الجمعة، فبراير 18، 2011

هل تعود الاشتراكية مجددا؟

نشر في صحيفة الاقتصادية السعودية بتاريخ الجمعة 18/2/2011.
تعرف الاشتراكية، من الناحية النظرية، بأنها ذلك النظام السياسي الذي تقوم فيه الحكومة بالسيطرة على جانب كبير من الاقتصاد، وتعمل على إعادة توزيع الثروةن بهدف تحقيق العدالة الاجتماعية بين الفئات المختلفة في المجتمع، وربما ينظر إلى الاشتراكية حاليا على أنها فكرة شبه ميتة. فمنذ ان سقط حائط برلين في أوائل التسعينيات من القرن الماضي، وسقطت معه أعلام الاشتراكية في العالم واحدا تلو الآخر، تحول العالم إلى عالم يسود فيه نظام اقتصادي واحد تقريبا.

قبل سقوط حائط برلين، رفعت المرأة الحديدية "مارجريت تاتشر" شعار الخصخصة ونفذته على ارض الواقع بلا هوادة في المملكة المتحدة، والتي منها انتقلت السياسة إلى كافة أنحاء الأرض تقريبا، حيث تم التخلص من الجانب الأكبر من القطاع العام والعودة مرة أخرى إلى قوى السوق للإنتاج من أجل الربح وليس من أجل المجموع، وشاعت في العالم أيديولوجية اقتصادية قائمة على حرية السوق وسيطرة القطاع الخاص، وتقليص دور القطاع الحكومي إلى أدنى حد، وانتشرت أفكار ما يعرف بالليبرالية الجديدة، وتراجع مفهوم دولة الرفاه، ومعه بالتالي حق المواطنين في الكثير من الدول في ضمان معاش تقاعدي مناسب يكفيهم، وتأمين صحي مجاني يكفل لهم الحصول على الرعاية الصحية المناسبة، وفي كثير من الأحيان تراجعت جودة الخدمات التعليمية المجانية على نحو كبير.

لقد تم كل هذا استنادا إلى فرضية كفاءة السوق، وهي فرضية أراها شخصيا جيدة وصحيحة، ولكن ينبغي التأكيد على أن حرية السوق لا بد وأن يصاحبها مراقبة لصيقة وفعالة من جانب صانع السياسة للتأكد من أن مختلف فئات المجتمع لا تضار من هذه الحرية المفرطة للسوق، ومن ثم التدخل، عندما يستلزم الأمر ذلك، لحماية مصالح مختلف الفئات، بصفة خاصة محدودة الدخل، وباختصار شديد لقد ترتب على تلك السياسات العديد من الآثار السلبية على رفاهية قطاعات عريضة من الناس، خصوصا عندما وقعت أكبر أزمة تعرض لها العالم منذ الكساد العظيم، أهمها:

1. ارتفاع معدلات البطالة نتيجة تحويل قطاعات الإنتاج والخدمات الأساسية نحو القطاع الخاص الذي يعمل وفقا لقواعد السوق، وتعظيم الكفاءة من خلال تخفيض التكاليف إلى أدنى مستوى ممكن، ومن ثم تم الاستغناء عن جانب كبير من جيوش العمال التي كانت تعمل في المشروعات الإنتاجية والخدمية العامة.

2. ارتفاع مستويات الأسعار، حيث أصبحت أسعار السلع والخدمات تعكس قوى السوق والتكلفة، ولم تعد اعتبارات الأسعار المقبولة اجتماعيا، والتي تضمن أن يتم تحديد أسعار السلع والخدمات بصورة مقبولة من جانب معظم فئات الشعب، ولا ترهق الطبقات محدودة الدخل، تحظى بتأييد من صناع السياسة، وهو ما صاحبه انخفاض في رفاهية قطاعات كبيرة من السكان.

3. تضخم ثروات رجال الأعمال والمضاربين في أسواق المال، واتساع الفوارق الطبقية بين فئات المجتمع المختلفة، خصوصا مع تخفيض معدلات الضرائب إلى أدنى حد في معظم الدول، وفي الكثير من المجتمعات، خصوصا الدول النامية، تضاءلت الطبقات الدخلية الوسطى والتي كانت تعيش، في ظل التدخل الحكومي، في مستويات رفاه أعلى.

4. إطلاق قوى السوق وانفلات بعض القطاعات، بصفة خاصة قطاع المال، من السيطرة الحكومية نتيجة تبني سياسات الحرية الاقتصادية، ومن ثم إطلاق حرية الابتكارات المالية الهادفة أساسا إلى تعظيم الربع، وتدنية التدخل الحكومي في هذه القطاعات إلى أدنى مستوى، فازدادت معها مخاطر عدم الاستقرار على المستوى الكلي.

5. ازدياد معدل تكرار الاضطرابات على المستوىين الاقتصادي والاجتماعي، وعمق تأثير هذه الاضطرابات على قطاع الأعمال الخاص، والذي غالبا ما يبادر بإعلان إفلاسه مع أول هزة، وذلك مقارنة بمشروع الأعمال العام القادر على الاستمرار في الإنتاج لفترات زمنية أطول نسبيا مستفيدا من المساندة الحكومية، الأمر الذي يساعد على توفير الأمان الوظيفي لقطاعات أكبر من العاملين في مختلف القطاعات.

6. ارتفاع نفقات الحصول على السلع العامة مثل الصحة والتعليم على نحو واضح، حيث أصبح التأمين الصحي هو السبيل الوحيد تقريبا أمام الكثير من الفئات لضمان تقديم خدمة صحية جيدة، في الوقت الذي لم تتمكن فيه فئات عريضة من المجتمع من تأمين نفسها صحيا بسبب عدم قدرتها على تحمل أعباء ذلك، فانقطعت بهم سبل التغطية التأمينية الصحية، مثلما هو الحال في الولايات المتحدة، الأمر الذي دعا الرئيس أوباما إلى تبني برنامج مكلف جدا لمد التأمين الصحي إلى باقي الأمريكيين.

قبل سقوط حائط برلين، كان مؤشر جودة نوعية الحياة Quality of Life Index، الذي طور ليعكس مستويات الرفاه التي يحصل عليها السكان في مختلف دول العالم، بدلا من المؤشر المعيب البديل والمتمثل في متوسط نصيب الفرد من الدخل، الذي يخفي في طياته فروقا واضحة بين مختلف الطبقات، باعتباره مجرد متوسط، يشير إلى أن دولا مثل تشيكوسلوفاكيا السابقة والتي كانت دولة اشتراكية في ذلك الوقت، كانت تتفوق على الولايات المتحدة في جودة نوعية الحياة المقدمة للناس. فلما ثار الناس على السياسات الاشتراكية، وتحولت اقتصاديات الدول الاشتراكية سابقا إلى نظام السوق الحر، بدأ السكان يشعرون بضغط الحياة بدون الدور الحكومي الفعال في حياتهم والذي يضمن لهم تقديم الخدمات الأساسية مثل التعليم والصحة والسكن. حيث أصبح معظم هذا يقدم الآن من خلال السوق، وبقوانين السوق، أي من يدفع هو من يسمح له بحرية الوصول إلى هذه الخدمات، ومن لا يدفع لا يحصل على هذه الخدمات، أو يحصل عليها من خلال القنوات المتبقية من عصر التدخل الحكومي الفعال والتي تتصف بشكل عام بتردي الخدمات المقدمة من خلالها وانخفاض جودتها.

7. لم تعد الميزانيات التي توجهها الحكومات في الكثير من الدول لمؤسسات التعليم العام، بصفة خاصة الجامعي كافية، ولعل ما فعلته الحكومة البريطانية مؤخرا من رفع رسوم التعليم الجامعي، لكي تتماشى مع الميزانيات الضخمة التي تنفقها الجامعات في سبيل تقديم الخدمة التعليمية الجامعية، سوف يكون له آثارا عميقة على حرية الوصول إلى التعليم الجامعي لقطاعات كبيرة من الأسر في المجتمع البريطاني، والتي قد لا تتمكن من تأمين القدرة على خدمة القروض التعليمية المرتفعة في مقابل الخطط المعدة لمستويات الرسوم الجامعية الكبيرة التي فرضتها الجامعات على الطلبة مؤخرا، حيث سيصبح لزاما على الأسر أن تنفق مبالغ طائلة نظير تعليم أبناءها، أو اضطرار الطلبة إلى عقد قروض مرتفعة سوف يتطلب خدمتها عددا أكبر من السنوات بعد دخول سوق العمل.

هذا بالطبع لا يعني أنه أثناء انتشار السياسات الاشتراكية في جانب كبير من أنحاء العالم، لم تكن تلك الدول تعاني من مثل هذه الضغوط، وإنما كان تأثيرها اقل أو محدودا، وبغض النظر عن مدى كفاءة السياسات ذات الطابع الاشتراكي، فإنه من المؤكد ان تلك السياسات كان لها آثار ايجابية وأخرى سلبية. نعم كان للسياسات الاشتراكية أخطاء، ولكن ردة الفعل لهذه الأخطاء ربما كانت متطرفة، حيث تحولت اقتصاديات العالم إلى نظم تلفظ هذه السياسات تماما، ونتيجة لذلك تم التحول إلى نظام السوق على نحو متطرف في رأيي الشخصي.

من ناحية أخرى لا أعتقد أن التجربة الاشتراكية كانت ايجابية على طول الخط. فعلى الرغم من أن الملكية العامة لبعض أدوات الإنتاج قد لا ينظر إليها قادة الفكر الاشتراكي مثل "فردريك إنجلز" على أنها تعادل الاشتراكية، أو حتى عندما يتم جلب حزب اشتراكي إلى الحكم، وأنه من وجهة نظر "كارل ماركس" و "فردريك إنجلز" فإن تطبيق الاشتراكية لا يمكن ان يتم سوى بأن يتولى العمال قيادة المجتمع والسيطرة على عملية الإنتاج فيه، فإن مثل هذه الصياغة المتطرفة للاشتراكية ربما لم تعد ممكنة أو مقبولة في العالم حاليا، نظرا للتجربة السيئة التي مرت على العالم من خلال النظام الاشتراكي شبه الخالص.

غير أنه تجدر الإشارة إلى أنه في هذا الوقت بالذات لا بد من التأكيد على أن التجربة التي مر بها العالم منذ سقوط حائط برلين، والتي بلغت ذروتها في ظل الأزمة الحالية، قد أعادت كتابات كارل ماركس عن النظام الرأسمالي إلى الواجهة، على سبيل المثال فقد وصف كارل ماركس في كتابه "رأس المال" كيف تؤدي الرأسمالية إلى "نشوء طبقة ارستقراطية مالية جديدة من خلال مجموعة جديدة من الفئات الطفيلية الذين يتخذون شكل المروجين والمضاربين والمديرين، ونظاما كاملا من النصب والغش عن طريق الترويج للمؤسسات وإصدار الأوراق المالية والمضاربة على الأسهم"، فهل اختلفت ممارسات نظام السوق الحر عما وصفه ماركس عن الطبقات الجديدة من الأغنياء الذين كونوا ثرواتهم الضخمة من أنشطة غير منتجة، مستغلين الفضاء الهائل الذي صنعه هذا النظام في صورة السوق المالي العالمي بتريليوناته الضخمة والذي انتهى للأسف بالأزمة المالية الحالية؟.

كذلك شرح ماركس كيف تؤدي حالات الذعر المالي إلى تعميق أثر حالات الكساد الدورية التي تستوطن النظم الرأسمالية. كما أشار كارل ماركس وفردريك إنجلز في البيان الشيوعي إلى أن النظام الرأسمالي هو "المجتمع الذي يستحضر هذه الوسائل الضخمة للإنتاج والتبادل، مثله مثل الساحر الذي لم يعد قادرا على السيطرة على قوى العالم السفلي الذي كان قد دعا إليه من خلال وصفاته السحرية"، وهو وصف جيد جدا لحالة الذعر المالي والكساد الحاليين.

لقد هزت أزمة العالم الحالية الثقة في النظام الرأسمالي الذي كان يشار إليه بأنه نظام لا يمكن أن يهزم، والذي أصبح يوصف اليوم، أكثر من أي وقت مضى، بأنه نظام الأزمات، وأنه هو النظام الذي تسبب في إحداث أكبر كارثة اقتصادية تعرض لها العالم منذ الكساد الكبير حتى الآن، وهو الأساس الذي ربما ينظر البعض إليه على أنه اكبر الحجج على إمكانية عودة السياسات الاشتراكية إلى الساحة مرة أخرى، والتي تعمل على توجيه موارد المجتمع أساسا لتحقيق احتياجات غالبية الناس في المجتمع، وليس وفقا لقوى السوق، وأصبح عدد أقل من الناس الآن عن ذي قبل، يؤيد النظام الرأسمالي كنظام اقتصادي.

اليوم يتصاعد تيار اليسار في أوروبا، وخصوصا في ألمانيا وهولندا، وفي اليونان، بعد حزمة الإجراءات الأخيرة التي تم فرضها على البلاد لمواجهة مشكلة الديون السيادية لليونان، وكذلك في النرويج. كما يتنامى دور أحزاب اليسار في أوروبا أيضا بسبب معارضتها لسياسات الهجرة، التي تعد من أيديولوجيات الليبرالية الجديدة، والتي تنظر إلى تدفقات المهاجرين بأنها ترفع من درجة مرونة أسواق العمل، وبشكل عام أصبح عدد لا بأس به من الناس ينظر إلى الاشتراكية على أنها فكرة جيدة، أو أصبح ينظر إلى فكرة تملك الدولة لمشروعات إنتاجية على أنها أيضا فكرة جيدة، بل من الواضح ان كثير من الناخبين أصبح لديهم استعداد اكبر لمنح أصواتهم لأحزاب اليسار.

عودة شبح الاشتراكية إلى الواجهة ربما تعكس الحراك الذي أصبحت تمثله الطبقات العاملة والطبقات منخفضة الدخول للحصول على حقها في الوصول إلى حقوقها الأساسية التي حرمها إياها نظام السوق، وما زال الأول من مايو يوما يعبر فيه العمال في الكثير من دول أوروبا عن غضبهم من السياسات المصممة ضد الطبقات العاملة التي تنفذها الحكومات ضمن إطار سياساتها الرامية إلى التعامل مع الأزمة الاقتصادية العالمية. كذلك كانت هناك تحركات محدودة في الولايات المتحدة، وإن كان البعض ينظر إلى ذلك بأنه يعد تطورا مهما، حيث كان ينظر إلى الأول من مايو من منظور أنه مناسبة أجنبية ليس لها علاقة بالعمال الأمريكيين.

استجابة لهذه الشواهد على أرض الواقع، بدأ بعض الدول في تطبيق الكثير من السياسات التي تحمل الطابع الاشتراكي، أو على الأقل الدعوة لها، مثل الدعوة إلى رفع الضرائب، وضرورة سن قوانين تحد من قوة الشركات، وإصلاح النظام المالي المحلي والعالمي، وزيادة الإنفاق الحكومي على البرامج الاجتماعية، وتوسيع نطاق تغطية التأمين الصحي.. الخ. على سبيل المثال أدرجت حكومة أوباما مئات المليارات لتغطية تكلفة إصلاح نظام الرعاية الصحية، وتوفير دعم للفئات ذات الدخل المتوسط وهو ما يشكل اتساعا لبرامج الرفاه الحكومي، والذي يعد أحد أوجه الاشتراكية، وقد وصفت الإصلاحات التي قام بها الرئيس أوباما، مثل إصلاحات نظام الرعاية الصحية في الولايات المتحدة، من جانب بعض المراقبين بأنها عودة للاشتراكية.

لست اشتراكيا، ولا أحبذ التيارات الاشتراكية، وأؤمن بأن عودة الاشتراكية في صورتها الخالصة إلى الساحة مرة أخرى ربما تكون أمرا مستبعدا في الوقت الحالي، ولكني أرى ان الحكومات التي تؤمن بالليبرالية الجديدة لم تراع البعد الاجتماعي عند سيطرتها وانتشارها، ومن ثم أصبح لزاما عليها أن تواجه هذه التيارات الرافضة لتراجع رفاهية الناس وكرامتهم وقوتهم الشرائية ووظائفهم من أجل مبدأ حرية السوق. وربما يكون السؤال الأساسي الملح حاليا هو هل تغلب اعتبارات الكفاءة الاقتصادية على اعتبارات الرفاه والعدالة؟ يبدو لي أن الإجابة هي لا، وأن السياسات الاقتصادية التي تمارس حاليا والتي تستند على اقتصاديات السوق سوف تستمر، لكنه من المؤكد أنها ربما تطعم بالمزيد من السياسات ذات الطابع الاشتراكي، أو مزيج منها، بحيث تشكل الملجأ أمام الكثير من الدول للخروج من إفرازات نظام السوق الحر.

في رأيي أن حكومات دول العالم مطالبة اليوم بالعمل بصورة أكبر على ضمان توفير فرص أكبر للتوظف، بصفة خاصة للداخلين الجدد إلى سوق العمل، وتوفير المساكن لقطاعات أوسع من السكان والتي لا تملك حرية الوصول إلى هذه السلعة المكلفة جدا، والتي ثبت أن محاولة تقديمها من خلال القطاع الخاص كانت كارثية على الناس وعلى الاقتصاد، وتأمين حرية الوصول إلى خدمات الرعاية الصحية والتي اتسع حرمان الكثير من السكان منها، وتأمين حرية الوصول إلى الخدمات التعليمية مرتفعة الجودة بعيدا عن قوى السوق، وتأمين باقي الخدمات الأساسية للسكان، وأعتقد أن جميع الأحزاب الحاكمة في كافة أنحاء العالم أصبحت مطالبة اليوم أكثر من أي وقت مضى بوضع رقابة لصيقة على السوق، والتأكد من عدم تأثر العمال والفئات محدودة الدخل من إطلاق حرية الأسواق، والاهم من ذلك كله مكافحة الفقر.

بدون بذل هذا الجهد، أعتقد أن السياسات الاشتراكية ربما تطل علينا مجددا، والتي ليس شرطا أن تأخذ صورة التدخل الكامل من قبل الدولة في مسار الاقتصاد وتعطيل الأسواق بصورة كلية، والقضاء على رأس المال الخاص، ولكنها قد تكون في صورة مزيج مختلط من النظامين بحيث يتم الدفاع بصورة اكبر عن العمال والطبقات محدودة الدخل وتأمين السلع العامة الأساسية لها، بدلا من أن تتم عملية توجيه الموارد في المجتمع لهدف واحد وهو تحقيق الربح.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق