الثلاثاء، أغسطس 17، 2010

صقور النقل الجوي في العالم تستعد للانطلاق من الخليج

نشر في جريدة الوطن البحرينية يوم الثلاثاء 17/8/2010.
تناولت في مقال سابق بعنوان "الاماراتية في طريقها لأن تصبح أكبر شركة طيران في العالم" صناعة النقل الجوي كصناعة ناشئة في الخليج، وأشرت الى أن الاماراتية تخطو خطوات واسعة في هذا المجال، ربما تضعها على رأس قائمة شركات الطيران في العالم، بصفة خاصة بالنسبة للرحلات طويلة المدى عبر القارات. وقعت أخيرا على تقرير حديث أعدته الاكونوميست بعنوان ”سادة طريق الحرير الجديد Rulers of the new silk road"، والذي أكد تلك التوقعات مرة أخرى، غير أن التقرير قد كشف عن حقائق هامة جدا فيما يتعلق بالوجود المتنامي والقوي لشركات الطيران الخليجية على خريطة النقل الجوي العالمي.

صناعة النقل الجوي هي من الصناعات الناشئة في الخليج وتشهد نموا بمعدلات مذهلة ومثيرة للاهتمام، لدرجة تجعلني أميل إلى الاعتقاد بأن شركات النقل الجوي الخليجية سوف تتحول إلى الصقور التي تتسيد صناعة النقل الجوي في العالم في المستقبل القريب. وأعني بشركات النقل الجوي الخليجية ثلاث شركات أساسية هي الإماراتية للطيران، والقطرية للطيران، والاتحاد للطيران. عندما ندقق في طبيعة هذه الشركات نجد أن هناك مجموعة من الخصائص المشتركة بينها، وهي أنها تنتمي إلى إمارات صغيرة نسبيا، وأن هذه الإمارات قد جعلت من صناعة النقل الجوي احد خياراتها الاستراتيجية –من ضمن خيارات أخرى- في عالم المستقبل، وأن هذه الشركات تدرك، بصورة واضحة، مدى حدة المنافسة التي تواجهها من جانب شركات النقل الجوي العملاقة في العالم، مثل الشركات الأوروبية والأمريكية، وأنها تستعد بصورة جيدة لهذه المنافسة، بشريا بأكفأ الخبرات التي تنتقيها من أكبر الشركات العاملة في الصناعة في العالم، وفنيا بأطقم طيران على درجة عالية من المهنية، وماديا بأكبر وأحدث أساطيل النقل الجوي التي توصلت إليها الصناعة، ولوجستيا بأحدث وأكبر وأوسع وأكفأ المطارات في العالم، والتي أصبحت تتفوق على المطارات التقليدية في الغرب، وإداريا بنظم إدارية ديناميكية مفرغة من الروتين والتعقيدات التي نشهدها عادة في الشركات الحكومية. أعتقد جازما أنه لو حدث نوع من التحالف الاستراتيجي بين هذه الشركات الثلاث، مثلما تفعل كبار شركات الطيران في العالم حاليا، فإن ذلك سيكون كفيل بوضعها، وبسرعة، على رأس صناعة النقل والشحن الجوي في العالم. مؤخرا أعدت الأكونوميست تقريرا مليء بالمعلومات الحديثة حول صناعة النقل الجوي في الشرق الأوسط، وفي هذا المقال أقارن بين صقور الخليج الثلاثة استنادا إلى هذا التقرير.



الصقر الأول، والذي هو في رأيي المرشح رقم واحد لأن يتحول إلى أكبر شركة طيران على وجه الأرض، هو الإماراتية، والتي يلاحظ أنها تنتشر وتدعم وجودها عبر كافة قارات العالم انطلاقا من واحد من أفضل النظم اللوجستية في العالم، وهو مطار دبي، والذي أصبح، وفقا للإكونوميست، أكبر ثالث مطار في العالم من حيث مستويات التشغيل بعد مطار هيثرو في لندن، وهونج كونج انترناشيونال، متجاوزا بذلك قائمة من أهم وأكبر المطارات التقليدية مثل مطار شارل دي جول في فرنسا ومطار تشانجي في سنغافورة، ومطار فرانكفورت في ألمانيا. غير أن دبي تخطط حاليا لأن تتحول إلى مركز الترانزيت رقم واحد في العالم، من خلال بناء مطار آل مكتوم في جبل علي بتكلفة 50 مليار دولارا، والذي سيصبح في 2020 اكبر مطار في العالم للنقل الجوي، حيث سيحتوي على خمس مسارات وطاقة نقل تستوعب أكثر من 160 مليون مسافر سنويا، مما سيجعل منه، وبأي مقياس، عملاق الترانزيت الجوي في العالم.



يساعد الاماراتية الكثافة السكانية للموقع الجغرافي الذي تحتله دبي، فوفقا للإكونوميست، يقيم في محيط دبي وعلى مسافة 4 ساعات من الطيران حوالي 2 مليار شخص، وعلى مسافة 7 ساعات من الطيران حوالي 4 مليار شخص، أي أكثر من نصف سكان العالم، وتمثل هذه الكثافة السكانية الهائلة نقطة قوة في السوق، يمكن أن تستغلها الإماراتية بشكل فعال، من خلال الإمكانيات الهائلة التي تتيحها أساطيل الطيران طويل المدى، والتي تعد الإماراتية اكبر مالك لها في العالم، ومثل هذا الموقع المتميز يمكن الإماراتية من الربط بين اكبر مدن العالم بدون توقف من خلال مطار دبي. دبي أيضا تنظر إلى النقل الجوي على أنه احد استراتيجيات الهامة لتنويع هيكل الاقتصاد في الإمارة، حيث يسهل التجارة بينها وبين العالم الخارجي، ويساعد على تشجيع تقديم الخدمات المالية والسياحية والتي تمثل أنشطة رئيسية للإمارة، وقد تبنت دبي، مقارنة بباقي دول الخليج، سياسة أجواء شبه حرة، خصوصا فيما يتعلق بسياسات الهجرة وتأشيرات الإقامة والتي تجعل من السهل جدا لأي شخص في العالم بالمرور والإقامة.



كشركة طيران، تعد الإماراتية واحدة من أكبر شركات النقل الجوي في العالم، حيث تمتلك حاليا أسطولا يتكون من حوالي 140 طائرة، منها 50 طائرة A380 تحت الطلب الآن، ومن دبي تنطلق الإماراتية إلى أكثر من 100 نقطة حول العالم، في أكثر من 60 دولة، لتعمل الإماراتية في كافة القارات. تتوقع الأكونوميست أن تمتلك الإماراتية بحلول عام 2020 أسطولا يضم أكثر من 400 طائرة، وفي حال تحقق هذه التوقعات، فإن الإماراتية سوف تصبح اكبر شركات العالم في هذا الوقت. من حيث معدلات النمو تحقق الإماراتية نموا استثنائيا، على سبيل المثال في 2009، وعلى الرغم من أنه كان عاما سيئا للغاية بالنسبة لصناعة الطيران في العالم، حيث يعاني العالم من الكساد، إلا إن عدد ركاب الإماراتية قد تزايد بنسبة 21%، وحديثا تضاعف الإماراتية حجمها كل 3 إلى أربع سنوات تقريبا. وقد بلغ عدد الركاب 27.5 مليون راكب العام الماضي، وتتوقع الأكونوميست أن يتزايد العدد إلى 78 مليون راكب سنويا في 2020.



تمكنت الإماراتية أيضا من تثبيت وجودها في مطارات أخرى خارج دبي، مثل مانشستر ونيوكاسل في بريطانيا، وهامبورج ودولسدورف في ألمانيا، وكوشي وكالكتا في الهند، وذلك مقارنة بالشركات العالمية مثل الخطوط الجوية البريطانية ولوفتهانزا وطيران الهند، والتي تركز وجودها في مطارات دولها أساسا. سياسات التسويق الإماراتية تجذب المستهلكين في العالم إليها، على سبيل المثال فان المسافر من مانشستر إلى طوكيو سوف يجد الإماراتية خيارا أفضل نظرا لأنها توفر له وقتا أفضل أثناء الترانزيت، وتذكرة ارخص، وتجربة سفر أفضل من غيرها من المنافسين، كذلك حرصت الإماراتية على تأكيد وجودها في باقي دول الشرق الأوسط وإفريقيا وجنوب شرق آسيا والهند وأمريكا اللاتينية، وهي الأماكن التي تعاني من ضعف شبكة الترانزيت بسبب تعقد نظم الطيران فيها، وغياب الشركات المحلية القوية في هذه الدول، وفي عالم أصبح المسافر يبحث فيه عن من يوصله إلى النقطة المبتغاة بتكلفة أرخص وتجربة طيران أفضل، فإن الإماراتية تحقق أداء استثنائيا في هذا المجال. أكثر من ذلك فان الإماراتية تستغل هذا الأسطول الضخم في الشحن البحري على متن طائراتها العملاقة، حيث يمثل الشحن الجوي حاليا حوالي 20% من إيراداتها، وهي واحدة من أعلى معدلات الاستخدام في صناعة النقل الجوي في العالم. أكثر من ذلك فإن الإماراتية تعد حاليا واحدة من أكثر الشركات في العالم استغلالا لطاقة طائراتها، ففي المتوسط يبلغ معدل استخدام الطائرة حوالي 18 ساعة يوميا، وهو معدل مرتفع للغاية، يعكس ارتفاع كفاءة التشغيل في الإماراتية.



الصقر الثاني المتوقع ان يحلق بقوة في سماء حركة النقل الجوي في العالم هو الشركة القطرية للطيران، والتي تحقق حاليا نموا غير مسبوق، حيث بلغ عدد ركابها في 2009 حوالي 16 مليون راكب، وتتوقع الأكونوميست ان تنقل القطرية حوالي 50 مليون راكب سنويا بحلول 2015، و70 مليون راكب سنويا بحلول عام 2020. لحسن الحظ أن خطط دبي بالنسبة لإنشاء مطارات عملاقة للنقل والشحن الجوي ليست هي الوحيدة في المنطقة، ففي قطر تجري أيضا على قدم وساق خطط مماثلة، فمطار الدوحة الدولي الذي سيفتتح في غضون عام ونصف، سوف يعمل مبدئيا بطاقة 24 مليون مسافر سنويا، مع خطط لمضاعفة الطاقة في 2015 إلى حوالي 40 مليون مسافرا.



من حيث طاقة النقل تمتلك القطرية للطيران حاليا وفقا للإكونوميست 82 طائرة، وهي تخدم حاليا 90 مسارا للطيران في العالم، ولكن المثير للاهتمام أن لديها طلبات لـ 180 طائرة منها خمس طائرات A380 و 80 طائرة من طراز إيرباص A350 الجديدة، وهو ما سيحول الشركة إلى ذراع ضاربة في مجال الصناعة. القطرية لا تتوسع فقط من حيث الحجم، ولكنها تهتم أيضا بالجودة، حيث تعد حاليا واحدة من بين 6 شركات في العالم الحاصلة على تصنيف خمس نجوم من قبل Skytrax نظرا لنوعية الخدمات التي تقدمها، ومع افتتاح مطار الدوحة الجديد يتوقع أن تأخذ القطرية في النمو السريع. وتتوقع القطرية أنها سوف تستغل حوالي 75% من مساحة المطار الجديد بحيث يصبح مطار قطر نقطة العبور الرئيسية لركابها قبل التوجه إلى وجهتهم الأصلية في كافة أنحاء العالم.



الصقر الثالث هو شركة الاتحاد للطيران في أبو ظبي، والتي، على الرغم من انخفاض حصتها بصورة واضحة بالنسبة للشركتين الأخريين إلا أن الاتحاد للطيران، تحقق معدلات نمو استثنائية أيضا. فقد تم إنشاء شركة الاتحاد للطيران في 2003، ومنذ ذلك الوقت تحقق معدل نمو في مجال النقل الجوي يعد الأسرع في تاريخ النقل الجوي التجاري، وتتوقع الإكونوميست أن ترتفع طاقة الاتحاد للطيران من حوالي 5 مليون راكب في 2009، إلى حوالي 20 مليون راكب في 2015، وحوالي 36 مليون راكب سنويا في 2020، وكزميلاتها في الخليج، ترغب شركة الاتحاد في أن تكون معروفة بجودة الخدمات التي تقدمها، فعلى الرغم من النمو السريع للاتحاد فإنها حصلت على الكثير من الجوائز نظرا لنوعية الخدمات المقدمة للعملاء، كما أنها تفعل كل ما هو مطلوب للتحول إلى علامة رائدة في عالم الطيران، وهي تستفيد من إستراتيجية أبو ظبي التي تنظر إلى النقل الجوي على أنه جزء من خطتها لعام 2030، وهي خطة تهدف إلى استخدام الثورة النفطية الحالية في تحويل أبو ظبي إلى مركز دولي لخدمات النقل والخدمات المالية والسياحية.



غير أنه وفقا للإكونوميست فإن الصقر الثالث لديه بعض المشاكل، بصفة خاصة بالنسبة للقيود على إمكانيات النمو المستقبلي لمطار أبو ظبي، فضلا عن أنها قد حققت خسائر العام الماضي بحوالي 1.2 مليار دولارا. إلا أنني أميل إلى الاعتقاد بأن الإمكانيات المالية لأبو ظبي سوف تضمن استمرار هذا النمو المرتفع للشركة، بما في ذلك تطوير خطط لإنشاء مطار يتناسب مع خطط الشركة لكي تضع نفسها على مصاف كبار شركات النقل الجوي في العالم.



المثير للاهتمام هو أن طاقة النقل المجمعة والمتوقع ان تحققها الشركات الثلاث في 2020 سوف تصل إلى حوالي 175 مليون راكب سنويا، وهي بكافة المعايير طاقة نقل جبارة، ولا توجد شركة في العالم قادرة على تحديها في هذا المجال. كما أنه في غضون عدة سنوات، عندما تكتمل خطط إنشاء المطارات الجديدة في الإقليم، سوف تكون طاقة مطارات دبي وقطر وأبو ظبي اكبر من طاقة مطارات هيثرو في بريطانيا وشارل دي جول في فرنسا و مطار فرانكفورت في ألمانيا مجتمعة. استنادا إلى هذه الخلفية أميل إلى الاعتقاد بأنه في المستقبل القريب لن تكون شركات الخطوط الأمريكية والأوروبية هي سادة الجو مثلما هو الوضع اليوم، وان صقور النقل الجوي في العالم تستعد للانطلاق من هنا، من الخليج.
مدونة اقتصاديات الكويت ودول مجلس التعاون.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق