الاثنين، نوفمبر 19، 2012

نحو قطاع صناعي فاعل خليجيا.. دور البحث العلمي والتطوير


تناولنا في الحلقة السابقة من هذه السلسلة دور التعليم في التنمية الصناعية بدول مجلس التعاون، اليوم نتناول قضية لصيقة بدور التعليم وهي البحث العلمي والتطوير Research and Development، تعد البحوث والتطوير أحد المدخلات الأساسية لعمليات الابتكار في الدولة، والتي تصب في رفع قدرة الاقتصاد المحلي على المنافسة، ففي التقرير السنوي عن قطاع البحوث والتطوير والابتكار الأمريكي، أشار المجلس الوطني للعلوم إلى أن النمو الاقتصادي الأمريكي يعتمد بصورة أساسية على القدرة على التعليم والابتكار والبناء. هذه المكونات الأساسية الثلاثة هي ما يشكل مصدر القوة الأساسية للاقتصاد الأمريكي والتي تضعه في طليعة اقتصاديات العالم حاليا. لقد كانت الابتكارات القائمة على البحوث والتطوير دائما أحد الأعمدة الأساسية للاقتصاد الأمريكي، حيث تساهم بصورة أساسية في نمو الثروة القومية ورفع مستويات التوظف ورفع جودة الحياة العام بشكل عام، ولاستمرار تمتع الاقتصاد الأمريكي بهذه المزايا تنفق الولايات المتحدة حوالي 250 مليار دولارا سنويا كاستثمارات في مجال البحوث والتطوير، موزعة ما بين الحكومة الأمريكية وقطاع الأعمال الخاص الذي يستثمر أيضا نسبة جوهرية من قيمة نشاطه على عمليات البحوث والتطوير لدعم الطاقة الابتكارية للولايات المتحدة ولضمان احتلالها المراكز الأولى في النشاط الصناعي العالمي.
الابتكار هو إدخال منتج جديد أو تحسين خصائص المنتجات الحالية بصورة جوهرية، أو إدخال عمليات جديدة أو تحسين خصائص العمليات القائمة بصورة جوهرية، ولا يقتصر الابتكار بالطبع على عمليات التصنيع، وإنما يمتد أيضا إلى مجالات التنظيم والتسويق وممارسات الأعمال وغيرها، ويعد الابتكار أحد المحركات الأساسية للنمو الاقتصادي في العالم، فكافة الدراسات التي أجريت في هذا المجال أثبتت أن الابتكار يؤدي دائما إلى إدخال سلع وخدمات جديدة أو منتجات ذات مواصفات أو خصائص محسنة بصورة جوهرية، كما يرفع من مستويات الإنتاجية ويخفض الأسعار، ولذلك ليس من المستغرب أن نجد أن الدول التي تتسم بارتفاع معدلات الابتكار فيها هي ذاتها الدول التي تتمتع بأعلى مستويات النمو والدخول والرفاه في العالم.
ويتسم البحث العلمي والتطوير بأنه قطاع ترتفع درجة المخاطر المحيطة بالأنشطة التي تمارس فيه على نحو واضح، وذلك نظرا للميزانيات الضخمة التي يجب أن تخصص لمثل هذه الأنشطة، في الوقت الذي لا تكون فيه نتائج هذه الأنشطة مضمونة، لذلك تصبح المشاركة في الإنفاق على أنشطة البحوث والتطوير بين كل من الحكومة والشركات الصناعية المختلفة ضرورة أساسية في هذا المجال. على سبيل المثال تقوم الولايات المتحدة بدعم جهود البحوث والتطوير من خلال عدد من الأدوات أهمها الدعم الفدرالي المباشر لجهود البحوث والتطوير في مجالات الدفاع والمجالات المدنية التي تدعم البحوث الأساسية والتطبيقية التي تؤدي إلى رفع مستويات الابتكار على المستوى الأمريكي، وكذلك تقدم الولايات المختلفة نفس الدعم لصناعاتها المحلية، فضلا عن أن السياسات الأخرى مثل الضرائب مصممة بحيث تعطي هذه الأنشطة مزيدا من التحفيز.
كذلك تخصص إسرائيل صندوقا خاصا لتمويل أنشطة البحوث والتطوير للتأكد من امتلاك الاقتصاد الإسرائيلي لمزاياه التنافسية التي تحفظ له دوره في الاقتصاد العالمي، ويقوم صندوق البحث العلمي والتطوير بمنح المشروعات المجازة التمويل اللازم لها، وتشمل المشروعات المؤهلة للحصول على دعم الصندوق تلك المشروعات التي تؤدي إلى تطوير منتج جديد، أو تحسين جوهري في منتج قائم، كما تشمل أيضا تلك المشروعات البحوث التي يمكن أن تؤدي إلى ابتكار عمليات صناعية جديدة او إجراء تحسين جوهري في العمليات الصناعية القائمة، وتفكر إسرائيل حاليا في إنشاء برنامج مشترك في البحوث والتطوير بين وزارات الدفاع والصناعة والعمل والمالية، يهدف إلى تشجيع الأفكار الجديدة والتقنيات الحديثة التي يمكن أن تقدم تطبيقات في كل من مجالي الدفاع والصناعة في ذات الوقت، وتتعدد برامج البحوث والتطوير في إسرائيل، على سبيل المثال هناك برنامجا لدعم المؤسسات البحثية ذات الصلات الوثيقة بالصناعة لتقوية البنى التحتية التكنولوجية لهذه الصناعات، ويمكن أن يصل الدعم الذي تقدمه الحكومة لمثل هذه البرامج إلى 90% من الميزانيات المطلوبة للبحوث والتطوير، كما أن هناك برنامجا لدعم الشركات الكبرى لتشجيع عمليات البحث والتطوير على المدى الطويل التي ترتفع درجة المخاطر فيها وتتكلف الكثير من المال في ذات الوقت، وتصل ميزانيات الدعم لمثل هذه المشروعات إلى حوالي 50% من الميزانيات المطلوبة لمثل هذه المشروعات.
البحث العلمي والتطوير هو إذن أحد المتطلبات الأساسية لاستدامة التنمية الصناعية ولضمان استمرار قدرة الصناعة المحلية على المنافسة مع الصناعات الأخرى في العالم، ولذلك يعد ضعف أنشطة البحث العلمي والتطوير أحد أهم المعوقات أمام تطوير الصناعة الخليجية، ويمكن أن نعزو ضعف دور البحوث والتطوير في الصناعة الخليجية إلى ثلاثة عوامل أساسية هي؛ ضعف مستويات التعليم الأمر الذي يؤدي إلى تواضع مستوى الهيئات العلمية والبحثية بشكل عام، وتواضع مؤسسات البحوث والتطوير سواء على مستوى الصناعات أو على المستوى القومي لضعف إمكانياتها التقنية والمادية، وضآلة الميزانيات المخصصة للإنفاق على البحوث والتطوير للمنتجات الصناعية المحلية نظرا لعدم اهتمام المنشآت الصناعية وكذلك الحكومات بمثل هذا الجانب الحيوي في تطوير القطاع الصناعي بشكل عام، ومن ثم يقتصر اهتمام المنشآت الصناعية في دول مجلس التعاون على تدبير احتياجات السوق الوطني من المنتجات الصناعية اعتمادا على الآلات والمعدات وتكنولوجيا الإنتاج المستوردة من الخارج.
غير أنه في عالم اليوم حيث تقوم المنافسة أساسا على عاملي الابتكار والتكلفة، لا يمكن للصناعات أن تقوى من قدراتها التنافسية بدون أن تطور قدرتها على الابتكار، فالابتكار هو السلاح الأساسي في عملية المنافسة، ولزيادة القدرة على الابتكار لا بد من ضمان تواجد مراكز للبحوث على مستوى الصناعات وعلى المستوى القومي وعلى المستوى الخليجي وبميزانيات كافية، ولذلك يجب أن تفكر دول مجلس التعاون بشكل جدي في إنشاء هيئة خليجية للبحوث والتطوير الصناعي، تكون مهمتها الأساسية هي تطوير الأفكار ودعم الابتكارات الصناعية المحلية وتعزيز قدرات مؤسسات البحوث والتطوير في المنشآت الصناعية الوطنية في دول المجلس، وبحيث تخصص دول المجلس نسبة أكبر من إنفاقها السنوي لمثل هذه الأنشطة الهامة ليس فقط للصناعة، وإنما للاقتصاد الوطني بشكل عام، كذلك فإن رفع أنشطة البحوث والتطوير سوف يتطلب تقديم الدعم المناسب للجامعات ومراكز البحوث لدعم الأنشطة البحثية الموجهة نحو تطوير الصناعات المحلية أو الابتكار في مجالاتها.
إن هناك فجوة ضخمة جدا بين مستويات التقدم الصناعي في الخليج ومراكز التصنيع الرئيسة في العالم، وهذه الفجوة يحتاج عبورها إلى جهود ضخمة في مجال البحوث والتطوير، ذلك أن المنافسة الصناعية في عالم اليوم ليست قائمة أساسا على التقليد وقدرة الدولة على إعادة تصنيع ما يتم ابتكاره في الخارج، وإنما بصورة رئيسة على قدرة القطاع الصناعي على الابتكار والتطوير لمنتجات جديدة أو عمليات جديدة أو تطوير في منتجات قائمة، بهدف خلق ميزة تنافسية تنطلق منها الصناعات الوطنية في دول مجلس التعاون.  

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق