الجمعة، ديسمبر 03، 2010

هل يعود العالم إلى نظام الذهب..وكيف؟ (3)

نشر في صحيفة الاقتصادية السعودية بتاريخ الجمعة 3/12/2010
تناولنا في المقالين السابقين ماهية نظام الذهب وخصائص النظام، بقي الآن السؤال المهم وهو هل يمكن أن يعود العالم إلى نظام الذهب؟ وإذا أراد العالم العودة إلى النظام فكيف ستكون العودة إلى هذا النظام؟ تنبغي الإشارة في البداية إلى هناك انقساما كبيرا بين المراقبين حول إمكانية العودة إلى نظام الذهب، فمن جانب نرى البعض يعتقد بأنه لا توجد أي عوائق من أي نوع يمكن أن تحول دون عودة العالم إلى نظام الذهب، سواء أكانت هذه العوائق فنية أو اقتصادية، وأن الموانع التي تقف دون عودة العالم إلى نظام الذهب لا تعدو أن تكون موانع إيديولوجية، وبمعنى آخر فإن الباب يعد مفتوحا أمام العالم للعودة إلى هذا النظام في أي وقت إذا ما اختار ذلك، وهو على ما قد يبدو يعد تسطيحا شديدا للقضية موضع النقاش. على الجانب الآخر يرى البعض أن مجرد التفكير في العودة إلى نظام الذهب هو نوع من الغباء أو هو منتهى الجنون. سوف أحاول في هذا المقال أن أناقش سيناريوهات العودة إلى نظام الذهب، دون أن ألجأ إلى تبسيط الأمور على نحو سطحي، أو أفترض منذ البداية أن العودة إلى النظام أمر مستحيل، ولندع نتائج السيناريوهات الممكنة للعودة إلى نظام الذهب هي التي تجيب على السؤال.

دعونا أولا نتعرف على رصيد العالم من الاحتياطيات الذهبية المرشحة للاستخدام كغطاء ذهبي للنقود في حال قرر العالم العودة إلى نظام الذهب. وفقا لبيانات صندوق النقد الدولي فإن إجمالي الكميات التي تحتفظ بها البنوك المركزية في العالم اليوم من الذهب كأصل احتياطي نقدي -- بما في ذلك صندوق النقد الدولي (2981.2 طنا) والبنك المركزي الأوروبي (501.4 طنا)، وبنك التسويات الدولية (199 طنا) -- تبلغ حوالي 30462 طنا من الذهب فقط، وذلك من أصل 140 ألف طنا يقدر أنها استخرجت من باطن الأرض حتى الآن، أهم الدول التي تحتفظ بالذهب في العالم هي الولايات المتحدة (8133.5 طنا) وهي أكبر دولة تحتفظ باحتياطي ذهبي في العالم، وألمانيا (3406.8 طنا)، وايطاليا (2451.8 طنا)، وفرنسا (2435.4 طنا)، والصين (1054.1 طنا)، وسويسرا (.11040 طنا)، واليابان (765.2 طنا)، وروسيا (663.8 طنا)، وهولندا (612,5 طنا)، والهند (557.7 طنا)، وتايوان (423.6 طنا)، والبرتغال (382.5 طنا)، وفنزويلا (363.9 طنا)، والمملكة العربية السعودية (322.9 طنا)، والمملكة المتحدة (310.3 طنا). باقي دول العالم تحتفظ بكميات صغيرة من الذهب، وفي معظم الأحيان لا تتناسب بأي شكل من الأشكال مع الكميات التي تصدرها من النقود. على سبيل المثال يبلغ الاحتياطي الذهبي للبنك المركزي في كندا 3.4 طنا فقط، بينما يبلغ الاحتياطي الذهبي لشيلي 200 كيلو جراما فقط، في حين لا تحتفظ دول مثل عمان وكينيا وعدد كبير من دول العالم الفقير باحتياطيات ذهبية على الإطلاق، مما يعني ان عملية العودة إلى نظام الذهب لمثل هذه الدول سوف تكون أمرا في غاية الصعوبة، أخذا في الاعتبار الأسعار الحالية للذهب.

كيف يمكن للعالم العودة إلى نظام الذهب؟ لا شك أن مناقشة الإجابة على هذا السؤال تقودنا إلى أن العودة إلى النظام إما أن تعني أن يعود العالم إلى النظام من خلال الصورة الكلاسيكية (سك النقود من الذهب، أو إصدار نقود ورقية يحتفظ بالذهب في مقابلها بالكامل)، أو من خلال نظام يماثل نظام بريتون وودز، أو من خلال صيغة ما من التأشير Indexation مثلما اقترح زوليك رئيس البنك الدولي مؤخرا. معنى ذلك أننا أمام ثلاثة سيناريوهات ممكنة للعودة إلى نظام الذهب، وفيما يلي نتناول هذه السيناريوهات بالتحليل.

السيناريو الأول لعودة العالم إلى نظام الذهب هو العودة إلى النظام في صورته الكلاسيكية، أي في صيغته المعدنية، أو في صورة النقود الورقية النائبة، ولسنا في حاجة هنا إلى إثبات أن العودة إلى النظام وفقا لهذا السيناريو تعد أمرا مستحيلا سواء حاليا أو في المستقبل، أخذا في الاعتبار الكميات المتاحة للعالم من احتياطيات الذهب، والكميات المصدرة من النقود في كافة أنحاء العالم. ذلك أن توفير الذهب اللازم لكل دول العالم ليستخدم كغطاء كامل للنقود سوف يعني أن كل الكميات المنتجة من الذهب في العالم لن تكون كافية للوفاء باحتياجات دول العالم لأغراض إصدار ما تحتاج إليه من نقود، وذلك إذا أخذنا في الاعتبار حجم القاعدة النقدية، أي كمية النقود المصدرة في العالم. فالعالم يقف الآن بالفعل في نفس الموقف الذي كان سائدا في 1945 عندما كان يناقش قضية العودة إلى نظام الذهب في بريتون وودز، حيث كانت دول العالم ترغب في العودة إلى نظام الذهب، ولكنها لم تكن تملك من الذهب ما يسمح لها بالعودة إلى النظام في صورته الكلاسيكية، فكان الخيار هو اللجوء إلى عقد اتفاقية بريتون وودز، حيث لعب الدولار الأمريكي دور مركز النظام النقدي العالمي.

السيناريو الثاني هو أن يعود العالم إلى نظام الذهب من خلال العودة إلى صيغة مماثلة لصيغة اتفاقية بريتون وودز، أي عودة عملة واحدة في العالم إلى نظام الذهب، هذه العملة سوف تكون بالتأكيد الدولار، لعدة أسباب أهمها أن الدولار يمثل حاليا عملة العالم، كما أنه العملة الوحيدة في العالم صاحبة هذا الغطاء الذهبي الضخم، بالإضافة إلى خصائص أخرى، على أن تعود دول العالم لربط عملاتها بالدولار، وبذلك تتمكن الدول المختلفة من ربط عملاتها بالذهب من خلال الدولار، مثلما كان عليه الحال طبقا لنظام بريتون وودز، وإذا افترضنا أن العالم سوف يعود للذهب وفقا لهذا السيناريو فإن هناك أكثر من بديل لتحديد قيمة التعادل بين الدولار والذهب، أو معدل التحويل بين الدولار والذهب.

البديل الأول: وهو العودة على أساس آخر سعر رسمي للذهب، أي 42 دولارا للأوقية، وهو السعر الذي كان سائدا للذهب قبل قيام العالم بهجر اتفاقية بريتون وودز وفصل النظام النقدي العالمي عن الذهب. لا شك أن هذه العودة النظرية سوف تعني فرض قيمة مرتفعة جدا للدولار، ومن ثم قيمة منخفضة جدا للذهب. من الناحية التاريخية حدث إجراء مماثل لذلك في حالة المملكة المتحدة، التي كانت المركز المالي للعالم بعد الحرب العالمية الأولى. فبعد ان انتهت الحرب، عادت المملكة المتحدة إلى الذهب على أساس معدل صرف الجنيه الإسترليني بالذهب قبل الحرب، غير أن سعر الذهب بعد الحرب كان قد ارتفع كثيرا، مما أدى إلى خفض معدل صرف الجنيه في سوق الصرف الأجنبي إلى 4.40 دولارا، وقد كان من المفترض أن تعود المملكة المتحدة إلى الذهب على أساس معدل صرف 4.86 دولارا للجنيه (المعدل قبل الحرب)، وبما ان المملكة المتحدة كانت تعيش على تصدير الكثير من السلع لكي تستورد احتياجاتها من الخارج، فان العودة إلى نظام الذهب على أساس سعر الذهب قبل الحرب قد أدى إلى رفع قيمة الجنيه بصورة كبيرة مما أدى إلى ارتفاع أسعار الصادرات البريطانية في الأسواق العالمية، ولكي تحافظ المملكة المتحدة على تنافسيتها في الأسواق الدولية قامت بتخفيض الأجور في المملكة، الأمر الذي ترتب عليه اضطراب عمليات الإنتاج والأسعار بصورة واضحة، وهو ما دفع بالمملكة المتحدة إلى الإعلان عن خروجها من نظام الذهب بصفة نهائية لاحقا.

العودة إذن إلى نظام الذهب على أساس معدل التبادل الذي كان سائدا قبل فصل الدولار عن الذهب، سوف يؤدي إلى آثار تجارية سلبية حادة، تمنع الولايات المتحدة من تبني العودة إلى النظام على هذا الأساس، هذا بالطبع إذا افترضنا أن الولايات المتحدة سوف تتمكن من توفير احتياطيات ذهبية تمكنها من العودة إلى النظام استنادا إلى هذه القيمة للتعادل، وبحسبة بسيطة إذا افترضنا أن الولايات المتحدة سوف تقوم بتخفيض كميات الدولارات التي أصدرتها إلى مستويات ما قبل الأزمة، أي إلى حوالي 800 مليار دولارا فقط، فإن فرض معدل للتحويل إلى الذهب عند سعر 42 دولارا للأوقية يقتضى من الولايات المتحدة أن ترفع رصيدها الذهبي إلى 19047619048 أوقية ذهب، أو 592447.2 طنا من الذهب، وهو أمر مستحيل الحدوث، لأنه ببساطة شديدة لا يوجد في العالم سواء على سطح الأرض أو في باطنها هذه الكمية من الذهب.

البديل الثاني هو العودة إلى نظام الذهب على أساس المعدل الحالي للتحويل بين الدولار والذهب، أي وفقا للعلاقة بين الكميات المصدرة من الدولار والرصيد الذهبي الحالي للولايات المتحدة، وفي ظل هذا البديل سوف نجد أنه وفقا لآخر البيانات المنشورة عن احتياطيات الولايات المتحدة من الذهب، فإن الاحتياطي الفدرالي يحتفظ الآن بـ8133.5 طنا من الذهب، وبما إن أوقية الذهب تزن 31.10348 جراما، فإن ذلك يعني أن الاحتياطي الفدرالي يحتفظ بـ261,496,938.7 أوقية من الذهب، ووفقا لآخر البيانات المتاحة عن القاعدة النقدية للولايات المتحدة Monetary Base، أي الدولارات المصدرة، فإنه حتى أكتوبر الماضي تم إصدار 1958757 مليون دولارا (حوالي 2 تريليون دولارا)، و بقسمة إجمالي الكميات المصدرة من الدولار إلى إجمالي الاحتياطي من الذهب بالأوقية، فإن معدل التحويل بين الدولار والذهب يصبح 7490.6 دولارا للأوقية. لاحظ ان حساباتنا تقوم فقط على ربط الدولار بالذهب وليس كل عملات العالم.

من ناحية أخرى إذا افترضنا أن الولايات المتحدة سوف تعيد سحب كميات الدولار التي أصدرتها خلال الأزمة لتعود القاعدة النقدية إلى مستوياتها قبل الأزمة (800 مليار دولارا) فإن سعر أوقية الذهب لا بد وأن يصبح وفقا لهذا البديل3059.3 دولارا. معنى ذلك أن العودة إلى نظام الذهب وفقا لهذا البديل سوف تنطوي على تخفيض هائل جدا لقيمة الدولار، وفرض سعر خيالي للذهب. لقد بلغ سعر الذهب في المتوسط هذا الأسبوع حوالي 1370 دولارا للأوقية، معنى ذلك أن العودة إلى النظام وفقا لهذا البديل سوف تعني رفع أسعار الذهب الحالية ما بين ضعفين وربع إلى خمسة أضعاف ونصف، وهو ما يمكن ان يحدث صدمة شديدة في الأسواق، وارتفاع حاد جدا للأسعار، بما يفقد نظام الذهب الهدف الأساسي منه، وهو استقرار الأسعار، ومن المؤكد ان العودة على أساس أي من هذه الأسعار سوف يؤدي إلى صدمة لعمليات إنتاج واستخراج الذهب، حيث ستتحول الموارد بشكل متزايد نحو إنتاج الذهب من المصادر الاقتصادية وغير الاقتصادية (التي ستصبح اقتصادية بعد هذه الزيادة الرهيبة في سعر الذهب)، أكثر من ذلك فإن مثل هذه العودة سوف تدمر القوة الشرائية للدولار والمدخرات به والاحتياطيات العالمية منه أو أي التزامات سوف يتم سدادها مستقبلا بالدولار. الميزة الأساسية في هذا البديل هي أن الولايات المتحدة لن تحتاج إلى رفع رصيدها الاحتياطي من الذهب.

البديل الثالث هو العودة إلى النظام على أساس الأسعار الحالية للذهب، أي بمعدل تحويل 1350 دولارا للأوقية تقريبا. مشكلة العودة إلى النظام على أساس الأسعار الحالية هي أن السعر الحالي للذهب مغالى فيه، وبالتالي سوف يعود الدولار إلى الذهب عند قيمة أقل بكثير من القيمة التي يجب ان يكون عليها لو كانت الأسعار السائدة للذهب هي تلك الأسعار التي تسود في ظل الأوضاع العادية، وليس أسعار الأزمة. ومرة أخرى لكي تتم العودة بالدولار إلى نظام الذهب على أساس الأسعار الحالية فإن الولايات المتحدة في ظل الكميات المصدرة حالية من الدولار (2 تريليون دولارا) سوف تحتاج إلى رفع رصيدها الذهبي إلى 1450931111 أوقية، أو بحوالي 45129 طنا من الذهب، وهي كمية تفوق احتياطيات البنوك المركزية في العالم أجمع حاليا من الذهب بمرة ونصف، وعلى افتراض أن الولايات المتحدة سوف تخفض الكميات المصدرة من الدولار إلى مستويات ما قبل الأزمة (800 مليار دولارا)، فإن الولايات المتحدة سوف تحتاج إلى رفع رصيدها الذهبي إلى 592592592.6 أوقية، أو 18431.7 طنا من الذهب، أي بأكثر من ضعفي الرصيد الذهبي الحالي للولايات المتحدة، ولا شك أن أي محاولة لتدبير هذه الكميات من الذهب سوف تدفع بأسعار الذهب نحو السماء. ومن ثم فان إعلان التحول إلى نظام الذهب على هذا الأساس سوف يحدث صدمة أيضا، وهي ان الاحتياطي الفدرالي لا بد و ان يوائم بين رصيده الذهبي والكميات المصدرة من النقود على هذا الأساس، الأمر الذي إما قد يقتضي ضرورة خفض الكميات المصدرة من الدولار على نحو كبير، أو قيام الاحتياطي الفدرالي بزيادة رصيده من الذهب حتى يحافظ على هذه العلاقة بين الكمية المصدرة من الدولارات والكميات المتاحة من الذهب.

الخلاصة هي أن استبدال النظام الحالي بنظام الذهب سواء وفقا للسيناريوهين الأول أو الثاني لابد وأن يصاحبه ضرورة توفير كميات من الذهب تفوق إمكانيات العرض الحالي أو المستقبلي من الذهب، خصوصا في ظل الدلائل المتاحة حاليا والتي تشير إلى أن الذهب بدأ يدخل مرحلة الذروة أو ما يطلق عليه ذروة الذهب Peak gold، ويقصد بالذروة الحالة التي يزداد فيها الطلب على المعدن بمعدلات تفوق النمو في الكميات المستكشفة أو المنتجة منه، مما يعني أن أي محاولة لتدبير هذه الكميات من الذهب سوف تجعل النظام غير قابل للاستدامة، نظرا لارتفاع أسعار الذهب إلى مستويات لا يمكن ان يتحملها النظام النقدي العالمي.

السيناريو الثالث هو العودة إلى نظام الذهب من خلال التأشير بالذهب مثلما يقترح روبرت زوليك رئيس البنك الدولي، عندما أطلق اقتراحه المثير للجدل داعيا العالم "أن يدرس أيضاً استخدام الذهب كنقطة مرجعية دولية لتوقعات الأسواق حول التضخم والانكماش وقيمة العملات" مضيفا بأنه "مع أن الكتب الدراسية قد تنظر إلى الذهب على أنه عملة قديمة، إلا أن الأسواق ما تزال تستخدمه اليوم كأصل نقدي بديل." وبغض النظر عن مدى صحة الحكم، بأن العالم يستخدم الذهب كأصل نقدي بديل، حيث يشر الاقتصادي براد دي لونج إلى أن الأسواق لا تستخدم الذهب كأصل نقدي بديل، وإنما تستخدمه كأصل للمضاربة والتحوط، وليس كوحدة حساب أو كوسيط للتبادل أو حتى كمخزن آمن للقيمة الاسمية، فإن دعوة زوليك لا تحمل إذن العودة إلى نظام الذهب سواء في صورته المعدنية أو في صورته الورقية النائبة، أو حتى في أي صورة مماثلة لنظام بريتون وودز، إنها دعوة لاستخدام الذهب كنقطة مرجعية، غير ان زوليك لم يوضح لنا كيف يمكن ان يصبح مقترحه قابلا للتطبيق بشكل عملي على أرض الواقع الذي نعيش فيه، وعلى أي أساس سيتم تحديد هذه النقطة المرجعية، وبأي سعر للذهب، وما هي الشروط اللازم توافرها لتطبيق المقترح، أو على الأقل النموذج الذي سوف نستخدمه لكي يكون الذهب نقطة مرجعية دولية لبناء التوقعات حول الأسعار وقيم العملات .. الخ، كل ما أشار إليه هو ان المقترح سوف يساعد على استعادة الثقة في الأسواق المالية.

الدعوة التي أطلقها روبرت زوليك أثارت ردود فعل عالمية واسعة، حيث تلقاها أنصار العودة إلى نظام الذهب بفرحة طاغية، وأخذت التحليلات الواهية تخرج علينا بتوقعات جنونية لأسعار الذهب، لدرجة ان البعض توقع ان يصل سعر أوقية الذهب إلى 52 ألف دولارا. بالنسبة لي مقترح زوليك أحدث زوبعة هائلة ولكن في فنجان صغير جدا، وانتهى مقترح زوليك إلى مجرد فرقعة في الهواء، وبالتالي لم استغرب أن أقرأ للاقتصادي براد دو لونج وهو يصف زوليك بأنه "أغبي شخص يعيش في العالم".

الذي لا يريد ان يفهمه أنصار الذهب هو ان الذهب الذي نتحدث عنه اليوم يختلف تماما عن الذهب الذي كان سائدا في الماضي، ان ربط العملات بالذهب خصوصا في ظل الأوضاع الحالية لم يعد أمر مبررا من الناحية العملية خصوصا وانه سيربط العملات بسلعة مضاربة، فلم يعد الذهب يتمتع بالاستقرار الذي يتوقعه البعض أو الذي ساد فيما سبق.

من ناحية أخرى فإن العودة إلى نظام الذهب لا تعني ان النظام سوف يكون مستقرا بشكل تلقائي، فبدون التزام من قبل الدول بقواعد النظام لن تفلح أي محاولة للعودة إلى نظام الذهب، إذ غني عن البيان أن عدم الالتزام بقواعد اللعبة من قبل الدول المشاركة في نظام بريتون وودز هو الذي أدى إلى انهياره، سواء من جانب الولايات المتحدة التي أفرطت في طبع الدولار وسمحت لميزانيتها أن يبلغ العجز فيها مستويات تفوق قدرتها على التمويل من خلال نظامها الضريبي، فلا شك أن نيكسون قد أساء استخدام السياسة النقدية من خلال إيحاءه إلى رئيس الاحتياطي الفدرالي في ذلك الوقت "آرثر بيرنز" بطبع المزيد من الدولار، كما أن باقي الأعضاء في النظام أساءوا إليه عندما لم يدعوا أي فرصة تفوت دون أن يقوموا بتحويل ما لديهم من دولارات إلى ذهب، إلى الحد الذي بلغ معه الرصيد الذهبي للولايات المتحدة، مستويات حرجة، جعلت من الصعب على دولة المركز أن تستمر في التزاماتها نحو النظام وهي ترى احتياطياتها الذهبية تصل إلى هذه المستويات.

الخلاصة هي أن العودة إلى نظام الذهب على الأسس التي تم تناولها مسبقا لا يمكن ان تتم لأسباب ثلاثة على الأقل، وهي الأول؛ انه لن يكون هناك كميات كافية من الذهب لكي تستوفي احتياجات العالم لأغراض الاصدار، خصوصا مع تزايد أعداد السكان وتزايد مستويات الإنتاج والتجارة ومن ثم مستويات المعاملات، أكثر من ذلك فان التوسع في الإنتاج والاستثمار والنمو سوف يكون مرهونا بالكميات المنتجة من الذهب في العالم، وهو ما سيعني أن إنتاج الذهب سوف يكون عنق الزجاجة لعمليات الإنتاج والتجارة والاستثمار على المستوى الدولي، والثاني؛ هو أن العودة إلى نظام الذهب سوف تحول الذهب إلى معدن غير مستقر تماما، مما يعني أن قيمة النقود لن تكون مستقرة هي الأخرى على الإطلاق، بعكس ما هو متوقع من النظام، والثالث؛ هو أن العودة إلى نظام الذهب سوف تكون مكلفة للغاية، وبالتالي فإن الذهب الذي قد يكون مخزنا جيدا للقيمة، ويساعد على التحوط ضد التضخم، لم يعد يصلح لكي يكون أساس النظام النقدي سواء على المستوى المحلي أو العالمي.

نظام الذهب إذن لا يمثل حلا سحريا لعوامل عدم الاستقرار التي يعاني منها العالم حاليا، طالما ان عوامل عدم الاستقرار مزروعة في النظام ذاته، وبمعنى آخر لا معنى للعودة للنظام بدون الالتزام بقواعد الاستقرار الاقتصادي، و طالما استمرت نزعات دول العالم والقائمة على صنع سياسات اقتصادية تضخمية فلن نجني شيئا من العودة إلى نظام الذهب.

والآن، إذا كانت العودة للنظام مستحيلة، فهل من بديل لنظام الذهب، الإجابة هي نعم البديل هو استهداف التضخم Inflation targeting، أي تصميم وتنفيذ السياسات النقدية لتحقيق والحفاظ على معدلات ثابتة ومنخفضة للتضخم، وذلك للحيلولة دون تدهور القوة الشرائية للعملات وضمان ثباتها في مواجهة ارتفاع الأسعار.


















هناك 3 تعليقات:

  1. سلسلة مقالات رائعة. استفدت منها كثيرًا وقد كنت قرأت عن الموضوع وكتبت عنه هنا
    http://www.weblogm.com/2006/09/30/gold-from-the-start
    وكنت أرى العودة للذهب حلا. ليس بعد الآن.

    شكرًا لك دكتور.

    ردحذف
  2. مشكور محمد
    نعم قرأت ما كتبت، وهو تناول جيد جدا أيضا.
    تحياتي

    ردحذف
  3. شكراً دكتور محمد
    مقالاتك صححت لنا الكثير من المعلومات والافكار الخاطئة.

    لو افترضنا جدلاً ان العالم، رجع الى نظام الذهب، ستكون هناك مشكلة، وهي عدم الالتزام.

    في سلسلة عالم لا يتعلم من ازماته.
    كانت فرنسا في 1700 (البنك الملكي) لم يلتزم بطباعة النقود بما يتناسب مع رصيده الذهبي.
    وأميركا لم تلتزم بطباعة الدولار بما يغطيه من ذهب. مما ادى لا نهيار اتفاقية بريتون.
    بريطانيا، المانيا بعد الحرب العالمية الاولى تخلت عن نظام الذهب. فأي دولة لا تمتلك ذهب كافي، لن تلتزم وستقوم بالطباعة.

    وكذلك في نظام تغطية النقود من خلال الانتاج او الناتج المحلي.
    الآن أميركا لم تلتزم، وقامت بطباعة النقود من فراغ، بدون وجود ناتج. واليابان وبريطانيا تسيران على نفس الخط تحت مسمى التيسير الكمي.

    لا يوجد التزام. سواء كان بنظام الذهب او بنظام الانتاج. ما دام السياسيون سيطرون أو يؤثرون على القرارات الاقتصادية. ولهذا المشكلة ستستمر.

    واسوء شيء ان يسيطر السياسيون بنفس سيطرة ونزعة الرئيس الزيمبابوي روبرت موقابي، ويتخدلون القرارات الاقتصادية من الالف الى الياء.

    ردحذف