الثلاثاء، يناير 31، 2012

أفضل الديون السيادية في العالم

نشر في صحيفة الاقتصادية بتاريخ الثلاثاء 21/12/2012
تناولنا في الأسبوع الماضي الحديث عن أخطر الديون السيادية في العالم  وفقا  لتقرير مؤسسة CMA عن مخاطر السيادية في الربع الرابع من العام الماضي. اليوم نتناول قائمة الدول صاحبة أكثر ديون العالم أمانا، تجدر الإشارة إلى أن دخول الدولة مثل هذا التصنيف يعزز من ثقة المستثمرين في سنداتها ويمكنها بالتالي من الاقتراض بمعدلات فائدة دنيا.
منذ ثلاث سنوات والنرويج تحتل المركز الأول عالميا كصاحبة أأمن دين سيادي في العالم، نظرا لأوضاعها المالية القوية، والمعلوم أن النرويج كدولة مصدرة للنفط لا تدخل إيراداتها النفطية إلى اقتصادها المحلي، وإنما تستثمرها في الخارج، وذلك لتحييد أثر هذه الإيرادات على اقتصادها الوطني، وحتى لا تصاب بما يسمى "المرض الهولندي Dutch Disease"، وهو الحالة التي تتراجع فيه تنافسية الدولة نتيجة لاكتشاف مورد طبيعي فيها، الأمر الذي يرفع من قيمة عملة الدولة ويؤثر سلبا على تنافسية صادراتها من السلع الأخرى، بصفة خاصة الصناعية. وفقا لآخر تقديرات المعهد الدولي لصناديق الثروة السيادية بلغت أصول الصندوق السيادي النرويجي 560 مليار دولارا، ومما لا فيه شك أن مثل هذه الثروة الهائلة تمثل ضمانا قويا ضد أي مخاطر يمكن أن تحيط بالدين السيادي النرويجي، وكما نلاحظ في الجدول فإن احتمال التوقف عن سداد الدين النرويجي يكاد يكون صفرا.

ربما يدهش القارئ حينما يرى أن الدين العام الأمريكي هو ثاني أفضل دين عام في العالم، على الرغم من كل ما نقرأه عن تراجع تصنيف وكالة ستاندارد أند بور للدين الأمريكي، نتيجة للاضطرابات التي حدثت في الكونجرس بسبب عدم التوافق على قضية رفع سقف الدين العام الأمريكي في منتصف العام الماضي، وما كان يكتب عن احتمالات توقف الولايات المتحدة عن سداد التزاماتها نظرا لعدم قدرتها على الاقتراض لسداد التزاماتها في ظل القيود التي تواجه الخزانة الأمريكية نتيجة الحد الأعلى على سقف الدين. كيف يصنف الدين الأمريكي إذن على أنه ثاني أكثر ديون العالم أمانا؟
يمكن تفسير هذه النتيجة بعدة نقاط؛ الأولى هي أن هذا التصنيف المتميز للدين الأمريكي يعكس أساسا انخفاض المخاطر المصاحبة لهذا الدين، وهو ما يعكس الثقة في قدرة الولايات المتحدة على خدمة ديونها، لأن الدين العام الأمريكي هو الدين العام لأقوى اقتصاد في العالم، كما أن هذا الدين يتم إصداره أساسا بالدولار، عملة الولايات المتحدة وعملة العالم، ومثل هذه الميزة التي تتمتع بها الولايات المتحدة تعني أن احتمالات توقف الولايات المتحدة عن خدمة ديونها تعد ضعيفة جدا لأنه في أسوأ الظروف يمكن أن تقوم أمريكا بطبع الدولار أو باتخاذ أي ترتيبات أخرى لزيادة السيولة بهدف خدمة الدين.
النقطة الثانية التي ينبغي التأكيد عليها وهي أن البنوك المركزية في العالم يهمها دائما أن تقوم الإدارة الأمريكية بإصدار المزيد من السندات الأمريكية سنويا، وذلك بهياكل مختلفة لتواريخ الاستحقاق، باعتبار أن هذا الدين وسيلة هامة لاستثمار فوائضها الدولارية حسب توقيتات احتياجاتها لهذه الفوائض، وهو ما يساعد تلك البنوك على الحصول على عوائد على تلك الفوائض والتمتع بمزايا السيولة في ذات الوقت.
 النقطة الثالثة هي أن الثقة في السندات الأمريكية تعززت على نحو غير مسبوق مع تعقد أوضاع منطقة اليورو وارتفاع حدة المخاطر المحيطة بالديون السيادية للدولة الأعضاء في المنطقة، بصفة خاصة مجموعة الـ PIIGS، لدرجة أن سعي المستثمرين نحو البحث عن ملجآ آمن للسيولة دفع بهم في بعض الأحيان إلى شراء سندات دين أمريكية (معدلة بالتضخم) بمعدلات فائدة سالبة، أي أن الدائن هو الذي يدفع فائدة للمدين، ومما لا شك فيه أن مثل هذه النتائج تعكس تصاعد المخاطر المحيطة بالاستثمار في الديون السيادية على نحو خطير عالميا.
باقي الدول صاحبة أفضل الديون السيادية هي دولتان تحسن مركزهما في القائمة وهما سويسرا وأستراليا، اللتان تحتلان المركز  الثالث والسادس على التوالي، بينما تراجع ترتيب السويد وهونج كونج بمركز واحد وهما في المركزين الرابع والسابع على التوالي، أما أسوأ أداء في القائمة فكان من نصيب المملكة المتحدة التي تراجع ترتيبها بمركزين إلى التاسع، وأتوقع خروجها من القائمة في التقرير القادم نظرا لتزايد المخاطر النسبية المحيطة بالدين البريطاني. في الوقت الذي دخلت فيه نيوزيلاندا قائمة الدول صاحبة أفضل الديون السيادية لأول مرة، وكذلك عادت ألمانيا إلى القائمة في هذا التقرير، بعد أن خرجت منه منذ ستة أشهر.
عربيا تحسن تصنيف الدين السيادي لقطر حيث احتلت المركز الحادي عشر عالميا في قائمة الدول صاحبة أفضل الديون السيادية، بينما خرجت كل من المملكة العربية السعودية وأبو ظبي من قائمة الدول العشر صاحبة أأمن الديون في التقرير الربع سنوي الماضي، حيث احتلت أبو ظبي المركز الثاني عشر وقد كانت تحتل المركز العاشر في التقرير السابق، كما احتلت المملكة العربية السعودية المركز الثالث عشر، وقد كانت تحتل المركز التاسع في التقرير السابق.
هذه هي دول العالم التي تنخفض احتمالات إفلاسها إلى درجة قريبة من الصفر تقريبا نظرا لمتانة أوضاعها المالية، والتي استطاعت أن تصدر سندات بمعدلات فائدة، منخفضة للغاية خلال الفترة الماضية.


هناك تعليقان (2):