السبت، سبتمبر 01، 2012

مصر تلجأ إلى صندوق النقد الدولي 2

نشر في صحيفة الاقتصادية بتاريخ الجمعة 31/8/2012
 
 
في  الحلقة السابقة من هذا المقال تناولنا طبيعة الظروف التي دعت مصر إلى اللجوء إلى صندوق النقد الدولي كملجأ أخير لمواجهة أزمة سيولة النقد الأجنبي التي يعاني منها الاقتصاد المصري حاليا، وتوقعنا أن يواجه هذه الاتفاق معارضة شديدة من معظم القوى السياسية على الساحة، إلا أن معارضو الاتفاق مع الصندوق ليس لديهم بديل جاهز مصاغ بصورة جيدة يمكن أن يحل أزمة السيولة التي يعاني منها الاقتصاد المصري، بصفة خاصة بالنقد الأجنبي، والذي يمثل عنق زجاجة حاد حاليا في مصر، بعد الجفاف النسبي لمنابع النقد الأجنبي، بصفة خاصة الاستثمار الأجنبي المباشر وتأثر قطاع السياحة بصورة واضحة نتيجة للأوضاع الأمنية التي تعاني منها مصر، وما يطرحونه من خيارات لا تؤتي أثرها سوى على المدى المتوسط والبعيد، بينما الوضع الذي لا يفهمه الكثيرون أن هناك أزمة سيولة حادة وأن الحكومة المصرية لا تجد من يقرضها حاليا، ومن ثم فإن الخيارات المتاحة أمام مصر في الوقت الحالي تعد ضئيلة للغاية، وأخذا في الاعتبار الأوضاع الاقتصادية الخارجية، فإن الاتفاق مع الصندوق، بغض النظر عن قيمة القرض أو شروطه، يمثل خطوة لازمة لمساعدة الاقتصاد المصري على تخطي العقبات التي يواجهها حاليا، خصوصا فيما يتعلق بتهيئة البيئة الاقتصادية الكلية لضمان تدفق النقد الأجنبي من مصادره المختلفة إلى الاقتصاد المصري.
بما أن بعثة الصندوق لم تصل مصر للآن، ولم يتم الإعلان عن خطاب النوايا الذي ستقدمه للصندوق، فإن القيمة النهائية للقرض غير معلومة، كما أن الصورة العامة حول شروط القرض، أو الملامح الأساسية لبرنامج الإصلاح الاقتصادي الذي سيصاحبه غير محددة، وكل ما تم الإعلان عنه حتى الأن هو أنه من المتوقع أن تتم زيارة خبراء الصندوق لمصر في أوائل سبتمبر القادم لبدء المفاوضات حول حزمة السياسات التي ستطبقها مصر بموجب الاتفاق. لكن من المؤكد أن الصندوق سوف يطالب بحزمة سياسات للإصلاح مثل رفع الضرائب على الدخول، بصفة خاصة على الشرائح الدخلية المرتفعة، وزيادة الرسوم على السلع والخدمات العامة، وخفض مستويات الدعم أو ترشيده بصورة أكبر بحيث يذهب أساسا للفئات غير القادرة، وتجميد هيكل الأجور والمعاشات التقاعدية، وربما يدعو الصندوق لخفض قيمة الجنيه للتخفيف من العجز في ميزان المدفوعات، وهي جميعها مطالب غير شعبية، خصوصا في هذه المرحلة الدقيقة، حيث تسعى مصر إلى تعزيز مفاهيم المساواة والعدالة ومحاربة الفقر، وهي مبادئ سوف يكون من الصعب الالتزام بها بصورة كاملة مع تطبيق برنامج الإصلاح الذي يتوقع أن يطالب به الصندوق، وأعتقد أن برنامج الإصلاح الذي سيصاحب القرض سوف يضع الإدارة المصرية الحالية بين مطرقة الصندوق وسندان الشعب، وربما يحدث هجوما شديدا على الإجراءات المقترحة، كونها ستمس الحاجات الأساسية للمواطن الذي تدهورت مستويات معيشته بصورة كبيرة خلال الفترة التي سبقت ثورة يناير، غير أنني أتوقع من الصندوق إبداء قدر اكبر من المرونة عند التعامل مع الحالة المصرية أخذا في الاعتبار طبيعة الظروف الراهنة للاقتصاد المصري.
وأيا كان الوضع أعتقد أن على الحكومة المصرية أن تكون حذرة للغاية فيما يتعلق بحزمة السياسات التي ستقترحها، فليس من مصلحة صانع السياسة في الوقت الحالي إحداث تعديلات جوهرية في سياسات الدعم غير المباشر للسلع والخدمات، أو في رسوم السلع والخدمات العامة الأساسية مثل الماء والكهرباء، أو تجميد الأجور والمعاشات،  أو التفكير في المساس بقيمة الجنيه، فجميع هذه السياسات سوف تلقى مقاومة عنيفة من كافة القوى السياسية، وربما تتسبب في إجهاض البرنامج. في المقابل أرى أن إصلاح النظام الضريبي ورفع كفاءة الجهاز الضريبي والقضاء على الفساد فيه، وتعديل الرسوم التي تخص بعض خدمات قطاع الأعمال، أو المقابل الذي يدفع لاستغلال أملاك الدولة إلى آخر هذه الخيارات المالية المختلفة، يمكن أن يساعد في إحداث نقلة كبيرة في الإيرادات العامة والتي قد تغني الحكومة في الوقت الحالي عن اللجوء إلى خفض الدعم ورفع تكلفة السلع والخدمات العامة. من حيث الإنفاق قد يكون من الضروري في المرحلة الحالية البحث في سبل قصر الدعم على مستحقيه الحقيقيين، بصفة خاصة دعم الوقود والطاقة والذي يمكن أن يوفر مبالغ ضخمة للميزانية العامة للدولة. في المقابل يجب أن تطبق مصر وبكفاءة عالية شبكة للأمان الاجتماعي لحماية الطبقات الفقيرة وضمان عدم تأثرها ببرنامج الإصلاح، وأن تصيغ في ذات الوقت سياسات فعالة لفتح المزيد من الوظائف لمواجهة معدلات البطالة المرتفعة بين الشباب وما يصاحبها من انعكاسات سياسية واجتماعية خطيرة على المجتمع المصري.
من أهم المقترحات التي قدمت للتعامل مع الدعم هو استبدال الدعم بزيادة الأجور للعاملين في الدولة، وهو في رأيي ليس حلا صحيحا، ذلك أن الطبقات الفقيرة من الشعب المصري لا تعمل كلها في الحكومة، كما أن غالبيتها تعمل في القطاع الخاص غير المنظم، الأمر الذي سوف يجعل من الصعب مد زيادات الأجور لهذه الفئات، ولذلك أعتقد أن قضية ترشيد الدعم تحتاج إلى قدر أكبر من الدراسة لصياغة آليات اكثر كفاءة في التعامل مع الحالة المصرية، وحتى يتم ذلك سوف تظل قضية الدعم من أكثر القضايا حرجا في مجتمع فقير مثل المجتمع المصري.
في جميع الأحوال يجب ألا توافق مصر على أي مقترح لخفض قيمة الجنيه، فقد جربت مصر مسبقا مثل هذه السياسات التي لم تحدث الآثار المفترضة لتخفيض قيمة العملة على ميزان المدفوعات، نظرا لغياب شروط نجاح سياسة خفض قيمة العملة على الحالة المصرية، بصفة خاصة ارتفاع مرونة الطلب السعرية للصادرات والواردات. كما أنه ثبت مسبقا أن خفض قيمة الجنيه يؤدي إلى نشوء منحنى J مفلطح بصورة كبيرة، بالشكل الذي يشير إلى بطء استجابة صافي الصادرات لخفض قيمة الجنيه. كذلك تعرضت مصر لموجات تضخمية عنيفة صاحبت أي تراجع يحدث في قيمة الجنيه، وبالطبع فإن أي مقترح للحد من الزيادات في الأجور والمعاشات أو ترشيد الدعم لا يمكن أن ينجح إذا أخذ التضخم في التصاعد على نحو يضر بالفئات ذات الدخول المحدودة.
أحد أهم جوانب عدم الراحة في الظروف الحالية هو غياب البرلمان الذي يجب أن يوافق على حزمة السياسات التي ستطبق بموجب برنامج الإصلاح الاقتصادي والمالي لكي يعطى لهذا البرنامج الشرعية المناسبة، إلا أنه يبدو أن الصندوق على استعداد للتفاوض مع مصر بالرغم من غياب البرلمان. أما أهم التكاليف المباشرة للقرض فهي تكلفة الفوائد على القرض، ولكن هذه القضية قد لا تحتل أهمية كبيرة قياسا بتكلفة القروض التي تتم على أساس معدلات الفائدة السوقية، نظرا لأن الصندوق لا يقرض الدول بمعدلات الفائدة السوقية، أو بمعدلات الفائدة المعدلة بالمخاطرة، وهو المعدل الذي يتوقع أن يكون كبيرا جدا بالنسبة للاقتصاد المصري أخذا في الاعتبار طبيعة التصنيف الحالي للجدارة الائتمانية لمصر والتي هي في مستوى متدن جدا يجعل المقرضين لا يقدمون على إقراض مصر سوى بمعدلات مرتفعة جدا للفائدة، سواء محليا أو دوليا.
إن أهم ما تحتاجه مصر في الوقت الحالي هو تحقيق معدلات مرتفعة للنمو لفتح المزيد من الوظائف للعاطلين بشكل عام وللداخلين الجدد إلى سوق العمل على نحو خاص، حتى يمكنها أن تتعامل مع ارتفاع معدلات البطالة بين الشباب والتي تمثل حاليا القنبلة الموقوتة القادمة في الاقتصاد المصري. ومن ثم فيجب أن تتم صياغة برنامج المساندة على النحو الذي يضمن تدفق أكبر قدر من الاستثمار الأجنبي المباشر ودفع مستويات الاستثمار الكلي في الاقتصاد المصري، مصحوبا بحزمة سياسات مشجعة للاستثمار المباشر، وعلى رأسها جميعا محاربة الفساد، والذي يشكل في الوقت الحالي آفة تنتشر في كافة ربوع مصر على النحو الذي يمكن أن يجهض أي استراتيجيات لدفع النمو القائم على الاستثمار الأجنبي المباشر.
وأخيرا لا بد من التحذير من فشل المفاوضات مع الصندوق، لذا يجب على صانع السياسة بذل اقصى جهد لإنجاح هذه الاتفاق، ذلك أن فشل المفاوضات سوف يرسل إشارات سيئة للغاية في الداخل والخارج، وسوف يؤثر بشكل كبير على قيمة الجنيه المصري وعلى قدرة الاقتصاد المصري على جذب الاستثمارات المباشرة، وهو أهم ما تحتاج إليه مصر في الوقت الحالي، فضلا عن أن تدفق المعونات والمساعدات للاقتصاد المصري سوف يرتبط إلى حد كبر بالاتفاق، فالكثير من قرارات المساعدات الدولية للاقتصاد المصري سوف تستند إلى هذا الاتفاق بشكل أساسي.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق