الأربعاء، أغسطس 22، 2012

لماذا لم تنهر اليابان تحت ضغط الدين؟ (2)


ذكرنا في الحلقة الأولى من هذا المقال أن الحكومة اليابانية قد تمكنت من أن تدبر احتياجاتها التمويلية لفترة طويلة من الزمن بسهولة وبمعدلات فائدة منخفضة، غير أن اليابان تمر حاليا ببعض التغيرات الهيكلية التي سوف تعقد من مشكلة توفير التمويل المناسب للعجز المالي الياباني. اهم التغيرات الهيكلية تنشا من اتجاه العجز المالي نحو التزايد بمعدلات غير مسبوقة، فحاليا يبلغ العجز حوالي 11% من الناتج وهو معدل مرتفع للغاية، الأمر الذي يدفع الحكومة اليابانية إلى إصدار المزيد من السندات، لذلك ليس من المستغرب أن يتزايد اعتماد الحكومة اليابانية على الأسواق للتمويل أكثر من أي وقت مضى، ففي عام 2012 سوف تضطر اليابان إلى تمويل حوالي 50% من إنفاقها العام (1.16 تريليون دولارا) من خلال الاقتراض، من ناحية أخرى فإن اليابان تواجه تطورات هيكلية في تركيبة إنفاقها العام بسبب مشاكلها الديموغرافية، فمن المتوقع في السنة القادمة أن يمثل الإنفاق على الرعاية الاجتماعية حوالي 52% من إجمالي الإنفاق العام، وهو ما سيمثل تحديا كبيرا لليابان كون هذا النوع من الإنفاق غير منتج.

من الناحية الديموغرافية تواجه اليابان اليوم مشكلة تراجع أعداد السكان نظرا لزيادة أعداد الوفيات عن أعداد المواليد، في الوقت الذي لا يتم فيه تعويض هذا الفقد السكاني من خلال استقدام سكان من الخارج من خلال الهجرة، فقد أخذ عدد السكان يتراجع منذ 2009 حتى اليوم. وفي خلال العقدين القادمين يتوقع أن يقل عدد السكان بحوالي 12 مليون نسمة، ومعه سوف تتراجع مشتريات السندات اليابانية، وكذلك ستتدهور قوة العمل ويتراجع حجم الناتج المحلي الإجمالي، حيث يتوقع أن يترتب على ذلك انخفاض حجم الناتج المحلي بحوالي 7% ومن ثم متوسط نصيب الفرد منه.

المشكلة الديموغرافية الثانية هي شيخوخة السكان التي أصبحت أحد أهم التحديات التي تواجه اليابان، حيث بدأت أحدى ثمار التنمية تضر بالدولة، وتقدر حاليا نسبة كبار السن بحوالي 30%، ومن المتوقع أن تستمر هذه النسبة في الارتفاع حتى 40% خلال الثلاثة عقود القادمة، ومع استمرار تعقد مشكلة شيخوخة السكان سوف تتزايد عمليات السحب من المدخرات أو ربما تتحول معدلات الادخار إلى سالبة. ذلك أن صناديق المعاشات اليابانية تمتلك حوالي 11% من الدين الياباني، بالطبع مع تزايد معدلات الشيخوخة وارتفاع معدلات التقاعد، سوف تضطر صناديق المعاشات إلى بيع السندات الحكومية لتدبير الحاجات المالية اللازمة لخدمة المشتركين فيها، وهناك شواهد تشير إلى أن صناديق المعاشات بدأت بالفعل في بيع السندات الحكومية لأول مرة منذ 9 سنوات.

من ناحية أخرى فإنه في ظل هذه الضغوط قد تضطر اليابان إلى التمويل النقدي لإنفاقها العام لتشعل بذلك نار التضخم وتفقد أحد أهم مزاياها التنافسية، أكثر من ذلك فإن التضخم سوف يرفع معدلات العائد المطلوب على السندات وهو ما يعقد مشكلة الحكومة بصورة أكبر، وحاليا يحتفظ البنك المركزي بحوالي 9% من محفظته في صورة سندات حكومية، بالطبع كأي بنك مركزي، يحتاج البنك المركزي الياباني إلى الاحتفاظ بنسبة من أصوله في صورة سندات حكومية قصيرة الأجل لكي يتمكن من تنفيذ عمليات السوق المفتوح، ومن وقت لآخر يتدخل البنك المركزي الياباني لشراء السندات اليابانية بهدف رفع أسعارها وخفض معدلات الفائدة عليها، وهو ما يضمن تخفيض تكلفة خدمة الدين الياباني.

حاليا يضع البنك المركزي الياباني حدا اقصى على كمية السندات التي يقتنيها من الدين الحكومي، غير أنه في ظل الضغوط المالية على الحكومة قد يضطر إلى هجر هذه السياسة وتمويل نسب اكبر من العجز المالي الحكومي، بل إن بعض المراقبين يرون أنه ربما لا يجد صانع السياسة الياباني من خيار آخر سوى اللجوء لعملية التمويل النقدي، ونظرا لاحتمالات تزايد هذه الضغوط في المستقبل، فإن هناك دعوات حاليا بأن يتم إلغاء استقلال البنك المركزي عن الحكومة، على الرغم من أن هذه الاستقلالية تعد محدودة في الوقت الحالي.

تنبغي الإشارة إلى أن السبب الرئيس في استمرار اليابان في تمويل عجزها المالي على نحو مستمر وبمعدلات فائدة متدنية هو طول فترات الكساد التي عانت منها اليابان، ففي ظل استمرار تراجع الأسعار تبدو المعدلات المتدنية للفائدة مجزية بالنسبة للمقترضين من الناحية الحقيقية، ولتوضيح ذلك لا بد وان نفرق بين معدل الفائدة الاسمي (معدل الفائدة في السوق النقدي، أو معدل الفائدة المعلن للسندات) ومعدل الفائدة الحقيقي، أي معدل الفائدة الاسمي معدلا بالتضخم، والذي يساوي معدل الفائدة الاسمي مطروحا منه معدل التضخم، فإذا افترضنا أن معدل الفائدة الإسمي هو 1%، وأن معدل التضخم هو سالب 2%، فإن ذلك يعني أن معدل الفائدة الحقيقي الذي يحصل عليه مشترو السندات هو 3% وليس 1%، معنى ذلك أن الانحسار السعري يساعد الحكومة اليابانية في أن تجد المشتري المحلي لسنداتها بدون عناء. غير أنه مع تعرض اليابان لأي موجة تضخمية، فإن هذا الوضع سوف يتغير بصورة جوهرية، حيث ستتحول معدلات العائد على السندات اليابانية إلى معدلات عائد سالبة.

وطالما أن اليابان تستمر في بيع سنداتها محليا فإنها لن تواجه مشكلات كبيرة، غير أن الضغوط على سوق السندات الياباني قد تعني أن اليابان قد تضطر إلى اللجوء إلى أسواق السندات الدولية لكي تمول احتياجاتها، وفي هذه الحالة سوف تضطر اليابان إلى المنافسة مع الدول المقترضة الرئيسة في العالم مثل الولايات المتحدة وأوروبا، وحاليا تدفع اليابان معدلات فائدة أقل من الجميع، إلا أنه من المؤكد أن هذا الخيار سوف يجبر اليابان على دفع معدلات أعلى للعائد على سنداتها، ومن ثم تنتهي حقبة التمويل الرخيص التي تمتعت بها اليابان لفترة طويلة من الزمن، وقتها سوف يبدأ العبء الحقيقي للدين الياباني في الظهور على السطح ويتحول الدين الياباني إلى دين غير مستدام.

إن لجوء اليابان إلى السوق العالمي للسندات سوف يمثل كارثة بالنسبة لها، حيث سيترتب على أي تصاعد في معدلات الفائدة على دين ضخم مثل الدين الياباني انفجار تكلفة خدمة الديون، الأمر الذي سيدخل الاقتصاد الياباني في دائرة خبيثة من تصاعد معدلات الفائدة وتصاعد معدلات العجز المالي فزيادة حجم الدين فتصاعد خدمة الدين وهكذا. فحاليا وبنسبة 1% معدل فائدة على الدين تمثل مدفوعات خدمة الدين أكثر من 20% من الناتج المحلي الإجمالي، ومع تصاعد معدلات الفائدة سوف تأخذ خدمة الدين في النمو على نحو كبير، وهذا ما عبر عنه وزير السياسة الاقتصادية في اليابان كاورو ياسانو حينما قال "إننا نواجه الحلم المزعج بأنه في يوم من الأيام ربما تأخذ معدلات الفائدة طويلة الأجل في التزايد". 

وأخيرا، هل يمكن أن تتحول اليابان إلى يونان أخرى؟ على الرغم من انخفاض مثل هذا الاحتمال على نحو واضح، إلا أن تدهور وضع الدين الياباني سوف يضع العالم في مأزق، فقد تمكن العالم من خلال الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي من التعامل بشكل سهل نسبيا مع الحالة اليونانية. الأمر مختلف تماما في الحالة اليابانية نحن نتحدث عن 12 تريليون دولارا، وهو حجم قد لا يستطيع الاقتصاد العالمي بأكمله التعامل معه.

الخلاصة هي أن الدين العام الياباني في حاجة اليوم أكثر من أي وقت مضى للتعامل معه بصورة أكثر جدية، وعلى ما يبدو أن أحد لا يريد أن يقوم بهذه الخطوة، أو على الأحرى لا أحد لديه القدرة حاليا على التعامل مع المشكلة، فقد أصبحت المشكلة إلى حد كبير خارج نطاق السيطرة، ومن الواضح أن ضغوط التمويل في اليابان تميل نحو التزايد بمرور الوقت وأن على اليابان أن تجد سبيلا لوقف هذا التدهور الخطير في موقفها المالي. 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق