الجمعة، مارس 11، 2011

إصلاحات جوهرية في صندوق النقد الدولي

نشر في صحيفة الاقتصادية السعودية بتاريخ الجمعة 11/3/2011.
كانت مجموعة العشرين قد اقترحت إجراء إصلاح في نظام الحصص الحالي لصندوق النقد الدولي من خلال إعادة هيكلة هذه الحصص بحيث يسحب جزءا من حصص الدول ذات التمثيل المرتفع في الصندوق إلى التي تمتلك حصصا أقل، بصفة خاصة الدول الناشئة والنامية، وذلك بما يتراوح بين 5%-7% على الأقل من إجمالي الحصص، خصوصا وأن المراجعات السابقة التي تمت على نظام الحصص في الصندوق لم تسفر عن تعديل جوهري في خفض حصص الدول المهيمنة

ولكن لماذا هذا الاهتمام من جانب دول العالم بإصلاح نظام الحصص في صندوق النقد الدولي؟ للإجابة هذا السؤال لابد وأن نعرف أن حصة الدولة في صندوق النقد الدولي تمثل مساهمتها في رأس مال الصندوق، وبناء على هذه الحصة يتحدد الآتي:

1- الالتزامات الملية التي يلتزم العضو بسدادها للصندوق، وفي البداية كان يطلب من العضو ان يقوم بسداد 25% من حصته بالذهب، والباقي بالعملة المحلية للعضو. غير أن انتهاء دور الذهب في النظام النقدي الدولي، تبعه تغير في طريقة سداد العضو لحصته، حيث يتم حاليا دفع 25% من قيمة الحصة بوحدات السحب الخاصة أو بعملة واسعة القبول عالميا مثل الدولار واليورو والين والجنيه الإسترليني، أما باقي الحصة فيدفع بالعملة المحلية للعضو.

2- القوة التصويتية للعضو في الصندوق، حيث يتحدد ما يمتلكه العضو من قوة تصويتية على القرارات التي تتخذ في الصندوق بحصة العضو. ويتم حساب القوة التصويتية للعضو بعدد من الأصوات الأساسية والتي يتساوى فيها جميع الدول الأعضاء (250 صوتا) بالإضافة إلى صوت إضافي يمنح للعضو في مقابل كل 100 ألف وحدة حقوق سحب خاصة من حصته. معنى ذلك أن القوة التصويتية الإضافية سوف تعتمد أساسا على حجم حصة العضو في الصندوق.

3- قدرة العضو على السحب من موارد الصندوق، حيث يتحدد حجم التمويل الذي يمكن ان يحصل عليه العضو من الصندوق بحجم حصته. على سبيل المثال يمكن للعضو الذي يدخل في اتفاقية للمساندة Stand-by مع الصندوق (لمواجهة عجز طارئ في ميزان المدفوعات مثلا)، أن يسحب حتى 200% من حصته، أما بالنسبة للعضو الذي يدخل في اتفاقية تسهيلات ائتمانية ممتدة Extended arrangements (لمواجهة اختلالات هيكلية يعاني منها العضو)، فيمكن للعضو السحب حتى 600% من حصته، كذلك فإن النظام الحالي للصندوق يسمح بتجاوز هذا الحد في حالات استثنائية. ومن الواضح أن قدرة العضو على السحب من التسهيلات الائتمانية المتاحة من خلال الصندوق ترتبط بحجم حصته، حيث تلعب حصة الدولة تلعب دورا جوهريا في التسهيلات التي يمكن أن تتاح للعضو من الصندوق.

4- نصيب العضو في أي توزيعات لحقوق السحب الخاصة Special Drawing Rights، فعندما يقوم الصندوق بإصدار جديد لحقوق السحب الخاصة (عملة الصندوق الدولية)، فإن عملية تخصيص هذا الإصدار على دول العالم المختلفة تستند أساسا إلى حجم الحصة التي يمتلكها العضو في رأس مال الصندوق.

تدخل هذا الأسبوع تعديلات الحصص والقوة التصويتية التي تم إقرارها في عام 2008 بموجب المراجعة الرابعة عشر، حيز التنفيذ في صندوق النقد الدولي، وذلك بعد إقرارها من جانب 117 دولة عضو في الصندوق تمثل 85% من القوة التصويتية في الصندوق. فعلى مدى عقود طوال مضت منذ إنشاء الصندوق، هيمنت مجموعة محددة من الدول على عملية صناعة سياسات الصندوق من الناحية التقليدية لتركز القوة التصويتية في يديها. وقد ترتب على قيام الصندوق بمجموعة من المراجعات لنظام الحصص والتصويت إلى حدوث تعديلات في حصص الدول، غير أن أهم الإصلاحات الجوهرية التي تمت على نظام الحصص والتصويت هو ما تم بالفعل في إطار المراجعة الرابعة عشر.

تتمثل الميزة الأساسية في هذا التعديل أنه يأخذ في الاعتبار الحرص على التمثيل المناسب في الحصص للاقتصاديات الأكثر ديناميكية في العالم، كما انه يرفع مساهمة والقوة التصويتية للدول ذات الدخل المحدود في العالم. من ناحية أخرى فقد قام الصندوق بإجراء إصلاحات إضافية في 2010 والتي يترتب عليها نقل حوالي 6% من الحصص في الصندوق إلى الاقتصاديات الديناميكية والدول النامية في العالم. وتعد هذه الإصلاحات أهم عمليات تعديل في نظام الصندوق منذ إنشاءه في 1945، واكبر عملية تحويل للحصص في صالح الدول الناشئة والنامية.

بدخول المراجعة رقم 14 حيز التنفيذ هذا الشهر يتوقع صندوق النقد الدولي الآتي:

• سوف يتم مضاعفة الحصص في رأس مال الصندوق إلى حوالي 751.1 مليار دولار. ولكن هذه الزيادة لن توزع بالتساوي بحيث يستمر توزيع الحصص الحالي كما هو، بل يتم توزيعها وفقا لصيغة رياضية تعكس الدور الذي تلعبه الدولة في الاقتصاد العالمي.

• سوف يتم تحويل حوالي 6% من الحصص من الدول الدولة الممثلة بأكبر مما يجب إلى الدول الممثلة بأقل مما يجب، بصفة خاصة إلى الدول الناشئة والدول النامية، ومن ثم سوف تصبح دول الـ BRICوالتي ترمز للحرف الأول من دول البرازيل وروسيا والهند والصين والمملكة العربية السعودية، من بين أكبر 10 دول التي تمتلك حصصا في الصندوق، كما ستصبح الصين ثالث اكبر دولة عضو في مالكة للحصص في الصندوق.

• سوف تؤدي الإصلاحات إلى زيادة الأصوات الأساسية لثلاث إضعاف تقريبا، حيث تمت زيادة عدد الأصوات الأساسية لكل عضو من 250 صوت إلى 677 صوتا، وهي أول زيادة تتم منذ إنشاء الصندوق في 1945، وبحيث تتماشى القوة التصويتية مع القوة الاقتصادية للدولة الأعضاء في الاقتصاد العالم.

• سوف يتم أيضا الحفاظ على حصة والقوة التصويتية للدولة الأفقر الأعضاء في الصندوق، وهذه الدول هي الدول التي يقل متوسط نصيب الفرد منها من الناتج عن 1135 دولارا في 2008.

• سوف يتبنى الصندوق صيغة رياضية جديدة لتحديد حصة العضو في الصندوق، بدلا من الأسلوب السابق الذي كان يستند إلى تحديد حصة العضو بما يتماشى مع حصص الأعضاء المشابهين للعضو من حيث حجمه الاقتصادي وخصائصه. أما بالنسبة للنظام الجديد لتحديد الحصص، فسوف يتم تحديد الحصة من خلال صيغة رياضية يستخدمها الصندوق في هذا المجال، ووفقا لهذه الصيغة تتحدد حصة العضو من خلال استخدام نظام للأوزان يعتمد على 4 متغيرات هي الناتج المحلي الإجمالي، درجة انفتاح الدولة، درجة تقلب تدفقات صافي رؤوس الأموال إلى الدولة، وأخيرا مستوى الاحتياطيات. ومجموع الأوزان المعطاة لهذه المتغيرات الأربع هو 1، أو 100%. وتحسب الحصة بالضبط كالآتي: يعطى وزن 50% للناتج المحلي الإجمالي للدولة لمدة 3 سنوات (مزيج من قياسين للناتج المحلي الإجمالي، الأول مقاسا باستخدام معدلات الصرف السوقية (60%)، والثاني باستخدام تعادل القوة الشرائية (40%))، ويعطى وزن 30% لدرجة انفتاح الدولة، والذي يقاس بمتوسط خمس سنوات لإجمالي الإيرادات من صادرات السلع والخدمات، وإجمالي المدفوعات على الواردات من السلع والخدمات، كما يعطى وزن 15% لدرجة تقلب تدفقات صافي رؤوس الأموال عبر مدى زمني 13 عاما، وأخيرا يعطى وزن 5% لمتوسط 12 شهرا لاحتياطيات الدولة والتي تشمل احتياطيات النقد الأجنبي، وما تحتفظ به الدولة من حقوق السحب الخاصة، وموقف احتياطيات الدولة لدى صندوق النقد الدولي. كذلك تشمل الصيغة الرياضية معامل ضغط والذي يقلل من التشتت بين الأعضاء في الحصص المحسوبة.

هذه الصياغة الجديدة لحساب الحصص سوف تعني ان الدول ذات الوزن الاقتصادي الأكبر والنمو الاقتصادي الأسرع والمتكاملة بشكل كبير في الاقتصاد العالمي سوف تزداد حصتها وقوتها التصويتية، بينما تتراجع الحصص ومن ثم القوة التصويتية للدول التي يتراجع دورها في الاقتصاد العالمي.

بشكل عام تعد هذه التطورات استجابة للمطالبات طويلة المدى لإصلاح نظام صندوق النقد الدولي ورفع درجة شفافيته، وتعزز هذه الإصلاحات من فعالية صندوق النقد الدولي كما تزيد من درجة مصداقيته كمؤسسة عالمية. فقد كان توزيع الحصص في رأس مال الصندوق يتسم بعدم العدالة بين دول العالم المختلفة، خصوصا بالنسبة لدول العالم الفقير، وهي مجموعة الدول الأحوج لمساعدة الصندوق ومساندته. من ناحية أخرى فعلى الرغم من حدوث تحول هيكلي في القوة الاقتصادية التي تملكها دول العالم الناشئ في الاقتصاد العالمي، إلا أنها ظلت غير ممثلة على النحو الصحيح سواء بالنسبة لنصيبها المفترض في حصص رأس مال الصندوق، أو في القوة التصويتية التي تمتلكها هذه الدول، وطالما طالب الأعضاء في الصندوق بضرورة إصلاح النظام الحالي للحصص لكي يعكس ليس فقط الأهمية النسبية للدول الأعضاء في التجارة والمعاملات المالية الدولية كما هو الحال الآن، وإنما أيضا لإتاحة الفرص بصورة اكبر للدول الأقل تمثيلا في الحصص، بصفة خاصة الدول الفقيرة، وتقليص هيمنة الدول الغنية على عمليات اتخاذ القرارات في الصندوق.

ويكشف الصندوق عن نتائج عملية المراجعة الرابعة عشر للحصص في الصندوق كما هو موضح في الجدول رقم (1)، حيث يتضح ان أكثر عشر دول في العالم استفادة من النظام الجديد هي روسيا والتي ارتفعت حصتها بنسبة 0.50% بسبب النمو القوي الذي تتمتع به وكذلك الزيادة الكبيرة في صافي تدفقات رؤوس الأموال إليها. تليها المملكة العربية السعودية والتي ارتفعت حصتها بنسبة 0.49% بسبب الزيادة الكبيرة في احتياطياتها، ثم الصين والهند والبرازيل والتي ازدادت حصصها بسبب ارتفاع معدلات النمو في ناتجها المحلي الإجمالي، بينما استفادت باقي الدول، ومنها الإمارات العربية المتحدة بسبب تأثير عدد من المتغيرات المحددة للحصص.


أما بالنسبة لأكثر عشر دول تعرضت للخفض في حصصها فتتمثل في الولايات المتحدة الأمريكية واليابان واللتان خسرتا 0.83% و 0.49 على التوالي، والذي يعود إلى تراجع دورهما في الاقتصاد العالمي، بينما تراجعت حصص فرنسا وألمانيا بسبب تراجع صافي تدفقات رؤوس الأموال، أما باقي الدول فيعود الانخفاض في حصصها إلى تراجع مجموعة متغير من العوامل المحددة للحصص.

وأخيرا تجدر الإشارة إلى أن المراجعة الخامسة عشر لإجمالي الحصص في الصندوق سوف تتم في يناير 2013، والتي بناء عليها سوف يتم تقديم تصور حول مراجعة الحصص والقوة التصويتية في يناير 2014 والمتوقع ان يسفر عنها زيادة أيضا في حصص الاقتصاديات الأكثر ديناميكية في العالم وذلك بما يتوافق مع دورها في الاقتصاد العالمي في هذا الوقت.



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق