السبت، سبتمبر 22، 2012

تساؤلات حول خطة التيسير الكمي 3 (2/2)

نشر في صحيفة الاقتصادية بتاريخ الجمعة 21/9/2012
 
تناولنا في الحلقة السابقة من هذا المقال أن الموجة الجديدة للتيسير الكمي التي أطلقها الاحتياطي الفدرالي في الولايات المتحدة غير محددة من حيث التوقيت أو من حيث القيمة التي سيتم بها شراء السندات، وهو ما يعني أنه من المتوقع أن تشهد السنوات القليلة القادمة استمرار السياسات النقدية التوسعية للاحتياطي الفدرالي التي ينتهجها منذ فترة لرفع معدلات النمو وتحفيز مستويات النشاط الاقتصادي وتخفيض ضغوط سوق العمل، ولكن هل يتوقع أن يترتب على اطلاق هذه الموجة الثالثة من التيسير الكمي تحقيق الاحتياطي الفدرالي لمستهدفاته من العملية بصفة خاصة ما يتعلق منها بسوق العمل؟
للإجابة على هذا السؤال لا بد من الإشارة إلى أن الموجتين السابقتين من التيسير الكمي قد صاحبهما تحسن مستويات النشاط الاقتصادي عند إطلاقهما في الولايات المتحدة وذلك وفقا للدراسات التطبيقية التي أجريت حول فعالية هذه السياسة، غير أنه ما إن توقف الاحتياطي الفدرالي عن التوسع النقدي بانتهاء برنامج التيسير الكمي حتى عاد النشاط الاقتصادي مرة أخرى إلى التراجع. معنى ذلك أن ضمان تحقيق مستهدفات الاحتياطي الفدرالي من موجة التيسير الكمي3 سوف يتطلب ضرورة أن  تكون دفعات التوسع النقدي قوية ومستمرة حتى بعد تحسن معدلات النمو واستعادة النشاط الاقتصادي، ولعل هذا هو السبب الذي يقف وراء قرار اللجنة الفدرالية للسوق المفتوح هذه المرة بعدم إيقاف عمليات التيسير الكمي بمجرد تحسن أوضاع سوق العمل مباشرة، وان التيسير الكمي3 سوف يستمر لفترة طويلة حتى بعد استعادة النشاط، مدلول هذا القرار يشير إلى أن الاحتياطي الفدرالي على استعداد على ما يبدو لأن يتحمل قدرا أعلى من التضخم يتجاوز المعدلات المستهدفة وذلك في سبيل رفع معدل التوظف.
بعض المراقبين يرون أن مشكلة سوق العمل الأمريكي أكثر تعقيدا من مجر النظرة المبسطة التي ينظر بها حاليا لكيفية التعامل مع معدل البطالة المرتفع، ذلك أن معدل الفائدة المنخفض ليس هو ما يشغل قطاع الأعمال الخاص حاليا ويمنعهم من اتخاذ القرارات الاستثمارية التي تساعد على رفع معدلات التوظف. من ناحية أخرى فإن هناك عناك عوائق تقف بين الباحثين عن العمل وفرص التوظف المفتوحة في سوق العمل، بصفة خاصة تشير التقارير إلى أن هناك حاليا نوع من عدم التوافق بين الاحتياجات الحالية لسوق العمل الأمريكي وهيكل المهارات المعروضة فيه، فسوق العمل يميل إلى فتح وظائف تتطلب مهارات مرتفعة، بينما المعروض من مهارات لا يتماشى مع ذلك، فبينما يزيد الطلب على الخريجين من كليات الهندسة وعلوم الحاسوب مثلا، فإن هناك أعداد كبيرة من الخريجين من تخصصات الآداب والصحافة .. الخ، ولا شك أن عدم التوافق هذا لن تحله تعديلات معدل الفائدة وزيادة حجم ميزانية الاحتياطي الفدرالي. 
ولكن أليس هناك من مخاطر في أن يترتب على برنامج التيسير الكمي غير المحدد من حيث القيمة آثارا تضخمية؟ للإجابة على هذا السؤال لابد من الإشارة إلى أن موجتي التيسير الكمي السابقتين لم يصاحبهما ارتفاع في معدلات التضخم أو تجاوزها المستويات المستهدفة بواسطة الاحتياطي الفدرالي، إلا أن الوضع يعد مختلفا هذه المرة، حيث تعد مخاطر التضخم حقيقية طالما أن عمليات التيسير الكمي سوف تتم بدون سقف أو مدى زمني محدد. فعلى أرض الواقع أخذت التوقعات التضخمية للأسعار في الولايات المتحدة في التزايد عند أعلى مستوياتها منذ عام 2005، هذا الارتفاع في التوقعات التضخمية هو حصيلة عدة عوامل على رأسها ضعف الدولار، وارتفاع الأصول مثل أسعار الذهب وأسعار الأسهم، وارتفاع أسعار السلع مثل النفط، ولا شك أن جانبا كبيرا من هذه التطورات يعود إلى الإعلان عن خطة التيسير الكمي.
فما إن انتشرت الأخبار عن خطة التيسير الكمي3 حتى اندلعت شرارة أسعار الذهب الذي تتزايد أسعاره منذ فترة على نحو مستمر في انتظار هذه الأخبار، فقد بلغ سعر الذهب وقت كتابة هذا المقال 1770 دولارا للأوقية، كذلك ارتفعت مؤشرات الأسواق في كافة أنحاء العالم، مثل هذا النتائج تعد طبيعية في ظل التوسع النقدي، فسياسة النقود الرخيصة تؤدي إلى تغذية فقاعة أسعار الأصول،  والتيسير الكمي يوفر الشروط المناسبة للتمويل الرخيص الذي يرفع من أسعار الأصول ويوفر الشروط المناسبة للمضاربين في أسعار الأصول.
من ناحية أخرى ارتفعت قيمة اليورو في مقابل الدولار، وهو ما يمكن أن يوفر مزايا إضافية تساعد على تحسين تنافسية الولايات المتحدة، بالطبع هذه التطورات سوف تثير استياء الدول الأخرى بصفة خاصة في أوروبا واليابان والتي تواجه ظروفا صعبة حاليا وتحتاج إلى تحسين تنافسيتها لرفع مستويات نشاطها الاقتصادي. فقد أعلن البنك المركزي الياباني يوم الأربعاء الماضي على نيته للقيام بعمليات تسهيل نقدي لمساعدة الاقتصاد الياباني، وأخذا في الاعتبار القرار الذي اتخذه البنك المركزي الأوروبي بإطلاق برنامج لشراء سندات الدول المدينة بلا قيود، فإن التسهيل النقدي أصبح يمارس اليوم على نطاق عالمي.
ولا شك أن مثل هذه الأوضاع تمثل شروطا مثالية لانطلاق موجات مرتفعة من التوقعات التضخمية، ومعها يرتفع احتمال أن يؤدي استمرار التيسير الكمي بدون أجل محدد أو قيمة محددة إلى أن يفلت التضخم من سيطرة الاحتياطي الفدرالي، فما إن تنطلق التوقعات التضخمية قد تصبح عملية السيطرة عليها صعبة، وليس كما يدعي الاحتياطي الفدرالي، وإذا حدث ذلك سوف يتصاعد قلق الاحتياطي الفدرالي حول معدلات التضخم قبل ذلك بوقت طويل مما قد يدفع اللجنة إلى وقف البرنامج حتى قبل أن يحقق مستهدفاته.
وأخيرا ما هي تعقيدات استمرار عمليات التحفيز النقدي للاقتصاد الأمريكي؟ كما سبقت الإشارة إلى أن عملية الشراء المفتوح يفترض أن تؤدي إلى رفع ثقة قطاع الأعمال والمستهلكين في الاقتصاد الأمريكي من خلال التأكيد على إصرار الاحتياطي الفدرالي على وقف الاتجاه التنازلي للنشاط الاقتصادي الأمريكي، وهو ما يزيد من الاتجاه نحو الاستثمار والاستهلاك، ومن ثم زيادة الطلب الكلي.
غير أن الاستمرار في عمليات التيسير الكمي سوف يترتب عليه ارتفاع حجم ميزانية الاحتياطي الفدرالي على نحو كبير مما يصعب عملية الخروج من استراتيجية التوسع النقدي التي يتبعها الاحتياطي الفدرالي منذ بداية الأزمة. فقد ذكر بن برنانكي رئيس الاحتياطي الفدرالي أكثر من مرة أن لدى الاحتياطي الفدرالي خطة للخروج من الوضع الحالي، ولكن مع تضخم ميزانية الاحتياطي الفدرالي سوف تصبح عملية الخروج واستعادة ميزانية الاحتياطي الفدرالي لمستوياتها قبل الأزمة مسألة صعبة جدا، بصفة خاصة على المدى القصير حيث سيصبح إلغاء هذه التريليونات من الدولارات المصدرة في غضون فترة زمنية قصيرة أمرا صعبا للغاية، فسوف سيتطلب ذلك التخلص من قدر هائل جدا من السندات في غضون فترة زمنية قصيرة، وسوف يترتب على ذلك اهتزاز سوق السندات نظرا للكميات الضخمة التي سيتم التخلص منها في حال رغبة الاحتياطي الفدرالي في الخروج، ويؤدي ذلك إلى تراجع أسعار السندات بصورة كبيرة، ومن ثم ارتفاع معدلات العائد على السندات إلى مستويات حرجة قد تتسبب في آثار معاكسة على النشاط الاقتصادي.
الخلاصة هي أنه أخذا في الاعتبار نتائج الدراسات التي تمت على موجتي التيسير الكمي السابقتين فإن التيسير الكمي3 سوف يساعد الاقتصاد الأمريكي على إحداث تحسن مؤقت في معدلات النمو، ولكن من المؤكد أنه لن يؤدي إلى حل مشكلاته.
 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق