السبت، مايو 10، 2008

تحويلات العمالة الوافدة

تنصرف تحويلات العمالة الوافدة إلى ذلك الجزء من الدخل الذي يقوم العمال بتحويله من الدول المضيفة إلى دول الأصل، سواء كان ذلك بالعملة المحلية لدولة الأصل أو بالعملات الأخرى، وسواء كان ذلك من خلال قنوات التحويل الرسمية أو غير الرسمية، وسواء أتم ذلك بصورة نقدية أو عينية.

وتتعدد فوائد التحويلات على الدول المصدرة لتلك العمالة، فقد تؤدى التحويلات إلى تحسين هيكل توزيع الدخل في هذه الدول بصورة قد لا يمكن تحقيقها من خلال برامج التنمية التي تتبناها تلك الدول، خصوصا في حالة هجرة الفقراء والعمال غير المهرة. كذلك فقد أوضحت الدراسات التي تمت عن استخدامات التحويلات إن التحويلات تنفق بصفة أساسية على رفع مستويات الاستهلاك والصحة والتعليم لأسر العمال، وهو ما يؤدى إلى تحسين مستويات المعيشة لأسر العمالة الوافدة بالمقارنة بالأسر الأخرى. ولعل أوضح آثار التحويلات على الدول المصدرة للعمالة هو أثرها على ميزان المدفوعات. فالتحويلات تؤدى إلى التخفيف من حدة اختناقات الصرف الأجنبي للدول المصدرة للعمالة وتحسن موقف حسابها الجاري، الأمر الذي جعل ميزان المدفوعات لعدد كبير من الدول المصدرة للعمالة يعتمد بصفة كبيرة على تدفقات تحويلات العمال.

على أن تحويلات العمالة الوافدة تتميز عن باقي تدفقات رؤوس الأموال الأجنبية بأنها تمثل أساسا تدفقات بالصرف الأجنبي، وغير مقيدة باستخدام معين، كما هو الحال بالنسبة لبعض التدفقات الأخرى لرأس المال. كذلك فان التحويلات لا تحمل دول الأصل بأية فوائد عليها أو أي شكل من الأشكال الأخرى لخدمة الديون، كما أنها لا تتطلب سدادا لاحقا. أكثر من ذلك فإنها لا ترتبط بأي نوع من الضغوط السياسية من جانب الدول التي تتدفق منها هذه التحويلات على دول الأصل، كما هو الحال في تدفقات المعونات الخارجية

وتتأثر تحويلات العمالة الوافدة بمجموعة كبيرة من العوامل، منها ما ينصرف إلى دولة الأصل، أو الدولة المضيفة. وفيما يتعلق بالعوامل التي تنصرف إلى دول الأصل، فان العامل المهاجر يتخذ العديد من القرارات الخاصة بمدخراته. فأولا على العامل أن يقرر ما إذا كان سيحتفظ بمدخراته في الخارج أو سيقوم بإرسالها إلى دولة الأصل. وبافتراض انه قرر تحويل هذه المدخرات إلى دولة الأصل، فان عليه أن يتخذ قرارا آخر يتعلق بالقنوات التي سوف يستخدمها في عمليات التحويل. وبمعنى آخر هل سيستخدم القنوات الرسمية (مثل البنوك) أم القنوات غير الرسمية لتحويل مدخراته إلى دولة الأصل (قنوات السوق الموازية او السوق السوداء). وإذا ما كان للأفراد في دولة الأصل حق الاحتفاظ بالصرف الأجنبي، فان هناك قرارا مكملا سوف يتخذه المهاجر، وهو ما يتعلق بما إذا كان سيقوم بالتحويل بالعملة المحلية أم بالعملة الأجنبية. إن هذه القرارات تعتمد على مجموعة مختلفة من العوامل المهمة لتدفق التحويلات إلى دولة الأصل.

ويقوم العامل بتحويل مدخراته لتحقيق غرضين هما؛ تمويل احتياجات الأسرة في دولة الأصل أوالاستثمار في الأصول المختلفة. على أن التحويلات لتمويل احتياجات الأسرة في دولة الأصل تعد من المحددات الأساسية لقرار الهجرة والعمل في الخارج. وعادة ما يصعب التأثير على تدفق هذه المبالغ. إذ أن التحويل في هذه الحالة عديم المرونة بالنسبة لهيكل الحوافز المختلفة، سواء في دولة الأصل أو الدولة المضيفة. وتتمثل محددات تحويلات العمال المهاجرين لتمويل احتياجات الأسرة في مستوى دخولهم في الدولة المستوردة، والذي يحدد بالتبعية سلوك استهلاكهم، ومن ثم كمية الأموال التي يمكن تحويلها إلى دولة الأصل. كذلك فان مستويات الدخل في دولة الأصل تلعب دورا مهما في تدفق التحويلات لهذا الغرض. فبما أن التحويلات لتمويل احتياجات الأسرة سوف تستخدم لتغطية نفقات الاستهلاك المختلفة للأسرة في دولة الأصل، فان انخفاض مستويات الدخول في دولة الأصل سوف يؤدى إلى تزايد الحاجة نحو التحويل للمحافظة على مستويات المعيشة لأسر العمال المهاجرين. وبالنسبة للعديد من الدول المصدرة للعمالة نجد أن التضخم يعد من المحددات الأساسية للتقلبات في مستويات الدخل الحقيقي. ذلك أن ارتفاع معدلات التضخم يؤدى إلى زيادة التحويلات للمحافظة على مستويات معيشة الأسرة في دولة الأصل، والعكس صحيح. على أننا لابد وان نضع في الاعتبار انه في ظل المناخ التضخمي في دولة الأصل سوف تؤدى توقعات الأسعار في النهاية إلى تخفيض قيمة العملة المحلية. وعندما يتم ذلك، فان الضغوط على العمال المهاجرين لإرسال تحويلات أكثر سوف تقل. حيث سيتم استبدال الكمية المحولة - بالصرف الأجنبي - بقدر أكبر من وحدات العملة المحلية لدولة الأصل. وبصفة عامة فان اثر التدهور المتوقع في قيمة العملة المحلية على التحويلات يعتمد على سرعة تعديل معدلات الصرف في ظل المناخ التضخمي.

أما بالنسبة للعوامل المحددة لتدفق تحويلات العمالة الوافدة من الدول المضيفة، فإنها تنصرف أساسا إلى مستويات الدخول في الدول المضيفة، ومعدلات التضخم في تلك الدول، وكذلك هيكل الحوافز المتاح لاستبقاء تلك التحويلات في تلك الدول، بصفة خاصة معدلات العائد على الأصول المالية او الحقيقية المختلفة المتاحة في تلك الدول، وأخيرا مدى سماح تلك الدول للعامل بتحويل أمواله إلى دولة الأصل.


وقد أصبحت تحويلات العمالة الوافدة تمثل مصدرا أساسيا لتدفقات النقد الأجنبي للدول المصدرة للعمالة، بالشكل الذي أصبح يفوق المصادر التقليدية لها مثل المساعدات وتدفقات الاستثمار الأجنبي. ويوضح الجدول التالي أن العمالة الوافدة في كافة الدول المضيفة في العالم قد تمكنت من تحويل حوالي 2 تريليون دولار خلال الفترة من 1996 إلى 2007. وان التدفق السنوي لتلك التحويلات حاليا يزيد عن 240 مليار دولار سنويا. وهي تدفقات ضخمة تتجاوز إجمالي تدفقات المعونة الرسمية الدولية، وكذلك أصبحت تمثل نسبة كبيرة من إجمالي تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر عالميا. ومن الواضح أن عمالة الدول المصدرة قد أصبحت أهم أصولها على الإطلاق، حيث يرتفع العائد على تلك الأصول بشكل واضح.


وبالنسبة لدول الخليج فان آخر الدراسات تشير إلى أن العمالة الوافدة في تلك الدول تحول حاليا ما يزيد عن 50 مليار دولار سنويا. يتم تحويل الجانب الأكبر منها من المملكة العربية السعودية، نظرا لضخامة رصيد العمالة الوافدة بها. ومن الواضح أن تلك التدفقات تمثل استنزافا هاما لمصادر النقد الأجنبي في تلك الدول، وانه من خلال استخدام سياسات موائمة يمكن الاستفادة من جانب كبير من تلك التحويلات داخل دول الخليج، بدلا من تحويلها بالكامل إلى الخارج، ومن ثم الحد من استنزاف النقد الأجنبي بتلك الدول.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق