الاثنين، أكتوبر 22، 2012

هل قارب عصر النفط على الأفول؟

نشر في صحيفة الاقتصادية يوم الجمعة 18/10/2012
قامت شبكة العلاقات الدولية والأمن International Relations and Security Network (ISN) في سويسرا بإصدار تقرير عن مدى تغطية المخزون من النفط والغاز للاحتياجات البشرية، والذي حاولت فيه أن تقدر المدى الزمني لاعتماد العالم على النفط، وقد توصل التقرير إلى أن تقديرات منظمة الأوبك للاحتياطيات العالمية المؤكدة من النفط تدور حول حوالي 1500 مليار برميل، نصفها تقريبا يقع في منطقة الشرق الأوسط، حيث ترتفع درجة المخاطرة في تأمين انتقال النفط إلى مراكز استهلاكه في العالم، وأنه بمعدلات الاستخدام الحالية للنفط فإن هذه الاحتياطيات سوف تكفي العالم في المستقبل لمدة 47 عاما فقط.
هذا السيناريو لاتجاهات اعتماد العالم على النفط يعتمد على افتراض ثبات كل من الاحتياطيات المؤكدة وكذلك ثبات معدلات الاستهلاك العالمي للنفط عند مستوياتها الحالية، والحقيقة أن التقديرات بهذا الشكل تفتح المجال للعديد من السيناريوهات حول المدة الزمنية التي يمكن أن يظل العالم فيهما معتمدا على النفط. ذلك أن المدى الزمني التي يمكن أن تستمر فيه المخزونات الحالية توفي باحتياجات الاستهلاك في العالم سوف يعتمد بالتأكيد على اتجاهات معدلات الاستهلاك العالمي، ومن ثم فإن قيام التقرير باحتساب المدة الزمنية لبقاء النفط بافتراض ثبات معدلات الاستهلاك العالمي عند مستوياتها الحالية هو بالتأكيد افتراض غير صحيح، لأن الاستهلاك العالمي للنفط يتزايد، وبصفة خاصة من الاقتصادات الناشئة التي ليس لديها احتياطيات نفطية على نحو كاف، وبالتأكيد فإنه مع تزايد معدلات الاستهلاك العالمي للنفط فإن المدة المتبقية لاستغلال النفط سوف تميل نحو التراجع عن هذا العدد القليل نسبيا من السنوات.
من ناحية أخرى فإن استناد التقرير في تحديد المدى الزمني لاستمرار اعتماد العالم على النفط على كمية الاحتياطي المؤكدة حاليا هو أمر خطأ، لأن العالم يضيف إلى الرصيد الحالي من الاحتياطيات المؤكدة المزيد من الاحتياطيات بشكل مستمر، أو أن تكنولوجيا الاستخراج تتطور بحيث تمكن العالم من استخراج كميات أكبر من النفط من نفس الآبار، الأمر الذي يرفع من المدى الزمني لاعتماد العالم على النفط. نحن إذن أمام قوتين متناقضتين تؤثران على المدى الزمني لاعتماد العالم النفط.
ولكن ما هي انعكاسات مثل هذه النتائج على الدولة النفطية؟ من المعلوم أن دول الخليج من أكثر دول العالم اعتمادا على هذا المصدر الناضب. إذ تشكل مبيعات النفط المصدر الأساسي للنقد الأجنبي لهذه الدول، حيث يعتمد ميزان المدفوعات بصورة أساسية على صادرات النفط، في الوقت الذي تمثل فيه أيضا الإيرادات النفطية العمود الفقري للمالية العامة لهذه الدول، وعلى الرغم من مرور فترة طويلة نسبيا على اكتشاف النفط في دول الخليج، إلا أنه من الواضح أن هذه الدول فشلت حتى اليوم في إيجاد مصادر بديلة للدخل وظلت تعتمد بصورة أساسية على إيراداته، ومثل هذا الاعتماد الشديد على النفط هو مكمن الخطورة بالنسبة لهذه الدول.
لكن التساؤل الأساسي في رأيي ليس هو المدى الزمني الذي سوف يستمر فيه العالم معتمدا على النفط، بقدر ما يتعلق بتوقيت تحقيق العالم لاختراقات تقنية هامة في مجال إنتاج الطاقة البديلة للنفط، وهو ما تركز عليه مراكز الأبحاث والتطوير في العالم حاليا، كما أن اعتماد العالم على مصادر الطاقة المتجددة يتزايد بشكل سريع. فاليوم تتزايد عمليات إنشاء محطات توليد الكهرباء بالطاقة الشمسية حول العالم وذلك لاستغلال هذه الطاقة المتجددة واللانهائية، حيث تقدر تسهيلات إنتاج الكهرباء حول العالم باستخدام الطاقة الشمسية اليوم بحوالي 40 جيجاوات، وهو ما يمثل ضعف الطاقة المولدة من هذا المصدر في عام 2008. ففي عام 2011 تم إنشاء محطات لتوليد حوالي واحد جيجاوات من الكهرباء في الولايات المتحدة من الطاقة الشمسية، كما أن لديها خططا حاليا لمضاعفة تسهيلات توليد الكهرباء من الطاقة الشمسية، ويوما بعد اليوم تزداد أعداد المساكن التي تستخدم الكهرباء المولدة من الطاقة الشمسية.
كذلك فإن طاقة محطات توليد الكهرباء من الطاقة الشمسية تمثل حاليا حوالي 7.4 جيجا وات في ألمانيا، والتي لديها خططا طموحة للانتقال من الاعتماد على توليد الكهرباء من المصادر الأحفورية والطاقة النووية إلى توليد الطاقة من المصادر المتجددة مثل الشمس والرياح، وذلك من خلال دعم هذه الأشكال من توليد الطاقة بصورة كبيرة، على سبيل المثال فإن المنازل التي تولد طاقتها الكهربائية من خلال لوحات التوليد الشمسية يمكنها بيع فائض إنتاجها إلى الشبكة القومية للكهرباء بأسعار مجزية للغاية، ويقدر أنه في الوقت الحالي تولد ألمانيا حوالي 20% من الكهرباء من خلال استخدام الطاقة الشمسية وطاقة الرياح وغيرها من المصادر المتجددة. كذلك تبلغ تسهيلات إنتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية حوالي 2.3 جيجاوات في إيطاليا، و3.7 جيجاوات في إسبانيا. على الجانب الآخر من العالم تتزايد عمليات استخدام الطاقة الشمسية لتوليد الكهرباء على نحو كبير خصوصا مع اتجاه المزارع في آسيا، بصفة خاصة في الصين، نحو إنشاء المزيد من محطات الطاقة الشمسية، على سبيل المثال تستهدف الخطة الخمسية للصين إضافة 5 جيجاوات من الكهرباء المولدة من الطاقة الشمسية بحلول عام 2015.
هذا التطور في إنتاج الكهرباء من الطاقة الشمسية كان نتاج عاملين أساسيين، الأول هو الاتجاه المتزايد للحكومات نحو دعم عمليات استخدام الطاقة الشمسية في توليد الكهرباء على سبيل المثال تعتمد الولايات المتحدة لتحقيق مستهدفاتها بإنتاج المزيد من الكهرباء من خلال الطاقة الشمسية على تقديم المزيد من الدعم لمثل هذه المحطات، غير أن أثر هذا العامل يتراجع حاليا، ذلك أن حكومات الدول المتقدمة تواجه مشكلات مالية حادة تجبر الكثير منها على انتهاج سياسات مالية تقشفية وهو ما يلقي ضغوطا كبيرة على الميزانيات التي يمكن تدبيرها لأغراض البحث والتطوير في مجالات الطاقة البديلة بشكل عام.
العامل الثاني هو انخفاض تكلفة التوليد على نحو كبير مع استخدام التقنيات الجديدة في الإنتاج مثل استخدام اللوحات الضوئية الرخيصة التي تطورها الصين في الوقت الحالي. فلطالما وقفت التكلفة المرتفعة للتوليد حائلا دون التوسع في استخدام هذه الطاقة المتجددة، ومنذ 2008 حتى اليوم انخفضت أسعار اللوحات الضوئية بنسبة 75% تقريبا. إن استمرار هذا الاتجاه التنازلي في أسعار اللوحات سوف يؤدي إلى تحويل الطاقة الكهربائية المولدة باستخدام الطاقة الشمسية إلى بديل مجدي من الناحية الاقتصادية، بالطبع كلما مال سعر النفط نحو الارتفاع كلما ارتفعت التكلفة الحدية للوحدة المولدة من الطاقة باستخدامه وهو ما يجعل التكلفة الحدية لوحدة الطاقة الكهربائية المولدة من المصادر البديلة مناسبة، لذلك يحذر المراقبون بأنه سواء تعلق الأمر بالمصادرة التقليدية أو البديلة للطاقة، فمن المؤكد أن الابتكارات التقنية وتصاعد الطلب على المصادر غير التقليدية للطاقة قد ازداد بسبب الأسعار المرتفعة للنفط، باختصار فإن كافة المؤشرات المتاحة حالية تشير إلى أن الكهرباء المولدة من الطاقة الشمسية أصبحت تنافسية اليوم إلى حد كبير على المستوى الدولي، بحيث أصبحت الطاقة الشمسية هي أمل العالم اليوم في الحصول على طاقة متجددة ونظيفة.
والآن نعود إلى سؤالنا الأساسي، هل بالفعل أخذ عصر النفط في الأفول، أنصار هذا الاتجاه في العالم يجيبون بنعم، غير أن بعض العاملين في الصناعة النفطية، وعلى وجه الخصوص في الخليج، يجيبون بالنفي، لأن الاحتياطيات تتزايد وتزداد معها القدرة على العرض، ومن ثم يمكن أن يستمر فيه العالم معتمدا على النفط على مدى زمني أطول، لكن السؤال الأساسي هو هل تسمح مراكز البحوث والتطوير أن يستمر العالم معتمدا على النفط بدون بديل، في رأيي الإجابة هي لا، وأن عصر النفط آخذ بالفعل في الاتجاه نحو الأفول مع أي اختراق تقني في مجال إنتاج الطاقة البديلة، وأن علينا الاستعداد لمثل هذا اليوم.

الاثنين، أكتوبر 15، 2012

محركات الازدهار: المؤسسات


تلعب المؤسسات سواء السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية دور المحرك الأساسي للرفاه في اقتصاديات العالم المتقدم، كما تلعب عكس هذا الدور تماما في الدول المتخلفة، فالمؤسسات الكفؤة تضمن توافر سوق حر يوجه الموارد لأفضل سبل استخدامها، ويعطي الفرصة كاملة لكل فرد في المجتمع في أن يعمل حيث يجد مواهبه وحيث يستطيع أن ينتج ويبدع بدون أية قيود تقف أمامه وتحول دون ذلك سواء أكانت قانونية أو إجرائية او مالية.. الخ. الأسواق الحرة الكفؤة تمكن أي مبادر لديه فكرة في أن يحولها إلى مشروع قائم، حيث لا يمنعه القانون أو المؤسسات القائمة سواء أكانت سياسية أو اقتصادية من أن يقوم بذلك، في ذات الوقت سوف يجد نظام ماليا مساعد يوفر فرصة التمويل الملائم للأفكار المجدية من الناحية الاقتصادية، ونظاما قانونيا يحترم العقود التي يبرمها والأهم من ذلك يحترم الملكية التي ستترتب على ذلك. في الكثير من الدول المتخلفة كان أصحاب المبادرات يعزفون عن الاستثمار خوفا من مصادرة السلطات للملكية أو استيلاءها على الجانب الأكبر مما تدره من أموال من خلال النظام الضريبي التعسفي.

عندما قام انقلاب يوليو 1952 كان الضباط الأحرار عازمين على عدم إتاحة الفرصة لأي رأسمالية من أي نوع أن تعود إلى البلاد، وتم وضع نظام ضريبي يصل في جوهره إلى قانون للمصادرة وليس قانونا للضرائب. حتى عام 1965 كان معدل الضريبة على الأرباح التي تزيد عن 10000 جنيها مصريا هو 95%، هل يمكن أن تتخيل رجل أعمال يستثمر ويتعب لينتج ويربح، وفي مقابل كل عشرة آلاف جنيه يحققها كأرباح تذهب منها فقط 500 جنيه كأرباح صافية له بينما يذهب الباقي إلى الدولة، لا يمكن أن نتخيل أنه في ظل هذا النظام أن يقدم مجنون على الاستثمار في مشروع عرضة لهذا القدر الظالم من الضرائب، في ذات الوقت لا يمكن أن تتوقع أي حكومة مهما بلغت درجة بلاهتها أن مثل هذا النظام يمكن أن يوفر إيرادات عامة للدولة لتتمكن من الإنفاق من خلالها على الخدمات الأساسية التي يحتاجها عموم  الشعب من تعليم وصحة ودفاع... الخ، لذلك لم تمض سوى سنوات قليلة مما اطلق عليه الثورة الاشتراكية في مصر، حتى ركعت المالية العامة تحت ضغط نقص الموارد، وتم اللجوء إلى البديل المدمر وهو طباعة الجنيه الذي انهارت قيمته، وبدأ الحديث عن الإصلاح الضريبي حتى قبل وفاة عبد الناصر. أمثال هذه المؤسسات الاقتصادية لا يمكن أن تساعد دولة أو نظام على التقدم او الرقي، ولا يمكن استبدال نظام شمولي فشلت تجاربه في كل دول العالم التي حاولت أن تطبقه.

نظام السوق الحر الذي تحميه المؤسسات الكفؤة والفعالة والتي تضمن عدم انحراف المنافسة فيه وتصون آلياته ، يكفل حرية المبادرة والإبداع للمبادرين من أصحاب الأفكار الجديدة. لقد تمكن توماس أديسون ، وبيل جيتس، وستيف جوبس وغيرهم من الأسماء العملاقة من تحويل مبادراتهم إلى منتجات وشركات عملاقة في ظل هذا النوع من الأسواق وفي حماية لصيقة من المؤسسات التي تكفل حق الإبداع والملكية وتحترم القعود وتصونهما. لقد بدأت جوجل بفكرة، والفيس بوك بفكرة، وأمازون دوت كوم بفكرة، وكل ما يحيط بنا من منتجات من سلع وخدمات، كان مجرد فكرة، تحولت إلى ما نراه الآن ودرت مئات المليارات على أصحابها. لماذا إذن تخرج الأفكار في الدول المتقدمة ولا تخرج من دولنا، هل لأننا لا نفكر؟ بالتأكيد الوضع ليس كذلك، ولكنها طبيعة المؤسسات التي تحكم مناخ الأعمال الذي يحيط بنا، فكل من لديه أي فكرة في بلادنا يصطدم بحائط هائل من القيود سواء الإجرائية أو القانوني أو المالية أو متطلبات التعامل مع الفاسدين العاملين في الأجهزة الحكومية، كل هذه القيود تفرضها للأسف الشديد طبيعة المؤسسات القائمة التي هي بالأساس مهيكلة حول مصالح محددة سواء القائم أو للصفوة من رجال الأعمال المحيطين به.  

(أفكار مستوحاة من قراءتي لكتاب Why Nations Fail)

صناعة الرفاهية وصناعة الفقر والبؤس: دور المؤسسات


عندما وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها انقسمت شبه الجزيرة الكورية إلى قسمين، الشمال ويقع تحت إدارة الاتحاد السوفيتي، والجنوب والذي وقع تحت إدارة الولايات المتحدة  في عام 1945، حتى عام 1950 شكلت كوريا الشمالية جيشا قويا وزحفت على كوريا الجنوبية واحتلت العاصمة سيول، قامت الحرب الكورية منذرة بقيام حرب عالمية أخرى، ولكن سرعان ما تم دحر القوات الكورية الشمالية من كوريا الجنوبية، كان وان بيوان يونج وأخوه جنديان في الجيش الكوري الشمالي، وأثناء انسحاب الجيش نحو الشمال استطاع وان بيوان يونج التخفي والهرب والبقاء والعمل في كوريا الجنوبية كصيدلي، بينما أخذ الجيش الكوري الشمالي أخوه معهم في طريق العودة مرة أخرى إلى الشمال ليعمل طبيبا في الجيش الكوري الشمالي. عاش الأخوان يونج في ظل نظامين مختلفين لحوالي 50 عاما. في عام 2000 سمحت حكومتي الدولتين لبعض المواطنين من الشمال بالتجمع مع أسرهم في الجنوب لفترة زمنية قصيرة، فالتقي وان بيوان يونج بأخيه الذي يعمل طبيا في الجيش الكوري الشمالي.

عندما تعمل طبيبا في جيش لنظام ديكتاتوري فإنه من المفترض أن تكون حياتك مريحة نوعا ما، فمثل هذه الوظيفة تعد جيدة في ظل النظام الديكتاتوري، ولكن حتى هذا المنصب لا يؤدي إلى هذه النتيجة في كوريا الشمالية. عندما التقى الأخوان سأل وان بيوان يونج أخاه الذي يعمل طبيبا، كيف هي حياتك في الشمال؟، فأجاب بأنه يعيش حياة جيدة، بمفاهيم كوان للحياة الجيدة سأل أخوه هل لديك سيارة؟ فأجاب الطبيب لا، قال له هل لديك تليفون؟ فأجاب، ابنتي التي تعمل في وزارة الخارجية لديها تليفون، ولكن بدون معرفة الكود لا يمكنك الاتصال بها. وان بيوان يونج كان يعلم أن الشمال فقير وأنهم في حاجة إلى النقود، فناول أخاه الطبيب بعض النقود لكي يستعين بها على حياته، ولكن أخاه رفض استلامها لأنه لا فائدة ترجى من أخذها منه، فسوف تصادرها الحكومة منه عند العودة إلى الشمال. لاحظ وان بيوان يونج أن اخوه الطبيب يرتدي بالطو ليس بحالة جيده، فقال له خذ هذا البالطو الخاص بي البسه عندما تعود إلى الشمال، فرفض أخوه الطبيب قائلا، لا أستطيع أن أرتدي البالطو الخاص بك. لقد أعارتني الحكومة هذا البالطو لكي استخدمه أثناء رحلتي نحو الجنوب، ولا يمكنني أن اخلعه. لاحظ وان بيوان يونج، أن أخوه يلتفت دائما أثناء الحديث كأنه يبحث عن من يتنصت عليه أثناء الحديث، فتلك هي الحياة التي تعود عليها طوال حياته منذ أن انقسمت شبه الجزيرة الكورية.

النظام في الشمال يكذب على شعبه وعلى العالم في كل شيء، حتى عندما سمح لمواطنيه بالخروج خارج كوريا الشمالية للمرة الأولى، حرص على إظهارهم في صورة تخفي تماما الحقيقة التي يعيشون عليها من خلال إعارتهم حتى الملابس التي يرتدونها. كيم ايل سونج استطاع أن يعتلي منصب الرئيس في كوريا الشمالية بمساعدة الاتحاد السوفيتي، وفي الجنوب تمكن من فرض سيطرته على البلاد وأصبح ديكتاتورا، وكون واحدا من أكثر النظم شمولية في العالم، فقد منع الملكية الخاصة والحرية وممارسة الحقوق السياسية، ومن ثم قتل كافة الحوافز نحو العمل والتطوير والابتكار، ولم نعد نسمع من كوريا الشمالية سوى أخبار المجاعات وفشل المحاصيل، والمساعدات الدولية للحيلولة دون وفاة الملايين نتيجة سوء التغذية.   

في الجنوب تم تصميم المؤسسات على النظام الغربي، فبعد 1961 قام الرئيس الكوري بارك بضخ الائتمان وبمنح الإعانات للمشروعات الخاصة فبعث روح الابتكار والمبادرة في ظل نظام يحترم الملكية ويوفر الحوافز اللازمة لها، واهتمت كوريا الجنوبية بتعليم سكانها واستفادت الصناعة الكورية من المتعلمين ومن ابتكاراتهم وتمكنت من نقل التكنولوجيا وتطويرها، وتوسعت تجارتها الخارجية وأصبحت العلامات التجارية تدق أسوار أسواق العالم بتنافسية تضاهي أقوى الصناعات في العالم.

بينما في الشمال اكتشف السكان أنه لا فائدة ترجى من التعب وبذل المجهود في الحقول الحكومية، أو في المشروعات العامة فلا حوافز نحو الابتكار أو الإبداع، في الوقت الذي لم يحرص فيه كيم ايل سونج على تغيير المؤسسات والسماح بالملكية الخاصة أو بالحرية أو الديمقراطية، وظل التركيز الأساسي للنظام على حماية الكرسي وحماية مصالح الأسرة التي اصبح الحكم فيها أحد العلامات البارزة في كوريا منذ اعتلى كيم ايل سونج كرسي الحكم في 1947، وكذلك مصالح الصفوة التي تلتف حول الأسرة.

النظام الكوري في الجنوب نجح في تكوين دولة مؤسسات تحترم الحرية والملكية وتوفر الحوافز نحو الإبداع فارتفعت مستويات الدخول، وازدادت مستويات الرفاه، بينما لم يتمكن النظام في الشمال سوى من صناعة الفقر والبؤس في ظل مؤسسات لا تمارس سوى البطش بمن يفكر في أحلامه في أن يجرؤ أن يتحدى المؤسسات. في كوريا الشمالية يعيش الأنسان 10 أعوام اقل من متوسط العمر الذي يقضيه الفرد على قيد الحياة في الجنوب. في كوريا الشمالية لا توجد مياه نظيفة ولا إمدادات مستمرة أو مستقرة من الكهرباء، فمن يجوب حول الأرض في سفينة فضاء يلحظ أن كوريا الشمالية مظلمة في الليل بينما تتلألأ سيول عاصمة الجنوب في الليل كواحدة من أكبر العواصم إضاءة في العالم.

شتان ما بين الحياة التي يحياها وان بيوان يونج في الجنوب وأخوه الطبيب في الشمال. ما الذي صنع هذا الفارق؟ بالطبع ليس الثقافة أو الجغرافيا او الجهل؛ الفرضيات التي استند إليها العلماء في تفسير الفوارق في النمو بين الدول، وإنما المؤسسات التي أعطت وان بيوان يونج الفرصة الكاملة في الجنوب في أن يحيا حياة جيدة ويتمتع بمستوى مرتفع من الدخل والخدمات، بينما لم يوفر النظام في الشمال لأخوة سوى بالطو يعيره إياه لكي يلبسه عندما يقابل به أخيه في الجنوب لأول مرة بعد فراق 50 عاما، تغيرت خلالها حياة كل منهما على نحو جوهري. 

(من خلاصة قراءتي لكتاب Why Nations Fail)

 

السبت، أكتوبر 13، 2012

جذور النمو: فرضية الجهل


علم الاقتصاد هو العلم الذي يساعد المجتمعات على تحقيق أهدافها باستخدام الموارد المتاحة لديها على نحو كفء، وعندما لا يتمكن المجتمع من استخدام الموارد المتاحة له لتحقيق أهدافه على نحو كفء يحدث ما يسمى بفشل السوق  Market failure، مسببا كل المشكلات التي تواجه الدول النامية في عالم اليوم، وهو ما يرجع وفقا لهذه الفرضية أساسا إلى جهل القائمين على توزيع الموارد (قادة الدول) أو من يحيطون بهم بالأسلوب الأمثل لذلك.

تنشأ الفروق في مستويات النمو بين الدول النامية والدول المتقدمة استنادا إلى هذه الفرضية بسبب أن قادة الدول وعموم الجمهور فيها يتسمون بالجهل بالوسائل السليمة لتوجيه الموارد نحو افضل سبل استخدامها، وعدم قدرتهم على معالجة حالات فشل الأسواق بدولهم، أو أنهم لا يحصلون على النصيحة الصحيحة في كيفية التعامل مع هذه المواقف، على العكس من ذلك فإن عموم الجمهور في الدول المتقدمة وكذلك قادتها لديهم معرفة افضل ويحصلون على نصيحة أكثر احترافية في التعامل مع الموارد وتوجيهها لمصلحة عموم الناس بصورة كفئة.

ولكن هل بالفعل يمكن الاستناد إلى هذه الفرضية في تفسير الفوارق في مستويات النمو بين دول العالم، هل بالفعل قادة الدول المتخلفة أكثر جهلا مقارنة بقادة الدول المتقدمة أو أنهم محاطون بمستشارين ليسوا على هذا القدر من المعرفة التي تمكنهم من تقديم النصيحة الصحيحة لمواجهة حالات فشل السوق وتوجيه الموارد بصورة افضل لمصلحة الجميع؟ وإذا كان الأمر كذلك فهل قادة هذه الدول لا يتعلمون من أخطاءهم في توجيه الموارد، خصوصا من يبقى منهم في الحكم لمدة طويلة؟. هل بالفعل حسني مبارك طوال فترة حكمه لمصر التي ناهزت الثلاثة عقود لم يكتشف في لحظة زمنية ما أسباب تراجع مستوى المعيشة والنهضة في مصر، ألم يخطر على باله يوما السبب وراء عدم عمل الاقتصاد المحلي لمصلحة عموم الناس، ألم يلاحظ في لحظة زمنية معينة أن موارد الدولة موجهة بالأساس لخدمة قلة قليلة من الناس هم من يلتفون حوله، والذين قدرهم الرئيس مرسي ب 32 أسرة مصرية؟

بل هل بالفعل كان جمال عبد الناصر، الذي طبق نظما تعسفية في توزيع الموارد من خلال قوانين مثل التأميم والتمصير وتحديد الملكية وتحديد الإيجارات وتحديد الأسعار، كان لا يعلم أن مثل هذه النظم، سوف تقتل المشروع الخاص وتغلق الباب أمام المساهمة الفعالة له في النمو؟ هل بالفعل عبد الناصر كان يجهل حقيقة أن الدولة لا يمكنها أن تقوم بكل شيء أو أن تقدم كافة الحلول لجميع المشكلات التي يواجهها المجتمع بكفاءة تتجاوز تلك التي يمكن تحقيقها من خلال قوى السوق على المدى الطويل؟ وإذا كان يعلم حقيقة هذه المسلمات، لماذا اصر على استخدام تلك السياسات؟ الإجابة ببساطة شديدة هي أن تلك هذه السياسات الفاشلة كانت هي الوحيدة التي تكفل له تحقيق أهدافه السياسية في مواجهة خصومة في الداخل والخارج، حتى ولو كان ذلك على الأجل القصير.

هذه الأسئلة في الواقع تثير الشكوك حول مدى صحة هذه الفرضية، والدلائل العملية من مختلف أنحاء العالم لا تؤكد صحة هذه الفرضية. على سبيل المثال عندما تولى نكروما الأمور في غانا تبنى استراتيجية للتصنيع للنهوض بالقطاع الصناعي في غانا، ولكن الاستراتيجية كانت تعاني الكثير من العيوب، على سبيل المثال لم تكن المشروعات الصناعية المتبناة قائمة على أسس سليمة في معظم الأحيان، وانتهت التجربة بالفشل، فهل هذا الفشل كان راجعا لجهل نكروما أو من حوله بالأسلوب الصحيح لاختيار الصناعات وتركيز المصانع؟ إن الحقيقة تشير إلى أن نكروما كان محاطا بفريق استشاري على أعلى مستوى، منهم على سبيل المثال سير آرثر لويس الحاصل على جائزة نوبل. ولكن نكروما لم يكن يطبق السياسات المناسبة لتحقيق مصلحة عموم الناس كما تفترض النظرية الاقتصادية، وإنما كان يطبق السياسات التي تخدمه هو وتخدم الصفوة من حوله فقط، بل لم تكن السياسات موجهة أساسا لتخدم عموم الناس، وهي تجربة تكررت في معظم الدول النامية في العالم. 

لم يكن القادة في كل مثل هذه الحالات يجهلون أسباب فشل سياساتهم في تحقيق التوزيع الأمثل للموارد كما تفترض تلك الفرضية، ولكن الحقيقة المرة هي أن هذه السياسات التي تؤدي إلى فشل السوق في توجيه الموارد الوجهة المثلى كانت هي التي تخدم السياسة العامة لهم للأسف الشديد، أو ربما لأن القادة يواجهون قيودا تفرضها طبيعة المؤسسات السياسية القائمة، والتي تؤدي إلى توجيه الموارد لمصلحة الصفوة وإفقار عموم الناس، ومن ثم فإنه ربما تكون القيود السياسية هي التي تفرض مثل هذه الحلول على القادة في الدول النامية. معنى ذلك أن قادة الدول النامية يتبنون استراتيجيات تؤدي إلى إفقار العموم ليس عن جهل، وإنما هم على وعي كامل بذلك، ويتعمدون استخدام مثل هذه الاستراتيجيات ببساطة شديدة لأنها تخدم أهدافهم العامة او أهداف الصفوة الذين يحيطون بهم أو بسبب طبيعة القيود المفروضة عليهم.

الخلاصة فرضية الجهل بكيفية توجيه الموارد الوجهة الصحيحة لمصلحة عموم الناس ليست هي المسئولة عن تفاوت مستويات النمو بين الأمم.

(من خلاصة قراءتي لكتاب Why Nations Fail)

 

الجمعة، أكتوبر 12، 2012

مفاجأة في سوق العمل الأمريكي

نشر في صحيفة  الاقتصادية بتاريخ 21/10/2012
 
تفاجأ العالم يوم الجمعة الماضي بنتائج تقرير سوق العمل الأمريكي عن شهر سبتمبر 2012، الذي أشار إلى أن هناك 114 الف وظيفة تمت  إضافتها في سوق العمل الأمريكي في ذلك الشهر، وعلى الرغم من أن هذه الزيادة في الوظائف المضافة جاءت اقل من التوقعات إلا أن معدل البطالة قد تراجع من 8.1% إلى 7.8% ليهبط معدل البطالة إلى مستوى أقل من 8% لأول مرة منذ تولي الرئيس أوباما رئاسة الولايات المتحدة في يناير 2009. من ناحية أخرى فإن تقرير سوق العمل الأمريكي يشير إلى أن المراجعات التي تمت على تقارير شهري يوليو وأغسطس الماضيين نتج عنها زيادة عدد الوظائف الجديدة في يوليو ب 40 ألف وظيفة، وفي أغسطس ب 46 الف وظيفة، أي أن المراجعات أضافت 86 ألف وظيفة إلى ما تم الإعلان عنه مسبقا.
نقطة الضعف الأساسية في التقرير هي أنه يشير إلى أن ما تم إضافته من وظائف جديدة في القطاع غير الزراعي هو 114 الف وظيفة فقط، في مقابل هذا الرقم المتواضع من الوظائف الجديدة يتحسن معدل البطالة بـ 0.3% ليتراجع معدل البطالة من 8.1% إلى 7.8% دفعة واحدة. بالطبع عندما تتزايد فرص التوظيف بهذا القدر الضئيل لا يتوقع أن يتراجع معدل البطالة على هذا النحو الجوهري، حيث يشير بعض المراقبين إلى أن خفض معدل البطالة ب 0.1% يتطلب تشغيل حوالي 150 الف عامل تقريبا، وبالتالي فإن التراجع الأخير لمعدل البطالة يقتضي فتح وظائف ل 450 ألف عامل تقريبا، وليس 114 ألفا.
لقد كان هذا الهبوط في معدل البطالة جوهريا للغاية بالمقارنة بأداء سوق العمل منذ بداية الأزمة، إلى الدرجة التي دفعت بالبعض إلى الادعاء بأن إدارة أوباما تتلاعب بالأرقام لكي تظهر معدل البطالة منخفضا بالشكل الذي يساعد الرئيس في حملته الانتخابية الشهر القادم، خصوصا بعد الأداء الضعيف للغاية للرئيس في أول مناظرة علنية له أمام المرشح المنافس ميت رومني.
لقد هاجم رومني أوباما بأنه لا يفعل ما يجب لتوظيف الأمريكيين، وأن المزيد من الأمريكيين ما زالوا يبحثون عن عمل ولكنهم لا يجدونه، والكثير منهم اضطر إلى الانتقال من مسكنه وتحول الكثير منهم إلى الاعتماد على الإعانات التي تقدمها الدولة بسبب نقص الدخل الذي يحصلون عليه. في المقابل يعلن رومني عن أنه سيعمل على فتح 12 مليون وظيفة جديدة في فترة رئاسته الأولى، ولا أدري كيف سيتمكن رومني من فتح هذا الرقم في اقتصاد يعاني أساسا من الكساد، ربما اذا كانت الظروف الاقتصادية طبيعية قد يتمكن من ذلك، لكن في ظل الأوضاع الحالية للاقتصاد الأمريكي قد يصبح من المستحيل تحقيق هذا الرقم. غير أنه لتحقيق ذلك يعرض رومني تخفيضات ضريبية إضافية على الأغنياء والشركات الكبرى لتحفيزها على فتح المزيد من الوظائف، وهو اقتراح أراه خاطئ ولن يؤدي إلا إلى زيادة عجز الميزانية الأمريكية، ومن ثم المزيد من الدين الأمريكي العام.
ميت رومني نفسه علق على تراجع معدل البطالة بأن سبب تراجع معدل البطالة هذا العام يرجع إلى حقيقة أن الكثير من العاطلين قد توقف عن البحث عن عمل (وبالتالي صبح خارج نطاق قوة العمل ولا يعد من العاطلين حسب التعريف الرسمي للعاطل)، وأشار إلى أنه لو أن عدد الأفراد الذين كانوا مسجلين في قوة العمل وقت انتخاب أوباما هو نفس العدد اليوم لكان معدل البطالة الرسمي نحو 11%.
بعض المراقبين قام بإعداد بعض المراجعات الحسابية لمعدل البطالة للتأكد من صحة ما ادعاه رومني من أنه لو ظلت نسبة مساهمة قوة العمل (نسبة قوة العمل إلى إجمالي السكان) على ما عليه وقت أن تولى أوباما الرئاسة، فإن معدل البطالة الحقيقي ينبغي أن يكون أعلى مما أعلن عنه رسميا، وتوصلوا إلى أن ما اتجه اليه رومني من أن معدلات البطالة تنخفض بسبب أن المزيد من العاطلين في سوق العمل توقفوا عن البحث عنه، وخرجوا بالتالي من قوة العمل، هو أمر صحيح.
البعض الآخر يرى أن رومني كان على خطأ نظرا لأن جانبا كبيرا من الانخفاض في أعداد قوة العمل لا يعود إلى تزايد أعداد العمال المحبطين، وإنما يرجع إلى أن من ولدوا في فترة طفرة المواليد Baby boomers في أعقاب الحرب العالمية الثانية القرن الماضي يتركون قوة العمل على نحو كبير اليوم، ومن ثم فإنهم يمثلون السبب الرئيس في التراجع الحادث في أعداد قوة العمل. البعض الآخر يرى أن الخفض في قوة العمل يرجع إلى أن عددا أكبر من الطلبة يعودون اليوم إلى الجامعات، أو أن البعض الآخر ممن فشلوا في أن يجدوا وظيفة نظرا لأن ما هو معروض من وظائف في سوق العمل لا يتوافق مع مهاراتهم عادوا إلى الجامعة مرة أخرى إلى لكي يحسنوا من مهاراتهم على نحو أفضل.
البعض الآخر يضيف إلى ما سبق سببا إضافيا وهو ما ترتب على وقف العمل بنظام إعانات البطالة الطارئة لحوالي 865 ألف عامل منذ مايو الماضي من نتائج أدت إلى دفع العاطلين نحو قبول الوظائف التي كانوا يرفضونها أثناء حصولهم على الإعانة، وكذلك قبول العمل بنظام بعض الوقت Part time، وهو ما أدى إلى زيادة أعداد العمال الذي هم في حالة توظف، خصوصا وأن تقارير سوق العمل خلال الربع الثالث من هذا العام تشير إلى أن العاملين لبعض الوقت بصورة إجبارية يمثلون ثلاثة أرباع الزيادات الحادثة في فرص التوظف خلال الفترة من يونيو إلى سبتمبر 2012، وهو ما يشير إلى أن الزيادة الحادثة في فرص العمل إنما هي أساسا للوظائف الرديئة.
الانخفاض الكبير في معدل البطالة أدى بالبعض إلى محاولة التشكيك في دقة الحسابات التي قام على أساسها حساب معدل البطالة، بل ووصل الأمر ببعض المراقبين إلى القول بأن البيانات تم التلاعب بها للوصول إلى هذه النتيجة، وقد اطلقت هذه الأرقام الاستثنائية العنان لأصحاب نظرية المؤامرة. على سبيل المثال فإن التقرير يشير إلى تزايد أعداد العاملين لبعض الوقت part time، والذين مثلوا غالبة ما الزيادة في أعداد العاملين، ومن المعلوم أن مثل هذه الوظائف في مثل هذا الوقت غالبا ما تكون في فرق الدعاية الانتخابية للرئيسين، من ناحية أخرى فإن أعداد العاملين من سن 20-24 قد تزايدت ب 386 ألفا بما يمثل اكثر من 40% من العاملين الذين حصلوا على فرصة عمل من كافة الأعمار، وهو ما يوحي أيضا بأن مثل هذه الوظائف تتم في مجال الدعاية الانتخابية للحزبين، أي أن هذه الوظائف هي أساسا وظائف العام الانتخابي والتي ستستمر حتى نهاية موسم الانتخابات فقط، وبالتالي فإن ارتفاع عدد العاملين الذي أعلن عنه في التقرير لا يمثل فرص عمل حقيقية للأمريكيين، وأن معدل البطالة سرعان ما سيعود إلى مستوياته قبل سبتمبر الماضي بعد انتهاء موسم انتخابات الرئاسة الأمريكية.
الخلاصة هي أن الأرقام المعلنة إذن تدور حولها الكثير من الشكوك وتجري الكثير من التحاليل والتعديلات لها لإثبات مدى صحتها من عدمه، ولكن من المؤكد أن هذا الانخفاض الكبير في معدل البطالة أمر مثير للدهشة، وقد مثل مفاجأة كبرة للمراقبين لسوق العمل الأمريكي، وبالتالي يمكن إرجاعه إلى ما يسمى "برواج ما قبل الانتخابات Pre-election boom"، ذلك أن بعض نظريات دورات الأعمال يصف دورة الأعمال باستخدام العوامل السياسية، أو ما يطلق عليها دورة الأعمال السياسية Political Business Cycle، والوقت الحالي بالتأكيد هو أفضل الأوقات لحدوث مثل هذه الدورة، ومن ثم من المؤكد أننا سوف نشهد عودة معدلات البطالة نحو الارتفاع مرة أخرى في المستقبل القريب.
 

جذور النمو: العوامل الثقافية

في الحلقة السابقة من جذور النمو لخصنا فكرة أن تكون العوامل الجغرافية وموقع الدول على خريطة العالم قد يكون هو المسئول عن الفروق القائمة حاليا بين النمو في المجموعات المختلفة من دول العالم، وتوصلنا إلى أن العوامل الجغرافية لا يمكن أن تكون مسئولة عن تفاوت مستويات النمو بين دول العالم المختلفة. في هذا الملخص نناقش فكرة أن تكون العوامل الثقافية هي المسئولة عن تفاوت مستويات النمو بين الدول، الثقافة بالطبع تعني مزيجا كبيرا من العوامل أهمها القيم والدين والعادات والتقاليد.. الخ. الفيلسوف الألماني ماكس فيبر  يرى أن القيم البروتستانتية هي المسئولة عن تطور الغرب ولأن هذه القيم ليست متوافرة في باقي دول العالم فيمكن القول بأنها مسئولة أساسا عن الفوارق بين الدول في مستويات النمو، على سبل المثال فإن دولا مثل الولايات المتحدة والكثير من الدول الأوروبية تحمل قيما بروتستانتية، بينما العالم المتخلف ليس لديه مثل هذه القيم. غير أن الادعاء بأن القيم البروتستانتية هي المسئولة عن النمو هو أمر غير صحيح ذلك أن هناك دولا أوروبية متقدمة أيضا وليست بروتستانتية، بل إن اليابان وسنغافورة مثلا وهي من الدول المتقدمة لا تحمل هذا الميراث من القيم الذي يتحدث عنه فيبر.
من ناحية أخرى فإن سكان شبه الجزيرة الكورية قبل انفصالهما كانا يحملان نفس القيم والميراث الثقافي، ومع ذلك نجد بعض انفصالهما أن شمال كوريا دولة فقيرة تنتشر بها المجاعة بصورة مزمنة من وقت لآخر، وتتواضع فيها مستويات الخدمات المقدمة للسكان وحقوقهم أيضا بصفة خاصة السياسية، بينما لا نستطيع أن نفرق سيول في الجنوب عن أفضل عواصم الدول المتقدمة في العالم. كذلك ألمانيا كانت منقسمة أيضا قبل اتحادها في أوائل التسعينيات إلى قسمين، وكانت الجزء الشرقي من ألمانيا متخلفا، في الوقت الذي كان فيه الجزء الغربي منها متقدما. قبل انقسام ألمانيا كانت دولة متحدة يحمل جميع سكانها نفس الثقافة وينتمون إلى نفس العرق، وبالتالي نفس العادات والتقاليد، ما الذي جعل الجزء الغربي منها متقدما والجزء الشرقي منها متخلفا؟ بالتأكيد ليس السبب في الفوارق الثقافية، وإنما بسبب عوامل أخرى أهمها أن النظام الحاكم في الجزء الشرقي فشل في أن يقدم النظام المناسب من الحوافز نحو الإبداع والتطوير وضمان حماية الملكية الشخصية.  
دول الشرق الأوسط طالما ينظر إليها على أنها دول متخلفة بسبب الخلفية الثقافية، وفي وجهة نظر أخرى بسبب الحكم الطويل تحت الإمبراطورية العثمانية التي كرست قيما ونظم سياسية غير مواتية للنمو على الإطلاق، لدرجة أنه بعد انحسار السيطرة العثمانية لم تتحسن أوضاع مصر، وفي وجهة نظر ثالثة بأن الخلفية الدينية لدول الشرق الأوسط ربما تكون مسئولة عن تخلفها. فهل الميراث الديني هو المسئول عن تخلف تلك الدول، بالتأكيد أيضا لا، ففي أعقاب انتهاء حملة نابليون على مصر وأثناء ضعف الإمبراطورية العثمانية تمكن محمد علي من الاستقلال بمصر، وبالميراث الثقافي الديني استطاع محمد علي أن يكون دولة حديثة ذات قطاع زراعي وصناعي وجيش قوي ونظم ضريبية حديثة، واستعدت مصر للانطلاق تحت حكم محمد علي بميراثها الديني، غير أنه مع وفاة محمد علي ودخول الأوروبيين على الخط تلاشت فرصة مصر في النهوض. إذن الميراث الديني ليس هو السبب في تخلف الدول الإسلامية.
البعض يطرح أيضا فكرة أن الثقافة الانجليزية هي المسئولة عن اختلاف مستويات النمو بين الأمم، فالدول التي طبقت تلك القيم مثل الولايات المتحدة وكندا وأستراليا أصبحت دول متقدمة بينما باقي الدول ليست كذلك، ولكن ذلك أيضا مردود عليه، فالإنجليز لم يذهبوا فقط إلى الولايات المتحدة أو أستراليا، ولكنهم أيضا ذهبوا إلى إفريقيا وآسيا ومع ذلك ما زالت تلك الدول التي استعمروها ترزح تحت نير التخلف إلى يومنا هذا، فلماذا لم تؤثر القيم الإنجليزية في نهضة دولة مثل مصر وتراجعت نهضة دول مثل الهند في ظل الحكم الإنجليزي؟
بعض الأفكار أيضا تؤكد على أن القيم الأفريقية مثلا هي المسئولة عن تخلف القارة من خلال فقدان الثقة بالغير والإيمان بالسحر والقوى الغيبية وغيرها من الميراث الثقافي الأفريقي، ولكن مرة أخرى ليست القيم الأفريقية هي المسئولة عن تخلف إفريقيا، على سبيل المثال لقد كان أمام ملك الكونغو فرصة أن تتحول بلاده إلى دولة حديثة نتيجة احتكاكه بأوروبا، ولكن التكنولوجيا الوحيدة التي نقلها عنهم كانت هي البنادق، لكي يصطاد بها العبيد ويصدرهم إلى أوروبا والعالم الجديد. لماذا لم يهتم ملك الكونغو بإنشاء قطاع زراعي كفء وإتاحة الفرصة للسكان للإبداع والقيام بنشاطهم الخاص بدافع الربح، الحقيقة هي أنه لا الملك كان مهتما بالنهضة ببلده، فقد كان مهتما بالدرجة الأولى بتصدير العبيد الذي يدر عليه مالا وفيرا، وفي ذات الوقت أيضا لم يكن الناس في الكونغو على استعداد لتطبيق النموذج الغربي من الإنتاج والتكنولوجيا في بلادهم لأنه لا يثقون في الملك الذي يمكنه، وبدون أي ضابط يمنعه، من أن يصادر هذه الملكية الخاصة لمواطنيه، بل وحتى قتلهم.
لطالما ادعى الكثيرون أن الميراث الثقافي الكونفوشي في الصين هو سبب تخلف الصين، ولكن الصين بهذا الميراث اليوم من أسرع دول العالم تقدما وينتظر أن تصبح اكبر اقتصاد في العالم في غضون سنوات قليلة قادمة، ما الذي حدث؟ بالتأكيد ليس الميراث الثقافي هو السبب، بل الثورة قادها دنج على النظام الشيوعي القديم في الصين والنظام الذي أسس له وأدى إلى تبديد موارد الصين هي التي مهدت لكل هذا. بل إن اليابان وسنغافورة بميراث ثقافي متشابه لهذا الميراث تحتل قائمة الدول المتقدمة في العالم اليوم.
نعود إلى التساؤل الأساسي وهو هل الدول المتخلفة في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية لديها مزيج ثقافي وديني يمكن أن نعزو إليه تخلفها؟ الإجابة ببساطة شديدة هي لا.
(من خلاصة قراءتي لكتاب Why Nations Fail)

الخميس، أكتوبر 11، 2012

جذور النمو: العوامل الجغرافية

ما الذي يجعل دولا مثل الولايات المتحدة وأوروبا دولا متقدمة تتمتع بمستويات عالية من الدخل ويعيش سكانها في رفاهية مرتفعة، بينما لا يجد الناس في أواسط إفريقيا ما يسد حاجاتهم الأساسية من طعام وكساء ومسكن، ناهيك عن الخدمات التعليمية والصحية وإمدادات المياه النظيفة وخطوط الكهرباء والصرف الصحي إلى آخره من متطلبات الحياة العصرية.


بعض التفسيرات التي قدمت ترتكز إلى أن هذه الفوارق بين الدول المتقدمة تعود إلى البعد الجغرافي، على سبيل المثال فإن الفيلسوف الفرنسي مونتسكيو يشير إلى أن الدول المتخلفة تقع في المناطق الجغرافية الحارة والرطبة حيث يكون يتسم سلوك الناس بالكسل بشكل عام بسبب طبيعة الجو، كما تنتشر الحشرات التي تسبب الأمراض الفتاكة مثل الملاريا، وتنخفض درجة خصوبة الأرض الزراعية فينخفض إنتاج الغذاء بالتبعية. البعد الجغرافي إذن وفقا لهذه النظرة هو المحدد الأساسي للنمو، ولكن هل هذه النظرة سليمة؟

واقع الحال ربما يشير إلى ذلك، على الأقل من الناحية الظاهرية، باعتبار بالفعل أن أغلب الدول المتقدمة تقع في المناطق ذات المناخ المعتدل والبارد، بينما يقع أغلب الدول المتخلفة في المناطق ذات المناخ الحار والرطب. غير أن التدقيق في جوهر النظرية يدفعنا إلى التوصل إلى خلاصة أن هذا الأساس للنمو غير صحيح.

على سبيل المثال اليوم لدينا كوريا الشمالية وكوريا الجنوبية دولتان يفصل بينهما خط وهمي يسمى الحد الجغرافي الفاصل بين الدولتين، كلا الدولتان تتعرضان لنفس المناخ ونفس النوع من الحشرات وتشتركان في نفس الطبيعة الجغرافية، ومع ذلك فإن كوريا الشمالية تعد من أفقر دول العالم، بينما تعد كوريا الجنوبية من أغنى دول العالم ومن أكثرها تقدما. وقبل اكتشاف الأمريكيتين، كانت حضارة الدول التي تقع في المناطق الجنوبية من القارة ذات المناخ الحار أو الرطب متقدمة، كان لديهم قوانين ونقود ونظام سياسي وحضارة سحقها المستكشفون الإسبان للأسف الشديد نتيجة استنزاف ثرواتها من المعادن وتحويلها إلى إسبانيا، في الوقت الذي كانت فيه المناطق التي تشكل الولايات المتحدة اليوم وكندا والتي تقع في المناطق المعتدلة نسبيا والباردة تعيش بتقنيات العصر الحجري.

نوجاليس منطقة جغرافية واحدة ولكنها منقسمة إلى قسمين، قسم منها يقع في شمال المكسيك، والقسم الأخر يقع في جنوب الولايات المتحدة في ولاية أريزونا، شمال وجنوب نوجاليس يتعرضان لنفس المناخ والطبيعة الطبوغرافية للأرض، نفس الحشرات ونفس الكمية من المطر.. الخ، ومع ذلك فهناك فارق كبير بين قسمي نوجاليس، في شمال نوجاليس في ولاية أريزونا يعيش أناس بدخل مرتفع ورفاهية عالية يحصلون على إمدادات مستقرة من الكهرباء والماء والصرف الصحي، وتقدم لهم خدمات تعليمية وصحية تتوافق مع المتوسط العام للخدمات التعليمية المقدمة في الولايات المتحدة، ويشاركون في اختيار قادة ولاية أريزونا وكذلك في اختيار من سيحكم الولايات المتحدة، على العكس من ذلك وعلى بعض خطوات من الحد الوهمي الفاصل بين شمال وجنوب نوجاليس نجد الصورة مختلفة تماما، حيث تجد كل مظاهر التخلف وتدهور مستويات المعيشة والخدمات والحقوق السياسية... الخ. وقس على ذلك الكثير من الحالات، بل إن التاريخ يخبرنا بأن الكثير من ممالك العالم القديم قامت وازدهرت في مناطق حارة أو رطبة بطبيعتها في الوقت الذي كانت الدول التي تقع في المناطق المعتدلة متخلفة بمقاييس اليوم، ما هي الخلاصة؟ الموقع الجغرافي للدولة ليس هو ما يحدد مستوى النمو فيها، وأن جذور النمو لا بد توجد في عوامل أخرى غير العامل الجغرافي.

(من خلاصة قراءتي لكتاب Why Nations Fail)



درس تاريخي رقم 3: قوة القانون والنمو.

بيل جيتس ملياردير أمريكي ينتمي إلى أسرة أمريكية متواضعة المستوى، بدأ نشاطه من الصفر تقريبا في مجال مبرمجات الحاسوب من خلال إنشاء شركة مايكروسوفت. بسبب الابتكارات التي قامت بها مايكروسوفت أصبحت من أضخم الشركات الأمريكية، يعمل بها الكثير من الأمريكيين وتولد دخل سنوي كبير للولايات المتحدة، وهي أحد اللآلئ في التاج الأمريكي باعتبارها رائدة صناعة برامج الحاسوب على مستوى العالم ولم تستطع أي شركة منافسة أخرى أن تنتزع منها هذه المكانة حتى الآن.
لم تمنع كل هذه المزايا التي تقدمها الشركة لدولة مثل الولايات المتحدة من أن تحول مايكروسوفت إلى المحكمة بتهمة إساءة استغلال وضعها كشركة محتكرة من خلال دمج برنامج متصفح "الانترنت إكسبلورر" ضمن برنامج تشغيل الحاسوب ويندوز، فكان أن أدى ذلك إلى التأثير بشكل سلبي على أهم منافسيها في هذا المجال متصفح الإنترنت "نت سكيب"، ولم يجد القاضي أي غضاضة في أن يدين شركة مايكروسوفت ويحكم عليها بغرامة عدة مليارات من الدولارات نتيجة ما قامت به من ممارسات احتكارية تؤثر على مستوى المنافسة في سوق الشركات صاحبة متصفحات الإنترنت.
وضعت الولايات المتحدة شركة مايكروسوفت بعد ذلك تحت المراقبة للتأكد من أنها لا تستخدم قوتها السوقية في فرض تأثيرها الاحتكاري على منافسيها داخل الولايات المتحدة. الولايات المتحدة تفعل ذلك مع شخص مثل بيل جيتس على الرغم مما يمثله هذا الرجل للاقتصاد الأمريكي وللقوة التنافسية له، لتتأكد من أن الفرصة متاحة للجميع للمنافسة ومن أن يكون كل شخص مثل بيل جيتس أو ربما أفضل طالما أن مواهبه وإبداعاته تسمح له بذلك.
كارلوس سليم ملياردير مكسيكي من اصل لبناني ومن أسرة لبنانية متواضعة المستوى أيضا، بدأ نشاطه من الصفر، ولكنه تحول إلى ملياردير بطريق آخر مستغلا في ذلك القانون والدستور المكسيكي للأسف الذي يعمل أحيانا لصالح الصفوة. عندما عرضت شركة تلميكس المكسيكية للاتصالات كان كارلوس سليم احد المتقدمين لشراء الأسهم المعروضة للشركة، ومع أنه لم يكن صاحب افضل العروض، إلا أنه تم إرساء العطاء عليه مثلما هو الحال في دولنا، وسرعان ما سيطرت تلميكس على سوق الاتصالات في المكسيك، واتسع نشاط كارلوس سليم واصبح إمبراطور صناعة الاتصالات في أمريكا اللاتينية، وأغنى شخص في العالم.
ثارت شبهات كثيرة حول كارلوس، وأقيمت ضده دعاوى جنائية أمام المحاكم المكسيكية، ولكن كارلوس، على العكس من بيل جيتس، استطاع أن يفلت بالقانون وباستخدام مادة قانونية تمنحه حق الحماية، وافلت كارلوس من المحاكمة مثل الشعرة من العجين. لم يستطيع بيل جيتس أن يفلت من المحاكمة لدقة وقوة القانون الأمريكي، بينما صال كارلوس وجال تحت غطاء قانوني مدعوما من الساسة الذين بالتأكيد لم تخل أفواههم من طعام كارلوس.
فكر كارلوس أن يمد نشاطه إلى الولايات المتحدة وأسس بالفعل شركة هناك، وحاول تطبيق أساليبه التي يتقنها في الثراء السريع في الولايات المتحدة، ولكنه اصطدم بقوة القانون الأمريكي فقدمت شركته للمحاكمة وتم تغريمه حوالي نصف مليار دولار، في رسالة وجهتها له المحاكم الأمريكية مفادها، إذا أردت أن تعمل هنا فيجب عليك استخدام قواعد اللعب النظيف فكان أن خرج من السوق الأمريكي.
بيل جيتس يشغل قطاعا مهما أيضا في الولايات المتحدة ولكن أرباحه يذهب جانب منها للميزانية الأمريكية ولأعمال الخير وللبحث والتطوير لضمان استمرار إبداعات مايكروسوفت، كارلوس يشغل قطاعا مهما في المكسيك، ولكن أرباحه تذهب إلى جيبه الخاص ولتوسيع إمبراطورتيه، كارلوس يستخدم قوته الاحتكارية وعلاقاته السياسية والقانون لضمان استمرار هيمنته على صناعة الاتصالات في المكسيك، بينما لا يستطيع بيل جيتس أن يفعل ذلك.
هل وضح الآن لماذا المكسيك دولة متخلفة بينما الولايات المتحدة دولة متقدمة؟ (من خلاصة قراءتي لكتاب Why Nations Fail).

الأربعاء، أكتوبر 10، 2012

درس تاريخي رقم 2.


الأمم على مر التاريخ حكمها حكام مدنيين وحكام من أصل عسكري، بعضهم وصل إلى السلطة بالقوة المسلحة والبعض وصل بصناديق الانتخابات. القليل من الحكام الذين ينتمون إلى الأصل العسكري احترموا الدستور ومبادئه، أو وضعوا دستورا يكفل الحرية والعدالة للجميع، حكموا الناس بالعدل ولم يستخدموا القوة في اخضاع الناس لأوامرهم، ولم يخشوا ان ينقلب عليهم الناس.
الكثير من الحكام الذين هم من ذوي الخلفية العسكرية لم يضعوا دستورا أو ابطلوا العمل بها، أو لم يحترموا القائم منها، ولم يقروا بالحرية للأفراد من الشعب، أو سمحوا بنوع واحد من الحرية وهو حرية المدح في الحاكم والقدح في أعداءه، سخروا موارد بلادهم لمصلحتهم ولمصلحة صفوة قليلة ممن ينتفعون منهم وحرموا باقي الشعب من خيرات بلده.
النوع الأول من الحكام احترموا حرية الناس وحقهم المتساوي في العمل والابتكار والإبداع والإنتاج والثراء، وحافظوا على حقوق الملكية للجميع، فازدهرت البلاد ونمت وزاد الاستثمار فيها.
النوع الثاني من الحكام لم تشهد بلادهم نموا او ازدهارا، سوى نمو او ثراء الحكام والصفوة، وعندما يستثمر الصفوة ينمو الاقتصاد ويزيد الناتج بالطبع، لكن باقي جموع الشعب لا تشعر به ولا تصل اليهم ثماره، فهو أيضا نمو اقتصادي متحيز، مثل الحاكم، نحو الصفوة.
النوع الأول من الحكام  كان فيه قله يملكون وسائل الإنتاج، ولكنهم كانوا يعملون لمصلحة المجموع من خلال الضرائب التي تفرض عليهم وتحول لصالح الذين لم يمكنهم الحظ من أن يكون أصحاب وسائل إنتاج أو ثروة، وبنيت الطرق والمستشفيات والمدارس وغيرها من وسائل الحياة العصرية بأموال الأثرياء لتخدم ذوي الدخول الأقل.
في ظل النوع الثاني من الحكام تهرب ذوي الثروات من الضرائب او حرصوا على تحويل مدخراتهم للخارج خشية أن ينقلب عليهم الحاكم يوما ما، ولذلك لم يشهد الشعب فيها وسائل تقديم الخدمات بصورة عصرية، وبدلا من ذلك كانت الصحة والتعليم والبنى التحتية مهترئة مثل النظام الحاكم.
النوع الأول من الحكام كونوا دول متقدمة ومزدهرة لأنهم احترموا حقوق شعوبهم في الحرية والإبداع، النوع الثاني من الحكام تركوا دولا متخلفة وشعوبا تعيسة لأنهم سلبوهم حقوقهم، ورضي هؤلاء أن يعيشوا بلا حقوق. (من خلاصة قراءتي في كتاب Why Nations Fail)

هل تنشئ دول مجلس التعاون صناديق للأجيال القادمة؟


نشر في صحيفة الاقتصادية بتاريخ 9/10/2012

اتخذ مجلس الوزراء الكويتي في الشهر الماضي قرارا يقضى برفع نسبة الاستقطاع التي تتم من الإيرادات العامة لصالح الأجيال القادمة في الدولة من 10% إلى 25%. الكويت هي أول دولة في العالم تفكر في إنشاء صندوق سيادي للثروة، حيث تم إنشاء صندوق الثروة السيادي للكويت في عام 1953، كما أن الكويت هي أول دولة أيضا تدخل نظام الادخار من الإيرادات العامة للدولة لصالح الأجيال القادمة. تنفرد الكويت من بين دول مجلس التعاون بصندوق الأجيال القادمة، حيث تقوم بخصم 10% من إجمالي إيراداتها العامة (نفطية وغير نفطية) سنويا لصالح صندوق الأجيال القادمة، ويتم هذا التحويل بغض النظر عما اذا كانت الميزانية تحقق فائضا أم عجزا، ففي الأوقات التي لم تكن الإيرادات النفطية تكفي لتغطية الإنفاق العام ويتحقق عجز في الميزانية نتيجة لذلك، كان نصيب الأجيال القادمة يضاف إلى العجز القائم في الميزانية باعتبار أن نصيب الأجيال القادمة من الثروة هو التزام ثابت على الجيل الحالي بغض النظر عما اذا كانت الميزانية تحقق فائضا أما لا. من ناحية أخرى فإن أصول هذا الصندوق غير قابلة للسحب منها تحت أي ظرف وذلك وفقا للمادة الثالثة من قانون صندوق الأجيال القادمة والتي تنص على أنه "لا يجوز خفض النسبة المنصوص عليها في المادة الأولى من هذا القانون أو أخذ أي مبلغ من "احتياطي الأجيال القادمة"، الأمر الذي يعمل على تحصين هذه الأصول ضد المساس بها لأي غرض من الأغراض.
بمرور الزمن أصبح من الواضح أن النسبة التي يتم استقطاعها من الإيرادات العامة لصالح الأجيال القادمة (10%) تبدو غير كافية وغير عادلة أيضا، لذلك تم رفع نسبة الاستقطاع من الإيرادات العامة إلى 25% لكي يتم تكوين مخصصات كافية للأجيال القادمة، وقد كان هذا القرار نابعا من أن ما يتم تحويله لصندوق الأجيال القادمة بمستويات الاستقطاع الحالية لم يعد كافيا لتدبير احتياجات الإنفاق لهذه الأجيال سوى لفترة قصيرة بعد نفاد النفط، حيث لم تعد له قيمة كبيرة من الناحية الحقيقية بسبب نمو حجم الإنفاق العام، وأنه قد آن الأوان لإحداث قدر من العدالة بين الأجيال في اقتسام الثروة النفطية بين الجيل الحالي والأجيال القادمة، فوفقا للنظام المتبع في الوقت الحالي يمكن أن يستأثر الجيل الحالي بـ 90% من الثروة النفطية، بينما يخصص 10% فقط من هذه الثروة للأجيال القادمة، وأخذا في الاعتبار أن الثروة النفطية ليست ملكا للجيل الحالي، فإن الاقتصار على تخصيص نسبة 10% فقط من الثروة النفطية لصالح كل الأجيال القادمة فيه غبن واضح لحقوق تلك الأجيال، ويتنافى مع مبادئ المحاسبة العادلة بين الأجيال، ويترتب عليه عدم التوزيع العادل للثروة النفطية بدولة الكويت.
لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو لماذا لم تحاكي دول مجلس التعاون الأخرى الكويت في تخصيص جانب من إيراداتها النفطية لمصلحة الأجيال القادمة؟ ذلك أن الثروة النفطية الاستثنائية والناضبة التي تتمتع بها دول المجلس حاليا ومنها الكويت هي في واقع الأمر ليست ملكا للجيل الحالي، وإنما ملك للجيل الحالي والأجيال القادمة، وبالتالي فإن اعتبارات العدالة في توزيع الثروة بين الأجيال تقضي بضرورة تحويل نصيب مناسب وعادل من تلك الثروة الاستثنائية للأجيال القادمة. المشكلة الأساسية التي تواجهها الدول النفطية حاليا هي أنه مع كل زيادة تحدث في الإيرادات النفطية وتعزز من الفوائض المحققة في الميزانية تنفتح شهية المطالبين برفع مستويات الدخول والدعم، بدلا من استخدام هذه الفوائض في إرساء أساس إنتاجي متين يمكن أن تواجه به هذه الدول فترة ما بعد النفط، وهي فترة ليست ببعيدة عنا كما يعتقد البعض، الأمر الذي يمثل هدرا واضحا لهذه الفوائض، دون أن يصاحب ذلك نمو في الإنفاق الاستثماري على النحو الذي يؤدي إلى زيادة رصيد رأس المال الثابت والبنى التحتية التي تشجع على زيادة حجم الأصول الإنتاجية ورفع مستويات تنافسية الاقتصاد الوطني، أو حتى أن يصاحب ذلك زيادة على نحو مماثل في حصة الأجيال القادمة من الثروة النفطية، وعلى العكس من ذلك فقد أصبحت المخصصات المالية للمرتبات والدعم تستهلك معظم الإنفاق العام، بينما تعد المخصصات الموجهة نحو الاستثمار العام كنسبة من الناتج تساوي تلك التي تخصصها الدول النامية الفقيرة في العالم لهذا النوع من الإنفاق، وفي بعض الأحيان ربما أقل.  في ظل هذه الأوضاع قد يكون من الأفضل لدول مجلس التعاون بدلا من أن تحقق فائضا يفتح المطالب نحو هدره، أن تحول الجانب الأكبر من هذا الفائض لصندوق للأجيال القادمة، فربما يكونوا أكثر رشدا وقدرة على استخدام هذه الفوائض على نحو أكثر إنتاجية من الأجيال الحالية. 
تنبغي الإشارة إلى أنه مما لا شك فيه أن التزام دول مجلس التعاون بتخصيص جانب من إيراداتها النفطية لصالح الأجيال القادمة سوف يشجع الحكومات على تحسين كفاءة المالية العامة للدولة، حيث سيجبر الحكومات المتعاقبة على أن تتحرك في نطاق مالي أضيق وتكون اكثر حذرا عندما تفكر في الاستجابة لزيادات غير المبررة في الدخول، أو ربما قد يدفع الحكومات إلى التفكير في كيفية رفع كفاءة الإنفاق العام من خلال الحد من جوانب الهدر المختلفة فيه والتفكير جديا في التحول إلى الاعتماد على مصادر أخرى للإيرادات العامة للدولة، بدلا من الاعتماد بشكل أساسي على الإيرادات النفطية.
كذلك لا بد من الإشارة إلى أن ادخار قدر محدد من الثروة لصالح الأجيال القادمة ليس هو الخيار الأمثل لدول مجلس التعاون، إذ يفترض أن تستخدم هذه الثروة في تهيئة بيئة اقتصادية قادرة على تنويع الدخل على نحو مستدام وبشكل يضمن استمرار مستويات الرفاه مرتفعة للأجيال القادمة على نحو يماثل ما تتمتع به الأجيال الحالية من الثروة على الأقل. غير أنه من الواضح أن الجيل الحالي لا يفعل ذلك، ومع كل ارتفاع في مستويات الإيرادات من النفط تنتشر أنماط من الاستهلاك الترفي لا تتماشى مع الاستخدام الأمثل لهذه الثروة الاستثنائية، وبدلا من ربط الأحزمة والبحث عن السبل المثلى لاستثمار هذه الثروة في تعديل الهيكل الحالي للإنتاج، ورفع قدرة الاقتصادات الوطنية على فتح المزيد من الوظائف المنتجة على المدى الطويل، فإن جانبا لا بأس به من هذه الثروة يتم هدره حاليا في الاستهلاك الذي لا يتوافق أبدا مع الإنتاجية الحقيقية للمستهلك.
لقد أصبحت تطلعات المستهلكين في دول المجلس اليوم بلا حدود، ومن الواضح أن الجيل الحالي قد أسرف، بشكل عام، في استخدام الثروة النفطية على نحو كبير ولم يبذل الجهد اللازم لتحويل هذه الثروة إلى أصول إنتاجية تسهم في تنويع مصادر الدخل وترسي أساسا متينا لاستدامة النمو المستقبلي بمستويات مرتفعة من الدخل بعيدا عن النفط، وبدلا من ذلك تبنى الجيل الحالي أنماط استهلاك ترفيه وانتشر دافع المحاكاة والتقليد على نحو واسع، وتم إهدار جانبا كبيرا من الثروة النفطية الناضبة للأسف الشديد في الاستهلاك الترفي الذي أصبح ينظر إليه على أنه أحد الحقوق الأساسية للفرد، بغض النظر عن مؤهله أو وظيفته التي يؤديها أو مدى المساهمة الحقيقية التي يبذلها في العمل والإنتاج، في ظل هذه الأوضاع غير المواتية لاستخدام الثروة على النحو الأمثل يصبح الادخار لصالح الأجيال القادمة هو الخيار الأمثل أمام الدول النفطية، فربما تكون الأجيال القادمة أكثر وعيا وقدرة وإبداعا من الجيل الحالي وتوجه هذه الثروات على نحو أفضل مما يتم حاليا.

الثلاثاء، أكتوبر 09، 2012

لماذا تسقط الأمم


أقرأ حاليا في كتاب "Why Nations  Fail: The Origins of Power, Prosperity and Poverty" الكتاب اصدر العام الماضي، الكتاب يحلل العوامل التي تساعد الأمم على النهوض والارتقاء والعوامل التي تؤدي إلى انهيارها، وذلك باستعراض تجارب العالم في النمو والنهضة والسقوط أيضا.

مقدمة الكتاب تنصب على توصيف الحالة المصرية التي قام فيها الضباط الأحرار بثورة في بداية الخمسينيات، لكنها ثورة اختلفت عن الثورات التي ساعدت الأمم الأخرى على النهضة، حيث ان كل ما فعلته هو أنها أحلت طبقة صفوة محل طبقة صفوة أخرى، في الوقت الذي فشلت فيه وكذلك النظم التي تلتها على تقديم ما فشلت فيه أيضا النظم التي سبقتها، حتى قامت ثورة 25 يناير.  

الكتاب يتساءلون عن أسباب تخلف دولة مثل مصر، لماذا لم تكن على نفس مستوى النمو والنهضة التي تعيشها دولة مثل بريطانيا مثلا، ما الذي جعل بريطانيا متقدمة بينما مصر متخلفة، هل هي طبيعة المناخ، أو ندرة الأرض الزراعية اللازمة لإنتاج حاجات مصر الغذائية، أم هي طريقة الحياة التي يحياها المصريون ونمط سلوكهم وعاداتهم وتقاليدهم، أم هو الدين الإسلامي الذي يتمسكون به ولا يساعدهم على الرقي والتقدم؟ الكتاب يصل إلى خلاصة أن سبب سقوط النظام المصري هو فشل الدولة في تقديم الحاجات الأساسية لسكانها من تعليم وصحة وبنية تحتية، في الوقت الذي حرص فيه النظام على توجيه موارد الدولة أساسا لمصلحة قلة من صفوة المجتمع وغفل عن تلبية حاجات الشعب، ولم تكن تتاح فيه الفرصة الكاملة للمشاركة العادلة لجموع السكان، وعزل من لا يريد عن الوصول عن المشاركة السياسية الحقيقية، فقتل الطموح لدى الموهوبين فيهم. في الوقت الذي يحرص فيه النظام في دولة مثل بريطانيا على إدارة موارد الدولة لتعظيم منافع الناس بالدرجة الأولى وإتاحة الفرصة كاملة للمشاركة السياسية واختيار القادة وعزلهم في ذات الوقت.

في أول لقاء تليفزيوني له اشار الرئيس محمد مرسي إلى أن موارد مصر كانت تدار لمصلحة 32 أسرة فقط من بين 85 مليونا يعيشون في كافة أنحاء مصر، وهو ما يشير إلى قدر هائل من عدم العدالة في توزيع الموارد في مصر، وهو ما جعل الشباب الذين قاموا بالثورة برفع شعار "عيش، حرية، عدالة اجتماعية" تعبيرا عن الظلم الفادح الذي نشره حسنى مبارك في ربوع مصر.

هذه الرسالة أوجهها للرئيس الدكتور محمد مرسي وحكومته. إن المهمة الأساسية للدولة الآن هي الاهتمام بالإنسان المصري بالدرجة الأولى، وان تكون تلك هي الأولوية الأولى للنظام الآن، بالاهتمام بصحته وتعليمه وحريته ومشاركته السياسة وإتاحة الفرص كاملة للجميع للمشاركة بفعالية في توجيه موارد هذا البلد وجهتها الصحيحة لتنمية روح الإبداع لدى الإنسان المصري ومساعدته على النهوض ببلده. مصر حق لكل المصريين، الذي هم مع النظام او الذين هم ضده، ينبغي أن تعطى لهم الفرص كاملة بغض النظر عن معتقداتهم أو انتماءاتهم السياسية. مصر حق لجميع المصريين، والجميع يجب أن تكون له نفس الفرصة كاملة للمشاركة في بناءها وقيادتها.