها التخلص من التزامات العمل، والاستمتاع بوقت الفراغ على النحو الذي يروق له، أو قد يعتني بأطفاله أكثر أو قضاء وقت أطول مع العائلة .. إلخ، فإذا أضفنا إلى كل هذه المنافع بدل البطالة، فإن إجمالي المنافع المادية وغير المادية لخيار البقاء في حالة بطالة قد تفوق التكاليف الناتجة عن عدم العمل بالنسبة لكثير من العاطلين، وهو ما يشجعهم على اختيار البقاء في حالة بطالة.

الجمعة، يناير ١٨، ٢٠١٣

انتفاضة الخبز يناير 1977


تصادف هذه الأيام ذكرى انتفاضة 17/18 يناير 1977، أو ما اطلق عليها ثورة الجياع، بينما أطلق عليها السادات انتفاضة الحرامية.
كانت مصر قد وقعت اتفاقا للمساندة مع صندوق النقد الدولي، والذي كعادته في ذلك الوقت، فرض على مصر برنامجا للاستقرار الاقتصادي تضمن خفض الدعم ورفع أسعار السلع الأساسية مثل الخبز والغاز والزيت والسكر .. الخ. كانت مصر في مفترق الطريق بين سياسات الانغلاق الاقتصادي لعبد الناصر، والتي انتهت بنكسته في حرب يونيو 1967، وبين سياسات الباب المفتوح للسادات والتي أدخلت إلى مصر أنماط استهلاك ودخل لم تعتدها منذ انقلاب 1952، وبدا من الواضح أن العلاقة بين الطبقات الدخلية المختلفة بدأت في الاختلال بصعود طبقة أصحاب مكاتب الاستيراد والتصدير وتجار السوق السوداء وتجار العملة في ذلك الوقت، وباقي طبقات الشعب، وبدأت تتكون طبقة رجال الأعمال الذين اطلق عليهم السادات القط السمان، والذين مثلوا الأساس الذي بنيت عليهم طبقة الحيتان من رجال الأعمال في مصر اليوم.
كانت تكلفة  المعيشة في ذلك الوقت في ارتفاع مستمر، مع تراجع الجنيه وتطبيق نظم جديدة للاستيراد مثل الاستيراد بدون تحويل عملة. وكانت الأسرة المصرية في ذلك الوقت تعاني معاناة شديدة نظرا لانخفاض الدخول على نحو واضح، وما إن أعلن عن قائمة الأسعار الجديدة المقترحة للسلع الأساسية حتى اندلعت المظاهرات في القاهرة والإسكندرية، مصحوبة بأعمال عنف في وسط القاهرة.
أذكر أنني كنت ساعتها في السنة الرابعة في الجامعة، وجاءتنا المظاهرات أمام الكلية في الزمالك وطلبوا منا الانضمام اليهم، وخرج عدد كبير من الطلبة للاشتراك في المظاهرات، التي هددت نظام السادات والذي اضطر إلى الهروب إلى أسوان وكانت طائرته جاهزة لنقله في أي لحظة خارج مصر، ولكن الأوضاع استقرت في خلال 36 ساعة حيث تم فرض حظر التجول ونزل الجيش إلى الشوارع لتأمين المنازل والمصالح والأماكن الحساسة، وعاد السادات مرة أخرى إلى القاهرة، وتم إلغاء كافة التعديلات على الأسعار التي تم اقتراحها ومنها زيادة سعر رغيف الخبز "بخمس مليمات فقط".
ما زلت أذكر هذا الشعار الذي كنا نردده لممدوح سالم رئيس الوزراء وقتها "ممدوح بيه ممدوح بيه، كيلو اللحمة بقى بجنيه" كان كيلو اللحم وقتها بحوالي 90 قرشا، والذي كان يعتبر مرتفعا جدا بالنسبة لعدد كبير من سكان مصر.
انتهت الانتفاضة باستقالة القيسوني رئيس المجموعة الاقتصادية، ومن يومها أخذت مصر بسياسة تغيير الأسعار سرا  in stealth، بحيث يستيقظ المواطن على السعر الجديد للسلعة دون أي إعلان عن تعديلات سعرية.
شتان بين اليوم والأمس. 

رفع سقف الدين أشد خطرا من الهاوية المالية الأمريكية

تناولنا في الأسبوع الماضي مفهوم رفع سقف الدين الأمريكي ومبرراته والإجراءات التي بدأت الخزانة الأمريكية في اتخاذها حتى تتمكن من استيفاء التزاماتها حتى يتم رفع سقف الدين الأمريكي القادم، الذي يفترض أن يتم قبل نهاية فبراير المقبل، والإشكالية الأساسية التي تواجه عملية رفع سقف الدين المقبلة، فمن الواضح أن الصراع على عملية رفع سقف الدين هذه المرة سوف يكون أقوى من الحالة السابقة في 2011.
فالرئيس أوباما يؤكد مرارا أنه لن يسمح بأي تفاوض حول رفع سقف الدين قائلا إن مسؤولية الكونجرس هي في تمكين الحكومة من دفع فواتيرها، وقد حذر الجمهوريون من أنهم اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما؛ إما أن يتحلوا بالمسؤولية ويساعدوه على سداد التزامات أمريكا، أو أن يكونوا غير مسؤولين ويضعوا الولايات المتحدة في أزمة اقتصادية أخرى، كما حذر هذا الأسبوع الكونجرس من مغبة عدم رفع سقف الدين، وحث الأعضاء يوم الإثنين الماضي على الإسراع برفع سقف الدين، مؤكدا على الأضرار المحتملة على الأسواق المالية.
من جانبهم يعترف الجمهوريون بأن مخاطر الفشل في رفع سقف الدين حقيقية، ولكنهم يؤكدون أن آثار السماح بعدم حل مشكلة الإنفاق لا تقل خطورة أيضا، ولذلك يربط الجمهوريون رفع سقف الدين بشرط خفض الإنفاق، وقد قال جون بوينر إن الأعضاء سوف يمررون القانون المناسب الذي يمكن أن يسيطر على الإنفاق الأمريكي وفي الوقت ذاته يمكن من استمرار الحكومة في العمل. أما أن يتم رفع سقف الدين على النحو الذي يطالب به الرئيس الأمريكي فمعظم الجمهوريين قالوا إنهم لن يسمحوا بذلك بدون أن يتم خفض الإنفاق بقيمة مماثلة، والواقع أن الجمهوريين لم يبدوا أي إشارة للتنازل عن مطالبهم لخفض العجز الفيدرالي حتى اليوم.
بين المعسكرين يحبس العالم أنفاسه مترقبا ما سوف تسفر عنه نتيجة الصراع بينهما، ويبدو أنه كتب على هذا العالم أن يظل تحت رحمة التطورات المالية الأمريكية لفترة طويلة من الزمن حتى تقل حدة الآثار المالية للدين الأمريكي على النظام المالي العالمي. نحن إذن أمام معضلة حقيقية إذا لم يتم رفع سقف الدين، فربما تتجاوز آثار ذلك تلك الآثار التي كانت متوقعة إذا ما تم إقرار برنامج الهاوية المالية الذي ظل حديث العالم لعدة أسابيع حتى بداية هذا الشهر، والآن ما الذي يمكن أن يحدث إذا تمسك كل طرف بموقفه وفشل الكونجرس في التوصل إلى اتفاق بنهاية فبراير المقبل.
تجدر الإشارة إلى أنه ليس من السهل أن نحدد على وجه الدقة ما الذي سيحدث إذا رفض الكونجرس رفع سقف الدين، ووجدت الحكومة الأمريكية نفسها غير قادرة على إصدار مزيد من السندات كي تستمر في الإنفاق على البنود المدرجة في الميزانية العامة، وذلك لسبب بسيط وهو أن الحكومة الأمريكية لم تواجه هذا الموقف من قبل، ولكن بشكل عام إذا لم يتم رفع سقف الدين فسوف تواجه الولايات المتحدة أحد الاحتمالين الآتيين:
الاحتمال الأول، وهو الاحتمال الأبعد، وهو أن تعلن الولايات المتحدة التخلف عن سداد التزاماتها نحو دينها العام، بالطبع هذا الخيار سوف يكون خطيرا جدا ليس فقط للولايات المتحدة وإنما للعالم أجمع، ففي اللحظة التي ستعلن فيها الخزانة الأمريكية تخلفها عن السداد سوف تنهار البورصات في العالم ويصاب النظام المالي العالمي بأكبر صدمة مالية في التاريخ، نحن نتحدث عن الإعلان عن التخلف عن خدمة 16.3 تريليون دولار من الديون، حيث ستجد المؤسسات المالية المرتبطة بهذا الذين الضخم، أن المدين قد توقف عن خدمة استثماراتها في هذا الدين.
سوف يصاحب هذا الاحتمال بالطبع أن تتم عملية تخفيض تصنيف الدين الأمريكي من باقي مؤسسات التصنيف الائتماني، أو ربما تتعرض أمريكا لتخفيضات متتالية لتصنيف الدين الأمريكي، ويفقد الدين الأمريكي بالتبعية خاصية أنه آمن الديون السيادية في العالم اليوم، ومن الطبيعي أن يصاحب ذلك ارتفاع في تكلفة الاقتراض، حيث تقترض الولايات المتحدة حاليا بمعدلات فائدة منخفضة جدا، ما يعني أن احتمال إفلاس الولايات المتحدة صفر في المئة تقريبا، إذ لا بد أن ترتفع معدلات الفائدة على السندات الأمريكية كي تعوض حامليها عن ارتفاع مستويات المخاطرة المصاحبة لتلك السندات.
الاحتمال الثاني هو توقف عمل الحكومة Government Shutdown، حيث تتوقف بعض الوظائف التي تقوم بها الحكومة بسبب عدم القدرة على الدفع، لأن الخزانة ليست مخولة بالاقتراض، وبحيث تصبح الحكومة مقيدة بالإنفاق حسب كمية الإيرادات التي تحصل عليها. في هذه الحالة لا بد أن تقوم الحكومة بعملية وضع أولويات للإنفاق بين أوجه الإنفاق المختلفة، ولكن كيف ستحدد الحكومة هذه الأولويات؟ تلك مسألة أخرى تعتمد على وجهة نظر صانع السياسة بين هذه الأولويات.
في الوقت الحالي تبلغ إيرادات الحكومة الأمريكية نحو 75 في المائة من إجمالي إنفاقها العام، مما يعني أنه في حال عدم الموافقة على رفع سقف الدين سوف تحتاج الحكومة الأمريكية إلى خفض الإنفاق العام بنحو الربع تقريبا (26 في المائة)، حتى تتماشى عمليات الإنفاق مع الإيرادات العامة للدولة دون الاضطرار إلى الاقتراض، بالطبع سوف يترتب على عملية تخفيض الإنفاق التوقف عن سداد كثير من المدفوعات المستحقة على الحكومة مثل وقف دفع الفائدة على الدين المحلي، أو التوقف عن رد بعض الحصيلة الضريبية لدافعي الضريبة، أو التوقف عن سداد مدفوعات التأمين الاجتماعي .. إلخ. هذا الخفض المفترض في الإنفاق العام يمثل حاليا نحو 6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، وهذه النسبة أكبر بكثير من حجم الخفض في الإنفاق الذي كان متوقعا إذا لم يتم تمرير مشروع تجاوز الهاوية المالية.
غير أن المعلومات المتاحة لنا حاليا تشير إلى أن الحكومة الأمريكية ليس لديها خطة واضحة اليوم حول كيفية سداد التزاماتها إذا ما رفض الكونجرس رفع سقف الدين، فالمشكلة الأساسية التي تواجهها الحكومة، هي أن عملية الاختيار بين ما هو ذو أولوية وما يمكن تأجيله تعد مسألة صعبة، ولكن من المؤكد أن الحكومة الأمريكية سوف تعطي مدفوعات الفائدة على الدين الأمريكي أولوية في عملية تخصيص إيرادات الضرائب، حتى لا تتأثر معدلات العائد على السندات ولا ترتفع تكلفة الاقتراض للولايات المتحدة، ذلك أن تخلف الولايات المتحدة عن سداد مدفوعات الفائدة ولو لمرة واحدة يمكن أن يحدث اضطرابا شديدا في أسواق المال، ويضر بملاءتها الائتمانية على نحو كبير، وهو ما يرفع من تكلفة الاقتراض، ومن ثم يضر بالاقتصاد الأمريكي. من ناحية أخرى فإن قيام الحكومة الأمريكية بهذا القدر الكبير من الخفض الإنفاقي في غضون فترة زمنية قصيرة، سوف يحدث تراجعا واضحا في حجم الإنفاق، ومن ثم احتمال حدوث تراجع في مستويات النشاط الاقتصادي وعودة الاقتصاد الأمريكي إلى مربع الكساد مرة أخرى.
الخيارات الأخرى المتاحة أمام الخزانة معظمها - مع الأسف الشديد - غير واقعية، فمن المقترحات المطروحة بقوة اليوم؛ أن تقوم الخزانة بإصدار تريليون دولار من النقود المعدنية لتستخدمها في سداد التزاماتها، دون اللجوء إلى الاقتراض، ولكن هذا الخيار خطير أيضا - كما أوضحت يوم السبت الماضي في زاويتي ''مجرد تعليق'' هنا في الاقتصادية.
من المقترحات أيضا أن تقوم الحكومة الأمريكية ببيع بعض الأصول التي تمتلكها؛ على سبيل المثال أن تقوم الحكومة الأمريكية ببيع السندات التي تمتلكها مثل السندات المغطاة بالرهون العقارية، أو أن تبيع أسهم الشركات التي تساهم فيها مثل جنرال موتورز، أو بدلا عن ذلك تقوم الولايات المتحدة ببيع الاحتياطي الذهبي الذي تمتلكه، فأمريكا تمتلك 8133.5 طن من الذهب يصل ثمنها بسعر اليوم إلى نحو نصف تريليون دولار، وهو ما يمكن أن يساعد الخزانة على تخطي أزمة السيولة التي تواجهها في الأجل القصير. غير أن طرح مثل هذه الكمية الضخمة من الذهب في السوق العالمي للذهب في الأجل القصير، سوف يؤدي بالتأكيد إلى خفض أسعار الذهب إلى مستويات دنيا، ومن ثم تحقيق الولايات المتحدة لخسارة كبيرة.
أخيرا فإن بعض المحللين يرون أنه بمقدور الحكومة أن تواصل عمليات الاقتراض، وذلك بمقتضى التعديل رقم 14 على قانون الدين العام، الذي يعتقد أنه يسمح لها بأن تقوم بذلك، غير أن هناك خلافا واضحا حول هذه النقطة.
الخلاصة هي أن فشل الحكومة بسداد المدفوعات اللازمة يمكن أن يحدث اضطرابا كبيرا في الاقتصاد الأمريكي والأسواق المالية، وربما يترتب عليه كساد آخر، لذلك يعتقد كثير من المراقبين أن رفع سقف الدين أشد خطرا من الهاوية المالية الأمريكية التي تجاوزها الكونجرس الأمريكي في بداية هذا الشهر.

الأربعاء، يناير ١٦، ٢٠١٣

هل تضخم أسعار الأراضي والمساكن يهدد الاقتصاد السعودي؟

نشرت "الاقتصادية" يوم الإثنين الماضي تحقيقا بعنوان "تضخم أسعار الأراضي خطر يهدد الاقتصاد السعودي". لا خلاف على أن أسعار الأراضي في المملكة، بالنظر إلى مساحتها الشاسعة بالنسبة إلى حجم سكانها مغالى فيها، وأن عوامل الاحتكار والمضاربة التي ترفع أسعار الأراضي إلى مستويات فلكية لم تواجه حتى اليوم بالحسم المناسب، أو حتى بالحلول البديلة التي تجعل أسعار الأراضي في متناول طالبيها. 

القطاع الرئيس الذي يتأثر بارتفاع أسعار الأراضي هو قطاع العقار، حيث تتأثر قرارات الاستثمار السكني سواء للاستعمال الخاص أو لأغراض السكن الاستثماري بأسعار الأراضي. من ناحية أخرى، فإن الإنفاق الاستثماري بصفة خاصة في القطاع التجاري في المدن الرئيسة يتأثر أيضا بأسعار الأراضي ومستويات الإيجارات، ولكن أوجه الإنفاق هذه في مجموعها كم تمثل من الناتج المحلي الإجمالي؟ فيما عدا ذلك فإن مصادر الدخل الرئيسة في الاقتصاد السعودي، مثل الدخل من النفط أو الدخل من البتروكيماويات أو حتى الإنتاج الصناعي بأكمله لا يرتبط بأسعار الأراضي أو الإيجارات بعلاقة قوية كما قد يوحي التحقيق. 

لا خلاف على أن الأرض عنصر إنتاجي مهم، لكن أن يصل الأمر إلى القول إن تضخم أسعار الأراضي الحالي خطر يهدد الاقتصاد السعودي، فهذا حكم فيه قدر كبير من المبالغة في رأيي، وقد لا يتماشى مع طبيعة وهيكل الإنتاج والدخل في الاقتصاد السعودي.

الثلاثاء، يناير ١٥، ٢٠١٣

خصخصة هيئة سكك حديد مصر

متى يتوقف هذا المسلسل المؤسف من حوادث القطارات في مصر؟ فما ان ننتهي من حادث حتى نصحوا على آخر، يحصد أرواح العشرات من المصريين في كل مرة، من يتحمل دمائهم، وفي رقبة من؟؟؟ 

كل ضحية من هؤلاء خلفه أسرة أب وأم واخوة، وأحيانا زوجة وأطفال صغار فقدوا عائلهم أو عائلتهم وسوف يعانون طوال حياتهم من فقدانه، فقدان من يكافح عنهم ويربيهم ويرشدهم ويهيئهم كي ينخرطوا في المجتمع كأشخاص أسوياء.. كل حادث للقطارات ينتهي بالفعل بمأساة حقيقة، لا يشعر بها سوى من سيعيشونها. فمتى ستتوقف هذه المآسي في مصر؟؟؟

هيئة سكك حديد مصر تعاني من نقص الموارد على نحو خطير. فهي كمؤسسة اقتصادية تحقق خسائر كبيرة سنويا نظرا لضخامة الشبكة التي تشغلها، والاسعار الرمزية التي يتم تقديم الخدمة على أساسها. في ذات الوقت لا تخصص الدولة لها كمية الاستثمارات اللازمة سنويا لصيانة وتحديث الخطوط ومدها بسبل التحكم الحديثة التي تكفل عملية تشغيل الشبكة بكفاءة وأمان.

أسطول عربات قطارات الهيئة متهالك وقل أن تجد قطارا يصلح للركوب، حتى على ما يسمى بخطوط الدرجة الأولى، التي هي بالفعل مثيرة للاشمئزاز. دائما ما كنت افضل ركوب القطار في رحلتى الى الاسكندرية حتى اتجنب عناء قيادة السيارة لهذه المسافة الطويلة، لكن سوء حال عربات الدرجة الأولى جعلتني افضل لاحقا أن استقل سيارتي، فالعربات قذرة لا تتم صيانتها على أي نحو، ناهيك عن دورات المياه فهي قصة آخرى ... ليس هناك وجه للمقارنة بين عربات الدرجة الأولى في خطوط سكك حديد مصر وخطوط الدرجة العاشرة في خطوط السكك الحديدية لدولة متقدمة.


ولكن هل هيئة سكك حديد مصر هي المسئولة عما يحدث.. من الظلم أن نقول نعم. فخطوط السكك الحديدية في مصر تعرضت عبر عقود طويلة للتدخل الحكومي المكثف بهدف ضمان الخدمة بأسعار رمزية لمستخدمي الخطوط، حيث يتم تحديد اسعارها على نحو لا يتوافق أبدا مع تكاليفها، ليس هناك مانع من أن تتدخل الدولة لتقديم الخدمة بأسعار رمزية، ولكنها لا بد في مقابل ذلك أن تعوض الخطوط عن آثار مثل هذه السياسات. العكس تماما هو ما يحدث، ففي مقابل فرض الاسعار المنخفضة على هيئة سكك حديد مصر تم إهمال تدبير الموارد اللازمة للهيئة لكي تتمكن من صيانة خطوطها واساطيل عرباتها وتحديثها بشكل دوري لكي تقدم لركابها خدمة آدمية.


سوف يظل مسلسل حوادث خطوط السكك الحديدية متكررا طالما أن اسعار التذاكر منخفضة، وطالما أن الدولة لا تدبر الميزانيات اللازمة لتطوير خطوط الشبكة وعرباتها. ما هو الحل إذن؟؟ الحل بسيط، لا بد من اخراج خطوط سكك حديد مصر من سيطرة الحكومة.. لا بد من خصخصة خطوط السكك الحديدية في مصر.

السعودية ثالث أقل دولة مدينة في العالم ولكن..

في تقرير لمعهد الملك عبد الله للبحوث والدراسات الاستشارية بجامعة الملك سعود قامت "الاقتصادية" بنشره، أشار إلى أن المملكة مع استمرار تناقص دينها العام بنهاية 2012 أصبحت ثالث أقل دولة مدينة في العالم. يجب أن نتذكر أيضا أنه في عام 1998 بلغ الدين العام السعودي نحو 110 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، وقد كانت المملكة من بين أكبر الدول المدينة في العالم، غير أن المملكة تمكنت من إطفاء الجانب الأعظم من دينها العام في غضون فترة زمنية قياسية بسبب الفوائض الاستثنائية التي تحققت مع ارتفاع أسعار النفط. إن هذا التطور الإيجابي يجب ألا ينسينا حقيقة أن الدين العام السعودي يمكن أن ينعكس في أي لحظة وبسرعة أكبر مما نتصور، ومخاطر عودة الدين العام إلى مستويات مرتفعة مرة أخرى ليست بعيدة، فالمستويات الحالية للإنفاق العام، خصوصا الإنفاق الجاري، أصبحت خطيرة جدا على المالية العامة للدولة، في ظل التركز الشديد للإيرادات العامة، كما أن الفوائض الكبيرة التي تراكمت عبر السنوات الماضية يمكن أن تتآكل بسهولة إذا ما حدث تراجع مفاجئ في سعر النفط الخام. إن استدامة انخفاض الدين العام تقتضي ضرورة تخفيض حجم الدور الحكومي في الاقتصاد السعودي وتقليصه إلى أدنى حد لمصلحة القطاع الخاص، في ظل بيئة أعمال وبنية تشريعية وبيروقراطية صديقة لهذا القطاع من جانب، والبحث عن مصادر أخرى للإيرادات العامة من جانب آخر.

الاثنين، يناير ١٤، ٢٠١٣

التدخُّل السامي ضروري لتمكين المرأة في السعودية

لم يكن يدُر بخلدي يوم الجمعة مساءً وأنا أكتب موضوع زاويتي بعنوان ''متى تنخفض نسبة البطالة بين الإناث السعوديات؟'' الذي نُشر أمس، والذي ناقشت فيه قضية انخفاض نسبة مساهمة الإناث في سوق العمل السعودي وارتفاع معدلات البطالة بينهن، وأن الأمر ربما يقتضي إصدار تشريعات أو تهيئة المجتمع للحد من الظاهرة في سوق العمل، أنني سأستيقظ يوم السبت صباحاً على أهم الأخبار التي قرأتها عن تمكين المرأة في المملكة، حيث أصدر خادم الحرمين الشريفين، قراراً بتغيير مجلس الشورى وتعيين 30 امرأة بين أعضاء المجلس الجديد، أي خمس الأعضاء.
بهذا التعيين ترتفع نسبة مشاركة المرأة السعودية في مجلس الشورى عن الكثير من المجالس المماثلة في العالم. ولا شك أن هذه القرارات المُميزة تمهد الطريق للنصف الآخر في المجتمع أن يأخذ وضعه الطبيعي كعنصر فاعل في الإنتاج والتنمية. وأعتقد أننا بعد هذه القرارات سوف نرى المرأة السعودية تتبوأ مراكز أعلى وأكثر تنوعاً في المجالات كافة.
من ناحية أخرى، لم يعد للمرأة السعودية عذرٌ بعد اليوم، فقد أصبحت في موقع متخذ القرار، وأن عليها أن تحمل هموم المرأة في سوق العمل السعودي على عاتقها. أتمنى أن أرى أداءً متميزاً للنخبة التي تم انتقاؤها من الإناث في مجلس الشورى، فهذه فرصتكن لكي تثبتن للمجتمع أنكن لسن أقل من الرجل، وأن التدخُّل السامي لتمكينكن لم يكن عبثا.

الأحد، يناير ١٣، ٢٠١٣

متى تنخفض نسبة البطالة بين الإناث السعوديات؟

من بين الباحثين عن العمل في المملكة ترتفع نسبة الإناث العاطلات على نحو واضح، فسوق العمل السعودية لا تفتح فرصا وظيفية كافية للعمالة الوطنية بشكل عام، وللإناث منهن على نحو خاص، غير أن ارتفاع نسبة البطالة بين الإناث يعكس حقيقة أن الوظائف التي يتم عرضها في سوق العمل السعودية تفترض أساسا أن يشغلها الذكور، سواء من العمالة الوطنية أو من العمالة الوافدة. 

ارتفاع معدل البطالة بين الإناث على هذا النحو الاستثنائي ربما يعكس في جانب منه انخفاض المستويات التعليمية لنسبة كبيرة منهن، حيث لا يمتلكن المؤهلات التعليمية المناسبة لاحتياجات سوق العمل، وهو ما يوحي بأن رفع نسبة مشاركة الإناث في سوق العمل سيقتضي ضرورة إعادة تأهيل غير المؤهلات منهن في مراكز التأهيل المهني كي يهيأن لسوق العمل بصورة أفضل، فهناك قائمة طويلة جدا من الوظائف التي لا تتطلب مستويات تعليمية عالية أو تدريبا رفيعا، يمكن أن تشغلها الإناث. 

غير أنه حتى ولو تم ذلك فليس هناك ضمان لقبول مجتمع الأعمال في المملكة بعرض وظائف للإناث في سوق العمل، فهل يتطلب الأمر إصدار تشريعات للحد من الظاهرة في سوق العمل السعودية، أم أن سوق العمل في حاجة إلى تهيئة لقبول الإناث بصورة أكبر في أروقة العمل المختلفة؟ أيا كان الوضع، حتى يتم ذلك ستظل مشكلة ارتفاع البطالة بين الإناث قائمة.

السبت، يناير ١٢، ٢٠١٣

تريليون دولار من النقود المعدنية لإنقاذ أمريكا من الإفلاس


ماذا يحدث إن لم يتوصل الحزبان الديمقراطي والجمهوري إلى اتفاق حول رفع سقف الدَّين الأمريكي قبل 28 شباط (فبراير) القادم؟ الإجابة هي أن أمريكا ستعلن أنها غير قادرة على سداد التزاماتها المالية، سواء تلك المتعلقة بخدمة ديونها، أو تلك الخاصّة بتمويل المدفوعات اللازمة لتمويل برامج إنفاقها العام، غير أن أثر التوقف الأول في منتهى الخطورة لأنه سيعني من الناحية الفنية، إعلان إفلاس الولايات المتحدة.
يجري حاليا تناول مقترح في منتهى الغباء، وهو أن تقوم الخزانة الأمريكية باستخدام ثغرة في القانون الأمريكي والتي تسمح لها بسك أي كمية من النقود المعدنية، وذلك بأن تقوم بسك تريليون دولار من النقود المعدنية ووضعها في "الاحتياطي الفيدرالي"، ومن ثم الحصول على النقد الكافي لاستخدامه لتجنب الآثار التي يمكن أن تترتب على رفض الكونجرس رفع سقف الدَّين
.
مؤيدو المقترح يقولون إن هذه النقود لن تطرح في التداول، وبالتالي لن تؤدي إلى زيادة عرض النقود، ولكن هؤلاء لا يفهمون أن استخدام هذه النقود في سداد التزامات الولايات المتحدة بأي صورة، سيعني في المقابل زيادة الحسابات الجارية للجهات المستحقة لهذه الأموال، وهو ما يؤدي إلى زيادة عرض النقود، تماماً على النحو نفسه الذي يترتب على طباعة المزيد من الدولارات الورقية. وجه الخطورة في هذا المقترح هو أن الولايات المتحدة لن تجد من يقرضها إن فعلت ذلك.

الجمعة، يناير ١١، ٢٠١٣

المعركة المالية القادمة.. رفع سقف الدين الأمريكي

الدين العام الأمريكي أصبح يشبه إلى حد كبير ما يسمى مخطط بونزي، حيث تقترض الحكومة من ''بول'' لكي تدفع إلى ''بيتر''، وواقع الحال هو أن الحكومة الأمريكية اليوم لا يمكنها أن تقوم بخدمة ديونها، أي سداد مدفوعات الفائدة على الدين ودفع ما يحل استحقاقه من أقساط الدين بدون أن تقترض، حيث لا تمتلك الحكومة الأمريكية الموارد المالية، التي تمكنها من خدمة ديونها بدون استمرار الاعتماد على الغير في الاقتراض، وبالتالي زيادة مستويات الدين، وهو ما يتطلب ضرورة رفع سقف الدين الأمريكي من وقت إلى آخر وبصورة مستمرة.
ما يساعد الحكومة الأمريكية حاليا على استمرار الاقتراض هو انخفاض معدلات الفائدة، التي تقترض على أساسها حاليا، وهو ما يخفض من عبء عملية خدمة الدين الأمريكي، وارتفاع مستويات المخاطر المحيطة بالديون الأخرى في باقي دول العالم، خصوصا في أوروبا. لذلك تجد الولايات المتحدة تهافتا على إصدارات سندات دينها حاليا من المستثمرين في الداخل والخارج، ولا شك أنه مع تحول اتجاه معدلات الفائدة الحالية نحو الارتفاع سوف يترتب عليه زيادة حادة في نفقات خدمة الدين الأمريكي، ومع تراجع مستويات المخاطرة المصاحبة للاستثمار في ديون الدول الأوروبية قد يحدث كارثة بالنسبة لأوضاع الدين العام الأمريكي.
يزداد إجمالي الدين العام الأمريكي بطريقتين، الأولى عندما تقوم الحكومة الأمريكية بإصدار سندات وبيعها للجمهور لتمويل العجز في الميزانية ومن ثم الحصول على الموارد اللازمة لمواجهة التزاماتها، وهو ما يؤدي إلى زيادة الدين الذي يحتفظ به الجمهور (بما فيهم الأجانب). والطريقة الثانية هي أن تقوم الحكومة الفيدرالية بإصدار سندات تباع إلى الحسابات الحكومية، مثل صناديق الرعاية الصحية وصناديق التقاعد، في مقابل استخدام فوائض تلك الصناديق لتمويل هذه السندات، وهو ما يؤدي إلى زيادة الدين الذي تحتفظ به الحكومة، أو ما يطلق على دين ما بين الحكومة، وإجمالي هذين الجزأين يسمى إجمالي الدين العام.
وفقا لنظام الاقتراض الأمريكي يضع الكونجرس دائما قيودا على قدرة الخزانة على الاقتراض بمقتضى نظام سقف الدين، الذي تم إدخاله في 1939. ومتى تم تحديد سقف الدين يمكن للخزانة الأمريكية الاقتراض في حدود هذا السقف، وعندما يصل الدين الأمريكي إلى سقفه المحدد بالقانون الذي أصدره الكونجرس، لا تستطيع الخزانة الأمريكية إصدار أي سندات إضافية، وعليها التقدم بطلب للكونجرس لرفع سقف الدين.
ولكن لماذا يفرض سقف الدين في النظام الأمريكي؟ الإجابة تكمن في أن الهدف الأساسي من نظام سقف الدين هو الحد من قدرة الخزانة على الاقتراض، فعندما يصل الدين الفيدرالي إلى حدوده القانونية لا بد أن تلجأ الخزانة إلى إجراءات أخرى غير اعتيادية لتدبير احتياجاتها التمويلية بدون أن تلجأ إلى الاقتراض تستوفي بها التزاماتها، حتى لا تضطر الولايات المتحدة إلى التوقف عن استيفاء التزاماتها، وهو ما لم يحدث حتى اليوم.
من ناحية أخرى، فإن سقف الدين يعطي الكونجرس القدرة على السيطرة على الخزانة في هذا الجانب، وأن يمارس صلاحياته الدستورية في الرقابة على الإنفاق، فبينما توفر الميزانية للكونجرس أداة للسيطرة على الإنفاق الحكومي، فإن رفع سقف الدين يوفر أيضا للكونجرس أداة إضافية للسيطرة على المالية العامة بشكل غير مباشر.
شهد العقد الأخير كثافة غير عادية في رفع سقف الدين فمنذ 2001 تم رفع سقف الدين 11 مرة، بسبب العجز المستمر الذي واجه الحكومة الأمريكية بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر. آخر مرة وصل فيها الدين الأمريكي إلى سقفه الأعلى يوم 16 مايو 2011، والذي أعقبه سلسلة طويلة ومرهقة من المفاوضات بين الحزبين ترتب عليها خفض تصنيف الدين الأمريكي لأول مرة، الأمر الذي أدى إلى تغذية الشكوك حول مدى قدرة الاقتصاد الأمريكي على سداد ديونه في مواعيدها، حتى تم التوصل إلى اتفاق قام بمقتضاه الرئيس أوباما بإصدار قانون مراقبة الميزانية في 2 أغسطس 2011 قبل ساعات من إعلان توقف الولايات المتحدة عن سداد التزاماتها، وذلك بزيادة سقف الدين بمقدار 2.1 تريليون دولار تقسم على ثلاث دفعات 400 مليار في أغسطس 2011، و500 مليار في سبتمبر و1.2 تريليون في يناير 2012. لقد كانت تكلفة هذا الصراع فادحة للولايات المتحدة، فقد أشارت دراسة لمكتب المحاسبة الحكومي أن الصراع حول رفع سقف الدين في 2011 ترتب عليه خسارة نحو 1.3 تريليون دولار نتجت عن حالة عدم التأكد، التي نجم عنها تعقيد عمليات الاقتراض الفيدرالي.
أعلن يوم الإثنين 31/12/2012 عن بلوغ الولايات المتحدة الحد الأقصى للاقتراض، حيث وصل الدين العام الأمريكي إلى سقفه الأقصى، الذي تم تحديده بمقتضى اتفاق رفع سقف الدين في أغسطس 2011 الذي يساوي 16.394 تريليون دولار، وبهذا الشكل يكون قد تبقى شهران تقريبا على التوقيت الذي يجب أن يصوت فيه الكونجرس على رفع سقف الدين الأمريكي، أو أن تعلن الولايات المتحدة توقفها عن سداد التزاماتها المالية. بهذا الشكل ينتقل الكونجرس الأمريكي من قضية مالية ساخنة وهي قضية الهاوية المالية إلى أخرى أكثر سخونة، وذلك قبل اتفاق تفادي الهاوية المالية بيوم واحد.
بمجرد بلوغ الدين الأمريكي سقفه الأعلى قدم وزير الخزانة الأمريكي تيم جايثنر خطابا إلى الكونجرس يعلمه فيه بأن الخزانة قد بدأت في التوقف عن إصدار سندات جديدة للاقتراض، أو ما يطلق عليه ''فترة التوقف عن إصدار الدين''، التي تنتهي في 28 فبراير القادم، سوف تحتاج الخزانة إلى نحو 200 مليار دولار لتغطية احتياجات الإنفاق لديها في هذه الفترة، قبل أن يقوم الكونجرس برفع سقف الدين. وحتى هذا التوقيت سوف تلجأ الخزانة إلى اتخاذ إجراءات غير اعتيادية لتدبير الموارد المالية اللازمة لتمويل احتياجات الإنفاق للحكومة بدون أن تلجأ إلى الاقتراض، وتم التأكيد على أن هذه الإجراءات غير العادية سوف تستنفذ أثرها بسرعة أكبر من المرة الماضية لأسباب فنية عديدة.
من أمثلة هذه الإجراءات غير الاعتيادية ما اتخذته الخزانة في خلال الفترة من 20 فبراير إلى 27 مايو 2003 حتى قيام الكونجرس برفع سقف الدين، باستخدام أموال السندات الحكومية المستثمرة في نظام التأمينات الاجتماعية للعمال، واستخدام أموال صندوق الخدمة المدنية، ووقف عمليات بيع التزامات الخزانة للولايات والحكومات المحلية، واستدعاء المودعات بدون الفائدة المودعة في البنوك التجارية كتعويض في مقابل الخدمات، التي تؤديها البنوك التجارية للخزانة، وغيرها. بالطبع هذه الإجراءات يترتب عليها تحقيق خسائر في صورة فقدان مدفوعات الفائدة على هذه الأموال.
بمجرد الإعلان عن بلوغ الدين الأمريكي سقفه الأعلى بدأ الإعداد للمعركة المالية القادمة لرفع سقف الدين من جانب كل من الجمهوريين والديمقراطيين. من جانبهم يرى الجمهوريون في مفاوضات رفع سقف الدين فرصة لتمرير طلباتهم حول تخفيض مستويات الإنفاق وإصلاح نظام الرعاية الصحية والتأمينات الاجتماعية، التي تكلف الميزانية الأمريكية أموالا طائلة. فقد أعلن جون بوينر أنه سوف يصر على ضرورة أن يصاحب رفع سقف الدين العام تخفيضات مماثلة في الإنفاق العام، حيث أخبر النواب الجمهوريين بأنه بعد أن تم الانتهاء من الهاوية المالية، فإن توجههم القادم هو حول الإنفاق العام، وأنه لن يقابل الرئيس الأمريكي وراء الأبواب المغلقة مرة أخرى، ما يعكس استعداد الجمهوريين لخوض الحرب حول رفع سقف الدين. من جانب آخر أعلن الرئيس أوباما بأنه لن يسمح بأي جدل حول رفع سقف الدين، كما أعلن أنه لن يقوم بخفض الإنفاق في مقابل أي رفع لسقف الدين، باختصار شديد لقد دقت طبول الحرب، وبدأ كل جناح في الكونجرس بالتسلح بما يستطيع لمواجهة الطرف الآخر، وهو ما سوف نشهده بالتأكيد وتسفر عنه المناوشات بين الحزبين خلال الشهرين القادمين، والآن ماذا سيحدث إذا لم يتم رفع سقف الدين؟ هذا ما سوف نحاول الإجابة عليه في الحلقة القادمة من هذا المقال.

الخميس، يناير ١٠، ٢٠١٣

متى يتم تحرير ميدان التحرير؟؟؟؟

ميدان التحرير رمز الثورة المصرية، محتل حاليا من مجموعة من المعتصمين الذين حولوه الى مخيم دائم، في تحد سافر لهيبة الدولة المصرية، بل والنظام السياسي والأمني في الدولة بأكمله.
ليس لدينا أي شك في أن من حق أي شخص اي يعبر عن رأيه ويمارس هذا التعبير بالطرق الحضارية، التعبير علن الرأي له وسائل متعارف عليها في الدنيا كلها، وبالطبع ليس منها احتلال ميدان مثل ميدان التحرير، وليس من بينه أيضا الاعتصام أمام مدينة الإعلام أو المحكمة الدستورية، أو قصر الاتحادية.
أن تصبح السيولة المرورية في وسط العاصمة رهينة بمزاج حفنة من المواطنين الذي يصرون على تحويل ميدان التحرير الى معسكر، فتلك ديكتاتورية أسوأ من ديكتاتورية مبارك.
لكن من يحتل أهم ميدان في الدولة يعطي الدولة وأمنها وشرطتها ونظامها الحاكم على قفاهم بالجزمة. بل ويدمر هيبة الدولة التي تقف عاجزة حيال هذا السلوك الثوري، فإلى متى سيتم اختطاف ميدان التحرير باسم الاعتراض على الدستور، ومتى نفرق بين ممارسة حرية الاعتراض ونشر الفوضى والاعتداء على هيبة الدولة التي سقطت مع سقوط مبارك، !!!!!
أكاد أسمع الذي كان يوما من الأيام أحد أجمل البقاع في وسط المدينة يئن يوما بعد يوم وينادي أين أنت يا مبارك...
أقترح على الرئيس مرسي إن كان غير قادر على تحرير ميدان التحرير من الفوضى التي تحتله حاليا، أن يحول القضية الى الأمم المتحدة، أو أن يطلب مساعدة مجلس الأمن.

هاتفك النقال سيكون حاستك السادسة قريباً

الهواتف الذكية ستصبح أكثر ذكاءً برفع درجة تفاعلها مع حاملها لتصبح حاسته الرقمية السادسة. يأتي هذا التطور نتيجة ظهور الشرائح الدقيقة التي توفر أدوات مدمجة قادرة على تبادل المعلومات ومتابعة تحركات المستخدمين وإيماءاتهم وأصواتهم ونيّاتهم، حيث ستتمكّن الهواتف الذكية أن تنتقي الحلول المناسبة لرغبات مستخدميها والاستجابة لها دون أن تتلقى أوامر منهم.
تحتوى الهواتف الذكية حالياً على عديدٍ من أجهزة الاستشعار مثل تلك الخاصّة بالتسارع والتي تكشف الحركة، والمغناطيسية والتي تكشف الاتجاه الذي ينتقل إليه الجهاز، والاتجاه الجغرافي والتي تكشف توجّه الجهاز من الفضاء، لكن هذه الأجهزة لا تعمل حالياً بشكل تلقائي. قريباً ستعمل مثل هذه الأجهزة بشكل تلقائي وتنقل البيانات مع الأجهزة الأخرى داخل الهاتف مثل الكاميرا والـ GPS والواي فاي، وأجهزة الاستشعار الأخرى داخل البيت أو السيارة ... إلخ، وتم حالياً تطوير خوارزميات تستخدم أجهزة عدة للاستشعار في وقت واحد، تمكّن الهاتف من التعرُّف عمّا إذا كان موضوعاً على الطاولة أو في جيب المستخدم، وما إذا كان المستخدم يقود دراجة أو سيارة ... إلخ.
لتقريب الصورة ستتمكّن إذا كنت مسافراً أن تنظر إلى هاتفك بعد حضور اجتماع مثلاً فيتعرّف على رغبتك ويقترح عليك أفضل السبل للوصول إلى محطة القطار، والاتجاه الذي يجب أن تسير فيه ويدلك على القطار الصحيح، فإذا لم تلحق بالقطار يبين لك كيف تلحق بالقطار التالي.

ما تكلفة الشهادات الوهمية على السعودية؟

نشرت "الاقتصادية" خبرا يوم الجمعة الماضي، مفاده أن مجلس الشورى بصدد التصويت على مشروع يسمح لوزارة التعليم العالي بمقاضاة أصحاب الشهادات الوهمية. الشهادات الوهمية ظاهرة لا تقتصر على السعودية فقط، وإنما تنتشر في الخليج على نحو خاص، ذلك أن الدافع إلى التزوير يزداد عندما تكون الوظيفة الحكومية ليست فقط مجزية ماديا، وإنما أيضا مضمونة لأصحاب هذه الشهادات، بمجرد اعتماد الشهادة الوهمية من الجهة المسؤولة عن ذلك، ليتم تعيين صاحبها بصورة أوتوماتيكية، حيث لا يوجد في أغلبية الأحوال اختبارات حقيقية تكشف المستوى التعليمي أو درجة الخبرة المهنية لحامل الشهادة.
لا خلاف على أن الشهادات الوهمية جريمة في حق الوطن، يرتكبها مزور في الداخل بمساعدة مجرم خارج البلاد، وأحيانا داخل البلاد، وهو الذي يسهل للمزور اعتماد شهادته، وبمقتضى هذه الشهادات يتم تعيين استشاريين وإخصائيين وخبراء في وظائف لا يملكون مؤهلات القيام بها، وهو ما يثير التساؤل: كم من هؤلاء استطاع الوصول إلى مناصب عليا، وكم من قرار تم اتخاذه على أيدي هؤلاء، وكم تكلفت الدولة نتيجة وجود هؤلاء في وظائف لا يملكون مهارات القيام بأعبائها؟ تكلفة الشهادات المزورة ليست في المدفوعات المباشرة التي يحصل عليها من يحملونها عن غير حق، ولكنها تشمل التكلفة التي يتحملها المجتمع عندما يكون متخذ القرار غير مؤهل لذلك، لهذا لا بد من محاصرة الشهادات الوهمية، وأن تعطى الأولوية المناسبة لخطورتها الشديدة على المجتمع.

هل تملك الولايات المتحدة نفطاً أكثر من السعودية؟

تدور هذه الأيام تكهنات عديدة حول حجم الاحتياطيات النفطية للولايات المتحدة، حيث يدعي البعض بأن الولايات المتحدة تمتلك تريليونات البراميل النفطية التي يمكن إنتاجها، وأنها بهذا الشكل تمتلك نفطاً أكثر من المملكة. أخيرا نُشر موقع The Oil Drum ورقة حول هذه القضية، أشارت إلى أن هناك فارقاً واضحاً بين الموارد النفطية والاحتياطيات النفطية، فالأولى تمثل النفط المتاح وإن كان معظمه غير قابل للاستخراج، بينما الأخرى تمثل النفط الذي يمكن استخراجه بشكل اقتصادي باستخدام التكنولوجيا الحالية.
على الرغم من أن الولايات المتحدة تمتلك موارد للنفط أكثر من المملكة، إلا أن معظمه نفط صخري، خصوصا في منطقة النهر الأخضر، وهو أقرب إلى أن يكون صخراً. فالهيدروكربونات في هذا النفط ثقيلة جداً وتأخذ صورة صلبة، ومن ثم، فالنفط الصخري أشبه بالفحم منه إلى النفط، أو باختصار هو نفط لم تكتمل عملية تكوينه في الطبيعة وتحويله إلى نفط سائل.
عملية الاستغلال التجاري لهذا النفط مكلفة جداً، حيث تحتاج إلى مصدر طاقة رخيص جداً وكميات هائلة من المياه، كما أن الآثار البيئية لاستخلاص مثل هذا النفط خطيرة، وهو أمر لن يتم دون مقاومة شعبية كبيرة في الداخل. الورقة تتوصل إلى أنه على الرغم من أن الولايات المتحدة لديها موارد نفطية أكبر من السعودية، إلا أن الاحتياطيات النفطية في الولايات المتحدة لا تمثل أكثر من عشر ما تمتلكه السعودية.

تهريب الوقود من السعودية إلى الخارج


تهريب الوقود من السعودية إلى الخارج

أ.د. محمد إبراهيم السقا
نشرت "الاقتصادية" يوم السبت الماضي تحقيقاً حول تزايد أعداد المخيمات الخاصّة بسماسرة شراء الوقود السعودي في الأردن، حيث أصبحت التجارة في الوقود المهرَّب مهنة يمارسونها بعد ارتفاع الفارق بين سعر الوقود في المملكة والأردن.
التهريب السلعي ظاهرة لا تتواجد في السعودية فقط، وإنما هو أحد أشكال التجارة على المستوى الدولي، وتتم هذه التجارة عندما تنشأ فروق سعرية للسلعة ذاتها بين بلديْن، بحيث تغطي هذه الفروق تكاليف عمليات التهريب بما فيها تكلفة المخاطرة، وتحقيق ربح مناسب بعد ذلك.
الحالة التي أمامنا اليوم هي أحد أشكال عدم الكفاءة في عمليات التسعير، وذلك عندما يحدث تدخل مكثف في آليات السوق وفرض أسعار غير واقعية للسلعة، حيث تخصص المملكة اعتمادات مالية كبيرة لدعم الوقود من أجل توفيره بأسعار مناسبة لمستخدميه في الداخل، وسيكون التهريب السلعي أحد الآثار الخارجية السالبة لمثل هذه السياسة، والمشكلة أن عملية مكافحة التهريب ستتطلب نفقات إضافية تضاف إلى تكلفة الدعم، وهو ما يرفع من التكلفة المالية لدعم الوقود في المملكة.
الحل الذي تفرضه النظرية الاقتصادية بسيط، وهو تسعير الوقود بأسعاره العالمية محلياً، ثم البحث عن آلية مناسبة لدعم الفئات ذات الدخل المحدود برد جانب من السعر في صورة نقدية لهؤلاء، وحتى يتم ذلك ستستمر عملية تهريب الوقود السعودي عبر الحدود طالما أن المملكة تدعم سعره ليتحول جانب منه ليستقر في جيوب المهرّبين.

سعر توازن الميزانية السعودية يدخل المنطقة الحمراء

نشرت "الاقتصادية"، يوم الجمعة الماضي، خبراً عن أن إحدى وكالات التصنيف الائتماني أكدت أن مشروع الميزانية لهذا العام تم إعداده على أساس سعر 60 دولاراً للنفط، وذلك على أساس إنتاج يومي 9.7 مليون برميل. سعر توازن الميزانية هو سعر البرميل الذي يمكن المملكة بمستويات إنتاجها المتوقعة من تحقيق إيرادات نفطية تكفي لتغطية نفقاتها المدرجة في مشروع الميزانية.
وفقاً لمشروع الميزانية الحالي يتوقع تحقيق المملكة فائضاً بنحو تسعة مليارات ريال، أي أن مشروع الميزانية متوازن تقريباً، وهو ما يعني أن الحد الأدنى لسعر برميل النفط الذي يحقق توازن الميزانية أصبح 60 دولاراً. لو أضفنا إلى تقديرات الإنفاق العام في الميزانية تصريح وزير المالية باستخدام 200 مليار ريال إضافية لمشروعات النقل داخل المدن، فإن سعر النفط اللازم لتحقيق توازن الميزانية يصبح أعلى بكثير من مستوى 60 دولاراً للبرميل.
على الرغم من أن الأسعار السوقية الحالية للنفط أكثر من 100 دولار، إلا أنه من الواضح أن الحد الأدنى لسعر النفط اللازم لضمان توازن الميزانية يتزايد على نحو مقلق، فليس هناك أي ضمان بأن تستمر الأسعار السوقية للنفط الخام عند هذه المستويات، وأن أي تراجع في الأسعار السوقية للنفط تحت هذه المستويات سيضع المملكة في مأزق، لذلك لا بد أن تراجع المملكة سياسات الإنفاق العام الحالية، وأن تبحث بجدية أكبر في كيفية تنويع هيكل الإيرادات العامة للفكاك من القيد النفطي.

هل يجب أن تتدخل وزارة التجارة في تثمين عقارات السعودية؟

نشرت ''الاقتصادية'' الثلاثاء الماضي تحقيقا مفاده، أن وزارة التجارة رفضت تثمين عقار كان معدا للبيع، بحجة أن سعره مبالغ فيه. لا خلاف على أن أسعار العقارات في المملكة مغالى فيها لعوامل عديدة، لكن أن يتم التدخل رسميا في عمليات تثمين العقارات، هو أيضا اتجاه خاطئ قد ينتهي أيضا بأوضاع غير مقبولة، سواء لطرفي العقد أو السوق ذاتها، ما يفهم من التحقيق أن الوزارة ربما رفضت التقييم لاحتمالية أن يكون هناك اتفاق بين طرفي العقد لتسجيل سعر مبالغ فيه للعقار في العقد، ومن ثم تضليل السوق.
يفترض أن السوق الحر والكفء لا يتأثر بتحديد الثمن بما هو مدون في العقود، إنما يعتمد تحديد السعر بصفة أساسية على آليات العرض والطلب، التي هي في حالة السوق العقارية بالذات، تتغير بسرعة تجعل المعايير التي يستند إليها في عمليات التقييم؛ مثل صافي التدفقات النقدية ورسملة الدخل المتحقق من العقار وغيرها من أسس تحديد القيمة العادلة، غير مناسبة في تحديد السعر العادل، حيث تتغير معطيات السوق بشكل سريع، وفق اتجاهات المضاربة، الأمر الذي يخشى معه ألا تكون التقديرات الرسمية غير واقعية، ولن تقبلها السوق أيضا. غني عن البيان أن فرض أسعار مناسبة للعقار يقتضي - كما سبقت الإشارة - ضرورة تغذية جانب العرض من الأرض على النحو الذي يدفع بالأسعار نحو الانخفاض.

مشروع الميزانية السعودية .. الجانب الآخر من الصورة

كشفت الحكومة السعودية منذ أيام عن مشروع الميزانية للسنة المالية 1434/1435، التي تعد بكافة المعايير أضخم ميزانية عامة على الإطلاق في تاريخ المملكة، حيث تقدر النفقات في هذه السنة المالية بأكثر من تريليون ريال، مقارنة بحجم الإنفاق في السنة المالية الحالية، الذي يتوقع أن يصل إلى 853 مليار ريال، بزيادة نحو 163 مليار ريال عن التقديرات المتوقعة في ميزانية العام الحالي، كذلك تم إنفاق 46 مليار ريال على مشاريع البرنامج الإضافي. مما يعني أن إجمالي الإنفاق العام في السنة المالية 1433/1434 بلغ نحو 899 مليار ريال، مقارنة بإنفاق عام قدره 815 مليار ريال في العام الذي سبقه 1432/1433. في المقابل قدر الإنفاق العام في السنة المالية القادمة 1434/1435 بنحو 820 مليار ريال، في الوقت الذي صرح فيه وزير المالية، بأنه سوف يتم إنفاق 200 مليار ريال إضافية على مشروعات النقل داخل المدن، التي سيتم تمويلها من فائض ميزانية عام 1433/1434، وهو ما يرفع من إجمالي الإنفاق المتوقع إلى 1020 مليار ريال، وهو بمقاييس الاقتصاد السعودي يعد قدرا هائلا من الإنفاق.
كافة المقالات التي تناولت مشروع الميزانية عن هذا العام أثنت على ضخامة حجم الإنفاق فيها، وأن الميزانية الحالية تصب في تحسين مستويات الخدمات، وأنها كفيلة بمواجهة أية ضغوط انكماشية يمكن أن تتعرض لها المملكة. ليس لديّ شك في أهمية الدور الذي يلعبه الإنفاق الحكومي في المملكة، ولكن في رأيي الميزانية الأخيرة، على عكس ما يعتقد الكثيرون، فمن الواضح أعلاه أن الإنفاق الحكومي السعودي ينمو بمعدلات تثر علامات استفهام حقيقية حول إمكانية استدامة هذه المستويات الضخمة من الإنفاق العام في المستقبل. ففي عام 1420/1421 بلغ حجم الإنفاق العام نحو 217 مليار ريال فقط، وهو ما يعني أن الإنفاق العام في المملكة تزايد خلال الـ 13 عاما الماضية بنحو خمسة أضعاف، وهو تطور يعكس ارتفاع معدلات نمو الإنفاق العام على نحو واضح. على الجانب الآخر يتوقع أن تصل الإيرادات العاملة للسنة المالية الحالية إلى نحو 1240 مليار دولار، وهي أيضا مستويات فلكية للإيرادات العامة في المملكة. غير أن الجانب الأكبر من هذه الإيرادات ناتج أساسا من هيمنة القطاع النفطي في الاقتصاد السعودي.
إن تحليل هيكل الميزانية العامة في المملكة يكشف عن جوانب الاتجاهات الحالية للإنفاق الحالي للمملكة، التي تتمثل في الآتي:
1 - إن الإنفاق العام في المملكة أصبح ينمو بمعدلات تفوق معدلات نمو الناتج المحلي الإجمالي، فخلال الفترة من 1420/1421 حتى 1433/1434، بلغ معدل النمو المتوسط للإنفاق الحكومي 13.5 في المائة سنويا، وهو بكافة المعايير يعتبر معدلا مرتفعا للغاية، حيث يزيد على معدل النمو المتوسط للناتج والذي بلغ في المتوسط 10.4 في المائة في الفترة ذاتها.
2 - من ناحية أخرى فإن الإنفاق كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي تميل إلى التزايد، على الرغم من نمو الناتج المحلي الإجمالي بصورة كبيرة خلال السنوات الأخيرة. ففي السنة المالية 1433/1434 بلغت نسبة الإنفاق العام إلى الناتج المحلي الإجمالي 43.4 في المائة، وهي نسبة مرتفعة جدا بالمعايير الدولية، وتعكس الدور الكبير الذي تلعبه الحكومة في الاقتصاد المحلي.
3 - إن استمرار النمو في الإنفاق عند هذه المعدلات المرتفعة يعني أن المملكة تضيف سنة بعد أخرى، وبمرور الوقت، إلى التزاماتها الجارية أعباء دائمة في صورة رفع الإنفاق على الدعم والمرتبات وغيرها من جوانب الإنفاق الجاري، يصعب التخلص منها في المستقبل، أو سوف يكون التخلص منها مكلفا للغاية من النواحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية. حيث إن الإنفاق العام الذي يميل نحو التزايد بصورة مستمرة يتركز أساسا في الإنفاق الجاري، الذي يصعب السيطرة عليه أو تخفيضه في أوقات تراجع الإيرادات العامة.
4 - إن المالية العامة للدولة تتسم بالتركيز الشديد على الإيرادات في مصدر شبه وحيد تقريبا، وهو الإيرادات النفطية، في الوقت الذي تتضاءل فيه مساهمة الإيرادات غير النفطية على نحو واضح، كما تنعدم تقريبا المبادرات الرامية إلى تعديل هيكل الإيرادات العامة، بحيث لا تقتصر فقط على مصدر واحد للإيرادات، الذي يعرض المالية العامة للدولة لعدم الاستقرار الناجم عن التقلب المستمر فيه، حيث إن معطيات السوق العالمي للنفط الخام لا تتسم بالاستقرار، وبالتالي تظل المالية العامة للمملكة مكشوفة على تطورات الطلب العالمي على النفط الخام والعرض العالمي منه، وبالتالي الأسعار.
5 - إن هذا النمو في الإنفاق العام يترتب عليه تزايد الحد الأدنى لسعر النفط الذي يضمن توازن الميزانية، فمنذ سنوات قليلة كان الحد الأدنى لسعر النفط الخام الذي يضمن الحصول على إيرادات نفطية كافية لسداد احتياجات الإنفاق العام في المملكة محدودا، أما اليوم، وفي ظل هذا القدر الهائل من الإنفاق يصبح الحد الأدنى لسعر النفط الخام اللازم لضمان توازن الموازنة كبيرا إلى الحد الذي لا يمكن ضمان تحققه في سوق النفط الخام الذي يتسم بالتقلب الشديد كما هو معلوم.
6 - إن هذا الهيكل للميزانية العامة للدولة يضع صانع السياسة المالية في المملكة في مأزق كبير، ربما لا تبرز ملامحه طالما أن أسعار النفط كانت مرتفعة، والمالية العامة في وضع مريح، غير أنه عندما تميل أسعار النفط نحو التراجع، فإن هشاشة وضع الميزانية العامة للمملكة تتضح بصورة أكبر، وهنا يبدأ الضغط الحقيقي على المالية العامة للدولة.
7 - إن الحكومة السعودية لا بد أن تبحث بجدية عن مصادر بديلة للإيرادات النفطية؛ بحيث تحدث قدرا أكبر من التنويع في هيكل الإيرادات من خلال اتساع قاعدة مصادر الإيرادات العامة للدولة، بما يساعد على تحقيق قدر أكبر من الاستقرار في تدفق الإيرادات العامة للدولة.
8 - إن الحكومة ينبغي أن تقوم بمراجعة شاملة للنفقات المخصصة للدعم بكافة أشكاله، الذي يستهلك جانبا لا بأس به من الإنفاق العام حاليا، حيث لا يحقق الهيكل الأساسي للدعم الحالي ولا طريقة توزيعه الأهداف الأساسية التي تسعى الدولة إلى تحقيقها من الدعم، كسياسة لرفع مستويات الرفاه للفرد، إذ يقدم الدعم حاليا في معظم أشكاله لجميع المستهلكين بغض النظر عن مستويات دخولهم أو درجة استحقاقهم للدعم المقدم من قبل الدولة، وهو ما يخل بمبدأ توزيع الإنفاق على الدعم بين مختلف الفئات الدخلية في المجتمع.
9 - إن الحكومة السعودية ينبغي أن تنظر بجدية أكبر في الأسلوب الحالي لتسعير السلع والخدمات العامة، التي يتم تقديم الكثير منها بتكاليف تقل بصورة كبيرة عن تكلفتها الحقيقية، بصفة خاصة الكهرباء والماء والوقود والسلع الغذائية، وهو الأمر الذي يؤدي إلى إفراط كبير في استهلاكها، ومن ثم هدر جانب مهم من الإنفاق العام للدولة، وبحيث تعكس التسعيرة الجديدة للسلع والخدمات العامة التكلفة الحقيقية لإنتاجها أو الجانب الأكبر منها.
10 - ربما يكون من الأنسب أن تستبدل الحكومة الدعم غير المباشر الذي تقدمه حاليا للسلع والخدمات المختلفة بأشكال أخرى للدعم أكثر عدالة وكفاءة في ترشيد استخدام السلع والخدمات المدعمة، على سبيل المثال يمكن استبدال الدعم غير المباشر بكوبونات تستخدم أساسا بواسطة المستحقين، أو من خلال المساعدات النقدية المباشرة للمستحقين من ذوي الدخل المحدود بحيث يذهب الدعم إلى مستحقيه الحقيقيين.
هذه النقاط تعكس الجانب الآخر من صورة الميزانية السعودية التي يندر أن يتناولها الكتاب عند الحديث عن مشروع الميزانية العامة للدولة كل عام، وليس لديّ شك في أن الاهتمام بهذه النقاط يمكن أن يحسن بشكل جوهري من الأوضاع العامة للمالية العامة في المملكة.