الأحد، يونيو 24، 2012

الحرب والاقتصاد الأمريكي 1/2

نشر في صحيفة الاقتصادية بتاريخ الجمعة 22/6/2012

هناك اعتقاد يتداول من وقت لآخر بأن الإنفاق على الحرب والدفاع كان دوما في مصلحة الاقتصاد بشكل عام، والاقتصاد الأمريكي بشكل خاص، على سبيل المثال تشير استطلاعات الرأي التي أجريت في الولايات المتحدة أن الكثير من الناس يعتقد بأن الحرب تحسن من الأداء الاقتصادي للولايات المتحدة بشكل عالم، لذلك لم يكن من المستغرب منذ اندلاع الأزمة المالية العالمية الحالية، والتي تحولت إلى كساد مصحوبا بارتفاع معدلات البطالة، أن تتداول بعض الفرضيات على الساحة بأن هناك حربا وشيكة في العالم سوف تعمل أمريكا على إشعالها بهدف إنقاذ اقتصادها من الكساد الذي تعانيه، ومن الواضح أن جوهر هذه الفرضية هو أن الإنفاق الحربي له آثار إيجابية على الاقتصاد الأمريكي باعتبار أنه يؤدي إلى تغذية الطلب الكلي من مناح عدة، مما يساعد في حل المشكلات الاقتصادية التي تواجهها أمريكا حاليا.
ولكن هل يساعد الدخول في حرب بالفعل الاقتصاد الوطني من الناحية الاقتصادية، لاشك أن الإجابة على هذا السؤال تستدعي تحليل الآثار المختلفة للإنفاق العسكري، حتى يمكن تقييم الأثر الصافي للدخول في الحرب وزيادة الإنفاق العسكري، وتنبغي الإشارة إلى أنه ليس هناك اتفاق بين الاقتصاديين حول مدى تأثير الإنفاق العسكري من حيث اثره الصافي على الاقتصاد بالإيجاب أو السلب، كما أن الدراسات التطبيقية توصلت أيضا إلى نتاج متناقضة.
فهناك من يرى أن الإنفاق العسكري يساعد على تعزيز مستويات الرفاهية المحلية من خلال زيادة الناتج من جانب وزيادة مستويات التوظف من جانب آخر، أو من خلال رفع مستوى الاستخدام للموارد المعطلة في المجتمع، ويستدل أصحاب هذا الرأي على ذلك من تجربة الولايات المتحدة في أعقاب الحرب العالمية الثانية، حيث أدى تزايد الإنفاق العسكري في هذه الفترة إلى رفع قدرة الاقتصاد الأمريكي على العمل بطاقته القصوى. مثل هذا الأثر الموجب على الطلب الكلي ينبع من مبدأ "المضاعف الكينزي" القائم على أن زيادة الإنفاق العام بكافة أشكاله تؤدي إلى رفع مستويات الطلب الكلي ومن ثم معدلات النمو في الناتج.
البعض الآخر يرى أن الإنفاق العسكري أثناء المعارك يؤدي إلى رفع معدلات التوظف، ويساعد على إدخال تقنيات وتكنولوجيا جديدة في مجال التسليح، والتي يمكن استخدامها لاحقا في الصناعات المدنية، ويستدلون على ذلك من أن العديد من الابتكارات الهامة في حياتنا تم تطويرها أساسا في المجال العسكري، منها على سبيل المثال الإنترنت. غير أن هناك من يعترض على ذلك ويرى أن نفس هذه النتائج يمكن التوصل إليها في المجال المدني من خلال توفير الإنفاق العسكري وتحويله إلى ميزانيات للبحوث والتطوير تؤدي إلى نفس الغرض وبالطبع بتكلفة أقل، على الأقل من الناحية البشرية.  
من ناحية أخرى ينظر إلى الإنفاق العسكري باعتباره سوف يؤدي إلى آثار جانبية تحسن من مستوى المعيشة لعموم السكان، حيث أن الإنفاق العام سوف يرتفع ليس فقط على الإنفاق العسكري، وإنما أيضا على الضمان الاجتماعي والمساعدات العامة والرواتب التقاعدية لأسر ضحايا الحرب والمعاقين والجرحى.. الخ.
غير أن الكتابات المتاحة في هذا المجال تشير أيضا إلى أن الإنفاق العسكري له العديد من المخاطر أهمها أنه يؤدي إلى تحويل الإنفاق الحكومي من الإنفاق المدني إلى الإنفاق العسكري، وذلك على حساب الإنفاق الموجه نحو جوانب مدنية هامة مثل مشروعات البنية التحتية، والتي لا يقتصر أثرها السلبي على فرص النمو الحالي، وإنما أيضا فرص النمو المستقبلي، ومن ثم مستويات الرفاه للأجيال القادمة. كما أن هناك وجهة نظر أخرى تفترض أن هذه الموارد المخصصة للإنفاق العسكري عبارة عن نفقات في مجالات غير منتجة وهو ما يعني أن الإنفاق العسكري يؤثر سلبا على الاقتصاد من خلال سحب الموارد من استخداماتها المنتجة.
من مخاطر الإنفاق العسكري أيضا أنه يؤدي إلى إشعال نار التضخم وذلك نتيجة لزيادة الطلب الكلي الذي لا تصاحبه زيادة في الإنتاج المدني من السلع والخدمات، الأمر الذي يعني في هذه الحالة وجود كمية كبيرة من الإنفاق تطارد كمية اقل من السلع والخدمات وهو ما يؤدي إلى رفع مستوى الأسعار أو "تضخم جذب الطلب" كما تفيد النظرية الاقتصادية. من ناحية أخرى فإن الإنتاج العسكري وما يترتب عليه من ارتفاع الطلب على موارد المجتمع، يؤدي إلى ارتفاع تكلفة تلك الموارد، وبما أن هذه الموارد تستخدم في الصناعات العسكرية والمدنية على السواء، فإن زيادة الإنفاق العسكري تؤدي إلى رفع تكاليف الإنتاج ومن ثم رفع الأسعار أو ما يعرف بالتضخم "المدفوع بالتكلفة".
مما لا شك فيه أن الإنفاق العسكري يترتب عليه زيادة مستوى العجز في الميزانية ومن ثم الدين العام للدولة لأنه انفاق غير منتج، على الأقل في عالم اليوم، مقارنة بالوضع في المراحل التاريخية السابقة، حيث كان الإنفاق العسكري يهدف أساسا إلى استعمار المناطق الخارجية في العالم ومن ثم الاستفادة من ثروات العالم المكتشف أو المستعمر، وحتى لا يؤدي الإنفاق العسكري إلى عجز مالي فإن هذا الإنفاق لا بد وان يقابله إما زيادة في الموارد العامة للدولة من خلال الضرائب التي تفرض على القطاع الخاص، ومثل هذا الخيار سوف يؤدي إلى خفض انفاق القطاع الخاص بشكل عام، أو أن يصاحب زيادة الإنفاق العسكري خفض في جوانب الإنفاق الحكومي الأخرى في المجالات المدنية، وهو ما يؤدي إلى خفض الطلب الكلي ومن ثم خفض معدلات النمو، خصوصا اذا كان هذا الخفض في الإنفاق المدني من اعتمادات الإنفاق على مشروعات البنية التحتية، مثل الطرق والجسور والموانئ والمستشفيات وتسهيلات إنتاج الكهرباء والماء وخدمات التعليم والصحة .. الخ كما سبق ذكره.
إذا لم تقم الحكومة بتدبير الموارد المالية اللازمة لتمويل إنفاقها العسكري، فسوف يكون هناك مخاطر حقيقية من أن يترتب على زيادة الإنفاق العسكري غير الممول من مصادر الإيرادات العامة للدولة أن يتم تغطية هذا الإنفاق من خلال العجز، وهو ما يمكن أن يترتب عليه تصاعد مستويات الدين العام بمعدلات لا يمكن السيطرة عليها، نظرا لأن الإنفاق العسكري في بعض الأحيان لا يمكن السيطرة عليه، خصوصا في أوقات المعارك. بالطبع ينظر إلى زيادة مستويات العجز اليوم على أنها عبء على كاهل الأفراد في المستقبل، ومن ثم وفقا "لمتكافئة ريكاردو" فإن زيادة العجز المالي اليوم سوف يترتب عليها خفض استهلاك القطاع العائلي وارتفاع معدلات ادخاره استعدادا لزيادات أعباء الضرائب في المستقبل لسداد العجز الحكومي. من ناحية أخرى فإن العجز المالي الكبير من العوامل ذات الآثار السلبية على الاقتصاد، حيث يترتب عليه تخفيض معدلات الادخار القومي، وهو ما يؤثر على مستويات الائتمان التي يمكن ضخها في الاقتصاد، وترفع معدلات الفائدة.
وأيا كان الخيار الذي تختاره الحكومة فإن تصاعد الإنفاق العسكري يصاحبه انخفاض في الإنفاق الاستثماري في الأغراض المدنية بشكل عام، وهو ما يؤدي إلى التأثير السلبي على نمو الناتج الحقيقي في المجتمع.
على الرغم من أنه من المتوقع أن يكون هناك درجة من الترابط بين القطاع المدني والقطاع العسكري، على سبيل المثال في مجال التصنيع، باعتبار أن الإنتاج الحربي معظمه عبارة عن عملية تصنيع، وهو ما يؤدي إلى رفع معدلات التوظف وخفض معدلات البطالة،  إلا أن الإنفاق العسكري من الممكن أن يخلق اختناقات في سوق العمل خصوصا في المهارات المرتبطة بالإنتاج العسكري، وهو ما قد يسهم في رفع مستويات الأجور. إذا كانت هذه هي الآثار المتوقعة للإنفاق العسكري، فماذا كانت نتائج الحرب على الاقتصاد الأمريكي؟ هذا هو موضوع مقالنا القادم إن شاء الله.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق