الخميس، أكتوبر 11، 2012

جذور النمو: العوامل الجغرافية

ما الذي يجعل دولا مثل الولايات المتحدة وأوروبا دولا متقدمة تتمتع بمستويات عالية من الدخل ويعيش سكانها في رفاهية مرتفعة، بينما لا يجد الناس في أواسط إفريقيا ما يسد حاجاتهم الأساسية من طعام وكساء ومسكن، ناهيك عن الخدمات التعليمية والصحية وإمدادات المياه النظيفة وخطوط الكهرباء والصرف الصحي إلى آخره من متطلبات الحياة العصرية.


بعض التفسيرات التي قدمت ترتكز إلى أن هذه الفوارق بين الدول المتقدمة تعود إلى البعد الجغرافي، على سبيل المثال فإن الفيلسوف الفرنسي مونتسكيو يشير إلى أن الدول المتخلفة تقع في المناطق الجغرافية الحارة والرطبة حيث يكون يتسم سلوك الناس بالكسل بشكل عام بسبب طبيعة الجو، كما تنتشر الحشرات التي تسبب الأمراض الفتاكة مثل الملاريا، وتنخفض درجة خصوبة الأرض الزراعية فينخفض إنتاج الغذاء بالتبعية. البعد الجغرافي إذن وفقا لهذه النظرة هو المحدد الأساسي للنمو، ولكن هل هذه النظرة سليمة؟

واقع الحال ربما يشير إلى ذلك، على الأقل من الناحية الظاهرية، باعتبار بالفعل أن أغلب الدول المتقدمة تقع في المناطق ذات المناخ المعتدل والبارد، بينما يقع أغلب الدول المتخلفة في المناطق ذات المناخ الحار والرطب. غير أن التدقيق في جوهر النظرية يدفعنا إلى التوصل إلى خلاصة أن هذا الأساس للنمو غير صحيح.

على سبيل المثال اليوم لدينا كوريا الشمالية وكوريا الجنوبية دولتان يفصل بينهما خط وهمي يسمى الحد الجغرافي الفاصل بين الدولتين، كلا الدولتان تتعرضان لنفس المناخ ونفس النوع من الحشرات وتشتركان في نفس الطبيعة الجغرافية، ومع ذلك فإن كوريا الشمالية تعد من أفقر دول العالم، بينما تعد كوريا الجنوبية من أغنى دول العالم ومن أكثرها تقدما. وقبل اكتشاف الأمريكيتين، كانت حضارة الدول التي تقع في المناطق الجنوبية من القارة ذات المناخ الحار أو الرطب متقدمة، كان لديهم قوانين ونقود ونظام سياسي وحضارة سحقها المستكشفون الإسبان للأسف الشديد نتيجة استنزاف ثرواتها من المعادن وتحويلها إلى إسبانيا، في الوقت الذي كانت فيه المناطق التي تشكل الولايات المتحدة اليوم وكندا والتي تقع في المناطق المعتدلة نسبيا والباردة تعيش بتقنيات العصر الحجري.

نوجاليس منطقة جغرافية واحدة ولكنها منقسمة إلى قسمين، قسم منها يقع في شمال المكسيك، والقسم الأخر يقع في جنوب الولايات المتحدة في ولاية أريزونا، شمال وجنوب نوجاليس يتعرضان لنفس المناخ والطبيعة الطبوغرافية للأرض، نفس الحشرات ونفس الكمية من المطر.. الخ، ومع ذلك فهناك فارق كبير بين قسمي نوجاليس، في شمال نوجاليس في ولاية أريزونا يعيش أناس بدخل مرتفع ورفاهية عالية يحصلون على إمدادات مستقرة من الكهرباء والماء والصرف الصحي، وتقدم لهم خدمات تعليمية وصحية تتوافق مع المتوسط العام للخدمات التعليمية المقدمة في الولايات المتحدة، ويشاركون في اختيار قادة ولاية أريزونا وكذلك في اختيار من سيحكم الولايات المتحدة، على العكس من ذلك وعلى بعض خطوات من الحد الوهمي الفاصل بين شمال وجنوب نوجاليس نجد الصورة مختلفة تماما، حيث تجد كل مظاهر التخلف وتدهور مستويات المعيشة والخدمات والحقوق السياسية... الخ. وقس على ذلك الكثير من الحالات، بل إن التاريخ يخبرنا بأن الكثير من ممالك العالم القديم قامت وازدهرت في مناطق حارة أو رطبة بطبيعتها في الوقت الذي كانت الدول التي تقع في المناطق المعتدلة متخلفة بمقاييس اليوم، ما هي الخلاصة؟ الموقع الجغرافي للدولة ليس هو ما يحدد مستوى النمو فيها، وأن جذور النمو لا بد توجد في عوامل أخرى غير العامل الجغرافي.

(من خلاصة قراءتي لكتاب Why Nations Fail)



ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق