الجمعة، أبريل 06، 2012

سعودة المهن .. ومشكلة البطالة


نشر في صحيفة الاقتصادية بتاريخ الجمعة 6/4/2012
كان من المفترض أن أتناول اليوم اتجاهات التجارة الخارجية للمملكة ضمن سلسلة "اتجاهات النمو في الاقتصاد السعودي"، ولكن عودة الحديث بقوة هذه الأيام عن مشكلة البطالة في المملكة، جعلتني أعيد توجيه دفتي لتناول موضوع البطالة مرة أخرى، وكنت قد طرحت الموضوع مسبقا ضمن سلسلة اتجاهات النمو في الاقتصاد السعودي تحت عنوان تحدي البطالة، حيث لوحظ تصاعد مشكلة البطالة على نحو مقلق في المملكة، وأن من أهم تحديات البطالة بين قوة العمل السعودية هي ارتفاع معدلات البطالة بين صغار السن والتي تصل في الفئة العمرية 15 إلى 19 عاما إلى 43.5 في المائة وفي الفئة العمرية 20 إلى 24 عاما 39.3 في المائة وهي بهذا الشكل تعد من أعلى المعدلات عالميا.

مشكلة البطالة في المملكة مشكلة متعددة الجوانب، ولا يمكن التهوين من مخاطرها سواء في المدى القصير أو الطويل، خصوصا في ظل الخصائص الآتية لسوق العمل السعودي:

-          ارتفاع عدد الداخلين الجدد سنويا إلى سوق العمل بفعل النمو السكاني الكبير الذي تتسم به المملكة، مع اتجاه هذه الأعداد نحو التزايد في المستقبل وهو ما يفرض تحديا جوهريا على صانع السياسة حاليا وفي المستقبل والذي يتمثل في كيفية توفير فرص عمل لاستيعاب هذه الأعداد المتزايدة من العمالة الوطنية، بعيدا عن القطاع الحكومي.

-          عدم توافق مخرجات نظام التعليم والتدريب في المملكة، بصفة خاصة الجامعي، مع الاحتياجات الفعلية لسوق العمل، الأمر الذي يعقد المشكلة على نحو أكبر، حيث يتخرج أعداد كبيرة سنويا لا يحتاجها سوق العمل، في ظل غياب خطة للربط بين ما يتم تقديمه من برامج وتدريسه من مناهج مع الحاجات الحقيقية لسوق العمل.  

-          سياسات هجرة واستقدام مفتوحة بلا ضوابط تقريبا أمام العمالة الوافدة، الأمر الذي يجعل المنافسة بين العمالة الوطنية والعمالة الوافدة مسألة محسومة لصالح الأخيرة، بسبب انخفاض هيكل الرواتب والتعويضات الأخرى الذي تقبل به، وعبء العمل الذي يمكن تحميله عليها .. الخ، بصفة خاصة في قطاع العمل الخاص.

-          غياب سياسات فرض إحلال العمالة الوطنية محل العمالة الوافدة بصورة صارمة أو على نحو مخطط سواء بالنسبة لطبيعة الوظائف التي يجب أن تضطلع بها العمالة الوطنية في القطاعين الحكومي والخاص، أو في نسبة الإحلال السنوي لقوة العمل الوافدة.

-          سيادة قيم خاطئة لدى المواطن حول طبيعة فرص العمل والوظائف التي ينبغي أن يقوم بها، دون غيره من المتواجدين في المملكة، والتي هي بصفة أساسية وظائف أصحاب الياقات البيضاء، وسعي الجميع إلى أن يكون تأهيله جامعيا لكي يتسنى له تجنب كافة المهن، بصفة خاصة تلك التي تتطلب مجهود عضليا شاقا.

-          اختلال نظرة المجتمع للمهنة وصاحبها وانتشار قيم خاطئة حول الكثير من المهن على أنها مهن تحط من كرامة من يقوم بها، مثل الحداد والنجار والميكانيكي .. إلى آخر هذه القائمة الطويلة من المهن، مع أن الأجداد كانوا يمارسون هذه المهن بلا أي خجل.   

مثل هذه الخصائص تجعل سوق العمل الوطني لا يعمل لصالح العمالة الوطنية على الإطلاق، ولذلك تتفاقم مشكلة البطالة على النحو الذي أشرنا اليه سابقا. لمجابهة مشكلة البطالة حاولت الحكومة إعانة العاطلين عن العمل ماديا، الأمر الذي يعني أنه بدلا من التعامل مع المشكلة بشكل مباشر تم اللجوء إلى ضخ الأموال للتخفيف من معاناة العاطلين عن العمل وتوفير فرصة حياة كريمة لهم ولأسرهم، وهو لا شك إجراء حميد، غير أن حل مشكلة البطالة في المملكة لن يكون من خلال إعانة البطالة، بصفة خاصة وأن إقرار مثل هذه السياسات في ظل الهيكل الحالي لسوق العمل سوف يحمل آثارا سلبية طويلة الأجل على الإنفاق العام للمملكة دون أن يؤدي ذلك إلى حل المشكلة.

في رأيي أنه على المديين القصير والمتوسط يمكن التخفيف من حدة البطالة من خلال اللجوء إلى الإحلال المخطط للعمالة الوطنية محل العمالة الوافدة وذلك بإلزام كافة جهات العمل في القطاعين الحكومي والخاص بنسبة مئوية محددة للإحلال سنويا، على أن يكون ذلك مصحوبا بسياسات استقدام اكثر صرامة للتأكد من أن فرص العمل الجديدة تذهب أساسا للعمالة الوطنية، أما على المدى الطويل فلا مناص من إعادة هيكلة قطاع التعليم ومؤسسات التدريب المهني لكي تتوافق مخرجاتها مع الاحتياجات الحقيقية لسوق العمل، حتى لا يتحول قطاع التعليم إلى قطاع يمد سوق العمل بالعاطلين ومن ثم يجبر هذا السوق على استقدام العمالة من الخارج.

غير أن إحلال العمالة الوطنية محل العمالة الوافدة وإعادة هيكلة قطاع التعليم والتدريب سوف تكون حلولا جزئية لمشكلة البطالة حيث ستظل بعض المهن مستعصية على الإحلال في ظل هيكل القيم الحالي والنظرة الدونية للكثير من المهن باعتبارها ليست مهن المواطن، وإنما هي مهن الوافد. فحاليا يعمل في المملكة أكثر من 8 مليون عامل، وفقا لآخر الإحصاءات المتوافرة عن سوق العمل، نصفهم تقريبا من العمالة الوطنية والباقي من العمالة الوافدة. تشير الإحصاءات المتوافرة إلى أن العمالة الوطنية تتركز في وظائف أصحاب الياقات البيضاء، بينما يسيطر الوافدون على مهن أصحاب الياقات الزرقاء، وعلى ذلك فإن عملية إحلال العمالة الوطنية محل العمالة الوافدة في سوق العمل الخاص تستدعي أساسا اهتمام العمالة الوطنية بمهن أصحاب الياقات الزرقاء.

لقد كثر الحديث حول العمالة الوافدة وسيطرتها على سوق العمل الوطني بحيث اصبح هذا السوق شبه مغلق أمام العمالة الوطنية، وهي حجة أراها غير صحيحة، فلم تتقدم العمالة الوافدة في سوق العمل الوطني إلا نتيجة لتراجع العمالة الوطنية في هذا السوق وتفضيلها أداء مهن ووظائف محددة بعينها، وترك ما دون ذلك للعمالة الوافدة.

أي عمل، وكل عمل له قيمة كبرى تدركها الدول الصناعية ولا تفرط أبدا في هذه القيمة، فعلى الرغم من انتشار الانحدار الأخلاقي في الكثير من المجتمعات الغربية في عالم اليوم، إلا أن شيئا واحدا ما زال يسهم في تماسك هذه المجتمعات اقتصاديا حتى يومنا هذا وهو عدم التفريط في قيمة العمل، والالتزام بمتطلباته وأداء واجباته على أكمل وجه، وأن جميع من يعمل له نفس القيمة في المجتمع، بغض النظر عما اذا كان صاحب ياقة بيضاء أو صاحب ياقة زرقاء، مهندس أو عامل في المجاري، طالما أنه يعمل وينتج ويضيف قيمة للمجتمع.

ربما لا نجد دينا يحض على العمل بكل أنواعه وأشكاله مثلما هو الإسلام، فالعمل في الإسلام نوع من أنواع العبادة، والرسول عليه الصلاة والسلام يحضنا عليه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما أكل أحد طعاماً قط خيراً من أن يأكل من عمل يده وأن نبي الله داود عليه السلام كان يأكل من عمل يده), وقال صلى الله عليه وسلم: (من أمسى كالاً من عمل يده بات مغفوراً له)، وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً يعمل فصافحه ووجد آثار الخشونة في يده فقال: (هذه يد يحبها الله ورسوله)، لأنها بلغتنا نحن المتخصصين في الاقتصاد يد منتجة، تعمل لتصنع وتزرع وتحصد وتقدم سلعا وخدمات يحتاج إليها خلق الله.

أما قيم الخمول والسكون وتجنب العمل الشاق او المهن التي ينظر إليها على أنها تمتهن كرامة الإنسان، في نظر البعض، فهي قيم دخيلة علينا، ولم تكن مجتمعاتنا كذلك قبل اكتشاف النفط، فقد كان الجميع يعمل في كافة المهن دون خجل. لا يوجد عمل، أيا كان نوعه أو طبيعته يمتهن كرامة الإنسان طالما أنه عمل شريف يؤديه الإنسان بإخلاص لوجه الله تعالى ولصالح الوطن.

الخلاصة هي أن حل مشكلة البطالة لن يكون من خلال فتح الحكومة للمزيد من الوظائف في دواوين العمل الحكومي، الحل الحقيقي لمشكلة البطالة هو في المؤسسات الصغيرة والمتوسطة الحجم، غير أن فرص العمل المتاحة في مثل هذه المؤسسات هي بصفة أساسية عبارة عن مهن مثل النجارة والسباكة والحدادة والحراسة والنظافة .. الخ، وبما أن العمالة الوطنية لا تفضل امتهان هذه المهن فمن الطبيعي أن نجد العمالة الوافدة تسيطر عليها، ولن تنجح أي خطة لإحلال العمالة الوطنية محل العمالة الوافدة قبل أن تتم عملية سعودة المهن في سوق العمل السعودي، قبل ذلك لا حديث عن انتهاء مشكلة البطالة، وطالما سادت القيم الحالية بين الداخلين الجدد إلى سوق العمل سوف تظل العمالة الوطنية لا تريد القطاع الخاص، وسوف يظل القطاع الخاص لا يريد العمالة الوطنية، وبينها تدفع خزانة الدولة الثمن.

هناك تعليق واحد: