الثلاثاء، أغسطس 03، 2010

قراءة في بعض المؤشرات الاقتصادية الكلية للصين

نشر في جريدة الوطن البحرينية يوم الثلاثاء 3/8/2010.
يضرب بالصين اليوم المثل على النمر الآسيوي الذي استطاع ان يحقق معدلات للنمو الحقيقي لم تشهدها الدول النامية من قبل، وحقق تغييرا جوهريا في هياكل إنتاجه الصناعي مستفيدا بأقصى صورة من مصادر الميزة النسبية التي يتمتع بها والمتمثلة في رخص عنصر العمل نتيجة للفائض الكبير في عرض العمال في سوق العمل الصيني، بالصورة التي جعلت المنتجات الصينية لا تبارى من حيث أسعارها، الأمر الذي مكن الصين من أن تكتسح أسواق السلع في كافة دول العالم النامي منه أو الصناعي، بصفة خاصة في مجال منتجات الصناعات الاستهلاكية الخفيفة، وقد ترتب على ذلك تحقيق الصين لفوائض كبيرة في ميزانها التجاري، بما لم تحققه أي دولة من الدول المعاصرة حاليا في العالم.
أصدر صندوق النقد الدولي منذ عدة أيام ملخصا عن نتائج المشاورات مع الصين، ملحقا به ملخصا عن الأداء الاقتصادي الكلي وبعض المؤشرات الاقتصادية الكلية، لفت نظري العديد من هذه المؤشرات الاقتصادية الكلية والتي أحببت أن أشرك القارئ فيما توحي به من معلومات هي في غاية الأهمية عن هذا الاقتصاد الناشئ.
المؤشر الأول والأهم هو ان الاقتصاد الصيني يتوقع أن يعود مرة أخرى لتحقيق معدلات مرتفعة للنمو في الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي في عام 2010، وذلك بمعدل 10.5%، وهو أعلى معدل نمو للناتج الحقيقي في العالم، الأمر الذي يعني ان الاقتصاد الصيني بدأ الاستعداد لتجاوز آثار الأزمة المالية العالمية وليعاود مرة أخرى تحقيق معدلات مرتفعة للغاية للنمو. فعندما اشتعلت الأزمة المالية العالمية كان الاقتصاد الصيني في عام 2007 يحقق معدلا للنمو يتجاوز نسبة 14%، وهو بكل المقاييس معدل نمو مبهر، وقد ترتب على الأزمة تراجع معدلات النمو بصورة واضحة إلى حوالي 9.3% خلال السنتين اللاحقتين للأزمة. المثير للاهتمام ان هذا النمو قد تم في ظل معدلات منخفضة جدا للتضخم، والذي يرجع إلى السيطرة الحكومية على الأسعار، والتي مكنت الصين من تحقيق معدلات مرتفعة للنمو، وفي ذات الوقت السيطرة على نمو الطلب المحلي (بصفة خاصة الطلب الاستهلاكي)، عند مستويات منخفضة بحيث لا ينعكس هذا النمو على المستوى العام للأسعار ومن ثم ارتفاع معدلات التضخم. وقد مكن معدل التضخم المنخفض الذي تحققه الصين، والذي لم يتجاوز 2.8% في المتوسط خلال الفترة من 2005-2010، الاقتصاد الصيني من رفع درجة تنافسيته مقارنة بباقي دول العالم، الأمر الذي أدى إلى تحقيق فوائض ضخمة جدا في ميزانه التجاري، بحيث أصبحت الصين اكبر دولة في العالم لديها فائض تجاري في ميزان مدفوعاتها.

يرجع صندوق النقد الدولي النمو المرتفع في الصين هذا العام إلى الارتفاع غير الطبيعي في الطلب الاستهلاكي، والذي يتوقع ان تصل نسبة النمو فيه إلى 13.2%، في مقابل معدل نمو 3.2% فقط في الولايات المتحدة. هذه النقطة بالذات تحتاج إلى وقفة، فعلى مدى زمني طويل منذ بدء المعجزة الصينية، لم تنعكس اتجاهات النمو في الاقتصاد الصيني على معدلات الاستهلاك الخاص والتي استمرت عند مستويات منخفضة، وهي أحد نقاط القوة في النمو الصيني الحالي، ومن ثم لم يشعر الأفراد بثمار النمو في صورة ارتفاع مستويات استهلاكهم (رفاهيتهم) بالصورة التي تتماشى مع معدلات النمو المبهر في الناتج المحلي الإجمالي، نظرا لتفضيل النظام الصيني بتحويل ثمار النمو إلى فوائض يتم استخدامها في تمويل الاستثمار على المستوى القومي، وقد كانت النتيجة هي أنه على الرغم من تحقيق الصين لمعدلات نمو مرتفع اعتمادا على قطاعها الخارجي، فان مستويات الاستهلاك للفرد الصيني ظلت متدنية، وكنت دائما ما أسأل نفسي إلى متى ستظل الصين تتبع هذه السياسة؟ أعلم جيدا أن سماح الصين برفع مستويات الاستهلاك الخاص سوف تنعكس آثاره السلبية على كل من مستويات الاستثمار والميزان التجاري، خصوصا وأننا نتحدث عن 1.3 مليار مستهلك، يمثلون حوالي خمس إجمالي عدد المستهلكين في العالم. في ظل هذا الجيش الضخم من المستهلكين فان نمو الاستهلاك لا بد وأن يقابله انخفاض فائض الإنتاج المتاح للتصدير في الصين.

الضغط على الاستهلاك المحلي في اقتصاد موجه مثل الاقتصاد الصيني، كان إذن احد مكامن القوة التي يتمتع بها الاقتصاد في الصين، ولكن لو استمر الاستهلاك على المستوى الكلي في الصين ينمو بهذه المعدلات المرتفعة جدا، فان ذلك ربما يقلل من اتجاهات النمو في الاقتصاد الصيني في المستقبل لسببين، السبب الأول أنه سيؤثر على قدراته الادخارية ومن ثم نسبة الاستثمار الكلي إلى الناتج المحلي الإجمالي، والثاني هو أنه إذا سمح النظام الصيني للاستهلاك بالنمو عند هذه المستويات، فانه من المؤكد ان ذلك سوف ينعكس سلبا على فوائض ميزانها التجاري ويهدد الميزة الأساسية التي تتمتع بها الصين في صورة فوائضها الضخمة من العملات الأجنبية، والتي تمكنها من تنفيذ خططها الاستثمارية الضخمة براحة تامة بعيدا عن ضغوط عدم توافر العملات الأجنبية والتي تهدد خطط النمو في الدول النامية من الناحية التقليدية.
بعض المؤشرات الاقتصادية الكلية للاقتصاد الصيني


المؤشر الثاني الذي يستحق وقفة للتأمل هو نسبة الاستثمار إلى الناتج المحلي الإجمالي، فوفقا لتقديرات صندوق النقد الدولي فان نسبة الاستثمار المحلي إلى الناتج المحلي الإجمالي تصل إلى 50%، لم أشهد مثل هذا المعدل الضخم جدا للاستثمار في أي دولة أخرى في العالم. ماذا يعني هذا الرقم، إنه يعني انه في مقابل كل دولار يتم توليده في صورة ناتج محلي، يتم استثمار ما يعادل نصفه مرة أخرى في الاقتصاد المحلي للصين. الصين بهذه المعدلات تصبح أكبر مستثمر في اقتصادها المحلي في العام. لقد كنت دائما، في فصول مقرر الاقتصاد الكلي، ما أطري على كوريا الجنوبية بأنها أكبر دولة تستثمر في اقتصادها المحلي بنسبة تتجاوز الـ 30%، اليوم الصين تثبت للعالم أنها اكبر من يستثمر لبناء قواعدها الإنتاجية والبنى التحتية اللازمة لرفع مستويات تنافسيتها العالمية. ما تستثمره الصين حاليا كإجمالي استثمار ثابت إلى الناتج المحلي الإجمالي يعادل أكثر من 3 أضعاف ما تستثمر الولايات المتحدة إلى ناتجها المحلي الإجمالي، حيث لا تتجاوز نسبة إجمالي الاستثمار الثابت 16.0% في 2010.

المؤشر الثالث الذي لفت انتباهي والذي يثير الاهتمام هو هذا المستوى الخيالي من الادخار المحلي الذي تحققه الصين، والذي يتوقع أن يصل إلى 55% من الناتج المحلي الإجمالي في 2010. لا يوجد دولة في العالم تحقق هذه المستويات المرتفعة جدا من الادخار المحلي. ذلك ان كل دولار من الناتج يتم توليده في الصين يتم ادخار 55 سنتا منه، وإذا عقدنا مقارنة بين الوضع في الصين والوضع في الولايات المتحدة، نجد أن معدل الادخار المحلي في الولايات المتحدة لا يتجاوز 14.2% من الناتج المحلي الإجمالي، أي أنه في مقابل كل دولار يتم توليده من الناتج المحلي الإجمالي، يتم ادخار 14 سنتا فقط منه في الولايات المتحدة الأمريكية، هذه المستويات المرتفعة جدا من الادخار تمكن صانع السياسة الصيني من ان يتخذ قرارات الاستثمار في المجالات المختلفة بحرية تامة بعيدا عن قيود التمويل، بسبب الوفرة الكبيرة في المدخرات المحلية اللازمة لتوفير التمويل المناسب لبرامج الاستثمار المحلي، والتي تمثل احد القيود الكلاسيكية على النمو في الاقتصاديات النامية.

بهذه المستويات الضخمة من الاستثمار إلى الناتج، ليس مستغربا ان تتحول الصين إلى واحد من اكبر المصنعين في العالم، والمصدرين للسلع الصناعية على المستوى الدولي، بل وأن تحتل المركز الثاني كأكبر اقتصاد من حيث حجم الناتج المحلي الإجمالي في العالم هذا العام لتزيح المانيا عن هذا المركز، بل وتبدأ العد التنازلي لتلحق بالولايات المتحدة كصاحبة أكبر اقتصاد في العالم، وربما تزيحها عن هذا العرش في المستقبل المنظور.
الدولة الأخرى التي اعتقد أن امكانيات النمو فيها تضاهي الصين، هي الهند. أقوم حاليا باعداد سلسلة من المقالات حول المقارنة بين التنين الصيني والفيل الهندي، وأعتقد أنه حتى هذه اللحظة لم تستغل الهند امكانياتها الكامنة كاقتصاد ناشئ يمكن ان يتحول الى اقتصاد عملاق مثل الصين. ربما تعطلت الهند بديمقراطيتها التي حدت في كثير من الاحيان من انطلاقها، بينما استطاعت الصين بديكتاتوريتها ان تحقق المعجزة، وان كان بعض الغربيين يحذرون من أن سر المعجزة الصينية ربما يكون أكبر تهديد لها في المستقبل، ولا أدرى ما هو السيناريو الذي يمكن أن يؤدي إلى هذه النتيجة؟ كلي ثقة بأن مهندسي صناعة السياسة الصينية الذين تمكنوا من تحقيق هذا التحول الرائع في الصين، سوف يتمكنون أيضا من هندسة عملية التحول من نظام مركزي أوتوقراطي، الى نظام لا مركزي ديمقراطي بأقل التكاليف على وضع الاقتصاد الصيني ومستقبل النمو فيه. من ناحية أخرى أعتقد أن الفيل الهندي يقف اليوم على بداية طريق الانطلاق، وسوف اتناول لاحقا انجازاته ومؤشراته.
مدونة اقتصاديات الكويت ودول مجلس التعاون.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق