الجمعة، أبريل 27، 2012

هل بدأت رحلة تحرير الرينمنبي الصيني؟

نشر في صحيفة الاقتصادية بتاريخ الجمعة 27/4/2012


في أوائل هذا الشهر أعلنت الصين أنها سوف تسمح بتوسيع نطاق التذبذب بين عملتها الرينمنبي (عملة الشعب) والدولار الأمريكي، إلى 1%. بالنسبة للذين يقرأون هذا الخبر لأول مرة،  فإن هذا القرار يعني ببساطة مضاعفة نطاق تذبذب الرينمنبي بالنسبة للدولار الأمريكي، والذي كان محددا عند نطاق 0.5% منذ مايو 2007 حتى هذا الشهر، وبناء على ذلك فإن معدل الصرف الجديد لليوان سوف يتحدد استنادا إلى معدل صرف مركزي مع السماح بارتفاع او انخفاض يومي بحد أقصى 1% ارتفاعا وانخفاضا.

بعض المراقبين ينظر إلى هذا الإصلاح في سياسات معدل صرف الرينمنبي بأنه حلقة في سلسلة من الإصلاحات التي تهدف إلى تحويل الرينمنبي إلى منافس عالمي للدولار الأمريكي كعملة احتياط دولية، وهذا بالطبع لا بد وان يتطلب تحرير الإتجار في العملة بصورة تدريجية، حتى يتم تداولها بصورة أكثر حرية. من الإجراءات الهامة التي اتخذتها الصين مؤخرا أيضا هو السماح للشركات في كل أنحاء الصين بأن تدفع قيمة وارداتها وصادراتها بالرينمنبي، وذلك لرفع مستوى التعامل بالعملة الصينية في تمويل المعاملات التجارية الدولية، كذلك ينظر إلى خطوة إصلاح نظام معدل الصرف على أنه يمثل مقدمة أساسية لتعزيز وضع شنغهاي كمركز مالي عالمي، حيث تنوي الصين تحويل المدينة إلى مركز مصرفي على مستوى العالم في 2020.

بالتأكيد فإن تحول الصين إلى مركز مالي دولي يقتضي ضرورة القيام بإصلاحات جوهرية في قابلية العملة الصينية للتحويل وتحرير كل من الحساب الجاري وحساب رأس المال في الصين، وذلك من خلال تحرير نظام تسوية المدفوعات التجارية الحالي وزيادة درجة استقلالية الشركات في استخدام النقد الأجنبي بكافة أشكاله في سوق النقد الأجنبي لتوسيع نطاق معاملاتها الخارجية، وتحرير حساب رأس المال لتحرير تدفقات الاستثمار من والى الصين وهو ما سوف يساعد بصورة أكبر على جذب الصين للمزيد من التدفقات الرأسمالية وزيادة أهمية القطاع المالي فيها.

لفترة طويلة من الزمن فإن العالم الغربي، بصفة خاصة الولايات المتحدة، ينظر إلى الرينمنبي على أنه عملة تتحدد قيمتها بصورة تحكمية من جانب البنك المركزي الصيني الذي يصر على تقييم عملته بأقل من قيمتها الحقيقية بصورة كبيرة Undervaluation لتحقيق أهداف تجارية. وعندما أعلن البنك المركزي الصيني توسيع نطاق تذبذب معدل الصرف فإن الكثير من المراقبين نظروا إلى الخطوة على أنها تطور هام نحو تحرير الرينمنبي، بينما يرى البعض الآخر أنها، وعلى الرغم من أهميتها، ليست كافية في نظر شركاء الصين في التجارة في المعسكر الغربي والذين لن يرضيهم سوى أن يتم رفع نطاق التذبذب والتحرير الكامل لمعدل صرف الرينمنبي الصيني بحث يعكس قوى الطلب والعرض الدوليين عليه، وبما أن هذا التحرك ليس متوقعا في الأجلين القصير أو حتى المتوسط، فإن المطالبات الحالية تدور حول توسيع نطاق التذبذب بما يسمح برفع قيمة الرينمنبي لكي يخفف من الفوارق في القدرات التنافسية المكتسبة للصين نتيجة انخفاض قيمة عملتها المتعمد.

لطالما أعلنت السلطات الصينية وفي أكثر من موضع بأنها سوف تقوم بإصلاح نظام الصرف لعملتها ولكن على أساس تدريجي وعندما يحين التوقيت المناسب لذلك، ولكن البطء الشديد من جانب الصين في تنفيذ هذه التعهدات جعل  العالم لا يصدق صانع السياسة الصيني. على سبيل المثال، على الرغم من أن نطاق التذبذب بين الرينمنبي والدولار قبل التعديل الأخير كان ضيقا للغاية وفي حدود نصف في المائة فقط كما سبقت الإشارة، فإن الصين لم تسمح لمعدل الصرف بالتذبذب داخل هذا النطاق الضيق، ولذلك فإن بعض المراقبين يرون أن توسيع نطاق التذبذب قد لا يعني شيئا أو تحولا جوهريا في السياسات الصينية، باعتبار أن الصين قد لا تسمح لليوان بالتذبذب داخل هذا النطاق الأوسع نسبيا، وحتى لو تم السماح بالفعل بتذبذب الرينمنبي في اطار هذا النطاق، فإن نطاق تذبذب في حدود 1% لا ينظر إليه على الإطلاق على أنه يمثل حالة عملة حرة، وإنما غالبا ما ينظر إلى أي عملة يتحدد معدل صرفها داخل هذا النطاق على أنها عملة ثابتة، مثلما كان متبعا وفقا لنظام بريتون وودز الذي اطلق عليه نظام معدلات الصرف الثابتة، والذي كان يسمح أيضا بنطاق تذبذب لعملات العالم في مقابل الدولار بـ 1% فقط ارتفاعا وانخفاضا.

لقد تم تعديل نطاق التذبذب في 2007 من 0.3% إلى 0.5%، ثم بعد خمس سنوات تقريبا تم رفع نطاق التذبذب بنصف في المائة فقط، الصين تستند إلى أن هذه التعديلات تؤكد عزمها على إصلاح سياسات معدل الصرف ولكن على نحو تدريجي. غير أنه على الرغم من أن هناك تعديلا تدريجيا في نظام معدل صرف الرينمنبي، إلا أنه يسير بسرعة أقل مئات المرات من سرعة السلحفاة، وأن من يتابع التطورات التي تجريها الصين في معدل صرف عملتها يصل إلى خلاصة أن الصين تضحك على العالم. بل إن بعض المراقبين يرون أن الخطوة الصينية اتخذت أساسا لأهداف سياسية وليس لأغراض اقتصادية وأن توسيع نطاق التذبذب لا يعكس أي اتجاه لارتفاع قيمة الرينمنبي في المستقبل القريب، لأن السلطات الصينية ببساطة لن تسمح لعملتها بأن ترتفع في مقابل الدولار، وهي تملك الاحتياطيات المناسبة التي تسمح لها بالدفاع عن المعدلات المستهدفة لعملتها بأي ثمن.

مع ذلك فإن الخطوة الصينية بلا شك سوف تقلل من الاحتقان الحالي في الولايات المتحدة وتخفف من نبرة الانتقاد لسياسات معدل الصرف الصينية في الكونجرس والموجهة للإدارة الأمريكية بسماحها للصين بأن تخفض قيمة عملتها بدون مواجهة هذه السياسات باتخاذ إجراءات انتقامية. تنبغي الإشارة إلى أنه وعلى الرغم من تهديد وزارة الخزانة الأمريكية عدة مرات باتهام الصين رسميا كدولة تتلاعب بعملتها في تقرير تقييم سوق النقد الأجنبي الذي تصدره بصورة دورية، إلا أن هذه التقارير غالبا ما تصدر وتتحاشى اتهام الصين بهذه التهمة، لأنه اذا حدث ذلك سوف يكون لزاما على الإدارة الأمريكية الدخول في إجراءات انتقامية ضد الصين وهو ما تحاول الولايات المتحدة تجنبه حاليا، بل إنه تم تأجيل إصدار تقرير هذا العام المفترض أن يصدر في إبريل، ربما لتفادي إقرار اتهام الصين بالتلاعب في عملتها وتقييم الخطوة التي اتخذتها الصين مؤخرا بتوسيع نطاق تذبذب معدل صرف عملتها.

وجهة النظر الصينية مختلفة بصورة جوهرية، فعلى الرغم من أن العالم أجمع ينظر إلى الرينمنبي على أنه عملة مقومة بأقل من قيمتها الحقيقية، فإن الصين ترى أن العملة الصينية تقترب من مستواها التوازني حاليا، وأن الاقتصاد الصيني أصبح الآن في وضع يمكنه من إدخال إصلاحات هيكلية على نظام معدل الصرف الصيني، وأن الرينمنبي سوف يكون عملة قابلة للتحويل في 2015. غير أنه يقال بأن الصين اختارت هذا التوقيت لإجراء هذا الإصلاح الجزئي باعتبار أنه ليس من المتوقع في ظل الظروف الحالية التي يواجهها الاقتصاد الصيني أن يترتب على عملية التحرير ارتفاع كبير في قيمة الرينمنبي. فالصين بهذا القرار بتضييق نطاق التذبذب ما زالت تهدف إلى تجنب التقلبات الحادة لليوان على الصادرات الصينية التي يمكن أن تضر المصدرين والذين يواجهون حاليا ارتفاع مستويات تكاليفهم بسبب التضخم الحالي. بل إن بعض المراقبين يعتقد أن الخطوة الصينية ليست بريئة تماما كما تدعي الصين، وان التحرير من الناحية الفعلية سوف يترتب عليه مزيد من تخفيض قيمة الرينمنبي وليس رفعا لقيمته نظرا للمتاعب الاقتصادية التي تواجهها الصين حاليا، ومن ثم فإن الهدف من التحرير يستهدف تشجيع الصادرات بصورة أكبر في فترة المتاعب الاقتصادية الحالية. فمعدلات النمو الحالية للاقتصاد الصيني في أدنى مستوياتها منذ انطلاق الأزمة المالية العالمية، حيث سجل الاقتصاد في أوائل هذا العام نموا بمعدل 8.1% وهو اقل من المستوى الذي كان متوقعا والذي يصل إلى 8.3%.

الخلاصة هي أن الخطوة الصينية تمثل تطورا هاما في سياسات تحديد معدلات الصرف الصينية، غير أنها لا تعني تحرير معدل صرف الرينمنبي، وفي رأيي أنه مازال هناك الكثير من الوقت حتى نرى الرينمنبي عملة حرة قابلة للتحويل، وهذا بالتأكيد لن يتم في 2015 كما تعلن السلطات حاليا، فالإصلاح في مجال معدل الصرف الصيني بطيء جدا إلى الحد الذي يؤكد أنه ما زال أمام الصين وقت طويل حتى نرى التحرير التام للرينمنبي أمرا واقعا.


الثلاثاء، أبريل 24، 2012

آن الأوان لحظر عقود المضاربات النفطية في العالم

نشر في صحيفة الاقتصادية يوم الثلاثاء 24/4/2012

يتصاعد دور عمليات المضاربة في عقود المستقبليات النفطية Oil Futures Contracts على نحو واضح يوما بعد يوم، حيث تضخ صناديق التحوط التي تتعامل في السلع والبنوك والمستثمرين من كافة أنحاء العالم مليارات الدولارات بصورة يومية لتبادل تلك العقود. لتبسيط العرض على القارئ فإن عقد المستقبليات هو عقد لشراء كمية معيارية (على سبيل المثال 1000 برميل) من النفط تسلم في تاريخ محدد (على سبيل المثال بعد 3 أشهر)، في مقابل دفع هامش محدد من قيمة العقد، وليكن 5%، وذلك في سوق المستقبليات Futures Market الخاص بالسلعة، هذا الهامش سوف يمثل حساب المشتري لدى سمسار العقود، ومع تغير أسعار النفط يتغير بالطبع هذا الهامش ارتفاعا وانخفاضا، حتى ينفذ المشتري العقد أو يطلب من السمسار إنهاء الحساب.

من الناحية العملية فإن ما يتم تنفيذه فعليا من هذه العقود، أي بتسليم أو استلام النفط من الناحية المادية، هو نسبة ضئيلة جدا، إذ بمجرد ما يتم إبرام العقد، يتحول المشتري للعقد للبحث عن مشتر آخر له يدفع سعرا أعلى وذلك إذا مال السعر نحو الارتفاع، فيحقق ربحا من العقد، أو حتى إذا مال السعر نحو الانخفاض فيحقق خسارة في العقد. مثل هذه الخاصية التي تسمح لمشتري عقد المستقبليات ببيعها في أي وقت يؤدي إلى أن أسواق المستقبليات في النفط تشهد تبادلات لا نهائية للعقود النفطية قبل إتمام عملية تسليم الصفقة للمشتري النهائي، ومن الناحية العملية فإن معظم المتعاملين في أسواق المستقبليات النفطية ليس لديهم نية حقيقية في استلام الشحنات النفطية المنصوص عليها في العقود، وإنما الهدف الأساسي لمعظم المتعاقدين في عقود المستقبليات هو المضاربة في هذه العقود (أي المضاربة على ورق)، وذلك من خلال شراء عقود المستقبليات ثم البحث عن مشتر آخر لها في وقت لاحق، والخروج من السوق مع تحقيق أرباح أو خسائر حسب اتجاهات السعر، وبمعنى أدق فإن الطلب في مثل هذا النوع من الأسواق لا يمثل في الجانب الأكبر منه طلبا حقيقيا، وإنما تلاعب بأوراق عقود المستقبليات في النفط.

بما أنه ليس هناك التزام حقيقي بالتنفيذ المادي للعقد فمن الممكن مع اشتعال عمليات المضاربة أي يبلغ التداول الوهمي كميات هائلة من النفط، على سبيل المثال أشار مايكل ماسترز في شهادته أمام الكونجرس في 2009 إلى أن المضاربين في أسواق المستقبليات يتداولون عقودا بكميات تزيد عن مليار برميل يوميا، وذلك مقارنة بالإنتاج العالمي الفعلي للنفط والذي يقدر بحوالي 85 مليون برميل يوميا فقط، وهو ما يعني، إن صحت هذه التقديرات، أن الإنتاج الفعلي للعالم لا يمثل سوى حوالي 10% فقط من إجمالي ما يتم تداوله من نفط في أسواق المستقبليات. غير أن بعض الدراسات تشير إلى أن كمية النفط التي يتم تداولها في أسواق المستقبليات تمثل حوالي 3 أضعاف الإنتاج اليومي الفعلي، والبعض الآخر يشير إلى أن صافي هذه المعاملات ربما لا يصل إلى نصف الإنتاج اليومي للعالم، وأيا كان الوضع فإنه من الواضح أن الكميات التي يتم التعامل عليها في أسواق المستقبليات هي بالفعل كميات ضخمة، وهي من هذا المنطلق مرشحة لأن يكون لها تأثير على الأسعار الفعلية التي يدفعها العالم للنفط الخام.

وبما إن عمليات التداول في أسواق المستقبليات سوف تسمح بمضاربات يومية على كميات ضخمة من النفط، فإن المشكلة الأساسية هي أن هذا التلاعب "القانوني" يتعلق بأهم سلعة تجارية في العالم، ومن ثم فإنه في سبيل سعي حفنة من المضاربين لتحقيق أرباح من هذه العمليات الوهمية، فإن العالم أجمع يدفع الثمن في صورة ارتفاع تكاليف إنتاج السلع والخدمات وأسعار بيعها في كافة أنحاء العالم

في أوائل شهر أبريل ادعى جوزيف كيندي النائب السابق من ماساتشوستس ورئيس شركة Citizens Energy Corporation أن الارتفاع الأخير في أسعار النفط يعود إلى أنشطة المضاربين في سوق المستقبليات النفطية، وأن المستهلكين في الولايات المتحدة يدفعون سعرا أعلى للنفط بسبب أنشطة المضاربة في أسواق المستقبليات، فالمضاربة في رأي كيندي تؤدي إلى ارتفاع سعر النفط بصورة كبيرة عن تكلفة الإنتاج الفعلية التي تقدر حاليا بحوالي 11 دولارا في المتوسط عالميا، في الوقت الذي يزيد فيه  السعر السوقي عن 100 دولارا أمريكيا، ويشير جوزيف كيندي أن العوامل التي تقف وراء ارتفاع أسعار النفط يعود بعضها إلى قوى ليست تحت سيطرة الولايات المتحدة مثل تصاعد الطلب في الدول عالية النمو، على سبيل المثال الصين والهند، إلا أن هناك عوامل أخرى تسهم في السعر المرتفع للنفط والتي يمكن أن تسيطر عليها الولايات المتحدة، وعلى رأس هذه العوامل المضاربة والتي تتمثل في هؤلاء "المستثمرين" الذين يقومون بشراء وبيع النفط في الأسواق المستقبلية له ولكنهم لا يستلمون أو يسلمون الكميات المشتراه أو المباعة بالفعل من الناحية المادية. فمثل هذه المضاربات في النفط لا تقدم أية قيمة مضافة للصناعة النفطية أو للعالم، بقدر ما ترفع من تكلفة الإنتاج العالمي، وهي من هذا المنطلق تدخل في مجال المعاملات التجارية الضارة، لأن جوهر عملية المضاربة هو الضغط على السوق لدفع السعر نحو الارتفاع ومن ثم بيع العقود الورقية بأسعار أعلى.

وفقا لشهادة ركس تيلرسون المدير التنفيذي لإكسون موبيل أمام الكونجرس العام الماضي، فإن المضاربة ربما تكون مسئولة عن ارتفاع أسعار النفط بحوالي 40%. الدراسات الحديثة التي تناولت محددات أسعار النفط الخام أشارت بالفعل إلى أن النمو في أسعار النفط الخام لا يرجع كله إلى العوامل الأساسية المحددة للطلب والعرض في السوق العالمي للنفط الخام، وأن جانبا من الزيادات التي تحدث في أسعار النفط الخام ترجع أساسا إلى توافر التمويل المتزايد لأسواق المستقبليات في النفط الخام، الأمر الذي يسهل إبرام عقود المضاربة في النفط، والتي أصبحت أحد المحددات المستجدة لأسعار النفط في السوق الحاضر للنفط الخام حاليا، غير أن الدراسات المتاحة تشير أيضا إلى أن المضاربة لم تكن المحدد الأساسي للتقلبات السعرية للنفط، وأن اتجاهات الارتباط بين الأسعار الحاضرة والأسعار المستقبلية للنفط تعكس بالدرجة الأولى العوامل الاقتصادية الأساسية أكثر من آثار المضاربة في النفط. الموضوع إذن في حاجة إلى المزيد من الدراسة بمداخل عملية أدق أو أقوى من الناحية التطبيقية لتقييم الأثر الحقيقي لعمليات المضاربة على السعر العالمي للنفط الخام، إلا أنه من المؤكد أن هذه المضاربات تحدث ضغوطا على سعر النفط نحو الارتفاع أو الهبوط.

بعض الاقتصاديين يرون في عمليات المضاربة في سوق المستقبليات أمرا إيجابيا أكثر منه سلبيا لأنه يمكن المتعاملين في السوق، سواء المنتجين أو المستهلكين، من تنويع المخاطر من خلال تغطية مواقفهم المكشوفة بصورة أكثر كفاءة وزيادة مستويات سيولة الصناعة النفطية. غير أن كيندي يرى أن النفط يختلف عن باقي السلع، فارتفاع سعر سلعة ما يمكن المستهلكين لها من التحول نحو سلعة بديلة لها، أما النفط فمشكلته أنه سلعة ليس لها بديل، ومن ثم فإن ارتفاع أسعاره له آثار كبيرة على مستويات الأرباح والاستثمار في كافة اقتصاديات دول العالم. في نهاية مقالة دعا جوزيف كيندي الحكومة الأمريكية إلى منع عقود المستقبليات في النفط داخل الولايات المتحدة، ولم تقتصر دعوته على ذلك بل طالب الحكومة الأمريكية بالتعاون مع الأسواق الأوروبية والآسيوية لوقف المضاربات في أسواق السلع العالمية.

في رأيي أنه إذا كانت المضاربة مسئولة عن جانب من  التطورات في أسعار النفط الخام هبوطا وصعودا، فإن السيطرة على الاتجاهات السعرية لهذه المادة الحيوية للعالم تتطلب الحد من المضاربة الضارة في سوق النفط الخام لحماية كل من المنتجين والمستهلكين للنفط الخام من تأثيرات المضاربة الضارة. إذ لا يمكن للعالم، ولا يجب أن يسمح، أن يستمر سوق أهم سلعة تجارية في العالم بهذه الصورة، تحت ضغوط حفنة من المضاربين لا هم لهم سوى جمع المال بهذه الطرق الخبيثة التي حرمها الله سبحانه وتعالى.

الأحد، أبريل 22، 2012

لقاء مع صحيفة الكويتية حول بعض مشكلات الكويت الاقتصادية

نشر في صحيفة الكويتية بتاريخ الأحد 22/4/2012
- كيف تفسر ضغط زيادة الرواتب على الباب الأول في الميزانية؟
من الواضح أن زيادة الرواتب تسير بشكل عشوائي وغير منظم ولا يستند إلى معايير علمية، سواء في تحديد دورية الزيادات المقترحة في الرواتب أو في مقدار الزيادة المقترحة ومدى معقوليتها أو تناسبها مع طبيعة الوظيفة التي يؤديها العامل أو صاحب الكادر، وهو الأمر الذي ترتب عليه وجود فوارق كبيرة في الرواتب بين بعض شرائح العاملين في الدولة، الأمر الذي ينظر إليه على أنه نوع من عدم العدالة في تقدير التعويضات.
- ترتب على الزيادات المستمرة المطالبة بالمساواة.
- الإشكالية تكمن في أن هناك بعض الجهات زادت رواتبها بشكل مبالغ فيه، الأمر الذي دفع البعض للمطالبة بالمساواة مع تلك الجهات، وذلك لتساوي المؤهل وسنوات الخبرة، وفي إعقتادي أن طلب المساواة سيتصاعد بين مختلف الفئات الوظيفية في الدولة، آخذا في الاعتبار الزيادات الكبيرة التي تم اقرارها لبعض الفئات.
- هل كان غياب آلية واضحة لزيادة الرواتب وراء تفجر الوضع؟
نعم، فعدم وجود آلية واضحة لزيادة الرواتب هو الذي أدى إلى هذه الفوارق غير المبررة بين مختلف فئات العاملين في الدولة، وسوف تشكل هذه الفروق مصدرا مستمرا للمطالبات بالمساواة بين العاملين في الدولة واضعين نصب أعينهم أكبر مستوى للرواتب تم إقراره.
-هل يمكن قياس زيادات الرواتب على الميزانية العامة للدولة؟
-نعم، سوف يترتب على المطالبات المستمرة بالمساواة في الرواتب إلى تكاليف باهظة ستضغط بشدة على الميزانية العامة. ومما لا شك فيه أن الباب الأول مرشح لأن يكون صداع الميزانية الأول في المستقبل، نظرا لتزايد الاعتمادات في هذا الباب بصورة كبيرة نتيجة لزيادات الرواتب من جهة وعمليات التعيينات الجديدة من جهة أخرى، والتي أصبحت تتم الآن على أساس مكلف للغاية للدولة، وبمرتبات لا تعكس بأي حال من الأحوال لا تكلفة المعيشة ولا مستويات إنتاجية العامل.
- كيف تقرأ ارتفاع ميزانية الدولة في 2012 /2013 إلى 22 مليار دينار بزيادة 13 بالمئة عن العام السابق؟
- سبق أن حذرنا مرات عديدة من ارتفاع وتيرة الإنفاق العام للدولة، وضرورة العمل بجدية على الحد من الزيادة في الإنفاق العام للسيطرة على النمو في الميزانية العامة للدولة، والتي أصبح من الواضح أنها تنمو الآن بمعدلات تفوق معدلات النمو الحقيقي للاقتصاد، الأمر الذي قد يوقع المالية العامة للدولة في مشكلة خطيرة في المستقبل، إذا ما حدث تراجع في أسعار النفط.
- ما هو سعر النفط المطلوب لتوازن الميزانية؟
- لقد ترتب على تصاعد حجم الميزانية عاما بعد الآخر أن سعر النفط اللازم لتوازن الميزانية آخذ في التزايد على نحو مقلق، لدرجة أنه ربما يصبح من الصعب في المستقبل أن نتأكد من حتمية تحققه في السوق العالمي للنفط الخام، وهو ما يعني أن الميزانية قد تتعرض لتحقيق عجز حاد اذا ما تراجع سعر النفط الخام بصورة جوهرية.
- البعض يرى في مشروع الميزانية جوانب مضيئة وأخرى «مثيرة» للقلق.
- نعم، فميزانية الدولة للعام المالي 2012/ 2013 تحمل في طياتها جوانب مثيرة للقلق وجوانب أيضا مضيئة، فمن أهم الجوانب المثيرة للقلق هو المستوى الذي بلغه الإنفاق على الباب الأول (الأجور) والذي رصد له 4.7 مليارات دينار لهذه السنة المالية، وينبغي التنويه إلى أن هذه الاعتمادات لم تشمل الزيادات الأخيرة التي تم اقرارها في اجور العاملين في الدولة والتي بلغت 25 بالمئة، والتي تقدر تكلفتها بما يفوق 700 مليون دينار، الأمر الذي يعني أن الحساب الختامي لهذه السنة المالية سوف ينتهى بميزانية تقدر بحوالي 5.5 مليارات دينار لمصروفات الباب الأول فقط، بهذا الشكل يتجه الباب الأول إلى أن يكون أعلى أبواب الميزانية على الإطلاق متجاوزا الباب الخامس لأول مرة.
- وماذا عن الجانب المضيء؟
- قبل أن انتقل إلى الجانب المضيء، أود القول إن بنود الدعم في الميزانية تميل أيضا نحو التزايد على نحو مثير للقلق، حيث يقدر الدعم في السنة المالية الحالية بحوالي 6.3 مليارات دينار، معنى ذلك أن الرواتب والدعم يستهلكان أكثر من نصف الميزانية العامة للدولة وهو أمر خطير.
- ولكن ما نعرفه عالميا أن زيادة الرواتب ترتبط عكسيا مع الدعم.
- بالتأكيد، فمع الإشارة إلى أنه من المفترض مع زيادة اعتمادات الرواتب ان تقل مخصصات الدعم لا أن تتزايد، وهو ما يعكس حقيقة أن الحكومة ترفع رواتب موظفيها بشكل مباشر في صورة زيادات الرواتب، وبشكل غير مباشر في صورة زيادة اعتمادات الدعم.
- هل تقصد بالجانب المضيء رفع الإنفاق الرأسمالي؟
- نعم، هذا هو الجانب المضيء، فمن بين الجوانب المضيئة في مشروع الميزانية لهذا العام هي رصد اعتمادات تصل لأول مرة إلى حوالي 3 مليارات دينار للباب الرابع والذي يشمل المشروعات الانشائية والصيانة، وهو الأمر الذي يعكس تنفيذ المزيد من مشروعات خطة التنمية ورفع مستويات البنى التحتية في الكويت، وهو الأمر الذي ينبغي أن يوجه أليه أقصى اهتمام لرفع درجة تنافسية الاقتصاد، وأتمنى أن يتم تنفيذ المشروعات المدرجة في هذا الباب وإنفاق هذه الاعتمادات لا أن ينتهى الوضع بنسبة تنفيذ منخفضة لها.
- هل تعتقد أن تحويل الكويت لمركز مالي وتجاري أمر خيالي؟
- للأسف الشديد، هناك حالة سوء فهم واسع لخطة التنمية وتوقعات غير منطقية لما يمكن أن يحدث نتيجة لتنفيذها، المتتبع لما يكتب على الساحة عن خطة التنمية يرى أن الكثير ينظر اليها على أنها الحل السحري السريع لمشكلات الكويت الهيكلية. ومن الناحية الواقعية عملية التنمية هي عملية شاقة وتستلزم جهدا ووقتا وموارد لكي تؤتي ثمارها على نحو واضح، فتنفيذ خطة للتنمية على نحو ناجح يستلزم الدفع بخطة ثانية وثالثة وهكذا حتى تتمكن الكويت من بناء رصيد مناسب من رأس المال الثابت وترتفع بمستويات بنيتها التحتية في المجالات المختلفة حتى يمكن ان تساعد خطط التنمية على رفع مستويات النمو في الكويت وتمهد لتسهيل عملية تنويع مصادر الدخل.
- هل هي حلقة إذن من سلسلة حلقات متصلة؟
- نعم، فالتنمية هي خطة متراكمة وسلسلة متصلة طويلة من الحلقات التي يجب أن تعمل الكويت على تنفيذها ورصد الأموال اللازمة لها قبل أن نرى صدى هذه الخطط بشكل ملموس في حياتنا. بالطبع في ظل هذه النظرة غير الواقعية لأثر خطة التنمية يصعب تسويقها، لأن الجميع ينتظر منها حلا سحريا لمشاكلنا الحالية اليوم وليس غدا، بينما عملية التنمية كما سبقت الإشارة هي عملية تأخذ وقتا من الجهد التنموي المستمر والمتتابع على نحو فعال.
- وهل ترى العمل الحكومي مشجعا للقيام بتلك المهمة بشكل «متناسق»؟
- في رأيي أن أهم ما تحتاجه الأمانة العامة للمجلس الأعلى للتخطيط الآن بصفتها المعد الأساسي للخطة والمشرف على تنفيذها هو توفير أقصى مستويات الدعم لها والتعاون معها، ليس فقط في تسهيل مهمة تنفيذ خطة التنمية الحالية، وإنما أيضا لإتاحة المجال لإعداد الخطط القادمة وفقا لمستهدفات أكبر في كافة المجالات واستنادا إلى سيناريوهات مستقبلية أكثر طموحا، عندها ستسوق الخطة نفسها بنفسها بكل سهولة ويسر.
-زيادات الرواتب سترفع التضخم ومن ثم تتراجع قيمة الأجور.
- في اعتقادي أن مستويات الدخل في الكويت ليست متدنية أو معدلات التضخم مرتفعة في الكويت وهو ادعاء غير صحيح بالمرة، فمستويات الدخل الفردي في الكويت من أعلى مستويات الدخل في العالم، كما أن معدلات التضخم في الكويت تعد معقولة جدا بالنسبة إلى مستويات الدخول والإنفاق فيها أو حتى بالمقاييس الدولية، ولا بد من الاعتراف بأن مستويات المعيشة في الكويت مرتفعة جدا سواء بالمقاييس الدولية أو الإقليمية، ناهيك عن مستويات المعيشة في الدول التي هي في مرحلة النمو التي تعيشها الكويت.
-ولكن البعض يرى أن تلك مستويات المعيشة المرتفعة على المحك.
-نعم، فارتفاع مستويات المعيشة، وزيادة مستويات الدخل لكي يكون مستداما لا بد وان يستند إلى قطاع إنتاجي قوي ومتنوع، لا إلى مصدر أولي ناضب، فعلى الجميع أن يفهم أنه لا يوجد ضمانة من أي نوع لاستمرار مستويات الرفاهية التي يتمتع بها الجيل الحالي الآن في المستقبل، ما لم توجه موارد الدولة المالية بصفة أساسية نحو تنويع مصادر الدخل.
-هل تنويع مصادر الدخل بمفرده يعتبر حلاً لبقاء مستويات المعيشة مرتفعة؟
- لا أعتقد ذلك، فمطلوب بجانب ذلك تهيئة بيئة الأعمال بشكل أكثر فعالية لتحفيز القطاع الخاص على الاستثمار في كافة المجالات الانتاجية والخدمية التي تساعد على رفع مستويات النمو وتنوع مصادره وتقلل من حجم الحكومة في الدولة الذي اصبح كبيرا على نحو مقلق، ويتناقض مع المستهدفات الأساسية لخطة التنمية بجعل القطاع الخاص هو القطاع الرائد في الاقتصاد بصفة خاصة كمولد للناتج وكموظف لقوة العمل الوطنية، وليس بأن يتم هدر هذه الموارد في زيادات الرواتب والدعم الاستهلاكي.
- ما الآثار المترتبة على تراجع النفط دون 90 دولارا للبرميل؟
- لا بد من الاعتراف بأن المستويات الحالية للمالية العامة أصبحت غير مستدامة من جانب، وأكثر تعرضا لمخاطر تقلبات سعر النفط من جانب آخر، فعندما يتراجع سعر برميل النفط إلى مستويات اقل من المستوى اللازم لتوازن الميزانية، فإن الميزانية لا شك سوف تحقق عجزا، والمشكلة الأساسية هي أن تركيبة الإنفاق العام للدولة حاليا تجعل من الصعب التعامل مع هذا العجز من خلال تخفيض مستويات الإنفاق العام، ذلك أن الجانب الأعظم من الإنفاق العام حاليا يتم في صورة إنفاق عام جاري، ومن المعلوم أنه يصعب خفض الإنفاق العام الجاري في حالة مواجهة الدولة لمشكلة سيولة ناجمة عن تراجع الايرادات، لأنه بالتدقيق في طبيعة هذا الإنفاق الجاري سوف نجد أن الجانب الأكبر منه هو عبارة عن اعتمادات للمرتبات وللدعم، ومثل هذه المصادر للإنفاق لا يمكن تخفيضها دون التعرض لقلاقل سياسية في الداخل.
-ما الحل إذن في مواجهة هذا الموقف للمالية العامة للدولة؟
- الإجابة تكمن في ضرورة العمل وبجدية مناسبة هذه المرة على إصدار قانون للضرائب يمكن الدولة من تنويع مصادر إيراداتها ويخفف من اعتمادها شبه الأساسي على النفط، ويقترح أن يقتصر القانون في مراحله الأولى على اقرار ضرائب على الأرباح التجارية والصناعية، فمن غير المعقول أن تحقق المؤسسات التجارية المختلفة هذه المستويات من الأرباح مستفيدة من كافة أشكال الدعم التي تقدمها الدولة دون أن تتحمل نصيبها في تمويل الإنفاق العام للدولة.
-هل تقصد أنه آن الأوان لفرض ضرائب؟
-نعم، في اعتقادي أنه آن الأوان بأن تفرض الكويت ضرائب على قطاع الأعمال مثلما تفعل كل دول العالم قاطبة لكي تسيطر على المخاطر المحيطة بالمالية العامة فيها، من جانب، ولكي تشرك هذا القطاع في تحمل المسؤولية التي تتحملها قطاعات الأعمال في كافة دول العالم.
-هل بات الحديث عن تنوع مصادر الدخل مجرد «ذكرى»؟
-لا بالطبع، المجال ما زال مفتوحا وبقوة لتنويع مصادر دخلها، رؤيتي هي أن الكويت اليوم اكثر استعداد من أي وقت مضى لكي تباشر القيام بهذه المهمة مستفيدة من الرصيد الاستثنائي لاحتياطياتها بالنقد الأجنبي الذي تملكه الدولة في إطار صندوق الثروة السيادي، والذي ينبغي أن يوجه نحو الاستثمار في الداخل، وليس للاستثمار في الخارج كما تفعل الكويت حاليا، وذلك لبناء أساس متين لاقتصاد تتنوع فيه مصادر الناتج والدخل.

صناعة القرار
-أين تكمن مشكلة الكويت الاقتصادية؟
في اعتقادي أن المشكلة تكمن في بطء صناعة القرار على نحو استثنائي، وطول الدورة المستندية والمركزية الشديدة وغير المبررة في الوقت ذاته، وهي جميعها تقف عقبات كؤود أمام أي محاولات لتنويع مصادر الدخل في الدولة.
-كيف تقرأ المطالبة بإسقاط الفوائد مرة والقروض مرة وإسقاطهما معا مؤخرا؟
لقد أصبح الحديث في هذا الموضوع مرهقا وغير منطقي في الوقت ذاته، ومن الواضح ان البعض يصر على جر البلاد إلى مسلسل مكسيكي لا طائل من ورائه، سوف يؤدي إلى خسارة الدولة لقدر هائل من الموارد التي ستهدر في هذا الجانب إذا ما تم إقراره، فضلا عن أن عملية إسقاط القروض لن تحل المشكلة، فمن المؤكد أنه في اليوم التالي لعمليات إسقاط القروض سوف يسارع المقترضون إلى البنوك مرة أخرى لاقتراض المزيد لأنهم تعودوا على هذا النمط من الحياة من جانب واستعدادا للدورة القادمة من إسقاط القروض وهكذا.
-البعض يستند لغياب المشاريع للمطالبة بها.
إسقاط القروض أمر «غير منطقي» بالمرة، ويتنافى مع أبسط مفاهيم العدالة الاجتماعية، وكذلك مع مبادئ العدالة بين الأجيال، فما ذنب من لم يقترض، وكيف ستعوضه الدولة عن استخدام مالها العام لتحقيق مصلحة مجموعة، بينما لم يستفد هو بأي شكل من الأشكال من مثل هذه المقاربات.
-منطقية المطالبات تأتي على خلفية تضخم الإيرادات وغياب المشروعات.
- في اعتقادي هذه المطالبات غير منطقية بالمرة في الوقت الحالي، فلقد ارتفعت مستويات دخول الأفراد على نحو واضح بحيث انخفضت أعباء خدمة القروض على كاهل المقترضين بشكل لافت للنظر، كما تم اتخاذ العديد من القرارات للتخفيف من أعباء خدمة القروض، وأهمها ما قام به البنك المركزي من منع عملية تعديل معدلات الفائدة على القروض الشخصية سوى كل خمسة سنوات وبحد أقصى 2 بالمئة من معدل الفائدة الاتفاقي صعودا وهبوطا، الأمر الذي ساعد على تثبيت تكلفة خدمة القروض، وأخذا في الاعتبار تزايد مستويات الدخول الذي تم إقراره، فإن تكلفة خدمة القروض تراجعت على نحو كبير كنسبة من دخل المقترض، وهو ما ينفي الحجة الأساسية التي يستند إليها دعاة إلغاء القروض.

الجمعة، أبريل 20، 2012

إسبانيا تقفز إلى الواجهة بعد اليونان

نشر في صحيفة الاقتصادية بتاريخ الجمعة 20/4/2012

ما إن خمدت نار اليونان، أو على الأقل هكذا تبدو الأمور ظاهريًّا حتى الآن، حتى أخذت تطفو على السطح الأخبار السيئة من أن الأوضاع المالية والاقتصادية الإسبانية ربما يصعب وضعها تحت السيطرة، وأن إسبانيا لا محالة سوف تلجأ إلى طلب المساعدة لإنقاذها من الصعوبات المالية التي تواجهها حاليًا. التقديرات الحالية من جانب بعض المراقبين تضع نسبة الدين الإسباني إلى الناتج المحلي عند مستويات أعلى بكثير مما هو معلن رسميًّا، حيث تصل نسبة الدين إلى الناتج في إسبانيا وفقًا لبعض التقارير إلى 90 في المائة. إنقاذ الاقتصاد الإسباني سيكون مهمة صعبة للغاية بالنسبة لأوروبا والعالم، نحن نتحدث عن اقتصاد ميجا هذه المرة، سيحتاج إلى جهد مالي غير تقليدي للتعامل مع أزماته.
من الناحية النظرية يفترض أن الاتحاد الأوروبي قد جَنَّب نحو تريليون يورو لمواجهة المشكلات المالية للدول التي تعاني مديونية ثقيلة، غير أنه من الناحية الفعلية ما تم تجنيبه من هذا المبلغ يمثل مقدارًا أقل بكثير من المستهدف، وهو ما يعني أن سلسلة شاقة من المباحثات تنتظر أوروبا لمواجهة الخطر الإسباني، وهي بالتأكيد ستكون أقسى من تلك التي واجهتها أوروبا في التعامل مع المشكلة اليونانية.
إسبانيا ربما تكون الاقتصاد الرابع الذي يقف في صف حلقة الدومينو التي تحيط بمنطقة اليورو حاليًا بعد اليونان وإيرلندا والبرتغال، وذلك نتيجة لتصاعد مخاطر الانحسار الاقتصادي الأوروبي، التي ستكون إسبانيا وإيطاليا على رأس الدول المتأثرة به. بصفة خاصة تواجه إسبانيا انحسارًا اقتصاديًّا عميقًا، حيث تبلغ معدلات البطالة 23.6 في المائة، وهي من أعلى معدلات البطالة في أوروبا، بينما يصل معدل البطالة إلى نحو 50 في المائة بين العمال صغار السن. إسبانيا أيضًا تطبق حاليًا خطة تقشف تعد الأقسى في أوروبا، حيث تسعى إلى خفض نسبة عجز الميزانية إلى ناتجها المحلي الإجمالي على نحو حاد، وهو ما ترتب عليه تراجع في معدلات النمو في الناتج، حيث حققت إسبانيا نموًّا سالبًا في ربعي السنة الماضيين.
مشكلة إسبانيا الملحة تكمن في نظامها المالي، حيث تواجه البنوك الأسبانية مخاطر حادة، راجعة إلى تدهور أداء القطاع العقاري، ورغبة في الحد من احتمالات الإفلاس التي يمكن أن تواجهها البنوك، نتيجة لذلك طلب البنك المركزي الإسباني من البنوك زيادة مخصصات احتياطياتها الرأسمالية بـ50 مليار يورو لهذا العام، إلا أنه بأخذ معدلات تراجع أسعار المساكن حاليًا في إسبانيا، فقد أصبح المؤكد أن البنك المركزي سيطلب من البنوك الاحتفاظ بمزيد من الاحتياطيات في المستقبل.
تتمثل المشكلة في أن تحسن أوضاع البنوك الإسبانية يقتضي حدوث تحسن في النمو الاقتصادي الإسباني، وأن ينتعش قطاع المساكن في إسبانيا، وهذا أمر غير ممكن حاليًا، فليس من المتوقع انعكاس معدلات النمو الاقتصادي الإسباني في الأجل القريب، بالعكس السيناريو المرشح حاليًا هو تراجع النمو وسوء الأوضاع الاقتصادية، حيث يتوقع البنك المركزي الإسباني أن يتراجع معدل النمو الاقتصادي بنحو 2 في المائة هذا العام، بينما يعيش قطاع المساكن في إسبانيا واحدة من أسوأ أزماته على الإطلاق، حيث يواجه سوق العقار الإسباني ضغوطًا انحسارية كبيرة، إذ يقدر حاليًا تراجع هذا السوق بنسبة 35 في المائة لهذا العام، وهو ما قد يتسبب في المزيد من المشكلات للقطاع المالي الذي تعاني نسبة كبيرة من البنوك فيه ضعفَ القاعدة الرأسمالية أصلاًَ، وهو ما سيستدعي ضرورة رفع القاعدة الرأسمالية للكثير من البنوك الإسبانية للحيلولة دون انتشار موجات الإفلاس بين البنوك.
لقد أدت الخسائر المتوالية للبنوك الإسبانية إلى انتهاء موارد صندوق ضمان الودائع الإسباني تقريبًا، وهو ما يقتضي من الحكومة الإسبانية توجيه المزيد من الموارد المالية لتعويض النقص في موارد الصندوق، في الوقت الذي لا تستطيع الحكومة أن تقوم بذلك، خصوصًا أنها مقدمة على تطبيق برنامج للتقشف الاقتصادي.
تشير التقارير الواردة من إسبانيا إلى أن السندات المغطاة بالقروض العقارية أداؤها سيئ، وذلك بسبب تراجع أداء البنوك المصدرة لهذه السندات من جانب وتراجع أسعار المساكن من جانب آخر، ومن المتوقع أن يسوء أداء هذه الأوراق المالية بصورة أكبر مع تعاظم المشكلات الاقتصادية في جانبي النمو والبطالة، مما يرفع من معدلات التوقف عن سداد القروض العقارية، وحاليًا تضطر البنوك إلى مواجهة حالات التوقف عن السداد، إما من خلال تعديل القروض أو باستبدالها أو من خلال قيام البنوك بإعادة الشراء لهذه المساكن، ومما يعقد الوضع أن أسعار المساكن المسجلة لهذه السندات مرتفعة جدًّا مقارنة بالوضع الحقيقي في السوق، وعندما تتم عمليات إعادة الشراء بواسطة البنوك فإنها تتم أيضًا بأسعار مبالغ فيها نظرًا للوضع الاحتكاري في سوق الرهن العقاري، الذي يسمح لتلك المؤسسات بتبادل هذه المساكن فيما بينها بأسعار مرتفعة، وهو ما يمكن أن نطلق عليه إعادة تدوير مثل هذه الأصول في ميزانيات البنوك لتفادي تسجيل خسائر أكثر من اللازم إذا ما سجلت هذه الأصول بأسعارها الحقيقية.
البنوك الإسبانية تواجه أيضًا حالة نقص حاد في السيولة، حيث يتزايد معدل اقتراضها من البنك المركزي الأوروبي على نحو واضح. فعندما أعلن البنك المركزي الأوروبي عن عمليات إعادة التمويل طويل الأجل LTRO للقطاع المالي الأوروبي، كانت البنوك الإسبانية في طليعة البنوك المقترضة، حيث اقترضت نحو 316 مليار يورو في آذار (مارس) الماضي، مقارنة بنحو 170 مليار يورو في شباط (فبراير)، أي نحو 28 في المائة من إجمالي الاقتراض للبنوك الأوروبية مجتمعة، وهو ما يعكس حقيقة أن نوافذ السيولة أمام البنوك الإسبانية خارج المنافذ الرسمية شبه مغلقة تقريبًا.
من ناحية أخرى، فقد أصبح من الواضح أن العديد من البنوك الإسبانية لم يعد يملك رأس المال الكافي لامتصاص المزيد من خسائر التوقف عن السداد في القطاع العقاري، وأن حجم الأصول المسمومة في قائمة ميزانيات البنوك بلغ مستويات حرجة حاليًا، حيث قد يتطلب الأمر أن تتولى الحكومة الإسبانية إنشاء بنك سيئ Bad Bank، والبنك السيئ هو بنك تقوم الحكومة بإنشائه بصورة مؤقتة ليتولى مهمة شراء هذه الأصول المسمومة من البنوك وتحسين الصورة العامة لميزانياتها، غير أنه من المتوقع أن عملية تحويل هذه الأصول المسمومة إلى البنك السيئ ستتم بلا شك بخصم كبير، وهي عملية ستكون مؤلمة للغاية للكثير من البنوك الإسبانية، من ناحية، ومكلفة جدًّا بالنسبة للحكومة الإسبانية من ناحية أخرى.
هذا القلق المتصاعد حول إسبانيا ترتبت عليه سيادة نوع من الذعر في الأسواق، فقد تراجعت الأسهم الإسبانية بصورة حادة مدفوعة بأسعار أسهم البنوك، كما انتقلت الموجة إلى باقي الأسواق الأوروبية. من ناحية أخرى، هناك مقاومة من المقرضين لشراء السندات الإسبانية إلا عند مستويات مرتفعة للعائد تصل حاليًا إلى نحو 7 في المائة، ومن الناحية الفنية عادة ما ينظر إلى معدل فائدة على السندات بنسبة 7 في المائة على أنه معدل غير مستدام لتمويل آمن للعجز، ولذلك تتزايد تكلفة التأمين على الدين الإسباني ضد تصاعد مخاطر التوقف عن السداد، فقد اتسع هامش التأمين على السندات استحقاق خمس سنوات إلى أكثر من 500 نقطة أساس، أي أن تكلفة التأمين لكل عشرة ملايين دولار من الدين الإسباني أصبحت تفوق النصف مليون دولار حاليًا.
في وسط كل هذا الاضطراب المالي تتزايد مودعات البنوك الأوروبية في البنك المركزي الأوروبي بدلاً من توجيهها نحو الاستثمار في سندات الديون للدول المدينة، كما تتصاعد الثقة بالسندات الأمريكية على الرغم من العجز المستمر في الميزانية. غير أن الآمال أصبحت معقودة الآن على قيام صندوق النقد الدولي بتدبير موارد مالية استثنائية يمكن توجيهها لحماية إسبانيا وغيرها من الدول المدينة في أوروبا، ووفقًا للمصادر فإنه يفترض أن يخصص صندوق النقد الدولي ما بين 400 إلى 500 مليار دولار لهذا الغرض، ولكن هناك شك في قدرة الصندوق على تدبير هذا المبلغ من الناحية الفعلية. ففي أول رد فعل لتصاعد المخاطر الإسبانية أعلنت اليابان أنها ستقدم 60 مليار دولار فقط كتسهيلات لصندوق النقد الدولي لدعم الموارد المالية الدولية لمواجهة الأزمة من خلال مساعدة أوروبا، وللتأكد من أن أزمة الديون الأوروبية لن تنتشر.
القلق حول الحالة الإسبانية يتصاعد يومًا بعد يوم، في ظل الاعتقاد بأن المنهج الأوروبي في التعامل مع أزمات الدول المدينة ذات الحجم الصغير نسبيًّا سار على نحو يسير في الماضي، إلا أن الحالة الإسبانية مختلفة، فهي أكبر من أن يتم إنقاذها من خلال الجهود المالية الأوروبية فقط، وأنها إذا ما انطلقت، لا قدر الله، سوف تقف حجر عثرة أمام انتعاش النشاط الاقتصادي العالمي.

الخميس، أبريل 19، 2012

هل تلجأ الكويت إلى تخفيض قيمة الدينار؟ 7


- الأثر على الاقتصاد الكويتي بشكل عام
كما سبقت الإشارة يفترض من الناحية النظرية أن يترتب على تخفيض قيمة العملة الوطنية تحسن وضع الميزان التجاري للدولة وذلك من خلال ارتفاع قيمة الصادرات وتراجع فاتورة الواردات، ولكن ذلك لن يحدث في الحالة الكويتية نظرا لتوقع انخفاض مرونة الطلب السعرية على الواردات بصورة كبيرة، نظرا للاعتماد الشديد على الواردات من الخارج، حيث تمثل الواردات نسبة مرتفعة للغاية من الناتج المحلي الإجمالي، وعلى ذلك فإن خفض قيمة الدينار الكويتي سوف يؤدي إلى رفع فاتورة واردات الكويت بنفس نسبة التخفيض.
من ناحية أخرى فإن ليس من المتوقع أن يترتب على تخفيض قيمة الدينار أي تشجيع للصادرات الكويتية، حيث يتوقع انعدام تأثير معدل الصرف على هذه الصادرات، وذلك نظرا لأن الكويت تصدر النفط الخام أساسا، وهو سلعة لا يتم تسعيرها بالدينار الكويتي، وإنما تسعر بالدولار الأمريكي حالها حال باقي السلع التجارية الأخرى في العالم مثل الذهب والنحاس.. الخ، وبالتالي فحتى لو كان معدل صرف الدينار متدنيا جدا أو مرتفعا جدا فلن يؤثر ذلك على الكميات التي نقوم بتصديرها من النفط، وعلى ذلك لن يترتب على تخفيض قيمة الدينار تشجيع الصادرات من مثل هذه السلع لانعدام تأثير التخفيض على أسعارها بالنسبة للمستوردين لها، ومن ثم سوف تظل إيرادات الصادرات (بالعملات الأجنبية) كما هي على حالها.
في اقتصاد صغير مفتوح، مثل الاقتصاد الكويتي، والذي يعتمد على الخارج في استيراد معظم احتياجاته، سواء الاستهلاكية أو الرأسمالية، فإن التضخم المستورد (أثر ارتفاع أسعار السلع المستوردة على معدل التضخم المحلي) يمثل وزنا هاما في معدل التضخم المحلي، ولا يتوافر لدينا، للأسف الشديد، دراسات تحدد وزن التضخم المستورد في إجمالي معدل التضخم في الأسعار محليا، حيث يحتاج ذلك إلى إجراء بحوث قياسية مكثفة، وهذا غير متاح حاليا في دولة الكويت، إلا أنه سوف يترتب على تخفيض قيمة الدينار ارتفاع أسعار السلع المستوردة من الخارج بنفس النسبة، وهو ما يؤدي إلى ارتفاع معدلات التضخم المحلي، يعتمد ذلك على وزن التضخم المستورد في معدل التضخم المحلي والذي يتوقع أن يكون وزنا جوهريا. معنى ذلك أن تخفيض الدينار الكويتي سوف يؤدي إلى آثار مضاعفة على الدخول الحقيقية للعاملين في الحكومة، والمواطنين والمقيمين بشكل عام. 
سوف يضطر القطاع الخاص إلى رفع أجور العمالة الوافدة لتعويضها عن الانخفاض الحادث في القيمة الحقيقية للرواتب نتيجة تراجع قيمة الدينار وذلك بهدف الاستمرار في الحفاظ على القدرة على جذب العمالة الوافدة، بصفة خاصة المتميزين منهم. من ناحية أخرى يتوقع أن يترتب على تراجع الدينار تزايد عمليات تحويل مدخرات العمالة الوافدة إلى الخارج وذلك لتجنب الانخفاض في القيمة الحقيقية لمدخراتهم نتيجة تراجع قيمة الدينار.

الثلاثاء، أبريل 17، 2012

هل تغير دول البريكس قيادة الاقتصاد العالمي؟


نشر في صحيفة الاقتصادية بتاريخ الثلاثاء 17/4/2011

يوما بعد يوم يتصاعد الدور الدولي لدول مجموعة البريكس BRICS (والتي تمثل الأحرف الأولى من أسماء دول البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا) بشكل واضح، فدول البريكس هي أسرع دول العالم نموا حاليا وأقلها تأثرا بأزمته، ويعول على النمو في اقتصاديات هذه الدول الأمل في رفع مستويات النشاط الاقتصادي العالمي بعد الأزمة، بعد أن كانت مهمة الولايات المتحدة الأمريكية بالدرجة الأولى. لقد تزايد الاهتمام العالمي بمجموعة البريكس بعد الأزمة المالية العالمية، فأثناء الأزمة واجهنا نمطين هامين للنمو، الأول هو نمو سالب وتدهور في أداء الاقتصاديات التي كان يطلق عليها من الناحية التقليدية اقتصاديات المفتاح للاقتصاد العالمي، والثاني وهو استمرار اقتصاديات الدول الناشئة، بصفة خاصة دول مجموعة البريكس، في تحقيق معدلات نمو مرتفع على الرغم من ظروف الأزمة.

إذا استمرت دول هذه المجموعة في تحقيق معدلات نموها وتوسعها الحالي، فسوف تصبح أكبر قوة اقتصادية في العالم، وفي غضون مدى زمني أقصر نسبيا مقارنة بتاريخ النمو الاقتصادي للمجموعات الاقتصادية التقليدية. فمن حيث الحجم يقطن مجموعة دول البريكس حوالي نصف سكان العالم، وهي من هذا المنطلق تمثل أكثر دول العالم كثافة من الناحية السكانية الأمر الذي يجعل منها أكبر أسواق العالم من حيث أعداد المستهلكين، ومن ثم فإنه من المتوقع مع استمرار ارتفاع متوسط نصيب الفرد من الدخل في هذه الدول إلى المستويات العالمية أن تصبح أيضا أكبر أسواقه الاستهلاكية، الأمر الذي سيمنح هذه الدول فرصا أكبر للنمو. فمن المعلوم اقتصاديا أن هناك علاقة قوية بين حجم السوق وفرص النمو الاقتصادي الكامن، فكلما ازداد حجم السوق كلما ازدادت معدلات النمو بسبب توفر أسواق تصريف السلع المنتجة، ولذلك ينظر إلى أكثر دول العالم سكانا حاليا على أنها ستكون أكثرها نموا من الناحية الاقتصادية في المستقبل، وهناك دعوات حاليا للاستثمار الأجنبي المباشر للتوجه نحو أكثر دول العالم سكانا.

العالم اليوم يتابع عن كثب الخطوات التي تتخذها دول مجموعة البريكس حاليا وما يصدر عن مؤتمراتها من قرارات وتوصيات في شأن المجموعة وفي الشأن الدولي. لعل من أهم القرارات التي اتخذتها قمة البريكس الأخيرة في نيودلهي بأن يتم إنشاء بنك لتنمية دول البريكس لتعبئة الموارد المالية لأغراض تمويل مشروعات البنى التحتية والتنمية المستدامة في هذه الدول، وكذلك لتقديم التمويل المناسب لغيرها من الدول الناشئة والنامية في العالم.

الهدف المعلن لإنشاء البنك هو استكمال الجهود الدولية متعددة الأطراف والمؤسسات المالية الإقليمية الرامية إلى دعم النمو والتنمية على المستوى العالمي، غير أن الهدف الخفي في رأي الكثير من المراقبين هو إنشاء مؤسسة دولية رديفة للمؤسسات الاقتصادية الدولية الحالية، مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي لتمكن المجموعة من منافسة هذه المؤسسات من جانب، وتحرر العالم من تأثير هذه المؤسسات التي تسيطر عليها الولايات المتحدة بشكل أساسي، سواء في تحديد إداراتها أو سياساتها أو توجيه عملية اتخاذ قراراتها، أو منع توجيه موارد هذه المؤسسات في الاتجاهات التي لا تخدم السياسة الأمريكية على الرغم من أنها من حيث المسمى والطبيعة مؤسسات دولية، أي أنه من المفترض أنها تخدم العالم أساسا، وهو ما أدى، في رأي الكثير من المراقبين، إلى ضياع عقود من النمو على العالم الثالث.

القرار لقي صدى كبيرا على الصعيد العالمي، وأثارت القوى الاقتصادية التقليدية في الغرب الكثير من الشكوك حول قدرة المجموعة ومؤتمراتها وقراراتها على تحدي الاحتكار الغربي وهيمنته على الاقتصاد العالمي. فبعض المحللين يقلل من أهمية مثل هذه المؤسسات التي تنوي دول البريكس إنشاءها باعتبارها لن تتخطى المجال الإقليمي، وأنها ليست مرشحة لأن تلعب أي دور دولي مماثل لذلك الدور الذي تلعبه المؤسسات الدولية الحالية، في رأيي أن مثل هذه النظرة تتجاهل القوة المالية الهائلة التي تتمتع بها هذه القوة الاقتصادية الجديدة، باعتبارها صاحبة أكبر احتياطيات نقدية في العالم، حيث أنها بهذه الاحتياطيات الضخمة يمكن أن توفر لمثل هذه المؤسسة الجديدة طاقة مالية تتجاوز تلك المتوافرة للمؤسسات المالية الدولية الحالية، كما أنها بحكم طبيعتها كمؤسسات متعددة الأطراف سوف تكون بعيدة عن التأثير الأمريكي الذي طالما ثبت أنه غير عادل في توجيه المؤسسات الاقتصادية الدولية متعددة الأطراف.

من الواضح أن دول البريكس تسعى حاليا إلى وضع نظام بديل لمواجهة القيود التي يضعها الهيكل الحالي للنظام المالي والنقدي الدولي على آفاق نموها، بصفة خاصة هيمنة الدولار الأمريكي على نظم المدفوعات والاحتياطيات الدولية الذي لا يوجد له بدائل مناسبة حاليا، فقد طالبت المجموعة بإصلاح نظام التصويت في صندوق النقد الدولي الذي تهيمن عليه مجموعة قليلة من الدول حيث تمتلك الولايات المتحدة أكبر قوة تصويتية، ذلك أن ضمان السيطرة على المؤسسات الاقتصادية الدولية يمنح الدول المسيطرة ميزة توجيه هذه المؤسسات لتحقيق مصالحها المباشرة بغض النظر عن مصالح الغير، وقد أكدت المجموعة في أكثر من موضع أن عملية الإصلاح تعد شرطا أساسيا للتأكد من شرعية وفاعلية الصندوق. غير أن إصلاح نظام التصويت لا بد وأن توافق عليه الولايات المتحدة، ولاشك أن أي عملية للإصلاح سوف ترفض اذا ما كانت الصيغة المقترحة تخفف من هيمنتها على الصندوق، الأمر الذي ينظر إليه على أنه خط أحمر في عمليات إصلاح المؤسسات السياسية والاقتصادية الدولية، ومن ثم فإن آمال دول العالم غير الغربي في احتمال حدوث إصلاح جوهري لهذه المؤسسات يحدث قدرا من التوازن بين القوى الدولية الفاعلة في هذه المؤسسات تصبح ضعيفة للغاية نظرا للبطء الشديد لوتيرة الإصلاح في هذه المؤسسات.

من المؤكد أن البريكس وما تملكه من قوة سكانية ضاربة وناتج قومي يزيد عن خمس الناتج العالمي غير مرحب بها من القوى الاقتصادية الكبرى في العالم، لأن في ذلك تهديد لهيمنة تلك القوى على المؤسسات الاقتصادية الدولية، وأن الوضع الاقتصادي الجديد لمجموعة البريكس لا يجعل هذه الدول تنتظر بأن تسمح لها القوى المسيطرة على المؤسسات الدولية بأن تبادر بإصلاح هيكل تلك المؤسسات، وإنما قد تجاوز ذلك بالفعل إلى إنشاء نظم منافسة لها على المستوى الإقليمي والدولي.

الخلاصة هي أن النظام الاقتصادي العالمي الحالي يعيش مرحلة انتقالية حيث تعيد دول البريكس إرساء قواعد هذا النظام العالمي الجديد بعيدا عن إيقاع اللاعبين التقليديين الذين أرسوا نظاما عالميا غير عادل، للأسف الشديد، يكرس لاستمرار الفجوة بين الأغنياء والفقراء واتساع تلك الفجوة، ولا يسمح بأي دور يمكن أن تلعبه قوى صاعدة غيرها، ولكن هل تستطيع مجموعة دول البريكس أن تغير قيادة الاقتصاد العالمي؟ الإجابة هي أن قيادة الاقتصاد العالمي ينتزعها من يمتلك أقوى قوة اقتصادية عالميا، وكافة المؤشرات المتاحة بين أيدينا تشير إلى أن هذه الدول في طريقها إلى ذلك.


الأحد، أبريل 15، 2012

هل تلجأ الكويت الى تخفيض قيمة الدينار؟ 6

آثار تخفيض قيمة الدينار الكويتي
الأثر على المواطنين
ينقسم المواطنون بشكل عام إلى قسمين، القسم الأول؛ أصحاب الدخول الثابتة وهم فئة الموظفين بالدولة وكذلك المتقاعدين، وأصحاب الدخول المتغيرة، وتمثل الطائفة الأولى غالبية المواطنين في الدولة كون الحكومة هي الموظف الأساسي للعمالة الوطنية، وبالنسبة لهذه الطائفة فإن خفض الدينار الكويتي بنسبة 20% مثلا سوف يترتب عليه خفض القيمة الحقيقية لدخولهم الثابتة بنفس النسبة، هذا من ناحية، من ناحية أخرى فإن الخفض سوف يترتب عليه كما سبق ارتفاع معدلات التضخم، بصفة خاصة التضخم المستورد، الأمر الذي سوف يؤدي إلى خفض القوة الشرائية لهذه الدخول، وهو ما يسهم في مضاعفة التأثير السلبي للتخفيض على القوة الشرائية لدخول هذه الفئات. هذه الفئات هي أول من سيعاني من تخفيض قيمة الدينار، كما أن آثار هذا التخفيض عليهم سوف تكون شديدة. فمن المؤكد أن مثل هذا المواطن في ظل هذه الظروف سوف يجد نفسه محصورا بين مطرقة التضخم وسندان الدينار، ومن ثم فإن الإجراء الطبيعي الذي سيطالب به الجميع في الدولة هو رفع المرتبات ومستويات التحويلات الأخرى التي تقوم بها الدولة وذلك لمساعدة أصحاب الوظائف والمتقاعدين على التكيف بصورة أكبر مع الزيادات التي تحدث في  أسعار السلع والخدمات المختلفة. 
سوف تنخفض القيمة الحقيقية للأصول التي يمتلكها المواطنين بالدينار الكويتي، سواء المالية (مثل الأسهم) أو الحقيقية (مثل العقارات)، أو النقدية (مثل المودعات)، غير أن هذا الانخفاض في القيمة الحقيقية للأصول الحقيقية والمالية مثل العقار والأسهم سوف يكون مؤقتا، إذ غالبا ما تتكيف أسعار هذه الأصول بسرعة مع مناخ التضخم، فسرعان ما ستستعيد هذه الأصول قيمتها الحقيقية بفعل ارتفاع أسعارها لاحقا استجابة للانخفاض الذي يحدث في قيمتها الحقيقية والمصاحب لعمليات تخفيض قيمة العملة. أما بالنسبة للأصول النقدية، مثل المودعات في البنوك، فإنها قيمتها الحقيقية سوف تنخفض بنفس قدر الانخفاض في قيمة الدينار الكويتي، وأخذا في الاعتبار الوضع الحالي، حيث يعد معدل الفائدة الحقيقي (معدل الفائدة في البنوك مطروحا منه معدل التضخم) على هذه المودعات سالبا فإن تخفيض قيمة الدينار الكويتي سوف يكون بمثابة ضربة قاصمة لأصحاب هذه المودعات، خصوصا بالنسبة للشريحة التي ستعتمد على هذه المدخرات بعد تقاعدها.
وفي مواجهة هذا الانخفاض في القيمة الحقيقية للمودعات فإن رد الفعل الطبيعي في اقتصاد مفتوح ليس فيه أي قيود على تحركات رؤوس الأموال مثل الكويت، سوف يكون بتصاعد عمليات تحويل رؤوس الأموال في الأجل القصير للخارج من جانب الأفراد، وكذلك ستفعل المؤسسات المالية، مثل البنوك وشركات الاستثمار لتجنب الآثار السلبية للتخفيض على القيمة الحقيقية للأصول النقدية المقومة بالدينار الكويتي، الأمر الذي سيترتب عليه عجز مؤقت في حساب رأس المال بميزان المدفوعات.

الجمعة، أبريل 13، 2012

إحلال العمالة الوطنية محل العمالة الأجنبية في المملكة

نشر في صحيفة الاقتصادية بتاريخ الجمعة 13/4/2012
مع تصاعد معدلات البطالة في المملكة، خصوصا بين الشباب، قامت الحكومة باتخاذ العديد من الإجراءات للتعامل مع هذه المشكلة، إما من خلال مساعدة العاطلين عن العمل ماديا حتى تتوافر لهم فرصة عمل من خلال برنامج حافز، أو رفع قدرتهم على الانخراط في سوق العمل، بصفة خاصة سوق العمل الخاص، من خلال المساعدة في ترقية القدرات المهنية للعاطلين عن العمل من خلال برامج مثل  برنامج هدف، مثل هذه الإجراءات على الرغم من أهميتها، إلا أنها لم تفلح حتى هذه اللحظة في تخفيف ضغوط البطالة في سوق العمل حتى اليوم ببساطة شديدة لأن هذه الإجراءات غير كافية لرفع مساهمة العمالة الوطنية في سوق العمل، بصفة خاصة سوق العمل الخاص.

لقد كان من المفترض أن يصاحب هذه الإجراءات خطة محكمة للإحلال بحيث يتحول سوق العمل العام والخاص إلى الموظف الرئيس للعمالة الوطنية وليس كما هو الوضع القائم حاليا، وبحيث تختلف ملامح هذه الخطة بين القطاعين الحكومي والخاص، فبالنسبة للقطاع الحكومي تستطيع الحكومة بسهولة أن تفرض نسبة محددة للعمالة الوطنية بين صفوف العاملين في المؤسسات الحكومة أو تفرض برنامجا محددا لعمليات الإحلال سنويا، بحيث تلتزم جهات العمل الحكومي بتنفيذ هذه الخطة في غضون المدى الزمني المحدد لها، والتي يمكن أن تشتمل على الآتي:

-          إحلال فوري وفي غضون فترة زمنية قصيرة لمجموعة الوظائف والمهن ذات الطبيعة العامة والتي لا تتطلب مهارات خاصة، مثل وظائف الأعمال الكتابية وأعمال السكرتارية وأعمال المحاسبة .. الخ، مثل هذه الوظائف تسهل عملية الإحلال فيها دون أن يؤثر ذلك على سير العمل في القطاع الحكومي بأي حال من الأحوال.

-          إحلال متدرج لمجموعات الوظائف ذات الطبيعة الفنية أو التي تتطلب تدريبا ومهارات خاصة مثل الفنيين والمهندسين ومن على شاكلتهم، ومثل هذه الوظائف تلتزم الجهات الحكومية بإحلالها بصورة تدريجية على سبيل المثال بنسبة ١٠% إلى ٢٠٪ سنويا، وبحيث تلتزم كل جهة بإعداد قائمة بمن سيتم إحلالهم سنويا استنادا إلى الأقدمية من حيث التعيين أو السن أو على أساس تقارير الأداء عن الموظف، أو أن يتولى جهاز توظيف العمالة الوطنية هذه المهمة، وبحيث تنتهي الجهات الحكومية من إحلال هؤلاء في غضون خمس إلى عشر سنوات بعمالة وطنية ذات مؤهلات مماثلة.

-          بالنسبة للوظائف والأعمال التي تتطلب شهادات خاصة أو مهارات نادرة، فإن هؤلاء يتم إحلالهم بصورة تدريجية وفقا لدرجة توافر البديل السعودي، فكلما توافر بديل من العمالة الوطنية يتم إحلاله محل المثيل من العمالة الوافدة حتى تنتهي خطة الإحلال.

أما بالنسبة لعملية الإحلال في القطاع الخاص فلا شك أنها أصعب وتتطلب جهدا خاصا من الحكومة في التعامل مع عملية إحلال العمالة الوطنية محل العمالة الوافدة، وبشكل عام يقترح الآتي:

-          أن تفرض الحكومة على مؤسسات القطاع الخاص الضخمة مثل شركات المقاولات والمؤسسات التي تتولى عمليات التوريد والبنوك وشركات الاستثمار وغيرها من المؤسسات ذات الصلة الوثيقة بالقطاع الحكومي ضرورة الالتزام بحد أدنى من العمالة الوطنية لا يقل عن 50%-60% إلى أجمالي العاملين بها في الخمس سنوات الأولى لخطة الإحلال على أن ترفع هذه النسب تدريجيا بعد ذلك.

-          تلتزم باقي مؤسسات القطاع الخاص ذات الحجم الصغير أو المتوسط بنسبة أقل، على سبيل المثال، أن تتراوح نسبة العمالة الوطنية بها ما بين 30%-40% من إجمالي العمالة بها في صورة عمالة وطنية في الخمس سنوات الأولى من خطة الإحلال بحيث يتم رفعها تدريجيا بعد ذلك.

من المؤكد أن أي خطة للإحلال في المملكة لن تكون سهلة التنفيذ وسوف تلقى مقاومة عنيفة بصفة خاصة من جانب القطاع الخاص، وأن هذا الأخير لن يعدم وسائل التلاعب واللف على تلك الخطط لإجهاضها والاستمرار في تجاهل عملية توظيف العمالة الوطنية نظرا لتفضيل توظيف العمالة الوافدة لرخصها النسبي، حيث سينظر إلى عملية فرض توظيف العمالة الوطنية على أنها تدخل في طريقة عمل هذا القطاع، أو أنها ترفع من تكاليف هذا القطاع وتخفض من أرباحه، فضلا عن أن ذلك سوف يرفع من أسعار السلع والخدمات التي يقدمها هذا القطاع، غير أنه يجب التأكيد على أن عملية تقييم تكاليف وعوائد توظيف العمالة الوطنية لا تقوم بالدرجة الأولى على أسس مادية نظرا لتشعب الآثار المترتبة على استمرار معدلات البطالة مرتفعة بين العمالة الوطنية وخطورتها على المدى الطويل.

من أهم أساليب الالتفاف على نسبة الإحلال ما يسمى بالتوظيف الوهمي، وهو عبارة عن تسجيل أسماء لأشخاص حقيقيين يعانون بالفعل من حالة بطالة في مقابل مبالغ شهرية تدفع لهؤلاء في نظير إدراجهم ضمن قوة العمل بالمؤسسة على ألا يمارسوا أي أعمال حقيقية فيها، وأن يتم استدعاؤهم إلى العمل عندما يحتاج الأمر إلى ذلك، على سبيل المثال في مواعيد الحملات التفتيشية التي تقوم بها الجهات المختصة على تلك المؤسسات للتأكد من استيفاءها لنسب الإحلال، لذا لا بد من انتهاج أسلوب يجمع بين المكافأة والعقاب، أو سياسة العصا والجزرة في فرض سياسة الإحلال.

من المعلوم أن الكثير من مؤسسات القطاع الخاص، بصفة خاصة المؤسسات الكبرى، ذات صلة وثيقة بالقطاع الحكومي باعتبار أن القطاع الحكومي هو المحرك الأساسي للنشاط الاقتصادي في اقتصاد نفطي، ويمكن استغلال هذه العلاقة في التأكد من تنفيذ مؤسسات القطاع الخاص لخطة الإحلال، على سبيل المثال يمكن قصر عمليات الدخول في المناقصات الحكومية، أو عقود التوريد أو أداء الخدمات للقطاع الحكومي على مؤسسات القطاع الخاص التي تلتزم بخطة الإحلال واستبعاد المؤسسات التي لا تلتزم بذلك، بهذا الشكل سوف تكون عملية مقاومة إحلال العمالة الوطنية مكلفة للغاية لمثل هذه المؤسسات. 

يمكن أن تلجأ الحكومة أيضا إلى فرض ضريبة خاصة أو رسوما سنوية على مؤسسات القطاع الخاص في مقابل كل عامل وافد يتم توظيفه تستخدم إيراداتها في دعم العمالة الوطنية، تحصل أساسا من صاحب العمل عند استجلاب أو تجديد إقامة العامل الأجنبي في المؤسسة، على أن يرتفع معدل هذه الضريبة أو قيمة هذه الرسوم كلما ارتفعت نسبة العمالة الوافدة في المؤسسة، وبشكل عام يجب أن يراعى أن يكون معدل الضريبة مرتفعا إلى الحد الذي يجعل عملية تحميل هذه الضريبة على العامل الأجنبي  أمرا مستحيلا، كما يمكن في ذات الوقت أن يتم تخفيض هيكل الضريبة بصورة كبيرة في مقابل كل عامل سعودي يتم توظيفه في المؤسسة.

يمكن أن تلجأ الحكومة أيضا إلى تحميل مؤسسات القطاع الخاص التي لا تلتزم بخطة الإحلال بالتكاليف الحقيقية للخدمات المدعمة التي تقدمها الحكومة أو أن تفرض أسعارا عقابية لتلك الخدمات على المؤسسات التي لا تلتزم بخطة الإحلال، مثل خدمات الكهرباء والماء ورسوم المعاملات الحكومية وغيرها.

إذا كانت حجة القطاع الخاص في عدم توظيف العمالة الوطنية هي ارتفاع تكلفتها، فمن الممكن أيضا أن تسمح الحكومة للقطاع الخاص بتوظيف العمالة الوطنية على نفس عقود العمالة الوافدة وبنفس الأجور التي تدفعها لتلك العمالة، على أن تقوم الحكومة بتحمل الفرق بين أجر العامل في القطاع الخاص وأجره في القطاع الحكومي من خلال تعويض العمالة الوطنية بشكل مباشر عن هذا الفرق، أو بدلا عن ذلك يطلب من مؤسسات القطاع الخاص توظيف العمالة الوطنية بمستويات الأجور الحكومية على أن تتولى الحكومة تعويض القطاع الخاص بالفرق بين مستوى أجور القطاع الخاص والقطاع الحكومي مستخدمة في ذلك مخصصات بدل البطالة التي يتم توفيرها نتيجة تشغيل أي عاطل عن العمل وأية صناديق خاصة سوف تنشئها لدعم العمالة الوطنية.

في جميع الأحوال من المؤكد أن خطة الإحلال سوف تكون مكلفة، سواء للحكومة أو للقطاع الخاص، لكن نجاح عملية إحلال العمالة الوطنية محل العمالة الوافدة سوف يساعد على تحقيق العديد من المزايا أهمها توفير فرص عمل للعمالة الوطنية بصفة خاصة للداخلين الجدد منهم، وتخفيض معدل البطالة بين الشباب، ورفع درجة استيعاب القطاع الخاص للعمالة الوطنية، وتخفيض مدفوعات دعم العمالة الوطنية، ورفع مستويات المعيشة لقطاع كبير من الشباب، فضلا عن تخفيف الضغوط السياسية ودعم الاستقرار الأمني الذي يصاحب انخفاض معدلات البطالة بشكل عام، ومما لا شك فيه أن هذه الفوائد لا يجب أن تخضع لحسابات التكلفة والعائد لأنها ببساطة لا تقدر بثمن.


الثلاثاء، أبريل 10، 2012

جدل حول الذهب (4): عودة البنوك المركزية لشراء الذهب

نشر في صحيفة الاقتصادية بتاريخ الثلاثاء 10/4/2012

بدءا من حلقة اليوم نتناول أهم التطورات التي تحدث في السوق العالمي للذهب. لعل أهم هذه التحولات هي عودة البنوك المركزية لشراء الذهب مرة أخرى، حيث يعد دخول البنوك المركزية إلى سوق الذهب العالمي أحد أهم التطورات في السنوات القليلة الماضية، وهو تطور كفيل بأن يحدث تغيرات جوهرية في هذا السوق، فنحن نتحدث عن مستهلكين بقوة شرائية ضخمة او ربما غير محدودة، مقارنة بمصادر الطلب التقليدية في السوق العالمي للذهب. مثل هذا التطور في السوق العالمي للذهب قد يساعد على إبقاء أسعار الذهب مرتفعة إلى حد ما بفعل تحويل كميات كبيره منه إلى مخازن البنوك المركزية لتبقى هناك بعيدة عن التداول في السوق، وهو ما يعني ضمنا تعقيم أثر الزيادات في الإنتاج العالمي للذهب على التقلبات في الأسعار السوقية للمعدن الأصفر. بعكس الحال عندما يتوجه الجانب الأكبر من الإنتاج العالمي الجديد من الذهب نحو صناديق المضاربة في المعدن، فإن كميات السبائك الضخمة التي تحول إلى مخازن هذه الصناديق تكون جاهزة للطرح بأي سعر للذهب عندما يصاب المتعاملون في المعدن بالذعر، وهو ما يسبب التقلبات في سعر الذهب.
الجدول التالي يوضح احتياطيات أكبر 10 بنوك مركزية في العالم من الذهب، ونسبة الاحتياطيات الذهبية إلى إجمالي الاحتياطيات النقدية لهذه البنوك. لاحظ من الجدول أن الاحتياطيات الذهبية إلى إجمالي الاحتياطيات النقدية للبنوك المركزية للدول الغربية تعتبر مرتفعة نسبيا لاعتبارات تاريخية، بينما نجد أن الاحتياطيات الذهبية للبنوك المركزية للدول الناشئة تعد منخفضة كنسبة من إجمالي احتياطياتها. على سبيل المثال فإن البنك المركزي الصيني يمثل حاليا سادس اكبر بنك مركزي يحتفظ بالذهب في العالم، ومع ذلك فإنه عند مقارنة ما يحتفظ به البنك المركزي الصيني من ذهب بإجمالي احتياطياته بشكل عام نجد أن هذه النسبة لا تزيد حاليا عن 1.8%، وهو ما يعني أن الوزن الذي يمثله الذهب في إجمالي احتياطيات البنك المركزي الصيني أقل كثيرا من ذلك الذي نراه في البنوك المركزية الأخرى. نفس الأمر ينطبق على اليابان وروسيا والهند.
وفقا لتقارير مجلس الذهب العالمي فإن البنوك المركزية للدول الناشئة تشتري الذهب من وقت لآخر لكي تضيفه إلى احتياطياتها. من هذا المنطلق يتوقع أن تقوم الصين والتي تملك احتياطيات تصل إلى 3.2 تريليون دولارا بتخصيص جانب من هذه الاحتياطيات لشراء الاحتياطيات الذهبية، وذلك لتخفيض اعتمادها على الدولار الأمريكي ولخفض درجة انكشافها على الدين الأمريكي، بتنويع تلك الاحتياطيات. فاحتياطيات البنك المركزي الصيني من الذهب أقل بقليل من ألف طن، وفي المقابل يقل الاحتياطي الذهبي للبنك المركزي الصيني بصورة واضحة عن الاقتصاديات المثيلة في الحجم، ولا يعبر عن التوزيع النسبي لاحتياطيات تلك الدول من الذهب كما هو واضح من الجدول.
هذا التطور بدخول البنوك المركزية للدول الناشئة سوق الذهب يختلف عن الاتجاه العام بين البنوك المركزية في دول العالم الصناعي، حيث كانت الأخيرة تميل إلى التخلص جزئيا مما لديها من أرصدة ذهبية باعتبار أن هذه الأصول عقيمة وتتكلف مبالغ كبيرة لتخزينها، دون أن يصاحبها في المقابل منفعة موازية للبنك المركزي. غير أنه بالتدقيق في طبيعة الدول التي تشتري بنوكها المركزية الذهب مثل الصين والهند وسريلانكا والفلبين وتركيا وروسيا وتايلاند يلاحظ أنها تشترك في الخصائص الآتية:
·         لم يكن لديها في الأساس كميات كبيرة من الذهب كاحتياطيات، ومن ثم فإنه بالمقارنة بالبنوك المركزية لدول العالم الأخرى في الغرب فإن النسب التي تحتفظ بها هذه البنوك المركزية من الذهب إلى إجمالي احتياطياتها تعد صغيرة نسبيا، وهناك اتجاه بين محافظي البنوك المركزية هذه نحو التغلب على نقص الوزن الذي يمثله الذهب في إجمالي احتياطيات هذه الدول.
·         أن هذه البنوك حديثة عهد بالذهب كأصل احتياطي، وليس لديها خبرة طويله به، وبنيت القرارات التي اتخذها صانعو القرار في البنوك المركزية من هذا المنطلق وبناء على الخبرة الحديثة بالذهب في العقد الأخير والذي تتزايد أسعاره بمعدلات أعلى من أي اصل مالي في العالم.
·         أن هذه البنوك غالبا ما تتبع دول تحقق فوائض تجارية تتحول إلى احتياطيات سائلة، وفي السنوات الأخيرة، تتعرض الاحتياطيات السائلة للبنوك المركزية للعديد من المخاطر أهمها تراجع قيمة العملات الاحتياطية الأساسية في العالم بصفة خاصة الدولار، والمخاطر الضخمة التي تحيط بأدوات الدين في أغلب دول العالم المدينة، وفي ظل هذه المخاطر يصبح الذهب خيار يصعب مقاومته.
ولكن هل نشهد بالفعل تعمق للظاهرة التي نراها حاليا من إقبال بعض البنوك المركزية للدول الناشئة على تخزين الذهب، في رأيي ليس من المتوقع أن يستمر هذا الاتجاه بحيث يصبح ظاهرة بين البنوك المركزية في العالم لسببين:
1.       أن البنوك المركزية غالبا ما تميل إلى استثمار احتياطياتها من النقد الأجنبي في أدوات الدين والأصول السائلة مرتفعة الأمان لكي تحصل على عوائد مستمرة على هذه الاحتياطيات، والذهب لا يقدم هذه الخاصية إلا اذا كان الاتجاه العام لسعر الذهب هو الاتجاه الصعودي، وهذا ليس مضمونا في كل وقت.
2.       أن البنوك المركزية بجانب الاهتمام بالعائد يهمها أيضا اعتبارات السيولة للاحتياطيات لكي تكون هذه الاحتياطيات جاهزة للاستخدام في أي وقت تحتاج فيه البنوك المركزية إلى هذه الاحتياطيات للتدخل في سوق النقد الأجنبي للدفاع عن عملتها المحلية، وذلك عندما تواجه عملاتها ضغوطا نحو النزول أو الصعود غير المرغوب فيه في سوق النقد الأجنبي، والذهب لا يوفر هذه الخاصية. فعملية تحويل الذهب إلى أصل سائل تواجه صعوبتان أساسيتان بالنسبة للبنوك المركزية:
·         أنها تأخذ وقتا، وذلك حتى يجد البنك المركزي المشتري المناسب للكميات الكبيرة التي يتم طرحها في السوق، فإذا تأخرت هذه العملية فإن البنك المركزي يتعرض لمخاطر نقص السيولة التي يحتاج اليها.
·         أن عملية تسييل الاصول الاحتياطية الذهبية سوف يترتب عليها حدوث تقلبات سعرية كبيرة في السوق العالمي للذهب نظرا لطبيعة الكميات التي يتم طرحها والتخلص منها فيه، الأمر الذي يتطلب حسابات خاصة من البنك المركزي الذي سيقوم بعمليات البيع حتى لا يترتب على ذلك التأثير بصورة جوهرية على عوائد عمليات البيع التي سيقوم بها بسبب تراجع أسعار الذهب المحتمل أن يترتب على هذه العمليات.