الأربعاء، أكتوبر 22، 2008

الفوائض المالية مؤقتة وخادعة

في الحديث الذي ألقاه سمو أمير البلاد حفظه الله يوم الثلاثاء 21/10/2008 في افتتاح دور الانعقاد العادي الثاني من الفصل التشريعي الثاني عشر لمجلس الأمة، أشار سموه "ولعلها مناسبة طيبة لنذكر بما سبق أن حذرنا منه بأن متحصلات الفوائض المالية التي ينعم بها اقتصادنا، قد تكون مؤقتة وخادعة، وأن مستقبل الأمة وأجيالها مرهون بحسن استغلال هذه الفوائض في مواضعها وترشيد إنفاقها، وتوجيهها الوجهة الصحيحة التي تكفل تأمين مقومات الاقتصاد القوي الراسخ"، ولقد أصاب سموه كبد الحقيقة عندما ذكر بأن الفوائض المالية التي تتمتع بها الكويت حاليا قد تكون مؤقتة وخادعة.

والحقيقة هي أن هذه الفوائض المالية التي تتمتع بها الكويت حاليا، بل وجل الإيرادات النفطية التي تأتينا، سواء تحقق منها فائض أم لم يتحقق، هي مؤقتة بطبيعتها، لأنها ترتبط أساسا بمورد ناضب هو النفط الخام، سوف ينتهي هذا المورد يوما ما، ربما بعد 50 عاما، أو أقل من ذلك أو أكثر يعتمد ذلك على كمية الاحتياطيات الحقيقية التي تملكها الكويت من النفط ومعدل الاستخراج من تلك الاحتياطيات. إن أفضل التقارير المتاحة لدينا الآن تشير إلى أن النفط ربما ينضب في غضون خمسين عاما على الأكثر. معنى ذلك أن الفوائض النفطية هي بطبيعتها مؤقتة، شئنا ذلك أم أبينا.

ما هي خطورة هذا الوضع إذن؟ إن مكمن الخطورة ينبع من أننا نعيش حاليا على إيراد ناضب بطبيعته، وسوف ينفذ هذا المورد يوما ما. ومرة أخرى، وكما أشرت مرارا وتكرارا، فإننا عندما نتحدث عن عمر الأمم فان فترة خمسون عاما تعد فترة قصيرة جدا جدا. إن جانبا من الجيل الحالي في الكويت سوف يشهد هذا اليوم، أي اليوم الذي سوف ينضب فيه النفط تماما، إنهم أطفالنا الذين يعيشون بيننا الآن، سوف يأتي عليهم ذلك اليوم الذي يعلن فيه عن إغلاق آخر آبار النفط، وانتهاء الحقبة النفطية في الكويت. إذا كانت أفضل التوقعات حول الفترة التي سوف تستمر فيها الكويت تصدر النفط هي خمسين عاما، فان أطفال اليوم سوف يشهدون هذا اليوم قبل بلوغهم سن التقاعد. أي سوف يأتي اليوم على طفلك الصغير، الذي يعيش بين يديك الآن، ليشهد اللحظة التي تصل فيه صادرات النفط الخام إلى الصفر. ماذا سيحدث لإبنك في هذا اليوم. من المؤكد أن آثار الكارثة سوف تكون قد بدأت قبل ذلك اليوم بوقت طويل. فماذا أعددنا لهذا اليوم.

الفوائض النفطية هي أيضا خادعة، لأنها توحي لنا، بل وتوهمنا، بأننا أمة غنية، لديها فوائض، وإذا كان الأمر كذلك فينبغي أن ينعم الناس بهذه الفوائض. وحقيقة الأمر أننا لسنا أمة غنية كما قد يتصور البعض، إننا أمة فقيرة جدا في مواردها. فبدون النفط سنواجه كارثة تهدد بقائنا على هذه الأرض الطيبة، أو ربما تهدد استقلالنا كدولة. وربما يرد البعض بالقول بأننا أمة عاشت عمرها بدون نفط، فليذهب النفط، ونحن باقون. نعم هذا صحيح، ولكن على أي صورة، وبأي حال؟ من المؤكد أننا سنبقى، ولكن في حال مختلفة تماما عما نعيشه اليوم.

لقد صدق سمو الأمير حفظه الله عندما قال "وأن مستقبل الأمة وأجيالها مرهون بحسن استغلال هذه الفوائض في مواضعها وترشيد إنفاقها"، نعم مستقبل الكويت يصنع الآن، ولكن لسوء الحظ في ظل بعض دعوات للهدر وتدمير الثروة. هؤلاء الذين يطالبون بنثر الأموال هنا وهناك هم خونة لأولادهم ولكافة الأجيال القادمة على هذه الأرض الطيبة، وينبغي ألا نسير وراءهم ونهلل لهم، لأنهم ببساطة أعداؤنا الحقيقيون في الداخل.

للمرة الألف، إن الوفرة الحالية التي تمر بها الكويت تمثل فرصة ذهبية نادرة، ربما لا تتكرر أبدا في تاريخ الكويت، فإما أن نكون على مستوى المسئولية والحدث ونتعامل مع تلك الفوائض بما ينبغي، بدلا من دعوات الهدم والهدر سعيا وراء الأصوات الانتخابية أو السمعة والشهرة، أو تحقيق نفع أو مكسب ذاتي، وإلا فان الثمن سيكون فادح جدا، إنه مستقبل الكويت ومستقبل أجيالها، وربما وجودها كدولة مستقلة. إن التاريخ والأجيال القادمة لن ترحم الجيل الحالي إذا لم يحسن استخدام الفرصة ويكون على القدر المناسب من المسئولية قبل أجيالنا القادمة، فماذا نحن فاعلون.

هناك 5 تعليقات:

  1. كثر الله خيرك دكتور، وانشاءالله تصل رسالتك لمن لديه القدره على التطبيق والتنميه،،

    انا شخصياً كمواطن ما الذي بيدي افعله؟! هل دوري فقط محدد بان اصوت لشخص كفء بالانتخابات واشاهد جلساته واداءه وكل مره انصدم بواقع الامور!
    هل بيدي شي أو يكفي ان اقف كمتفرج؟

    اود ان اعرف ما هو دوري كمواطن في دفع عجله التنميه والتطوير؟


    شكراً لك، و تمنياتي لكم بالتوفيق

    ردحذف
  2. شكرا بو خالد على تعليقك.

    الموضوع كما ترى خطير جدا، حيث أنه يمس وجودنا ومستقبل أولادنا، لا أقول أجيال المستقبل البعيد، كما قد يتصور البعض، ولكن الأجيال الحالية التي تعيش الآن، إن الوقت لا يعمل في صالحنا، ويضيع من أيدينا بسرعة، وكل دقيقة تمر تقربنا من هذا المصير المخيف.

    دورك كمواطن حريص على مستقبل هذا البلد وتنميته وكيانه ومستقبل أبناءه خطير جدا، مطلوب منا جميعا أن نصنع رأي عام حول أهمية القضية، أن ندق اجراس الخطر للتحرك بشكل سريع لاتخاذ قراراتنا المصيرية حول ما يجب أن نفعله للخروج من حالة الشلل التي تواجهها عملية التنمية حاليا، أن تعمل على شرح طبيعة المشكلة وخطورة ما نحن مقبلون عليه من مصير، وفي كل مكان، في الديوانية في العمل في الصحف، على الانترنت، في كل وأي فرصة،.. مطلوب حركة توعية عامة للناس، وافهامهم ان ما نطالب به من مزايا الآن لا يصب في مصلحتنا، إنه هدر لقدراتنا وطاقاتنا، وأننا نحتاج الى قليل من ربط الحزام الآن. مطلوب منا التصدي لكل صور الهدر والفساد. كفانا تعليق مشاكلنا على الحكومة، وكأن الحكومة كائن فضائي هبط علينا من السماء ليفعل كل ما هو ضد مصلحتنا، كفانا صدام بين الحكومة والمجلس، كفانا اضاعة الوقت في استجوابات لا طائل من وراءها سوى استعراض العضلات في التفوه ورص العبارات الرنانة الفارغة للأسف من المحتوى والمضمون والنتيجة. كفانا دغدغة لمشاعر الناس والبحث عن قضايا لالهاءهم. كل ما نحتاج اليه الآن هو العمل، والعمل الجاد لكي نعوض ما ضاع منا من وقت وفرص. حان وقت العمل والعمل المخلص، واضعين نصب أعيننا أننا نعمل لمصلحة أبناءنا الحاليين، كي نضمن لهم مستقبل أفضل، وان ينعموا بما نحن فيه من نعمة حاليا، ولحسن الحظ ان لدينا قيادة لديها رؤية متميزة حول مستقبل الكويت.

    لا أستطيع ان أقول أنني مواطن واحد في هذا البلد، فماذا يمكنني أن أعمل، يمكنني أن أعمل الكثير، ولو أن كل مواطن يفكر بطريقتك ولديه رؤيتك ويرفض أن يقف كمتفرح لكان وضعنا الآن افضل، فما هو المجتمع؟ إنه مجموع الأفراد الذين يعيشون فيه. دور الفرد أذن مهم جدا، والحمد الله أن لدينا اجواء حرية واسعة جدا لا تتمتع بها أي دولة في المنطقة، ولدينا سبل الطرح والنقاش والتعبير عن الرأي، مرة أخرى بصورة لا تتوافر في المنطقة، وعلى كل من أن يعمل في الاطار والبيئة المحيطة به، مطلوب مناقشة القضية في كل فرصة وكل مكان، اذا التزم كل منا بذلك نستطيع أن نكون رأي عام نحو التغيير إن شاء الله.

    ردحذف
  3. السلام عليكم،

    اشكرك ا.د. محمد على الرد السريع في شرح الادوات و الطرق التي تتوجب علي كمواطن، ولكن د.محمد، اعتقد ان هذه الامور لا يكفي ان اقوم بها لوحدي وحتى بدعم اصدقائي لي، اعتقد هذه القضيه يجب ان يقام تبنيها من قبل احد مؤسسات المجتمع المدني، ومن خلالها يتم وعي و تفعيل دور هذه القضايا بشكل عام،،

    عموماً اشكرك دكتور مره اخرى، و انشاءالله نلتقي قريب :)

    بوخالد

    ردحذف
  4. وممن يتكون المجتمع المدني ومؤسساته، انه منا نحن، وليس غيرنا. من هم القائمين على تلك المؤسسات، إنهم منا، الأخ والصديق والقريب وصديق الصديق .. الخ.

    ردحذف