الجمعة، ديسمبر 25، 2015

تزييف فواتير التجارة الخارجية وهدر ثروات الدول

من الناحية النظرية، ووفقا للمداخل الحديثة في النمو مثل مدخل سولو أو مدخل النمو الداخلي، فإنه من المفترض أن الفوائض التي تحققها الدول الغنية من المدخرات تؤدي الى زيادة عرض رأس المال فيها، ومن ثم تراجع العائد الحدي عليه، مما يدفع أصحاب رؤوس الأموال إلى البحث عن فرص أفضل لاستثمار رؤوس أموالهم خارج دولهم.
من الناحية النظرية أيضا يفترض أن الدول النامة تواجه نقصا في عرض رؤوس الأموال، نظرا لانخفاض مستويات الادخار نتيجة انخفاض الدخول، وهو ما يترتب عليه ارتفاع العائد الحدي لرأس المال فيها، وبفرض غياب القيود على تدفقات رؤوس الأموال بين الدول، يتوقع ان يحدث انتقال لرؤوس الأموال من الدول الغنية إلى الدول الفقيرة، وبما أن نصيب العامل من رأس المال هو أحد أهم العوامل المحددة للنمو، فقد قاد ذلك بعض المنظرين إلى توقع حدوث تقارب في النمو بين الدول النامية والدول الغنية، وبالتالي تضييق الفجوة بينهما.
غير أن الواقع العملي في العالم ينفي هذا التوقع، حيث لا تتدفق رؤوس الأموال من الدول الغنية إلى الدول الفقيرة كما هو مفترض نظريا، وإنما على العكس من ذلك تخرج رؤوس الأموال من الدول الفقيرة إلى الدول الغنية. أي من الدول الأكثر حاجة إلى رؤوس الأموال إلى الدول الأقل حاجة اليها.
تتعدد الأسباب التي تقف وراء ظاهرة تدفق رؤوس الأموال من الدول الفقيرة إلى الدول الغنية، لكن أهم الأسباب هو سعي أصحاب رؤوس للبحث عن ملاذ آمن لأموالهم أو محاولاتهم إخفائها عن السلطات الرسمية في بلادهم، ربما لأن هذه الأموال سوف تخضع للضريبة، أو لأن مصدرها تشوبه مخالفات قانونية قد تؤدي في حال الكشف عنها بصاحبها الى السجن، الى غير ذلك من أسباب، وبشكل عام يعد تدفق الأموال غير المشروعة من الدول النامية إلى الدول الغنية أحد اهم المشكلات التي تواجهها الدول النامية، لأنه يتسبب في فقدان أحد أهم مواردها النادرة، بما يؤثر سلبا على الانفاق الاستثماري ومن ثم آفاق النمو الكامن بها.
منذ أيام صدر التقرير السابع في سلسلة تقاريرها عن التدفقات المالية غير المشروعة من الدول النامية، لمؤسسة Global Financial Integrity، في عامي 2013-2014، حيث يقدر تقرير هذا العام هذه التحركات لرؤوس الأموال في عام 2013 بأكثر من تريليون دولار. هذه الأرقام تمثل أضعاف ما يتدفق إلى هذه الدول من مساعدات تنموية من الدول الغنية، أو من تدفقات للاستثمار الأجنبي المباشر لهذه الدول، وهو ما قد يعكس حقيقة أن هذه الدول لا تعاني من الناحية الحقيقية من نقص في رؤوس الأموال، بقدر ما تعدم الوسيلة لتحويلها من تحت الأرض إلى سطحها. بصفة خاصة مقاومة الأنشطة غير المشروعة وتعزيز القدرة على ضبط تدفقات رؤوس الأموال الى الخارج، وحساب الضرائب وتحصيلها بالكفاءة والفاعلية اللازمة.
وفقا لتقديرات المؤسسة فإن حوالي 83% من تدفقات الأموال غير المشروعة من الدول النامية تعود الى ظاهرة تزييف الفواتير Mis-invoicing، بصفة خاصة تزييف فواتير التجارة الخارجية، والتي تقدرها المؤسسة بحوالي 655 مليار دولار في المتوسط سنويا. وهو مبلغ ضخم جدا من الممكن أن يحدث تغيرا نوعيا في النمو في هذه الدول إذا ما تم توجيهه بصورة سليمة نحو الاستثمار.
تزييف فواتير التجارة الخارجية هو إظهار فواتير البضائع الى السلطات الجمركية بصورة تختلف على القيمة الحقيقية لها، وذلك إما بهدف التهرب من الضرائب الجمركية من خلال بخس قيمة فواتير الواردات، أو تحويل الأموال إلى الخارج بصورة غير مشروعة من خلال بخس قيمة الصادرات أيضا، ففي حالة تزييف فواتير الواردات فإن المستورد يقدم فاتورة بقيمة تقل عن القيمة الحقيقية للسلع المستوردة، حتى يقوم المستورد بدفع ضرائب جمركية أقل على السلع التي يستوردها من الخارج، وفي هذه الحالة تضيع على الدولة المستوردة فرصة تحصيل الضريبة الجمركية المستحقة كاملة على هذه السلع، وهو أحد أهم أشكال التهرب الجمركي الذي تعاني منه الدول النامية بكثافة.
من جانب آخر فإن المصدرين يلجئون إلى تزييف فواتير صادراتهم ببخس قيمتها بهدف تحويل الفرق بين القيمة المسجلة في الفواتير بالنقد الأجنبي والقيمة الحقيقية لها إلى الخارج. ولذلك ينظر أيضا إلى عمليات تزييف الفواتير على أنها أحد أشكال غسيل الأموال من خلال العمليات التجارية، حيث غالبا ما يتم تحويل الفروق بين القيمة الحقيقية للسلع المصدرة أو المستوردة وتلك التي يتم ادراجها في الفواتير الى دولة ثالثة حسب طلب المصدر أو المستورد، إما بحثا عن ملجأ يمكن التخلص فيه من العبء الضريبي على هذه الأموال، أو إعادة توجيه هذه الأموال لحسابات موظفين حكوميين فاسدين، أو لتمويل عمليات غير مشروعة، أو غير ذلك من أوجه الاستخدام المشبوهة للأموال التي يتم تهريبها إلى الخارج.
من المؤكد أن أي عملية تزييف للفواتير يقف وراءها موظف فاسد في الجمارك، ومصدر أو مستورد غير مسئول في الخارج، مستعد لإرضاء من يتعامل معه بتزييف الفواتير على النحو الذي يطلب منه، لكن الذي يدفع الثمن الحقيقي لكل ذلك هم عموم الناس في الدول التي يمارس فيها المصدرون والمستوردون عمليات التزييف، خصوصا تلك التي تتم على نطاق واسع.
مما يساعد على تمرير هذه الأموال دون الكشف عنها الحركة الضخمة للأموال عبر الأسواق النقدية في العالم والتي قدرت في 2014 بأكثر من 5 تريليون دولار يوميا، ولا شك أنه من السهل إخفاء هذه الأموال ضمن هذه التدفقات الضخمة بصورة يصعب الكشف عنها، على الرغم من الجهود الدولية التي تتم للسيطرة على تدفقات رؤوس الأموال غير المشروعة.
للأسف تأتي هذه التحويلات غير المشروعة للأموال في وقت تكون فيه الدول النامية في أمس الحاجة إليها لكي تنتشل مئات الملايين من سكانها من دائرة الفقر الخبيثة، والتي تتطلب إنفاق تريليونات الدولارات على البرامج الاقتصادية والاجتماعية لتحسين مستويات المعيشة والقضاء على الفقر، وهو ما يوحي بأن معالجة الفقر في الدول الفقيرة لا تتطلب تقديم المساعدات من الدول الغنية الى هذه الدول، بقدر ما تحتاج الى تشديد الرقابة على تحركات الأموال غير المشروعة، ومعاونة الدول الفقيرة في القضاء على تحركات رؤوس الأموال غير المشروعة، ومحاربة الفساد لتوطين رؤوس الأموال في هذه الدول وتوجيهها لمصلحة الفقراء.
ذلك أن اعتماد الدول النامية على التحويلات الرسمية للمساعدات من الدول الغنية لن يقيلها من أوضاعها الحالية، نظرا لقصور هذه التدفقات من النقد الأجنبي بشكل كبير عن احتياجاتها الحقيقية لتمويل برامج الاستثمار اللازمة لفتح فرص عمل كافية، أو لبناء البنى التحتية اللازمة لرفع تنافسية اقتصاداتها، أو غير ذلك من مشروعات تنموية. من جانب آخر فإن تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر لهذه الدول تقل بصورة واضحة عن احتياجاتها الحقيقية، بسبب عوامل كثيرة أهمها طبيعة بيئة الأعمال بها وطبيعة التشريعات والإجراءات والنظم الحاكمة لتدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر، وضعف فرص الاستثمار بها بشكل عام.
لذلك فإن السيطرة على تدفقات رؤوس الأموال غير المشروعة تمثل نقطة انطلاق أساسية لتدبير احتياجاتها الدول الفقيرة من رؤوس الأموال اللازمة لها، وهو ما يتطلب تدريب موظفي الجمارك على نحو مناسب للكشف بكفاءة عن عمليات تزييف الفواتير، ومد الجمارك بقوائم محدثة لأسعار السلع التي يتم الاتجار فيها عالميا لأغراض المقارنة واكتشاف الحالات الصريحة لعمليات التزييف، وتوفير قواعد بيانات حديثة، أكثر من ذلك فإن وقف عمليات التزييف يحتاج الى جهد دولي وقوانين صارمة في دول العالم لمعاقبة المصدرين والمستوردين الذين يمارسون مثل هذا العمل على نطاق واسع.


ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق