الأربعاء، سبتمبر 10، 2014

التنافسية العالمية لدول مجلس التعاون

مكن انتشار الإنترنت من اصدار عملات افتراضية Crypto-coins، بأسماء مختلفة تم استخدامها من جانب المتعاملين فيها في إبرام الصفقات وتسوية قيمة المشتريات .. الخ، مثلها مثل النقود التقليدية، وأشهرها هو ما يسمى ب "البت كوين" وهي عملة رقمية Crypto-currency، تم انشاءها بواسطة شخصية وهمية تدعى ناكاموتو ساتوشي في 2009، والتي بمقتضاها يتم تعدين (اصدار) وحدات نقدية الكترونية (رقمية) غير قابلة للتكرار من خلال مبرمجات متخصصة يطلق عليها عمليات التعدين، ويتم تشغيلها على خوادم خاصة صممت لإصدار كمية محددة بصورة سنوية، وبحيث يتم تخفيض هذه الكميات المصدرة إلى النصف كل أربعة سنوات، ويفترض أن تتوقف عمليات اصدار هذه العملة بحلول عام 2040، وذلك عندها تصل الكمية المصدرة منها الى 21 مليون وحدة، وهو الحد الأقصى للكمية التي يمكن تعدينها منها، حيث تعمد مصدرو العملة خلق نوع من الندرة للكميات المتداولة منها بهدف الحفاظ على قيمتها من التدهور نتيجة الافراط في عمليات الاصدار منها مثل العملات العادية، من ناحية أخرى ولضمان بلوغ هذه العملة أية قيمة فقد تم تقسيم الوحدة الواحدة منها الى 100 مليون جزء يطلق على الجزء تسمية ساتوشي.
حتى هذه اللحظة تم تعدين حوالي 13 مليون وحدة بت كوين بلغت قيمتها السوقية حوالي 16 مليار دولارا في ديسمبر 2013. في الوقت الذي ظلت فيه البت كوين بلا قيمة تقريبا حتى 2013 عندما بدأت عمليات المضاربة واسعة النطاق على العملة مع اتساع نطاق المضاربة على الأصول المختلفة بتعمق أوضاع الأزمة العالمية، وارتفع سعرها الى 1328 دولارا في ديسمبر 2013، وهو أعلى سعر بلغته البت كوين حتى الآن.
ترتب على نجاح البت كوين في أن تجد طريقها كعملة افتراضية بين مجموعة من المضاربين في العالم إغراء الكثير من المصدرين لهذه العملات على دخول مجال الصناعة، وأخذت أعدادها في التزايد على نحو كبير، فحتى كتابة هذا التحليل بلغت أعداد هذه العملات 460 عملة افتراضية وهي العملات التي لها سوق للتداول وذلك وفقا لموقع http://coinmarketcap.com/currencies/views/all/، أي ما يعادل أكثر من ثلاثة أضعاف عدد العملات الرسمية التي تصدرها البنوك المركزية في العالم، وقد أخبرني أحد من جادلتهم حول فوضى النقود الافتراضية في العالم بأن أعدادها الحقيقية تصل إلى الآلاف.
لم يحدث في التاريخ أن تمت عمليات اصدار عملات على هذا النحو من غير ذي صفة أو غير ذي سلطة، فاليوم كل ما تحتاجه لإصدار عملة افتراضية هو  جهاز حاسب وموقع الكتروني وبرنامج لتعدين العملة، وبهذا يكون قد تم اصدار عملة رقمية جديدة لتضاف الى القائمة الطويلة حاليا من هذه العملات في العالم، ولا أدرى كم سيصل عدد هذه العملات عندما يتعلم النيجيريون تكنولوجيا اصدارها.
الغريب أن المهووسين بهذه العملات، خصوصا البت كوين، يؤكدون بأنها المستقبل القادم للعملات في العالم، وبأن عصر النقود الرسمية البنوك المركزية مثل الدولار وغيرها قد شارف على الأفول، وأن العصر الذي تتمكن فيه البنوك المركزية من طبع نقود من الهواء سوف ينتهي قريبا، لكن يبقى السؤال الأهم، إذا كانت البنوك المركزية لدول العالم تطبع نقودا من الهواء، فماذا يفعل من يقومون بتعدين هذه العملات؟ وأي أصل يغطيها؟ وما هي السلطات النقدية المستعدة لكي تدافع عنها؟ ومن الذي يضمن استقرار قيمتها في الأسواق؟ ومن الذي يمكن أن يفرض قوة الإبراء لها؟ أسئلة كثيرة عندما أطرحها على المهووسين بهذه العملات، لا أجد إجابة عليها.
عندما تطبع البنوك المركزية أوراقا نقدية من الهواء فإنها تمثل دخلا للدولة، يتم استخدامه في الإنفاق على السلع والخدمات العامة، مثل بناء المدارس والمستشفيات والبنى التحتية وغيرها من أوجه الإنفاق العام التي يستفيد منها الناس، أما إيرادات تعدين هذه العملات فتذهب لمن؟ ببساطة شديدة تذهب لمجموعة من الطفيليين الذين يستولون على نقود الغير وأصولهم في مقابل ما يقدمونه لهم من أرقام الكترونية، لا قيمة حقيقية لها سوى بإيمان من يتعاملون فيها بأن لها قيمة حقيقية.
إذا اختار العالم بالفعل التعامل مع هذه العملات فإن ذلك يعني أن العالم بالفعل سوف يدخل عصر فوضى النقود الرقمية التي تشمل عددا كبيرا من العملات، والتي تتنافس فيما بينها على ضمان قيمة الثروة لمن يحتفظ بها، غير أن هذه المنافسة من جانب المبادرين لإصدار مثل هذه العملات يمكن أن تنتهي بانهيار هذه العملات، ولكن بعد أن يدفع العالم ثمنا غاليا لهذه الفوضى، مثلما يدفع العالم اليوم ثمن الفوضى في عمليات التمويل اللا مسئول في سوق المساكن الأمريكي والتي تحولت إلى أزمة اقتصادية عالمية.
سعر البت كوين في الوقت الحالي أعلى قليلا من 500 دولارا أمريكيا، وتتقلب هذه القيمة بشكل واضح من يوم إلى آخر، وإن كانت البت كوين قد شهدت تراجعا واضحا في الأيام الأخيرة، وكانت البت كوين قد تعرضت لضربة شديدة بعد أن توقف موقع MtGox، وهو أكبر مواقع تداول البت كوين عن السماح بسحب العملة من المحافظ التي يتم الاحتفاظ بها لديه، بعد أن أعلن الموقع عن فقدان حوالي 750 ألف وحدة بت كوين من الموقع، أو ما يعادل نصف مليار دولارا تقريبا في ذلك الوقت، ذابت نهائيا وأصبحت غير قابلة للاسترداد بسبب طبيعة هذه العملة، مما أثار موجة غضب كبيرة بين مالكي محافظ البت كوين، قبل أن يعلن الموقع إفلاسه وتوقف أعماله بشكل نهائي، الأمر الذي كشف بشكل واضح درجة هشاشة هذه العملة، الغريب أن الموقع عاد بعد ذلك وأعلن عن أنه قد وجد أكثر من 200 ألف وحدة من هذه العملة كان ضائعة بصورة ما على النظام الالكتروني للموقع.
البت كوين هي أحد اكثر العملات إثارة للجدل في الوقت الحالي، خصوصا مع انفتاح شهية المبادرين الآخرين حول العالم بإصدار عملات شبيهة من أهمها اللايت كوين، والدارك كوين، والبير كوين، والدوج كوين، والنيم كوين، والماستر كوين وغيرها من القائمة الطويلة جدا من الأسماء، بعضها تم تحديد حدا أقصى على الكميات التي يمكن تعدينها منه مثل البت كوين لخلق نوع من الندرة لها كما سبقت الإشارة، والبعض الآخر ليس له حد أقصى حول الكميات التي يمكن تعدينها منها، ويلاحظ أن الاقبال على هذه العملات البديلة كبيرا من جانب من يكتنزونها طمعا في أن تنجح جهود تسويقها على المستوى الدولي، وتجد قبولا من الأفراد في العالم، وعندها سوف ترتفع أسعارها السوقية وتتحول الأرقام الالكترونية الى ثروة، مثلما حدث مع البت كوين.
بشكل عام فإن العملات الافتراضية مثل البت كوين ليس لها قيمة في حد ذاتها، كما أنه ليس هناك أي جهة من أي نوع تتحكم في أسعارها،  سوى العرض والطلب عليها في سوق المضاربة على هذه العملة وفي ظل غياب السلطة التي تتولى ضمان التوازن بين العرض والطلب منها لضمان استقرار قيمتها، وهو ما يفقدها أهم شروط العملة التقليدية، وهو الاستقرار النسبي في القيمة، على الأقل في الأجل القصير. أكثر من ذلك فإنه لا توجد سياسة نقدية محددة تهدف الى التحكم في الكميات المتداولة منها للسيطرة على التقلبات في أسعارها، أو للحيلولة دون  ارتفاعها الشديد أو انخفاضها الشديد، وهو ما يزيد من درجة هشاشة هذه العملات وتعرضها للتقلبات السريعة في أسعارها، الأمر الذي يرفع من مستوى المخاطر المصاحبة لحملها.
وبالمقارنة مع النقود التقليدية فإن النقود الافتراضية مثل البت كوين قابلة للتقسيم مثل غيرها من العملات والأصول، بصفة خاصة الذهب، وفي ذلك يشبه المتعاملون في هذه العملات مثل البت كوين بالذهب، وهو تشبيه لا يستقيم، حيث أن الذهب له قيمة في ذاته Intrinsic value، بينما لا تحمل البت كوين أي قيمة في حد ذاتها، مثلها مثل النقود القانونية Fiat money التي نتداولها حاليا، ومع ذلك فإن مقارنتها  مع النقود التقليدية لا تستقيم، فالنقود التقليدية لها قيمة سوقية تتحدد بالعرض والطلب عليها، ويتحكم البنك المركزي في الكميات المصدرة منها بحيث يتمكن من تحديد اتجاه قيمتها في أغلب الأحوال وهي أكثر استقرارا من حيث قوتها الشرائية في الأجل القصير، من ناحية أخرى فإن النقود التقليدية هي وحدة ابراء للقيمة، وقوة ابراءها مضمونة بواسطة القانون في الدولة التي أصدرتها، بينما لا توجد أي قوة ابراء قانونية للبت كوين وغيرها سوى استعداد الأطراف المتعاملة فيها لقبولها، أكثر من ذلك فإن الاحتفاظ بالنقود التقليدية يترتب عليه الحصول على فائدة، بينما لا يمكن ضمان ذلك في أغلب الأحوال عند الاحتفاظ بالبت كوين.
البعض أيضا يرى أن هناك عملات شبيهة بالبت كوين قد تكون مستخدمة في التداول مثل الكوبونات الورقية التي قد تصدرها محلات السوبر ماركت الكبرى، وغيرها، ولكن مرة أخرى هناك فارق جوهري بين هذه الكوبونات وبين البت كوين وغيرها من النقود الافتراضية وهو أن هذه الكوبونات قابلة للاسترداد بسلعة أو أصل أو نقود، وأن هناك مؤسسات مسئولة عنها وتضمن عملية الحصول على قيمتها، بعكس هذه العملات الافتراضية، فليس هناك أي ضمان لاسترداد قيمتها، وهناك تقارير تنشر حاليا بأن قدرا لا بأس به من عملة البت كوين قد فقد أثناء عمليات التداول، المشكلة هي أن كل وحدة بت كوين يتم فقدانها في نظام التداول لا يمكن اصدار بديل لها، لأن هذه الوحدات حسب التعريف المقدم لها غير قابلة للازدواجية على نظام التعدين الخاص بها.
أما بالنسبة لنظام التداول الالكتروني لهذه العملات فإنها تتم في اطار شخصي بين متبادلين  للعملة بصورة الكترونية عبر مبرمجات خاصة تسمح لحاملها بتحويل ما يحتفظ به من العملة في محفظته المالية الالكترونية الى المحفظة أو المحافظ المالية لمن يتعامل معهم، وعلى الرغم من أن التدقيق في محافظ العملة يخلع على ما يتم الاحتفاظ به منها صفة الاكتناز، يرى المتعاملون أن ما يتم الاحتفاظ به منها يمثل ادخارا وليس اكتنازا، هذا ويتم التداول غالبا تحت اسماء مستعارة، حيث يسهل إخفاء الشخصيات الحقيقية للمتعاملين، الأمر الذي يفتح الباب أمام عمليات استخدام البت كوين في تمويل الأنشطة المشبوهة حول العالم، ولعل ذلك أحد الأسباب الرئيسة وراء الانتشار الواسع للبت كوين عندما تم اصدارها حيث استخدمت في تمويل انشطة غير قانونية مثل الاتجار في المخدرات أو غسيل الأموال، وأهم تلك المواقع التي مولت هذه الأنشطة هو موقع طريق الحرير Silk Road الالكتروني.  
وتعاني هذه العملات في الوقت الحالي من العديد من المشكلات التي تهدد بالفعل قدرتها على أن تتحول الى عملة يتعامل بها الناس، ولكن بشكل عام اليوم تجد البت كوين اهتماما كبيرا بالنسبة لغيرها من العملات بسبب الارتفاع الكبير الذي حدث في سعرها، مقارنة بالعملات الأخرى مثل اللايت كوين والدوج كوين وغيرها. المشكلة هي أن من يدافعون عن النقود الافتراضية يضعون في أذهانهم عملة واحدة فقط هي البت كوين، وينسون، أو يتناسون، أن هناك المئات من العملات الأخرى الموجودة في العالم والتي يجب أن تنضم أيضا إلى قائمة النقود الافتراضية في العالم، وقد انتقد العديد من الاقتصاديين تلك العملات، على سبيل المثال انتقد بول كروجمان البت كوين على أساس أنها تشجع الاكتناز، كما أنها تتسبب في الانكماش السعري، اذا استمرت أسعارها في الارتفاع، وبالتالي فإن آثارها الاقتصادية سوف تكون مدمرة حال تبنيها كعملات للتداول. *
أكثر من ذلك فإن محافظ هذه العملات التي يتم الاحتفاظ بها على نظم التبادل عرضة للقرصنة بصورة كبيرة، ومن وقت لآخر تأتي التقارير عن عمليات قرصنة تتم لسرقة محتويات محافظ هذه العملات، وعندما تتم عمليات القرصنة يفقد مالكي هذه العملات قيمتها للأبد، بعكس الحال بالنسبة للنقود التقليدية، فإنها غالبا ما تكون محفوظة في حسابات مصرفية ويكون المصرف مسئولا عنها وبالتالي تتبع أية عمليات غير قانونية تتم بالنسبة لها بما يضمن حقوق المودعين لهذه العملات. أكثر من ذلك تتزايد التقارير التي تثبت بأنه بسبب صعوبة الكشف عن المتعاملين في هذه العملات، حيث غالبا ما يتم التعامل تحت أسماء مستعارة كما ذكرنا، فإن جانبا من هذه العملات يستخدم حاليا في عمليات تمويل قيمة الصفقات المشبوهة، على سبيل المثال تلعب البت كوين دور وسيط التبادل المفضل للمجرمين وعصابات الجريمة المنظمة لسهولة اخفاء هذه العمليات بما أن عمليات التمويل تتم خارج نطاق البنوك ومؤسسات التمويل التقليدية، والأهم خارج نطاق رقابة البنوك المركزية. 
مؤخرا تصاعد القلق الدولي حول انتشار استخدام البت كوين في دفع قيمة العديد من السلع وتزايد حجم الجهات التي تقبل العملة، ومنها جامعة نيقوسيا في قبرص، كما انتشرت ماكينات الصرف الآلي لها في العديد من الدول الأمر الذي دعا بعض الدول الى حظر استخدامها كأداة قانونية لإبراء الذمة مثل الصين وروسيا، من ناحية أخرى فقد خلعت الولايات المتحدة مؤخرا عنها صفة العملة ووصفتها بأنها مجرد أصل من الأصول، وبالتالي أصبحت عرضة لفرض الضرائب عليها مثلها مثل غيرها من الأصول، لكني أعتقد أن وقف تداول هذه العملات على المستوى الدولي لن يأتي إلا بعد أن تتسبب في أزمة للمتعاملين فيها تدفع البنوك المركزية في العالم إلى تجريم التعامل فيها ووقف استخدامها كأداة إبراء للذمة على المستوى الدولي. 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق