الثلاثاء، مارس 20، 2012

جدل حول الذهب 1


نشر في صحيفة الاقتصادية بتاريخ الثلاثاء 20/3/2012

منذ أكثر من عقد من الزمن تقريبا وأسعار الذهب تواصل الارتفاع، فقد بدأت رحلة الصعود لأسعار الذهب من  250 دولارا تقريبا في 2001 ثم بلغت أعلى مستوياتها حتى الآن في منتصف 2011 عندما بلغ سعر الأوقية 1925 دولارا، وهو ما يمثل ارتفاعا  كبيرا لهذا الأصل في غضون هذه الفترة القصيرة نسبيا، الأمر الذي يجعل متوسط معدل العائد السنوي على الذهب بحوالي 20%، وهو معدل استثنائي بكل المقاييس، فلا يوجد تقريبا أصل يحقق عائدا متوسطه 20% سنويا. مع بلوغ الذهب قمته في العام الماضي تعرض الذهب لحملة تصحيح محدودة نسبيا، ومنذ ذلك الوقت تميل أسعار الذهب إلى التقلب بصورة كبيرة تدفع البعض إلى الاعتقاد بأن عقد الذهب قد قارب على الانتهاء، وأن هذه التقلبات تلقي ببعض الشك حول احتمال استمرار الاتجاه العام الصاعد للسعر. فالذهب بينه وبين الأساس النقدي الأمريكي نوع من الارتباط، وينتظر مضاربو الذهب دائما بقدر كبير من الشغف الإعلان عن أي تيسير كمي أو تسهيل في السياسة النقدية الأمريكية لتبدأ حمى المضاربة في الذهب، ومؤخرا كانت أنظار مضاربي الذهب متجهة أساسا نحو التيسير الكمي الثالث للاحتياطي الفدرالي، وقد كانت التوقعات حول صعود أسعار الذهب نتيجة لهذا التيسير كبيرة، ولكن حتى الآن يبدو أن هذه الآمال تتبدد شيئا فشيئا.
البعض الآخر يرى أن الذهب لا يعاني من فقاعة سعرية لأن شروط الفقاعة السعرية، من وجهة نظره، لا تنطبق على الأصل حاليا، بل ويؤكد الكثير من  المضاربين في الذهب أن التوقعات تشير إلى أن الطلب العالمي على الذهب سوف يستمر مرتفعا في السنوات القادمة، وعلى الأقل في 2012، ومن ثم يجزم المضاربون في الذهب باستمرار الاتجاه الصاعد له، وآخر هذه التوقعات أن سعر الذهب في 2012 سوف يضرب حاجز الـ 2000 دولارا للأوقية، وهو ما يعتبر تراجعا واضحا في التوقعات التفاؤلية حول سعر الذهب التي كانت تصل بهذا السعر وفقا لبعض التوقعات الشاذة إلى 5000 دولارا. فمعدلات الفائدة الإسمية صفرية تقريبا، ومعدل الفائدة الحقيقي سالب في معظم أنحاء العالم، وليس هناك في الواقع احتمالات أن تنعكس هذه الاتجاهات لمعدل الفائدة سواء في الأجل القصير أو المتوسط، وهذا ما اكد عليه الاحتياطي الفدرالي من حيث الإبقاء على معدلات الفائدة مثبتة عند مستوياتها الحالية حتى منتصف 2013، وطالما استمرت هذه الظروف في العالم فإن الضغوط على سعر الذهب نحو الارتفاع سوف تستمر في التصاعد.
وسط هذا تتعدد التوقعات حول اتجاهات أسعار الذهب في المستقبل، وربما تكون أقوى وجهات النظر في الذهب هي ما اطلقها مؤخرا المستثمر العالمي وارن بوفيت في التقرير السنوي لمؤسسته Berkshire Hathaway Inc عن عام 2011 حيث وصف الذهب بأنه أصل عقيم لا ينتج أي شيء، وإنما يتم شراءه من جانب المستثمرين لأن المشتري يأمل بأن يأتي شخص ما في المستقبل، والذي يعلم أيضا أن الذهب اصل لا ينتجه يكون مستعدا لدفع سعر أعلى فيه.
لقد شبه بوفيت هؤلاء المشترين بالمضاربين في زهرة التيوليب أحد الأصول المفضلة للاستثمار في القرن السابع عشر، والتي تناولتها هنا على الاقتصادية في الحلقة الأولى من سلسلة عالم لا يتعلم من أزماته، وكما هو شائع يشير بوفيت إلى أن الطلب على اصل عقيم مثل الذهب يكون دائما مدفوعا بالخوف من الانهيار الاقتصادي أو تراجع القيمة الحقيقية للأصول شبه السائلة مثل سندات الدين وكذلك عندما تتصاعد مخاطر انهيار العملات.
يرى بوفيت أن مثل هذا النوع من الأصول الاستثمارية يتطلب تجمعا متزايدا من المشترين الذين يتم إغراءهم بشكل مستمر، والذين يعتقدون أن تجمع المشترين سوف يتسع أكثر فأكثر في المستقبل، وفي ظل هذا التجمع فإن مالكي الأصل لا يندفعون نحو الاستثمار فيه بما يمكن أن ينتجه الأصل، وإنما بالاعتقاد بأن الآخرين سوف يرغبون في الأصل بصورة اكثر وأكثر في المستقبل، وفي وجهة نظر بوفيت يعد الذهب من الأصول المفضلة حاليا للمستثمرين الذين يخشون الاستثمار في باقي الأصول، بصفة خاصة النقود الورقية. غير أن للذهب عيبان أساسيان هما أنه ليس له فائدة كبيرة لمن يقتنيه في حد ذاته، كما أنه أصل عقيم لا ينتج.
فعندما يتملك شخص ما سبيكة وزنها أوقية من الذهب للأبد، فإنه لن يجد في النهاية سوى أوقيه ذهب، بدون أي زيادة تذكر في المحتوى المعدني للسبيكة، واذا كان الأمر كذلك فما الذي يشجع الناس على  الاستمرار في اقتناء المعدن؟ يرى بوفيت أن الذي يشجع المضاربين في الذهب على الاستثمار فيه هو أن العوامل المسئولة عن الخوف من الاستثمارات البديلة سوف تنمو، وقد كانت هذه المعتقدات صحيحة وخلال العقد الماضي، فضلا عن أن ارتفاع الأسعار دفع بالمشترين نحو المزيد من عمليات الشراء والتي حققت توقعاتهم الاستثمارية، خصوصا مع زيادة أعداد المنضمين إلى طابور المشترين، وخلال الخمس عشر سنة الأخيرة ارتفعت أسعار اسهم شركات الإنترنت وكذلك ارتفعت أسعار المساكن، وخلال هذه العملية انضم الكثير من المستثمرين إلى مجمع المشترين بالشكل الذي ساعد ارتفاع الأسعار على الاستمرار، غير أن الفقاعات السعرية التي تكونت نتيجة لذلك انفجرت بشده فيما بعد.
وللتأكيد على خطورة الذهب كأصل يشير بوفيت إلى أن إجمالي الذهب المستخرج من باطن الأرض حتى الآن حوالي 170 ألف طنا متريا، والتي اذا ما تم صهرها فسوف تصبح مكعبا أبعاده 68 قدما فقط، واذا ما قورنت قيمة هذا المكعب بباقي الأصول مثل ما يساويه هذا المكعب من أراضي زراعية أو أصول للشركات الضخمة مثل اكسون موبيل، فخلال قرن من الزمن من الآن سوف تنتج الأراضي الزراعية كميات هائلة من المحاصيل الزراعية بينما ستكون اكسون موبيل قد وزعت تريليونات الدولارات من الأرباح وكذلك ينطبق الأمر على باقي الأصول، بينما ستظل كمية الـ 170 ألف طنا من الذهب كما هي بدون أي تغير وأيضا غير قادرة على إنتاج أي شيء.
بالطبع على الرغم من أن الذهب أصل عقيم لا يولد عوائد نقدية (مثل فائدة او توزيعات أرباح)، فإن ذلك لا يعني أن المضارب لا يمكنه تحقيق عوائد من الطلب على الأصل، فكما أشرنا مسبقا أنه ما بين 2001 إلى 2010، تضاعف سعر الذهب أكثر من خمس مرات، ولذلك ينظر إلى الذهب بأنه يعاني من هي الفقاعة السعرية، ولكن ما هي الفقاعة السعرية؟ هذا ما سوف أتناوله في الحلقة  القادمة إن شاء الله

الجمعة، مارس 16، 2012

السعوديون يقترضون 205 مليارات لاقتناء السيارات

فوجئت بهذا  التقرير عن قروض السيارات في المملكة العربية السعودية، حيث ذكر التقرير أن المقيمين (سعوديين وأجانب) في المملكة اقترضوا حوالي 205 مليار ريال خلال الخمس سنوات الماضية، أو بمعدل 50 ألف ريال لكل أسرة. لا شك أن هذه القروض ترفع من تكلفة القروض الشخصية في المملكة الى مستويات ضخمة ربما تنوء بقدرة المواطن على خدمتها، لكن ما يطمئن هو أن ثقافة الغاء القروض ليست مطروحة في المملكة، ومن ثم لا خوف على المال العام من مثل هذه التصرفات.
لمتابعة التقرير بشكل مفصل

اتجاهات النمو في الاقتصاد السعودي: الإيرادات العامة


نشر في صحيفة الاقتصادية بتاريخ 16/3/2012

تطورت الإيرادات العامة في المملكة على نحو كبير خلال الأربعة عقود الماضية، سواء من الناحية المطلقة أو كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي، ففي عام 1970 اقتصر إجمالي الإيرادات العامة للدولة على 7940 مليون ريالا فقط، منها 7122 مليون ريالا إيرادات نفطية، كانت تمثل حوالي 29% من الناتج المحلي للمملكة. غير أنه مع فورة أسعار النفط في منتصف السبعينيات أخذت الإيرادات العامة للمملكة، بصفة خاصة الإيرادات النفطية في النمو بصورة جوهرية، ففي خلال عقد السبعينيات بلغ متوسط الإيرادات العامة للدولة 112458 مليون ريال مثلت في المتوسط حوالي 50% من الناتج المحلي الإجمالي، وهي نسبة مرتفعة للغاية، تعكس التركز الشديد لهيكل الناتج المحلي الإجمالي في القطاع النفطي خلال ذلك العقد كما سبقت الإشارة.
شهد عقدي الثمانينيات والتسعينيات تراجعا واضحا في أسعار النفط الخام وتراجعت معه بالتالي نسبة النمو في الإيرادات النفطية، ولذلك اقتصر متوسط الإيرادات العامة للدولة في عقد الثمانينيات على 167243 مليون ريالا مثلت 23.8% فقط من الناتج المحلي، كذلك اقتصر متوسط الإيرادات العامة خلال التسعينيات على 183493 مليون ريالا، مثلت 24.7% من الناتج المحلي، ويعكس هذا التراجع في نسبة الإيرادات العامة للدولة إلى الناتج المحلي الإجمالي حقيقة أن الإيرادات العامة غير النفطية هشة للغاية لدرجة أنها لا يمكن أن تعوض المالية العامة للدولة عن التراجع في إيراداتها النفطية.
من ناحية أخرى فقد شهد العقد الأول من الألفية الثالثة نموا هائلا في الإيرادات العامة للدولة، وعلى نحو غير مسبوق في تاريخ المملكة بسبب الزيادة الكبيرة في أسعار النفط الخام التي شهدها هذا العقد، فقد بلغت الإيرادات العامة 228159 مليون ريالا في عام 2001، منها 183915 مليون ريالا إيرادات نفطية وفي عام 2011 قفزت الإيرادات العامة إلى 1106667 مليون ريالا منها 1026467 مليون ريالا إيرادات نفطية، وهو ما رفع متوسط الإيرادات العامة خلال هذا العقد إلى 587850 مليون ريالا، نتيجة لهذه التطورات لا بد وان ترتفع نسبة الإيرادات العامة إلى الناتج والتي بلغت في المتوسط 38.7%، بل إنه في عام 2011 بلغت نسبة الإيرادات العامة إلى الناتج المحلي 47.5%، وهو ما يعكس عودة اعتماد الناتج المحلي الإجمالي بصورة مكثفة على الإيرادات النفطية. إن مثل هذه التقلبات الحادة في الإيرادات العامة لا توفر الاستقرار المطلوب في المالية العامة للدولة، وهذا هو مصدر الخطورة في الهيكل الحالي للإيرادات العامة في المملكة.
الشكل رقم (1) يوضح نسبة الإيرادات النفطية وغير النفطية إلى الناتج المحلي الإجمالي خلال الفترة من 1970 – 2011، ويلاحظ من الشكل أن نسبة الإيرادات النفطية إلى الناتج المحلي الإجمالي تميل إلى التقلب بصورة واضحة من سنة مالية إلى أخرى بسبب تقلب أسعار النفط بصفة أساسية، والواقع أن هذا النمط لاتجاه إجمالي الإيرادات العامة في المملكة يضع صانع السياسة المالية في مأزق، ربما لا تبرز جوانبه طالما أن أسعار النفط مرتفعة والمالية العامة في وضع مريح، غير أنه عندما تميل أسعار النفط نحو التراجع، فإن هشاشة وضع المالية العامة للدولة تتضح بصورة أكبر، وهذا هو مصدر الخطورة في الهيكل الحالي للإيرادات العامة للمملكة، لعدة أسباب أهمها هو أن هذا المصدر الرئيس للإيرادات العامة هو مصدر ناضب بطبيعته، في الوقت الذي يتضاءل فيه الإسهام النسبي للضرائب وغيرها من مصادر الإيرادات غير النفطية والتي تمثل المصادر التقليدية للإيرادات العامة في باقي دول العالم.
إن تقلب أسعار النفط الواضح وفقا لأوضاع السوق العالمي للنفط الخام يضع المالية العامة للدولة برمتها تحت رحمة التطورات في هذا السوق، ومن الواضح أنه في ظل هذا الهيكل لم تتمكن المملكة من تطوير هيكل بديل للإيرادات النفطية يساعدها على إحداث قدر من الاستقرار في الإيرادات العامة في حال ميل الأوضاع في السوق العالمي للنفط الخام إلى التطور على نحو معاكس، ويمكنها من أن تضمن استقرار عمليات تمويل الإنفاق العام للدولة في حال تراجع الإيرادات النفطية دون اللجوء إلى السحب من احتياطياتها أو الاقتراض.

يلاحظ من الشكل أيضا أن نسبة الإيرادات غير النفطية إلى الناتج تتناسب عكسيا مع نسبة الإيرادات النفطية إلى الناتج، فمع ارتفاع أسعار النفط وزيادة الإيرادات النفطية، تتراجع نسبة الإيرادات غير النفطية إلى الناتج نظرا لانخفاض قيمتها بشكل عام من الناحية المطلقة، وضعف علاقتها بالناتج، أي عدم نموها بشكل عام مع نمو الناتج من ناحية أخرى، وهو أمر متوقع. إذ أنه مع نمو الإيرادات النفطية وارتفاع نسبتها إلى الناتج تتراجع نسبة الإيرادات غير النفطية بالتبعية إلى الناتج نظرا لضعف هيكلها بشكل عام، وتشير بيانات العام الماضي إلى تراجع نسبة الإيرادات غير النفطية إلى أقل من 1% من الناتج المحلي الإجمالي وهو تطور خطير يعكس ضرورة اعادة النظر في هيكل هذه الإيرادات والعمل على أن تكون أكثر ثباتا واستقرارا كنسبة من الناتج، الأمر الذي يستدعي ضرورة تقييم تلك الإيرادات بصورة شاملة والبحث بجدية في إدخال هيكل جديد للضرائب على قطاعات الاعمال المختلفة في المملكة، وإعادة النظر في غيرها من  الرسوم المختلفة لكي تتماشى حصيلة هذه الإيرادات مع النمو الحادث في الناتج، لا أن تتراجع مع نمو الناتج كما هو حادث حاليا.
الخلاصة هي أن هذه التطورات الأخيرة في الإيرادات العامة للدولة قد توحي للمتابع بأن المالية العامة للمملكة في وضع قوي للغاية في الوقت الحالي، غير أن السلوك التاريخي لها يشير إلى أن المالية العامة تعاني من خلل هيكلي واضح، حيث تتسم بالتركيز الشديد للإيرادات في مصدر شبه وحيد تقريبا، وهو الإيرادات النفطية في الوقت الذي تتضاءل فيه مساهمة الإيرادات الغير نفطية على نحو واضح، وتنعدم فيه تقريبا المبادرات لتعديل هياكل الإيرادات العامة بحيث لا تقتصر فقط على مصدر واحد للإيرادات الأمر الذي يعرض المالية العامة للدولة لعدم الاستقرار الناجم عن التقلب المستمر فيه. كما أن مثل هذا التركز الشديد للإيرادات العامة يعرض المالية العاملة لمخاطر شديدة في المستقبل نظرا لأنه ليس من المتوقع أن يستمر العالم في الاعتماد على النفط الخام كمصدر أساسي لتوليد الطاقة دون أن يطور بدائل له، وهو ما قد يعرض المالية العامة للمملكة لمخاطر حقيقية في المستقبل.
 
شكر وتقدير: أتوجه بالشكر إلى الدكتور محمد عباس لمدي بسلسلة البيانات الخاصة بالمالية العامة للمملكة والتي على أساسها تقوم مقالات المالية العامة.

الخميس، مارس 15، 2012

هل تلجأ الكويت الى تخفيض قيمة الدينار؟ 3


خفض قيمة العملة
يفترض من الناحية النظرية أن يترتب على تخفيض قيمة العملة المحلية رفع درجة تنافسية الدولة، ومن ثم زيادة صادراتها نتيجة انخفاض أسعار هذه الصادرات بالنسبة للأجانب، كما يترتب على تخفيض قيمة العملة ارتفاع أسعار الواردات بالنسبة للمقيمين في الدولة، وهو ما يؤدي إلى تحويل الطلب على السلع المنتجة محليا بدلا من تلك المستوردة، أو يشجع الصناعات البديلة للواردات، وهو ما يساعد على تخفيض العجز في الميزان التجاري أو تحقيق فائض فيه، والعكس في حالة رفع قيمة العملة المحلية.
من الواضح أن خفض قيمة العملة أو ارتفاعها يؤدي إلى التأثير على حجم المعاملات التجارية للدولة، نتيجة لتأثيرات تغير معدل صرف العملة على ما يسمى بالأسعار النسبية الدولية، أو شروط التبادل التجاري للدولة Terms of trade (أسعار صادرات الدولة بالنسبة لأسعار وارداتها). فرفع قيمة العملة يجعل صادرات الدولة أكثر تكلفة بالنسبة للأجانب، بينما يجعل الواردات من الخارج ارخص بالنسبة للمقيمين فيها (تحسن شروط التبادل التجاري لصالح هذه الدولة)، بينا يؤدي تخفيض قيمة العملة إلى جعل الواردات من الخارج أكثر تكلفة بالنسبة للمقيمين فيها، في الوقت الذي تصبح فيه صادراتها إلى الخارج ارخص نسبيا بالنسبة للمقيمين في الخارج (تراجع شروط التبادل التجاري في غير صالح هذه الدولة).
غير انه ليس شرطا أن يترتب على تخفيض قيمة عملة الدولة حدوث تحسن في ميزانها التجاري، حيث يؤثر تخفيض قيمة العملة إيجابا على الميزان التجاري فقط في ظل توافر شروط أهمها ارتفاع مرونات الطلب السعرية للصادرات (درجة استجابة الطلب على الصادرات في الخارج نتيجة تغير أسعارها) والمرونة السعرية للواردات (درجة استجابة الطلب على الواردات في الداخل نتيجة لتغير أسعارها)، وهناك ما يعرف في الاقتصاد الدولي بشروط مارشال/ليرنر، والتي تمدنا بقاعدة سهلة لتقييم أثر التغير في معدل الصرف على الميزان التجاري للدولة، حيث تنص على أنه إذا ما كان مجموع مرونتي الطلب السعرية للصادرات والواردات اكبر من الواحد الصحيح، فإن تخفيض قيمة العملة في هذه الحالة سوف يؤدي إلى تحسين وضع الميزان التجاري، ومعالجة العجز فيه. إذ يترتب على خفض قيمة العملة زيادة الإيرادات من الصادرات، بينما ينخفض الإنفاق على الواردات، مما يساعد في تحسين وضع الميزان. أما اذا كان مجموع مرونتي الطلب السعرية للصادرات والواردات اقل من الواحد الصحيح فإن خفض قيمة العملة لن يساعد في تحسين وضع الميزان التجاري للدولة، وقد يؤدي إلى تدهوره.
على الرغم من أن شروط مارشال/ليرنر تعد ضرورية لتحسن وضع الميزان التجاري للدولة مع تخفيض قيمة عملتها، إلا أنها ليست كافية لتحسن وضع الميزان التجاري عند تخفيض قيمة العملة. إذ لابد وان يصاحب ذلك توافر شروط محددة حول قدرة العرض المحلي من السلع على الاستجابة للتزايد في الطلب على الصادرات مع تخفيض قيمة العملة. على سبيل المثال لا بد عند تخفيض قيمة العملة من التأكد من توافر طاقة إنتاجية فائضة تمكن الدولة من زيادة الإنتاج لمواجهة النمو في الطلب على الصادرات من السلع المحلية إلى الخارج، وكذلك لمواجهة النمو في الطلب على السلع التي تنتج محليا والذي سيصاحب ارتفاع أسعار الواردات من الخارج وتحول المقيمين نحو استهلاك السلع المحلية بدلا من المستوردة. معنى ذلك أنه إذا ما تمت عملية تخفيض قيمة العملة دون التأكد من قدرة جهاز العرض المحلي من السلع والخدمات على مواجهة الزيادة في الطلب عليه، فإن تخفيض قيمة العملة لن يؤدي إلى الآثار المتوقعة له على الميزان التجاري، ويطلق على السياسة الرامية لتحويل إنفاق المستهلكين من الإنفاق على الواردات إلى الإنفاق على السلع المحلية البديلة لها سياسات تحويل الإنفاق.
ربما تتضح أهمية هذه النقطة بصورة أكبر في حالة الدول النامية حيث تنخفض مرونة العرض السعرية (درجة استجابة الكميات المعروضة من السلع لتغيرات الأسعار)، إذ تنخفض هذه المرونة بشكل واضح نظرا لاعتماد هذه الدول بشكل عام على إنتاج السلع الأولية، سواء في أنشطة الزراعة أو الصيد أو التعدين، حيث تنخفض استجابة العرض من هذه السلع مع تغيرات أسعارها على المستوى الدولي، وذلك مقارنة بأنشطة الإنتاج الأخرى التي تقوم أساسا على الصناعة أو تقديم الخدمات، والتي يكون عرضها أكثر مرونة بالنسبة للتغيرات في الأسعار.
من ناحية أخرى فإن الدراسات تشير إلى أنه حتى لو توافرت شروط مارشال/ليرنر وكان هناك طاقة إنتاجية فائضة لدى الدولة تمكنها من مواجهة الزيادة في الطلب على صادراتها، فإنه من الممكن إلا يترتب على تخفيض قيمة العملة تحسن آني في ميزانها التجاري، بسبب أن المرونات بشكل عام في الأجل القصير تكون منخفضة، وهو ما يتسبب في حدوث ما يسمى بمنحنى J، والذي ينشأ نتيجة ارتفاع فاتورة الواردات بصورة أكبر من زياد الإيرادات من الصادرات وضعف استجابة الكميات المستوردة والمصدرة للتغيرات التي تحدث في الأسعار النسبية الناجمة عن التخفيض.
ويعني منحنى J، حدوث زيادة في عجز الميزان التجاري بصورة مباشرة في أعقاب تخفيض قيمة العملة (الجزء النازل من حرف J)، وذلك بسبب أن تأثير التغير في أسعار الصادرات والواردات الناتج عن تخفيض قيمة العملة اكبر من استجابة الكميات المطلوبة منهما، وهو ما يعني أنه مع تراجع أسعار الصادرات نتيجة تخفيض قيمة العملة لا تتزايد الكميات المطلوبة من الصادرات، أو تتزايد على نحو ضعيف، مما يؤدي إلى تراجع إيرادات الصادرات، في الوقت الذي ترتفع فيه أسعار الواردات نتيجة تخفيض قيمة العملة، بينما لا تتراجع الكميات المستوردة من الخارج، أو تتراجع على نحو ضعيف، مما يؤدي إلى زيادة المدفوعات على الواردات، وهو ما يعني زيادة العجز في الميزان التجاري في البداية، غير أن كميات الصادرات والواردات تأخذ بعد ذلك في الاستجابة للتغيرات في الأسعار، فيتزايد الطلب على الصادرات ومن ثم الإيرادات منها، بينما تتراجع الكميات من السلع المستوردة من الخارج، ومن ثم يقل الإنفاق عليها، وبالتالي يتحسن وضع الميزان التجاري فيما بعد (الجزء الصاعد إلى أعلى من حرف J).
غير أن الدراسات التي تمت على الدول النامية، بصفة خاصة على الدول الناشئة في آسيا أثبتت أن استجابة ميزان المدفوعات قد لا تأخذ شكل حرف J، وإنما تأخذ شكل حرف S، حيث وجد أن الارتباط المشترك بين شروط التبادل التجاري وميزان المدفوعات لهذه الدول لم يكن على شكل حرف J، وإنما كان على شكل حرف S. فقد وجد أن الميزان التجاري يتأثر بصورة سلبية بالتحركات الحالية والمستقبلية في شروط التبادل التجاري، بينما يتأثر بصورة إيجابيه بالتحركات السابقة فيها. وبمعنى آخر فإن التحسن في الميزان التجاري الناتج عن تخفيض قيمة العملة في البداية يؤدي إلى زيادة مستوى الناتج والتوظف وهو ما يرفع من مستويات المعيشة في الدولة ومن ثم ارتفاع المستوى العام للأسعار، وهنا تتحسن شروط التجارة بالنسبة للدولة، الأمر الذي يؤثر سلبا مرة أخرى على الميزان التجاري.
ولا يقتصر تأثير تغير معدل الصرف على الصادرات والواردات من السلع والخدمات، وإنما يمتد أيضا إلى الطلب على الأصول المالية والحقيقية بين دول العالم، أو الاستثمارات ما بين دول العالم. فعندما تنخفض قيمة العملة فإن قيمة الأصول الخارجية التي يملكها المقيمين في هذه الدولة ترتفع (مثل أسهم الشركات الأجنبية، أو المودعات في البنوك الأجنبية نتيجة ارتفاع قيمة العملة التي تقيم بها هذه الأصول بالنسبة للعملة الوطنية)، فيزيد إقبال المقيمين عل الاحتفاظ بالأصول الأجنبية، أي يتزايد خروج رؤوس الأموال إلى الخارج، بينما يجد الأجانب أن قيمة الأصول المحلية التي يملكونها في الدولة تتراجع نظرا لتراجع قيمة العملة المحلية فيقل الإقبال من قبل الأجانب عليها، وبالتالي يقل تدفق رؤوس الأموال إلى الداخل.
غير أنه عندما تكون الدولة مدينة إلى الخارج بدين كبير (أي مقوم بالعملة الأجنبية) فإن تخفيض قيمة عملة هذه الدولة سوف يضر بها. على سبيل المثال إذا كانت الشركات في هذه الدولة أصولها مقومة بالعملة المحلية، بينما التزاماتها مقومة بالعملة الأجنبية، فإن تخفيض قيمة العملة يؤدي إلى تراجع قيمة أصولها بالنسبة لالتزاماتها، وهو ما يمكن أن يؤدي إلى إفلاس تلك الشركات أو عدد كبير منها، خصوصا تلك العاملة في القطاع المالي، مثلما حدث في الأزمة الآسيوية، ويطلق على هذا الأثر في علم الاقتصاد اثر الميزانية Balance sheet effect، وقد يكون هذا الأثر جوهريا بحيث يترتب على تخفيض قيمة العملة آثارا سلبية تفوق الآثار الإيجابية التي يمكن تحقيقها من خلال التحسن في التجارة الخارجية للدولة ومن ثم ميزان مدفوعات الدولة، وقد تستجيب الحكومات لمثل هذه التطورات من خلال رفع معدل الفائدة بهدف جذب رؤوس الأموال إلى الداخل والحد من اتجاهها نحو الخارج، الأمر الذي يمكن أن يؤثر سلبا على مستويات الاستثمار والتشغيل، ومن ثم مستويات الرفاه.

الثلاثاء، مارس 13، 2012

الموقع الإلكتروني لكلية العلوم الإدارية بجامعة الكويت يفوز بالمركز 37 عالميا


حققت كلية العلوم الإدارية بجامعة الكويت إنجازا هاما يضاف إلى سجل إنجازاتها، باحتلال موقعها الإلكتروني المركز 37 عالميا بين ألف كلية إدارة أعمال في العالم في عام 2012، وكان الموقع الإلكتروني الكلية قد احتل المركز 240 مسبقا في عام 2009، وهو تطور هام جدا، يعكس اهتمام الكلية بالنشر الإلكتروني وبأهمية توفير المعلومات المختلفة عن الكلية وبرنامجها الأكاديمي وأعضاء هيئة التدريس بها في صورة رقمية.

وتعد عملية ترتيب المواقع الإلكترونية لكليات إدارة الأعمال أحدة المبادرات الهامة لمختبر "سايبرميتركس" وهو مختبر  متخصص في التحليل الكمي للأنترنت ومحتوي المواقع الإلكترونية في العالم، ويتبع المختبر لـ Consejo Superior de Investigaciones Científicas (CSIC), اكبر مؤسسة بحثية عامة في إسبانيا، التي تتبع وزارة التعليم في إسبانيا، والتي يتمثل هدفها الأساسي في تشجيع البحث العلمي وتحسين تطور المستوى العلمي والتكنولوجي للدول والذي يسهم في زيادة مستويات الرفاه لمواطنيها، بصفة خاصة تلك المرتبطة بعملية توليد ونقل المعلومات العلمية. وهي الجهة الوحيدة في العالم التي تقوم بترتيب المواقع الإلكترونية لكليات إدارة الأعمال

ويهدف ويب ميتركس إلى تشجيع نشر المواقع الإلكترونية كوسيلة لنقل  المواد العلمية سواء من خلال القنوات الرسمية أو غير الرسمية، حتى تصل المواقع الإلكترونية إلى جمهور عريض وتعطي الفرصة للوصول إلى المعرفة العلمية للباحثين والمؤسسات في الدول وللأطراف الأخرى ذات الصلة مثل الأطراف العلمية أو الصناعية أو السياسية أو الثقافية فيها، ودعم عملية الوصول الحر للمنشورات العلمية بطريقة إلكترونية وغيرها من المواد الأكاديمية، وتقيس المؤشرات المستخدمة في عملية التقييم الرؤية العالمية للمواقع وأثر المستودعات العلمية.  

وتنوي المؤسسة تشجيع المؤسسات وأطقمها العلمية لأن تتواجد على الإنترنت لكي تعكس أنشطتهم بدقة، فإذا ما كان أداء موقع المؤسسة أقل من الوضع المتميز الذي تحتله من الناحية العلمية، فإن القائمين على هذه المؤسسة لا بد وان يعيدوا  النظر في سياساتهم الخاصة بموقعهم الإلكتروني لتشجيع عدد وجودة المنشورات الإلكترونية التي يقومون بها.

منهجية ترتيب كليات إدارة الأعمال في العالم وفقا لويب ميتركس

يتمثل الهدف من عملية الترتيب في تحسين درجة الاطلاع العالمي لمستودعات المعلومات والممارسات الجيدة في عملية نشر المواقع الإلكترونية لكليات إدارة الأعمال في العالم، ولترتيب مواقع كليات إدارة الأعمال في العالم قام ويب ميتركس باستخراج المؤشرات الكمية من أهم محركات البحث، وهذه المؤشرات أربعة وهي:

1-    الحجم size: ويمثل عدد الصفحات التي تم استرجاعها من أكبر أربع محركات للبحث في العالم وهي غوغل وياهو ولايف سيرش واكساليد.

2-    الرؤية Visibility: وتمثل عدد الصفحات الخارجية الفريدة Unique التي تم تلقيها من الروابط الداخلية والتي يمكن الحصول عليها بأمان فقط من خلال ياهو سيرش واكساليد.

3-    الملفات الغنية: وتمثل فقط عدد ملفات النصوص في صورة ملفات بي دي اف المستخرجة من جوجل وياهو.

4-    الجانب العلمي scholar: باستخدام قواعد بيانات جوجل سكولر تم حساب الوسط الطبيعي لإجمالي عدد الأوراق العلمية والأوراق الحديثة التي تم نشرها بين 2001 و 2008.

وقد تم مزج الترتيبات الأربع وفقا للصيغة المستخدمة في الترتيب حيث يعطى كل ترتيب وزن مع الحفاظ على معدل 1:1 بين الحجم والرؤية حيث يشمل الحجم عدد صفحات الموقع والملفات الغنية والجانب العلمي، وتعطى أوزان 40% و 5% و5% على التوالي، والرؤية وتعطى وزن 50%.

نظام الأوزان وفقا لويب ميتريكس

1-    الرؤية (من الروابط الخارجية) وتعطى وزن 50%.

2-    الحجم (عدد صفحات الموقع التي يتم استرجاعها من محركات البحث الكبرى) وتعطى وزن 40%.

3-    الملفات الغنية وتعطى وزن 5%.

4-    والجانب العلمي ويعطى وزن 5%.



وتتكون الكليات التي تم مسحها من 1426 كلية من كليات إدارة الأعمال على مستوى العالم موزعة بين القارات الست كالاتي:

·        28 كلية في إفريقيا

·        448 كلية في الأمريكيتين

·        305 كلية في آسيا والشرق الأوسط

·        586 كلية في أوروبا

·        59 كلية في أستراليا ونيوزيلاند


إيران خارج نظام سويفت 2


نشر في صحيفة الاقتصادية بتاريخ الثلاثاء 13/3/2012

تناولنا في الأسبوع الماضي بالتحليل قرار مجموعة سويفت منع إيران من استخدام نظامها للرسائل المالية والأبعاد المختلفة لهذا القرار. وتبقى السؤال الأساسي وهو: هل سيؤدي منع إيران من استخدام النظام إلى خنق إيران ماليا؟ إجابتي عن هذا السؤال ببساطة شديدة لا. بالطبع ستكون للقرار آثار سلبية على النظام المصرفي الإيراني والاقتصاد الإيراني والعملة الإيرانية ومستوى معيشة الإيرانيين، لكن القرار لن يسقط إيران ماليا، لأن القرار في جوهره، كما ذكرنا في الأسبوع الماضي، يعني حرمان إيران من استخدام الرسائل المالية من خلال نظام سويفت، وهي حاليا الوسيلة الأساسية التي تلجأ إليها المؤسسات المصرفية والمؤسسات المالية الأخرى في العالم في تسوية مدفوعاتها.

معنى ذلك أن هذا المنع لا يمنع إيران من استخدام الوسائل الأخرى، غير سويفت، في تسوية مدفوعاتها إلى الخارج وتسلم قيمة ما تصدره من نفط، صحيح أن الوسائل الأخرى ستكون أكثر تكلفة وأبطأ في التنفيذ وأكثر مخاطرة من نظام سويفت، وهو ما يعني أن قرار سويفت سيرفع من تكلفة المعاملات المالية التي تقوم بها إيران، لكنه لن يمنعها. فقبل شيوع نظام سويفت كان العالم أيضا يقوم بإجراء معاملاته المالية بطرق عديدة، لكنها بشكل عام كانت أبطأ وأقل في درجة الأمان ومكلفة نسبيا، وهي المزايا التي تتوافر في نظام سويفت والتي تسببت في انتشاره. والآن ما الأساليب التي يمكن أن تلجأ إليها لمواجهة قرار منعها من استخدام نظام سويفت؟ من بين أساليب عديدة يمكن لإيران اللجوء إلى الآتي:

أولا: استخدام اتفاقيات التبادل الثنائية، التي تأخذ شكل مبادلات السلع والخدمات وفقا لنظام المقايضة، كأن تصدر إيران نفطا مثلا إلى الهند أو الصين وتستورد في مقابل قيمته سيارات أو سلعا منزلية، دونما أي حاجة إلى تسوية قيمة هذه المعاملات بصورة مالية، فالعملية في جوهرها عملية مقاصة لا تتطلب استخدام النقود، ولا تتطلب اللجوء إلى نظام سويفت. غير أن أهم عيوب هذا الأسلوب أن إيران ستواجه صعوبات عدة أهمها أنها ربما لن تتمكن من بيع كامل حصتها النفطية وفقا لهذا النظام أو قد تضطر إلى قبول أسعار أقل من الأسعار السوقية لمستهلكي النفط الإيراني، كما أن مثل هذا الخيار سيكون مناسبا في حالة واحدة وهي إذا كانت قيمة الصادرات والواردات من إيران وإليها متساوية أو شبه متساوية، فيما عدا ذلك فإن عملية المقاصة سيترتب عليها تحقيق فائض أو عجز لدى أي من الطرفين، وهو ما يقتضي ضرورة الاتفاق على آلية لتمويل هذه الفوائض للطرفين خارج نطاق نظام سويفت.

ثانيا: لجوء البنوك الإيرانية إلى فتح حسابات خاصة مع البنوك الأخرى في العالم بحيث تتم تسوية المعاملات بين إيران والعالم من خلال هذه الحسابات، وهو ما يطلق عليه تسويات ما بين البنوك Inter-bank settlements، وذلك من دون الحاجة إلى اللجوء إلى نظام الرسائل المالية سويفت.

ثالثا: عودة البنوك الإيرانية إلى استخدام نظم التحويلات التقليدية مثل استخدام خدمات التحويل المالية السلكية لإرسال الأموال واستقبال التحويلات إلى إيران أو استخدام تحويلات التلكس، أو حتى من خلال استخدام رسائل البريد الإلكتروني، لكن مشكلة هذه الوسائل أنها ليست بكفاءة نظام سويفت نفسها.

رابعا يمكن لإيران إقناع أصدقائها باستخدام بنوكها التجارية أو حتى بنوكها المركزية لتمرير المعاملات المالية الإيرانية من خلال نظام سويفت، لكن تحت اسم هذه الدول، وذلك للالتفاف حول قرار المنع، على سبيل المثال يمكن لإيران بمساعدة حزب الله في جنوب لبنان استخدام تأثيره في بعض البنوك اللبنانية لتمرير جانب من المعاملات الإيرانية من خلال نظام سويفت، من ناحية أخرى فإن شريك سويفت الإقليمي AEG يوجد في بيروت ويقدم خدمات سويفت لأكثر من 400 بنك في الشرق الأوسط وإفريقيا، ولا شك أن حزب الله له نفوذ داخلي في كثير من المؤسسات المالية اللبنانية، الذي يمكن من خلاله ولوج إيران إلى النظام المالي العالمي، أو أن تتولى البنوك التجارية العراقية أو السورية القيام بهذه المهمة، كما أنه لا شك أن هناك عديدا من البنوك المركزية في العالم التي تتبع لدول لها علاقات مضطربة مع الولايات المتحدة أو ذات الصلة اللصيقة بإيران قد تكون مستعدة لأن تتولى القيام بهذه العملية نيابة عن إيران، على سبيل المثال البنوك العراقية والسورية والفنزويلية. المشكلة الأساسية التي يمكن أن تواجهها إيران في هذا الخيار هي ضرورة أن تتم عملية توزيع معاملاتها المالية على هذه البنوك حتى تبدو المعاملات التي تجريها هذه المؤسسات على نظام سويفت طبيعية، وهي مسألة صعبة نظرا لضخامة التحويلات التي تتم من إيران وإليها، كما أنه ربما تتردد تلك المؤسسات في القيام بهذه المهمة خوفا من أن تتعرض لمخاطر العقوبات من الولايات المتحدة أو الاتحاد الأوروبي، أو أن تتعرض هي الأخرى لإجراء مماثل من جانب سويفت.

خامسا، يمكن أن تلجأ إيران إلى استخدام خدمات المؤسسات المالية في مراكز الأوفشور لتتولى تسوية المعاملات المالية التي تقوم بها نيابة عنها، ومن المعلوم أن المؤسسات المالية في مراكز الأوفشور أقل خضوعا للنظم والقوانين التي تنظم أعمال القطاعات المالية في العالم، مقارنة بالمؤسسات المالية الأخرى في العالم.

سادسا، وهو أصعب الخيارات من حيث التطبيق، أن تقوم إيران بتطوير نظام المدفوعات والمقبوضات الخاص بها، الذي من خلاله يمكنها أن تستمر في التعامل مع العالم الخارجي والوصول إلى النظم المالية الدولية، وهي مهمة في غاية الصعوبة.

الخلاصة هي أنه لن تعدم إيران الوسيلة للالتفاف حول قرار سويفت بمنعها من استخدام نظام الرسائل المالية الخاص بها من خلال العديد من الحلول، غير أن هذه الحلول ستكون بالطبع حلولا مكلفة مقارنة بالتكلفة التي تدفعها إيران حاليا من خلال استخدام نظام سويفت، لكن بالتأكيد عندما يتصل الأمر بالشريان المالي الأساسي للاقتصاد الوطني فإن أي تكلفة ستتحملها إيران في استخدام الخيارات البديلة لسويفت ستكون قليلة بالنسبة للعوائد التي ستعود عليها من تجنب المقاطعة المالية لها، ومما لا شك فيه أن التجربة الإيرانية في التعامل مع قرار سويفت ستكون غنية بالنسبة للدول التي يمكن أن تتعرض لاحقا لإجراء مماثل من جانب سويفت، فما ستتفتق عنه قريحة الإيرانيين من أفكار في هذا المجال وما ستلجأ إليه إيران من حلول سيشكل الأرضية التي يمكن أن تتحرك على أساسها أي دولة أخرى يمكن أن تتعرض لمثل هذا الإجراء مستقبلا.

الاثنين، مارس 12، 2012

هل تلجأ الكويت إلى تخفيض قيمة الدينار؟ 2


نظم تحديد معدل الصرف
يتحدد معدل صرف العملة الوطنية وفقا للنظام الذي يتبناه البنك المركزي لتحديد قيمة العملة. وتتعدد نظم معدل الصرف بشكل عام، إلا انه يمكن تلخيصها في نظام لمعدل الصرف الحر أو المعوم Floating، ونظام تثبيت معدل الصرف (أو ربط العملة) بالنسبة لعملة دولية مثل الدولار Pegged، أو قد يتم تحديد معدل الصرف من خلال استخدام سلة من العملات Currency basket، أو قد يتم تحديد معدل الصرف من خلال التدخل الحكومي وفقا لاتجاهات السوق، مع التدخل من وقت لآخر لتوجيه اتجاه هذا التقلب، وهو ما يطلق عليه التعويم القذر Dirty floating، والذي يتم بهدف التأكد من أن التغير في قيمة العملة يسير الاتجاه المرغوب فيه من قبل الحكومة، بالإضافة إلى بعض الأشكال الأخرى الهامشية لتحديد معدل الصرف.
على سبيل المثال تقوم المملكة العربية السعودية بربط عملتها بالدولار الأمريكي ربطا جامدا، حيث لا يسمح لمعدل صرف الريال بالدولار بالتغير ارتفاعا أو انخفاضا، وهو ما يعرض الريال السعودي إلى التقلب الشديد في مقابل العملات الأخرى غير الدولار، نظرا للتقلب الكبير الذي يعاني منها الدولار في سوق النقد الأجنبي حاليا، فطبقا لنظام ربط الريال السعودي يتحدد سعر مركزي هو 3.75 ريالا في مقابل كل دولار، ولا يسمح للريال بالارتفاع أو الانخفاض في مقابل الدولار عن هذا السعر، فكيف إذن يتم المحافظة على هذا السعر إذا ما انحرف السعر السوقي عن هذا المستوى المحددة من قبل السلطات النقدية؟ يتم هذا غالبا من خلال تدخل مؤسسة النقد في سوق الصرف الأجنبي ببيع الدولار، في حالة وجود ضغوط على الدولار نحو الارتفاع بالنسبة للريال، أو بشراء الدولار، في حالة وجود ضغوط على الدولار نحو الانخفاض بالنسبة للريال، معنى ذلك أن السلطات النقدية تراقب معدل صرف واحد للريال وهو معدل صرف الريال بالنسبة للدولار، ولكن ماذا عن علاقة الريال بالنسبة لباقي العملات؟
يتم تحديد معدل صرف الريال بالنسبة لهذه العملات من خلال الدولار نفسه، بصفته عملة الربط. على سبيل المثال لو فرض أن الدولار تراجع في قيمته بالنسبة لليورو بنسبة 20%، فإن هذا سوف يعني بالتبعية تراجع قيمة الريال السعودي بالنسبة لليورو بنفس النسبة، ومن ثم تأخذ أسعار السلع التي يتم استيرادها باليورو في الارتفاع بنفس النسبة، بينما تنخفض أسعار السلع السعودية التي تصدر إلى منطقة اليورو بنفس النسبة، والعكس في حالة ارتفاع قيمة الدولار بالنسبة لليورو، فان الريال السعودي يرتفع بنفس النسبة، مثل هذا النظام تكون آثاره السلبية مرتفعة اذا ما كانت عملة الربط شديدة التقلب، حيث تفتقد عملة الدولة للاستقرار المنشود من عملية الربط.
ولكن لماذا تلجأ دول مثل المملكة إلى هذا النظام على الرغم من مساوئه؟ الإجابة هي أن هذا النظام بسيط وسهل التطبيق من الناحية العملية، ولا يتطلب خبرات فنية في متابعة معدل الصرف لتحديد معدل الصرف العادل بالنسبة للعملة المحلية في مقابل العملات الأجنبية، فضلا عن أنه يسهل اتباع هذا النظام في الدول التي لديها احتياطيات كافية من الدولار للتدخل في سوق الصرف الأجنبي في الوقت المناسب. مشكلة هذا النظام الثانية هي أن الدولة لن يكون لها سياسة نقدية مستقلة، بمعنى آخر أنها سوف تتبنى معدل الفائدة الذي يقوم بتحديده الاحتياطي الفدرالي مع الحفاظ على هوامش معدلات الفائدة بين الدولار والريال.
على الجانب الآخر فإن نظام التعويم المدار Managed Floating System هو نظام آخر لتحديد معدل الصرف والذي بمقتضاه يترك تحديد معدل الصرف لقوى العرض والطلب ولكن في إطار حدود قصوى ودنيا لمعدل الصرف أو ما يمكن أن نسميه نطاق التذبذب، فعندما يتجاوز معدل الصرف الحد الأقصى أو الأدنى المحدد لنطاق التذبذب يتدخل البنك المركزي بهدف إعادة معدل الصرف إلى نطاق التذبذب باستخدام الأدوات المختلفة مثل بيع أو شراء العملات الأجنبية أو تغيير معدل الفائدة على العملة الوطنية، ويتسم هذا النظام عن نظام الربط بأنه يوفر قدر كبير من الحرية للدولة في تحديد قيمة عملتها المحلية، كما أنه يساعد على الحفاظ على القيمة الحقيقية للعملة ومن ثم درجة تنافسية الدولة.
من ناحية أخرى يقوم نظام سلة العملات، وهو النظام الذي تتبعه الكويت حاليا، على أساس اختيار البنك المركزي للدولة لمجموعة من العملات الأساسية لتشكل السلة، وغالبا ما يتم انتقاء هذه العملات على أساس كثافة التجارة البينية بين الدولة والدول صاحبة هذه العملات، حيث يقوم البنك المركزي بترتيب الدول الشركاء في التجارة مع الدولة حسب أهميتها (أي بحسب نسبة إجمالي الواردات والصادرات من والى هذه الدولة إلى إجمالي التجارة الخارجية للدولة)، ثم يعطى لكل عملة من عملات أهم الدول وزنا في تحديد معدل الصرف بين العملة وعملات هذه الدول. على سبيل المثال إذا فرضنا أن أهم شركاء الدولة في التجارة الخارجية هم الولايات المتحدة (نسبة الصادرات والواردات إلى إجمالي التجارة الخارجية للدولة هي 50%، سوف نطلق على هذه النسبة الوزن)، ونسبة التجارة مع دول الاتحاد النقدي الأوروبي هي 20%، ونسبة التجارة مع اليابان هو 20%، ونسبة التجارة مع المملكة المتحدة هي 10%. بناء على هذه البيانات يتم إعطاء الدولار الأمريكي وزنا يساوي 50% في معدل صرف العملة المحلية، واليورو وزنا يساوي 20%، والين الياباني وزنا يساوي 20%، والجنيه الإسترليني وزنا يساوي 10% (لاحظ أن إجمالي الأوزان يساوي 100%). والآن بفرض أن الجنيه الإسترليني انخفض بنسبة 20%، في مثل هذه الحالة سوف تنخفض العملة بنسبة 10% من الانخفاض الذي حدث للجنيه الإسترليني، أي بنسبة 2% فقط، وهكذا، مع تغير الأوزان، أو تغير قيمة العملات المكونة للسلة يتغير معدل صرف العملة المحلية بالتبعية.
تتمثل أهم مزايا نظام سلة العملات في أنه يساعد على الحفاظ على معدل الصرف الحقيقي للدولة في مواجهة شركاء التجارة، ويساعد على تجنب أي مغالاة في معدل الصرف Overvaluation أو بخس في قيمة العملة Undervaluation، كما أنه يكفل تحقيق الاستقرار النسبي لمعدل صرف العملة بالنسبة لعملات الدول الشركاء في التجارة مع الدولة، إذ أن ارتفاع قيمة عملة معينة داخل السلة، يعني انخفاض العملات الأخرى بالنسبة لتلك العملة والعكس.
غير أن لهذا النظام عيوب أيضا؛ بصفة أساسية أنه قد لا يوفر الاستقرار المطلوب في معدل الصرف اذا كانت التجارة مركزة مع دولة ما، ومن ثم كانت أوزان تحديد معدل الصرف مرتكزة حول عملة معينة (مثل الدولار). في مثل هذه الحالة سوف يعان نظام تحديد معدل الصرف من نفس العيوب الخاصة بنظام الربط الجامد، كما أن نظام سلة العملات لا يعكس الاختلالات النقدية في سوق النقود، لان معدل الصرف يرتبط أساسا باتجاهات التجارة وليس باتجاهات عرض وطلب النقود في الاقتصاد الوطني، أكثر من ذلك فإنه يحرم صانع السياسة من أداة أساسية من أدوات الاستقرار الاقتصادي وهي معدل صرف العملة الوطنية، لان معدل الصرف يتحدد باتجاهات التجارة فقط.
وبالنسبة لنظام تحديد معدل صرف الدينار الكويتي، فإن العملات المكونة للسلة لا تقتصر فقط على عملات الدول الشركاء للكويت في التجارة، وإنما أيضا يدخل في تركيبة السلة عملات أهم الدول التي للكويت تعاملات مالية (استثمار) معها، وهو ما يجعل من الصعب تخمين مكونات السلة لأن التوزيع النسبي للاستثمارات الخارجية لدولة الكويت غير معلن.
تجدر الإشارة أخيرا إلى أن دول العالم التي تتبع نظام تحديد معدل الصرف على أساس سلة العملات تقوم بالإعلان عن هذه السلة، وذلك وفقا للتطورات التي تحدث في الأهمية النسبية للتوزيع الجغرافي لتجارتها الخارجية مع أهم شركاءها في التجارة، غير أن بعض الدول قد تفضل الاحتفاظ بمكونات السلة بصورة سرية، على سبيل المثال سلة العملات التي يتم على أساسها تحديد قيمة الدينار الكويتي، ولا شك أن الهدف الأساسي من هذا الإخفاء هو حماية العملة المحلية من ضغوط المضاربة في حال توقع تغير الأوزان نتيجة تغير توزيع التجارة، مما يعرض العملة المحلية لهجمات المضاربين، بصفة خاصة إذا تعلق الأمر بعملة دولة لها وزن كبير في السلة.