الخميس، يونيو 23، 2016

عرض كتاب Book Review


Ben S. Bernanke
The Courage to Act: A Memoir of a Crisis and Its Aftermath
 استطاع بن برنانكي أن يأخذنا في رحلة طويلة لوصف مراحل الأزمة ومواقفها الحرجة، لحظة بلحظة، يوما بيوم، وأحيانا ساعة بساعة، خصوصا عندما كانت الأوضاع تتأزم باحتمال سقوط بنك، أو حاجة مؤسسة للمساعدة ... الخ. الكاتب استطاع ببراعة أن يبرر لنا لماذا تم الحيلولة دون سقوط مؤسسة مالية مثل بير شترنز، بينما فشلت الحكومة الأمريكية في انقاذ بنك ليمان براذرز الذي أدى سقوطه إلى اندلاع شرارة الأزمة المالية العالمية في كافة أنحاء العالم. وعلى الرغم من أن ليمان براذرز كان مؤسسة مالية تم السماح لها بالسقوط، فإن الحكومة الامريكية لم تسمح بسقوط مؤسسات غير مالية مثل شركة التأمين العالمية ِAIG ورصدة لها المليارات حتى لا تسقط مع أن الاحتياطي الفدرالي ليس من المفترض أن يقدم المساعدة لمؤسسة غير مصرفية. في رأيي أنه على الرغم مما ساقه برنانكي عن حتمية سقوط ليمان براذرز، فإن تقديم الحكومة الأمريكية لعدة مليارات لإنقاذ البنك كان من الممكن أن تخفف من التكلفة الهائلة التي تحملتها وكذلك تحملها العالم معها بسقوط ليمان براذرز.
بعد سقوط ليمان كان من الواضح أن الاقتصاد الأمريكي لا يمكن أن يتحمل تبعات سقوط مؤسسة مالية كبرى أخرى، وأنه أصبح لزاما على الولايات المتحدة أن تقدم أي نوع من المساعدة والدعم لضمان سلامة النظام المالي ومؤسساته المختلفة. لذلك حرص الاحتياطي الفدرالي على عدم سقوط بنك آخر مثل واكوفيا، واستطاع أن يدبر فرصة بيعه لبنك آخر، بل وسهل عمليات دمج بين البنوك الكبرى للحيلولة دون سقوطها تجنبا للأثار المدمرة التي يمكن أن تنجم عنها. بل لقد امتدت عمليات الإنقاذ لشركات صناعية مثل شركات صناعة السيارات. في خضم الجدل السائد حول استخدام أموال دافعي الضرائب في انقاذ مؤسسات مالية يملكها القطاع الخاص، تحدث مفاجأة مدوية بقيام شركة التأمين AIG بتوزيع ملايين الدولارات كبونص على العاملين الذي تسببوا في أزمتها ليحدث هجوم ضخم على الفدرالي والحكومة الأمريكية.
الكتاب يتضمن تفاصيل مثيرة حول تطورات الوضع الاقتصادي أسبوعا بأسبوع تقريبا، حتى لحظة خروج برنانكي من مكتب رئيس الاحتياطي الفدرالي واختيار جانيت يلين الرئيسة الحالية للاحتياطي الفدرالي، مع تحليل أسباب وملابسات ما دار خلال هذه الفترة، بصفة خاصة بالنسبة للبرامج المثيرة للجدل مثل حول برنامج انقاذ الأصول للمؤسسات المالية، وكذلك برنامج التحفيز المالي الذي طبقته الولايات المتحدة من أجل تنشيط الطلب الكلي وإنعاش الاقتصاد الأمريكي للخروج من الأزمة، وتفاصيل اختبار الضغط للبنوك الأمريكية لتحديد الاحتياجات الرأسمالية اللازمة لها في حال ثبت عدم قدرتها على تحمل ضغوط الأزمة، وقد طرح في هذا الوقت مقترح جريء جدا بالنسبة لطبيعة الاقتصاد الأمريكي وهو تأميم البنوك الكبرى التي تثبت اختبارات الضغط ضعفها، أو التي لا تستطيع تدبير احتياجاتها الرأسمالية خلال 6 أشهر بعد نشر نتائج اختبارات الضغط، وبرامج تيسير الائتمان التي اطلق عليها خطأ، كما يقول برنانكي، برامج التيسير الكمي، مرورا بما مر بالاقتصاد الأمريكي من اختناقات، وضغوط مثل  الضغوط المالية المرتبطة برفع سقف الدين، أو إغلاق الحكومة الأمريكية، وما صاحبها من جدل سياسي بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي، وكذلك ما تعرض له برنانكي من هجوم سواء من وسائل الإعلام أو من النواب، إلى الحد الذي طالب فيه بعض النواب الجمهوريين بفصل برنانكي من وظيفته، لكن برنانكي ظل صامتا واضعا نصب عينيه مستهدفاته الأساسية المتمثلة في كيفية الخروج بالاقتصاد الأمريكي إلى بر الأمان بعد هذه الأزمة الكبيرة.
ربما يكون الامريكيون محظوظون أن حدثت الأزمة وهذا الرجل على كرسي رئاسة الاحتياطي الفدرالي، والذي فعل كل ما يستطيع حتى يخرج الاقتصاد الأمريكي من حالة الكساد. أذكر أن تيموثي جايثنر وزير المالية الأمريكي في كتابه اختبار ضغط، كان يطلق عليه "بوذا رؤساء البنوك المركزية في العالم".
لقد أعجبني كثيرا الوصف الدقيق والمطول للأشهر الأولى في اندلاع الازمة، ونقص السيولة الحادث في سوق النقود الأمريكي، والخطوات المختلفة التي تم اتخاذها للتعامل مع الازمة، وأوجه التعاون الدولي المختلفة لتنسيق الجهود لمحاصرتها، مثل التنسيق مع البنوك المركزية الأخرى في خفض معدلات الفائدة بصورة جماعية في بداية الأزمة، أو خطوط السيولة الدولارية التي تم مدها لبعض البنوك المركزية في العالم لمواجهة نقص الدولار في البنوك التجارية لديها، وان تباعدت بعد ذلك استراتيجيات تعزيز الأداء الاقتصادي، فبينما استمرت الولايات المتحدة في سياساتها النقدية الغير تقليدية على نفس الوتيرة دون توقف لسنوات، كانت الأوضاع غير ذلك في أوروبا، حيث اضطربت السياسات، بصفة خاصة مع بروز أزمة الديون السيادية والتهديدات المتتالية للقطاع المالي من افلاس دول مثل اليونان. لذلك ليس مستغربا أن نرى استمرار الوضع القوي للاقتصاد الأمريكي في مقابل تقلب النشاط الاقتصادي في دول العالم الأخرى، بصفة خاصة أوروبا.
من الأشياء التي أثارت اهتمامي حديث برنانكي عن دراساته عن الاقتصاد الياباني ونقده اللاذع للبنك المركزي الياباني والقائمين عليه متهما إياهم بأنهم سبب النكبة التي منيت بها اليابان بسبب عجزهم عن اتخاذ الإجراءات المناسبة لمكافحة الكساد، هذا وهو خارج الاحتياطي الفدرالي، لكنه عندما جلس على كرسي رئيس الاحتياطي الفدرالي، تمنى أن تعود به الأيام حتى لا يذكر هذه العبارات القاسية التي انتقد فيها البنك المركزي الياباني، لأنها أدرك كما يقول المثل المصري "اللي على البر شاطر"، فانت خارج مركز المسئولية تختلف عما تكون داخلها.
يستعرض برنانكي محاولات تنظيم القطاع المالي لتجنب وقوع الاقتصاد فريسة أزمة مشابهة في المستقبل يمكن أن تشعل نيران الكساد، ويفرد المقترحات المختلفة للتنظيم، والتي جميعها لم تتناول أهم أسباب الأزمة وهي كيفية القضاء على ما يسمى "أكبر من أن تسقط"، أي المؤسسات المالية الكبيرة التي يزداد حجمها على النحو الذي يحول دون السماح بسقوطها نظرا للاضطراب العظيم الذي يمكن أن تحدث في القطاع المالي والتوابع الهائلة اقتصاديا، لذلك تضطر الحكومات مرغمة على انقاذها بالأموال العامة.
هذا الكتاب الكبير نسبيا كان من الممكن أن يتم اختصار جانب لا بأس به منه لعدة أسباب، أهمها أن الكاتب يخصص جانبا لا بأس به من الكتاب للحديث عن نشأته، وأصل عائلته، وكيف هاجرت واستقرت في أمريكا، وسيرته الذاتية وتطور حياته الدراسية والحياة العملية لأسرته وزوجته والمقربين منه... الخ، وهذه جميعا تفاصيل كثيرة لا تهم القارئ المتخصص في رأيي. الثاني أن الكاتب يسرد الكثير من التفاصيل التي لا داع لها، على سبيل المثال عند ذكر اجتماع محدد يأخذ في سرد تفاصيل القاعة التي يجلسون فيها، مثل لون الحائط، نوع الستائر، طول المنضدة، كبر الغرفة أو صغرها، الضوء المنعكس من الستائر، موقع فازة الزهور على المكتب، الصورة المعلقة على الحائط... وأشياء كثيرة على هذا المنوال، كنت دائما أبتسم من وقت لآخر عندما أمر بها، وأتعجب لماذا يذكرها، مع الموضوع فني بالدرجة الأولى. الثالث وهو المكالمات والكتب والرسائل الالكترونية التي تمت بينه وبين فريقه أو حتى أصدقاءه واخوته وزوجته... الخ، تفاصيل كثيرة لم يكن يتطلبها الأمر على الإطلاق.

فيما عدا ذلك فإن هذا الكتاب ممتع جدا، وذو قيمة علمية هائلة في تأريخ الأزمة المالية العالمية وما تلاها من سنوات مباشرة من كاتب متخصص أساسا في دراسات الكساد، تولى مهمة كيفية انقاذ الاقتصاد الأمريكي من تبعات الآزمة، على راس فريق من أرقى العقول الاقتصادية في الولايات المتحدة، لذلك أعتقد أنه لا غنى لقارئ مهتم بالكساد العالمي الكبير عن هذا الكتاب. بعد أن تنتهي من قراءة هذا الكتاب ستكتشف أنك تحتاج إلى قراءته أكثر من مرة، لتحيط بكل ما فيه من معلومات ضخمة عن الازمة وسبل التعامل معها، وهذا ما أنويه إن شاء الله في المستقبل. 

الأربعاء، أبريل 13، 2016

أفكار شابة من خارج الصندوق

 إن المتتبع لما يدور في الصحافة الاقتصادية في العالم، يلاحظ الاهتمام الكثيف بما يطرحه الأمير محمد بن سلمان هذه الإيام عن نية المملكة طرح جانب من أسهم شركة أرامكو للاكتتاب العالم، قدر في المرحلة الأولى بنحو 5%، والذي من المتوقع أن يدر أكثر من مئة مليار دولار، وفقا لتقديرات بلومبرج، توضع في صندوق الاستثمارات العام، ومن ثم تحويل ملكية الشركة ضمن صندوق الاستثمارات العامة، بحيث يتمكن الصندوق من إدارة أصول تقدر بحوالي تريليوني دولار، ليصبح أيضا صندوق الاستثمارات العامة السعودي هو أكبر صندوق سيادي للثروة في العالم.
الهدف الأساسي من إنشاء الصندوق وفقا لتصريحات الأمير محمد بن سلمان هو انهاء اعتماد السعودية على مصدر شبه وحيد للدخل والإيرادات العامة، والتحول نحو مصادر أكثر استقرارا وأكبر أهمية للدخل، وذلك من خلال ملكيات استراتيجية تتوزع بين استثمارات جوهرية داخل المملكة، واستثمارات خارجية تنتشر عبر دول العالم، وعلى النحو الذي ينوع من هذه الاستثمارات وكذلك مستويات المخاطرة التي تتعرض لها، وذلك مقارنة بالوضع الحالي حيث تأتي دخول الحكومة من مصدر واحد.
ولكن ما هي أهمية هذا المقترح بإنشاء صندوق استثماري ضخم يحقق عوائد استثمارية ذات ثقل جوهري في هيكل إيرادات الميزانية السعودية؟ الواقع أنه بتحليل مزايا هذا المقترح نجد أنها تتعدد بشكل لافت للنظر، والتي يمكن حصرها في الآتي:
·        أولا: أن أهمية هذا المقترح تنبع من طبيعة الظروف الحالية التي تمر بها السعودية، والدول النفطية بشكل عام، في الوقت الحالي، حيث تتراجع أسعار النفط عند مستويات منخفضة جدا وتقل بصورة جوهرية عن المستويات اللازمة لتعادل ميزانياتها، وقد شهدنا خلال العامين الماضيين كيف تحولت الميزانية السعودية من ميزانية تحقق فوائض ضخمة إلى ميزانية تحقق عجوزات ضخمة في غضون هذا الزمن القياسي، مما يعني أن مخاطر اعتماد الميزانية على الإيرادات النفطية تعتبر مرتفعة جدا، حيث يمكن أن يتحول وضع الميزانية بصورة جوهرية في غضون فترة زمنية قصيرة جدا. أكثر من ذلك فنحن نشهد حاليا اتجاها جديدا في المملكة وهو عودة الدين العام السعودي الى التصاعد مرة أخرى مع تزايد العجز المحقق في الميزانية. بالطبع إذا ما استمرت أسعار النفط منخفضة عن السعر اللازم لتوازن الميزانية السعودية، وهو الأمر المرجح على الأكثر في الوقت الحاضر، فإن الإنفاق العام السعودي سوف يشمل بندا جديدا يضاف إلى الإنفاق العام وهو خدمة الدين، بعد أن كانت المملكة قد تخلصت تقريبا من ديونها العامة.
·        ثانيا: أن المقترح يمكن المملكة من تنويع مصادر دخلها بعيدا عما يسمى بسياسات معالجة عجز الميزانية العامة من خلال اللجوء إلى جيب المواطن، أي من خلال رفع أسعار السلع والخدمات العامة، مثلما قامت به المملكة مؤخرا من خلال رفع أسعار الكهرباء والوقود والماء، والتي بالطبع تحمل المواطن بتكاليف إضافية، ولا شك أن استمرار العجز دون السعي نحو وجود مصادر إيراد إضافية سوف يعني أن أسعار السلع والخدمات العامة سوف ترتفع مجددا في المستقبل لتخفيض مستويات الدعم التي تدفعها الحكومة لتقديم هذه السلع والخدمات، بل وربما التفكير في تحويل أدوات تقديم هذه السلع والخدمات إلى أدوات اقتصادية تحقق أرباح، من خلال رفع الأسعار بصورة أكبر. من جانب آخر فإن برامج الإصلاح المالي لا تقتصر فقط على تعديل أسعار السلع والخدمات، وإنما تشمل أيضا إدخال ضرائب جديدة، مثل الضريبة على الدخول أو الاستهلاك أو القيمة المضافة أو المبيعات، أو رفع معدلات الضرائب القائمة بكافة أشكالها، وهي ضرائب توفر دخولا إضافية للحكومة، لكن ذلك بالطبع يكون على حساب الدخل المتاح للمستهلك.
·        ثالثا: أن استراتيجيات تنويع مصادر الدخل من خلال التعديل الهيكلي أو القطاعي في الاقتصاد المحلي عملية تأخذ وقتا، وتتطلب استثمارات ضخمة على مدى زمني طويل نسبيا، ومن ثم فإنه من خلال انفتاح شهية المملكة على الاستثمارات العالمية، تتمكن المملكة من الحصول على عوائد مستمرة من أصول استثمارية قائمة وناجحة وتنافسية في الخارج عن طريق تملك جانب من رؤوس أموال هذه المشروعات. بالطبع الاستثمار في تنويع الهيكل الاقتصادي المحلي عوائده أعلى على المدى الطويل، لكن هذه مسألة تأخذ وقتا ونجاحها يعتمد على كفاءة عمليات تحديد المزايا النسبية القائمة أو التي يمكن أن تكتسبها المشروعات الجديدة بمرور الوقت. لذلك فإن التوجه نحو الاستثمارات الأجنبية قد يكون خيارا مناسبا في الوقت الحالي، على الأقل مرحليا حتى تتمكن المملكة من وضع خارطة استثمار محلية كفئة.  
·        رابعا: إن امتلاك نسبا جوهرية في رؤوس أموال شركات عالمية ضخمة يمكن أن يساعد المملكة في تحقيق بعض العوائد الخارجية الموجبةPositive Externalities ، فمن الممكن أن يساعد ذلك المملكة في رفع كفاءة استثماراتها المحلية وذلك من خلال ربط المشروعات المحلية باستثماراتها الدولية، والتي يمكن أن تقدم المشورة أو المساعدة الفنية، أو ربما من خلال بعض أشكال الشراكة أو غيرها من أشكال الاعتماد المتبادل الذي يمكن الاستثمارات المحلية الجديدة من الاستفادة من هذه الشراكة الاستراتيجية مع الشركات العالمية القائمة والتي تملك فيها المملكة حصصا مؤثرة.
·        خامسا: أن العوائد المتوقعة من تطوير صندوق الاستثمارات العامة يمكن أن تتحقق في مدى زمني أقصر نسبيا مقارنة بالعوائد المتوقعة من البدائل الأخرى لمعالجة عجز الميزانية، كما أنها أقل عبئا على المواطن.
باختصار لا شك أن مقترح تطوير صندوق الاستثمارات العامة يمثل تحولا هيكليا في طريقة التفكير حول كيفية إدارة الثروة العامة في السعودية وطريقة توليد الإيرادات العامة في المملكة، عبر تنويع مصادر هذه الإيرادات محليا وعالميا، وعلى النحو الذي يضمن استقرارا أكبر لهذه الإيرادات فضلا عن تعرضها لمستويات أقل من المخاطر. لكن لا بد من التنبيه إلى ضرورة دراسة ما يمكن أن يطرأ من انعكاسات سلبية لهذا المقترح وتدنية تأثيراتها إلى أدنى حد.