السبت، فبراير ١٩، ٢٠١١

إحصاءات صادمة عن النظام التعليمي في الصين 1: حوالي 28% من خريجي التعليم العالي لا يجدون وظائف.

كأي دولة تحقق معدلات نمو استثنائية فإن الصين تهتم بصورة متزايدة بتوفير خدمة التعليم لشعبها، وقد كنت من المؤمنين بأن الصين تؤدي أداء متميزا في هذا الجانب. هذا الأسبوع وقعت على هذا المصدر الذي أصابني بالصدمة عندما دخلت في تفاصيله، المقال بعنوان 10 إحصائيات صادمة عن النظام التعليمي في الصين، أحببت أن انقلها للقارئ العربي على حلقات. حلقة اليوم عن بطالة الخريجين من نظام التعليم العالي الصيني.

هذا الإحصائية نشرتها الـ Businessweek في سبتمبر الماضي والتي أشارت إلى انه في عام 2010، لم يتم توظيف سوى 72.2% من خريجي الجامعات الذين تخرجوا في 2010، مقارنة بنسبة 68% فقط في عام 2009، هذه الإحصاءات توحي بأن البطالة بين خريجي الجامعة منتشرة بصورة واضحة في الصين، غير ان الناطق باسم وزارة الموارد البشرية والضمان الاجتماعي أشار إلى ان معدل التوظيف لخريجي الجامعات في ديسمبر 2010 كان بنسبة 90.7%، بمعدل نمو 3% عن العام السابقة (2009 والذي بلغ 87%).

من الواضح ان هناك تناقضا واضحا بين المصادر المختلفة للبيانات عن بطالة الخريجين من التعليم العالي في الصين. غير أنه في ورقة نشرتها الأكاديمية الصينية للعلوم الاجتماعية شككت فيها حول مدى صدق الأرقام المنشورة عن معدلات البطالة المسجلة في الحضر، حيث أشار التقرير إلى أن معدلات البطالة الحقيقية في الصين بلغت 9.4% في الصين في 2008، بالرغم من أن بيانات وزارة الموارد البشرية والضمان الاجتماعي تشير إلى ان معدل البطالة يساوي 4.2% فقط، مما يشير إلى وجود تناقض واضح بين المصادر الرسمية والمصادر المستقلة، حيث يشير Hui Guangping عميد كلية الاقتصاد والإدارة في جامعة Nanjing لعلوم المعلومات والتكنولوجيا، أن معدل البطالة المسجل في الحضر (المصدر الرسمي)، يختلف عن معدل البطالة المعلن عنه وفقا لمسوحات البطالة، وأن البيان الثاني أكثر اعتمادية.

من ناحية أخرى أشارت صحيفة Southern Metropolis Daily إلى أن الكثير من خريجي الجامعات قد أشاروا إلى أن جامعاتهم، تعمد، رغبة في زيادة معدل التوظيف على نحو غير حقيقي، وكذلك لجذب طلبة جدد، إلى الادعاء بأن طلبتها موظفون، على الرغم من أنهم لم يجدوا وظائف بالفعل. كذلك أشار التقرير إلى ان بعض الجامعات أجبرت الطلبة على التوقيع بأنهم كانوا يعملون بالفعل قبل ان يغادروا الجامعة، وان هذه الجامعات قد احتجزت شهادات التخرج لمن يرفض القيام بذلك. بالنسبة لي، أرى ان هذا الادعاء ربما يكون فيه مبالغة. غير أن الحكومة الصينية تحاول أن تبذل الجهود لتتأكد من أن إحصاءات التوظف لديها مرتفعة، ففي يناير 2010 أصدرت صحيفة China Daily مقالا أشارت فيه إلى ان الحكومة سوف تتولى عملية تمويل فتح نصف مليون وظيفة للخريجين.

بغض النظر عن مدى دقة أو عدم دقة تلك التقارير التي أشير إليها أعلاه، فإنه من الواضح أن خريجي نظام التعليم العالي في الصين، المتوقع ان يصل عددهم في 2011 حوالي 660 مليون خريج، يعانون بالفعل من ملامح التعليم العالي في بلادنا، وهي بطالة الخريجين على الرغم من معدل النمو الاستثنائي الذي تحققه الصين.


الجمعة، فبراير ١٨، ٢٠١١

هل تعود الاشتراكية مجددا؟

نشر في صحيفة الاقتصادية السعودية بتاريخ الجمعة 18/2/2011.
تعرف الاشتراكية، من الناحية النظرية، بأنها ذلك النظام السياسي الذي تقوم فيه الحكومة بالسيطرة على جانب كبير من الاقتصاد، وتعمل على إعادة توزيع الثروةن بهدف تحقيق العدالة الاجتماعية بين الفئات المختلفة في المجتمع، وربما ينظر إلى الاشتراكية حاليا على أنها فكرة شبه ميتة. فمنذ ان سقط حائط برلين في أوائل التسعينيات من القرن الماضي، وسقطت معه أعلام الاشتراكية في العالم واحدا تلو الآخر، تحول العالم إلى عالم يسود فيه نظام اقتصادي واحد تقريبا.

قبل سقوط حائط برلين، رفعت المرأة الحديدية "مارجريت تاتشر" شعار الخصخصة ونفذته على ارض الواقع بلا هوادة في المملكة المتحدة، والتي منها انتقلت السياسة إلى كافة أنحاء الأرض تقريبا، حيث تم التخلص من الجانب الأكبر من القطاع العام والعودة مرة أخرى إلى قوى السوق للإنتاج من أجل الربح وليس من أجل المجموع، وشاعت في العالم أيديولوجية اقتصادية قائمة على حرية السوق وسيطرة القطاع الخاص، وتقليص دور القطاع الحكومي إلى أدنى حد، وانتشرت أفكار ما يعرف بالليبرالية الجديدة، وتراجع مفهوم دولة الرفاه، ومعه بالتالي حق المواطنين في الكثير من الدول في ضمان معاش تقاعدي مناسب يكفيهم، وتأمين صحي مجاني يكفل لهم الحصول على الرعاية الصحية المناسبة، وفي كثير من الأحيان تراجعت جودة الخدمات التعليمية المجانية على نحو كبير.

لقد تم كل هذا استنادا إلى فرضية كفاءة السوق، وهي فرضية أراها شخصيا جيدة وصحيحة، ولكن ينبغي التأكيد على أن حرية السوق لا بد وأن يصاحبها مراقبة لصيقة وفعالة من جانب صانع السياسة للتأكد من أن مختلف فئات المجتمع لا تضار من هذه الحرية المفرطة للسوق، ومن ثم التدخل، عندما يستلزم الأمر ذلك، لحماية مصالح مختلف الفئات، بصفة خاصة محدودة الدخل، وباختصار شديد لقد ترتب على تلك السياسات العديد من الآثار السلبية على رفاهية قطاعات عريضة من الناس، خصوصا عندما وقعت أكبر أزمة تعرض لها العالم منذ الكساد العظيم، أهمها:

1. ارتفاع معدلات البطالة نتيجة تحويل قطاعات الإنتاج والخدمات الأساسية نحو القطاع الخاص الذي يعمل وفقا لقواعد السوق، وتعظيم الكفاءة من خلال تخفيض التكاليف إلى أدنى مستوى ممكن، ومن ثم تم الاستغناء عن جانب كبير من جيوش العمال التي كانت تعمل في المشروعات الإنتاجية والخدمية العامة.

2. ارتفاع مستويات الأسعار، حيث أصبحت أسعار السلع والخدمات تعكس قوى السوق والتكلفة، ولم تعد اعتبارات الأسعار المقبولة اجتماعيا، والتي تضمن أن يتم تحديد أسعار السلع والخدمات بصورة مقبولة من جانب معظم فئات الشعب، ولا ترهق الطبقات محدودة الدخل، تحظى بتأييد من صناع السياسة، وهو ما صاحبه انخفاض في رفاهية قطاعات كبيرة من السكان.

3. تضخم ثروات رجال الأعمال والمضاربين في أسواق المال، واتساع الفوارق الطبقية بين فئات المجتمع المختلفة، خصوصا مع تخفيض معدلات الضرائب إلى أدنى حد في معظم الدول، وفي الكثير من المجتمعات، خصوصا الدول النامية، تضاءلت الطبقات الدخلية الوسطى والتي كانت تعيش، في ظل التدخل الحكومي، في مستويات رفاه أعلى.

4. إطلاق قوى السوق وانفلات بعض القطاعات، بصفة خاصة قطاع المال، من السيطرة الحكومية نتيجة تبني سياسات الحرية الاقتصادية، ومن ثم إطلاق حرية الابتكارات المالية الهادفة أساسا إلى تعظيم الربع، وتدنية التدخل الحكومي في هذه القطاعات إلى أدنى مستوى، فازدادت معها مخاطر عدم الاستقرار على المستوى الكلي.

5. ازدياد معدل تكرار الاضطرابات على المستوىين الاقتصادي والاجتماعي، وعمق تأثير هذه الاضطرابات على قطاع الأعمال الخاص، والذي غالبا ما يبادر بإعلان إفلاسه مع أول هزة، وذلك مقارنة بمشروع الأعمال العام القادر على الاستمرار في الإنتاج لفترات زمنية أطول نسبيا مستفيدا من المساندة الحكومية، الأمر الذي يساعد على توفير الأمان الوظيفي لقطاعات أكبر من العاملين في مختلف القطاعات.

6. ارتفاع نفقات الحصول على السلع العامة مثل الصحة والتعليم على نحو واضح، حيث أصبح التأمين الصحي هو السبيل الوحيد تقريبا أمام الكثير من الفئات لضمان تقديم خدمة صحية جيدة، في الوقت الذي لم تتمكن فيه فئات عريضة من المجتمع من تأمين نفسها صحيا بسبب عدم قدرتها على تحمل أعباء ذلك، فانقطعت بهم سبل التغطية التأمينية الصحية، مثلما هو الحال في الولايات المتحدة، الأمر الذي دعا الرئيس أوباما إلى تبني برنامج مكلف جدا لمد التأمين الصحي إلى باقي الأمريكيين.

قبل سقوط حائط برلين، كان مؤشر جودة نوعية الحياة Quality of Life Index، الذي طور ليعكس مستويات الرفاه التي يحصل عليها السكان في مختلف دول العالم، بدلا من المؤشر المعيب البديل والمتمثل في متوسط نصيب الفرد من الدخل، الذي يخفي في طياته فروقا واضحة بين مختلف الطبقات، باعتباره مجرد متوسط، يشير إلى أن دولا مثل تشيكوسلوفاكيا السابقة والتي كانت دولة اشتراكية في ذلك الوقت، كانت تتفوق على الولايات المتحدة في جودة نوعية الحياة المقدمة للناس. فلما ثار الناس على السياسات الاشتراكية، وتحولت اقتصاديات الدول الاشتراكية سابقا إلى نظام السوق الحر، بدأ السكان يشعرون بضغط الحياة بدون الدور الحكومي الفعال في حياتهم والذي يضمن لهم تقديم الخدمات الأساسية مثل التعليم والصحة والسكن. حيث أصبح معظم هذا يقدم الآن من خلال السوق، وبقوانين السوق، أي من يدفع هو من يسمح له بحرية الوصول إلى هذه الخدمات، ومن لا يدفع لا يحصل على هذه الخدمات، أو يحصل عليها من خلال القنوات المتبقية من عصر التدخل الحكومي الفعال والتي تتصف بشكل عام بتردي الخدمات المقدمة من خلالها وانخفاض جودتها.

7. لم تعد الميزانيات التي توجهها الحكومات في الكثير من الدول لمؤسسات التعليم العام، بصفة خاصة الجامعي كافية، ولعل ما فعلته الحكومة البريطانية مؤخرا من رفع رسوم التعليم الجامعي، لكي تتماشى مع الميزانيات الضخمة التي تنفقها الجامعات في سبيل تقديم الخدمة التعليمية الجامعية، سوف يكون له آثارا عميقة على حرية الوصول إلى التعليم الجامعي لقطاعات كبيرة من الأسر في المجتمع البريطاني، والتي قد لا تتمكن من تأمين القدرة على خدمة القروض التعليمية المرتفعة في مقابل الخطط المعدة لمستويات الرسوم الجامعية الكبيرة التي فرضتها الجامعات على الطلبة مؤخرا، حيث سيصبح لزاما على الأسر أن تنفق مبالغ طائلة نظير تعليم أبناءها، أو اضطرار الطلبة إلى عقد قروض مرتفعة سوف يتطلب خدمتها عددا أكبر من السنوات بعد دخول سوق العمل.

هذا بالطبع لا يعني أنه أثناء انتشار السياسات الاشتراكية في جانب كبير من أنحاء العالم، لم تكن تلك الدول تعاني من مثل هذه الضغوط، وإنما كان تأثيرها اقل أو محدودا، وبغض النظر عن مدى كفاءة السياسات ذات الطابع الاشتراكي، فإنه من المؤكد ان تلك السياسات كان لها آثار ايجابية وأخرى سلبية. نعم كان للسياسات الاشتراكية أخطاء، ولكن ردة الفعل لهذه الأخطاء ربما كانت متطرفة، حيث تحولت اقتصاديات العالم إلى نظم تلفظ هذه السياسات تماما، ونتيجة لذلك تم التحول إلى نظام السوق على نحو متطرف في رأيي الشخصي.

من ناحية أخرى لا أعتقد أن التجربة الاشتراكية كانت ايجابية على طول الخط. فعلى الرغم من أن الملكية العامة لبعض أدوات الإنتاج قد لا ينظر إليها قادة الفكر الاشتراكي مثل "فردريك إنجلز" على أنها تعادل الاشتراكية، أو حتى عندما يتم جلب حزب اشتراكي إلى الحكم، وأنه من وجهة نظر "كارل ماركس" و "فردريك إنجلز" فإن تطبيق الاشتراكية لا يمكن ان يتم سوى بأن يتولى العمال قيادة المجتمع والسيطرة على عملية الإنتاج فيه، فإن مثل هذه الصياغة المتطرفة للاشتراكية ربما لم تعد ممكنة أو مقبولة في العالم حاليا، نظرا للتجربة السيئة التي مرت على العالم من خلال النظام الاشتراكي شبه الخالص.

غير أنه تجدر الإشارة إلى أنه في هذا الوقت بالذات لا بد من التأكيد على أن التجربة التي مر بها العالم منذ سقوط حائط برلين، والتي بلغت ذروتها في ظل الأزمة الحالية، قد أعادت كتابات كارل ماركس عن النظام الرأسمالي إلى الواجهة، على سبيل المثال فقد وصف كارل ماركس في كتابه "رأس المال" كيف تؤدي الرأسمالية إلى "نشوء طبقة ارستقراطية مالية جديدة من خلال مجموعة جديدة من الفئات الطفيلية الذين يتخذون شكل المروجين والمضاربين والمديرين، ونظاما كاملا من النصب والغش عن طريق الترويج للمؤسسات وإصدار الأوراق المالية والمضاربة على الأسهم"، فهل اختلفت ممارسات نظام السوق الحر عما وصفه ماركس عن الطبقات الجديدة من الأغنياء الذين كونوا ثرواتهم الضخمة من أنشطة غير منتجة، مستغلين الفضاء الهائل الذي صنعه هذا النظام في صورة السوق المالي العالمي بتريليوناته الضخمة والذي انتهى للأسف بالأزمة المالية الحالية؟.

كذلك شرح ماركس كيف تؤدي حالات الذعر المالي إلى تعميق أثر حالات الكساد الدورية التي تستوطن النظم الرأسمالية. كما أشار كارل ماركس وفردريك إنجلز في البيان الشيوعي إلى أن النظام الرأسمالي هو "المجتمع الذي يستحضر هذه الوسائل الضخمة للإنتاج والتبادل، مثله مثل الساحر الذي لم يعد قادرا على السيطرة على قوى العالم السفلي الذي كان قد دعا إليه من خلال وصفاته السحرية"، وهو وصف جيد جدا لحالة الذعر المالي والكساد الحاليين.

لقد هزت أزمة العالم الحالية الثقة في النظام الرأسمالي الذي كان يشار إليه بأنه نظام لا يمكن أن يهزم، والذي أصبح يوصف اليوم، أكثر من أي وقت مضى، بأنه نظام الأزمات، وأنه هو النظام الذي تسبب في إحداث أكبر كارثة اقتصادية تعرض لها العالم منذ الكساد الكبير حتى الآن، وهو الأساس الذي ربما ينظر البعض إليه على أنه اكبر الحجج على إمكانية عودة السياسات الاشتراكية إلى الساحة مرة أخرى، والتي تعمل على توجيه موارد المجتمع أساسا لتحقيق احتياجات غالبية الناس في المجتمع، وليس وفقا لقوى السوق، وأصبح عدد أقل من الناس الآن عن ذي قبل، يؤيد النظام الرأسمالي كنظام اقتصادي.

اليوم يتصاعد تيار اليسار في أوروبا، وخصوصا في ألمانيا وهولندا، وفي اليونان، بعد حزمة الإجراءات الأخيرة التي تم فرضها على البلاد لمواجهة مشكلة الديون السيادية لليونان، وكذلك في النرويج. كما يتنامى دور أحزاب اليسار في أوروبا أيضا بسبب معارضتها لسياسات الهجرة، التي تعد من أيديولوجيات الليبرالية الجديدة، والتي تنظر إلى تدفقات المهاجرين بأنها ترفع من درجة مرونة أسواق العمل، وبشكل عام أصبح عدد لا بأس به من الناس ينظر إلى الاشتراكية على أنها فكرة جيدة، أو أصبح ينظر إلى فكرة تملك الدولة لمشروعات إنتاجية على أنها أيضا فكرة جيدة، بل من الواضح ان كثير من الناخبين أصبح لديهم استعداد اكبر لمنح أصواتهم لأحزاب اليسار.

عودة شبح الاشتراكية إلى الواجهة ربما تعكس الحراك الذي أصبحت تمثله الطبقات العاملة والطبقات منخفضة الدخول للحصول على حقها في الوصول إلى حقوقها الأساسية التي حرمها إياها نظام السوق، وما زال الأول من مايو يوما يعبر فيه العمال في الكثير من دول أوروبا عن غضبهم من السياسات المصممة ضد الطبقات العاملة التي تنفذها الحكومات ضمن إطار سياساتها الرامية إلى التعامل مع الأزمة الاقتصادية العالمية. كذلك كانت هناك تحركات محدودة في الولايات المتحدة، وإن كان البعض ينظر إلى ذلك بأنه يعد تطورا مهما، حيث كان ينظر إلى الأول من مايو من منظور أنه مناسبة أجنبية ليس لها علاقة بالعمال الأمريكيين.

استجابة لهذه الشواهد على أرض الواقع، بدأ بعض الدول في تطبيق الكثير من السياسات التي تحمل الطابع الاشتراكي، أو على الأقل الدعوة لها، مثل الدعوة إلى رفع الضرائب، وضرورة سن قوانين تحد من قوة الشركات، وإصلاح النظام المالي المحلي والعالمي، وزيادة الإنفاق الحكومي على البرامج الاجتماعية، وتوسيع نطاق تغطية التأمين الصحي.. الخ. على سبيل المثال أدرجت حكومة أوباما مئات المليارات لتغطية تكلفة إصلاح نظام الرعاية الصحية، وتوفير دعم للفئات ذات الدخل المتوسط وهو ما يشكل اتساعا لبرامج الرفاه الحكومي، والذي يعد أحد أوجه الاشتراكية، وقد وصفت الإصلاحات التي قام بها الرئيس أوباما، مثل إصلاحات نظام الرعاية الصحية في الولايات المتحدة، من جانب بعض المراقبين بأنها عودة للاشتراكية.

لست اشتراكيا، ولا أحبذ التيارات الاشتراكية، وأؤمن بأن عودة الاشتراكية في صورتها الخالصة إلى الساحة مرة أخرى ربما تكون أمرا مستبعدا في الوقت الحالي، ولكني أرى ان الحكومات التي تؤمن بالليبرالية الجديدة لم تراع البعد الاجتماعي عند سيطرتها وانتشارها، ومن ثم أصبح لزاما عليها أن تواجه هذه التيارات الرافضة لتراجع رفاهية الناس وكرامتهم وقوتهم الشرائية ووظائفهم من أجل مبدأ حرية السوق. وربما يكون السؤال الأساسي الملح حاليا هو هل تغلب اعتبارات الكفاءة الاقتصادية على اعتبارات الرفاه والعدالة؟ يبدو لي أن الإجابة هي لا، وأن السياسات الاقتصادية التي تمارس حاليا والتي تستند على اقتصاديات السوق سوف تستمر، لكنه من المؤكد أنها ربما تطعم بالمزيد من السياسات ذات الطابع الاشتراكي، أو مزيج منها، بحيث تشكل الملجأ أمام الكثير من الدول للخروج من إفرازات نظام السوق الحر.

في رأيي أن حكومات دول العالم مطالبة اليوم بالعمل بصورة أكبر على ضمان توفير فرص أكبر للتوظف، بصفة خاصة للداخلين الجدد إلى سوق العمل، وتوفير المساكن لقطاعات أوسع من السكان والتي لا تملك حرية الوصول إلى هذه السلعة المكلفة جدا، والتي ثبت أن محاولة تقديمها من خلال القطاع الخاص كانت كارثية على الناس وعلى الاقتصاد، وتأمين حرية الوصول إلى خدمات الرعاية الصحية والتي اتسع حرمان الكثير من السكان منها، وتأمين حرية الوصول إلى الخدمات التعليمية مرتفعة الجودة بعيدا عن قوى السوق، وتأمين باقي الخدمات الأساسية للسكان، وأعتقد أن جميع الأحزاب الحاكمة في كافة أنحاء العالم أصبحت مطالبة اليوم أكثر من أي وقت مضى بوضع رقابة لصيقة على السوق، والتأكد من عدم تأثر العمال والفئات محدودة الدخل من إطلاق حرية الأسواق، والاهم من ذلك كله مكافحة الفقر.

بدون بذل هذا الجهد، أعتقد أن السياسات الاشتراكية ربما تطل علينا مجددا، والتي ليس شرطا أن تأخذ صورة التدخل الكامل من قبل الدولة في مسار الاقتصاد وتعطيل الأسواق بصورة كلية، والقضاء على رأس المال الخاص، ولكنها قد تكون في صورة مزيج مختلط من النظامين بحيث يتم الدفاع بصورة اكبر عن العمال والطبقات محدودة الدخل وتأمين السلع العامة الأساسية لها، بدلا من أن تتم عملية توجيه الموارد في المجتمع لهدف واحد وهو تحقيق الربح.

الخميس، فبراير ١٧، ٢٠١١

أبل تستحوذ على معظم أرباح صناعة الهواتف النقالة في العالم

حتى عام 2007، كانت صناعة الهواتف الأوروبية بقيادة العملاق الفنلندي نوكيا التي كانت أكبر صانع للهواتف في العالم، تسيطر على صناعة الهواتف النقالة في العالم، والتي كانت تحصد الجانب الأكبر من أرباح صناعة الهواتف النقالة في العالم. عندما بدأت شركة أبل في إدخال الآي فون في 2007، بدأت رياح التغيير تهب على سوق الهواتف النقالة في العالم، حيث بدء عصر الهواتف الذكية في الاتساع على نطاق واسع، ومنذ ذلك الوقت تغيرت معطيات سوق الهواتف النقالة بصورة جوهرية، حيث تحولت أرباح الصناعة شيئا فشيئا نحو شركة أبل الأمريكية. على الرغم من أن نوكيا ما زالت تسيطر على حوالي ثلث سوق الهواتف النقالة في العالم، إلا أن شركة أبل تستحوذ على حوالي نصف أرباح الصناعة، على الرغم من أن حصتها السوقية لا تتجاوز 4% من إجمالي السوق العالمي للهواتف النقالة في العالم.

نوكيا اليوم، برئيسها الجديد، تحاول أن تشق طريقا آخر بإستراتيجية مختلفة لكي تظل رائدة صناعة الهواتف النقالة كما كانت، ولكنني أعتقد أن نوكيا قد جنت على نفسها عندما لم تسخر أقسام البحوث والتطوير بها للعمل بجد لكي تكون على مستوى التطورات التي تحدث حولها في الصناعة، ولم تدرك طبيعة التحولات في أذواق شريحة خاصة من المستهلكين ذوي الدخول المرتفعة والتي تميل إلى تفضيل الهواتف الذكية، والمستعدة في ذات الوقت أن تدفع الثمن المناسب لذلك.

في الوقت الذي كانت تشق فيه هذه النوعية من الهواتف مثل الآي فون وبلاك بيري وأتش تي سي .. الخ طريقها بسرعة صاروخية في سوق هذه الشريحة من المستهلكين، استمرت نوكيا في استراتيجيتها التقليدية من خلال إنتاج نفس الموديلات التقليدية رخيصة الثمن، مركزة استراتيجياتها على الفئات محدودة الدخل. صحيح ان هذه الإستراتيجية ضمنت لها أن تستمر في أن تتربع على قائمة الشركات المنتجة للهواتف النقالة، إلا أنها لم تتمكن من أن تجني ثمار هذا الوضع السوقي الذي تحتله على حصصها من الأرباح التي تحققها الصناعة. كما فشلت نوكيا في أن تطور برامج تشغيل كفئة وفعالة مثل البرنامج الذي طورته جوجل المسمى بالأندرويد، والذي يتصف بخصائص تقنية عالية.

الشركات، مثل نوكيا، تحتاج، بالاضافة الى الحفاظ على شريحة سوقية كبيرة، إلى تحقيق أرباح مرتفعة أيضا، لكي تتمكن من أن توجه ميزانيات مناسبة لعمليات البحوث والتطوير المستمرة لكي تؤمن لها السبق في مجال الصناعة ومجاراة تطلعات المستهلكين، وهو الأمر الذي فشلت فيه نوكيا فشلا ذريعا مؤخرا باعتبارها عملاق التليفونات النقالة في العالم، الأمر الذي جعل نوكيا تتراجع في هذه الشريحة المهمة في السوق.

الشكل التالي الذي نشرته الاكونوميست يتكون من جزئين الأول على اليسار يوضح الشريحة السوقية لأهم الشركات العاملة في سوق الهواتف النقالة، لاحظ أن أكبر شريحتين في هذا السوق تملكها شركتي نوكيا وسامسونج، بينما تتضاءل حصة الشركات المنتجة للهواتف الذكية مثل شركة أبل التي تنتج الآي فون، وشركة Research in Motion (RIM)، التي تنتج جهاز البلاك بيري.

الشكل الثاني الذي على اليمين يوضح بعدا آخر للسوق، وهو نسبة الأرباح التي تحققها الشركات الرئيسية المنتجة للهواتف النقالة، لاحظ من الشكل أن شركة أبل بمفردها تستحوذ على أكثر من 50% من أرباح الصناعة، بالرغم من تضاءل حصتها السوقية، وهو ما يعكس حقيقة أننا ندفع ثمنا مبالغا فيه لهذا لجهاز الآي فون وذلك بالنسبة لتكلفة إنتاجه، وإلا لما حققت الشركة هذه الأرباح المذهلة بهذه الحصة السوقية المتواضعة. الشركة الثانية التي تحقق نسبة أرباح جوهرية أيضا على الرغم من تواضع حصتا السوقية هي شركة RIM التي تنتج البلاك بيري.



الثلاثاء، فبراير ١٥، ٢٠١١

مصطلحات اقتصادية 3: المرض الهولندي Dutch Disease

شاع استخدام مصطلح المرض الهولندي بعد نشر مقال في الأكونوميست في عام 1977 يحمل هذا الاسم ويصف التجربة الهولندية مع هذا المرض. المرض الهولندي ليس مرضا بالمعنى المتعارف عليه، بقدر ما هو ظاهرة اقتصادية تحدث في دولة ما نتيجة تطورات اقتصادية معينة يترتب عليها ارتفاع قيمة عملة هذه الدولة، ومن ثم تراجع التنافسية الدولية لها، أو تحول الموارد فيها عن إنتاج السلع التي كانت تنتجها وتصدرها الدولة من الناحية التقليدية نحو قطاعات أخرى، ويسمى بالمرض نظرا لتأثر الإنتاج المحلي من الصادرات أو سلع التجارة (السلع التي يتم تصديرها للخارج) Tradables سلبا نتيجة لهذه التحولات، غير أن أكثر استخدامات المصطلح هي على الحالة التي يتم فيها اكتشاف مورد طبيعي معين مثل النفط أو الغاز، الأمر الذي يترتب عليه تراجع الصادرات التقليدية الأخرى سلبا نتيجة لذلك.

أما سبب إطلاق الجنسية الهولندية على هذه الظاهرة أو المرض فتعود إلى أنها أول حالة يتم تشخيصها تحت هذا المصطلح، ففي الستينيات من القرن الماضي اكتشفت هولندا كميات ضخمة من الغاز الطبيعي داخل حدودها في بحر الشمال، وترتب على هذه الأخبار السارة تطورات سلبية على أحد المتغيرات الاقتصادية الكلية فيها وهو الجلدر الهولندي (عملة هولندا في ذلك الوقت)، حيث أخذت قيمة الجلدر في التزايد بفعل تزايد إيرادات الصادرات من الغاز، الأمر الذي جعل الصادرات الصناعية الهولندية غير تنافسية فبدأت في الانخفاض، وهو ما ترتب عليه تراجع النمو في القطاع الصناعي أو ما يطلق عليه de-industrialization، وعندما تم تشخيص هذه المشكلة في 1977 أطلق عليها عبارة المرض الهولندي. غير أن هولندا استطاعت ان تخرج من حالة المرض الهولندي بسرعة.

وعادة ما يتم تقسيم القطاعات في الاقتصاديات التي تتعرض للمرض الهولندي إلى 3 قطاعات هي قطاع التصدير من المنتجات الجديدة والذي يواجه حالة الرواج، وقطاع التصدير من المنتجات التقليدية الذي يتأثر سلبا بحالة الرواج في القطاع الأول، ويمثل هذين القطاعين قطاع التجارة (مع الخارج) Tradables، وقطاع السلع التي لا تتم المتاجرة فيها Non-tradables، مثل الخدمات، وعندما يحدث المرض الهولندي، فإن قطاعي السلع التي لا تتم التجارة فيها، وقطاع الصادرات الجديد الذي يواجه حالة الرواج ينموان على حساب قطاع الصادرات من السلع التقليدية الذي يتأثر سلبا نتيجة للمرض.

ويمكن ان ينشأ المرض الهولندي إما من خلال ما يسمى بأثر الإنفاق Spending effect، أو من خلال أثر انتقال الموارد Resource movement effect. ولشرح الفرق بين الأثرين، افرض ان دولة ما اكتشفت كميات كبيرة من النفط على أرضها، سوف يترتب على عمليات تصدير النفط زيادة في الدخول ومن ثم ارتفاع في المستوى العام للأسعار، الأمر الذي يؤدي إلى ارتفاع معدل الصرف الحقيقي لهذه الدولة، (انخفاض عدد السلع والخدمات التي يمكن ان يتم شراءها منها باستخدام وحدة نقد أجنبية مثل الدولار مقارنة بالوضع السابق)، ويؤدي ارتفاع معدل الصرف الحقيقي لهذه الدولة إلى تراجع تنافسية صادراتها، وهو ما يترتب عليه تراجع النمو في قطاع الصادرات التقليدي فيها، وهكذا يترتب على تغير إنفاق (أثر الإنفاق) الأجانب على صادرات الدولة تراجع قطاع تصديرها التقليدي.

أما اثر انتقال الموارد فيقصد به (في المثال السابق) مزيد من انتقال عناصر الإنتاج مثل العمل ورأس المال نحو قطاع الخدمات مثلا، أو تحول هذه العناصر نحو إنتاج السلع التي لا يتم الاتجار فيها لمواجهة الطلب المحلي المتزايد عليها وعلى القطاع النفطي. ويترتب على هذا الانتقال انخفاض حجم الإنتاج في قطاع التصدير التقليدي للدولة. على سبيل المثال ترتب على اكتشاف النفط في الكويت، نمو قطاع تصدير النفط، كما ازداد الطلب على قطاعات أخرى مثل الخدمات والإسكان وقطاع المال.. الخ، غير أن قطاعا تجاريا تقليديا آخر قد تأثر بصورة سلبية نتيجة لذلك، وهو صناعة صيد وتصدير اللؤلؤ والتي اندثرت تماما في الكويت، بعد ان كانت الكويت إحدى الدول الرائدة فيها، بينما نمت قطاعات السلع التي لا تتم المتاجرة فيها على نحو كبير، وذلك نتيجة أثر انتقال الموارد.

أخيرا، على الرغم من أن المرض الهولندي هو ظاهرة ترتبط من الناحية الكلاسيكية باكتشاف الموارد الطبيعية، إلا أنه يمكن أن ينشأ من أي تطورات أخرى يترتب عليها زيادة في تدفقات النقد الأجنبي إلى الداخل، بما في ذلك زيادة أسعار السلع الأولية التي تصدرها الدولة مثل ارتفاع أسعار حبوب القهوة مثلا في الدول التي تزرع البن، أو زيادة تدفقات المساعدات الخارجية للدولة، أو زيادة تدفقات رؤوس الأموال الأجنبية للدولة.






الاثنين، فبراير ١٤، ٢٠١١

رسوم كارتونية عن الثورة العظيمة للشعب المصري

ملحوظة للقارئ الكريم.
لقد تمت ازالة محتويات هذا المقال بعد ان قرأت أخبار عن أن مبارك في حالة غيبوبة، وأنه يرفض السفر للعلاج في الخارج، وانه يتعرض لغيبوبة شبه كاملة.
محمد السقا

الأحد، فبراير ١٣، ٢٠١١

ويكيليكس: الاحتياطيات النفطية السعودية قد يكون مبالغ فيها بنسبة 40%

في مقال سابق لي بعنوان "مصطلحات اقتصادية 2: الذروة النفطية" ذكرت ان البعض يرى "أننا ربما قد تجاوزنا بالفعل النقطة الزمنية للذروة النفطية، ويستدلون بذلك على ان اكبر منتج للنفط في العالم وهو المملكة العربية السعودية لم يعد لديها أي طاقة فائضة للإنتاج، وإذا بلغت المملكة هذه النقطة، فإن ذلك يعني أن العالم قد بلغ بالفعل مرحلة الذروة النفطية".

في الأسبوع الماضي نشرت الجارديان بعض الوثائق من تسريبات ويكيليكس التي أرسلت من السفارة الأمريكية في الرياض والتي تشير إلى أنها تخشى ان المملكة العربية السعودية، أكبر منتج ومصدر للنفط في العالم، ربما لا يكون لديها احتياطيات كافية من النفط لوقف اتجاه أسعار النفط نحو الارتفاع.

وقد تم الكشف عن التسريبات حديثا عندما أخذت أسعار النفط في الارتفاع لأكثر من 100 مليون دولارا للبرميل، نتيجة لضغوط الطلب والأحداث التي جرت في الشرق الأوسط أخيرا. وذكرت الجارديان ان السيد "الحسيني" وهو جيولوجي سابق قد اخبر القنصل العام الأمريكي العام في الرياض في نوفمبر 2007 بأن طاقة أرامكو التي يفترض ان تصل إلى 12.5 مليون برميل يوميا لكي تتم السيطرة على الاتجاهات التصاعدية لأسعار النفط لا يمكن تحقيقها.

تشير الجارديان أيضا إلى أنه وفقا لعرض قام به السيد "عبد الله السيف"، نائب رئيس أرامكو حاليا، أوضح فيه أن لدى أرامكو احتياطيات تقدر بنحو 716 مليار برميل من النفط، منها 51% قابلة للاسترداد وأنه في غضون 20 عاما سوف تبلغ احتياطيات أرامكو 900 مليار برميلا من الاحتياطيات. غير أن السيد "الحسيني" يعترض على هذا التحليل مشيرا إلى ان احتياطيات أرامكو مبالغ فيها بحوالي 300 مليار برميل، ومن وجهة نظره فإنه ما ان نصل إلى 50% من الاحتياطيات المؤكدة، فإن الإنتاج سوف يأخذ في الانخفاض بشكل مستمر وأن أية جهود ستبذل لن تكون قادرة على وقف هذا الانخفاض (وهي نفس فكرة الذروة النفطية التي سبق أن تحدثنا عنها في المقال المشار اليه أعلاه).

بعد سبعة اشهر أرسلت السفارة الأمريكية في الرياض برقيتين تشيران إلى أن البعثة تتساءل إلى أي مدى يمكن للملكة ان تؤثر في أسواق النفط الخام بصورة جوهرية في الأجل الطويل، فمن الواضح، بالنسبة لها، أن المملكة يمكنها ان ترفع الأسعار إلى أعلى، غير ان البعثة تتشكك في قدرة المملكة على خفض الأسعار عبر مدى زمني طويل.

في برقية رابعة تشير البعثة في أكتوبر 2009 إلى أن الطلب المتزايد على الكهرباء في المملكة والذي يتوقع ان ينمو بمعدل 10% سنويا خلال العقد القادم نتيجة للنمو السكان وكذلك النمو الاقتصادي سوف يتطلب مضاعفة طاقة التوليد في المملكة، بمعنى أن ذلك سوف يؤثر على قدرة المملكة على التصدير.




 


السبت، فبراير ١٢، ٢٠١١

نداء إلى المجلس الأعلى للقوات المسلحة

اسمحوا لي في البداية أن أقدم عظيم الاحترام والإجلال لكل فرد منكم على موقفكم المشرف، ومن حقكم أن ترفعوا رأسكم عاليا، فلولا وقفتكم المشرفة مع الشعب المصري، لما نال هذا الشعب حريته وكرامته بهذه السرعة، فأنتم جزء لا يتجزأ من هذه الثورة، وقد أثبتم أن جيش مصر هو، كما كان دائما، جيش عظيم، رفض أن يتلقى أوامره من الديكتاتور، مصرا على أن وظيفته الأساسية هي الدفاع عن الوطن وعن أمنه وعن استقراره ومكاسبه التي لم يتورع نظام مبارك عن أن يضعها تحت حذاءه.

هناك تقارير بأن الفساد كان يمارس على نطاق واسع في أثناء فترة حكم حسني مبارك، وأن الاقتصاد المصري قد تعرض للنهب على يد هذا النظام وأزلامه، وقد دفع الاقتصاد المصري الكثير من حجمه ومعدل نموه واستقراره نتيجة لهذا الفساد، لهذا بصفتي اقتصادي مصري، انتمي إلى هذا البلد الذي أحبه وأفخر بالانتماء إليه، أطالب المجلس الأعلى للقوات المسلحة في مصر بالتحفظ على مبارك وأسرته وعدم السماح لهم بمغادرة البلاد، قبل أن تخلى ساحتهم من تهم الفساد التي تحيط بهذه الأسرة، وأن تشكل لجنة عليا للتحقيق فيما نسب لهذه الأسرة من اتهامات بالفساد. من حق كل فرد من أفراد الشعب المصري أن يعرف بالضبط الآتي:

- إجمالي الممتلكات الشخصية لحسني مبارك ومقارنتها براتبه الشهري الرسمي.

- ممتلكات باقي أفراد أسرة حسني مبارك داخل مصر.

- الممتلكات الشخصية لحسني مبارك خارج مصر.

- ممتلكات باقي أفراد أسرة حسني مبارك خارج مصر.

- التحويلات المالية التي تمت باسم حسني مبارك وافراد اسرته الى خارج مصر.

- أين تمت هذه التحويلات وما هو رصيد تلك الثروات.

في ضوء نتائج التحقيقات وإذا ثبت انه بالفعل قامت الأسرة بما سبق فيجب على المجلس الأعلى للقوات المسلحة الآتي:

- التعاون مع البنوك المصرية والبنك المركزي المصري والمؤسسات المالية التي تعمل في مصر للكشف عن التحويلات التي تمت باسم حسني مبارك وكل فرد من أفراد أسرته إلى الخارج ومقدارها.

- محاكمة أسرة حسني مبارك وإنزال اقصى العقاب القانوني المناسب لكل شخص عما اقترفه من جرائم في حق الشعب المصري، ولكي يكونوا عبرة لمن سيأتي بعدهم.

- اتخاذ الإجراءات القانونية لمصادرة أصول حسني مبارك داخل مصر.

- اتخاذا الإجراءات القانونية لمصادرة أصول كل فرد من أفراد أسرة حسني مبارك في الداخل.

- التعاون مع حكومات العالم والمؤسسات ذات الصلة لاتخاذ الإجراءات القانونية لتجميد أصول الأسرة في الخارج.

- اتخاذ الإجراءات القانونية لاستعادة تلك الأصول مرة أخرى إلى مصر.

كما أوجه نداءا إلى الشرفاء في مصر، وكل من يملك معلومة عن ممتلكات هذه الأسرة أن يتقدم بها إلى هذه اللجنة لكي يعرف الشعب الحقيقة كاملة، وان يسترد هذا الشعب، الذي طالما عانى تحت حكم هذه الأسرة، أمواله.

هذا طبعا لا ينفي حقنا في أن نعود على ثروات كل الفاسدين والمفسدين في أرض مصر.

نداء من مصري.

الجمعة، فبراير ١١، ٢٠١١

التكلفة الاقتصادية للأحداث الجارية في مصر

نشر في صحيفة الاقتصادية بتاريخ الجمعة 11/2/2010.
يصنف الاقتصاد المصري ضمن الاقتصادات منخفضة التنافسية في العالم، فوفقا للتقرير العالمي للتنافسية احتل الاقتصاد المصري المركز الـ 70 عالميا من بين 133 دولة هي عينة التقرير في عام 2009/2010، وقد كان يحتل المركز 81 من بين 134 دولة في العام السابق، في الوقت الذي يحتل مركزا متأخرا للغاية بالنسبة للاستقرار الاقتصادي الكلي (يعكس هذا المؤشر معدل الادخار المحلي، والدين الحكومي، وفائض الميزانية العامة، وسرعة تغير معدل الفائدة ومعدل التضخم)، حيث جاء ترتيبه 120 من بين 133 دولة. بينما يشير التقرير العالمي للتنافسية أن أهم خمس معوقات لأداء الأعمال في الاقتصاد المصري تتمثل في ضعف كفاءة البيروقراطية الحكومية، وعدم مناسبة النظم الضريبية، وعدم ملائمة تأهيل قوة العمل المحلية، وارتفاع معدل التضخم وانتشار الفساد، وبشكل عام لم يتمكن الاقتصاد المصري عبر العقود الماضية من تنويع الهيكل الاقتصادي، كما تدعي التقارير التي تنشر عن الاقتصاد المصري، بالشكل الذي يرفع من درجة الاستقرار على المستوى الكلي.

المؤشرات الآتية تعكس الصورة العامة للاقتصاد المصري قبل اندلاع الأحداث في 25 يناير الماضي. تصنف مصر بين مجموعة الدول ذات الدخل المتوسط المنخفض، ففي عام 2009 بلغ متوسط نصيب الفرد من الناتج 2264 دولارا سنويا، غير أن هذا المتوسط يخفي فروقا واضحة في توزيع الدخل، حيث يعيش نسبة لا بأس بها من السكان تحت خط الفقر. من ناحية أخرى تعاني الميزانية العامة لمصر من عجز متواصل يبلغ حاليا حوالي 8% من الناتج المحلي الإجمالي، وهي نسبة مرتفعة، كما يبلغ إجمالي الدين العام حوالي 62% من الناتج، في الوقت الذي يواجه فيه الميزان التجاري لمصر عجزا مستمرا يبلغ حاليا حوالي 13% من الناتج، بينما يبلغ الدين الخارجي حوالي 36 مليار دولارا، كذلك تبلغ احتياطيات البنك المركزي من العملات الأجنبية حوالي 36 مليار دولارا، تكفي لتغطية 6 أشهر من الواردات.

بلغ عجز الميزان التجاري المصري في عام 2008/2009 حوالي 25 مليار دولارا، وهو نفس قيمة الصادرات السلعية المصرية (والتي منها 11 مليار دولارا صادرات هيدروكربونية -نفط وغاز-)، ولذلك ليس من المستغرب أن يحتل الاقتصاد المصري هذا الترتيب المتواضع على خريطة التنافسية العالمية، بينما بلغت واردات مصر في هذا العام 50.3 مليار دولارا. يعد صافي حساب الخدمات في ميزان المدفوعات المصري أهم الجوانب الايجابية فيه، حيث حقق فائضا مقداره 12.5 مليار دولارا في عام 2008/2009.

أهم مصادر النقد الأجنبي في الاقتصاد المصري في عام 2008/2009 هي الصادرات الهيدروكربونية (11 مليار دولارا)، وإيرادات السياحة (10.5 مليار دولارا)، وتحويلات المصريين العاملين في الخارج (7.6 مليار دولارا)، وأخيرا إيرادات رسوم المرور في قناة السويس (4.7 مليار دولارا)، ويطلق عليها مصطلح "الأربعة الكبار"، وهي بهذا الشكل توضح مدى هشاشة القطاع الخارجي في الاقتصاد المصري.

انتفاضة الشارع التي حدثت في مصر كانت ذات أبعاد سياسية بالدرجة الأولى، غير أن لها تكاليف اقتصادية هائلة سواء على المدى القصير أو المتوسط. في هذا المقال نحاول حصر فاتورة الأحداث التي تتم في الشارع المصري، أخذا في الاعتبار خصائص الاقتصاد المصري وقدرته على التكيف مع الآثار المتوقعة للأحداث في المديين القصير والمتوسط. حتى هذه اللحظة يمكن حصر الآثار الآتية:

- الأثر الأول المباشر هو تراجع القيمة الرأسمالية للأسهم في سوق الأوراق المالية المصرية، والتي تعد الأكثر تضررا حتى الآن من الأحداث، فقد فقدت البورصة المصرية حتى كتابة هذه السطور حوالي 12.5 مليار دولارا، خلال جلستي 26 و 27 يناير الماضي وفقا للتقارير، وهي اكبر خسارة تمنى بها البورصة المصرية منذ اندلاع الأزمة المالية العالمية في 2008، حيث بلغ آخر إقفال لمؤشر EGX30 للبورصة المصرية 5646 نقطة، وذلك مقارنة بـ 6723 نقطة في يوم 24 يناير قبل انطلاق الأحداث. حسنا فعلت السلطات أنها أوقفت التعامل في البورصة لكي تخفف من الضغوط التي يمكن ان تتعرض لها مع افتتاح أعمالها في ظل هذه الأحداث الجارية وما يصاحبها من درجة عالية من عدم التأكد، حيث لم يكن من الممكن، أو المفيد، ان تواصل البورصة أعمالها في ظل المناخ الحالي الذي يمكن ان ينتهي بحدوث انهيار للبورصة على نطاق واسع.

من المتوقع مع افتتاح أعمال البورصة يوم الأحد القادم أن يستمر التراجع في مؤشر البورصة وسط استعداد العديد من المستثمرين، بصفة خاصة الأجانب، للخروج من السوق. غير ان هناك بعض التقارير التي تشير إلى ان السوق بمستوياته الحالية ربما أصبح سوق مشترين، وأنه من الممكن أن يشهد تدفقات لرؤوس الأموال بهدف اقتناص الفرص التي يتيحها الانخفاض الحالي، وهو ما قد يسمح بعمليات تصحيح للاتجاهات التنازلية للأسعار، غير أن عدم وجود بوادر لحل الأزمة، على ألأقل حتى الآن، ربما ينبئ بطول أمدها وهو ما سيرفع من درجة المخاطر المحيطة بالبورصة المصرية، ويجعل أمد عملية التصحيح يأخذ نطاقا زمنيا أطول.

- الأثر الثاني هو تراجع إيرادات قطاع السياحة، والذي يمثل حاليا أهم القطاعات المولدة للنقد الأجنبي على الإطلاق في مصر، وفقا لآخر التقارير التي أصدرها صندوق النقد الدولي عن الاقتصاد المصري، كان من المتوقع ان تبلغ إيرادات قطاع السياحة هذا العام 14.2 مليار دولارا، أي أن إيرادات القطاع تبلغ حوالي 39 مليون دولارا يوميا، ووفقا لتقديرات صندوق النقد الدولي كان من المتوقع أن يصل الناتج المحلي الإجمالي (بالأسعار الجارية) هذا العام 248 مليار دولارا، وهو ما يعني أن قطاع السياحة يشكل بمفردة حوالي 6% من الناتج المحلي الإجمالي.

يتمتع قطاع السياحة بعدة خصائص أهمها أنه قطاع كثيف الاستخدام لعنصر العمل، حيث يوظف أعدادا كبيرة من العاملين في سوق العمل المصري، وخصوصا من الداخلين الجدد إلى سوق العمل، وهو ما يعني أن تراجع قطاع السياحة سوف يحدث خسائر متعددة في الدخل والتوظف في الاقتصادي المصري. ولكن الأمر المطمئن هو أن القطاع قد تعرض فيما مضي للعديد من الصدمات الناجمة عن الاعتداءات على السائحين مثل مذبحة الأقصر وتفجيرات شرم الشيخ، غير أن القطاع استعاد نشاطه مرة أخرى، ومن ثم فإنه من المؤكد أن قطاع السياحة سوف يستعيد حيويته مرة أخرى بعد أن أصيب بالشلل التام حاليا، غير أن استعادة النشاط في قطاع السياحة ربما تتطلب وقتا، ولكنه في وجهة نظري لن يكون وقتا طويلا، فمع عودة الأمن إلى الشارع المصري، أتوقع ان تتوافد فلول السائحين مرة أخرى.

- الأثر السلبي الثالث المتوقع هو على تحويلات العاملين بالخارج والتي تعد ثاني أهم مصادر الدولة من النقد الأجنبي. كان من المفترض وفقا لتقديرات صندوق النقد الدولي أن تبلغ هذه التحويلات هذا العام حوالي 8 مليار دولارا، أي ما نسبته 3.2% من الناتج المحلي الإجمالي (بالأسعار الجارية)، وهو ما يعني أن المصريين العاملين في الخارج يقومون بتحويل حوالي 22 مليون دولارا يوميا. انخفاض تحويلات المصريين العاملين في الخارج يرجع إلى عدة عوامل أهمها الإيقاف المؤقت للتحويل نتيجة إغلاق البنوك، وارتفاع المخاطر المصاحبة لعمليات التحويل. غير أنه لكي يكون تحليلنا صحيحا بالنسبة لهذه النقطة بالذات، لا بد وأن نفرق بين نوعين من التحويلات التي يقوم بها المصريون العاملون في الخارج؛ الأول هو التحويل لأغراض توفير الدعم المالي اللازم لإعاشة الأسر التي يتركها العاملون في الخارج ورائهم في مصر، والثاني وهو التحويلات التي يقوم بها العاملون في الخارج لأغراض الاستثمار أو الإيداع في البنوك وتكوين الثروة. وبما أن النوع الأول من التحويلات هو أكثر أنواع التحويلات إلحاحا فإنه ليس من المتوقع ان تتأثر تدفقات تحويلات العاملين في الخارج لتمويل نفقات معيشة أسرهم في الداخل، بينما يتوقع ان ينخفض النوع الثاني من التحويلات بصورة جوهرية مع تصاعد درجة عدم التأكد المحيطة بالأوضاع السياسية في مصر، وعلى الرغم من أهمية تدفق التحويلات لاقتصاد مصدر للعمالة مثل الاقتصاد المصري، إلا أنه لا توجد تقديرات حول نسبة هذين النوعين إلى إجمالي تدفقات تحويلات العاملين في الخارج، حتى يمكننا تقييم الأثر المتوقع للأحداث على تدفقات تحويلات العاملين في الخارج.

- الأثر الرابع هو تراجع الجنيه المصري أمام العملات الأجنبية، فقد أدت الأحداث إلى تزيد الضغوط على العملة المصرية التي كانت تتراجع بصورة واضحة أمام الدولار الأمريكي في الفترة السابقة على الأحداث، حيث انخفض معدل الصرف إلى حوالي ستة جنيهات للدولار، وقت كتابة هذا المقال، وتجدر الإشارة إلى أن هذا التراجع المحدود في قيمة الجنيه المصري يصيبني بالدهشة، فقد كان من المتوقع في مثل هذه الظروف أن يحدث تراجعا كبيرا في قيمة الجنيه المصري على نسق ذلك الذي حدث في 2003، غير أن هناك عدة عوامل ربما تكون قد ساعدت على الحد من التراجع في قيمة الجنيه أهمها، أن رصيد الأموال الساخنة في مصر كان قد شهد تراجعا في الفترة الأخيرة، كذلك ساعدت احتياطيات البنك المركزي المصري على طمأنة السوق من أن السيولة متوافرة بالصورة التي تمكن البنك المركزي من التدخل في الوقت المناسب للدفاع عن الجنيه أمام العملات الأجنبية، أكثر من ذلك فقد أدت تأكيدات البنك المركزي بفتح عمليات التحويل من الجنيه المصري إلى العملات الأجنبية، وعدم وجود أي قيود على عملية التحويل إلى الخارج إلى طمأنة المتعاملين في السوق، وبالفعل أخذت معدلات صرف الجنيه بالنسبة للدولار في التحسن بعض الشيء، غير أن استمرار هذا التحسن سوف يعتمد، مرة أخرى، على تطور مسار الأحداث على الأرض.

ضعف الجنيه المصري سوف يحمل عدة آثار بعضها سلبي والآخر ايجابي، أهم الآثار السلبية لتراجع الجنيه هي تغذية معدل التضخم المرتفع أصلا في مصر، حيث من المتوقع أن يضيف تراجع الجنيه عدة نقاط لمعدل التضخم في مصر في الفترة القادمة، وذلك نتيجة لارتفاع تكلفة الواردات (بالجنيه المصري)، بصفة خاصة واردات الغذاء، حيث تعد مصر من أكبر دول العالم استيرادا للقمح، الذي تميل أسعاره نحو الارتفاع بصورة واضحة هذا العام، نظرا للظروف المناخية السيئة التي مر بها العالم هذا العام. من ناحية أخرى فإن مصر تستورد جانبا كبيرا من السلع المصنعة والسلع نصف المصنعة والمواد الخام، ومن المتوقع مع تراجع قيمة الجنيه المصري ان ترتفع تكلفة هذه السلع ومن ثم معدل التضخم.

أما أهم الآثار الايجابية لتراجع قيمة الجنيه فهي أنه يمكن أن يساعد على تشجيع الصادرات المصرية، غير أن ما أخشاه هو أنه مع ارتفاع درجة عدم الاستقرار السياسي أن تزاد المخاطر المرتبطة بالدولة، وهو ما يمكن أن ينعكس سلبا على الصادرات، وبالتالي فحتى مع انخفاض قيمة العملة قد تتراجع الصادرات المصرية بالرغم من انخفاض تكلفتها (بالعملة الأجنبية)، بحيث تأخذ عملية تكيف ميزان المدفوعات المصري لانخفاض قيمة الجنيه شكل حرف ( J )، نتيجة اتساع فترة تكيف الميزان التجاري قبل أن يستفيد ميزان المدفوعات بصورة إيجابية من انخفاض قيمة العملة.

- الأثر الخامس هو أنه من المتوقع أن تشهد الميزانية العامة للدولة عجزا قياسيا هذا العام، وربما العام القادم، لعدة أسباب أهمها أن الحكومة سوف تضطر إلى الإعلان زيادات استثنائية في دخول العاملين فيها لامتصاص جانب من الضغوط التي تتعرض لها من الشارع، وهو بالفعل أول ما سارعت إليه الحكومة الجديدة عندما أعلنت منذ أيام عن زيادة أجور العاملين بنسبة 15% تسري من أول ابريل القادم، والسبب الثاني هو تراجع إيرادات الدولة نتيجة تراجع إيرادات الضرائب بفعل تراجع النشاط الاقتصادي في قطاعات عديدة أهمها قطاع السياحة الذي يوفر حصيلة ضريبية وفيرة، والسبب الثالث هو ارتفاع تكلفة خدمة الدين نظرا لتراجع تصنيف الدين العام المصري، سواء الداخلي أو الخارجي، وهو ما يعني ارتفاع هامش العائد على السندات المصرية، بصفة خاصة متوسطة وطويلة المدى، ومن ثم فإن اقتراض الحكومة، وهو أمر ملح في مثل هذه الظروف، سوف يجعل من خدمة الدين أمرا مكلفا.

- الأثر السادس هو تراجع معدلات النمو وارتفاع معدلات التضخم، فقد كان من المفترض وفقا لتوقعات صندوق النقد الدولي أن يبلغ معدل نمو الناتج الحقيقي في مصر هذا العام 5.5%، بينما كان من المفترض ان ينخفض معدل التضخم إلى 9% فقط، بعد ان بلغ معدل التضخم 20.2% في عام 2007/2008. من المؤكد أن الأحداث وما صاحبها من تطورات سوف تؤدي إلى تراجع معدل النمو في الناتج الحقيقي، وفي ذات الوقت سوف يميل معدل التضخم إلى الارتفاع لأسباب عديدة، أهمها، تراجع قيمة الجنيه المصري، والزيادة المتوقعة في السيولة، حيث أنه من المتوقع أن تواجه البنوك أزمة سيولة نتيجة تسارع عمليات السحب المتوقع من المودعات، ومن المؤكد أن البنك المركزي سوف يحتاج إلى طباعة المزيد من الجنيه المصري لسد النقص في السيولة المتوقع أن تواجهها البنوك، كذلك سوف يحتاج البنك المركزي لطباعة المزيد من النقود لتمويل الزيادات المعلن عنها في الأجور والاستمرار في خدمة الدين المحلي في ظل الانخفاض المتوقع في قدرة الحكومة المصرية على إصدار المزيد من السندات الجديدة، ومن المؤكد أن زيادة الأجور لكي تتم لا بد وأن يصاحبها ارتفاع في الإنتاجية، وهو تطور غير متوقع في مثل هذه الظروف، حتى لا ينعكس ذلك في زيادة الضغوط التضخمية المحلية.

- الأثر السابع هو ارتفاع معدلات البطالة والراجع إلى تأثر العديد من القطاعات الإنتاجية والخدمية في الاقتصاد المصري والتراجع المتوقع في معدلات نمو الناتج المحلي الحقيقي. لقد شهد معدل البطالة في مصر تراجعا مستمرا من نسبة 11% تقريبا عام 2005/2006 إلى معدل 8.8%، عام 2008/2009، ومن المتوقع أن يتوقف هذا التحسن في معدل البطالة هذا العام، حتى مع محاولات الحكومة لرفع معدلات التوظف نظرا لارتفاع مستويات المخاطرة المصاحبة للاقتصاد المصري في ظل هذه الأوضاع.

- الآثار الأخرى تشمل نمو الدين العام المحلي والخارجي لمواجهة عمليات إعادة إصلاح البنى التحتية، وتكلفة معالجة الدمار الذي لحق بالممتلكات العامة، وكذلك التعويضات عن الخسائر التي لحقت بالممتلكات الخاصة، فضلا عن تكلفة القرارات المتوقعة لرفع مستوى رفاهية السكان، بصفة خاصة بالنسبة لرفع الأجور وزيادة الدعم.

الخلاصة هي أن مصر تنتظر انخفاض في معدلات النمو، وتزايد العجز في ميزان مدفوعاتها وميزانيتها العامة، وارتفاع معدل التضخم والبطالة في الفترة القادمة، غير أنه من المؤكد أن تحول النظام السياسي في مصر نحو نظام أكثر ديمقراطية سوف يؤدي إلى مزيد من الكفاءة في عملية إدارة موارد الدولة، وخفض مستويات الفساد وهو ما سوف يساعد على توجيه الموارد المتاحة نحو مجالات أفضل للاستخدام وآفاق أوسع للنمو.

الخميس، فبراير ١٠، ٢٠١١

الملكية الصينية للدين الأمريكي في رسم كارتون

تدهور العلاقات الاقتصادية بين الولايات المتحدة والصين لصالح الأخيرة هو احد السمات التي صبغت الربع قرن الماضي من العلاقات التجارية والمالية بين الدولتين. فيوما بعد آخر يزداد اعتماد الولايات المتحدة على الصين كمصنع لما تحتاجه الولايات المتحدة من سلع، كما تزداد عملية هجرة الشركات الأمريكية لأراضي الولايات المتحدة إلى الصين سعيا وراء التوسع عالميا والاستفادة من رخص قوة العمل الصينية، ونتيجة لذلك تحقق الصين فوائض تجارية ضخمة مع الولايات المتحدة سنويا. حيث يعد العجز التجاري الأمريكي مع الصين هو اكبر عجز مسجل مع دول العالم.

الصين تستثمر جانبا كبيرا من هذه الفوائض في سندات الدين الأمريكية، بحيث تحولت الصين إلى اكبر دائن للولايات المتحدة حاليا برصيد يقدر بحوالي 900 مليار دولارا، ويقدر نصيب الصين بأكثر من 20% من إجمالي الملكية الأجنبية لسندات الدين الأمريكية.

هذه الملكية الصينية تجعل الولايات المتحدة أكثر دبلوماسية مع الصين في القضايا المختلفة، خصوصا السياسية، حتى لا تثير غضب العملاق الصيني وتضمن الولايات المتحدة استمرار تدفقات الاحتياطيات الصينية من الدولار نحو شراء المزيد من السندات الأمريكية. في أثناء الزيارة الأخيرة للرئيس الصيني "هو Hu" للولايات المتحدة كان الخطاب الأمريكي نحو الصين أليفا على غير العادة، على الرغم من كثافة القضايا المعلقة بين البلدين خصوصا في الجانب التجاري، حيث اعتادت الولايات المتحدة ان تنتقد الصين في الكثير من القضايا.

الرسم الكارتوني التالي يفسر هذا الخنوع الأمريكي نحو الصين، حيث يبين الرئيس الصيني "هو"، وهو يمسك بسلاسل تقيد عنق الرئيس الأمريكي وقد كتب على الحلقة التي تحيط بعنق أوباما "الدين Debt"، ومن خلال تلك السلاسل يسيطر الرئيس الصيني على إطار الحديث في القضايا المختلفة بين البلدين. في الرسم الكارتوني يقف الرئيس الصيني بملامح صارمة، بينما يستسمح الرئيس الأمريكي أوباما الرئيس الصيني "هو" قائلا (هل يمكن لنا في عجالة ان نتحدث عن المساجين السياسيين".




الأربعاء، فبراير ٠٩، ٢٠١١

العالم يستعد للتحدث بالصيني

أثر النمو الصيني المبهر لم يعد يقتصر فقط على الجانب الاقتصادي، حيث أصبحت الصين حاليا ثاني اكبر اقتصاد في العالم وأخذ البعض في العد التنازلي لتحول الصين إلى اكبر اقتصاد في العالم، وإنما امتد أثره إلى نواح أخرى متعددة، حيث يزداد الاهتمام حاليا بصورة كبيرة بين الأمريكيين للدراسة في الصين، أو لدراسة اللغة الصينية، ربما استعدادا للفرص التي سيتيحها تحول العملاق الآسيوي إلى الاقتصاد المهيمن عالميا.

الشكل التالي الذي نشرته الأكونوميست يوضح نسبة الطلبة الذين يدرسون في الولايات المتحدة حسب المنطقة التي أتوا منها. وفقا للجزء الأيسر من الشكل، فإن الطلبة الصينيين يمثلون النسبة الأكبر من الطلبة الأجانب الذين يدرسون في الولايات المتحدة، يليهم الطلبة من الهند وكوريا الجنوبية. لاحظ أيضا ان هذه الدول هي أكثر دول العالم نموا، لأنها تدرك أهمية تأهيل قوتها البشرية ومدها بأفضل مستوى للتعليم، ولذلك تبعث هذه الدول أعدادا كبيرة من الطلبة سنويا إلى الولايات المتحدة للدراسة في أفضل جامعاتها والحصول على أحدث ما توصل إليه العلم، ليعودون بعد ذلك إلى بلادهم لينعكس تحصيلهم العلمي ومهاراتهم التي اكتسبوها في نمو أعلى وتنظيم أفضل لاقتصاديات بلادهم. ويبلغ عدد الطلبة الصينيين الذين يدرسون في الولايات المتحدة حاليا حوالي 127 ألف طالب وطالبة.

غير أن المثير في الشكل هو تزايد اهتمام الطلبة الأمريكيين بالدراسة في الصين أو بدراسة اللغة الصينية، وفقا للإكونوميست هناك حوالي 14000 طالبا أمريكيا يدرسون في الصين حاليا، وأن الرئيس الأمريكي أوباما، أعلن أثناء زيارته الأخيرة  للصين أنه يرغب في ان ترسل الولايات المتحدة 100 ألف طالبا أمريكيا للدراسة في الصين. من ناحية أخرى يلاحظ أن الاهتمام يتزايد بين طلبة الجامعات في الولايات المتحدة بدراسة اللغة الصينية، فوفقا للجزء الأيمن من الشكل فإن هناك أكثر من 60 ألف طالب أمريكي في الجامعات الأمريكية يدرسون اللغة الصينية حاليا، على الرغم من صعوبة هذه اللغة، فهل ستصبح اللغة الصينية من اللغات المنتشرة في العالم مثل الانجليزية والفرنسية، مع تعاظم الدور الذي تلعبه الصين في الاقتصاد العالمي؟ هذا ما سوف تنبئ عنه السنوات القادمة.

لاحظ أن الشكل لم يوضح أعداد الطلبة الأمريكيين الذين يتعلمون اللغات الهندية، رغم أن الفيل الهندي مرشح أيضا لأن ينافس بقوة على الأرض، أعتقد أن أهم الأسباب وراء ذلك هي تعدد اللغات في الهند وأن اللغة الانجليزية هي اللغة شبه الرسمية تقريبا في الهند، الأمر الذي يقلل من الحاجة الى دراسة اللغات الهندية، ويجعل اندماج الهند في الاقتصاد العالمي أمرا أكثر يسرا من اندماج الصين.










الاثنين، فبراير ٠٧، ٢٠١١

مصطلحات اقتصادية 2: الذروة النفطية Peak Oil

يعد النفط أهم مصادر توليد الطاقة في العالم حاليا، وهو أكثر المصادر كثافة للطاقة، بعد اليورانيوم، وقد فشلت بدائل النفط حتى هذه اللحظة في أن تحل محله نظرا لفقدانها الكثافة التي يتمتع بها النفط، فضلا عن أنها لا تحقق معدلات العائد التي يحققها الاستثمار في استكشاف وإنتاج النفط، وهناك أبحاث علمية تشير إلى أن العالم مقدم على كارثة إذا لم يتوصل لمصدر بديل للنفط، حيث لا يمكن للعالم ان ينمو حليا بدون وجود كميات كافية من الطاقة تتماشى مع احتياجات هذا النمو، ويتزايد الحديث اليوم أكثر من أي وقت مضى بأن العالم بدأ بالفعل يعيش، أنه انه اقترب من أن يعيش عند نقطة الذروة النفطية.

مصطلح الذروة النفطية من المصطلحات التي يساء فهمها على نطاق واسع، حيث يفهمها البعض على أن النفط قد نفد من العالم، وهذا غير صحيح، فالتقديرات المتاحة حاليا تشير إلى أن العالم اكتشف حوالي تريليوني برميل من النفط، استهلك نصفها خلال القرن ونصف الماضي، وهناك حوالي تريليون برميل من النفط ما زالت في باطن الأرض في صورة احتياطيات نفطية، غير أن الصورة الأكثر واقعية للنفط الآن هي أن العالم قد قام بتطوير الجانب الأكبر من المكامن النفطية السهلة، أو ما يطلق عليه النفط الحلو، وأن الاحتياطيات المتاحة في هذه المكامن هي الآن في طريقها الآن نحو الانخفاض. فما هي الذروة النفطية؟

الذروة النفطية هي مصطلح ادخله عالم الجيولوجيا الأمريكي الشهير M. King Hubbert والذي استطاع ان يتنبأ بالذروة النفطية في الولايات المتحدة في منتصف الخمسينيات من القرن الماضي، حيث تنبآ هبرت في عام 1956 بأن إنتاج النفط في 48 ولاية أمريكية سوف يصل إلى الذروة في 1970، وقد كانت هذه التنبؤات صحيحة، كذلك فإنه تنبأ بأن يصل العالم إلى الذروة النفطية في عام 2000، ويقصد بالذروة النفطية بلوغ عملية الاستخراج من النفط لمستوياتها القصوى، ولتي تأخذ بعدها عمليات الاستخراج في التراجع، بسبب أن النفط مورد ناضب أو غير متجدد، ومن ثم فإنه مع كل برميل يتم استخراجه من باطن الأرض يتراجع المخزون ومن ثم الإنتاج النفطي من مكامن النفط ببرميل واحد، ويمكن تصوير الذروة النفطية باستخدام الشكل البياني الذي يأخذ شكل الجرس، حيث أنه مع تزايد عمليات الاكتشافات النفطية تزداد الاحتياطيات النفطية المتاحة للاستخراج في باطن الأرض، وهو ما يمكن من زيادة عمليات الاستخراج من باطن الأرض، ومع تزايد عمليات الضخ تصل معدلات الاستخراج إلى مستوياتها القصوى أي إلى الذروة Peak، ثم تأخذ عمليات الاستخراج بعد هذه النقطة في التراجع، كما يتضح من الشكل الآتي. الشكل يوضح عملية الاستخراج النفطي من منطقة بترولية مفترضة، لاحظ من الشكل أن عملية استخراج النفط تأخذ في التزايد مع تزايد عمليات الاستكشاف واضافة آبار جديدة، حتى يبلغ الانتاج نصف الاحتياطيات في المنطقة، عند هذه النقطة يصل النفط في هذه المنطقة الى ذروته (أعلى قمة الجرس)، ثم تأخذ عملية الانتاج في المنطقة في التراجع مع انخفاض عمليات الاستكشاف واضافة آبار جديدة، ونضوب النفط من الآبار القائمة، حتى يتوقف الانتاج في المنطقة تماما.
المصدر:
http://www.energybulletin.net/primer.php
ومن الناحية الفنية يفترض ان عملية الإنتاج من الآبار في منطقة ما تبدأ بمعدلات محدودة نسبيا، ثم تأخذ كميات الإنتاج في التزايد مع إضافة المزيد من الآبار في المنطقة، ثم تأخذ الآبار القديمة في ضخ مزيج أكثر من الماء والنفط، وينخفض الضغط داخل الحقول، وللحفاظ على معدلات الاستخراج تقوم الشركات النفطية بحفر آبار جديدة في نفس المنطقة، أو ضخ غاز أو ماء في الآبار للحفاظ على الضغط داخل الآبار، وكذلك تطبيق تقنيات إنتاج حديثة. غير أنه في النهاية فإن نسبة النفط في مزيج النفط والماء تأخذ في التراجع وتتزايد بالتالي تكاليف إنتاج النفط بصورة عالية، ويتوقف الإنتاج من المنطقة عندما تزيد التكاليف عن الإيرادات المتوقعة من الإنتاج فيتوقف الإنتاج نهائيا.

من الواضح ان بلوغ نقطة الذروة يتطلب شرطا أساسيا وهو أن تكون معدلات النمو في الاستكشاف الجديدة من الحقول النفطية اقل من معدلات النمو في الاستخراج، بمعنى آخر، إذا كانت معدلات النمو في الاستكشافات الجديدة من النفط اكبر من معدلات استخراج النفط من باطن الأرض، فإن ذلك يعني أنه ما زال هناك بعض الوقت حتى بلوغ الذروة النفطية، بينما عندما تنمو معدلات الاستخراج بصورة اكبر من معدلات النمو في الإضافات الجديدة من الاحتياطيات النفطية، على سبيل المثال عندما يكون النمو في الاستكشافات هو بمعدل برميل واحد يوميا، بينما نقوم بإنتاج برميلين من الاحتياطيات الحالية، فإن ذلك يعني بدء مرحلة الذروة النفطية، حيث يصبح من الصعب ان نقوم بعمليات الضخ عند نفس المعدلات السابقة، ومن ثم يميل الإنتاج العالمي من النفط نحو التراجع، ولكن لماذا لا تنمو الاستكشافات بمعدلات تتماشى مع النمو في الإنتاج؟ ان السبب في ذلك يرجع إلى ان النفط يعتبر مصدرا من مصادر الطاقة غير المتجددة Non-renewable، حيث يتطلب الأمر ملايين السنين لتكوين النفط، ونحن لا نملك هذه الفسحة من الوقت لتكوين احتياطيات جديدة من النفط. إذ يقدر العلماء بأن النفط الذي في باطن الأرض تكون على مدى 90 مليون عاما، بينما استخرج العالم في القرن ونصف الماضي حوالي نصف تلك الاحتياطيات، أي أننا في قرن ونصف فقط استهلكنا نصف ما تم إنتاجه عبر أكثر من 90 مليون عاما.

ولكن متى ستحدث الذروة النفطية، هناك اختلاف كبير بين المحللين في هذا المجال، فالبعض يرى أننا لن نصل إلى هذه النقطة أبدا، حيث ان الطور التكنولوجي سوف يمكننا من تطوير طرق أفضل للاستكشاف وتطوير الآبار، أو لاستغلال مليارات البراميل من النفط المذاب في الرمال النفطية حاليا .. الخ. بينما يرى البعض الآخر أن هذا الكلام هو نوع من الهراء نظرا للحجم الهائل من الاستهلاك العالمي للنفط والذي ينذر بانهيار الاحتياطيات النفطية في العالم في غضون فترة زمنية قصير من الوقت، بينما يرى البعض الآخر أننا ربما قد تجاوزنا بالفعل النقطة الزمنية للذروة النفطية، ويستدلون بذلك على ان اكبر منتج للنفط في العالم وهو المملكة العربية السعودية لم يعد لديها أي طاقة فائضة للإنتاج، وإذا بلغت المملكة هذه النقطة، فإن ذلك يعني أن العالم قد بلغ بالفعل مرحلة الذروة النفطية.

شخصيا، أميل إلى تصديق وجهة النظر الأخيرة، ولدي قلق بالفعل بأن العالم مقبل لا محالة في المستقبل القريب على، ان لم يكن قد بدأ بالفعل يواجه، الذروة النفطية، خصوصا وأن الطلب على النفط ينمو بمعدلات كبيرة حاليا من مصادر غير تقليدية للطلب في الدول الناشئة مثل الصين والهند، ومثل هذه الدول تنمو بمعدلات نمو استثنائية لم يشهدها تاريخ النمو في الدول الصناعية، ولكن الأمر المؤسف هو ان هذا النمو يتم على حساب استهلاك كميات هائلة من الثروة النفطية في العالم.

خلاصة التحليل السابق هي ان الذروة النفطية سوف تؤدي إلى وجود فجوة بين العرض من النفط والطلب عليه، وأن هذه الفجوة لابد أنها سوف تنعكس على الأسعار، فوفقا للمبادئ البسيطة لقوى العرض والطلب، عندما يزيد الطلب بمعدل أسرع من معدل نمو العرض، فان الأسعار لا بد وأن تميل نحو الارتفاع، والعالم الآن يضع المزيد من السيارات على الطرق يوميا بمعدلات غير مسبوقة، ولذلك تتسابق شركات النفط العالمية لمحاولة البحث عن المكامن النفطية في قاع المحيط وعلى بعد أميال تحت سطح البحر، وفي منطقة القطب الشمالي في ظروف مناخية قاسية جدا، وكذلك في مناطق الرمال النفطية، حيث ترتفع تكلفة استخراج النفط بصورة كبيرة، إذ تحتاج عملية استخراج برميل من النفط طاقة غاز تعادل الطاقة المستخرجة من 3 براميل نفطية. إن آثار هذه الاتجاهات في الصناعة النفطية والمتمثلة في الاحتياطيات المحدودة، وصعوبة اكتشاف مكامن جديدة للنفط، وصعوبة تكرير النفط الخام تعني أن تكلفة استخراج النفط من مكامنه سوف تميل نحو الارتفاع، ولكن ما هي دلالات الذروة النفطية لنا هنا في الخليج؟

الإجابة هي ان لها دلالات هامة جدا، أهم هذه الدلالات هي أننا قد بدأنا بالفعل نجتاز مرحلة النفط الرخيص، وان استمرارنا في الضخ بمعدلات الإنتاج الحالية يعني أننا نهدر جانبا كبيرا من ثروتنا النفطية بأسعار رخيصة، لأنه ما أن يبدأ أثر الذروة النفطية في السريان على مستوى العالم، فإن أسعار النفط سوف تقفز نحو السماء، حتى يجد العالم بديلا للنفط، وهي مهمة من الواضح ان العالم يواجه فيها صعوبات شديدة للغاية حتى الآن، ومن ثم فإن علينا ان ننتج من النفط ما يتساوى مع احتياجاتنا المالية فقط، ذلك أن إنتاج نفط أكثر من حاجاتنا المالية سوف يعني تحويل النفط من صورته الخام في باطن الأرض، تلك الثروة النادرة، إلى احتياطيات نقدية على السطح، لتواجه العديد من المخاطر مثل مخاطر التضخم وغيرها من المخاطر.

هناك بعض المداخل في اقتصاديات الموارد الطبيعية الغير متجددة، مثل النفط، تحدد حجم الإنتاج من هذه الموارد من خلال المقارنة بين معدل النمو المتوقع في أسعار النفط ومعدل العوائد المتوقعة على الفوائض النفطية المحققة من عمليات إنتاج وبيع النفط. على سبيل المثال إذا كان معدل النمو المتوقع في أسعار النفط اكبر من معدل العوائد المحققة على تلك الفوائض، فيجب في هذه الحالة تخفيض الإنتاج من النفط والاحتفاظ به في باطن الأرض، والعكس.

بعض المصادر

http://economyofkuwait.blogspot.com/2009/10/blog-post_21.html
http://www.energybulletin.net/primer.php
http://peakoil.com/generalideas/what-is-peak-oil-%E2%80%93-everything-you-should-know/
http://www.peak-oil-news.info/what-is-peak-oil/



















الأحد، فبراير ٠٦، ٢٠١١

لماذا لم تعد أسعار النفط تسبب التضخم

تعرض العالم في فترة السبعينيات الى موجات تضخمية عنيفة جعلت البعض يصف تلك الحقبة بفترة التضخم المرتفع، والذي بلغ في بعض الحالات نسبة 25%. وعلى الرغم من أنه منذ بداية العقد الماضي واسعار النفط ترتفع حتى بلغت حوالي 150 دولارا في 2008، إلا انه مع ذلك لم يشهد العالم تلك الموجات المرتفعة من التضخم التي شهدها في السبعينيات مرة أخرى، عندما بلغ سعر النفط حوالى 12 دولارا تقريبا، فما هو السبب وراء ذلك؟

الاجابة في منتهى البساطة تكمن في الانجاز الهائل الذي حققه العالم في كفاءة استخدام الطاقة، والموضحة في الشكل التالي الذي نشرته الإيكونيميست عن تطور كمية الطاقة المستخدمة لتوليد وحدة من الناتج في مختلف دول العالم (أطنان النفط اللازمة لتوليد ألف دولار من الناتج المحلي الاجمالي). لاحظ من الشكل أن كفاءة استخدام الطاقة كانت منخفضة جدا في فترة السبعينيات (ارتفاع كمية النفط اللازمة لتوليد ألف دولارا من الناتج)، ولذلك عانى العالم من تضخم مرتفع مع صدمة اسعار النفط في تلك الفترة، حتى استطاع العالم ان يحسن من تكنولوجيا الانتاج الموفرة للطاقة، لاحظ أيضا من الشكل ميل عدد الوحدات المستخدمة من الطاقة لا نتاج وحدة من الناتج (ألف دولار) يميل نحو التراجع حتى بلغ مستويات دنيا، حاليا، ويتوقع ان يستمر في التراجع حتى 2030، استنادا الى تقرير من شركة بريتش بتروليوم "Energy Outlook 2030", كما يوضح الشكل التالي.




ولكن ما الذي دفع بالعالم نحو هذا الاتجاه؟ بعد ان قام العرب بقطع امدادات النفط عن الولايات المتحدة واوروبا في عام 1973 بقيادة الراحل الملك فيصل بن سعود، طيب الله ثراه، لتأييد مصر وسوريا في حربهما ضد العدو الصهيوني، شعر الغرب بالقوة الاستراتيجية التي تملكها الدول النفطية، خصوصا بعد ان قامت تلك الدول بحملات عامة لتأميم تسهيلات انتاج النفط بها والتحرر من سيطرة الشركات النفطية (أو ما كانت تسمى بالأخوات السبع). فاقترح الداهية هنري كيسنجر، وزير الخارجية الأمريكي السابق، فكرة انشاء منظمة دولية للطاقة International Energy Agency لتكون بمثابة اتحادا للمستهلكين بهدف مواجهة منتجي النفط، ومحاولة تخفيض الاستهلاك العالمي من الطاقة، والبحث عن مصادر بديلة لها، ورفع كفاءة استخدام الطاقة، ولذلك اصبح معيار "موفر للطاقة Energy saving"، أحد المعايير التي يجب ان يحققها اي اختراع جديد او عملية جديدة للإنتاج، واصحبنا نرى علامة (موفر للطاقة Energy saving، أو نجم طاقة Energy star) على كل منتج تقريبا بين يدينا. وبدأت دول العالم ترصد الميزانيات الضخمة لتطوير تكنولوجيا بديلة توفر استخدام الطاقة، ونتيجة لهذه الجهود انخفضت كمية الطاقة المستخدمة لتوليد وحدة الناتج المحلي الاجمالي على النحو الذي نراه أعلاه.



السبت، فبراير ٠٥، ٢٠١١

كارتون عن برتامج التواصل الاجتماعي تويتر

أعجبني جدا هذا الكارتون الخطير الذي نشر على موقع مجلة الـ Time، بعنوان سلاح جديد في ثورات القرن الواحد والعشرين، والذي يعكس القوة الهائلة التي تمثلها برامج التواصل الاجتماعي مثل الفيس بوك والتويتر والتي فاقت في قوتها كافة الأسلحة التي تملكها قوى الأمن في منع عملية تنظيم التجمعات للمتظاهرين وإجهاض خططهم ووقف تواصلهم. دائما ما أقول لطلبتي ان الانترنت هو أعظم اختراع اخترعه الإنسان على الإطلاق على مر العصور، وأننا حتى الآن، على الرغم من التطبيقات الهائلة للانترنت في حياتنا، فإننا ربما لم نستخدم ما نسبته 1% من إمكانيات هذا الاختراع الهائل.

أثبتت الأحداث الأخيرة في مصر الخطورة الهائلة التي تمثلها البرامج برامج التواصل الاجتماعي في تنظيم جهود المتظاهرين، ونقل أفكارهم وشحن طاقاتهم، دون حاجة إلى خطيب يخطب خطبا ثورية، أو زعماء محددين يلتف حولهم أعضاء المجموعات الثورية، أو يلتقون في أماكن سرية على صورة لقاءات مركزية للقادة، ثم لقاءات فرعية للعناصر وهكذا، في ظل مخاطر تتبع البوليس السري لكل هذه التحركات، ومن ثم احتمالات القبض على تلك المجموعات واجهاض كافة هذه التحركات.

بدلا من كل ذلك تحولت برامج التواصل الاجتماعي إلى أماكن افتراضية يلتقون فيها لتتبع أحدث الرسائل ومتابعة الخطط وكيفية التحرك وخطط التحرك والسياسات التي ستتبع في التحرك وساعات التحرك ... الخ، وذلك على مرأى ومسمع من عيون السلطة ومخابراتها، وبحيث لم تعد هناك حاجة إلى طباعة منشورات سرية وتوزيع هذه المنشورات على الأعضاء، والتي كانت فيما سبق عملية في غاية الخطورة لمثل هذه المجموعات الثورية.

في الحالة المصرية وعلى الانترنت ومن خلال برامج التواصل الاجتماعي تم تكوين مجموعات من الشباب المناهض للنظام، مثل مجموعة 26 أبريل ومجموعة خالد سعيد .. الخ، وقد فكرت هذه المجموعات من الشباب في إجراء المزيد من التنسيق فيما بينها، وتم ترتيب خطواتهم، على مرأى ومسمع من النظام الذي لا يستطيع أن يفعل شيئا حيال هذه المجموعات أو إغلاق سبل التنسيق والتفاهم فيما بينها، لأنه لا يملك السيطرة على هذه البرامج، سوى باغلاقها أو اغلاق سبل الوصول اليها، وهي اجراءات يسهل الالتفاف عليها.

الكارتون في الشكل الآتي يوضح صورة عملاق يمثل النظام العسكري في الدول التي تتبع نظاما ديكتاتوريا مثل النظام المصري، وهو مسلح بكل الأسلحة ففي يد يمسك سلاحا فتاكا، وفي اليد الأخرى يملك القمع، ومع ذلك فإنه يصاب بالرعب مع كل سقسقة تصدر عن عصفور صغير، في إشارة إلى الرسائل التي ترسل عبر برنامج التويتر، فتهيج الشارع وتزلزل الأرض تحت اقدام الحاكم.


الجمعة، فبراير ٠٤، ٢٠١١

نظرة عامة على ملامح الاقتصاد الجزائري

أصدر صندوق النقد الدولي اليوم هذا التقرير الهام عن الاقتصاد الجزائري وأهم القيود التي يواجهها وتحدياته الأساسية، (انظر IMF Country Report No. 11/39) وذلك في إطار البعثات التشاورية التي يرسلها الصندوق إلى دول العالم من وقت لآخر. أهم ملامح التقرير عن الاقتصاد الجزائري هي الآتي:

بلغ إجمالي الناتج المحلي الإجمالي في 2008 حوالي 11 تريليون دينارا جزائريا، أو حوالي 170 مليار دولارا أمريكيا، ويتوقع ان يصل الناتج المحلي الإجمالي في 2015 إلى حوالي 18 تريليون دينارا، أو ما يعادل 205 مليار دولارا (بمعدل الصرف الحالي وهو حوالي 75 دينارا جزائريا لكل دولارا أمريكيا تقريبا)، وقد بلغ متوسط نصيب الفرد من الناتج في عام 2008 حوالي 5 آلاف دولارا أمريكيا، ويتوقع ان يرتفع قليلا في عام 2015 إلى 5270 دولارا. وتسيطر الصادرات من المنتجات الهيدروكربونية على نسبة كبيرة من الناتج المحلي الإجمالي، مثلما هو الحال بالنسبة للاقتصاديات التي تعتمد على صادرات الموارد الطبيعية. وبشكل عام تتمتع الجزائر بالخصائص الكلاسيكية لاقتصاد نفطي.

تمتع الاقتصاد الجزائري بنمو اقتصادي مستمر منذ عشر سنوات تقريبا بعد أزمته التي واجهها في التسعينيات من القرن الماضي، وعلى الرغم من محاولات تنويع هيكل الاقتصاد، إلا أن نقطة الضعف الأساسية للاقتصاد الجزائري هي اعتماده الكثيف على الإيرادات من المصادر الهيدروكربونية في تمويل إنفاقه العام، وهي خاصية تشترك فيها الجزائر مع دول الخليج. فالإيرادات النفطية تمثل 98% من إجمالي صادرات الجزائر، وحوالي ثلثي الإيرادات العامة في الميزانية الجزائرية، وكما هو الحال في الدول النفطية، فإن القطاع غير الهيدروكربوني في الجزائر هو قطاع موجه نحو الداخل (أي لا يستهدف التصدير إلى الخارج)، ويعتمد على الإنفاق الحكومي العام.

استمرت معدلات البطالة في الانخفاض بشكل كبير في العقد الماضي، كما هو موضح في الشكل التالي والذي يوضح أن معدل البطالة قد انخفض من حوالي 17% في 2001 إلى 10.2% في 2009، بينما انخفضت نسبة البطالة بين الشباب من أكثر من 50% إلى أكثر قليلا من 20% في 2009، وهو انخفاض جوهري، ولكنه ما زال مرتفعا.



مثلما هو الحال في الدول النفطية الأخرى، فإن الحد الأدنى لسعر النفط اللازم لتوازن الموازنة مال نحو الارتفاع، حيث أنه في عام 2005، كان سعر النفط اللازم لتوازن الميزانية هو 34 دولارا للبرميل، ونتيجة للتعديلات الهامة التي قامت بها الحكومة في الجزائر برفع مستويات الأجور في عام 2008، فإن الحد الأدنى لسعر النفط اللازم لتوازن الميزانية قد ارتفع إلى 88 دولارا للبرميل، وهو تطور خطير جدا، وهو ما يعني ارتفاع درجة هشاشة الوضع المالي في الجزائر، ففي الأحوال التي لا تكون فيها أسعار النفط مرتفعة، فإن الميزانية العامة للدولة سوف تعاني من حالة عجز.

أهم خصائص الاقتصاد الجزائري هي الوضع الخارجي للاقتصاد الجزائري والذي يعد قوي جدا، وهو ، ففي نهاية سبتمبر 2010، بلغ إجمالي الاحتياطيات الرسمية من النقد الأجنبي 157 مليار دولارا، وهو ما يعادل أكثر من 3 سنوات من الواردات من السلع والخدمات، ويتوقع الصندوق ان يسهم التعافي الاقتصادي العالمي في تحسين أوضاع قطاع الهيدروكربوني في الجزائر (نتيجة ارتفاع أسعار النفط والغاز)، وهو ما سيساعد الحكومة على استمرار تحسن الحساب الجاري الجزائري، ويساعد الحكومة على تبني خطط إنفاق اكبر، وعجز ميزانية اكبر، ومن ثم نمو القطاع غير الكربوني على نحو أفضل.

مثل الدول النفطية في الخليج تواجه الجزائر ضغطا ماليا ناجما عن ارتفاع مستويات الإنفاق العام في الوقت الذي تتضاءل فيه الإيرادات غير الهيدروكربونية، بصفة خاصة قامت الجزائر حديثا برفع مستويات الأجور لمواجهة تآكل القوة الشرائية لدخول العاملين في القطاع العام، غير ان ذلك قد تسبب في نمو كبير للإنفاق العام، ومثل هذا النمو في الإنفاق في حاجة إلى التوقف، بصفة خاصة بالنسبة للإنفاق الجاري. وتقيم الجزائر حاليا سياسات دعم الغذاء بمساعدة البنك الدولي بهدف توجيهها نحو الفئات المستحقة بصورة أفضل.

غير أن مناخ الاستثمار بالنسبة للاستثمارات الأجنبية المباشرة في حاجة إلى التحسن، بصفة خاصة لا تجتذب الجزائر كميات كبيرة من تدفقات رؤوس الأموال في إطار الاستثمار الأجنبي المباشر، بصفة خاصة في القطاع غير الهيدروكربوني. غير أنه في عام 2008 اتخذت الحكومة مجموعة من الإجراءات التي جعلت مناخ الأعمال غير جذاب بالنسبة للاستثمارات الأجنبية المباشرة، وأهمها وضع سقف أقصى على المشاركة الأجنبية في رؤوس أموال شركات الأعمال بـ 49%، وإعادة التأكيد على حق السلطات في اتخاذ إجراءات وقائية ببيع الاستثمارات الأجنبية، الأمر الذي أدى إلى خفض الاستثمار الأجنبي المباشر إلى الجزائر في 2009 بنسبة 60%، كما يتضح من الشكل الآتي، ويرى الصندوق ان السلطات تحتاج إلى إعادة تقييم آثار مثل هذه القرارات وإدخال التعديلات المناسبة لرفع درجة جاذبية الجزائر للاستثمار الأجنبي.


 
كذلك يلاحظ أن القطاع الخاص الجزائري ظل ضعيفا وهشا، بصفة خاصة في القطاع الصناعي، وتحتاج الجزائر إلى تسريع برامج دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة الحجم، ودعم المبادرات الخاصة لمحاولة وتحسين بيئة الأعمال للقطاع الخاص وذلك بهدف الحد من الضغوط على الميزانية العامة للدولة، وتتمثل أهم التحديات التي يواجهها الاقتصاد الجزائري في المستقبل تتمثل في الآتي:

• ضرورة توقف الاتجاه الحالي نحو زيادة الإنفاق العام، لرفع قدرة الجزائر على مواجهة أي صدمات سلبية في الإيرادات من القطاع الهيدروكربوني.

• ضرورة اهتمام الحكومة برفع كفاءة الإنفاق العام والقيام بإصلاحات مالية لدعم آفاق النمو في الجزائر.

• على الرغم من ان السلطات النقدية كانت قادرة على احتواء الضغوط التضخمية في الفترة الماضية، فإن عليها ان تكون مستعدة لإتباع سياسات نقدية أكثر تضييقا في المستقبل إذا تزايدت الضغوط التضخمية في المستقبل. كما ينبغي على البنك المركزي اتخاذ الإجراءات اللازمة للحد من انحراف معدل صرف الدينار الجزائري عن قيمته التوازنية.

• ضرورة قيام الجزائر باتخاذ ما يلزم لتحسين بيئة الأعمال بصفة خاصة للاستثمار الأجنبي المباشر وذلك لضمان استمرار نقل التكنولوجيا الحديثة والمعرفة للاقتصاد الجزائري.

وفيما يلي بعض المؤشرات الاقتصادية الكلية للاقتصاد الجزائري
 

الخميس، فبراير ٠٣، ٢٠١١

الشارع ينتفض في مصر


لطالما راهن الكثير من المراقبين، وأنا منهم، على القدرة غير العادية للشعب المصري على الصبر على تحمل معاناته مع حكامه، واستعداده لتجرع المزيد من صعوبة العيش والقهر السياسي، دون أن يحرك ساكنا، فقد أمضى الشعب المصري عشرون عاما من تاريخه لبناء مقبرة لحاكمة حتى يحقق لنفسه الخلود، موهما شعبه بأن روحه التي ستصعد إلى السماء عند وفاته من جانبي الهرم، هي التي ستحميهم من بعده، وتكفل لهم الأمن والسلام إلى الأبد. بصبر الشعب المصري، تمكن الحكام من بناء أهرامات وتماثيل ومعابد وتحف ما زالت تذهل الدنيا حتى اليوم. كما حفر الشعب المصري قناة السويس بالسخرة، دون ان يفهم لماذا يفعل ذلك، ولا ما هية المنافع التي ستعود عليه من مثل هذا المشروع الضخم، آلاف الأرواح أزهقت تحت لهيب الحر والسوط، حتى تم الانتهاء من حفر القناة بأظافر الفلاحين المصريين، لم يبد شعب في العالم هذا الصبر في التعامل مع حكامه، مثلما فعل الشعب المصري.

آخر انتفاضة شعبية عشتها في مصر كانت في يناير 1977، حينما اندلعت المظاهرات في كافة أنحاء مصر للاحتجاج على حزمة الإصلاح الاقتصادي التي اقترحت الحكومة تطبيقها في هذا الوقت، برئاسة عبد المنعم القيسوني رئيس المجموعة الاقتصادية في ذلك الوقت، تنفيذا لبرامج الإصلاح الاقتصادي التي أبرمتها الحكومة المصرية مع صندوق النقد الدولي، والتي كان من بينها رفع أسعار المواد الغذائية والسلع الأساسية بهدف تخفيض الدعم، والحد من العجز في الميزانية العامة للدولة. استمرت المظاهرات على مدى 36 ساعة في كافة أنحاء مصر، ووضعت نظام الرئيس الراحل أنور السادات في هذا الوقت في مهب الربح، حتى تراجع النظام بإلغاء حزمة الإصلاح المقترحة، فهدأ الشارع وتم امتصاص غضب الجماهير، وعادت الحياة إلى طبيعتها، بعد ان كانت طائرة الرئيس تقف على أهبة الاستعداد في مطار أسوان لنقله إلى الخارج.

منذ 2004 والشارع المصري يتظاهر من وقت لآخر مطالبا بالتغيير، ولكن على نطاق محدود جدا. يوم الثلاثاء قبل الماضي أطلق مجموعة من شباب مصر دعوة للتظاهر تحت عنوان "يوم الغضب"، وهو الشعار الذي رفعوه على برامج التواصل الاجتماعي مثل الفيس بوك وتويتر، واجتذبت الدعوة تعاطف الآلاف في البداية الذين تظاهروا للتعبير عن غضبهم مطالبين بالتغيير.

يوم الجمعة التالي رفع الشباب سقف انتفاضتهم داعين إلى التظاهر يوم الجمعة الماضي بعد الصلاة، تحت شعار "جمعة الغضب" التي دعوا فيها الجميع إلى التظاهر ضد النظام، مستفيدين من الزخم الذي يمكن استغلاله من خلال حشد أكبر عدد من الناس في مناسبتين الأولى هي الصلاة الأسبوعية، والثانية هي العطلة الأسبوعية، وتحولت مصر كلها بين عشية وضحاها إلى ساحة مستباحة لعصابات السطو المسلح والمنظم، وهي ظاهرة جديدة تماما لم تعرفها مصر في تاريخها. مصر التي طالما دائما ما كان يطلق عليها واحة الأمان في العالم، تحولت إلى أخطر بقاع الدنيا أمنيا، لولا يقظة شبابها وتكتل مواطنيها في الدفاع عن مالهم وعرضهم، وتكوينهم للجان شعبية لتملأ الفراغ الأمني الذي يثير ألف علامة استفهام.

السؤال الذي لم أجد له جوابا حتى هذه اللحظة هو، من يحرك هذه الجموع الصاخبة عبر أنحاء الجمهورية كلها وبهذه الدرجة العالية من التنظيم؟ من المؤكد أنه لا يمكن ان يكون أي من القوى السياسية الفاعلة على الساحة وراء ذلك، فالشعب المصري لا يؤمن بالأحزاب السياسية وليس عضوا فاعلا فيها، بما في ذلك الحزب الوطني نفسه، لأنه يعلم أنه لا أمل يرجى من وراء الممارسة السياسية من خلال تلك الأحزاب، وأنا متأكد أنه لو قام الرئيس حسني مبارك اليوم وقدم استقالته من الحزب، فإن الحزب الوطني سوف ينهار في اليوم التالي، لأن الأحزاب السياسية في مصر لم تأخذ بعد صفتها المؤسسية التي تضمن لها الاستدامة بعيدا عن مفاتيحها من الأشخاص.

أعود إلى سؤالي، انفجار الشارع على هذا النحو المدوي كان ردة فعل لسلسلة طويلة من الأخطاء عبر سنوات طويلة، كان آخرها التزوير المنهجي للانتخابات والذي طالما كان يمارسه الحزب الوطني على نطاق واسع. في موسم الانتخابات الأخيرة، طرأت على المراهقين السياسيين في الحزب الوطني من رجال الأعمال فكرة ساذجة، وهي أنه لم يعد هناك أي داع لوجود المعارضين لهم تحت قبة البرلمان، وانه من الأفضل، لتسيير مصالحهم بصورة أيسر هذه المرة، أن يكون البرلمان كله من الحزب الوطني. مراهقو الحزب الوطني، الذين رفضوا أن يكون لهم معارضين تحت قبة البرلمان، كان عليهم هذه المرة ان يواجهوا هذه المعارضة في الشارع.

لقد سئم الشارع وهو يشاهد التصاعد المستفز لطبقة رجال الأعمال في مصر، وإصرارهم على الإمساك بكل الخيوط؛ الأعمال والإعلام والسياسة والمجتمع في ذات الوقت، ذلك أن الإمساك بكافة خيوط اللعبة هو السبيل الأسهل والأسرع لتسهيل الأعمال، ومن ثم ثراء أسرع وأرباح أكثر، وبالطبع، في ظل الفساد، ضرائب اقل. هذا الصعود غير المنظم لطبقة رجال الأعمال أدى إلى الاتساع السريع للفوارق الطبقية بين السكان، وبعد ان عاش الشعب المصري لفترة طويلة من الزمن على شكل طبقة وسطى تقريبا، خصوصا بعد سياسات حركة يوليو الاشتراكية التي نفذها عبد الناصر، والتي قضت على الرأسمالية المصرية، التي كانت تنفذ بشكل منهجي في ذلك الوقت باعتبارها تمثل احد مبادئ الحركة، وهو "القضاء على الإقطاع (الملكيات الكبيرة للأراضي، باعتبار ان الزراعة كانت النشاط الرئيسي لمصر والأرض كانت عنصر الإنتاج الرئيس في الدولة) وسيطرة رأس المال على الحكم"، في الوقت الذي تراجعت فيه المستويات المعيشية لباقي الطبقات في ظل تصاعد مستويات التضخم وانخفاض مستويات الدخول، دون رد فعل مناسب من جانب الحكومات المتعاقبة.

الثلاثاء، فبراير ٠١، ٢٠١١

صورة من وسط الأحداث في مصر

أذكر أنني في عام 1974 عندما كنت طالبا في الجامعة كنت اقضي بعض الحاجيات من ميدان العتبة، أحد أزحم الميادين في القاهرة في ذلك الوقت، ولما انتهيت ركبت اتوبيس النقل العام متجها الى الجيزة. في هذه الفترة كان الازدحام في القاهرة لا يطاق، فلم يكن هناك كباري علوية أو أنفاق تحتية أو مترو للأنفاق، وكانت وسائل المواصلات العامة في القاهرة على اختلاف انواعها، عبارة عن علبة سردين كما كان يقول المصريون، من الازدحام الشديد. في هذا الوقت كانت مصر خارجة من حالة الحرب مع العدو الاسرائيلي، وكل البنى التحتية فيها، بما في ذلك وسائل النقل العام، منهارة تماما.

في هذا اليوم جلست في المقعد الخلفي في اتوبيس النقل العام، وجلس بجانبي شخص تبدو عليه ملامح أجنبية، وبادرني بالتحية ثم سألني بالانكليزية عن ثمن التذكرة، فقلت له لا عليك سوف أدفع لك، فشكرني وأخذنا نتجاذب اطراف الحديث، حيث فاجئني بقوله ”لماذا لا تنتحرون؟ لماذا لا تقتلون أنفسكم" كيف تستطيعون العيش على هذه الصورة؟ إننا في بلدي تتوافر لنا كل سبل الرفاهية، ومع ذلك فإن معدلات الانتحار لدينا من أعلى المعدلات في العالم، كيف تتحملون قسوة الحياة على هذا النحو، هذه ليست حياة"، سألته عن بلده فعلمت انه سائح قادم من السويد.

اخذت أشرح له لماذا لا ينتحر الشعب المصري على الرغم من هذه الحياة الخانقة التي يعيش فيها، إنها ببساطة شديدة النكتة، نعم نحن نواجه ضغوطا معيشية لا يواجه مثلها شعب في العالم تقريبا، كما أن كم الصعوبات اليومية التي نواجهها يترتب عليها تراكم ضغوط نفسية جبارة لو تعرض لها شعب آخر لانفجر، ولكننا نحارب هذه الضغوط من خلال علاقاتنا الاجتماعية الوثيقة، حيث نلتقي في نهاية كل يوم على المقهى، أو تحت المنزل، أو في ساحة الحارة، أو على شاطئ النيل نأكل ترمس وذرة مشوية، ونشرب حمص الشام، نتبادل النكات ونتجاذب أطراف الحديث، حتى يحل موعد النوم، فيذهب كل من إلى منزله، استعدادا لبدأ يوم جديد في حياتنا، وهكذا، علاقاتنا الاجتماعية القوية هي السبيل الذي نواجه به ضغوط الحياة ونفرغ من خلالها طاقاتنا المكبوتة.


أعجبتني هذه الصورة التي التقطت من وسط المعمعة التي تعيشها مصر حاليا، الصورة لشاب مصري خفيف الدم يرفع لافتة تدعو مبارك الى الرحيل قائلا "ارحل بقه إيدي وجعتني" (أي من طول الفترة التي حمل فيها الاعلان بين يديه). الشعب المصري مشهور في العالم بخفة دمه وبأنه ابن نكته، وانه يستعين بها على مواجهة ظروفه القاهرة، وهي وسيلته الوحيدة لمحاربة حكامه، ففي كل أزمة تواجهه دائما ما يستخدم الشعب المصري النكتة كسلاح ينفس بها عن كبته، أو يخلق بها أمل جديد لغده.

آخر نكتة هي أنه بعد أن هرب الرئيس التونسي بن علي خرج الشعب المصري بنكتة عن مبارك، تقول النكتة، قيل لمبارك استعد لكي تلقي خطاب الوداع على الشعب، فأجابهم "ليه! هو الشعب المصري رايح فين؟"، في إشارة إلى أن الرئيس لن يترك الكرسي حتى ولو ترك الشعب البلد، النكتة بالنسبة لنا في مصر هي أحد الاسلحة التي نوجهها لنظامنا السياسي، لنقول له من خلالها مالا نستطيع ان نواجهه به. بمثل هذه النكات يمتص الشعب المصري ضغوط يومه ويخفف عن آلامه النفسية ويستعد ليوم جديد، على أمل أن يحمل الغد أخبارا أفضل، وقد أصبح من المؤكد الآن أن الغد أصبح يحمل أخبارا أفضل للشعب المصري لأنه بالفعل يستحق الأفضل.