الخميس، أكتوبر 11، 2012

درس تاريخي رقم 3: قوة القانون والنمو.

بيل جيتس ملياردير أمريكي ينتمي إلى أسرة أمريكية متواضعة المستوى، بدأ نشاطه من الصفر تقريبا في مجال مبرمجات الحاسوب من خلال إنشاء شركة مايكروسوفت. بسبب الابتكارات التي قامت بها مايكروسوفت أصبحت من أضخم الشركات الأمريكية، يعمل بها الكثير من الأمريكيين وتولد دخل سنوي كبير للولايات المتحدة، وهي أحد اللآلئ في التاج الأمريكي باعتبارها رائدة صناعة برامج الحاسوب على مستوى العالم ولم تستطع أي شركة منافسة أخرى أن تنتزع منها هذه المكانة حتى الآن.
لم تمنع كل هذه المزايا التي تقدمها الشركة لدولة مثل الولايات المتحدة من أن تحول مايكروسوفت إلى المحكمة بتهمة إساءة استغلال وضعها كشركة محتكرة من خلال دمج برنامج متصفح "الانترنت إكسبلورر" ضمن برنامج تشغيل الحاسوب ويندوز، فكان أن أدى ذلك إلى التأثير بشكل سلبي على أهم منافسيها في هذا المجال متصفح الإنترنت "نت سكيب"، ولم يجد القاضي أي غضاضة في أن يدين شركة مايكروسوفت ويحكم عليها بغرامة عدة مليارات من الدولارات نتيجة ما قامت به من ممارسات احتكارية تؤثر على مستوى المنافسة في سوق الشركات صاحبة متصفحات الإنترنت.
وضعت الولايات المتحدة شركة مايكروسوفت بعد ذلك تحت المراقبة للتأكد من أنها لا تستخدم قوتها السوقية في فرض تأثيرها الاحتكاري على منافسيها داخل الولايات المتحدة. الولايات المتحدة تفعل ذلك مع شخص مثل بيل جيتس على الرغم مما يمثله هذا الرجل للاقتصاد الأمريكي وللقوة التنافسية له، لتتأكد من أن الفرصة متاحة للجميع للمنافسة ومن أن يكون كل شخص مثل بيل جيتس أو ربما أفضل طالما أن مواهبه وإبداعاته تسمح له بذلك.
كارلوس سليم ملياردير مكسيكي من اصل لبناني ومن أسرة لبنانية متواضعة المستوى أيضا، بدأ نشاطه من الصفر، ولكنه تحول إلى ملياردير بطريق آخر مستغلا في ذلك القانون والدستور المكسيكي للأسف الذي يعمل أحيانا لصالح الصفوة. عندما عرضت شركة تلميكس المكسيكية للاتصالات كان كارلوس سليم احد المتقدمين لشراء الأسهم المعروضة للشركة، ومع أنه لم يكن صاحب افضل العروض، إلا أنه تم إرساء العطاء عليه مثلما هو الحال في دولنا، وسرعان ما سيطرت تلميكس على سوق الاتصالات في المكسيك، واتسع نشاط كارلوس سليم واصبح إمبراطور صناعة الاتصالات في أمريكا اللاتينية، وأغنى شخص في العالم.
ثارت شبهات كثيرة حول كارلوس، وأقيمت ضده دعاوى جنائية أمام المحاكم المكسيكية، ولكن كارلوس، على العكس من بيل جيتس، استطاع أن يفلت بالقانون وباستخدام مادة قانونية تمنحه حق الحماية، وافلت كارلوس من المحاكمة مثل الشعرة من العجين. لم يستطيع بيل جيتس أن يفلت من المحاكمة لدقة وقوة القانون الأمريكي، بينما صال كارلوس وجال تحت غطاء قانوني مدعوما من الساسة الذين بالتأكيد لم تخل أفواههم من طعام كارلوس.
فكر كارلوس أن يمد نشاطه إلى الولايات المتحدة وأسس بالفعل شركة هناك، وحاول تطبيق أساليبه التي يتقنها في الثراء السريع في الولايات المتحدة، ولكنه اصطدم بقوة القانون الأمريكي فقدمت شركته للمحاكمة وتم تغريمه حوالي نصف مليار دولار، في رسالة وجهتها له المحاكم الأمريكية مفادها، إذا أردت أن تعمل هنا فيجب عليك استخدام قواعد اللعب النظيف فكان أن خرج من السوق الأمريكي.
بيل جيتس يشغل قطاعا مهما أيضا في الولايات المتحدة ولكن أرباحه يذهب جانب منها للميزانية الأمريكية ولأعمال الخير وللبحث والتطوير لضمان استمرار إبداعات مايكروسوفت، كارلوس يشغل قطاعا مهما في المكسيك، ولكن أرباحه تذهب إلى جيبه الخاص ولتوسيع إمبراطورتيه، كارلوس يستخدم قوته الاحتكارية وعلاقاته السياسية والقانون لضمان استمرار هيمنته على صناعة الاتصالات في المكسيك، بينما لا يستطيع بيل جيتس أن يفعل ذلك.
هل وضح الآن لماذا المكسيك دولة متخلفة بينما الولايات المتحدة دولة متقدمة؟ (من خلاصة قراءتي لكتاب Why Nations Fail).

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق