الثلاثاء، مايو 31، 2011

لقاء مع صحيفة الاقتصادية حول فقاعة أسعار الذهب

نشر هذا اللقاء اليوم في صحيفة الاقتصادية تحت عنوان "التقلبات السعرية للذهب مؤشرات على انهيار عالمي .. الفقاعة ستنفجر"
أكد لـ "الاقتصادية" الدكتور محمد إبراهيم السقا، أستاذ الاقتصاد في جامعة الكويت، أن الاستثمار في الذهب أصبح اليوم أخطر من أي وقت سابق، وربما نلاحظ ذلك في المدى الذي أصبحت تأخذه التقلبات السعرية في الأسابيع الأخيرة، الجميع اليوم مُجمع على أن الفقاعة مقبلة.
وقال: البعض يراها فقاعة قامت لتظل منتفخة إلى الأبد، ويستشهد بذلك بالحجج التي يسوقها أرباب المضاربة في الذهب بأن الذهب معدن نفيس ونادر، وأن دول العالم تطبع النقود لتلقي بها في اقتصادياتها دون زيادة موازية في الناتج أو الإنتاجية، وأن التضخم سيأكل الأخضر واليابس، إلى آخر هذه المبررات المحفوظة عن مستقبل الذهب.
وأشار إلى أن هذه الحجج هي نفسها التي سيقت مع كل فقاعة، فلم يكن أحد في كل مرة يؤمن بأن الفقاعة ستنفجر، وكان الجميع يردد العبارة المألوفة "الوضع مختلف هذه المرة"، ثم يفيق الجميع على الصدمة. والمضاربون في الذهب يرددون العبارة نفسها، الوضع مختلف هذه المرة، والذهب هنا ليبقى، وسعر الذهب يتجه نحو خمسة آلاف دولار، وعشرة آلاف دولار، إلى آخر هذه الدعوات، إنها الدعوات نفسها التي كانت تتكرر مع كل فقاعة، لتثبت أننا بالفعل "عالم لا يتعلم من أزماته".
وحذر أستاذ الاقتصاد في جامعة الكويت المستثمرين الصغار من الدخول في المضاربة على أصل متقلب مثل الذهب طالما أنهم لا يتقنون قواعد اللعبة أو لا يملكون حس المضارب المحترف، وقال في تحذيره للمضاربين الصغار "إن شياطين المضاربة الكبار لا يعدمون وسائل الإغراء وهؤلاء المضاربون الكبار هم أول من سينسحب من السوق دون أن يعلم أحد بذلك عندما توجههم نماذجهم بأن الضغط داخل الفقاعة قد بلغ مداه، أو أن الفقاعة على وشك الانفجار" على سبيل المثال صدم العالم في الأسابيع الماضية عندما علم أن الملياردير سورس (أحد أساطين المضاربة في العالم) قد تخلص من جانب كبيرة من الأصول الذهبية التي يملكها، دون أن يشعر أحد بذلك.
وأضاف "لقد تحول الذهب منذ منتصف العقد الماضي على نحو غير مسبوق من مجرد سلعة إلى أصل أساسي للمضاربة بالشكل الذي أعاد للعالم سيناريو حمى المضاربة في الذهب الذي حدث في نهاية السبعينيات من القرن الماضي وانتهى بكارثة انهيار أسعار الذهب في عام 1980، وبعد أن بدأت البنوك المركزية لبعض الدول المتقدمة، وكذلك صندوق النقد الدولي، في التخلص من رصيدها الذهبي، عندما اكتشفت تلك الدول أن تخزين مثل هذا الأصل لا يقدم أي فائدة ملموسة بالنسبة لعملاتها، حيث يعتمد معدل الصرف أساسا على الأداء الاقتصادي للدولة، ومن ثم الطلب على عملتها في سوق النقد الأجنبي، وليس على ما تملكه الدولة من رصيد ذهبي، إلا أن البنوك المركزية للدول الناشئة التي ليس لها تجربة طويلة مع الذهب كأصل احتياطي أخذت في طلب الذهب وإضافته إلى أصولها الاحتياطية بعد تدهور القوة الشرائية لاحتياطي الدولارية نتيجة المصاعب التي يواجهها منذ اندلاع الأزمة المالية العالمية، ورغبة منها في تنويع هيكل احتياطياتها النقدية".
وقال: "من المعلوم أن الذهب هو معدن الأزمات، حيث يعد الملجأ الآمن في أوقات الحروب أو الأزمات الاقتصادية؛ لأن فيه قيمة ذاتية لخفة وزنة وارتفاع ثمنه، كونه معدنا نفيسا مقارنة بالأصول الأخرى، مشيرا إلى أن السبب الرئيس المسؤول عن زيادة الطلب على الذهب في المرحلة الحالية هو الأزمة المالية العالمية وما صحبها من تطورات، بالطبع أثناء الأزمة تم تطوير سوق منظمة وعلى نطاق واسع للمضاربة في الذهب، ولم يحدث أن شهد التاريخ هذا الحجم من المعاملات اليومية سواء الحاضرة أو المستقبلية في سبائك الذهب، فقد تزايد الطلب على الذهب لأغراض المضاربة من نحو 89 طنا فقط خلال الربع الأول من 2008 إلى 273 طنا في الربع الرابع من 2010، وهي زيادة هائلة جدا، تعكس الاندفاع المحموم الذي تشهده السوق، والاهتمام الكبير بالمعدن لأغراض المضاربة".
ولفت "هذا العام وحتى هذه اللحظة، ارتفع سعر الذهب في المتوسط بنحو 7.5 في المائة، وفي العام الماضي 2010 ارتفع سعر الذهب في المتوسط 27 في المائة، وفي العام الذي سبقه 2009 ارتفع سعر الذهب في المتوسط 23.5 في المائة"، مضيفا "أن معدل ارتفاع سعر الذهب في السنوات الأخيرة يتكون من رقمين وهو معدل مرتفع جدا للعائد، وهذا هو الذي يدفع المراقبين إلى القول إن الذهب يعيش حالة فقاعة سعرية".
وتطرق إلى العلاقة بين طباعة النقود من دون غطاء حقيقي وبين ارتفاع الأسعار، مضيفا في عالم اليوم لم يعد هناك غطاء حقيقي للنقود أيا كان مسماها، فالنقود في دول العالم كافة تغطى بالسندات التي تصدرها الحكومة، إما لتغطية عجز ميزانيتها، أو لهذا الغرض بالذات، وهناك علاقة بين طباعة النقود (بغطاء أو من دون غطاء) وبين ارتفاع الأسعار، فعندما تقوم الدولة بطباعة المزيد من النقود، وهو ما يطلق عليه الأساس النقدي، فإن كل ريال يتم طباعته مضروبا في مضاعف عرض النقود يؤدي إلى زيادة المعروض النقدي، وعندما يتزايد المعروض النقدي تنخفض معدلات الفائدة ويزيد كل من الإنفاق الاستهلاكي والاستثماري وصافي الصادرات، أي ارتفاع مستويات الطلب الكلي، وهو ما يؤدي إلى الضغط على الأسعار نحو الارتفاع، بصفة خاصة إذا كانت معدلات النمو في عرض النقود تتجاوز معدلات النمو في الناتج بصورة كبيرة.
وعلل إفراط الدولة في إصدار النقود بأنها تواجه حالة التضخم الجامح، مثلما حدث منذ ثلاث سنوات في زيمبابوي، وقد تضطر الدولة إلى تخفيض القيمة الاسمية لعملتها نتيجة عملية الإفراط في إصدار النقود ومن ثم تزايد الحاجة إلى إصدار نقود بقيمة مرتفعة (1000، 10000)، إلى غيرها من القيم، مثلما تفكر إيران حاليا في إلغاء ثلاثة أصفار من القيمة الاسمية لوحدات النقد المصدرة من عملتها، وهو ما يؤدي فعليا إلى تخفيض النقود إلى واحد على ألف من قيمتها.
وعكست المضاربات القوية على الذهب ضخ كميات هائلة من المعدن سنويا في سوق الذهب العالمي بلغت في العام الماضي نحو 4110 طنا من الذهب، من بين هذه الكمية تم طلب نحو 3910 أطنان، منها نحو 990 طنا من الذهب في صورة سبائك.

الأحد، مايو 29، 2011

رسم كارتوني عن اليونان وصندوق النقد الدولي

أعجبني جدا هذا الكارتون الذي نشرته صحيفة الاندبندنت البريطانية عن العلاقة بين اليونان وصندوق النقد الدولي، الرسم يوضح صورة امرأة على ظهرها كلمة اليونان من الواضح أنها تعمل خادمة في فندق وتستعد لدخول غرفة من غرف الفندق الذي تعمل فيه ومكتوب عليها صندوق النقد الدولي، غير أنها وهي تستعد للدخول تبدو خائفة وتحمل مكنسة يدوية وتقف على أهبة الاستعداد لضرب أي شخص في الغرفة.
الرسم يحمل أكثر من معنى، فمن ناحية يعكس الرسم قضية مدير صندوق النقد الدولي "شتراوس كان" المتهم حاليا في قضية التعدي الجنسي على خادمة كانت تعمل في الفندق، ويبدو حتى الآن أن التهمة ثابتة في حقه، وبسبب ذلك فقد وظيفته كمدير لأكبر مؤسسة اقتصادية دولية، حيث اضطر إلى الاستقالة من إدارة الصندوق، ويعمل الصندوق حاليا على تحسين صورته مما لحق بها بسبب التصرف المشين لمديره، ويبدو أن فرنسا التي يعد شتراوس أحد رعاياها تريد ان تتأكد أن من يحل محل شتراوس سوف لن يعود لارتكاب نفس الجريمة، فقامت هذه المرة بترشيح امرأة لكي تخلف كان في رئاسة الصندوق.
 المعنى الثاني هو أن اليونان تتعرض حاليا لضغوط هائلة بسبب الصندوق الذي فرض عليها إجراءات صعبة وذلك في إطار سبب برنامج التقشف الذي فرضه عليها الصندوق لمساعدتها على الخروج من أزمتها، وعلى الرغم من ذلك لم يحدث أي تحسن في الأوضاع الاقتصادية لليونان، ولذلك تقف اليونان مستعدة للانتقام من الصندوق نتيجة لذلك.

استمرار تراجع تنافسية الولايات المتحدة

في عالم اليوم تتراجع تنافسية الولايات المتحدة الأمريكية في إنتاج العديد من السلع لصالح دول أخرى مثل الصين. بالطبع في عالم حر يفترض ان تنتقل عناصر الإنتاج من موقع إلى آخر سعيا وراء التكلفة الأقل. على سبيل المثال تتراجع تنافسية الولايات المتحدة في إنتاج الأثاث المنزلي على نحو واضح لصالح دول مثل الصين التي تنتج الأثاث بتكاليف اقل مقارنة بالولايات المتحدة. على سبيل المثال بينما يحصل العامل الأمريكي الذي يعمل في الصناعة على حوالي 12 دولارا في الساعة، فإن نظيره الصيني يحصل على حوالي 170 دولارا شهريا. هذا الفرق الرهيب في تكلفة عنصر العمل دفع صناعة الأثاث إلى الانتقال من الولايات المتحدة إلى الصين.

كرد فعل لتراجع صناعة الأثاث في الولايات المتحدة ومن ثم خسارة المزيد من الوظائف لصالح الصينيين قررت الولايات المتحدة ان تفرض ضرائب جمركية على الأثاث الصيني تحت دعوى ان صناعة الأثاث الصينية تغرق الأسواق الأمريكية بالأثاث رخيص الثمن وهو ما يعطي الولايات المتحدة الحق في فرض ضرائب لمكافحة الإغراق ضد هذه الصناعة، ولأن العالم اليوم هو عالم من ينتج السلعة بتكلفة أقل هو الذي يتسيد الصناعة، بغض النظر عن مصدر العلامة التجارية، ولذلك نجد أن المنتجين الصينيين للتغلب على هذه العقبة قاموا بنقل مراكز الإنتاج من الصين إلى دول أخرى مثل فيتنام، وفي الوقت الذي كان معدل الأجر للعامل الصيني هو 170، فإن العامل الفيتنامي يحصل على 80 دولار شهريا. إذن ما الذي ترتب على الضرائب التي فرضتها الولايات المتحدة ضد الإغراق من المنتجات الصينية، الإجابة هي استمرار الاستيراد من الخارج، وتحول الاستيراد من الصين إلى فيتنام، وفي كلتا الحالتين تستمر تنافسية الولايات المتحدة في التراجع في مقابل منافسيها من الدول الناشئة.
للمزيد من التفاصيل: http://www.washingtonpost.com/world/asia-pacific/from-china-an-end-run-around-us-tariffs/2011/05/09/AF3GRl9G_story.html

الجمعة، مايو 27، 2011

المساعدات الاقتصادية تنهال على مصر

نشر في صحيفة الاقتصادية السعودية بتاريخ الجمعة 27/5/2011
كان من المفترض ان يكون مقالي اليوم هو الحلقة الثانية من مقال ضم الأردن والمغرب إلى دول مجلس التعاون، ولكن الأخبار السارة التي كشف عنها الأشقاء في المملكة العربية السعودية حول حزمة المساعدات المكثفة التي تم تقديمها للاقتصاد المصري حولت اتجاه قلمي 180 درجة نحو موضوع المساعدات السخية الأخيرة التي قدمتها المملكة لمصر.

في أعقاب انطلاق ثورة 25 يناير دار نقاش بيني وبين أخي الفاضل د. مقبل الذكير بمناسبة منع نشر مقالنا الأسبوعي عن ثورة مصر، ربما لسخونة ما احتواه المقالين بمعايير ذلك الوقت، فقد نشرت الاقتصادية بعد ذلك مقالات أكثر جرأة من مقالينا، وأثناء النقاش تعرضنا للمشكلات الاقتصادية المتوقع أن تواجهها مصر في أعقاب الثورة والتي تناولتها بالتفصيل هنا في أكثر من موضع على الاقتصادية، وقد أخبرني د. الذكير أن هذه اللحظة تتطلب وقوف دول الخليج إلى جانب مصر، وأنه سيطالب بأن تقف المملكة إلى جانب الشعب المصري في هذه الظروف.

طوال هذه الفترة وأنا أراقب أوضاع الاقتصاد المصري عن كثب، وتزداد مخاوفي يوما بعد يوم وأنا أرى الكثير من المؤشرات الكلية للاقتصاد المصري تتهاوى أمامي، بصفة خاصة احتياطي مصر من النقد الأجنبي والذي يتآكل بسرعة الصاروخ، بعد أن استغرق الأمر وقتا طويلا من مصر لتكوين هذا الاحتياطي، ومعه بالطبع تزداد المخاوف من انهيار الجنيه، ومن ثم تصاعد مخاطر انطلاق موجة تضخمية تأكل الأخضر واليابس من الدخول الحقيقية لملايين المصريين الذين يعانون أساسا من صعوبة التعايش مع الأسعار الحالية بدخولهم المنخفضة، وترتفع معاناتهم ومطالبهم بزيادة دخولهم، وهو ما يدخل البلد في حلقة خبيثة من الضغوط التضخمية.

فقد أدت الاضطرابات التي سادت في أعقاب الثورة، في ظل الفراغ الأمني والسياسي، حيث لا توجد قيادة سياسية ولا برلمان، وإنما حكومة تصريف أعمال مؤقتة، إلى تردي الأوضاع على نحو أسرع مما كنت أتخيل سابقا في كتاباتي عن الاقتصاد المصري، وقد بات من الواضح ان الاقتصاد المصري يستعد لدخول حالة ركود عميق، حيث انخفضت مستويات الطلب الكلي بصورة كبيرة، وتراجع الإنفاق الاستثماري، بصفة خاصة، على نحو كبير، وتراجع صافي الصادرات إلى مستويات مخيفة، وتضاءلت تدفقات الاستثمار الأجنبي إلى الصفر تقريبا، في الوقت الذي تراجعت فيه الإيرادات السياحية، أحد المصادر الأساسية للدخل بصورة واضحة، وانخفضت معدلات النمو على نحو ينذر بكارثة.

المصادر الوحيدة التي استمرت في التدفق إلى مصر حاليا هي إيرادات قناة السويس وتحويلات المصريين العاملين في الخارج وإيرادات الصادرات الهيدروكربونية، وهي في مجموعها لا تمثل إلا جانبا محدودا من احتياجات مصر من النقد الأجنبي التي تزيد سنويا عن 50 مليار دولارا. من ناحية أخرى فإن التزام مصر بحرية تدفقات رؤوس الأموال وعدم الرغبة في فرض قيود رقابية على العمليات بالنقد الأجنبي، دفعت البنك المركزي المصري إلى ضخ ما يزيد عن 8 مليار دولار في غضون الأشهر الثلاث الماضية لمواجهة عمليات تحويل رؤوس الأموال إلى الخارج والدفاع عن الجنيه المصري وسداد التزامات مصر بالنقد الأجنبي، ومن ثم أصبح الجنيه المصري اليوم  يواجه مخاطر حقيقية أكثر من أي وقت مضى. فقد تراجعت احتياطيات النقد الأجنبي لمصر من حوالي 36 مليار دولارا قبل قيام الثورة إلى حوالي 28 مليار دولارا في آخر ابريل الماضي. وأخذا في الاعتبار معدل التآكل الذي تتم به تلك الاحتياطيات حاليا، فإن احتياطيات النقد الأجنبي ربما تصل إلى الصفر بنهاية هذا العام، إذا لم تتمكن مصر من تعبئة مواردها من النقد الأجنبي.

الوضع بالنسبة لميزانية مصر يعد أكثر سوءا، حيث تواجه مصر الآن وضعا حرجا للغاية بسبب محاولة استيفاء مطالب الفئات المختلفة من خلال رفع الأجور وزيادة الدعم للسيطرة على الأسعار والحفاظ على مستويات المعيشة، في الوقت الذي تتراجع فيه إيرادات الدولة على نحو كبير نظرا لضعف معدلات النمو وانخفاض مستويات الناتج، باختصار شديد مصر تواجه أزمة سيولة حادة.

منذ فترة تحاول مصر الاتصال بالمجتمع الدولي، سواء المصادر المتعددة الأطراف Multilateral (مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي والمجتمع الأوروبي) أو المصادر الثنائية Bilateral (مثل الدول الصديقة) لتوفير تسهيلات مالية ومساعدات اقتصادية قدرت ما بين 10-12 مليار دولارا حتى يونيو 2012.

تجدر الإشارة إلى أن هناك سوء فهم شائع حول مفهوم المساعدات الاقتصادية، حيث يفهمها العامة على أنها هبات أو منح، لا ترد، تقدمها الدول المانحة للدول المتلقية لهذه المساعدات، وهو أمر غير صحيح. فالمساعدات الاقتصادية في معظمها تكون عبارة عن قروض واجبة الرد من جانب الدول المتلقية لهذه المساعدات إلى الدول المانحة مرة أخرى، ويطلق عليها عبارة مساعدات لأنها غالبا ما تكون قروضا بشروط سهلة أو ميسرة، أي أنها إما أن تكون قروض تقدم بمعدلات فائدة منخفضة أو بفترات سماح من احتساب الفوائد عليها، أو بفترات سماح من دفع الأقساط لمدة زمنية محددة، أو قروض تقدم بدون فوائد على الإطلاق، أو قروض تستحق السداد على فترات زمنية طويلة نسبيا. المهم أن الجانب الأكبر من هذه المساعدات سوف يرد إلى الدول المانحة مرة أخرى.

لقد تزايد الاهتمام بتدفق المساعدات إلى الدول النامية باعتبارها مصدرا هاما لتمويل برامج التنمية في دول العالم الثالث بعد أن أعلنت الأمم المتحدة عقد الستينيات من القرن الماضي "عقدا للتنمية"، والذي حدد هدفين أساسيين بحلول عام 1970 هما: تحقيق معدل نمو سنوي يصل إلى 5% في الدول النامية، وزيادة تدفق المساعدات التنموية بصورة جوهرية إلى تلك الدول. ولتحقيق هذا الهدف طالبت الأمم المتحدة الدول الغنية بتخصيص 1% من ناتجها المحلي الإجمالي لمساعدة الدول النامية، وتم إنشاء مجموعة مساعدات التنمية Development Assistance Group في عام 1960، وأعلن عن أنها ستركز في عملها على مساعدة الدول النامية على التغلب على مشكلة الفقر. غير أن نتائج التطبيق جاءت مخيبة للآمال، فتم تخفيض النسبة المستهدفة للمساعدات إلى 0.7% من الناتج المحلي الإجمالي للدول الغنية في العقد الثاني للتنمية خلال السبعينيات (أي أقل من 1%).

من ناحية أخرى أعلنت لجنة مساعدات التنمية عن أن عقد التسعينيات سوف يركز على التعاون من أجل التنمية والمحافظة على البيئة، في إطار مفهوم للمشاركة في التنمية يهدف بصفة أساسية إلى دعم استدامة النمو الاقتصادي، حيث عبر أعضاء لجنة مساعدات التنمية عن أنهم سوف ينتهزون الفرص للعمل مع الدول النامية لتوفير الشروط اللازمة لقطاعات إنتاجية ديناميكة، وتقوية روح المبادرة وتقوية دور المشروعات الخاصة وقوى السوق ودعم المشاركة الفردية في تلك المجتمعات، وتشجيع الديمقراطية وحقوق الإنسان، فضلا عن تشجيع الاستخدام الكفء للموارد وخلق مناخ أفضل لعدالة توزيع الدخول في تلك الدول.

والآن ما هو مغزى ومضمون ذلك؟ الإجابة هي أن المساعدات الاقتصادية هي أحد الالتزامات التي ينبغي على الدول الغنية أن تقوم بتقديمها سنويا إلى الدول الفقيرة في العالم، وينبع هذا الالتزام من المسئولية الأخلاقية للدول المانحة أولا، والمسئولية التي تفرضها عضويتها في هذا المجتمع الدولي ثانيا، وتلك خلفية أردت أن أفصلها للقارئ في دول الخليج بالذات. فمن وقت لآخر أقرأ على الصحف اتهامات للحكومات الخليجية بأنها تنثر أموالها في كل مكان في الخارج بينما تضن بها على المواطن الخليجي، وهذا غير صحيح! فحكومات الدول الغنية لا تنثر أموالها هكذا كما هو مفهوم، كما أن قيامها بتقديم المساعدات للدول الفقيرة ليس خيارا لتلك للحكومات وإنما التزاما عليها في عالم اليوم، كونها عضو في المجتمع الدولي وعضو في منظماته الدولية التي تتخذ من مبدأ المساعدات الاقتصادية هدفا أساسيا لها مثل برنامج الأمم المتحدة للتنمية، ومن ثم فإنه عندما تقوم حكوماتنا بتقديم مساعدات للدول الأخرى فإنها لا تنثر الأموال كما يشاع، وإنما تستوف أحد التزاماتها تجاه المجتمع الدولي التي هي عضو فيه.

الآن أعود إلى الموضوع الأساسي لهذا المقال، هذا الأسبوع حدثت انفراجة كبيرة في الموارد المالية المتاحة لمصر، من خلال تدفق غير مسبوق للمساعدات للاقتصاد المصري، حيث تم تقديم عروضا سخية لمنح ومساعدات من الولايات المتحدة والمملكة العربية السعودية والبنك الدولي لدعم الاقتصاد المصري، والبقية تأتي. وكان الرئيس أوباما هو أول من أعلن عن تقديم مساعدات للاقتصاد المصري حيث قال بأنه سوف يعفي مصر من ديون تصل إلى مليار دولار إضافة تقديم إلى مليار دولار أخرى ستقدم في صورة قروض لتمويل مشروعات للبنية التحتية وخلق الوظائف من خلال تمويل المشروعات كثيفة الاستخدام لعنصر العمل.

هذا الأسبوع طالعتنا الصحف بقرار الأشقاء في المملكة العربية السعودية بدعم الاقتصاد المصري بحوالي أربعة مليار دولار، تتوزع بين منح لا ترد، وقروض ميسرة وودائع مصرفية لدى البنك المركزي. تفاصيل حزمة المساعدات سوف تكون تقديم 500 مليون دولار على شكل منحه عاجلة لدعم الميزانية العامة التي تعاني من مشكلة خطيرة في الموارد حاليا، خصوصا وأن مصر مقدمة على اعتماد اكبر ميزانية في تاريخها بحزمة زيادات كبيرة في الأجور والدعم، ومن ثم تحقيق عجز فلكي، يتوقع وفقا لبعض التقديرات بأن يصل إلى حوالي 11% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو تقريبا 4 أضعاف الحدود الآمنة لنسبة العجز إلى الناتج المحلي الإجمالي. كما سيتم تخصيص 200 مليون دولارا كمنحة لصالح صندوق تمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة.

هذا هو عنصر المنحة التي لا ترد في المساعدات المقدمة من الأشقاء في المملكة. باقي المساعدات سوف تكون 500 مليون دولارا لشراء سندات للخزانة المصرية وذلك وفقا للقواعد التي ستتم عليها عمليات طرح تلك السندات، وذلك للمساعدة في تمويل عجز الميزانية العامة للدولة، وقرض ميسر بقيمة 500 مليون دولارا و 500 مليون دولارا أخرى في صورة قروض ميسرة من الصندوق السعودي للتنمية. كذلك سوف يتم تخصيص 750 مليون دولارا كمساعدات لعملية تمويل الصادرات السعودية إلى مصر، وذلك لدعم الصادرات المصرية، وأخيرا سوف يتم إيداع مليار دولار كوديعة لدى البنك المركزي المصري، وسوف يتم الاتفاق لاحقا على كيفية الإيداع وشروطه. بهذا الشكل يبلغ إجمالي المساعدات المقدمة من المملكة الشقيقة إلى مصر 3950 مليون دولارا، وهي بكل المقاييس أضخم المساعدات الثنائية التي تم تقديمها إلى الاقتصاد المصري حتى الآن.

الدعم السعودي لمصر ليس وليد اليوم، فقد وقف الأشقاء السعوديون بجانب مصر بعد هزيمة 5 يونيو، عندما تعهدت المملكة مع باقي الدول العربية النفطية بإعادة بناء الجيش المصري، وتقديم الدعم المالي اللازم للمجهود الحربي المصري للاستعداد للحرب القادمة مع إسرائيل، وقد قدمت المملكة مئات الملايين من الدولارات سنويا لهذا الغرض، حتى تحقق نصر العرب على إسرائيل في حرب 6 أكتوبر 1973، واستمر الدعم العربي أيضا بعد الحرب، حتى بدأ السادات في الاتصال باليهود وعقد معهم معاهدة السلام، فتم استبدال المعونات العربية بالمعونة الأمريكية. نحن في مصر نكن كل الاحترام والحب لإخواننا في المملكة، ونسأل الله أن يقدرنا على رد الجميل لهذا البلد العظيم بقيادته وشعبه الكريم، فمصر لا تنسى أبدا من وقف بجانبها، وفي أيام عزها، لم تبخل مصر بمساعداتها على أي دولة شقيقة. 

هذا الأسبوع أيضا أعلن البنك الدولي أنه سوف يقدم مساعدات إلى مصر بمبلغ 4.5 مليار دولار على مدى السنتين القادمتين. كذلك فإن بعثة صندوق النقد الدولي تزور القاهرة حاليا لتقييم احتياجات الاقتصاد المصري للسيولة تمهيدا لتحديد حزمة المساعدات التي سيقدمها الصندوق لمصر وشروط هذه المساعدات. أتوقع أيضا أننا سوف نسمع أخبارا سارة قريبا من الصندوق الكويتي للتنمية بتقديم مساعدات للاقتصاد المصري تقدر بحوالي 3 مليار دولارا، هناك حديث أيضا عن مبادرة قطرية وإماراتية في الأيام القادمة.

هذه الحزمة من المساعدات أبلغ رد على الشائعات التي تتردد هذه الأيام بأن بعض الحكام العرب يشترط الإفراج عن حسني مبارك أو عدم محاكمته كشرط لتقديم المساعدات لمصر، وهي شائعات أقل ما يمكن أن توصف به بأنها سخيفة، فما بين مصر ودول الخليج من روابط أعمق وأوثق من إطلاق حرية حسني مبارك أو محاكمته. لقد جاء تدفق هذه المساعدات في الوقت الحرج، فمما لا شك فيه أن هذه المساعدات السخية سوف تسهم في تعزيز إمكانيات الاقتصاد المصري، وتساعده على تجاوز تداعيات الأحداث التي لحقت بالثورة بما لها من آثار سلبية عديدة، بصفة خاصة على الميزانية العامة للدولة.

من الواضح أن أصدقاء مصر يقدرون الوزن الذي تمثله مصر ودورها الحيوي كضابط للأمن والاستقرار في المنطقة، ويعلمون أن ما تمر به مصر حاليا من أوضاع انتقالية، إنما هو انتقال نحو الأفضل، أي نحو دولة الديمقراطية والقانون والمؤسسات، دولة خالية من الفساد، دولة تتطلع إلى أن تقوم بدورها العربي والإقليمي كما يجب، من منطلق مسئوليتها الحقيقية نحو أشقاءها، وأن ما تمر به مصر حاليا هو أوضاع مؤقتة.

أصدقاء مصر يدركون مدى صعوبة الوضع الاقتصادي الذي تواجهه مصر حاليا، وحاجتها الماسة إلى السيولة من النقد الأجنبي، ومن الواضح أيضا أن أصدقاء مصر فعلوا ما هو مطلوب منهم، الكرة الآن في ملعب المصريين، عليهم أيضا أن يفعلوا ما هو مطلوب منهم في هذه المرحلة الحرجة من تاريخ مصر حتى يتمكنوا من البناء على مكاسب الثورة والوصول بقاربها إلى بر الأمان بإذن الله تعالى، وأنا واثق من أن حكمة المصريين سوف تمكنهم من التغلب على كافة العقبات التي تخلقها القوى الداعمة لعدم الاستقرار حاليا في مصر. فالشعب الذي صنع هذه الثورة العظيمة التي تعد أعظم ثورات التاريخ، قادر بأن يتغلب على مشكلاته وأن يعبر بمصر إلى قائمة الدول الناشئة في هذا العالم بإذنه تعالى. الأسبوع القادم أعود إلى الجزء الثاني من مقال ضم الأردن والمغرب إذا أحيانا الله.

الجمعة، مايو 20، 2011

ضم الأردن والمغرب: عناصر البيئة الاقتصادية الكلية

نشر في صحيفة الاقتصادية السعودية بتاريخ الجمعة 19/5/2011.
تفاجئ الجميع، وأنا منهم، في الأسبوع الماضي بالإعلان عن ترحيب دول مجلس التعاون بانضمام كل من الأردن والمغرب إلى مجلس التعاون الخليجي، بصفة خاصة كان توقيت الانضمام مفاجئا للجميع، حيث لم يعلن من قبل عن أي إعلان لرغبة هذه الدول في الانضمام للمجلس، وكان المجلس قبل ذلك قد رفض بشكل مبطن مقترحات التوسع جنوبا بضم اليمن، أو شمالا بضم العراق، وقد تناولت فيما سبق فكرة انضمام اليمن والعراق إلى مجلس التعاون وذكرت في أكثر من موضع أن انضمام هاتين الدولتين إلى المجلس سوف يترتب عليه تكاليف تفوق العوائد المتوقعة من انضمامهما، بصفة خاصة أن التكلفة المادية على المجلس لإحداث التقارب المطلوب لتكامل ناجح مع هاتين الدولتين وباقي دول المجلس سوف تكون باهظة.

طوال الأسبوع الماضي توالت المقالات التي تتناول الموضوع بين معارض بشدة، ومؤيد بشدة لتوسيع نطاق مجلس التعاون، غير أن أيا من تلك المقالات لم يستند في رأيه إلى تحليل الواقع الاقتصادي لهذه الدول للحكم على احتمالات نجاح مثل هذه التوسع. سوف أحاول في هذا المقال تحليل عناصر البيئة الاقتصادية الكلية لدول المجلس مقارنة بكل من الأردن والمغرب للتعرف على أوجه التشابه والاختلاف بين المجموعتين، وبناءا عليه يمكن الحكم على ما إذا كان من الممكن إطلاق تعاون اقتصادي ناجح بين دول المجلس بالتوسع من خلال ضم هاتين الدولتين إلى المجلس أم لا.

من الناحية النظرية تشير نظرية التكامل الاقتصادي إلى أن التكتل الاقتصادي يكون ناجحا في حالة تشابه الهياكل الاقتصادية والسياسية للدول الأعضاء، وتقارب مستويات الدخول وأنماط الاستهلاك والإنفاق .. الخ، حيث يسهل في هذه الحالة تعظيم العوائد من المنافع التي يمكن أن تنشأ عن التكامل الاقتصادي والتبادل التجاري الحر بين الدول. بصفة خاصة يفترض أن يترتب على التكامل حدوث خلق للتجارة بين الدول الأعضاء Trade Creation، ويحدث خلق التجارة عندما يؤدي دخول دول في اتحاد جمركي إلى تحويل إنتاج سلع أو خدمات من منتج ذو تكلفة مرتفعة إلى منتج يمكنه إنتاج تلك السلع وتقديم تلك الخدمات بتكلفة منخفضة، الأمر الذي يرفع من مستويات الكفاءة والرفاهية في التكتل.

غير أنه من الممكن أيضا أن يترتب على توسع التكتل حدوث تحويل للتجارة بين الدول الأعضاء Trade Diversion، ويحدث تحويل التجارة عندما يؤدي دخول الدول في الاتحاد الجمركي إلى تحويل إنتاج سلع أو خدمات من منتج ذو تكلفة منخفضة إلى منتج ينتج تلك السلع أو يقدم تلك الخدمات بتكلفة مرتفعة. حيث من الممكن ان يترتب على المزايا الجمركية التي ستتمتع بها الدول المنضمة إلى التكتل إلى تحويل عملية استيراد بعض السلع من الخارج، حيث التكلفة الأقل نحو هذه الدول المنضمة حيث تكون تكلفة الإنتاج أعلى، وهو ما يقلل من مستويات الكفاءة والرفاهية في التكتل.

لتقييم مدى استعداد دول المجلس لضم الأردن والمغرب، ومدى جاهزية هذه الدول للدخول في تكتل ناجح مع دول المجلس فإن الجدول رقم (1) يوضح متوسط المؤشرات الاقتصادية الكلية الأساسية للدول الثمانية خلال الخمس سنوات الماضية 2006-2010، ويلاحظ الجدول الآتي:

أولا: أن دول مجلس التعاون تشترك في خاصية أساسية هي أنها مصدر صاف للنفط، حيث تشكل الإيرادات النفطية العمود الفقري للصادرات والإيرادات الحكومية والناتج المحلي الإجمالي بشكل عام، بينما نجد أن الأردن ليست دولة نفطية ولا تصدر نفطا، وإنما تعد مستورد صاف للنفط، في الوقت الذي تصدر فيه المغرب كميات ضئيلة من النفط، والتي بلغت قيمتها في عام 2010 حوالي 490 مليون دولارا فقط، ومن ثم لا يلعب النفط فيها دورا ذو أهمية بالنسبة للناتج المحلي الإجمالي أو الإيرادات الحكومية، وهو ما ينعكس في معدلات النمو، ومتوسط نصيب الفرد من الناتج، ونسبة الاستثمار والادخار على المستوى الكلي.

ثانيا: أن هناك تفاوتا واضحا بين معدلات النمو الحقيقي للناتج المحلي الإجمالي بشكل عام بين دول المجلس وكل من الأردن والمغرب. إذ يرتفع متوسط معدل نمو الناتج في دول المجلس، حيث يبلغ 6.7% خلال الخمس سنوات الماضية، عن كل من الأردن والمغرب والذي يبلغ 5.4%. غير أنه تنبغي الإشارة إلى أن هذه الفروق تخفي اختلافات واضحة في معدلات النمو بين دول المجلس، حيث بلغ متوسط معدل النمو للناتج الحقيقي في قطر 19.1%، مقارنة بـ 2.3% فقط في الكويت، ويلاحظ أن تواضع متوسط معدلات النمو في الناتج الحقيقي في كل من المملكة العربية السعودية والكويت يرجع أساسا إلى تدهور معدلات النمو في السنوات الأخيرة التي تلت الأزمة المالية العالمية، حيث تراجعت أسعار النفط بصورة كبيرة، والواقع أننا إذا ما أخذنا السنوات التي سبقت الأزمة في الاعتبار سوف نجد أن هناك تفاوتا كبيرا في متوسط معدل نمو الناتج الحقيقي بين دول مجلس التعاون وبين كل من الأردن والمغرب. من ناحية أخرى يلاحظ أن هذا التقلب الواضح في معدلات نمو الناتج الحقيقي في دول المجلس يقابله استقرار نسبي في معدلات النمو للناتج الحقيقي في كل من الأردن والمغرب اللتان لا يتعرض اقتصاديهما لهذه التقلبات نظرا لضعف نصيب قطاع النفط في الناتج المحلي الإجمالي لكلا الدولتين كما سبقت الإشارة.

ثالثا: يلاحظ ان هناك تفاوتا واضحا جدا بين هياكل الدخل في دول مجلس التعاون وكل من الأردن والمغرب، ففي الوقت الذي بلغ فيه متوسط نصيب الفرد من الناتج في دول المجلس خلال الخمس سنوات الماضية 36166 دولارا، اقتصر متوسط نصيب الفرد من الناتج في الأردن والمغرب على 3207 دولارا فقط، مما يعني أن متوسط نصيب الفرد من الناتج في دول المجلس يبلغ أكثر من 11 ضعف مستواه في هاتين الدولتين، وهو ما يعكس وجود فوارق كبيرة في مستويات الدخول للمقيمين في المجموعتين. هذا التفاوت الواضح في مستويات الدخول بين المجموعتين يعد أحد العوائق الأساسية لتكتل اقتصادي ناجح نظرا لاختلاف القوة الشرائية للمستهلكين، ومن ثم الأسواق، على نحو واضح بين المجموعتين من الدول.

رابعا: على الرغم من ارتفاع مستويات الناتج في دول المجلس بالنسبة لكل من الأردن والمغرب، إلا أن متوسط معدل الاستثمار إلى الناتج في هاتين الدولتين (30%) أكبر من متوسط معدل الاستثمار إلى الناتج في دول المجلس (25.1%)، وهو ما يعكس بالدرجة الأولى فروق مستويات الناتج بين المجموعتين. غير أنه تنبغي الإشارة إلى ان تواضع معدلات الاستثمار إلى الناتج في كل من الكويت (15.5%) والإمارات العربية المتحدة (21.4%) والمملكة العربية السعودية (23%) خلال الخمس سنوات الأخيرة قد تأثر بالتراجع الذي حدث في الإيرادات النفطية نتيجة تدهور أسعار النفط في أعقاب الأزمة، وهو ما يعكس حقيقة أن الدول النفطية تميل إلى زيادة إنفاقها الاستثماري والجاري عندما ترتفع أسعار النفط، وعند تراجع تلك الأسعار تستمر تلك الدول في تمويل إنفاقها الجاري، لأنه غير قابل للتخفيض، بينما تتأثر خطط الإنفاق الاستثماري فيها على نحو واضح مع تراجع إيراداتها النفطية. من ناحية أخرى تتسم معدلات الاستثمار إلى الناتج في كل من الأردن والمغرب بالاستقرار النسبي بصورة أكبر من دول المجلس.
خامسا، هناك اختلافا كبيرا بين معدلات الادخار (كنسبة من الناتج) في كلا المجموعتين، ففي الوقت الذي يصل فيه متوسط معدل الادخار في دول المجلس إلى 42.2%، فإن متوسط معدل الادخار في الأردن والمغرب لا يتجاوز 24%، ومن الجدول أيضا يلاحظ أن أعلى معدلات الادخار المتوسط توجد في قطر (54.6%) والكويت (52.3%) وهي معدلات مرتفعة جدا وتعد من أعلى المعدلات في العالم، في الوقت الذي يقتصر فيه متوسط معدل الادخار في الأردن 16%.
سادسا: تختلف معدلات التضخم بشكل واضح بين كل من دول المجلس والأردن والمغرب، حيث يصل معدل التضخم في المتوسط في دول المجلس خلال السنوات الخمس الماضية إلى 5.5%، بينما اقتصر معدل التضخم في المغرب على 2.2%، في الوقت الذي يتجاوز فيه معدل التضخم في الأردن متوسط معدل التضخم في دول مجلس التعاون. هذا الاختلاف الواضح في معدلات التضخم بين المجموعتين من الدول يحمل تهديدا واضحا لأي جهود لضم الدولتين إلى اتفاقية الاتحاد النقدي لدول المجلس.
للتعرف على الأوضاع المالية للحكومات في الدول الثمانية يوضح الجدول رقم (2) نسبة الإيرادات الحكومية والإنفاق الحكومي والدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي في هذه الدول خلال الخمس سنوات الماضية، ومن الجدول يتضح لنا أن هناك فروقا جوهرية بين متوسط إيرادات الحكومة بالنسبة للناتج، ففي الوقت الذي يبلغ فيه متوسط نسبة الإيرادات الحكومية إلى الناتج 43.3% خلال السنوات الخمس الماضية، فإن تلك النسبة تقتصر على 27% في كل من الأردن والمغرب.
غير أننا نلاحظ من الجدول أنه على الرغم من التفاوت الكبير في نسبة الإيرادات الحكومية إلى الناتج بين دول المجلس وكلا من الأردن والمغرب، إلا أن متوسط نسبة الإنفاق الحكومي إلى الناتج في المجموعتين شبه متساوية تقريبا (30.7% في دول المجلس و30.5% في الأردن والمغرب)، وهو ما يعكس اشتداد الحاجة لدى حكومات كل من الأردن والمغرب للاقتراض لتمويل الفرق بين نسب الإيرادات الحكومية والإنفاق العام. لذلك نجد أن هذه الفجوة الواضحة بين الإيرادات العامة والإنفاق العام في دول المجلس تنعكس بصورة واضحة في تضاءل نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي في دول مجلس التعاون، في الوقت الذي ترتفع فيه نسبة الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي في الأردن (64.9%)، والمغرب (52%)، والتي تبلغ في المتوسط للدولتين معا 58.4%، وهي نسبة مرتفعة.
من ناحية أخرى يوضح الجدول رقم (3) متوسط معدلات البطالة المسجلة في بعض دول مجلس التعاون وكلا من الأردن والمغرب وكذلك أعداد السكان في الدول الثمانية، ومن الجدول يتضح أن معدل البطالة في كل من الأردن والمغرب مرتفع بشكل عام، مقارنة بالوضع في باقي دول المجلس (باستثناء المملكة العربية السعودية، حيث يصل متوسط معدل البطالة خلال السنوات الخمس الماضية 10.7%)، ويعني ذلك ان ضم هاتين الدولتين سوف يعني ضم دول تعاني من الناحية التقليدية من ارتفاع معدلات البطالة في أسواق العمل فيها.
يتضح أيضا من الجدول أن كل من الأردن والمغرب لهما نفس الثقل السكاني لكافة دول المجلس، وإذا ما قصرنا أعداد السكان على المواطنين، سوف نجد أن عدد السكان في كل من الأردن والمغرب سوف يفوق عدد سكان دول المجلس بصورة واضحة، ويعطي هذا المؤشر صورة حول حجم سوق المستهلكين في كل من المجموعتين وإجمالي المستهلكين في أسواق المجموعتين بعد الانضمام. وعلى الرغم من تفوق أعداد المستهلكين من المواطنين في كل من الأردن والمغرب على أعداد المستهلكين من المواطنين في دول المجلس، فإن ذلك لا يعكس شيئا، نظرا للفروق الواضحة في القوة الشرائية بين المجموعتين والتي توضحها البيانات الخاصة بمتوسط نصيب الفرد من الناتج في الجدول رقم (1).
والآن في ظل هذه المؤشرات الاقتصادية المختلفة عن الدول الثمانية، هل يجب أن يتوسع مجلس التعاون لدول الخليج العربية بضم الأردن والمغرب، هذا ما سوف نتناوله في الحلقة القادمة من هذا المقال إذا أحيانا الله سبحانه وتعالى.

الثلاثاء، مايو 17، 2011

لا نريد اعتذارك يا مبارك

تناقلت بعض الصحف اليوم أخبارا عن أن السجين المخلوع اللاحسن واللا مبارك ينوي أن يقدم اعتذارا للشعب المصري عما فعله أثناء حكمه لمصر طوال ثلاثة عقود من الزمن تراجع فيها كل شيء في مصر، الصحة والتعليم والاقتصاد والدخول والأمن والقيم وكرامة الانسان المصري وقيمته.... والقائمة طويلة جدا وأكبر من قدرتي على حصرها في هذا المقال.
أخيرا تنازل العنيد عن عناده وأدرك أنه لم يكن الشخص المناسب لكي يحكم هذه البلد طوال هذه السنوات التي ضيعنا فيه، ضيع الله نسله، ويريد أن يعتذر لنا عما فعلته سنوات حكمه فينا، بعد ايه، بعد أن اصبحت قدماك على أعتاب القبر؟ ولم يعد فيك حول ولا قوة لأن تفجر فينا انتقامك، بعد أن انفض المولد من حولك، واصبح كل رجالك في السجن ينتظرون قدومك المبارك اليهم، بعد أن تركت الحبل على مصراعيه لابنك المدلل لكي يفسد الحياة السياسية في مصر ويقرب اليه من يقرب ويبعد من يبعد، بعد أن حولتنا الى عبيد رغيف الخبز نصحو قبل الفجر حتى نقف طوابير طويلة علنا نستطيع ان نحصل على عدة ارغفة تكفي قوت اولادنا، وياليته خبز يصلح للاستهلاك الآدمي، بالطبع أنت لا تعرفه لأنك لم تأكله، بعد ان أصبح أكل وجبة من اللحم حلم يراود كل فقير ويتمنى أن يراها على مائدته قبل ان توافيه المنية، بعد أن فسد التعليم على كل المستويات بدءا من الصف الأول الابتدائي الى الجامعة، بعد أن سحبت حق الفقراء في ان يجدوا من يعالجهم كما يستحقون وبكرامة، بعد أن حولت شبابنا الى جيوش من العاطلين الذين لم يجد بعضهم بدا من أن يتحول الى بلطجي لكي يجد ما يسد رمقه، بعد أن بعت البلد بالكامل، بعد ايه والا أيه؟
إذهب أولا لتعتذر لأهالي 865 شهيدا قتلتهم في ثورتهم عليك، من قتلت ابنها الشاب، وزوجها المعيل وطفلها الوحيد. إذهب الى الآلاف الذين اصابتهم طلقات بلطجيتك وتحول الكثير منهم الى مقعدين لا حول لهم ولا قوة، الذي اصيب بالشلل والذي اصيب بالعمى ... إذا قبل هؤلاء اعتذارك تعال لنا لكي تعتذر.
بالأمس تنازلت زوجتك ست البيت عن ممتلكاتها، طامعة في أن يعفى عنها، وهو أعجب ما سمعت، هل يسقط الحكم عن الحرامي عندما يقوم بالتنازل عن ما سرقه.
أذكر أن حدثني زميلي الراحل الدكتور رمزي زكي أنه عندما دعوته لحفل تكريم الحاصلين على جائزة الدولة التشجيعية، نظرت الى جموع المكرمين بمنتهى التعالي وقلت لهم أنتم تحملون درجة الدكتوراه، أنا أيضا لدي دكتوراه في العناد. نعم أعلم أنك لديك دكتوراه في العناد مع مرتبة الشرف، وقد شعرنا جميعا بحصولك عليها مما فعلته فينا. ولكن اذا كانت لديك دكتوراه في العناد كما تدعي كيف تعتذر؟
لا أجد سوى هذه الآية ازفها اليك " لا تعتذروا اليوم انما تجزون ما كنتم تعملون"، صدق الله العظيم. 

سرعات النمو في الاقتصاد الأوروبي ما زالت متفاوتة

صدر أول أمس تقرير الـ Eurostat (مركز الاحصاءات الأوروبي) عن تقديرات النمو في منطقة اليورو عن الربع الأول من 2011، والذي أشار الى ان المنطقة حققت معدل نمو في هذا الربع بمعدل 0.8% (أي 3.2% على أساس سنوي)، وهو معدل نمو كبير يزيد بصورة واضحة عن معدل النمو الذي حققه الاقتصاد الامريكي في نفس الفترة والذي يصل الى 1.8%. لا شك ان هذه المعدلات تعكس نموا قويا للاتحاد الأوروبي، واذا استمر نمو الطلب الكلي على هذا النحو في المنطقة فإن ذلك سيعني ان الاتحاد الأوروبي سوف يتكيف بصورة سريعة مع الانحسار الاقتصادي.

غير ان هذا النمو يحمل تفاوتا كبيرا بين الدول الاعضاء في المنطقة، حيث ما زالت المانيا وفرنسا تحققان معدلات نمو مرتفع مقارنة بباقي اعضاء المنطقة، فوفقا للتقرير فإن حوال 70% من هذا النمو المحقق في المنطقة تحقق في المانيا وفرنسا، حيث بلغ معدل النمو في الأولى 1.5% (6% على أساس سنوي، والثانية 1% (4% على أساس سنوي)، وهي معدلات نمو تعد استثنائية في ظروف الأزمة. تجدر الاشارة الى ان بعض الدول الاوروبية الصغيرة قد حققت معدلات نمو كبيرة مثل ليثوانيا التي بلغ معدل النمو بها 3.5% (14% على أساس سنوي)، وأستونيا 2.1% (8.4% على أساس سنوي)، ولكن يظل تأثير هذا النمو محدودا داخل المجموعة نظرا لضعف تأثير هذه الدول على التكتل.

من ناحية أخرى فقد حققت البرتغال معدل نمو سالب 0.7% (-2.8% على أساس سنوي)، بينما لم تحقق قبرص أي نمو (0%)، واقتصر النمو في إيطاليا على 0.1% (0.4% على أساس سنوي)، وأسبانيا وفنلندا على 0.3% (1.2% على أساس سنوي). الشكل التالي يوضح معدلات النمو الربع سنوي في الربع الأول من عام 2011 للدول الأعضاء التي شملها التقرير.




من الناحية الاقتصادية يعد تفاوت سرعات النمو بين الدول الأعضاء في تكتل اقتصادي مشكلة كبيرة، خصوصا بالنسبة للدول التي تنسق سياساتها النقدية مثل الدول الأعضاء في اليورو، حيث تصبح عملية صناعة سياسة نقدية تتوافق مع الأوضاع الاقتصادية للدول الأعضاء مسألة في غاية التعقيد نظرا لتفاوت آثار السياسة بين الدول حسب حالة النمو التي تمر بها.

المصدر: Eurostat “Euro indicators” 69/2011 - 13 May 2011

الأحد، مايو 15، 2011

صندوق النقد الدولي بدون رئيس

ألقي القبض اليوم على رئيس صندوق النقد الدولي شتراوس كان في نيويورك بعد أن وجهت اليه تهم بالاعتداء الجنسي على احد الموظفات في فندق في مانهاتن، وقد اشارت الانباء اليوم الى ان شتراوس كان تم القبض عليه على متن الطائرة التي كانت ستقلع به الى باريس قبل الاقلاع بدقيقتين، ثم تم تسليمه الى شرطة نيويورك لاجراء التحقيقات معه.

بهذا الشكل يصبح صندوق النقد الدولي، أكبر مؤسسة اقتصادية دولية، بدون رئيس في وقت حرج جدا، حيث تناقش العديد من القضايا ذات الأهمية، بصفة خاصة على المستوى الأوروبي، مثل الانتهاء من برنامج التثبت الاقتصادي للبرتغال، وقضية التعامل مع التطورات التي تجري حاليا في اليونان، واحتمالات اتساع مشكلة الديون السيادية الأوربية.

اليوم أعلنت مديرة العلاقات الخارجية في صندوق النقد الدولي كارولين اتكينسون أن مدير الصندوق القي القبض عليه، وأن الصندوق ليس لديه أية تعليقات على الموضوع، وأن أي استعلامات حول الحالة يجب أن تقدم الى محاميه الشخصي والسلطات المحلية في نيويورك. من ناحية أخرى أشارة السيدة اتكينسون ان الصندوق سوف يظل يعمل كما هو Business as usual.
للاطلاع على بيان الصندوق راجع: http://www.imf.org/external/np/sec/pr/2011/pr11179.htm



ماذا يحدث حاليا في سوق الفضة

منذ أن بدأت اسعار الفضة في بلوغ معدلات فلكية، توقفت توقعات المتضاربين على أن الفضة سوف تواصل رحلة الصعود المثير الذي شهدته في الاشهر الاخيرة، خصوصا في الشهر الماضي حيث اقترب سعر الفضة من حاجز الخمسين دولارا، وهو أعلى مستوى سعري بلغته الفضة منذ ثلاثة عقود.

تشير بيانات اسواق السلع أن الأموال التي كانت مستخدمة في المضاربة على الفضة أخذت في التحول عن المعدن، وأن عقود المستقبليات على التجارة في الفضة أخذت في التراجع عن المعدن، حيث أخذا المتعاملون في المعدن في رفع الهامش الذي يطالبون به (النقود التي يجب على المستثمر ان يقدمها لا برام العقد) على الاتجار في عقود الفضة لحثهم على الدخول في مثل هذه العقود، والتي بلغت حوالي 85%، الأمر الذي يعكس تراجع الثقة في المعدن، وهو ما ادى الى تراجع العقود المستقبلية في الفضة على نحو كبير، مما أدى الى تراجع القيم السوقية لصناديق المضاربة في المعدن مثل iShares Silver Trust بصورة حادة هذا الشهر.

تراجع عقود المستقبليات في المعدن يشير الى تراجع الثقة في المعدن، بالطبع هناك بعض العوامل قصيرة الاجل، بصفة خاصة مركز الدولار الذي ارتفع بالنسبة لليورو بعد ورود اخبار الى احتمال ان تترك اليونان اليورو وتعود مرة أخرى الى عملتها (الدراخمة اليونانية) لمعالجة أزمة ديونها السيادية. للاطلاع على تطورات سوق الفضة راجع:

السبت، مايو 14، 2011

رسم كارتوني عن اليونان

الأوضاع في اليونان تزداد تعقيدا يوما بعد يوم، في ظل إصرار الاتحاد الأوروبي على عدم السماح لليونان بالانفصال عن الاتحاد النقدي، ولو على نحو مؤقت، لمعالجة أوضاعها المالية السيئة، ثم العودة مرة أخرى إلى الاتحاد النقدي الأوروبي. مصدر القلق الأساسي من انفصال اليونان هو الآثار القصيرة والمتوسطة الأجل التي يمكن ان يجرها هذا الانفصال على اليورو. من ناحية أخرى هناك تخوف ان تشجع الخطوة على انفصال ايرلندا والبرتغال، وهلم جرا، وهو ما يهدد العملة الأوروبية والاتحاد النقدي الأوروبي ذاته.
تعقد أوضاع الدول المدينة في الاتحاد لا شك يضع الاتحاد النقدي الأوروبي أمام اختيار صعب في التعامل مع الدول الأعضاء المكبلة بديونها السيادية الثقيلة، حيث تحتاج عملية المعالجة إلى تضحية كبيرة من جانب باقي الدول، خصوصا الدول الرائدة منها، بصفة خاصة ألمانيا، وحتى هذه اللحظة فإن أداء هذه الدول في هذا المجال يعد معقولا، خصوصا وأن الحالات التي تم التعامل معها حتى الآن تتماشى مع إمكانيات الاتحاد المالية، والميزانيات الموضوعة للتعامل مع أزمات الديون السيادية.
الجدير بالذكر أن الاتحاد الأوروبي يتعامل مع كل حالة على حدة بمساعدة صندوق النقد الدولي الذي يتولى مهمة رسم السياسات الاقتصادية والمالية الواجبة الإتباع في الدول التي تلجأ إلى طلب المساعدة، وذلك في إطار برنامج للتثبيت الاقتصادي يتم متابعة تنفيذه من جانب هذه الدول بصورة دورية، وبإشراف الصندوق.
الرسم الكارتوني التالي يصور سائحا يتعامل مع مكتب للصرافة في اليونان ويسأله "في مقابل كل يورو، ما هو عدد وحدات اليورو اليونانية التي يمكن أن احصل عليها"، في إشارة إلى الأخبار الأخيرة التي سرت بعد تقرير نشرته مجلة دير شبيجل الألمانية والذي يشير الى احتمال أن تترك اليونان اليورو وتعود الى عملتها القديمة (الدراخمة اليونانية)، في إشارة الى تدهور الأوضاع في اليونان إلى الدرجة التي تجعل اليورو تختلف قيمته بين الاتحاد النقدي وبين اليونان.




ماذا يحدث في سوق الذهب؟

نشر في صحيفة الاقتصادية الالكترونية بتاريخ الجمعة 13/5/2011
طوال خمس سنوات وأنا احذر المتعاملين في الذهب بضرورة أخذ الحيطة والحذر الشديد عند التعامل في الذهب باعتباره ليس أصلا استثماريا، وإنما هو اصل للمضاربة بالدرجة الأولى، وأشدد دائما على أنه لا يجب أن تخدعهم معدلات العوائد الكبيرة التي تتحقق في سعر الذهب، فتلك المعدلات تعكس أساسا ضغوط المضاربة، ولا تعكس أية اتجاهات طويلة الأجل للمعدن النفيس. مصدر الخوف الأساسي لدي هو المستثمر الصغير، لأنه يدخل في لعبة لا يتقن قواعد التعامل فيها، وهي باختصار شديد لعبة قذرة هدفها الاستيلاء على ثرواته ومدخراته لصالح المضاربين الكبار في السوق، الذين يتقنون قواعد اللعبة جيدا في معظم الأحيان.
طالما ذكرت مسبقا أن الصناديق التي تضارب في المعدل لديها استراتيجيات محددة للدخول والخروج في الوقت المناسب، والتي تستند إلى نماذج محترفة لتحديد التوقيت المناسب لذلك، والتي عادة ما يتم تطبيقها بصورة سرية تماما وسريعة أيضا، بحيث يجد المستثمر (أو بالأحرى المضارب) الصغير نفسه وقد انقلب السوق حوله رأسا على عقب دون أن يفهم ماذا حدث ولماذا حدث. المؤسف في الموضوع انه يصحو على مدخراته وقد ذابت، بعد أن تحولت بالطبع إلى أرقام في أرصدة المضاربين الكبار، والذين كما ذكرت في أكثر من موضع، لا يعدمون وسائل إقناع المضاربين الصغار بالإقدام على شراء الذهب ويتلاعبون عمدا بالبيانات لإظهار الصورة الوردية لعملية الاستثمار في الذهب بحيث يبدو الذهب على أنه الأصل الأمثل للاستثمار، وللأسف الشديد فإن الكثير من المضاربين الذين يتسمون بضعف خلفيتهم الاقتصادية والاستثمارية يرددون ما يقرؤون، بأن الذهب صعد لكي يبقى مرتفعا، وأن أسعار الذهب في المستقبل سوف تصل إلى عنان السماء، هكذا دون وعي بمعنى ما يرددون.
الأسبوع الماضي فاجئنا "الوول ستريب جورنال" و "بلومبرج" وغيرها الكثير من مصادر المعلومات المالية عن تسرب أخبار عن قيام صناديق المعدن التي يملكها أو يساهم فيها "جورج سورس"، أحد شياطين المضاربة على مستوى العالم، بالتخلص جزئيا من الذهب، وبصورة سرية، بعد أن تأكد أن الاقتصاد الأمريكي لن يستمر طويلا في حالة الكساد التي صاحبته منذ اندلاع الأزمة المالية العالمية، والذي تعد فيما يبدو على أنها خطة لتقليل درجة تعرضه للمعدن النفيس.
بسريان هذه الإخبار أخذ الكثير من صناديق المعدن في تعديل مواقفها، فقد قام بعض هذه الصناديق، أو ما زال يفكر، في تخفيض درجة تعرضه للمعدن، من ناحية أخرى ما زالت الاهتمامات بالمضاربة في الذهب قوية، على سبيل المثال ما زال "جون بولسون"، أكبر المضاربين في الذهب في العالم، يتمسك بالمعدن ويعتقد أن الذهب سوف يكسر حاجز الـ 4000 دولارا في الثلاث إلى خمس سنوات القادمة. من الطبيعي أن يحلم بولسون بذلك وله ان يتصور اللحظة التي يبيع فيها ملايين الأوقيات التي يملكها من الذهب بهذا السعر الفلكي، ولكن من المؤكد أنه عندما تتلبد الغيوم في سوق الذهب سوف يكون بولسون أول من يتخلى عن المعدن وبدون ان يشعر صغار المتعاملين بذلك، مثلما حدث مع سورس. فالذهب معدن عقيم، ليس له استخدامات صناعية كما هو الحال بالنسبة لباقي المعادن، بمعنى آخر ان الطلب الأساسي عليه هو للاحتفاظ به كأصل لا يولد أي عوائد بذاته مثل أي اصل مالي آخر. فعندما نشتري سهم فإنه سيمكن حامله من الحصول على عائد سنوي في صورة الأرباح التي توزعها الشركة مصدرة السهم، ومن يشتري سند فإنه يحصل على عائد في توزيعات الفائدة على السند.. الخ. أما الذهب فإنه، بذاته لا يدر أي عائد.
للتعرف بصورة أكبر عما يحدث في سوق الذهب ربما يكون من الأفضل النظر إلى توازنات سوق الذهب على المستوى الكلي لكي نبني صورة أدق عما يحدث في سوق الذهب. الجدول التالي يوضح اتجاهات الطلب والعرض في السوق العالمي للذهب خلال الثلاثة أعوام السابقة، وكما يشير الجدول فإن إجمالي العرض من الذهب، بشكل عام، يتجاوز الطلب عليه، إذا ما استثنينا عام 2008، حينما اشتعلت الأزمة المالية العالمية.
ففي عام 2010 ألهبت أسعار الذهب همة المنتجين، فقد قامت مناجم الذهب باستخراج 2,658.8 طنا من الذهب، وهو مستوى قياسي للإنتاج مقارنة بـ 2058 طنا فقط في 2008، في الوقت الذي بلغ فيه إجمالي المعروض من الذهب في 2010 4,108.2 طنا، بينما اقتصر الطلب، بالرغم من كل ما يحدث في سوق الذهب، على 3,812.2 طنا. الوضع الطبيعي في ظل هذه الظروف هو ان تميل أسعار الذهب نحو الانخفاض، غير أن استمرار ضغوط المضاربة المرتفعة كفلت الحفاظ على سعر الذهب مرتفعا، بل واستمرار اتجاهه نحو الصعود.
من ناحية أخرى فإن كتلة الدول الناشئة والتي كان العالم يعلق عليها آمال انتشال الاقتصاد العالمي من حالة الكساد تواجه مشكلات هي الأخرى، على سبيل المثال تعاني الصين من الضغوط التضخمية حاليا، ويخشى مما يمكن أن تحدثه ردود الفعل لمواجهة هذه المشكلات في تلك الدول على السوق العالمي للذهب.
الجدول يشير إلى حقيقة أخرى هامة جدا وهي تصاعد الطلب على الذهب لأغراض المضاربة (الطلب على السبائك والنقود المعدنية)، والتي تبلغ حاليا مستويات تاريخية، حيث تزايد الطلب على الذهب لأغراض المضاربة من حوالي 89 طنا فقط خلال الربع الأول من 2008 إلى حوالي 273 طنا في الربع الرابع من 2010، وهي زيادة هائلة جدا، تعكس الاندفاع المحموم الذي يشهده السوق، والاهتمام الكبير بالمعدن لأغراض المضاربة.
شهد هذا الشهر صعود الذهب إلى مستويات تاريخية حيث اخترق سعر الأوقية حاجز الألف وخمسمائة دولارا لأول مرة في التاريخ، وفي يوم 2 مايو بلغ سعر الذهب 1560 دولارا تقريبا، كما يتضح من الشكل التالي الذي يوضح تطور الأسعار اليومية للذهب منذ بداية الشهر الماضي. أدى بلوغ سعر الذهب إلى هذه المستويات الكبيرة إلى إثارة التساؤل الأساسي، وماذا بعد؟ كانت إجابات الكثير من المحللين هي أن الذهب سيواصل رحلته نحو الصعود طالما أن الأوضاع الاقتصادية العالمية مازالت على وضعها الحالي.
كانت التطورات في أسواق السلع التجارية قد هوت بسعر الذهب في يوم 5 مايو الماضي إلى حوالي 1480 دولارا للأوقية، وهو ما يعكس حقيقة أن الذهب أصبح أصلا في غاية الخطورة. حيث أن مثل هذه التقلبات الكبيرة في سعر الذهب لا شك ترفع من مستوى المخاطر التي يمكن ان تصاحب عملية الاستثمار فيه، حيث أصبح نطاق التقلب في سعر الذهب أكبر بكثير عما كان عليه الحال سابقا، كما يتضح من الشكل.
مما زاد الطين بلة أن المعاملات في سوق الذهب خلال الفترة الماضية لم تقتصر على المضاربين الأفراد وصناديق المعدن، ولكن هناك بعض الدلائل على دخول البنوك المركزية، بصفة خاصة الدول الناشئة على الخط لشراء الذهب، الجدول رقم (2) يوضح تطور التغيرات في الاحتياطيات الذهبية للبنوك المركزية خلال عام 2010-2011. ومن الجدول يتضح ان أهم التغيرات في الاحتياطيات الذهبية لدول العالم كان في المملكة العربية السعودية، يليها روسيا، ثم تايلاند وبنجلاديش وبوليفيا وفنزويلا. القاسم المشترك بين هذه الدول هي أنها من الدول الناشئة، هذا وتجدر الإشارة إلى أن "بلومبرج" قد أشار إلى أن المكسيك اشترت مؤخرا حوالي 100 طن من الذهب، ولم أتمكن من التحقق من تلك الكمية سواء باستخدام إحصاءات الاحتياطيات التي يصدرها صندوق النقد الدولي أو مجلس الذهب العالمي، أو حتى موقع البنك المركزي المكسيكي Banco de Mexico.
ولكن ما الذي يدفع البنوك المركزية لشراء الذهب عند هذه الأسعار الفلكية؟ إن السبب الرئيس في إقدام البنوك المركزية على شراء الذهب هو تراجع الدولار ومن ثم رغبتها في ان تحافظ على قيمة احتياطياتها الدولارية من خلال تنويع تلك الاحتياطيات نتيجة التراجع مع انخفاض قيمة الدولار. مشكلة دخول البنوك المركزية لشراء الذهب تتمثل في أنه يمكن أن يؤدي إلى ارتفاعات كبيرة في الأسعار السوقية للذهب، تماما مثلما أدت صفقات البيع التي قامت بها البنوك المركزية للمعدن في الماضي إلى خفض كبير في القيمة السوقية للذهب. السوق إذن يقع تحت ضغوط المضاربين الكبار مثل بولسون وسورس والبنوك المركزية لبعض دول العالم.
اليوم اذا ما نظرنا الى الظروف المسئولة عن فقاعة الذهب سوف نجد أنها ما زالت موجودة وتلف العالم بقوة، إذ مازالت معدلات الفائدة منخفضة، وما زال العالم ينظر بمزيد من الإحباط إلى الولايات المتحدة التي لم تتمكن حتى الآن من الخروج بصورة نهائية من أزمتها على الرغم من خطط الإنقاذ الهائلة التي رصدتها، ومازالت مخاطر اندلاع أزمة ديون سيادية في أوربا مرتفعة جدا، وحتى تتبدل هذه الظروف سوف يستمر سعر الذهب في السوق العالمي للذهب في الارتفاع وبقوة، ولكن من المؤكد أنه ما إن يبدأ الاقتصاد العالمي في التعافي وترتفع معدلات الفائدة سوف ترتفع قيمة العملات بصفة خاصة الدولار، وعندها ستبدأ رحلة انهيار سعر الذهب.

الخميس، مايو 12، 2011

اقتصاديات الجوع: مليار شخص يأوون إلى السرير يوميا وهم جوعي

قاتل الله تعالى الفقر، حيث يعاني حاليا المليارات من سكان العالم شروره والآثار الكارثية التي تترتب عليه، وأهمها الجوع. الجوع ظاهرة ربما لا يعرفها الذين يملئون بطونهم يوميا، أما الذين يعيشون في حالة جوع مستمر، فلهم قصة أخرى، حيث يتضورون يوميا من آلام الإحساس بالجوع، ويذهبون إلى السرير يوميا بهذا الألم الذي يظلون يتضورون منه حتى يغالبهم النعاس وهم يحلمون بما يسد رمقهم ويملأ معدتهم، وبعضهم يملأ معدته بالماء فقط لكي يشعر بأن معدته قد امتلأت، لا شك أنه احساس فظيع لا يشعر به سوء الغير محظوظين في هذا العالم.
وفقا لبرنامج الأمم المتحدة للغذاء فإن العالم يوجد به جوعي اليوم أكثر من أي وقت مضى، فهناك حوالي شخص من كل 6 أشخاص في العالم يعاني من الجوع، ومن ثم من سوء التغذية الناجم عن ذلك. فقد قدرت المنظمة عدد الجوعى في العالم في عام 2009 بحوالي 1.02 مليار نسمة، وقد عزت المنظمة السبب في ارتفاع اعداد الجوعى الى هذا الرقم القياسي إلى الأزمة الاقتصادية التي ضربت العالم منذ ثلاثة أعوام، وكذلك إلى ظاهرة ارتفاع أسعار الغذاء التي تهدد الدول الفقيرة حاليا في العالم. هذا التطور المعاكس جاء في أعقاب النجاح الكبير  الذي حققه العالم طوال أربعة عقود مضت في انتشال الناس من الجوع، مستفيدين في ذلك من التقدم الفني بصفة خاصة في مجال الهندسة الوراثية والثورة الخضراء التي نجحت في إرخاء الكثير من القيود على نمو الغذاء من الناحية الكمية والنوعية. الشكل التالي يوضح تطورات أعداد الجوعى في العالم وفقا للبرنامج العالمي للغذاء، لاحظ الارتفاع الكبير في أعداد الجائعين منذ 1995 وحتى اليوم.


تشير إحصاءات المنظمة إلى أن هناك 100 مليون شخص أضيفوا إلى رصيد الجائعين في العالم نتيجة لانخفاض الدخول الذي صاحب الأزمة المالية، وارتفاع معدلات البطالة التي نشأت عنها. بينما تشير البحوث التي أجراها برنامج الغذاء الدولي إلى أن الأسر الفقيرة في الدول النامية أصبحت تتناول اليوم طعاما اقل ووجبات لا تغني ولا تسمن من جوع وتسبب لهم سوء التغذية، وأن هذه الأسر تضطر إلى خفض إنفاقها على الرعاية الصحية والتعليمية لأطفالهم.
العام الماضي انخفض عدد الجوعى بعض الشيء، كما يوضح الشكل السابق، ولكن من الواضح أن أعدادهم ما زالت مرتفعة بصورة كبيرة جدا. أما عن توزيع هؤلاء الجوعى الجغرافي بين قارات العالم، فإن إحصاءات البرنامج العالمي للغذاء تشير إلى أن هؤلاء الجوعى يتركزون في آسيا وإفريقيا، فمن بين حوالي 925 مليون جائج في العالم في عام 2010 يوجد حوالي 578 مليون جائعا في آسيا، و239 جائعا في افريقيا، حسب ما يوضح الشكل التالي:


الجوع يقتضى مواجهة وتعاون دوليين، حتى لا يصاب العالم بمشكلة نشوء أجيال نشأت بالكامل وهم يعانون من سوء التغذية، وما يترتب على ذلك من خسائر متعددة بصفة خاصة من الناحية الاقتصادية حيث تنخفض الإنتاجية بصورة كبيرة نتيجة لانتشار أمراض سوء التغذية في العالم. السبيل الوحيد لمساعدة الجوعى في العالم هو المساعدة المالية والعينية لمؤسسات مواجهة الفقر في العالم، وهي مؤسسات منتشرة في كل مكان. تأكد انك مع تبرعك لتلك المؤسسات فإنك تطفئ إحساس شخص أو أسرة بالجوع، وهو إحساس رهيب، لا يقدره الا من عاشوا التجربة فقط، لا تقل انك جربت الجوع وأنت صائم، فذلك احساس ساعة وينقضي مع حلول الافطار، ما اتحدث عنه هو آلام سنوات مستمرة من الجوع، وليس ساعات. اللهم أدم علينا نعمتك.