الثلاثاء، فبراير 28، 2012

عودة تيسير السياسات النقدية في العالم

نشر في صحيفة الاقتصادية بتاريخ الثلاثاء 28/2/2012

نظرا لتصاعد المخاطر في الاقتصاد العالمي، بصفة خاصة نتيجة ارتفاع درجة عدم التأكد الناتجة عن المخاطر الكامنة من مشكلة ديون أوروبا، فإن درجة عدم التأكد المحيطة باقتصاديات العالم تعد في أعلى مستوياتها حاليا، ونتيجة لذلك يتراجع معدل النمو في معظم أنحاء العالم المتقدم والناشئ على السواء. في مواجهة الضغوط على النمو نحو التراجع فقد العالم قدرته على استخدام أدوات السياسة المالية نظرا لبلوغ أدوات السياسة المالية حدودها القصوى، وبلوغ المخاطر المصاحبة للسياسة أوجها مع تصاعد الديون السيادية للعالم إلى مستويات خطيرة بالنسبة للناتج المحلي الإجمالي. الخيارات المتاحة للعالم للتعامل مع أزمة النمو أصبحت محدودة للغاية، ولذلك عاد العالم ليجرب مرة أخرى تيسير السياسات النقدية لرفع مستويات النشاط الاقتصادي ووقف الاتجاه النزولي في النمو.
أهم الدول التي تتجه نحو تيسير سياساتها النقدية حاليا هي اليابان والصين واللتان تتشابه مشكلاتهما إلى حد كبير مع وجود بعض الفوارق في المسببات. ففي الصين تتراجع حاليا معدلات النمو في الكثير من القطاعات في الاقتصاد الصيني بصفة خاصة سوق المساكن، حيث يمثل تراجع الاستثمار في قطاع المساكن أحد المخاطر الأساسية التي تواجهها الصين اليوم، كذلك تتراجع الصادرات الصينية متأثرة بمشكلة الديون الأوروبية، ويتراجع نتيجة لذلك معدل النمو في احتياطياتها، كما كان معدل النمو في عرض النقود (رقم 1) سالبا لهذا العام.
جاءت استجابة صانع السياسة الصيني لهذه المشكلات في تيسير السياسة النقدية، حيث قام البنك المركزي بتخفيض نسبة الاحتياطي القانوني بمقدار نصف في المئة من 21% إلى 20.5% بدءا من 24 فبراير هذا الشهر، وذلك لمساعدة البنوك الصينية على منح المزيد من التسهيلات الائتمانية للمحافظة على استمرار معدلات النمو الاقتصادي. تجدر الإشارة إلى أن هذه النصف في المئة سوف تمكن البنوك الصينية من تحرير حوالي 400 مليار يوان من احتياطياتها القانونية والتي يمكن استخدامها بشكل مباشر في التوسع في عمليات الإقراض.
البنك المركزي الصيني يقاوم حتى الآن تخفيض معدلات الفائدة، حيث مازال التضخم مرتفعا بعض الشيء (حوالي 4.5%)، ومع تراجع الضغوط التضخمية فإن البنك المركزي الصيني سوف يقوم بتخفيض معدلات الفائدة، مما يعني أن معدلات الفائدة سوف تظل أداة ثانوية للسياسة النقدية في الصين وأن التركيز الأساسي حاليا هو على استخدام معدلات الاحتياطي القانوني، وتشير الدلائل المتاحة إلى أن التخفيض الحالي في نسبة الاحتياطي القانوني لن يكون التخفيض الأخير، حيث يتوقع أن يتزايد عرض النقود (رقم 2) في الصين هذا العام بحدود 14% وهو ما يعني أن الخفض في معدل الاحتياطي القانوني الحالي لن يكون كافيا لهذا العام، ومن المتوقع ان يتم تخفيض المعدل مرة أو مرتين في الجزء المتبقي من السنة. المحصلة النهائية المتوقعة من هذه الإجراءات هي حدوث تراجع في معدل الفائدة، لتشجيع قطاع المساكن والذي تراجعت الأسعار به أو توقفت في بعض الأحيان عن الارتفاع، ورفع مستويات النمو في باقي القطاعات.
من ناحية أخرى هناك تقارير تشير إلى تدخل البنك المركزي الياباني في سوق الصرف الأجنبي بشكل مكثف، وعلى نحو خفي في الوقت ذاته، لبيع الين (تسهيل السياسات النقدية) بهدف الحد من ارتفاعه، والضغط على قيمته للاتجاه نحو الانخفاض، وذلك لزيادة درجة تنافسية الصادرات اليابانية. التقارير المتاحة تشير إلى ان اليابان استخدمت حوالي تريليون ين في الأيام الأربع الأولى من نوفمبر الماضي، وكذلك استخدمت حوالي 8 تريليونات ين في أكتوبر عندما صعد الين إلى مستوى 75 ينا للدولار. بالطبع هذه العمليات تحدث تأثيرا سلبيا على قيمة الين، والتي تمر حاليا مر الكرام دون أن يلاحظها، أو ربما دون أن يعلق عليها، صانعي السياسة في الدول المنافسة لليابان، ربما بسبب الأوضاع السيئة التي يمر بها الاقتصاد الياباني.
عمليات التيسير النقدي في اليابان تتم دون أن تحدث تأثيرات ملموسة على الأسعار، ولذلك يستهدف بنك اليابان المركزي معدل تضخم مستهدف 1%، والذي يعد منخفضا نسبيا، وقد تم انتقاده على انه يعكس استعداد اليابان لتحمل ين مرتفع القيمة، ويرغب بعض أعضاء البرلمان الياباني في مضاعفة هذا المعدل المستهدف مرتين أو ثلاث، ولا شك أن هذا سوف يتطلب تيسيرا كبيرا في السياسات النقدية اليابانية. استجابة بنك اليابان المركزي بتيسير سياساته النقدية جاءت في أعقاب الانتقادات والضغوط السياسية. بالطبع مع معدلات فائدة تتراوح بين صفر و 0.1% فإن تيسير السياسة النقدية لا يمكن ان يأتي من جانب معدلات الفائدة ويجب ان يتم أساسا من خلال التيسير الكمي، وللتبسيط فإن التيسير الكمي هو سياسة تهدف إلى زيادة عرض النقود من خلال تعديل هيكل الأصول في ميزانية البنك المركزي، وقد تم بالفعل إضافة 10 تريليون ين في عمليات شراء أصول قام بها البنك المركزي الياباني. التيسير الكمي الياباني هدف أساسا إلى وقف الارتفاع المستمر في قيمة الين الذي أثر بشكل سلبي على الصادرات اليابانية وميزان المدفوعات الياباني، كما تناولنا ذلك في الأسبوع الماضي بالتفصيل.
مؤخرا أيضا قام البنك المركزي في الهند بخفض نسبة الاحتياطي القانوني من 6% إلى 5.5% لأول مرة منذ 2009 وهو ما يسمح للجهاز المصرفي بزيادة حجم الائتمان من خلال تخفيض نسب السيولة المطلوبة في البنوك، وتشير التقارير الواردة عن البنك المركزي أن الهند في سبيلها لتخفيض معدلات الفائدة عندما تميل الضغوط التضخمية في الهند نحو التراجع، وتنوي الهند تخفيض عجز ميزانيتها العامة لتخفيف الضغوط على سوق الاقتراض ومن ثم السماح بخفض معدلات الفائدة بسهولة.
كذلك قام البنك المركزي الإندونيسي بخفض معدل الفائدة الأساسي لأول مرة منذ 3 أعوام من 6% إلى 5.75%، وأعلن البنك المركزي البريطاني بأنه سوف يضخ 50 مليار جنيه في الاقتصاد البريطاني لحماية التعافي الاقتصادي من التأثير المحتوم لأزمة الديون في منطقة اليورو. كما قامت دول ناشئة أخرى في العالم بخفض معدلات الفائدة مثل البرازيل وروسيا والفلبين.
يوما بعد يوم يتزايد اتجاه العالم نحو تيسير السياسات النقدية خصوصا وأن مخاطر تيسير السياسات النقدية في العالم تعد محدودة للغاية بسبب حالة الانكماش التي يعاني منها العالم، ففي ظل الانكماش الحالي يصبح ارتفاع الأسعار أمرا غير متوقع.

الجمعة، فبراير 24، 2012

اتجاهات النمو في الاقتصاد السعودي: تحدي البطالة

نشر في صحيفة الاقتصادية بتاريخ الجمعة 24/2/2012
البطالة هي أخطر الأمراض الاجتماعية على الإطلاق، فمع انتشار البطالة تنتشر ظواهر اجتماعية واقتصادية خطيرة مصاحبة لها مثل الأمراض النفسية والتطرف وحالات الانتحار والتفكك الأسري والإدمان، وانتشار الجريمة مثل السرقة والقتل وغيرها. لذلك تحرص حكومات العالم أجمع على معالجة البطالة وإبقاء معدلاتها عند أدنى مستوى لها لكي تتجنب تلك الآثار السلبية. من ناحية أخرى فإن ارتفاع معدل البطالة يعكس انخفاض كفاءة المجتمع في استخدام الموارد المتاحة به، حيث يكون الناتج المحلي الإجمالي المتحقق في الدولة أقل من الناتج الكامن أو الطبيعي، الأمر الذي يعكس انخفاض الكفاءة الاقتصادية للدولة.
بالطبع تعتمد البطالة على معدلات فتح الوظائف الجديدة في الاقتصاد واتجاهاتها ومتطلبات تلك الوظائف والتي ترتبط بمستويات الطلب الكلي في الاقتصاد فضلا عن بعض العوامل الأخرى، وفي المجتمعات السكانية الفتية مثل المملكة يلعب الضغط السكاني دورا هاما في اتجاهات البطالة حاليا وفي المستقبل، حيث يؤدي اتساع قاعدة الهرم السكاني في الدولة إلى تزايد أعداد الداخلين الجدد إلى سوق العمل بمعدلات كبيرة في المستقبل، وهو ما يقتضي أن يكون الاقتصاد الوطني قادر على فتح مزيد من الوظائف بما يتوافق مع أعداد هؤلاء الداخلين الجدد حتى لا ترتفع معدلات البطالة بينهم.

في عام 1999 كان إجمالي عدد قوة العمل في المملكة 5.847 مليونا منهم 4.984 مليون من الذكور يشكلون 85% من قوة العمل و 863 ألفا من الإناث، يمثلون 15% فقط من إجمالي قوة العمل، الأمر الذي يعكس انخفاض نسبة مساهمة الإناث في سوق العمل السعودي بصورة واضحة، مقارنة بالدول النامية الأخرى في العالم. من بين هؤلاء كان يوجد 2.824 مليون عامل سعودي فقط، يمثلون 48.3% من اجمالي قوة العمل، غير أن ضعف نسبة مساهمة الإناث في سوق العمل تتضح بصورة أكبر عندما ننظر إلى نسبة مساهمة السعوديات في سوق العمل، والتي يتضح من الجدول رقم (1) أنها لم تتعد 7.1% في ذات العام. بمرور الوقت لم تتحسن نسبة العمالة الوطنية الى اجمالي قوة العمل ولا نسبة مساهمة الإناث في قوة العمل، ففي عام 2009 بلغ عدد العاملين في المملكة 8.116 مليون عامل منهم 4.078 مليون عامل سعودي يمثلون 47.4% من اجمالي قوة العمل، كما ظلت نسبة مساهمة الذكور مرتفعة في قوة العمل بالمملكة. ففي عام 2009 مثلت قوة العمل من الذكور 85.1%، بينما بلغت نسبة مساهمة الإناث 14.9%، في الوقت الذي لم تزد نسبة مساهمة الإناث السعوديات عن 7.6% من إجمالي قوة العمل في المملكة.
انخفاض نسبة مساهمة الإناث في قوة العمل السعودية في الوقت الحالي تعني أن الضغوط المستقبلية على سوق العمل في المملكة سوف تكون كبيره، نتيجة الآثار المتوقعة لتحسن مستويات تعليم الإناث وازدياد اتجاه الاناث نحو دخول سوق العمل بمرور الوقت، وهذا في رأيي سوف يكون التطور الأساسي في سوق العمل في المملكة في المستقبل، الأمر الذي يستدعي ضرورة أخذ هذا التطور في الاعتبار عند تخطيط عمليات فتح الوظائف للداخلين الجدد إلى سوق العمل.

من ناحية أخرى يلاحظ أنه على الرغم من أن المملكة من الدول المستوردة للعمالة فإن معدلات البطالة بين العمالة السعودية تعد مرتفعة، بصفة خاصة بين الإناث، فمن الجدول رقم (2) يلاحظ ميل معدل البطالة بين العمالة السعودية إلى التزايد من 8.1% في عام 1999 إلى 10.5% في عام 2009. بينما تميل معدلات البطالة بين الإناث السعوديات إلى التزايد إلى مستويات مرتفعة جدا، من 15.8% في عام 1999 إلى 28.4%. إن ارتفاع معدل البطالة بين العمالة السعودية مقارنة بمعدل البطالة الإجمالي يعكس حقيقة أن سوق العمل السعودي لا يعمل بالصورة المفترضة لتشغيل العمالة الوطنية بصفة أساسية، خصوصا وأن سياسات الهجرة ليست مصاغة على هذا النحو، وأن الداخلين الجدد لسوق العمل قد لا تكون عملية تأهيلهم مناسبة مع متطلبات سوق العمل، بصفة خاصة سوق العمل الخاص.
كغيره من أسواق العمل في دول مجلس التعاون، يتصف سوق العمل في المملكة بازدواجية واضحة، حيث يتواجد في نفس السوق هيكلان شبه منفصلان لسوق العمل، وهما سوق العمل الحكومي وسوق العمل الخاص، وهناك فروق جوهرية بين السوقين من حيث هياكل الأجور والحوافز والتعويضات الأخرى، وعبء العمل وأسس الترقي إلى المراتب الأعلى في الوظائف، وغيرها من العوامل الهامة في تحديد العرض من العمل والطلب عليه، ومثل هذا الانفصال بين السوقين يجعل من سوق العمل الحكومي الخيار الأساسي للعمالة الوطنية، بينما يتمثل الخيار الأساسي للقطاع الخاص في العمالة الوافدة، مثل هذه الخصائص تمارس ضغوطا على معدل البطالة بين العمالة الوطنية نحو الارتفاع.
أكثر من ذلك يلاحظ أن من أهم تحديات البطالة بين قوة العمل السعودية هي ارتفاع معدلات البطالة بين صغار السن، حيث تصل معدلات البطالة بين هذه الفئات العمرية إلى نسب مرتفعة للغاية، كما يوضح الجدول رقم (3)، حيث تصل نسبة البطالة في الفئة العمرية 15-19 عاما إلى 43.5% وفي الفئة العمرية 20-24 عاما 39.3%، وأخذا في الاعتبار ارتفاع نسبة صغار السن في المملكة فإن ضغوط سوق العمل مع تزايد الداخلين الجدد من هذه الفئات سوف تكون كبيرة جدا في المستقبل، وستمثل تحديا كبيرا أمام صانع السياسة في المملكة، في كيفية توفير القدر اللازم من الوظائف لاستيعاب هذه الأعداد المتزايدة.
ربما قد لا يتطلب الأمر في المراحل الأولى من مواجهة تحدي البطالة فتح المزيد من الوظائف الجديدة لاستيعاب العمالة الوطنية، وقد يمثل فرض عملية الإحلال في القطاع الخاص إما من خلال الحوافز، أو من خلال رفع تكلفة العمالة الوافدة على القطاع الخاص، بحيث تتضاءل الميزة النسبية التي تتمتع بها العمالة الوافدة في مواجهة العمالة الوطنية من حيث تكلفة الاستخدام خيارا هاما لمعالجة مشكلة البطالة بين العمالة الوطنية.
أما على المدى الطويل فإن الأمر سيتطلب بالتأكيد تركيز الإنفاق الاستثماري في المجالات كثيفة الاستخدام للعمالة، وبصفة خاصة للإناث، فضلا عن ضرورة أن تتماشى مخرجات النظام التعليمي ومراكز التدريب مع احتياجات سوق العمل، بصفة خاصة في القطاع الخاص، وهو ما سيتطلب ضرورة مراجعة هيكل نظام التعليم في المملكة في كافة المراحل ليتماشى مع هذا الغرض.

الثلاثاء، فبراير 21، 2012

غيوم اقتصادية في سماء اليابان

نشر في صحيفة الاقتصادية بتاريخ الثلاثاء 21/2/2012

اليابان هي ثالث اكبر اقتصاد في العالم بناتج محلي 6.5 تريليون دولارا، ويأتي ترتيبها بعد الصين (بناتج محلي 7.5 تريليون) والولايات المتحدة (بناتج محلي حوالي 15 تريليون)، وهي من هذا المنطلق تعد أحد اللاعبين الكبار في الاقتصاد العالمي. تعرض الاقتصاد الياباني هذا العام لعدة صدمات أدت مجتمعة إلى التأثير بصورة كبيرة على معدلات النمو المحققة فيه. فقد كانت التوقعات حول نمو الاقتصاد الياباني تدور حول معدل نمو 2%، اليوم تحولت تلك التوقعات إلى معدلات نمو سالبة، ويبدو أن الاقتصاد الياباني يستعد للدخول في حالة كساد، حيث جاءت بيانات النمو في الربع الرابع من العام الماضي مخيبة للآمال. فقد حقق الاقتصاد الياباني معدل نمو سالب في الربع الرابع بلغ 0.6% أو بمعدل نمو سنوي سالب 2.3%.
لم تكن هذه هي المرة الأولى التي يحقق فيها الاقتصاد الياباني معدل نمو سالب خلال 2011، ففي الربع الرابع من 2010 حقق الاقتصاد الياباني معدل نمو صفر%، وفي الربع الأول من العام الماضي حقق نموا سالبا بمعدل 1.8%، وفي الربع الثاني حقق نموا سالبا بمعدل 0.4%. بهذا الشكل يصبح صافي النمو السنوي للعام الماضي سالبا، مما يعني أن الاقتصاد الياباني بدأ دخول مرحلة كساد جديدة، ويمكن تقسيم الأسباب المسئولة عن التراجع في النمو إلى ثلاثة عوامل:
1.       تراجع الطلب العالمي على الصادرات اليابانية:
على الرغم من تعدد الأسباب المسئولة عن تراجع النمو، إلا أن تراجع الصادرات اليابانية كان له تأثير كبير على القطاع الصناعي الياباني. فالمستوردين الكبار من اليابان إما يعانوا من مشكلات اقتصادية أو يواجهون مخاطر كبيرة تحدق باقتصاداتهم وتؤثر بصورة سلبية على معدلات النمو المحقق لديهم هم أيضا. فقد أدت المشكلات التي تعاني منها أوروبا إلى أزمة ثقة ومن ثم التأثير بصورة سلبية على الإنفاق الاستهلاكي الأوروبي والذي يعد من الأسواق الرئيسة للإنتاج الياباني، كذلك تسبب بطء التعافي الأمريكي الى تراجع الطلب العالمي على الصادرات اليابانية. 
2.       ارتفاع قيمة الين:
جاء ارتفاع قيمة الين في عام 2011 في غير توقيته بالنسبة للاقتصاد الياباني، فمنذ أبريل الماضي ارتفع الين بأكثر من 7% بالنسبة للدولار، بل إنه منذ 2006 ارتفع الين بالنسبة للدولار بنسبة 35%، ولقد حاول البنك المركزي الياباني التدخل في سوق النقد الأجنبي من اجل السيطرة على ارتفاع قيمة الين بالنسبة للدولار، حيث تشير الإيكونيميست إلى أنه قد تم استخدام 8 تريليون يورو في أكتوبر الماضي ، وكذلك تريليون أخرى في نوفمبر للحد من ارتفاع الين، وهو تدخل مكلف جدا يوازي أكثر من 116 مليار دولارا، ومن المعلوم أن الين القوي يؤدي إلى تأثيرين، الأول هو جعل الصادرات اليابانية أكثر تكلفة بالنسبة للمستوردين في الخارج وهو ما يؤدى إلى تراجع تنافسية الصادرات اليابانية، وقد ترتب على ارتفاع قيمة الين تراجع قيمة الصادرات بنسبة 3.1%، والثاني وهو تراجع أرباح المصدرين اليابانيين، وذلك عندما يعاد تحويل حصيلة الصادرات بالدولار إلى الين. إن أهم الآثار التي تصاحب تراجع أرباح قطاع الأعمال هو تراجع مستويات الاستثمار.
3.       الكوارث الطبيعية
لم تكد اليابان تسترح من كارثة الكساد العالمي الذي نتج عن أزمة سوق المساكن في أمريكا، حتى تعرضت اليابان لنوع آخر من الكوارث، وهو الكوارث الطبيعية الذي لعبت الدور الأساسي في الانحسار الذي حدث هذه المرة. فقد ضرب تسونامي الشاطئ الشمالي لليابان، وترتب عليه أن تراجع إنتاج الكثير من الشركات الكبرى أو توقف تماما. تأثير الكوارث الطبيعية على اليابان لم يقتصر على ضرب شواطئها وإنما أيضا تعرضت شواطئ تايلاند لفيضانات هائلة، وهو ما أدى إلى آثار انتشارية سالبة على الاقتصاد الياباني حيث تعد تايلاند أحد كبار الموردين لليابان كما يوجد العديد من مراكز الإنتاج للشركات اليابانية هناك. ذلك أن سلسلة العرض للاقتصاد الياباني Supply Chain لا تقتصر فقط على الإمدادات من المصانع اليابانية، وإنما تتسع سلسلة العرض للاقتصادي الياباني يوما بعد يوم لتشمل المصانع اليابانية التي تملكها الشركات الوطنية في الخارج، ولقد أدت الفيضانات إلى اضطراب سلسلة العرض بصورة واضحة، مما أدى إلى التأثير سلبا على إنتاج المصنعين الكبار في اليابان.
لسوء الحظ الخيارات المتاحة أمام صانع السياسة الاقتصادية الياباني للتعامل مع هذه المشكلة تعد محدودة للغاية حاليا لتشجيع الطلب المحلي، بصفة خاصة لم يعد من الممكن تحقيق نتائج ذات تأثير جوهري من استخدام أدوات السياسة النقدية لأن معدلات الفائدة أصلا عند مستويات صفرية، كما أن عرض النقود عند مستويات تاريخية، خصوصا وأن بنك اليابان المركزي أعلن في أعقاب الإفراج عن النتائج عن نيته شرا سندات دين حكومية بعشرة تريليون ين بهدف الضغط على التضخم نحو الارتفاع، حيث يستهدف البنك المركزي الياباني معدل تضخم 1%. كما أن احتياطيات اليابان أجهدت إلى حد كبير في عمليات التدخل في سوق النقد الأجنبي لوقف ارتفاع الين أمام الدولار مسبقا.
لم يعد أمام صانع السياسة سوى الانتظار حتى تتحسن أوضاع الاقتصاد العالمي ويعود الطلب على الصادرات اليابانية عند مستوياته السابقة. ربما العامل الوحيد الذي يمكن أن يؤدي إلى آثار موجبة على النمو في الفترة القادمة هو بدء عمليات إعادة البناء لما دمرته موجات السونامي التي اجتاحت اليابان العام الماضي، أي أن أي نمو متوقع في العام الحالي في اليابان لن يكون ناشئا عن الطلب الخارجي، وإنما نتيجة لجهود إعادة الإعمار التي ستبدأها اليابان.
والآن هل سيعود النمو إلى مستوياته في اليابان؟ الإجابة للأسف الشديد لا، فأخذا في الاعتبار أن الاقتصاد الياباني من اكثر اقتصادات العالم انفتاحا على العالم الخارجي، حيث تلعب الصادرات دورا هاما في مستويات النشاط الاقتصادي، فإن الأمر سوف يحتاج إلى بعض الوقت حتى تستعيد القوى الاقتصادية الرئيسة في العالم عافيتها وتخرج من حالة الكساد التي تمر بها حاليا، وهي مسألة من الواضح أنها سوف تستغرق وقتا، خلالها سوف تستمر أوجاع الاقتصاد الياباني.

الاثنين، فبراير 20، 2012

للمرة.... هل يمكن العودة الى نظام الذهب


جاءني هذا السؤال من الأخ بكر نفاع  عن العودة إلى نظام المعدني: الذهب والفضة. يقول السائل :
كيف يمكن التحول من النظام النقدي السائد الآن إلى نظام المعدنين, الذهب والفضة؟ ارجوا اطلاعي على جميع متعلقات هذا الأمر حتى وان كان رايك ان هذا الأمر ضرب من الخيال نظرا لقلة الذهب وعدم كفايته لسد حاجات الاقتصاد الضخمة.
إجابتي على السؤال هي الآتي:
  • عودة العالم إلى نظام المعدنين الذهب والفضة تقتضي تواجد المعدنين بشكل ما في النظام النقدي العالمي، إما بصورة مادية، أي نقوم باستخدام نقود من الذهب والفضة أو بصورة غير مباشرة من خلال استخدام نقود مغطاة بهما. على أي حال الأمر يقتضي ضرورة توافر كميات كافية من الذهب والفضة لاستخدام العالم لهما في عمليات الإصدار أو تغطية الإصدار، وفق علاقة محددة بين رصيد الدول من الذهب والفضة وكميات النقود المصدرة حتى يتحقق الهدف الأساسي من نظام المعدنين وهو استقرار قيم العملات
  • الآن لو عقدنا مقارنة بسيطة بين كميات الذهب والفضة الموجودة فوق سطح الأرض وفي باطنة وبين الكميات التي تحتاج دول العالم لكي تصدرها من النقود سوف نجد أن ما يحتويه العالم منهما هو بمثابة نقطة في بحر النقود المصدرة في العالم، إذن العائق الأساسي في المقترح هو أننا لن نجد كميات كافية من المعدنين نستخدمهما في عمليات الإصدار
  • العائق الثاني هو أن الدول في حاجة إلى عمليات إصدار بشكل دوري للنقود لأن النمو الاقتصادي لا يمكن أن يتم بدون مجاراته بالإصدار المناسب من النقود، على سبيل المثال لو زاد الناتج في دولة ما بنسبة 5%، فإن كمية النقود لا بد وأن تتزايد لكي نستخدمها في تمويل المبادلات التي ستتم على هذه الزيادة في الناتج، وإلا سوف يتراجع النمو بسبب قصور عرض النقود وانخفاض مستوى المبادلات
  • إن معدلات النمو في الناتج على المستوى الدولي تتجاوز بشكل كبير معدلات نمو الكميات المنتجة من المعدنين لكي يتم استخدامهما في تغطية عمليات الإصدار الجديدة للنقود لتتماشى مع النمو الحادث في الناتج
  • إن استخدام المعدنين في تغطية الإصدار سوف يترتب عليها طلب هائل على المعدنين على المستوى الدولي وهو ما سيدفع بأسعار المعدنين إلى عنان السماء الأمر الذي سيدمر القوة الشرائية للنقود ويتناقض مع الهدف الأساسي من استخدام الذهب والفضة في عمليات الإصدار لضمان استقرار قيمة النقود
  • أن نظام المعدنين نفسه لا يخلو من الكثير من المشاكل التي واجهها العالم أثناء استخدامهما في عمليات الإصدار، بصفة خاصة أن العلاقة بين أسعار المعدنين ليست ثابتة وهو ما يعني أن احد أشكال النقود سوف يكون افضل من الآخر ويتحقق ما يطلق عليه بقانون جريشام (النقود الرديئة تطرد النقود الجيدة من التداول) حيث تشتد عمليات المضاربة على المعدن الذي تميل أسعاره إلى الارتفاع بالنسبة للآخر
  • أن المعدنين، بصفة خاصة الذهب لم يعد الطلب عليهما اليوم كمعادن يتسم بالاستقرار المعهود والمفترض للأصل الذي سيستخدم في عمليات التغطية، بصفة خاصة فإن الطلب على الذهب لأغراض المضاربة أصبح هو النمط السائد لهذا المعدن في سوق الذهب ويوما عن يوم تتزايد الكميات الموجهة من المعدن لهذا الغرض، ولا يمكن ان يستخدم أصل في عملية التغطية يخضع الطلب عليه لأغراض المضاربة أساسا
  • وأخيرا فإن التقلب المستمر في أسعار المعدنين على المستوى الدولي لا يقدم الأساس المناسب للغطاء الذي سيستخدم لإصدار النقود وتحديد قيمتها، لأن قيمة النقود سوف تتقلب كل ساعة مع تقلبات أسعار الذهب والفضة وهو ما لا يوفر الاستقرار المناسب الذي تسعى اليه النظم النقدية في العالم

الجمعة، فبراير 17، 2012

اتجاهات النمو في الاقتصاد السعودي: شيخوخة السكان


نشر في صحيفة الاقتصادية بتاريخ الجمعة 17/2/2012

انتهينا في الأسبوع الماضي من أن التحول الديموغرافي في المملكة سيقود إلى انتشار ظاهرة شيخوخة السكان Population aging في المملكة. شيخوخة السكان هي ظاهرة عالمية تجتاح العالم أجمع، وهي ظاهرة غير مسبوقة في التاريخ الإنساني، وتعاني منها المجتمعات السكانية المتقدمة بصفة أساسية، وبدرجة أقل الدول النامية، غير أن هناك اتفاق على أن جميع دول العالم سوف تعاني من هذه الظاهرة على نحو كبير في المستقبل. تنشأ شيخوخة السكان نتيجة ميل متوسط أعمار السكان نحو الارتفاع من ناحية، وتراجع معدلات المواليد من ناحية أخرى، ولظاهرة شيخوخة السكان العديد من الآثار الإيجابية والسلبية على المستوى الكلي، غير أن آثار الظاهرة السلبية متعددة خصوصا على المدى الطويل.


بالنسبة للمملكة، ترتب على النمو الذي حققته خلال الخمسة عقود الماضية تحسن كبير في توقع العمر عند الولادة للفرد (عدد السنوات المتوقع أن يعيشها الفرد في المتوسط عند ولادته)، وذلك نتيجة لتحسن الخدمات الصحية وانتشار التعليم وغيرها من الخدمات التي ترفع من مستويات الرفاه للأفراد وارتفاع مستويات المعيشة. وفقا للجدول رقم (1) كان من المتوقع في عام 1950 أن يبقى المولود في المملكة 40.5 عاما فقط على قيد الحياة عند ولادته، بصفة خاصة كان من المتوقع ان يبقى المولود الذكر على قيد الحياة في المتوسط لفترة 38.9 عاما فقط، بينما كان يتوقع للمولودة الأنثى أن تعيش في المتوسط 42.2 عاما فقط، وهي مستويات متدنية جدا كانت تتماشى مع تلك المستويات السائدة في المجتمعات التقليدية في ذلك الوقت، وإذا ما قارنا تلك المستويات بمتوسط توقع العمر في دول مثل المملكة المتحدة (69.3 عاما) والولايات المتحدة (68.9 عاما)، يتضح لنا مدى تدني المتوسط المتوقع لعمر الفرد في المملكة في ذلك الوقت.

ترتب على جهود التنمية في المملكة اتجاه متوسط توقع العمر عند الولادة إلى التحسن بصورة جوهرية، خصوصا خلال عقدي الثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي، فبحلول عام 2000، كان من المتوقع للفرد في المملكة أن يبقى على قيد الحياة في المتوسط حوالي 72 عاما، وهو تطور كبير جدا في اتجاهات توقع الحياة في المملكة، ووفقا لتنبؤات الأمم المتحدة، ينتظر أن يرتفع متوسط توقع العمر للفرد إلى حوالي 76 عاما في عام 2025 وإلى 79.3 عاما في 2050، وهو ما يخفض من الفجوة في توقع العمر بين المملكة والدول المتقدمة في العالم بصورة جوهرية. 

هذا التطور الإيجابي يترتب عليه تطورات تعكس الجانب السلبي للنمو السكاني وارتفاع متوسط العمر للسكان وهو زيادة أعداد الشيوخ من كبار السن بصورة كبيرة جدا، فوفقا للجدول رقم (2)، كان هناك 175 ألف شخص في المملكة فقط تبلغ أعمارهم 60 عاما فأكثر في عام 1950، ومع ذلك فقد كانوا يمثلون 5.6% من السكان في ذلك الوقت، منهم ستة آلاف شخص فقط أعمارهم 80 عاما فأكثر يمثلون 0.2% فقط من إجمالي السكان في المملكة في ذلك الوقت، مع تحسن مستويات المعيشة ارتفعت أعمار السكان وتزايدت بالتالي أعداد السكان من الشيوخ بصورة كبيرة، ففي عام 2010 يقدر أعداد الشيوخ من السكان الذين يتجاوز عمرهم الستين عاما 1.2 مليون نسمة، يمثلون حوالي 4.5% من إجمالي السكان في المملكة، منهم 162 ألفا تزيد أعمارهم عن الثمانين عاما ويمثلون 0.4% من السكان.

لاحظ من الجدول رقم (2) ميل نسب السكان في سن 60 سنة فأكثر إلى التراجع بصورة واضحة منذ بداية السبعينيات، حتى بلغت أدنى مستوياتها في نهاية الثمانينيات من القرن الماضي، على الرغم من تزايد أعداد هؤلاء السكان من الناحية المطلقة. إن السبب في هذا التراجع يعود إلى حركة الهجرة إلى المملكة، حيث أنه من المعلوم ان السكان الوافدين إلى المملكة غالبا ما يكونون من صغار السن، ومن ثم فإن تراجع هذه النسب يعكس موجات الهجرة الواسعة إلى المملكة خلال تلك الفترة، وهو ما يعني ان انخفاض نسبة الشيوخ لا يعني تراجعا لنسبة السكان المواطنين في هذه الفئات العمرية، بقدر ما يعكس التطورات الحادثة في تركيبة السكان في تلك الفترة.

التطور الخطير في الموضوع هو أنه في المستقبل القريب سوف تتجاوز أعداد السكان من الشيوخ أعداد السكان من صغار السن لأول مرة في المملكة. ففي عام 2010 كان عدد السكان اقل من 15 سنة 8.3 مليونا، يمثلون 30% من السكان، مقابل 1.2 مليون نسمة فقط من الشيوخ يمثلون 4.5% من السكان في المملكة. في عام 2050 يتوقع أن تصل أعداد الشيوخ في سن 60 عاما فأكثر إلى حوالي 10 مليون شخص، يمثلون حوالي 22% من السكان وهي نسبة مرتفعة جدا، بينما يتوقع ان تكون أعداد صغار السن من السكان (15 سنة فأقل) حوالي 7.7 مليون نسمة يمثلون 17.1% من السكان فقط، أي أن عدد الشيوخ سوف يتجاوز أعداد صغار السن في المملكة، وهي ظاهرة خطيرة جدا.

إن هذه التطورات تمثل تحديا جوهريا للمملكة في المستقبل، فكيف ستتعامل المملكة مع 10 مليون سعودي من كبار السن في ذلك الوقت، كيف ستتمكن من استيعاب ورعاية هذه الأعداد الضخمة من السكان الذين هم في أغلب الأحوال لا يمارسون عملا وليس لهم (من الناحية الاقتصادية) قيمة مضافة في الناتج بشكل عام. إن هذه الاتجاهات تدق جرس الإنذار حول اتجاهات النمو المستقبلي في السكان والتي يجب أن تكون مأخوذة بعين الاعتبار لدى المخطط السعودي لمستقبل النمو في المملكة، حيث من المتوقع تزايد الضغوط على التأمين الاجتماعي بصورة كبيرة نظرا لاستمرار السكان على قيد الحياة لفترة أطول، وهو ما قد يترتب عليه حدوث عجز اكتواري ضخم في صناديق التقاعد نظرا لاستمرار المحالين إلى التقاعد في تقاضي معاشاتهم لفترات أطول. كذلك من المتوقع ان يتزايد الطلب على الخدمات الصحية المقدمة للكبار ودور العجزة وغيرها من أشكال الخدمات الموجهة أساسا نحو هذه الفئة في المجتمع، وهي تكلفة ثبت أنها مكلفة جدا في دول العالم المتقدم.

تحديات النمو السكاني في المملكة لا تقتصر فقط على ظاهرة شيخوخة السكان، وإنما تمتد وبشكل أخطر إلى تحديات البطالة التي يمكن أن تنجم عن تزايد أعداد الداخلين الجدد الى سوق العمل سنويا، وهذا هو موضوع مقالنا القادم إن أحيانا الله سبحانه وتعالى.

الثلاثاء، فبراير 14، 2012

هل يجب فرض ضريبة على المعاملات في البورصة؟ 2


نشر في صحيفة الاقتصادية بتاريخ الثلاثاء 14/2/2012

تناولنا في الجزء الأول من هذا المقال المزايا التي يتوقع أن تعود على الدول التي تفرض ضريبة على المعاملات المالية، وانتهينا إلى أن أي محاولة لإدخال مثل هذه الضريبة سوف تواجه هجوما حادا من المؤسسات المالية والمتعاملين في سوق المال بحجة أن هذه الضريبة تؤدي إلى ارتفاع التكاليف الخاصة بإجراء المعاملات المالية، ومن ثم سوف يكون لها تأثير سلبي على حجم المعاملات والاستثمارات المالية، في السوق. بل لقد بلغ الأمر بوزير المالية البريطاني "أوزبورن" في اطار هجومه على الضريبة إلى القول بأن فرض مثل هذه الضريبة سوف يكون له آثارا سلبية على معدل النمو في الاقتصاد الأوروبي وكذلك ارتفاع معدلات البطالة.
من المفهوم بالطبع الدوافع الأساسية وراء هذا الهجوم من وزير المالية البريطاني من منطلق أن فرض مثل هذه الضريبة قد يؤدي إلى تراجع المزايا التنافسية للسوق المالي في لندن أكبر أسواق المال في العالم، ومن ثم خروج المؤسسات المالية من المملكة المتحدة إلى البقاع الجغرافية المختلفة في العالم التي لا تقوم بفرض مثل هذه الضريبة، أو إلى مراكز الأوفشور حيث لا توجد أية قواعد تقريبا تنظم أعمال السوق.
يؤدي فرض الضريبة أيضا إلى ان ترتفع الضريبة من تكلفة الاقتراض للحكومات، ومن ثم معدلات الفائدة على السندات الحكومية، فعندما تفرض الضريبة على المعاملات في السندات، فإن الأسعار السوقية للسندات لا بدو وأن تتأثر، ومن ثم تجد الحكومات نفسها في موقف لا بد معه من ان تقوم برفع معدلات العائد على السندات لتعويض حملة السندات عن تراجع مستويات العائد نتيجة فرض الضريبة، الأمر الذي يرفع من تكلفة التمويل الذي تحصل عليه الحكومة، فإذا لم تفعل الحكومات ذلك فإن إقبال المستثمرين على السندات سوف يقل وهو ما يقلل من قدرة الحكومة على اقتراض احتياجاتها من التمويل اللازم لسداد عجز ميزانياتها. بل إن البعض يعمم بالقول بأن فرض الضريبة يرفع من تكلفة رؤوس الأموال بشكل عام وهوما يؤثر سلبا على معدلات الاستثمار الخاص. أكثر من ذلك فإن معارضي فرض مثل هذه الضريبة يرون ان تكاليف المعاملات المالية تعلب دورا هاما في ابتكار أدوات مالية جديدة، ومن ثم فإن فرض مثل هذه الضريبة يؤثر سلبا على عمليات الابتكار للأدوات المالية.
المتشككون أيضا في جدوى وفعالية الضريبة يرون أن التطور التقني في الأسواق الخاصة للمعلومات والاتصالات أصبح يمكن المتعاملين من الالتفاف على أي ضريبة أو تشريع ضريبي،. ذلك أن التجارب السابقة تشير إلى انه مع كل محاولة للتدخل الحكومي في الأسواق فإن المؤسسات غالبا ما تحاول أن تتفادى أعباء هذا التدخل بالطبع التهرب من الضريبة يعتمد على ما اذا كان الجمهور مقتنعا بأن الضريبة عادية وضرورية لأداء الأسواق على نحو جيد، وإلا ستبدأ عمليات التهرب الضريبي. أكثر من ذلك يرى المتشككون أن  التدخل الحكومي يؤدي إلى تشوهات في الأسواق وهو ما يتسبب في عدم الكفاءة في الأسواق الأمر الذي يعقد الأوضاع على نحو أسوأ.
من ناحية أخرى فإن الأسواق يمكنها من ان تنقل  عبء الضرائب من المنتجات التي تفرض عليها الضرائب إلى تلك التي لا تفرض عليها، كما أن هناك خشية بأن يترتب على فرض الضريبة تحويل هذه الضريبة بحيث يكون الدافع النهائي لها ليس المؤسسات المالية وإنما الأطراف الأضعف، مثل المتقاعدين، أو اللجوء إلى عمليات إحلال الأدوات المالية من خلال استخدام المشتقات المصممة بمهارة لتجنب الضريبة، على سبيل المثال عندما تفرض الضريبة على المعاملات بالعملات الأجنبية فإن المشتقات المصممة بعناية يمكنها تجنب استخدام العملات الأجنبية تماما لتبدو العملية كأنها عملية بالعملات المحلية، ومن ثم تجنب الضريبة، بالطبع لا يمكن فرض الضريبة على كافة أشكال المشتقات بصورة كفئة، خصوصا وأن عملية تتبع كافة المعاملات المالية التي تهدف إلى تجنب الضريبة غالبا ما تكون عملية صعبة ومكلفة.
أما أهم المشكلات المصاحبة لفرض مثل هذه الضريبة فهي الحاجة إلى التوصل إلى نوع من الاتفاق العالمي حول حتمية فرض الضريبة في معظم دول العالم أو على الأقل الأكثر أهمية منها، حتى يمكن تطبيق الضريبة بصورة فعالة، وذلك لتلافي خطر نقل المؤسسات المالية لمعاملاتها إلى أسواق خارج حدود تلك الأسواق لتجنب التعرض للضريبة. أما اذا طبقت الضريبة في جميع الأسواق فإن تلك المؤسسات لن تجد أسواق خارجية لتنقل أعمالها اليها، وقد أثبتت التجربة صعوبة الحصول على موافقة عدد كاف من الدول الموقعة على اتفاقية بهذا الشأن، ولعل التجربة الأوروبية الحالية خير مثال على ذلك، حيث تلاقي الضريبة على المعاملات المالية معارضة كبيرة من دول المنطقة.
جانب من الاختلاف حول تطبيق الضريبة بين الدول هو كيفية تقسيم الضريبة فيما بينها، فمن الممكن ان تكون بعض المعاملات المالية متركزة في سوق محدد، مثل هذا السوق سوف يكون له ميزة تنافسية مقارنة بباقي الأسواق في حال احتفاظ كل سوق بالضريبة حسب حجم المعاملات التي تتم فيه، بينما قد لا يعاني من أي ميزة نسبية في حالة الاشتراك في توزيع الضريبة على جميع الأسواق. 
كذلك يرى المتشككين في جدوى فرض مثل هذه الضريبة ان هذه الضريبة سوف تكون غير فعالة في الحد من المضاربة في البورصة ذلك أن مرونة الطلب على المعاملات المالية تعد منخفضة بشكل عام، وانخفاض مرونة الضريبة يقلل من كفاءتها في تخفيض تنقلات رؤوس الأموال، ومن ثم فليس من المتوقع ان يترتب على فرض الضريبة ورفع تكلفة المعاملات تخفيض الطلب على الأصول المالية في البورصة. 

غير أنه في مقابل كل ما أثير أعلاه فإن المستثمر المالي يمارس أنواعا من الاستثمار السهل للغاية ويحصل على ربح وفير جدا (في حالة تحققه) بدون أي عناء تقريبا، بل إنه وعن طريق المشتقات المالية يمكن للمستثمر المالي أن يؤمن فرص حصوله على هذا الربح من خلال عقود الخيارات والتأمين على الاستثمار، وأن ترك البورصات بدون ضريبة على المعاملات قد أدى إلى ارتفاع المدخرات المحققة على المستوى العالمي اليوم إلى مستويات كبيرة بسبب الأرباح الهائلة التي يتم تحقيقها سنويا على مثل هذا النوع من الاستثمار، وفي رأيي أنه ليس من العدالة ان تفرض الضريبة على معظم عمليات انتتاج السلع وتقديم الخدمات وكافة أشكال التصرف في الثروة دون أن يمتد ذلك إلى المعاملات في البورصة.

الجمعة، فبراير 10، 2012

اتجاهات النمو في الاقتصاد السعودي: التحول الديموغرافي


نشر في صحيفة الاقتصادية بتاريخ الجمعة 10/2/2012

استعرضنا في المقالات السابقة اتجاهات النمو في الناتج المحلي الإجمالي، ولاحظنا أن الأربعة عقود الماضية قد شهدت تطورا واضحا في معدلات النمو الذي تحقق في المملكة، والذي انعكس بالتبعية على مستويات التعليم والصحة ومعدلات الاستهلاك وأنماط المعيشة ومن ثم مستويات الرفاه. هذه التطورات في مستويات المعيشة انعكست، مثلما يحدث في باقي المجتمعات السكانية في العالم، على المتغيرات الديموغرافية وهيكل السكان في المملكة، حيث تعيش المملكة حاليا تحولا ديموجرافيا واضحا نتيجة لهذه التطورات.
من المعلوم أنه ما إن تبدأ عملية التحديث في مجتمع ما، حتى يبدأ التحول الديموغرافي Demographic Transition فيه، والتحول الديموغرافي هو الحالة التي يتحول فيها المجتمع من مجتمع ترتفع فيه معدلات المواليد والوفيات وبالتالي انخفاض معدلات النمو السكاني، إلى مجتمع تنخفض فيه معدلات المواليد وأيضا الوفيات، ومن ثم انخفاض معدلات النمو السكاني أيضا، ولكن على نحو مختلف. غير أن لهذا التحول الديموغرافي عدة أوجه، ويختلف سلوك معدلات الوفيات والمواليد عبر أوجه التحول الديموغرافي، ففي الوجه الأول لعملية التحول تكون معدلات المواليد مرتفعة جدا، وكذلك معدلات الوفيات مرتفعة أيضا، مما يعني أن معدلات النمو السكاني تكون منخفضة في البداية، وهذه هي السمة المشتركة للمجتمعات التقليدية.
غير أن التحسن في مستويات المعيشة تكون أهم مظاهره الاهتمام بالخدمات الصحية وارتفاع مستويات الرفاه للسكان وتحسن مستويات التغذية والبعد عن العادات الصحية السيئة.. الخ، فتنخفض نتيجة لذلك معدلات الوفيات بصورة جوهرية، بينما تستمر معدلات المواليد عند مستويات مرتفعة، لأن استجابة معدلات المواليد لعمليات التحديث تأخذ وقتا أطول، وهو ما يعني أنه في الوجه الثاني لعملية التحول الديموغرافي تبدأ معدلات النمو السكاني في الارتفاع بصورة واضحة، وتأخذ أعداد السكان في التزايد على نحو كبير. ثم تأخذ معدلات المواليد في الاستجابة للتغيرات التي تحدث في معدل الوفيات، وتغير قيم السكان حول مفهوم الأسرة والحجم الأمثل لها.. الخ في الوجه الثالث لعملية التحول، ومن ثم  تأخذ معدلات المواليد في الانخفاض مع استمرار معدلات الوفيات في الانخفاض. أما الوجه الأخير لعملية التحول الديموغرافي فيشهد انخفاض معدلات المواليد بصورة جوهرية وتعود معدلات النمو السكاني للانخفاض مرة أخرى بفعل تراجع انخفاض معدلات المواليد والوفيات.
لم يسلم المجتمع السعودي من هذا التحول بعد جهود التحديث التي مر بها خلال النصف قرن الماضي، لقد كانت معدلات المواليد الخام (عدد المواليد لكل ألف من السكان في السنة) مرتفعة للغاية في المملكة في بداية الخمسينيات. فوفقا للجدول رقم (1)، كان يولد حوالي 48 طفلا لكل ألف من السكان في السنة، بينما كانت معدلات الوفيات الخام (عدد الوفيات لكل ألف من السكان سنويا) مرتفعة جدا أيضا، حيث كان يموت سنويا حوالي 24 نسمة من كل ألف من السكان، هذا الارتفاع في كل من معدلات المواليد والوفيات الخام ترتب عليه نموا سكانيا في حدود 24 نسمة لكل ألف من السكان.  
مع تطور المجتمع السعودي وتطور الخدمات الصحية وانتشارها وتحسن مستويات المعيشة بانعكاس الوقورات النفطية على دخول ومستويات معيشة السكان، أخذت معدلات الوفيات في التراجع بصورة سريعة، بصفة خاصة في السبعينيات حيث انخفضت معدلات الوفيات الخام في النصف الثاني منها إلى 10 حالات وفاة لكل ألف من السكان، في الوقت الذي استمرت فيه معدلات المواليد مرتفعة، ولذلك أخذت معدلات النمو السكاني في التزايد كما هو واضح من الجدول إلى حوالي 35 نسمة لكل ألف من السكان، وهو معدل نمو سكاني مرتفع للغاية.
ربما يبدو التحسن في معدلات الوفيات بصورة أوضح عندما ننظر إلى معدلات الوفيات الخام بين الأطفال، وهو المعدل الذي يقيس عدد الوفيات من الأطفال الذي يقل عمرهم عن عام لكل ألف من السكان، ففي النصف الأول من الخمسينيات كان يموت 204 طفل ذكر و221 أنثى لكل ألف من السكان قبل أن يكملوا عامهم الأول، وهي من أعلى المعدلات المسجلة عالميا، غير أن أداء المملكة في تحسين معدلات الوفيات للأطفال كان مبهرا، فبحلول عام 2010 كان متوسط عدد الأطفال الذين يموتون قبل أن يكملوا عامهم الأول، 17.3 من الجنسين لكل ألف من السكان، وتتوقع الأمم المتحدة أن يتراجع هذا الرقم إلى مستوى متوسط حوالي 8 أطفال بحلول عام 2050، وهو تطور مثير جدا.
الأمر المثير للاهتمام أيضا هو تراجع معدلات المواليد في المملكة بصورة مستمرة منذ الخمسينيات في القرن الماضي حتى اليوم، ففي المتوسط تراجعت معدلات المواليد الخام خلال الثلاثين عاما الأخيرة إلى النصف تقريبا، ويقدر معدل المواليد الخام حاليا بحوالي 22 لكل ألف من السكان لعموم السكان في المملكة، أما معدلات المواليد الخام بين السعوديين فتبلغ حاليا حوالي 27 طفل لكل ألف من السكان. وعلى الرغم من أن المملكة ليست من الدول التي لا تتبنى سياسات سكانية تقضي بتحديد النسل، فإن هذه التطورات في معدل المواليد تتماشى مع وجهة النظر القائلة بأن التنمية هي أفضل محدد للنسل.
ومع ذلك فإنه وبالمقاييس الدولية، تعد هذه المعدلات للنمو السكاني مرتفعة جدا، وليس من المستغرب أن نجد أعداد السكان من المواطنين يتزايدون بصورة واضحة، حيث يقدر عدد المواطنين حاليا بحوالي 19 مليون نسمة، مقارنة بحوالي 6 مليون نسمة فقط في النصف الأول من السبعينيات. هذا النمو السكاني السريع ناجم أساسا عن عدم التوازن بين أنماط انخفاض معدلات المواليد ومعدلات الوفيات في المملكة، حيث مازال انخفاض معدلات الوفيات أكبر من انخفاض معدلات المواليد الأمر الذي يدفع بالنمو السكاني نحو الزيادة.
هذا النمو السكاني الكبير يترتب عليها مشكلتان في غاية الاهمية، الأولى أنه إذا لم يصاحب هذا النمو السكاني نمو مماثل في معدلات فتح وظائف جديدة فإن البطالة تتحول الى مشكلة حقيقية في المجتمع، والثانية هي أنه مع تزايد أعداد السكان وتحسن مستويات المعيشة تنتشر ظاهرة شيخوخة السكان في المملكة، وهو موضوع مقال الأسبوع القادم إن أحيانا الله سبحانه وتعالى.

الثلاثاء، فبراير 07، 2012

هل يجب فرض ضريبة على المعاملات في البورصة؟

نشر في صحيفة الاقتصادية بتاريخ الثلاثاء 7/2/2012


بعد انتهاء اتفاقية بريتون وودز في أوائل السبعينيات من القرن الماضي اقترح عالم الاقتصاد الشهير جيمس توبن J. Tobin والحاصل على جائزة نوبل في الاقتصاد، فرض ضريبة على صفقات العملات في السوق الحاضر. فقد كانت هناك مخاوف من أن يؤدي انتهاء العمل بالاتفاقية إلى زيادة مستويات التقلب في معدلات صرف العملات والناتجة عن تبني الدول الرئيسة في الصندوق لنظام التعويم بدلا من نظام معدلات الصرف الثابت التي كان معمولا بها وفقا للاتفاقية.

الصورة الأساسية لضريبة توبن هي فرض ضريبة بنسبة 1% على تحركات رؤوس الأموال الساخنة لاستهداف الأطراف المشتركة في هذه المعاملات الضارة بالسوق، مع إعفاء تدفقات رؤوس الأموال التي تتم  لأغراض الاستثمار طويل الأجل، وقد كان الهدف من الضريبة في الأساس هو تقليل تقلبات أسواق النقد الأجنبي وتمكين الدول من تحقيق درجة أكبر من الاستقرار في سياساتها الوطنية، ولذلك وصف توبن ضريبته بأنها بمثابة عملية "إلقاء الرمال على عجلات المضاربين".

يكمن السبب الأساسي لمقترح توبن بفرض الضريبة على المعاملات المالية هو أن تحركات رؤوس الأموال قصيرة الأجل هي السبب الأساسي في حالات عدم الاستقرار في أسواق النقد الأجنبي، وأن مثل هذه التحركات تتم أساسا بواسطة المضاربين، بينما تحركات رؤوس الأموال طويلة الأجل تتم أساسا لأغراض الاستثمار المنتج، لذلك تستهدف الضريبة تحويل المضاربين نحو هذا النوع الثاني من الاستثمارات، من خلال جعل عملية إحلال الأصول نحو الاستثمارات المنتجة طويلة الأجل أكثر جاذبية للمستثمرين.

يقول الاقتصادي الشهير جون ماينارد كينز "إن المضاربة يمكن أن تهيمن على النشاط الاقتصادي المنتج كلما اتسعت أسواق الاستثمار في الاقتصاد"، كما نبه كينز إلى أن الموقف يصبح أكثر خطورة عندما تصبح الأنشطة الاعتيادية للشركات أقل أهمية مقارنة بأنشطة المضاربة، وهذا هو بالضبط ما يسيطر على كثير من أعمال المؤسسات المالية في عالم اليوم، حيث أصبحت المضاربة في البورصات أحد الأنشطة الأساسية للجانب الأكبر من هذه المؤسسات. مثل هذا الاتجاه يؤدي أساسا إلى رفع مستوى التقلبات في مؤشرات البورصات بصورة كبيرة ويجعل المعلومات التي تحتويها تلك المؤشرات ذات مغزى أقل.

الضريبة على المعاملات المالية من القضايا الساخنة جدا على الساحة هذه الأيام، حيث تم طرح الموضوع على طاولة النقاش أكثر من مرة في الاتحاد الأوروبي، من منطلق أن كل السلع والخدمات تخضع لفرض الضريبة، فلماذا تستثنى المعاملات المالية منها. النسخة المقترحة حاليا من اللجنة الأوروبية هي فرض ضريبة على المعاملات بين المؤسسات المالية مثل البنوك وشركات الاستثمار وشركات التأمين وصناديق التقاعد وصناديق التحوط وغيرها، وذلك بمعدل 0.1% (واحد من عشرة في المئة) على التجارة في الأسهم والسندات، و 0.01% (واحد من مئة في المئة) على المشتقات، وهي معدلات ضئيلة جدا كما هو واضح، غير أن المقترح لم ير النور حتى اليوم، ومنذ عدة أيام اعلن الرئيس ساركوزي أنه سوف يبدأ بتطبيق ضريبة المعاملات المالية، حتى يشجع ذلك باقي دول أوروبا في أن تحذو حذو فرنسا.

لضريبة توبن على المعاملات المالية عدة مزايا أهمها

·         أنها تؤدي إلى تخفيض ربحية عمليات المضاربة في البورصات بصورة واضحة، إذ أنه على الرغم من انخفاض معدل هذه الضريبة، إلا أن ارتفاع معدل تكرار عمليات المضاربة في البورصة سوف يضمن ارتفاع معدل الضريبة على هذه الأرباح بصورة واضحة، وبما أنها لا تفرض على المعاملات الاستثمارية العادية فإن تلك الأخيرة لن تتأثر مما يكفل توجيه الأموال نحو مجالات الاستثمار المنتج، وهو الهدف الأساسي من إنشاء البورصات باعتبارها وسيط لنقل المدخرات ممن لا يملكون فرصا استثمارية ولديهم فائض في المدخرات إلى المبادرين الذين لديهم أفكار استثمارية أو إلى شركات الإنتاج التي تواجه نقصا في المدخرات، بدلا من أن تتحول البورصات إلى شبه صالات للقمار، مثلما هو الوضع حاليا في معظم أسواق الأسهم في العالم.

·         أنها تؤدي إلى خفض تقلبات مؤشرات  البورصات، نتيجة خفض عمليات المضاربات في الأصول المالية في الأجل القصير.

·         أنها تجعل اتجاهات البورصة تعكس الصورة الاقتصادية الحقيقية للشركات المدرجة وأوضاع الربحية وجودة الأصول بها .. إلى آخر هذه القائمة من المتغيرات التي يفترض أنها تحدد اتجاهات أسعار الأصول المالية من الناحية الحقيقية في ظل غياب الحوافز نحو المضاربة.

·         أن هذه الضريبة تتسم بغزارة الحصيلة مما يساعد على مواجهة عجز الميزانيات العامة للدول، من خلال زيادة إيرادات الدولة، على سبيل المثال فإن الضريبة المقترحة من جانب اللجنة الأوروبية، على ضآلتها، يتوقع أن تؤدي إلى تحقيق إيرادات تقدر بـ 57 مليار يورو (حوالي 75 مليار دولارا) سنويا.

·         أنها تعطي السلطات النقدية استقلالية أكبر في تحديد معدلات الفائدة وفقا للمستهدفات التي يراها البنك المركزي، وليس وفقا لضغوط المضاربة.

·         أنها تمكن صانع السياسة الاقتصادية من السيطرة بصورة أكبر على الأزمات المالية نظرا للسيطرة المفترضة على تدفقات رؤوس الأموال مع فرض الضريبة، حيث ستؤدي الضريبة إلى الحد من التدفقات الحادة لرؤوس الأموال بين البورصات المختلفة في الدول التي تسمح بهذه التدفقات.

·         إجبار المؤسسات المالية على المشاركة في تحمل أعباء عمليات إنقاذ الأسواق المالية نتيجة للأزمات، على سبيل المثال لقد كلفت الأزمة المالية الحالية الاتحاد الأوروبي أكثر من 4.6 تريليون يورو (حوالي 6 تريليون دولارا)، وأن الوقت قد حان لكي تساهم المؤسسات المالية بجزء من هذه التكلفة الضخمة في صورة الضريبة المقترحة.

·         أن عملية فرض وتحصيل مثل هذه الضريبة سوف تكون مسألة سهلة حيث يصعب التهرب منها لسهولة حصرها، باعتبار أن العقود المنفذة للمعاملات المالية تسجل في أسواق المال والمؤسسات المالية، وهذه يسهل فرض الرقابة اللصيقة عليها ومتابعتها بشكل جيد.

هذه هي مزايا الضريبة على المعاملات المالية. بالطبع، نظرا لضخامة الأرباح التي تحققها المؤسسات المالية والمضاربين في أسواق المال فمن المتوقع أن مجرد الحديث عن فرض مثل هذه الضريبة سوف يواجه بهجوم حاد من تلك المؤسسات لمحاولة إبراز المضار التي يمكن أن تتحقق على المديين القصير والبعيد من فرض مثل هذه الضريبة وهذا هو محور الجزء الثاني من هذا المقال في الأسبوع القادم بإذنه الله تعالى.