السبت، سبتمبر ٢٧، ٢٠١٤

تقرير صندوق النقد الدولي عن السعودية

أفرج صندوق النقد الدولي يوم الثلاثاء الماضي عن تقرير خبرائه الأخير عن المملكة العربية السعودية، الذي تضمن خلاصة المشاورات التي تتم سنويا وفقا للمادة الرابعة، وذلك عن العام 2014، الذي أكد على متانة الوضع الاقتصادي للمملكة على المستوى الكلي، حيث حققت المملكة معدلات نمو تعد الأعلى بين مجموعة العشرين، على الرغم من تراجع معدلات النمو أخيرا.
كما أنها تتمتع بوضع مالي قوي نظرا لاستمرار الإيرادات النفطية عند مستويات مرتفعة، بسبب الأوضاع المواتية في السوق العالمي للنفط الخام خلال السنوات الماضية، الأمر الذي مكن المملكة من أن تصبح واحدة من أقل الدول المدينة في العالم، حيث لا يتجاوز الدين العام 2.7 في المائة إلى الناتج المحلي الإجمالي.
  
من ناحية أخرى فإن نظرة الصندوق المستقبلية للاقتصاد السعودي تعد مستقرة، حيث يتوقع أن يستمر النمو مرتفعا في الأجل المتوسط، وإن كان يتوقع أن يأتي الجانب الأكبر من هذا النمو من نمو القطاع غير النفطي مدفوعا بالإنفاق الحكومي الضخم على مشروعات البنية التحتية، التي يضطلع بها القطاع الخاص بصورة أساسية، ولا شك أن نمو القطاع غير النفطي يعد تطورا إيجابيا، لكن مصدر نموه هو المثير للقلق، لأن هذا النمو سوف يظل معتمدا على اتجاه مسار الإنفاق العام.
عبر السنوات الأخيرة تمكنت المملكة من رفع مستويات إنفاقها العام على نحو غير مسبوق، ساعدها في ذلك ارتفاع مستويات الإيرادات النفطية، الأمر الذي أدى إلى زيادة الإنفاق على بعض أشكال الخدمات العامة مثل التعليم والصحة والإسكان، وغيرها من مدفوعات الرفاه الاجتماعي بصورة كبيرة. المشكلة الأساسية في هذا النوع من الإنفاق أن النمو السكاني المرتفع يؤدي إلى تزايد الضغوط على هذا الإنفاق نحو التزايد بشكل مستمر، وهو ما يتطلب ضرورة حدوث نمو مماثل في إيرادات الدولة العامة على النحو الذي يمكنها من مواجهة هذه الضغوط. غير أن الآفاق المستقبلية التي يرسمها الصندوق لمسار الإيرادات النفطية لا يتوقع لها أن تسير على هذا النحو، حيث من المتوقع أن يؤدي استمرار الإنفاق المرتفع على الرفاه وغيره من أشكال الإنفاق إلى القضاء على الاحتياطيات المتراكمة للدولة، وهو ما يضع المالية العامة للمملكة في مأزق، لذلك يقترح الصندوق ضرورة ضبط الإنفاق العام في الأجل المتوسط ليكون متوافقا مع الإيرادات المتوقعة.
على سبيل المثال انخفض فائض المالية العامة في المملكة من 12 في المائة من الناتج في 2012، إلى 8.5 في المائة فقط في 2013، في الوقت الذي ظل فيه العجز غير النفطي (الفرق بين إيرادات الحكومة غير النفطية وإجمالي نفقاتها في السنة المالية، وهو المقياس الأكثر دقة ومناسبة فيما يتعلق بعرض الصورة الحقيقية لأوضاع المالية العامة للحكومة) ثابتا عند مستويات مرتفعة جدا من الناتج المحلي الإجمالي (نحو 60 في المائة)، الأمر الذي يعكس حقيقة أن جهود تنويع هيكل الإيرادات العامة للدولة غير فعالة في الوقت الحالي. لذلك أعتقد أن توصية الصندوق بضرورة العمل على تحسين كفاءة الإنفاق العام، وكشف مواطن الهدر فيه من خلال استحداث مؤشرات فعالة لقياسه أداء الإدارات الحكومية والعمل على تنويع الإيرادات غير النفطية من أهم التوصيات التي تضمنها التقرير.
ترجع متانة الوضع المالي إلى أن المملكة تمكنت عبر السنوات الأخيرة من تكوين احتياطيات ضخمة نتيجة الفوائض التي حققها ميزانها التجاري، ووفقا للصندوق سوف تساعد هذه الاحتياطيات على رفع قدرة المملكة في مواجهة الصدمات المتوقعة في سوق النفط الخام على النحو الذي يساعد المملكة على تحقيق استقرار مناسب في ماليتها العامة، غير أن أهم المخاطر في هذا المجال هو أن المسار الحالي للإنفاق العام الجاري بمستوياته الحالية من الممكن أن يؤدي إلى تآكل هذه الاحتياطيات في غضون فترة زمنية قصيرة. لذلك ينبه الصندوق إلى ضرورة ضبط أوضاع المالية العامة للمملكة من خلال برنامج للإصلاح الاقتصادي يساعد على حماية هذه الاحتياطيات، ويمكن من إحداث قدر أكبر من العدالة بين الجيل الحالي والأجيال القادمة على المملكة.
من ناحية أخرى أكد صندوق النقد الدولي أن المملكة تعد من أعلى البلدان على مستوى العالم من حيث مستوى استهلاك الفرد للطاقة ولكنها في الوقت ذاته من أقل البلدان من حيث أسعار الطاقة، حيث يشير تقرير الصندوق إلى أن استهلاك الطاقة في المملكة مرتفع بما يشكل عبئا واضحا على المالية العامة في صورة مستويات الدعم الضخمة التي تدفعها الدولة سنويا والناجمة عن ارتفاع الاستهلاك، في الوقت الذي لا تسعر فيه الطاقة على النحو الذي يسهم في ترشيد الاستهلاك من جانب ويقلل من فاتورة الدعم التي تدفعها المملكة سنويا للمقيمين في المملكة من المواطنين والأجانب من جانب آخر. لذلك يقترح الصندوق على المملكة رفع أسعار الطاقة لرفع كفاءة الاستهلاك وترشيد الدعم.
بالنسبة لي أعتقد أن رفع أسعار الطاقة دون أن يصاحب ذلك برنامج لضمان حصول محدودي الدخل على احتياجاتهم الأساسية من الطاقة قد يسهم في إيجاد أوضاع اجتماعية غير مرغوبة، وربما سياسية أيضا، لذلك فإن عملية إعادة تسعير الطاقة لا بد أن تسير جنبا إلى جنب مع سياسات فعالة لكيفية توجيه الدعم، وذلك لضمان قصر دعم الطاقة على الفئات محدودة الدخل، وعلى النحو الذي يحقق مستهدفات المملكة أيضا في مجالات النمو الصناعي بصفة خاصة، لذلك فإن دعم الطاقة في حاجة إلى دراسات عميقة لتحديد سيناريوهات الآثار المتوقعة على رفع الدعم عن القطاعات المختلفة للاقتصاد.
من ناحية أخرى يقترح الصندوق تعزيز الإيرادات غير النفطية من خلال فرض ضريبة عقارية، على العقارات مرتفعة الثمن، وكذلك فرض ضريبة على الأراضي الفضاء، وزيادة الرسوم على الخدمات الحكومية.
أعتقد أن النمو السكاني هو أهم التحديات التي تواجه صانع السياسة السعودي في الوقت الحالي وفي المستقبل، ففي اقتصاد تعد فيه معدلات النمو السكاني واحدة من أعلى المعدلات في العالم، فإن ذلك يولد ضغوطا ديموغرافية كبيرة على الخدمات العامة من جانب، وعلى سوق العمل من جانب آخر، وقد أشرنا إلى أن استمرار الضغوط الديموغرافية يهدد المالية العامة للمملكة ما لم تتم عملية صياغة برنامج للإصلاح المالي يكفل عدالة المشاركة في تحمل أعباء الخدمات العامة بين الدولة والمواطن على النحو الذي يقلل من الضغوط المستقبلية للنمو السكاني على المالية العامة، من ناحية أخرى فإن النمو الديموغرافي سوف يستمر في تغذية سوق العمل بأعداد متزايدة من الداخلين الجدد، وهنا يكمن التحدي الأكبر للمملكة والمتمثل في كيفية إيجاد فرص العمل التي تتناسب مع هذا النمو خارج القطاع الحكومي، وعلى النحو الذي يساعد على السيطرة على تكلفة الأجور في الميزانية العامة للدولة. فعلى الرغم من ارتفاع مساهمة القطاع الخاص في إيجاد فرص عمل للعمالة الوطنية، مازالت الحكومة هي القطاع الذي يوجد فرص العمل للعمالة الوطنية بصورة أساسية. لذلك يجب أن تحتل استراتيجية تعزيز دور القطاع الخاص في الاقتصاد المحلي أهمية خاصة في الوقت الحالي.
ولا شك أن ذلك يتطلب العمل على تعزيز بيئة الاستثمار الخاص، على النحو الذي يضمن فتح فرص عمل جديدة للمواطنين بعيدا عن القطاع الحكومي، وهذا لن يتم سوى من خلال تنويع الهيكل الإنتاجي لضمان تنويع النشاط الاقتصادي من خلال تطوير البنى التحتية، وتعزيز نظام التعليم وتطوير مهارات العمال، وتحسين بيئة الأعمال، وتوسيع قطاع المشروعات الصغيرة والمتوسطة لاستيعاب جانب من الضغوط المتزايدة في سوق العمل، وهي جميعها تتطلب إنفاقا عاما ضخما سوف تمثل عملية تدبيره أهم تحديات المالية العامة في المستقبل.
من ناحية أخرى فإن رفع مساهمة القطاع الخاص في توظيف العمالة الوطنية لا يمكن أن يتم بدون إصلاح سوق العمل في ظل قانون عمل وسياسات للهجرة والإقامة تصب أساسا لصالح زيادة أعداد المواطنين العاملين في هذا القطاع.
الخلاصة هي أنه بقدر ما تضمن تقرير الصندوق من إيجابيات تحققت عبر السنوات الماضية، فقد كشف التقرير عن الكثير من التحديات التي تواجه المملكة حاليا وفي المستقبل التي تتطلب رسم الاستراتيجيات المناسبة لمواجهتها.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق