الخميس، مارس ١٢، ٢٠٠٩

الوفرة المالية الثانية: عودة الوفورات النفطية مرة أخرى


منذ بدأت الحرب على العراق، أخذت أسعار النفط في الارتفاع بصورة واضحة، وبلغت مستويات قياسية في العام الماضي، حيث تجاوز سعر البرميل من النفط الخام 147 دولارا. ويوضح الجدول رقم (1) إجمالي الفوائض المالية النفطية التي حققتها دولة الكويت خلال الفترة من 1999-2009. ويقصد بالفائض هنا الفرق بين إجمالي إيرادات الدولة إجمالي نفقاتها، قبل احتساب مخصص صندوق الأجيال القادمة، والذي يعد احد بنود المصروفات، غير انه من وجهة نظري يعد جانبا من الفوائض.

ووفقا للجدول فان الكويت حققت خلال الفترة من السنة المالية 1999/2000 إلى 2009/2010، فوائض بلغت حوالي 40.3 مليار دينار، أي ما يعادل 140 مليار دولار أمريكي، وقد تحقق الجانب الأكبر من هذه الفوائض بصورة أساسية خلال السنوات المالية الأخيرة.

وتعني هذه الأرقام أننا نواجه حاليا ما يمكن أن نطلق عليه "الوفرة الثانية" للأموال النفطية، والتي كان من الممكن أن تمثل، من وجهة نظري" فرصة ذهبية أخرى، وربما تكون الأخيرة، لإعادة ترتيب أوضاعنا لضمان استمرار الكويت كدولة لها كيان مستقل قادر على البقاء على المدى الطويل، وتتمتع في ذات الوقت بمستويات للرفاهية لا تقل عن المستويات الحالية.

غير انه، وللأسف الشديد، بدلا من أن نفكر في أفضل السبل لاستغلال هذا الفائض للدفع في هذا الجانب، فقد شجعت مستويات الفائض الحالي المحقق في الميزانية العامة للدولة على فتح شهية المطالبين برفع مستويات المرتبات، ومنح إعفاءات لفئات متعددة، وتحسين كوادر الكثير من الفئات العاملة بالدولة، أي بنفس الفلسفة "فلسفة الكنز"، وأصبح من الواضح أن الاستجابة لتلك الطلبات لا يلقى عبئا كبيرا على الميزانية العامة للدولة فقط، ولكنه سوف يعني أيضا استدامة هذا العبء في المستقبل، خصوصا في ظل صعوبة عمليات تخفيض مستويات الإنفاق الجاري بسبب جموده، وهي ظاهرة لا تقتصر على دولة الكويت، وإنما أيضا تمتد لكل دول العالم تقريبا. ومما لا شك فيه انه من غير المنطقي، فضلا عن انه يصعب التسليم، بإمكانية إلقاء أعباء دائمة على الميزانية العامة للدولة اعتمادا على فوائض، هي في أفضل أحوالها مؤقتة، خصوصا في ظل الأوضاع الحالية لهيكل الإيرادات العامة للدولة الذي يعتمد بشكل أساسي على الإيرادات النفطية.

وغني عن البيان التنبيه إلى أن التجربة الماضية لأسعار النفط تثبت انه من الممكن حدوث انعكاس، وبشكل سريع، في مستويات أسعار النفط، حيث يتسم سوق النفط الخام بالتقلب الشديد، خاصة وان المستويات المرتفعة لأسعار النفط تجعل الإنتاج من معظم المصادر اقتصاديا، كما أنها بلا شك سوف تعمل على تسارع خطوات الابتكار في مجالات الطاقة البديلة للنفط، وهو أخشى ما نخشاه في المستقبل. وعلى ذلك فإذا سلمنا بأن الوضع الحالي للمالية العامة للدولة يبدو مريحا، إلا انه ليس هناك ما يؤكد استمرار تلك الأوضاع في المستقبل. وتظل، كما سبقت الإشارة، الفوائض الحالية فرصة نادرة للتعامل بصورة أكثر جدية مع التحديات الحيوية التي تواجهنا في المستقبل.

هناك تعليق واحد:

  1. كالعادة:) كلام علمي موزون لكن وكالعادة لاآذان تسمع وترى الخطر القادم!

    شكرا دكتور على الطرح العلمي والمدعم بحقائق

    ردحذف