الاثنين، مارس ١٢، ٢٠١٢

هل تلجأ الكويت إلى تخفيض قيمة الدينار؟ 2


نظم تحديد معدل الصرف
يتحدد معدل صرف العملة الوطنية وفقا للنظام الذي يتبناه البنك المركزي لتحديد قيمة العملة. وتتعدد نظم معدل الصرف بشكل عام، إلا انه يمكن تلخيصها في نظام لمعدل الصرف الحر أو المعوم Floating، ونظام تثبيت معدل الصرف (أو ربط العملة) بالنسبة لعملة دولية مثل الدولار Pegged، أو قد يتم تحديد معدل الصرف من خلال استخدام سلة من العملات Currency basket، أو قد يتم تحديد معدل الصرف من خلال التدخل الحكومي وفقا لاتجاهات السوق، مع التدخل من وقت لآخر لتوجيه اتجاه هذا التقلب، وهو ما يطلق عليه التعويم القذر Dirty floating، والذي يتم بهدف التأكد من أن التغير في قيمة العملة يسير الاتجاه المرغوب فيه من قبل الحكومة، بالإضافة إلى بعض الأشكال الأخرى الهامشية لتحديد معدل الصرف.
على سبيل المثال تقوم المملكة العربية السعودية بربط عملتها بالدولار الأمريكي ربطا جامدا، حيث لا يسمح لمعدل صرف الريال بالدولار بالتغير ارتفاعا أو انخفاضا، وهو ما يعرض الريال السعودي إلى التقلب الشديد في مقابل العملات الأخرى غير الدولار، نظرا للتقلب الكبير الذي يعاني منها الدولار في سوق النقد الأجنبي حاليا، فطبقا لنظام ربط الريال السعودي يتحدد سعر مركزي هو 3.75 ريالا في مقابل كل دولار، ولا يسمح للريال بالارتفاع أو الانخفاض في مقابل الدولار عن هذا السعر، فكيف إذن يتم المحافظة على هذا السعر إذا ما انحرف السعر السوقي عن هذا المستوى المحددة من قبل السلطات النقدية؟ يتم هذا غالبا من خلال تدخل مؤسسة النقد في سوق الصرف الأجنبي ببيع الدولار، في حالة وجود ضغوط على الدولار نحو الارتفاع بالنسبة للريال، أو بشراء الدولار، في حالة وجود ضغوط على الدولار نحو الانخفاض بالنسبة للريال، معنى ذلك أن السلطات النقدية تراقب معدل صرف واحد للريال وهو معدل صرف الريال بالنسبة للدولار، ولكن ماذا عن علاقة الريال بالنسبة لباقي العملات؟
يتم تحديد معدل صرف الريال بالنسبة لهذه العملات من خلال الدولار نفسه، بصفته عملة الربط. على سبيل المثال لو فرض أن الدولار تراجع في قيمته بالنسبة لليورو بنسبة 20%، فإن هذا سوف يعني بالتبعية تراجع قيمة الريال السعودي بالنسبة لليورو بنفس النسبة، ومن ثم تأخذ أسعار السلع التي يتم استيرادها باليورو في الارتفاع بنفس النسبة، بينما تنخفض أسعار السلع السعودية التي تصدر إلى منطقة اليورو بنفس النسبة، والعكس في حالة ارتفاع قيمة الدولار بالنسبة لليورو، فان الريال السعودي يرتفع بنفس النسبة، مثل هذا النظام تكون آثاره السلبية مرتفعة اذا ما كانت عملة الربط شديدة التقلب، حيث تفتقد عملة الدولة للاستقرار المنشود من عملية الربط.
ولكن لماذا تلجأ دول مثل المملكة إلى هذا النظام على الرغم من مساوئه؟ الإجابة هي أن هذا النظام بسيط وسهل التطبيق من الناحية العملية، ولا يتطلب خبرات فنية في متابعة معدل الصرف لتحديد معدل الصرف العادل بالنسبة للعملة المحلية في مقابل العملات الأجنبية، فضلا عن أنه يسهل اتباع هذا النظام في الدول التي لديها احتياطيات كافية من الدولار للتدخل في سوق الصرف الأجنبي في الوقت المناسب. مشكلة هذا النظام الثانية هي أن الدولة لن يكون لها سياسة نقدية مستقلة، بمعنى آخر أنها سوف تتبنى معدل الفائدة الذي يقوم بتحديده الاحتياطي الفدرالي مع الحفاظ على هوامش معدلات الفائدة بين الدولار والريال.
على الجانب الآخر فإن نظام التعويم المدار Managed Floating System هو نظام آخر لتحديد معدل الصرف والذي بمقتضاه يترك تحديد معدل الصرف لقوى العرض والطلب ولكن في إطار حدود قصوى ودنيا لمعدل الصرف أو ما يمكن أن نسميه نطاق التذبذب، فعندما يتجاوز معدل الصرف الحد الأقصى أو الأدنى المحدد لنطاق التذبذب يتدخل البنك المركزي بهدف إعادة معدل الصرف إلى نطاق التذبذب باستخدام الأدوات المختلفة مثل بيع أو شراء العملات الأجنبية أو تغيير معدل الفائدة على العملة الوطنية، ويتسم هذا النظام عن نظام الربط بأنه يوفر قدر كبير من الحرية للدولة في تحديد قيمة عملتها المحلية، كما أنه يساعد على الحفاظ على القيمة الحقيقية للعملة ومن ثم درجة تنافسية الدولة.
من ناحية أخرى يقوم نظام سلة العملات، وهو النظام الذي تتبعه الكويت حاليا، على أساس اختيار البنك المركزي للدولة لمجموعة من العملات الأساسية لتشكل السلة، وغالبا ما يتم انتقاء هذه العملات على أساس كثافة التجارة البينية بين الدولة والدول صاحبة هذه العملات، حيث يقوم البنك المركزي بترتيب الدول الشركاء في التجارة مع الدولة حسب أهميتها (أي بحسب نسبة إجمالي الواردات والصادرات من والى هذه الدولة إلى إجمالي التجارة الخارجية للدولة)، ثم يعطى لكل عملة من عملات أهم الدول وزنا في تحديد معدل الصرف بين العملة وعملات هذه الدول. على سبيل المثال إذا فرضنا أن أهم شركاء الدولة في التجارة الخارجية هم الولايات المتحدة (نسبة الصادرات والواردات إلى إجمالي التجارة الخارجية للدولة هي 50%، سوف نطلق على هذه النسبة الوزن)، ونسبة التجارة مع دول الاتحاد النقدي الأوروبي هي 20%، ونسبة التجارة مع اليابان هو 20%، ونسبة التجارة مع المملكة المتحدة هي 10%. بناء على هذه البيانات يتم إعطاء الدولار الأمريكي وزنا يساوي 50% في معدل صرف العملة المحلية، واليورو وزنا يساوي 20%، والين الياباني وزنا يساوي 20%، والجنيه الإسترليني وزنا يساوي 10% (لاحظ أن إجمالي الأوزان يساوي 100%). والآن بفرض أن الجنيه الإسترليني انخفض بنسبة 20%، في مثل هذه الحالة سوف تنخفض العملة بنسبة 10% من الانخفاض الذي حدث للجنيه الإسترليني، أي بنسبة 2% فقط، وهكذا، مع تغير الأوزان، أو تغير قيمة العملات المكونة للسلة يتغير معدل صرف العملة المحلية بالتبعية.
تتمثل أهم مزايا نظام سلة العملات في أنه يساعد على الحفاظ على معدل الصرف الحقيقي للدولة في مواجهة شركاء التجارة، ويساعد على تجنب أي مغالاة في معدل الصرف Overvaluation أو بخس في قيمة العملة Undervaluation، كما أنه يكفل تحقيق الاستقرار النسبي لمعدل صرف العملة بالنسبة لعملات الدول الشركاء في التجارة مع الدولة، إذ أن ارتفاع قيمة عملة معينة داخل السلة، يعني انخفاض العملات الأخرى بالنسبة لتلك العملة والعكس.
غير أن لهذا النظام عيوب أيضا؛ بصفة أساسية أنه قد لا يوفر الاستقرار المطلوب في معدل الصرف اذا كانت التجارة مركزة مع دولة ما، ومن ثم كانت أوزان تحديد معدل الصرف مرتكزة حول عملة معينة (مثل الدولار). في مثل هذه الحالة سوف يعان نظام تحديد معدل الصرف من نفس العيوب الخاصة بنظام الربط الجامد، كما أن نظام سلة العملات لا يعكس الاختلالات النقدية في سوق النقود، لان معدل الصرف يرتبط أساسا باتجاهات التجارة وليس باتجاهات عرض وطلب النقود في الاقتصاد الوطني، أكثر من ذلك فإنه يحرم صانع السياسة من أداة أساسية من أدوات الاستقرار الاقتصادي وهي معدل صرف العملة الوطنية، لان معدل الصرف يتحدد باتجاهات التجارة فقط.
وبالنسبة لنظام تحديد معدل صرف الدينار الكويتي، فإن العملات المكونة للسلة لا تقتصر فقط على عملات الدول الشركاء للكويت في التجارة، وإنما أيضا يدخل في تركيبة السلة عملات أهم الدول التي للكويت تعاملات مالية (استثمار) معها، وهو ما يجعل من الصعب تخمين مكونات السلة لأن التوزيع النسبي للاستثمارات الخارجية لدولة الكويت غير معلن.
تجدر الإشارة أخيرا إلى أن دول العالم التي تتبع نظام تحديد معدل الصرف على أساس سلة العملات تقوم بالإعلان عن هذه السلة، وذلك وفقا للتطورات التي تحدث في الأهمية النسبية للتوزيع الجغرافي لتجارتها الخارجية مع أهم شركاءها في التجارة، غير أن بعض الدول قد تفضل الاحتفاظ بمكونات السلة بصورة سرية، على سبيل المثال سلة العملات التي يتم على أساسها تحديد قيمة الدينار الكويتي، ولا شك أن الهدف الأساسي من هذا الإخفاء هو حماية العملة المحلية من ضغوط المضاربة في حال توقع تغير الأوزان نتيجة تغير توزيع التجارة، مما يعرض العملة المحلية لهجمات المضاربين، بصفة خاصة إذا تعلق الأمر بعملة دولة لها وزن كبير في السلة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق